|
قال ابن منظور: (وآل الله، وآل
رسوله، أولياؤه، أصلها (أهل) ثمّ أُبدلت الهاء همزة،
فصارت في التقدير (أأل)، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا
الثانية ألفاً).
كما صرّح في لسان العرب بأنّ (العترة)
هم (أهل البيت) مستدلاًّ بحديث: (إنّي تارك فيكم
الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) قال: (فجعل
العترة أهل البيت).
وإذا علمنا بأنّ عليّـاً أمير المؤمنين عليه السلام هو
من أهل البيت بالاتّفاق، ويؤيّده حديث الكساء المشهور
عند سائر المحدِّثين: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي) تبيّن
لنا وبوضوح كيف أنّ الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله
وسلم قد وضع النقاط على الحروف في تشخيص نسـب المهديّ
كما صرّحت به طائفة جديدة من الاَحـاديث.
ومفاد هذه الطائفة، أنّه من أولاد عليٍّ عليه السلام.
ولمّا كان أمير المؤمنين عليه
السلام قد أعقب من سيّدة النساء سبطي هذه الاَُمّة،
كما أعقب من غيرها بعد وفاتها عليها السلام ذكوراً،
لذا جاءت طائفة أُخرى من الاَحاديث لتبيّن للناس
جميعاً أنّ المهديّ الموعود به في آخر الزمان إنّما هو
من أولاد سيّدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام.
ولا شـكّ في أنّ الاَحـاديث التي
تنصّ على كونه من أولاد فاطمـة الزهراء عليها السلام
تقيِّد ما قبلها جميعاً، فتحمل عليها.
وقد جُمعت هذه الطوائف من
الاَحاديث في حديث واحد وهو الحديث المرويّ عن قتادة،
قال: قلت لسعيد بن المسيّب: (المهديّ حقٌّ هو؟ قال:
نعم، قال: قلت: ممّن هو؟ قال: من قريش، قلت: من أيّ
قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال:
من بني عبـد المطّلب، قلت: من أيّ بني عبـد المطلب؟
قال: من وُلْد فاطمة).
وقد أخرج هذا الحديث ابن المنادي،
عن سعيد بن المسيّب مسنداً إلى أُمّ سلمة، عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، باختلاف يسير.
وفي فتن زكريّا ـ على ما في ملاحم
ابن طاووس ـ رواه مسنداً عن ابن المسيّب.
ورواه في (عقد الدرر) كما في رواية
ابن المنادي، ثمّ قال: (أخرجه الاِمام أبو الحسين أحمد
بن جعفر المنادي، وأخرجه الاِمام أبو عبد الله نعيم
ابن حمّـاد.
هـذا، وقد أخرج الحديث غير أُولئك
أيضاً.
على أنّ حديث: (المهديّ حقٌّ، وهو
من وُلْد فاطمة) قد سُجِّل في أربعة وثمانين مصدراً
مهمّاً من مصادر الفريقين، أمّا مصادر أهل السُـنّة
وحدهم فقد وصلت إلى ستّة وخمسين مصدراً، وما تبقّى من
العدد المذكور فهو من مصادر الشيعة الاِمامية، كما هو
مفصّل في معجم أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام.
وقد لفت نظري أنّ أربعة من علماء أهل السُـنّة الّذين
أخرجوا الحديث الشريف، قد أشاروا صراحة إلى وجوده في
صحيح الاِمام مسلم، وهم:
1 ـ ابن حجر الهيتمي (ت 974 هـ) في الصواعق المحرقة،
الباب 11، ص 163.
2 ـ المتّقي الهندي (ت 975 هـ) في كنز العمّال 14|264
ح 38662.
3 ـ الشيخ محمّـد بن علي الصبّان (ت 1206 هـ) في إسعاف
الراغبين، ص 145.
4 ـ الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المالكي (ت 1303 هـ) في
مشارق الاَنوار، ص 112.
وللأسف الشديد أنّي لم أعثر على هذا الحديث في صحيح
مسلم بثلاث طبعات!
ولا بأس هنا أْن نسجّل بعض من صرّح بصحّـته:
منهم: البغوي في (مصابيح السُـنّة)
حيث عدّه في فصل الحسان
،
وصحّحه القرطبي المالكي في التذكرة
نقلاً عن الحاكم النيسابوري، وكذلك السيوطي في الحاوي
للفتاوى
،
والجامع الصغير.
ومنهم من احتجّ به وقال بصحّته،
كابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) الفصل الاَوّل
من الباب الحادي عشر.
ومنهم من قال بتواتره صراحة،
كالبرزنجي في (الاِشاعة) قال: (أحاديث وجود المهديّ،
وخروجه آخر الزمان، وأنّه من عترة رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، من وُلْد فاطمة عليها السلام، بلغت
حدّ التواتر).
ومنهم من قطع بصحّته، كالشيخ أحمد
زيني دحلان مفتي الشافعية، قال: (المقطوع به أنّه لا
بُـدّ من ظهوره وأنّه من وُلْد فاطمة).
وقال الشيخ الصبّان في بيان
المزايا التي اختصّ بها أهل البيت عليهم السلام ـ وقد
ذكر الكثير منها ـ: (ومنها: أنّ منهم مهديّ آخر
الزمان، وأخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة،
والبيهقي، وآخرون: (المهديّ من عترتي من وُلْد
فاطمة)).
فالنتيجة المتّفق عليها بين أهل السُـنّة والشيعة
الاِمامية ـ إلى هنا ـ هو كون الاِمام المهديّ عليه
السلام من وُلْد فاطمة الزهراء عليها السلام.
إذن فلنضع أيدينا على هذه النتيجة المهمّة، ثمّ ندعها
قليلاً ونعود إليها ريثما يتمّ الفراغ من مناقشة بعض
طوائف أحاديث المهديّ الاَُخرى، وعلى النحو التالي:
أحاديث المهديّ من وُلْد العبّاس عـمّ
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
نُسِـبَ الاِمام المهديّ في مجموعة من الاَحاديث إلى
العبّاس عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وسوف
نستعرض جميع تلك الاَحاديث الواردة في كتب السُـنّة،
ليتّضح أنّها ليست من نمط الاَحاديث المتعارضة حقيقة
مع كون المهديّ من وُلْد فاطمة الزهراء عليها السلام
ومن ذرّيّة السبط الشهيد عليه السلام.
وأنّه لا يصحّ التمسك بها بتصريح أرباب هذا الفنّ من
علماء أهل السُـنّة لردّ الاحاديث الصحيحة بحجّة
معارضتها لها؛ لثبوت ضعفها عندهم، واتّهام بعض رواتها
بالكذب في كتب الرجال.
وأمّا ما قيل عن صحّة بعضها فلا يصحّ جعله معارضاً
لغيره من الصحيح الثابت؛ لاَنّ من شرط التعارض هو
التساوي في كلّ شيء بين المتعارضَين، وليس الاكتفاء
بشرط الصحّة.
فقد يُروى خبر ما بطريق معتبر، ولكن تشهد قرائن خارجية
عنه بمخالفته للواقع.
وقد يُروى خبر آخر بطريق واحد أو طريقين، ويُروى ما
تعارض معه بعشرات الطرق، وعندها لا يصحّ اعتبارها من
المتعارضَين على فرض وثاقة رواتهما؛ ذلك لاَنّ شهرة
الخبر وكثرة رواته وتعدّد طرقه من المرجّحات على غيره
المساوي له من حيث صحّة النقل، فالتعارض في مثل هذا
يكون تعارض من حيث صحّة النقل لا غير، ولا تعارض بينها
من حيث الشهرة وتعدّد الطرق، ونحوهما من المرجّحات
الاَُخرى.
فكيف الاَمر لو كان التعارض المدّعى بين الصحيح الثابت
اتّفاقاً وبين الضعيف، أو الموضوع، أو المؤوّل بما
يتّفق مع الصحيح؟!
وسوف نرى أنّ الاَحاديث التي نسبت الاِمام المهديّ إلى
العبّاس بن عبـد المطّلب صلى الله عليه وله وسلم ,لا
ترقى إلى مستوى الاَحاديث الاَُخرى المبيّنة أنّه من
وُلْد فاطمة عليها السلام، ولا تصل إلى ذلك المستوى من
الثبوت، وهي:
1 ـ حديث الرايات السود:
روى أحمد في مسنده، عن وكيع، عن
شريك، عن عليّ بن زيد، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: (
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرايات
السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج،
فإنّ فيها خليفة الله المهديّ).
وقد أخرج هذا الحديث ـ باختلاف
يسير ـ البلخي في (البدء والتاريخ)
، وابن ماجة في سننه من طريق آخر.
وفيـه:
أ ـ ليس في هذا الحديث ما يدلّ على
كون (خليفة الله المهديّ) هو من وُلْد العبّاس كما ظنّ
البعض أنّه المهديّ العبّاسي! لذِكر (الرايات السود)
وإنْ كانت رايات بني العبّاس التي أقبلت من خراسان
سوداً، ومع القول بصحّة الحديث فلا دليل في المقام على
حصر الرايات السود برايات بني العبّاس.
ب ـ لو سلّمنا بصحّة الحديث، فلا
دلالة فيه أيضاً على أنّ (خليفة الله المهديّ) هو
المهديّ العبّاسي (ت 169 هـ)؛ لاَنّه لم يكن في آخر
الزمان،ولم يحثُ المال حثواً، ولم يبايَع بين الركن
والمقام، ولم يقتل الدجّال، أو ينزل نبيّ الله تعالى
عيسى عليه السلام معه ليساعده على قتل الدجّال، ولم
تظهر أدنى علامة من علامات ظهور المهديّ المتّفق عليها
بين الفريقين.
ج ـ إنّ المهديّ العبّاسي حكم من سنة 158 هـ إلى سنة
169 هـ وهي السـنة التي مات فيها، وفي ذلك دليل قاطع
على أنّه ليس المهديّ الموعود الذي يأتي آخر الزمان.
وفيه أيضاً أنّ حكم المهديّ
العبّاسي إحدى عشرة سنة، ولا توجد لدينا رواية واحدة ـ
ولو موضوعة ـ بأيٍ من كتب الفريقين تحدّد مدّة حكم
المهديّ المنتظر بتلك المدّة على الرغم من اختلافها
كما سيأتي.
د ـ شهد عصر المهديّ العبّاسي
تدخّـلاً فظيعاً من قبل ربّات الحجول في شؤون دولته،
فقد ذكر الطبري تدخّل الخيزران زوجة المهديّ العبّاسي
بشؤون دولته، وأنّها استولت على زمام الاَُمور تماماً
في عهد ابنه الهادي (169 ـ 170 هـ)
،
ومن يكون هذا شأنه فكيف يسمّى بخليفة الله في أرضـه؟!
هـ ـ حديث أحمد ضعّفه ابن القيّم
في (المنار المنيف) بعليّ بن زيد، فقال: (وعليّ بن زيد
قد روى له مسلم متابعة، ولكن هو ضعيف، وله مناكير
تفرّد بها، فلا يحتجّ بما ينفرد به).
كما ضعّف حديث ابن ماجة أيضاً
بيزيد بن أبي زياد، ثمّ قال: (وهذا ـ أي حديث ابن ماجة
ـ والذي قبله لم يكن فيه دليل على أنّ المهديّ الذي
تولّى من بني العبّاس هو المهديّ الذي يخرج في آخر
الزمان...).
2 ـ حديث نصب
الرايات السود بإيلياء:
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه
بسنده، عن أبي هريرة، أنّه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم (تخرج من خراسان رايات سود، فلا
يردّها شيء حتّى تُنصب بإيلياء).
والكلام فيه كالكلام في ما تقدّم عليه؛ إذ لا تصريح
فيه بكون المهديّ عبّاسـياً.
وقد أجاب ابن كثير عن هذا الحديث
بعد أن أورده فقال: (هذا حديث غريب، وهذه الرايات
السود ليست هي التي اقبل بها أبو مسلم الخراساني
فاستلب بها دولة بني أُميّة في سنة اثنتين وثلاثين
ومائة، بل رايات سود أُخرى تأتي بصحبة المهديّ ـ إلى
أن قال: ـ والمقصود أنّ المهديّ الممدوح الموعود
بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية
المشرق، ويُبايَع له عند البيت، كما دلّ على ذلك نصّ
الحديث، وقد أفردت في ذكر المهديّ جزءاً على حدة ولله
الحمد).
أقـول:
إنّ استغلال أحاديث المهديّ من قبل
العبّاسـيّين ـ كما ستقف عليه ـ قد نتجت عنه آثار
سلبية في تقييم بعض أحاديث المهديّ عليه السلام لاسيما
حديث الرايات، فهذا الحديث قد روي بطرق شتّى من قبل
الفريقين، وقد صحّح الحاكم بعض طرقه على شرط الشيخين
البخاري ومسلم
،
وتضعيف بعض طرق الحديث لا يعني ردّ حديث الرايات بتمام
طرقه والحكم عليه بالوضع.
ولا يبعد اتّخاذ بني العبّاس لبس
السواد شعاراً لهم بهدف احتواء الاَحاديث الصحيحة
الواردة في توطئة حكم الاِمام المهديّ على أيدي
أصحاب الرايات السود، وهم قوم من المشرق؛ تمهيداً
لدعواهم في المهديّ العبّاسي، وإلاّ فمن الصعب جدّاً
القول بضعف حديث الرايات، لتضافر طرقه لدى الفـريقين.
3 ـ حديث: المهديّ من وُلْد العبّاس
عمّي:
روى هذا الحديث ثلاثة نفر من الصدر
الاَوّل وهم: كعب الاَحبار، وعثمان بن عفّان، وعبد
الله بن عمر.
أمّا حديث كعب الاَحبار، فقد رواه
ابن حمّاد، عن الوليد، عن شيخ، عن يزيد بن الوليد
الخزاعي، عن كعب، وفيه: (المهديّ من وُلْد العبّـاس).
وأمّا حديث عثمان، فقد أورده محبّ
الدين الطبري في (ذخائر العقبى) نقلاً عن أبي القاسم
السهمي، عن عثمان، أنّه قال: (سمعت رسول الله (يقول:
المهديّ من وُلْد العبّـاس عمّي).
وأمّا حديث ابن عمر، فقد رواه ابن
الوردي في (خريدة العجائب) مرسَلاً عن ابن عمر ولم
يرفعه، قال: (رجل يخرج من وُلْد العبّـاس).
وفي هذه الاَحاديث الثلاثة ما يأتي:
أمّا الاَوّل فلا حجّة فيه أصلاً،
إذ رُوي بلفظ مبهم (عن شيخ) فسنده منقطع اتّفاقاً؛
لاَنّ ما اشتمل سنده على لفظ مبهم يسمّى بالمنقطع
اصطلاحاً
،
وقد يسمّى بالمجهول أيضاً، وهو ما رواه رجل غير
موثَّق، ولا مجروح، ولا ممدوح، أو غير معروف أصلاً،
كقولهم: عن رجل، أو: عن شيخ، أو: عمّن ذكره.
وحكم الحديث المجهول، أو المنقطع،
كحكم المرسَل، قال في الرواشح: (وفي حكم الاِرسال
إبهام الواسطة، كعن رجل...)
، ولم تثبت حجّـيّة المرسَل عند الفريقين إلاّ ما كان
من احتجاجات الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيّب، وقبول
بعض علماء الشيعة الاِمامية مراسيل ابن أبي عمير على
ما هو معروف لدى المشتغلين بعلوم الحديث.
وحديث ابن حمّاد لا هو من مراسيل ابن المسيّب، ولا هو
من مراسيل ابن أبي عمير، فهو ساقط عن الاعتبار جزماً
ما لم يؤيّده حديث صحيح، وهو مفقود في المقام.
هذا زيادة على أنّ كعباً لم يرفعه
برواية ابن حمّاد، كما أنّ كعباً نفسه فيه قول سـيّئ
صدر عن لسان ابن عمر نفسه.
أمّا عن حديث ابن عمر ـ وهو الثالث ـ فمثل الاَوّل في
الوقف والاِرسال، ويزيد عليه بعدم التصريح بالمهديّ،
إذ قد تكون فيه إشارة إلى أنّ هذا (الرجل) الذي سيخرج
من وُلْد العبّاس إنّما سيكون سفّاحاً لا مهديّـاً،
والمهمّ أن لا دلالة فيه على ما نحن فيه.
وأمّا عن حديث عثمان ـ وهو الحديث الثاني ـ فقد أجمع
العلماء من أهل السُـنّة على ردّه! وإليك التفصيل:
فقد أورده السيوطي في (الجامع
الصغير) عن الدارقطني في (الاِفراد) وقال: (حديث ضعيف)
، وقال المنّاوي في شرح الحديث: (رواه الدارقطني في
الاِفراد، ثمّ قال: قال ابن الجوزي: فيه محمّـد بن
الوليد المقري؛ قال ابن عديّ: يضع الحديث، ويصله،
ويسرق، ويقلب الاَسانيد والمتون. وقال ابن أبي معشر:
هو كذّاب؛ وقال السمهودي: ما بعده وما قبله أصحّ منه،
وأمّا هذا ففيه محمّـد بن الوليد وضّاع، مع أنّه لو
صحّ حُمِل على المهديّ ثالث العبّاسـيّين).
كما أورده السيوطي أيضاً في
(الحاوي) عن (الاِفراد) للدارقطني و(تاريخ دمشق) لابن
عساكر، ثمّ قال: (قال الدارقطني: هذا حديث غريب، تفرّد
به محمّـد بن الوليد مولى بني هاشم)
، أي: مولى العبّاسـيّين.
وأورده ابن حجر الهيتمي في
(الصواعق)، وحكى عن الذهبي قوله: (تفرّد به محمّـد بن
الوليد مولى بني هاشم، وكان يضع الحديث).
وأورده الصبّان في (إسعاف
الراغبين)، عن ابن عديّ، وقال: (وفي إسناده وضّاع ولم
يسمعهم).
ونقل الاَُستاذ الفضلي عن الاَلباني أنّه قال في ابن
الوليد: (قلت: وهو متّهم بالكذب، قال ابن عديّ: كان
يضع الحديث، وقال أبو عروبة: كذّاب، وبهذا أعلّهُ
المنّاوي في (الفيض)، نقلاً عن ابن الجوزي، وبه تبيّن
خطأ السيوطي في إيراده لهذا الحديث في الجامع الصغير).
وقال أبو الفيض الغماري الشافعي
في (إبراز الوهم المكنون) ـ بعد أن أورده عن الدارقطني
ـ: (وهو غريب منكَر، وقد جمع بأنّه عبّاسيّ الاَُمّ،
حسنيّ الاَب، وليس بذاك، بل الحديث لا يصحّ).
4 ـ حديث أُمّ
الفضل:
وهو ما رواه الخطيب البغدادي في
(تاريخ بغداد)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)، بإسنادهما
عن أحمد بن راشد الهلالي، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن
عبّاس، عن أُمّ الفضل بنت الحارث الهلالية، عن سعيد بن
خيثم، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو حديث
طويل جاء فيه: (... يا عبّاس! إذا كانت سنة خمس
وثلاثين ومائة فهي لك ولوُلْدك، منهم السفّاح، ومنهم
المنصور، ومنهم المهديّ).
وفي هذا الحديث جملة من الملاحظات في سنده ومتنه، وهي:
أ ـ قال الذهبي عن سند الحديث:
(وفي السند أحمد بن راشد الهلالي، عن سعيد بن خيثم،
بخبر باطل في ذِكر بني العبّاس من رواية خيثم عن حنظلة
ـ إلى أن قال عن أحمد بن راشد: ـ فهو الذي اختلقه
بجهل).
ب ـ في متن الحديث علّة قادحة واضحة تدلّ على جهل
واضعه بالتاريخ، ولعلّها هي السبب في قول الذهبي:
(اختلقه بجهل)، وهي أنّ العبّاسـيّين قد ابتدأ حكمهم
بسنة 132 هـ باتّفاق جميع المؤرّخين، وليس بسنة 135 هـ
كما هو في المتن.
ج ـ لا دلالة في هذا الحديث ـ حتّى مع القول بصحّته ـ
على أنّ المهديّ الموعود به في آخر الزمان هو من وُلْد
العبّاس، بل غاية ما يفيده هو الاِخبار عن المستقبل
الذي يسيطر فيه وُلْد العبّاس على مقدّرات الاَُمّة،
وإنّ أوّلهم هو السفّاح وثانيهم المنصور، وثالثهم
المهديّ العبّاسي (ت 169 هـ).
د ـ من أمارات وضعه ما ورد في الحديث نفسه بأنّ النبيّ
صلى الله عليه وآله وسلم قال مخاطباً العبّاس: (وأنت
عمّي وصنو أبي، وخير من أُخلّف بعدي من أهلي).
أقـول:
لا أظنّ أنّ أحداً منصفاً من المسلمين قرأ قوله صلى
الله عليه وآله وسلم في سائر الصحاح والمسانيد وغيرها
من كتب الحديث عند الفريقين بحقّ عليٍّ عليه السلام :
(أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ
بعدي) ثمّ يجرأ بعد هذا في تفضيل العبّاس رضي الله
تعالى عنه عليه بمثل حديث أحمد بن راشد الهلالي الذي
أعرضت عنه كتب الحديث.
5 ـ حديث عبد الله بن عبّاس:
وهذا الحديث كحديث أُمّ الفضل، وفيه، عن ابن عبّـاس
أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال عن عمّه
العبّاس: (هذا عمّي، أبو الخلفاء الاَربعين، أجود قريش
كفّـاً، وأجملها، من وُلْده: السفّاح، والمنصور،
والمهديّ، بي يا عمّ فتح الله هذا الاَمر، وسيختمه
برجل من وُلْدك).
فقد أورده السيوطي في (اللآلي
المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة) وقال: (موضوع،
المتّهم به الغلابي).
وأورده ابن كثير في (البداية والنهاية) وقال: (وهذا
أيضاً موقوف، وقد رواه البيهقي من طريق الاَعمش، عن
الضحّاك، عن ابن عبّاس مرفوعاً: (منّـا السفّاح،
والمنصور، والمهديّ). وهذا إسناد ضعيف، والضحّاك لم
يسمع من ابن عبّاس شيئاً على الصحيح، فهو منقطع، والله
العالم).
كما أورده الحاكم، من طريقٍ وقع
فيه إسماعيل بن إبراهيم المهاجر، عن أبيه
،
وقد نقل أبو الفيض الغماري الشافعي عن الذهبي: أنّ
إسماعيل مُجمَع على ضعفه، وأباه ليس بذلك.
أقـول:
ما حكم به السيوطي هو في محلّه، ويشهد عليه متن الحديث
نفسه؛ لاَنّ الخلفاء من بني العبّاس لم يكونوا أربعين
خليفة، ومن راجع (تاريخ الخلفاء) للسيوطي علم أنّ
عددهم في العراق سبعة وثلاثون خليفة، وفي مصر خمسة
عشر، كما أنّ العبّاس رضي الله تعالى عنه لم يكن أجود
قريش كفّـاً، بل أجودهم بعد نبيّهم صلى الله عليه وآله
وسلم من شهد له القرآن الكريم بذلك، إذ بات وأهله ثلاث
ليالٍ طاوين بطونهم ابتغاء مرضاة الله!
6 ـ حديث آخر لابن عبّاس:
روى الخطيب البغدادي في تاريخه
بسنده، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله
وسلم أنّه قال لعمّه العبّاس: (.. إنّ الله ابتدأ بيَ
الاِسلام وسيختمه بغلام من وُلْدِك، وهو الذي يتقدَّم
لعيسى بن مريم).
وهذا الحديث ضعّفه الذهبي وقال
عنه: (رواه عن محمّـد بن مخلد العطّار، فهو آفته،
والعجب أنّ الخطيب ذكره في تاريخه ولم يضعِّفه، وكأنّه
سكت عنه لانتهاك حاله)!.
وأخرجه محبّ الدين الطبري في
(ذخائر العقبى) بسنده، تارة عن عبد الله بن عبّاس،
وأُخرى عن أبي هريرة، باختلاف عمّا في رواية الخطيب،
وكلاهما من المرسَل
،
وقد مرّ رأي الفريقين في الحديث المرسل.
كما أورد القنوچي في (الاِذاعة)
ثلاثة أحاديث بهذا الشأن عن عمّار، وأبي هريرة، وابن
عبّاس. ثمّ نقل عن الشوكاني قوله: (قلت: ويمكن الجمع
بين هذه الثلاثة أحاديث، وبين سائر الاَحاديث
المتقدّمة، بأنّه من وُلْد العبّاس من جهة أُمّه، فإنْ
أمكن الجمع بهذا، وإلاّ فالاَحاديث، أنّه من وُلْد
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أرجح).
قلـت:
لا يصحّ مثل هذا الجمع، وقد غفل
الشوكاني عمّا في أحاديث كون المهديّ من وُلْد العبّاس
ـ ومن ضمنها هذه الاَحاديث الثلاثة ـ من تفضيل صريح
للعبّاس عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على سائر
الاَُمّة، وهذا ما دأب على إشاعته مثبّـتو أركان
الخلافة العبّاسية، ولهذا نرى أنّ أبا الفيض الغماري
الشافعي قد ردّ مثل هذا الجمع بقوّة.
هـذا، وقد روى الشيخ المفيد بسنده عن سيف بن عميرة
أنّه قال: (كنت عند أبي جعفر المنصور، فقال لي
ابتداءً: يا سيف بن عميرة! لا بُـدّ من منادٍ ينادي من
السماء باسم رجل من وُلْد أبي طالب.
فقلت: جُعلت فداك يا أمير المؤمنين، تروي هذا؟!
قال: إي والذي نفسي بيده، لسماعُ أُذُني له.
فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا الحديث ما سمعتُه قبل
وقتي هذا!
فقال: يا سيف! إنّهُ لحقٌّ، وإذا كان فنحن أوّل من
يجيبه. أَمَا إنّ النداء إلى رجل من بني عَـمِّـنا.
فقلت: رجل من وُلْد فاطمة؟!
فقال: نعم يا سيف؛ لولا أنّني سمعت
من أبي جعفر محمّـد بن عليّ يحدّثني به، وحدّثني به
أهلُ الاَرض كُلُّهم ما َقبِلْتُه منهم، ولكنّه محمّـد
بن عليّ.
ويؤيّد هذا الحديث الحديثُ الذي أخرجه أغلب المحدِّثين
وهو أنّ: (المهديّ حقٌّ وهو من وُلْد فاطمة) حتّى
تكرّر في أكثر من ثمانين مصدراً حديثياً مهمّاً عند
الفريقين، وفيهم من صرّح بتواتره وأنّه لا معارض له
بقوّة ثبوته، وقد مرّت الاِشارة إليه، ومَن نصَّ على
روايته في صحيح مسلم.
وفي (لوائح الاَنوار) للسفاريني الحنبلي، قال تحت
عنوان: (الاَحاديث في كون المهديّ من وُلْد العبّاس)
ما نصّه:
(إنّ الروايات الكثيرة، والاَخبار
الغزيرة ناطقة أنّه من وُلْدِ فاطمة البتول ابنة
النبيّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنها وعن
أولادها الطاهرين، وجاء في بعض الاَحاديث أنّه من
وُلْدِ العبّاس، والاَوّل أصحّ... لاَنّ الاَحاديث
التي (فيه) أنّ المهديّ من وُلْدِها أكثر وأصحّ، بل
قال بعض حفّاظ الاَُمّة، وأعيان الاَئمّة: إنّ كون
المهديّ من ذرّيّته صلى الله عليه وسلم (ممّا تواتر
عنه ذلك، فلا يسوغ العدول، ولا الالتفات إلى غيره).
ولهذا نجد أنّ الشيخ الاَلباني قد
ردّ على السيّد محمّـد رشيد رضا، صاحب (المنار)، الّذي
أعَلَّ الاَحاديث الواردة في الاِمام المهديّ عليه
السلام بعلّة التعارض فقال: (وهذه علّة مدفوعة؛ لاَنّ
التعارض شرطه التساوي في قوّة الثبوت، وأمّا نصْب
التعارض بين قويٍّ وضعيف فممّا لا يسوّغه عاقل منصف،
والتعارض المزعوم من هذا القبيل).
|