|
وعن الإمام الصادق عليه السلام روايات كثيرة بهذا
المعنى.
منها: معتبرة صفوان بن مهران عن الصادق عليه السلام
أنه قال: (من أقرّ بجميع الأئمّة عليهم السلام وجحد
المهدي عليه السلام كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد
محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم نبوّته. فقيل له: يا
بن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد
السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته).
رواية أخرى بسند ابن محمّد الحميري في حديث طويل يقول
فيه: (قلت للصادق عليه السلام: يا ابن سول الله قد روي
لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحّة
كونها. فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السلام: (إن الغيبة
ستقع بالسادس من ولدي, وهو الثاني عشر من الأئمّة
الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان
وخليفة الرحمن. والله لو بقى في غيبته ما بقى نوح في
قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر, فيملأ الأرض قسطاً
وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).
هكذا كان الأئمّة عليهم السلام يعلمون بتعليم الله
تبارك وتعالى.
قال الصادق عليه السلام: (إن الله تعالى خلق أربعة عشر
نوراً قبل الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا, فقيل
له: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن
الأربعة عشر؟ فقال: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين
والأئمّة من ولد الحسين, آخرهم القائم الذي يقوم بعد
غيبته فيقتل الدجّال ويطهر الأرض من كل جور وظلم).
ورواية عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: (إذا فقد
الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا
يزيلنّكم أحد عنها.
يا بنيّ إنه لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع
عن هذا الأمر من كان يقول به. إنّما هي محنة من الله
عز وجل امتحن الله بها خلقه, ولو علم آباؤكم وأجدادكم
ديناً أصحّ من هذا لاتبعوه.
فقلت: يا سيدي ومن الخامس من ولد السابع؟
فقال: (يا بنيّ عقولكم تضعف عن ذلك, وأحلامكم تضيق عن
حمله ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه).
وهناك رواية في إكمال الدين وإتمام النعمة أيضاً عن
عبد السلام بن صالح الهروي قال:
(سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا
عليّ بن موسى عليه السلام قصيدتي التي أوّلها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر
العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
|
خروج إمام لا محالة خارج |
|
يقوم على اسم الله والبركات |
|
يميّز فينا كل حقّ وباطل |
|
ويجزي على النعماء والنقمات |
بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً, ثم رفع رأسه إليّ
فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين
البيتين, فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت: لا،
يا مولاي إلاّ أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من
الفساد ويملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمّد ابني, وبعد محمّد
ابنه عليّ, وبعد عليّ ابنه الحسن, وبعد الحسن ابنه
الحجة القائم المنتظر في غيبته, المطاع في ظهوره, لو
لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عز وجل ذلك
اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
وأما (متى) فإخبار عن الوقت, فقد حدّثني أبي, عن أبيه
عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مثله مثل الساعة التي
لا يجليها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السموات والأرض لا
تأتيكم إلاّ بغتة.
وهناك روايات عديدة عن الإمام الرضا عليه السلام بهذا
المعنى.
وعن الإمام الجواد عليه السلام ذكر الشيخ الصدوق في
كتابه إكمال الدين وإتمام النعمة: حدّثنا عبد العظيم
بن عبد الله بن علي الحسني قال: (دخلت على سيدي محمد
بن عليّ الجواد عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن
القائم أهو المهدي أو غيره, فابتدأني فقال لي: يا أبا
القاسم _ عبد العظيم الحسني كان يكنّى بأبي القاسم _
إنّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته
ويطاع في ظهوره, وهو الثالث من ولدي, والذي بعث
محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة وخصّنا
بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل
الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه, فيملأ الأرض قسطاً
وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً, وإن الله تبارك وتعالى
ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه
السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبي.
ثم قال عليه السلام: أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج).
وهناك روايات أخرى عن الإمام الجواد عليه السلام
والإمام العسكري عليه السلام. مؤدّاها واحد, فقد جاء
في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة بسنده إلى محمّد بن
عثمان العمري رضي الله عنه يقول: سمعت أبي يقول:
سئل أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام وأنا عنده
عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: (إنّ الأرض
لا تخلو من حجّة لله على خلقه إلى يوم القيامة, وإن من
مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية), فقال عليه
السلام: (إنّ هذا حق كما أن النهار حق _ يعني كان
الوقت نهاراً, فقال كما أن النهار هذا موجود فهو كذلك
_ فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن الحجة والإمام بعدك؟
فقال: ابني محمّد هو الإمام والحجة بعدي, من مات ولم
يعرفه مات ميتة جاهلية. أما إنّ له غيبة يحار فيها
الجاهلون, ويهلك فيها المبطلون, ويكذب فيها الوقّاتون,
ثم يخرج, فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه
بنجف الكوفة).
وهنالك روايات كثيرة عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن
كل واحد من ولده الأئمّة الأطهار عليهم السلام, وهذه
الروايات الصريحة التي ذكرناها هي بعض منها.
الطائفة الثالثة والرابعة:
وهي عبارة عن مجموعة من الروايات التي قمنا بجمعها,
وقد دلّت على وجود أشخاص رأوا الإمام وهو طفل في حجر
والده، كالسيدة حكيمة عمّة الإمام عليه السلام وأنها
كانت قد شاهدت الولادة, أو خدم الإمام العسكري عليه
السلام الذين رأوا الإمام عليه السلام وهو طفل في دار
والده.
وهذه الروايات كثيرة, نذكر أسماء رواتها فقط، وهم:
محمّد بن العطار,
الحسين بن عليّ,
حكيمة بنت محمّد بن القاسم بن حمزة,
جعفر بن محمّد بن مسرور,
الحسين بن محمّد
وهذا بنفسه قد رأى الإمام.
وعن عليّ بن محمّد
أنه بنفسه رأى الإمام عليه السلام ، وكذلك إبراهيم بن
محمّد بن عبد الله الذي يروي عن نسيم خادم الإمام
الحسن العسكري عليه السلام ،
وكذلك بهذا السند جارية الإمام عليه السلام اسمها
مارية.
وقد ذكر الكليني رواية أخرى بسنده عن إبراهيم بن محمّد
عن نسيم خادم الإمام عليه السلام.
وأورد رواية أخرى عن نسيم أيضاً،
وعن محمّد بن العطار وغيره عن إسحاق بن رياح البصري عن
أبي جعفر العمري رأى الإمام عليه السلام طفلاً في بيت
والده،
ومحمّد بن العطار عن عليّ الخيزراني عن جارية الإمام
الحسن العسكري عليه السلام ،
والحميري عن محمّد بن عثمان العمري أنه رأى الإمام في
حجر والده,
محمّد بن إبراهيم الكوفي والمطهري أبو حكيم الطرفي روى
قصة رؤية الإمام عليه السلام,
وعن ابن وجناء الحسن رأى الإمام عليه السلام طفلاً في
بيت والده,
وعن محمّد بن الحسن الكرخي يروي عن أبي هارون _ رجل من
أصحاب الإمام عليه السلام _ أنه رأى الإمام عليه
السلام في حجر والده.
ابن المفكر الحميري, محمّد بن إبراهيم عن عثمان بن
سعيد العمري الذي رأى الإمام عليه السلام بنفسه.
أحمد بن عبد الله مهران عن أحمد بن محمّد بن الحسن عن
إسحاق القمي أنّه رأى الإمام عليه السلام بأمّ عينيه.
عن عبد الله بن عباس العلوي والحسن بن الحسين العلوي,
رأى الإمام عليه السلام في بيت والده.
أبو محمّد بن ضيرويه التستري وأبو سهل بن مرقد يروي عن
عقيد خادم الإمام العسكري عليه السلام رأى الإمام في
حجر والده.
الصفّار يروي عن محمّد بن عبد الله المطهري عن حكيمة
بنت محمّد بن عليّ عليه السلام عمة الإمام العسكري
عليه السلام تروي قصة الإمام،
حتى ابن زكريا يروي عن محمّد بن عليّ عن حكيمة بنت
الإمام الهادي قصة ولادة الإمام.
وكذلك الشيخ الطوسي في غيبته عن الشلمغاني _ قبل
ارتداده _ يروي عن إبراهيم بن إدريس أنه رأى الإمام في
بيت والده.
هذه الروايات عن أشخاص مختلفي الطوائف ومن مختلف
الأصقاع والأمصار, كلهم قد رأوا الإمام عليه السلام
وهو طفل في حجر والده, والإمام عليه السلام يقول لهم:
هذا ابني إمامكم وهو خليفة الله في الأرض وهو ابني
وهذا هو الذي وعد الله سبحانه وتعالى أن يملأ الأرض به
قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
فبعد هذه الشهادات كلها واختلاف الأشخاص واختلاف
الرواة, ومع اختلاف الناس يمكن أن نحكم عادة باستحالة
اجتماعهم واتفاقهم على الكذب.
وقد قلنا في معنى التواتر هو أن يحصل عدد الرواة في
رواية بحيث عادةً يمتنع اجتماعهم على الكذب, ولا
أتصوّر أن هذا النحو من التواتر تحقق واضحاً إلاّ لجده
عليّ بن أبي طالب عليه السلام في يوم الغدير. وكأنّ
الله سبحانه أراد أن يتم الحجة على عباده بهذا التواتر
الذي تحقق.
وملخّص القول: قد أصحبت لدينا أربع طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى:
وهي الروايات المشتركة عن المعصومين عليهم السلام من
زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإمام
العسكري, وتذكر هذه الروايات الإمام الثاني عشر بصفاته
وخصوصياته المختصة, وأنه من أولاد الإمام الحسين, وأنه
يظهر الله الحق على يديه الشريفتين.
هذه الروايات فقط تذكر صفات الإمام سلام الله عليه
كغيبته وحيرته وضلال الناس فيه وغيرها. هذه صفاته
المختصة به دون سائر الأئمّة من آبائه سلام الله
عليهم.
الطائفة الثانية:
التي ذكر فيها أنه التاسع أو أنّه السابع... وهكذا, بل
في بعض الروايات ذكر اسمه الشريف. وهذه الروايات وردت
عن الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وإلى
الإمام الحسن العسكري عليه السلام, إماماً بعد إمام,
كلهم وردت الروايات عنهم في هذه الطائفة.
الطائفة الثالثة:
أولئك الذين رأوا الإمام عليه السلام وهو طفل
في بيت والده أو في حجر والده الإمام العسكري عليه
السلام.
الطائفة الرابعة:
وهم الذين سمعوا من الإمام العسكري أو من خدام الإمام
أو عمة الإمام ولادة الإمام.
وهذه الروايات لا يشترك بعضها مع بعض إلاّ نادراً, لأن
الروايات مختلفة بالسلسلة, فهذه في سلسلة وتلك في
سلسلة وهذه يرويها شخص وتلك يرويها شخص آخر, وهذه
الظاهرة كانت موجودة إلى زمان كتابة إكمال الدين
وإتمام النعمة للشيخ الصدوق, وقد استمرت سلسلة هذه
الروايات وسجلت في كتب أصحابنا مثل كتاب الغيبة للشيخ
الطوسي وكتاب الغيبة للنعماني وكذلك كتاب إكمال الدين
وإتمام النعمة للشيخ الصدوق والكليني وبعد ذلك صاحب
البحار الشيخ المجلسي حيث قاموا بجمع هذه الروايات في
كتبهم.
وبعد هذا التواتر ومع أجلى نصوصه هناك رواية معتبرة عن
الإمام نفسه أنه ولد أو أنه ابن الإمام الحسن العسكري.
ومع ذلك يدعي ابن تيمية وإحسان إلهي وغيرهما من أصحاب
الأقلام المأجورة في العصر الحديث بأن وجود الإمام
عليه السلام خرافة والعياذ بالله.
مع المعاجز التي ظهرت عند ولادته سلام الله عليه، ولكن
لأنهم يجهلون حقيقة الإمام يعتبرونه مثل أئمّتهم الذين
يدرسون ويجتهدون كعامة الناس.
فهذه الأمور التي لا تدركها عقولهم التي طفحت بالنفاق,
ولكن القلوب المملوءة بالإيمان تقبلها وتؤمن بها.
ولست أدري كيف يعتقد المنكرون لولادة المهدي عليه
السلام بحياة إبليس والخضر إلى يومنا هذا, مع أن إبليس
خلق قبل آدم والخضر عاصر موسى عليه السلام.
مع أنّ الشك في بقاء الإمام حياً إلى يومنا هذا, شك في
قدرة الله سبحانه وتعالى، وما دامت الحياة والممات بيد
الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد الله أن يبقي شخصاً
حياً إلى آخر الدنيا هذه قدرته سبحانه وتعالى
(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ).
ولا أظن بعد هذه المطالب المختصرة التي ذكرتها في خدمة
إخوتي وأولادي وبخدمة من يصل إليه كلامي بأي طريقة أن
يكون فيهم عاقل يشك بولادة الإمام المنتظر عجل الله
فرجه الشريف.
اللهم اجعلنا من أنصاره والذابين عنه والمستشهدين بين
يديه, اللهم أرنا الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة,
اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.
والحمد لله رب العالمين
(الإجابة على أسئلة الندوة الثالثة)
الأسئلة:
س 1/
البعض يدّعي أن هناك روايتين عن حكيمة عمّة الإمام
العسكري عليه السلام تصرّح بولادة الحجة عجل الله فرجه
الشريف لكنهما ضعيفتان سنداً ومختلفتان مضموناً, إذ
تقول إحداهما: إنّ الطير هو الذي أخذه وغيبه والثانية
ليس فيها ذلك؟
ج 1/
ذكر في إحدى الروايتين أن الطير أخذ الإمام لفترة
وجيزة ثم إن الله سبحانه وتعالى أرجعه إلى أبيه الإمام
الحسن العسكري، ولا تعارض بين الروايتين، إذ أن
إحداهما تذكر هذا الأمر والأخرى لا تذكره. واختلاف
الروايات في بعض الخصوصيات في قصة طويلة مع وجود كثير
من الروايات الدالة على وجود الإمام المهدي لا يكون
لها أثر أبداً.
س 2/
هل أن ظهور الإمام عجل الله فرجه الشريف له علاقة
طردية بملأ الأرض ظلماً وجوراً, أي كلما ملئت ظلماً
وجوراً اقترب ظهور الإمام؟ وهل هذا الإملاء للظلم
والجور حتم، أي إن لم تملأ الأرض ظلماً وجوراً سوف لا
يظهر الإمام؟
ج 2/
ليس المقصود من هذه الكلمات التي وردت في الروايات هذا
المعنى. بل المقصود من ذلك أنه بعد ما طالت الفترة
وطغى الطغاة على الأرض, وارتداد الناس والإجحاف الذي
حصل بحق الدين وحماته امتلأت الأرض فساداً وظلماً,
وهذا الامتلاء لا يمنع أن يكون هناك, أو يبقى هناك
مؤمن, وإلاّ من أين يأتي الإمام عجل الله فرجه الشريف
بأنصار له, فالمقصود من وراء ذلك أن المؤمنين من أمّة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تأخذهم الحيلة
ولا يأخذهم بذلك الضعف, حيث أن امتلاء الأرض لا يعني
أنه لا يبقى حق, بل الحق يظهر ولو امتلأت الأرض ظلماً
وجوراً وفساداً.
س 3/
هل يمكن التوفيق بين ما روي عندنا وما روي عند العامّة
أن المهدي عجل الله فرجه الشريف يولد آخر الزمان ونحن
نقول أنه مولود؟ ووجه التوفيق أن العامة عندهم السنة
منحصرة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحين بشّر
بالمهدي لم يكن مولوداً!
ج 3/
ليس هذا التزاماً بالروايات التي وردت عن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم _ كما قلت في الجلستين
السابقتين _ فكلها تقول يظهر, يولد آخر الزمان, ولكن
ما هو المقصود بآخر الزمان؟ لقد وصف آخر الزمان
بالقياس إلى عدد الأئمّة عليهم السلام فهو آخر الزمان,
وكلمة آخر الزمان كلمة إضافية لا يمكن تحديدها. والذي
ذهب إليه جمع وما قلته بخدمتكم في الجلسة السابقة
والأسبق هو أن الروايات الواردة في كتب أبناء العامة
كلها تقول: إنّه سيظهر, وهناك روايات تقول: ولد
وسيظهر. بهذا تجتمع الروايات.
س 4/
وردت في دعاء العهد هذه الآية من القرآن الكريم: (ظَهَرَ
الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ
أَيْدِي النَّاسِ)
فما المقصود بفساد البحر؟
ج 4/
ليس هناك من يسكن، ولكن الأرض المتصلة والقارات
المتصلة بعضها مع بعض عبّر عنها بالبر والناس الذين
يعيشون في الجزر المحاطة بالماء عبّر عنهم بالبحر.
س 5/
قال أبو
جعفر عليه السلام إذا قام قائمنا وضع الله يده على
رؤوس العباد فجمع به عقولهم وكملت به أحلامهم
إذا لم يكن للمعجزة دور في عصر الظهور فما هو الرد على
هذا الحديث في قول الإمام: (وضع الله يده على رؤوس
العباد)؟
ج 5/
نعم, بالعكس سُئل كثير من المحققين والعلماء: ما السبب
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك أمير
المؤمنين لم يتمكن من فتح الأرض كلها! وكيف يتمكن
الإمام المنتظر من ذلك؟ فأجاب أن وسائل أمير المؤمنين
والرسول كانت عادية طبيعية. والإمام المنتظر يكون
مؤيّداً بالمعجزات والقوة الخارقة وبذلك يتمكّن من ملء
الأرض عدلاً وقسطاً.
س 6/
كيف يمكن مواجهة الدول المسماة بالعظمى التي تملك
أسلحة مدمّرة, القليل منها يدمر العالم فضلاً عن
الكثير في حالة عدم تحقق المعجزة؟
ج 6/
ممكن أن ينتشر الإسلام في تلك الدول وتصبح هذه الأسلحة
بأيدي المسلمين بدون تعب, أليس الله قادراً على ذلك!
س 7/
من المعروف من خلال الروايات أن النداء في شهر رمضان
والظهور في شهر محرم ألا تشكل هذه الفترة بين الشهرين
خطورة على الإمام عجل الله فرجه الشريف من قبل أعدائه؟
ج 7/
الله سبحانه وتعالى لا يسأل عمّا يفعل وهو سبحانه يفعل
ما به مصلحة للإمام عجل الله فرجه الشريف.
س 8/
ما هو دورنا نحن المكلّفون في زمن الغيبة وخصوصاً في
هذه الأيام التي امتلأت بالفتن؟
ج 8/
أشرنا سابقاً إلى أنّ علينا الالتزام بالدين والتقوى,
وخصوصاً نحن طلاب العلوم الدينية نقدم لعامة الناس
العون وبذلك نهدي الناس إلى الصراط المستقيم, والعمل
معاً قولاً وفعلاً فردياً واجتماعياً.
س 9/
مع إمكان وإقرار رؤية الإمام فهل عاصرتم أو سمعتم ممن
عاصرتموه برؤية الإمام عجل الله فرجه الشريف في مدة
حياتكم الشريفة؟
ج 9/
قلنا في الجلستين السابقتين أنّنا منعنا من ذكر اسمه
الشريف فضلاً عن ذكر اللقاء به, ومن رآه إن لم يسمح له
الإمام عجل الله فرجه الشريف بذكره لا يجوز له أن
يذكره. نعم سمعنا ذلك لعله أكثر من سماع ولكن لا يجوز
التفوّه بذلك.
س 10/
ورد في الروايات أن الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف
يقتل قتلة الإمام الحسين, فأين هم في زمن ظهوره؟ وورد
في الأحاديث أنّه يقتل قتلاً كثيراً؟
ج 10/
هذه الروايات التي تتعرّض إلى خصوصيات أحداث ظهوره
روايات مختلفة, ويصعب التكهّن بكل ما يحدث في زمان
الظهور, وهذه الروايات التي ذكرتها من هذا القبيل, فلا
يمكن التكهّن بما يحصل أيام ظهوره.
س 11/
ورد في الأحاديث أنه يظهر في عدد من السنين الفردية
إلى غير ذلك، أفلا يعتبر هذا توقيتاً؟
ج 11/
ليس هذا توقيتاً, بل هو من قبيل القول بأنّه عجل الله
فرجه الشريف يظهر في آخر الزمان, والتوقيت هو ذكر
اليوم والشهر والسنة.
س 12/
الروايات التي ذكرتموها هل وردت في كتب أبناء العامّة
مثل الصحاح وأنكروها أم لم ترد أصلاً؟
ج 12/
الروايات في كتب أبناء العامّة تشير أكثر من مرة إلى
هذا المعنى, وهو أنه سيظهر. أما ولادة شخصه فالروايات
في كتبهم شبه نادرة.
س 13/
يقال أن عدد أصحاب الإمام عجل الله فرجه الشريف بعدد
أصحاب بدر، فهل هذا العدد هو عدد قادة الجيوش أم عدد
الناصرين للإمام؟
ج 13/
لا أعتقد أن يكون عدد الناصرين منحصراً في (313) فقط
لأنّ هذا غير مقبول عقلاً. وقد علمنا أن الإمام يريد
أن يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بالقوة وبالسيف فيمكن أن
يكونوا قادته حسب ميزاننا أو قادة جيوشه أو مثل ما
يقال برلمانه المقدّس.
س 14/
ما اسم أمّ الإمام عجل الله فرجه الشريف ونسبها؟
ج 14/
وردت عدّة أسماء: نرجس وصيقل وصقيل وحكيمة وأسماء
أخرى, ونسبها ينتهي إلى بعض حواريي عيسى بن مريم عليه
السلام وكانت في بلاد الكفر والإمام بشّرها فأسلمت ثم
هاجرت إلى البلاد الإسلامية في قصة طويلة مذكورة في
الكتب.
س 15/
بالنسبة إلى أصحاب الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف
(313) هل يمتازون بصفات مناصب أو مراكز اجتماعية أو
مراكز رئاسية؟
ج 15/
لا يمكن التكهّن بذلك، هم أتقياء شرفاء, ومطيعون
للإمام عجل الله فرجه الشريف, هذه صفة جامعة بينهم,
أمّا غير ذلك فغير مذكور في الروايات.
س 16/
هل يشترط بهم الاجتهاد؟
ج 16/
لا يشترط الاجتهاد, إنّما يشترط التقوى والحكمة
والشجاعة والبسالة والطاعة المطلقة.
س 17/
البعض يقول لأجل تقريب ظهور الحجّة لابدّ من أن ننشر
الفساد والظلم في الأرض لكي نمهّد للظهور, فهل هذا
الرأي صحيح؟
ج 17/
هذا من نفحات الشيطان, الله يكره الفساد ويكره
المفسدين وسوف يأتي سلام الله عليه ويقطع رقاب
المفسدين ويذهبون إلى النار بغير حساب.
س 18/
نأمل من سماحتكم ندوة أخرى حول إثبات إقامة دولة
الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف وعلامات الظهور؟
ج 18/
علامات الظهور قسمان بعضها تحقق فلا نحتاج إلى البحث
عنه, أما العلامات التي لم تتحقق وهي قليلة جداً
مذكورة في كتب الأصحاب, مثل إكمال الدين وإتمام
النعمة, والشيخ الطوسي أشار إليها أيضاً وكذلك صاحب
كتاب الأمالي. ولا نحتاج إلى إقامة ندوة، فهذه علامات
تكوينية والتكهن بها غير ممكن ولا يعلم بوقتها إلاّ
هو.
س 19/
هل صحيح أن هناك روايات تذهب إلى أن الإمام المهدي
يستشهد على يد امرأة؟
ج 19/
هناك رواية لم يثبت سندها. وقد قلت قبل قليل لإخوتي:
لتكونوا على بيّنة أن الروايات التي تتعرض لبيان
خصوصيات أعماله سلام الله عليه بعد ظهوره مختلفة
وإثبات سندها مشكل, ولا يمكن الجزم بشيء من الخصوصيات
الجزئية لما يحدث في زمان الإمام بعد ظهوره الشريف,
إنما نقول أنه يكوّن حكماً إسلامياً حقيقياً لا يخاف
في دولته أحد من المؤمنين.
س 20/
من هم الأبدال؟ وما هو السبيل والمنهج للوصول إلى هذه
المرتبة العالية؟
ج 20/
لا سبيل إلى ذلك إلاّ تقوى الله, ويتم ذلك تحت إشراف
وهداية وإرشاد رجل عاقل فاهم عالم حتى يرشد الإنسان
إلى كيفية الالتزام بتقوى الله وكيف يسري إلى تزكية
النفس وطهارة النفس، وكل ذلك يحتاج إلى البحث والعلم
والفحص والعمل.
س 21/
ما هو رأي سماحتكم حول الولاية التكوينية للإمام عجل
الله فرجه الشريف, مع توضيح الولاية!
ج 21/
الولاية التكوينية, هذه كلمة ترددت على ألسن الناس...
إنّ الولاية التشريعية تعني تشريع الأحكام, فالله شرع
الدين والأحكام على يد الرسول, والأئمة كانوا موضحين
ومفسرين لتلك الأحكام, نعم إذا تمكن أحد من الأئمّة _
مثل أمير المؤمنين لفترة محدودة والإمام الحسن فترة
وجيزة جداً أشهر فقط _ من إقامة سلطة ظاهرية يفتقر إلى
تشريع بعض الأحكام, مثل قواعد المرور وقواعد الشرطة
وقواعد الأمن والمخابرات ونحو ذلك, هذا المقدار من
التشريعات بيد الإمام, وهذه من ملازمات الولاية
العامة, أي السلطة التشريعية. وأمّا الولاية التكوينية
بمعنى أن يكون غير الله تعالى _ يعني أحد المعصومين _
له تصرف في الإحياء والإماتة وما إلى ذلك, فإنّ كان
المقصود به أن الله تعالى استقال (العياذ بالله) فهذا
كفر وإلحاد، وقد نفى الله سبحانه وتعالى هذا المعنى,
وقال في كتابه: (كُلَّ يَوْمٍ
هُوَ فِي شَأْنٍ)
ونسب هذا الفكر إلى اليهود ولعنهم (وَقالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ).
وإن كان المقصود أن المعصوم ربّما يتمكّن من التصرف في
التكوينيات بعنوان الإعجاز فذلك من صميم معتقدات
الإمامية.
والحمد لله رب العالمين
(ملحق)
لقاء أجرته مجلة (الانتظار) الفصلية
مع سماحة الشيخ ودار معه هذا الحوار حيث أجاب عن أسئلة
المجلة مشكوراً
س 1/
شيخنا الأجل بعد تعريفكم لمفهوم الانتظار قد يتداعى
إلى الذهن ان الانتظار بحالته السلبية هو ما تعنيه
المفاهيم المطروحة، وبحالته الايجابية هو ما لم تحدده
رويتنا الفعلية للانتظار؟ اذن كيف تنظرون للانتظار
بحالته السلبية والايجابية في ضوء روايات الأئمة عليهم
السلام والواقع الفعلي المعاش والحالة النفسية التي
يعيشها؟
ج 1/
الانتظار من التنظر وهو توقع الشيء والانتظار المأمور
به في المقام هو توقع دولة الحق على يدي الموعود
والمؤمل من لدن ادم وإلى زماننا هذا، والمستفاد من
الروايات أن دولة الحق موعودة وعد بها الله سبحانه
عباده الصالحين وأنه يأتي يوم يحكم الحق تحت راية
السلطان العادل البسيطة كلها قال الله سبحانه (وَلَقَدْ
كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ
فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ). والذي
ينبغي أن يلتفت إليه في هذا الشأن ضمن هذه العجالة
أمور منها:
الأمر الأوّل:
ان الانتظار واجب بحكم العقل والشرع أما العقل فلما
نعلم من طبيعة البشر أنه لا يندفع إلى فعل ولا ينبغي
أن يندفع إلا إذا أحرز أنه يؤدي إلى ما يرغب فيه
ويتمناه، وتوقع الوصول إلى البغية يدفعه إلى العمل،
فالتوقع والانتظار لدولة الحق على يد الإمام المنتظر
عليه السلام مقدمة أساسية ومنطلق فكري وعملي نحو بذل
الطاقة والجهد في سبيل الوصول إلى تلك البغية، وأما
الشرع فقد ورد الأمر بالانتظار في كثير من الروايات
فبلغ حد التواتر بل في بعضها أن الانتظار من أفضل
الأعمال في عصر غاب عنه الحق عن البسيطة وأصبحت الأرض
بيد الطغاة يلعبون بالصالحين وبمقدراتهم بل مقدرات
الشعوب كلها حسب ما تشتهي نفوسهم وتدفع إليه أهواؤهم
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديث
(انتظار الفرج عبادة) وعن أمير المؤمنين سلام الله
عليه وقد سأله رجل عن أحب الأعمال إلى الله سبحانه
قال: (انتظار الفرج) وعن علي بن الحسين عليهما السلام
ان أهل زمان غيبة (الإمام المنتظر) القائلون بإمامته
المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لأن الله تعالى
ذكره أعطاهم من العقول والافهام والمعرفة ما صارت به
الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان
بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا
والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً، وقال عليه السلام
انتظار الفرج من أعظم الفرج، وفي رواية عن الإمام علي
سلام الله عليه (انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله
وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وعن
أبي جعفر عليه السلام عن جده رسول الله أنه قال:
(اللهم لقني إخوتي) مرتين، فقال من حوله من أصحابه:
أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنكم أصحابي
وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني لقد
عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم. وعنه عليه
السلام عن جده رسول الله أفضل العبادة انتظار الفرج،
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (من مات على
هذا الأمر منتظراً له هو بمنزلة من كان مع الإمام
القائم في فسطاطه ثم سكت هنيئة ثم قال: هو كمن كان مع
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )، وعن الإمام موسى
الكاظم سلام الله عليه عن آبائه عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من
الله عز وجل )، وعن الإمام الرضا سلام الله عليه وقد
سئل عن شيء من الفرج فقال: (أليس انتظار الفرج من
الفرْج) فقد روى أكثر من سبعين رواية تدل على وجوب
الانتظار.
الأمر الثاني:
ان الانتظار لشيء مهم كما يدفع الإنسان إلى التهيؤ
والإعداد والاستعداد لما يتوقعه وينتظره كذلك يقض مضجع
العدو المعاند للحق، وقد سطر في التاريخ كيف كان
الطغاة يخافون وجود الإمام المنتظر وولادته على غرار
خوف فرعون من ولادة موسى حتى ذبح ما لا يعلم عدده من
الأطفال ليحول دون ولادة موسى عليه السلام ولكن الله
بالغ أمره، وقد سعى بنو العباس ومن قبلهم بنو أمية
لقطع نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذرية علي
طمعاً في الدنيا وحذرا من مجيء دولة الحق وكان أيام
الغيبة الصغرى وما تلتها من الأيام موحشة ومربكة لبني
العباس فكانوا يبحثون عن الإمام المنتظر وعن وكلائه
وعمن يدل عليه بحث الخرزة فكانوا يقتلون كل من يسمعون
منه كلمة تدل على إيمانه بالغائب فبقاء العدو في قلق
واضطراب وفقد الطمأنينة وتخبطه خبط عشواء من الفوائد
المهمة المترتبة على الانتظار.
الأمر الثالث:
لا شك في أن إقامة دولة الحق على أنقاض نظم الفساد
والجور وإقامة صرح العدل بعد هدم قصور الجور والطغيان
يتوقف على الإعداد النفسي، فلو حصلت تلك الدولة بدون
الإعداد النفسي الكامل وإصلاح العقول التي شوشت
وانحرفت عن نهج التفكير السليم وأصبحت ترى في كثير من
الأحيان الباطل حقا والحق باطلاً، وكذلك الأجسام التي
تعودت على حب الدنيا، والعيون التي تأثرت وتغوشت
بمباهج الحياة الدنية الخلابة يكون مصير تلك الدولة
مصير سلطة علي بن أبي طالب والإمام الحسن عليهما
السلام فان الأسباب الطبيعية لم تكن موآتية والنفوس لم
تكن مستعدة لدولة الحق والظلمة التي سيطرت عليهم بعد
وفاة رسول الله وانمحت ملامح السلطة العادلة عن النفوس
واختفت جل القلوب الطيبة في تلك المدة التي جاوزت
ثلاثة وعشرين سنة، والظروف التي نعيشها تشبه تلك فلابد
من إصلاح الأنفس بزرع حب الدين وحب العدل والإنصاف
وكره الظلم والفساد إعداداً للنفوس لتقبل الحق.
الأمر الرابع:
يجب إعداد الظروف الخارجية لنشر الحق وإعداد الأنصار
للدين ونشر الوعي بين المسلمين أولاً وبين غيرهم جلبا
للنفوس الصالحة للهداية ثانياً، فان الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر من أهم الواجبات الشرعية والعقلية
والاجتماعية فما لم يكن هناك أنصار بعدد واف لنصرة
الحق وما لم يكن هناك وعي كاف لاحتواء الحق وما لم يكن
هناك ما ينبغي تهيئته لاستقبال دولة الحق لم يكن وجه
لبدء إقامة تلك الدولة والاستعجال في مثل هذه الأمور
بالتأكيد يأتي بنتائج وخيمة ويفوت من ذلك أعظم
المقاصد.
الأمر الخامس:
يجب إتمام الحجة على كل مناوئ للحق ومعاند له لان دولة
الحق سوف تحاسبهم فلا ينفع الانصياع للحق حين إقامة
العدل ووقت المحاسبة وإنزال العقوبة على كل ظالم غاشم
وغاصب ومفسد، وإلى هذا المعنى أشير في عدة آيات قرآنية
ففي سورة الأنعام: (هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ
رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا
يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ
قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ
انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) آية 185 وفي
سورة الأعراف آية 71 اشارة الى ذلك وإلى الحجج الواهية
لدى أهل الباطل يستندون إليها في مناوأة الحق قال: (قالَ
قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ
وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ
سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ
اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وفي سورة يونس
إشارة إلى استعجال أهل الباطل ما لا يؤمنون به سخرية
واستهزاءاً وتمرداً واستخفافاً (وَيَقُولُونَ
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ
إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وإلى هذا
المعنى يشير قوله تعالى في سورة يونس آية 102 (فَهَلْ
يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ
خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) وفي سورة هود
(اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
إِنَّا عامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا
مُنْتَظِرُونَ) وفيها تحذير واضح للمعاندين
لئلا تهدأ نفوسهم ولا تهنأ معيشتهم بما نالوا بالظلم
من حقوق المظلومين، وبعث الأمل في نفوس المحرومين
بالبشارة لهم بالانتقام من الظالمين.
|