|
رأينا في الفصول السابقة، الأحداث الجسيمة
التي أحاطت بالإمام المنتظر منذ أن كان رضيعاً
وحتَّى استلامه مقاليد الإمامة في الخامسة من
عمره، وقد اتَّفقت كلّ قوى إبليس ضدّه، من
جبروت السلطة العبّاسية، وصولات عمّه جعفر
ومحاولات التخلّص منه بأيّ طريقة.
بدأت عمليات مطاردته المحمومة، يقودها العمّ
الغادر، ومعه قوى البلاط العبّاسي، ولم يرف
لذلك العمّ جفن، ولم يرأف بابن أخيه اليتيم ذي
الخمس سنوات، فجمع عليه فاجعة فقد أبويه،
والهجوم على داره ومطاردة وطرد عائلته
ولاسيّما جدَّته الامرأة العجوز الثكلى بابنها
الشهيد الراحل.
لم تفلح تلك الجهود الشيطانية، وأنّى لها أن
تفلح وكيد الشيطان كان ضعيفاً، والله هو الذي
يدافع عن الذين آمنوا، ومن أجدر من الإمام
المعصوم المجتبى من الله بالدفاع، أليس الله
قد ادَّخره _ منذ أن أهبط آدم مع عدوّه اللدود
إبليس _ لإقامة العدل الإلهي وتطبيق الهدف
السامي من خلق الإنسان واختياره خليفة في
الأرض:
(وَإِذْ
قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ
فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ
فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ
الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا
تَعْلَمُونَ)
(البقرة: 30).
نعم إنَّ الطغاة يصابون في أغلب الأحيان
بالعمى عن الحقائق، ويأخذهم الغرور والشعور
بالعلو والاستكبار، حينما يرون الجباه تنحني
أمامهم، والأتباع يهرولون وراءهم. فينسون أنَّ
كلّ ذلك أشبه بفقاعات صابون لا تلبث أن تنفجر،
وأمامنا التاريخ الذي حدَّثنا عن هكذا أحداث،
وإلاَّ فإنَّ النمرود بقضّه وقضيضه وجنده
وأعوانه يدخل في مواجهة مباشرة مع شخص واحد لا
غير هو إبراهيم، فتنقلب تلك المعادلة ويخرج
ذلك الطاغوت منكسراً يجرُّ أذيال الخيبة ويموت
في أحقر ميتة بأحقر حشرة هي البعوضة.
وبنو العبّاس طواغيت بامتياز، وامتيازهم أعلى
من بني أميّة، لأنَّ بني أميّة جاؤوا إلى
الحكم بمساعي الثلاثة وتخطيطهم الدؤوب منذ
حادثة الغدير، لكن بني العبّاس جاؤوا إلى
الحكم براية مصبوغة بدم الحسين وحفيده زيد،
وبشعار طالما عشقته الأمّة: (الرضا من آل
محمّد)، بعدما ذاقوا الويلات من خلفاء الشجرة
الملعونة. فتحوَّلت الخلافة الهاشمية
العبّاسية إلى ملك كسروي أو قيصري، يتنقَّل
بين قطب التضليل الإعلامي العقائدي، وقطب
السهرات الليلية الفاسدة.
ولعلَّ من سخريات القدر أن يتبوأ أبو جعفر
الدوانيقي (الشحّاذ) مقاليد السلطة في مشارق
الأرض ومغاربها، فبعد الذلّ والجوع والاستجداء
بفضائل آل محمّد في القرى النائية والأرياف
القاصية، إذا بالأموال كأكداس الجبال وإذا
بالألوف الألوف من البشر تنحني أمامه خاضعة
ذليلة، أترى أيمكن أن يتحمَّلها ويطيقها _
ولاسيّما هو من بيت معروف بالاهتزاز العقائدي
_ من غير أن يتحوَّل إلى وحش كاسر يفترس كلّ
من يقول له: مَهْ؟
وهكذا انتقل أبو جعفر من دائرة الهدى الهاشمي
إلى دائرة الضلال الأموي، فتعلَّق هو وورثته
بأغصان الشجرة الملعونة ليحمل سبّة الأبد وعار
التاريخ.
لقد كان بنو العبّاس ذوي مكر وخديعة، لم يألوا
جهداً في استعمال أخسّ الأساليب اتّجاه
خصومهم، المهمّ هو البقاء على كرسي السلطة،
ولو أصبحوا خلفاء أقفاص، فكانت حملاتهم
المسعورة على إخوتهم آل علي وفاطمة.
وقد رأينا في الفصول السابقة ما عملوا من
جرائم حقيرة للقضاء على أئمّة أهل البيت،
وآخرها محاولاتهم للقضاء على آخر سلسلة
الإمامة بغضّ النظر عن مقدار عمره الشريف،
فخرج منها منتصراً حاملاً راية الإمامة
العلوية الخالدة إلى يوم القيامة.
لقد كانت أحداثاً عاصفة، وخطوباً عظيمة،
جرَّها أولئك الظالمون، لا على أهل البيت
النبوي فحسب وإنَّما على الجماهير التي
يحكونها، وإذا بجانب الليالي الحمراء التي
تقرع فيها كؤوس الخمر ممتزجة بضحكات السكارى
تسمع أنّات الجياع والمحرومين. وإذا بجانب
أنغام قيثارات العازفين وأغاني المغنين
والقيان، تسمع أصوات المعذَّبين في قعر
السجون.
من كلّ ذلك فإنَّك تجد أنَّ الكثير من شباب
وكهول البيت النبوي ينتفضون من الغضب لما
يرونه، فيقدّمون أنفسهم قرابين بشرية.
هذه الأحداث منذ استشهاد الإمام الحسن
العسكري، واختفاء الوليّ الخاتم عن قواعده
الشعبية، إلاَّ في أنطقة ضيّقة أوجدت نوعاً من
الفراغ في الساحة الشيعية، وهذا الفراغ حاول
ملأه بعض المنحرفين والطامعين والدجّالين،
والانحراف يبدأ صغيراً ثمّ يتعاظم مع مرور
الزمن حتَّى يصبح مروقاً فاضحاً، وتبدو الصورة
أكثر كثافة حينما تطالعنا أسماء محمّد بن علي
الشلمغاني الملقَّب بابن أبي العزاقر، ومحمّد
بن نصير النميري والحسين بن منصور الحلاّج،
وأبي دلف المجنون، والشريعي، إلى آخر القائمة.
ودعوات هؤلاء لا تذهب سدى، فقد تجد لها صدى أو
موطأ قدم عند بعض الجهلة والسذّج من الشيعة
فلا بدَّ من وضع وسيلة ناجعة لمقاومة
الاتّجاهات المنحرفة، وقيادة الشيعة في هذه
الظروف الرديئة إضافة إلى أنَّ الإمام مقبل
على غيبة طويلة لا يعلم أمدها إلاَّ الله،
وهذه الغيبة عن أمر ووصيّة رسول الله وصلت
إليه عن طريق آبائه المعصومين، وهذه الغيبة
ستكون على مرحلتين صغرى ذات أمد محدود، لكي
تكون تمهيداً لغيبة كبرى حتَّى تعتاد قواعده
الشعبية على ذلك، ولكي لا تكون مفاجأة لها
فيحصل لها ما يشبه الصدمة قد تطيح بكيانها
الذي بناه آباؤه المعصومون.
وفي هذه الفترة (الغيبة الصغرى) كانت عن طريق
نظام السفراء أو الوكلاء الذين أصبحوا حلقة
الوصل ما بين الإمام وقواعده الشعبية حيث
يتمُّ إيصال تعليماته وتوجيهاته وأحكامه
وأوامره عن طريقهم.
وهؤلاء الوكلاء أو السفراء من ذوي العقول
العلمية العالية والقلوب المفعمة بالإيمان،
والنفوس المشربة بحبّ أهل البيت، بحيث وصلوا
إلى مرحلة العشق الكامل للشهادة، والذوبان في
طاعة إمامهم وقائدهم.
وكذلك فقد استعمل الإمام إضافة إلى نظام
السفراء، نظام الاحتجاب الجزئي، فقد استعمل
أسلوب الالتقاء ...
وهذه الفترة الوقتية قد امتدَّت ما يقارب
السبعين عاماً وقد تناوب فيها السفارة أربعة
سفراء منتخبين من قبل الإمام وهم أبو عمرو
عثمان بن سعيد العمري (لقباً) الأسدي (نسباً)،
وأبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد، وأبو
القاسم الحسين بن روح النوبختي، وأبو الحسن
علي بن محمّد السمري.
وأوّل سفير كان أبو عمرو عثمان بن سعيد الذي
كان أحد تلامذة ووكلاء الإمام الهادي في
استيفاء الحقوق الشرعية من الموالين، والإفتاء
والتوجيه لهم، وقد توَّجه الإمام الهادي بوسام
خالد:
(هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم
فعنّي يقول، وما أدّاه فعنّي يؤدّيه).
ويصبح وكيلاً للإمام الحسن العسكري بعد انتقال
أبيه إلى جوار ربّه فقد قال عنه:
(هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي
في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله،
وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّي).
وكان يتاجر بالسمن فلقّب أيضاً بـ (السمّان)،
وكان يضع الحقوق الشرعية الواردة إليه من قبل
الموالين في أجربة السمن حيطة وحذراً من
السلطات آنذاك.
وقد حضر تجهيز الإمام الحسن العسكري بعد
استشهاده، مشتركاً مع الإمام المهدي سرّاً،
حيث كان يخشى على الإمام من السلطة العبّاسية
ومن عمّه جعفر بن علي.
وحينما تحضر الوفاة أبا عمرو عثمان بن سعيد،
فإنَّه يبلّغ أصحابه وقواعد الإمام الشعبية
باتّباع ولده أبي جعفر محمّد بن عثمان، بأمر
الإمام المهدي، وقد أبَّن الإمام المهدي سفيره
الأوّل الراحل بقوله في رسالته:
(إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لأمره
ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً
فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم
السلام)، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً
فيما يقرّبه إلى الله عز وجل وإليهم، نضَّر
الله وجهه وأقاله عثرته).
وأضاف قائلاً:
(أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رزئت
ورزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في
منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله عز
وجل ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه
بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله،
فإنَّ الأنفس طيّبة بمكانك وما جعله الله عز
وجل فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك وعضدك
ووفَّقك، وكان الله لك وليّاً وحافظاً وراعياً
وكافياً ومعيناً).
وقد كان السفير الأوّل معروفاً من قبل القواعد
الشعبية وقد أجمعت على وثاقته ونزاهته وانقادت
له، وقد حلَّ محلّه ابنه أبو جعفر محمّد بن
عثمان، فانقادت له، إلاَّ من بعض المنحرفين
والدجّالين وقد تمَّ التعامل معهم بما فضحهم
أمام الجميع. وكانت التوقيعات تخرج على يديه
متضافرة، وكثير من معجزات الإمام ظهرت على
يديه لا يتَّسع المجال لذكرها. واستمرَّ
مضطلعاً بالسفارة قرابة الخمسين سنة، حيث
التحق بركب الخلود، وحيث سلَّم منصب السفارة
من بعده للشيخ الجليل أبي القاسم الحسين بن
روح ابن أبي بحر النوبختي، وقد أعلن وأشار
الشيخ أبو جعفر محمّد بن عثمان له في حضور جمع
من الوجوه والأكابر الذين سألوه: إن حدث أمر
فمن يكون مكانك؟
فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن
أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم
وبين صاحب الأمر
(عليه السلام)،
والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في
أموركم وعوّلوا عليه في مهمّاتكم فبذلك اُمرت
وقد بلَّغت.
وقد تولّى الحسين بن روح السفارة فعلاً بعد
موت أبي جعفر محمّد بن عثمان السفير الثاني،
حتَّى التحق بركب الخلود كسابقيه بعد مرور ما
يقارب العشرين سنة من السفارة، وقد اضطلع
بمهامّه على أكمل وجه وأكمل صورة وكان ملتزماً
بالتقيّة المضاعفة وكان يداري المؤالف
والمخالف.
ثمّ تولّى السفارة بعده أبو الحسن علي بن
محمّد السمري التي لم تستمر إلاَّ ثلاث سنوات
تقريباً، وانتهت بورود رسالة من الإمام الهادي
إليه يعلن فيها انتهاء فترة الغيبة الصغرى،
وعهد السفارة والوكالة، ويمنعه من الوصيّة إلى
أيّ شخص بعد موته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد
أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما
بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى
أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة
التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله عز وجل
وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء
الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي
المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج
السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا
قوّة إلاَّ بالله العلي العظيم).
فتمَّ نسخ تلك الرسالة بالعشرات، وبثَّت بين
القواعد الشعبية، وفي اليوم السادس دخل على
أبي الحسن السمري أصحابه وهو يجود بنفسه
فقالوا له: من وصيّك من بعدك؟
فقال: لله أمر هو بالغه.
وقضى وانتقل إلى جوار ربّه، وهكذا وقعت الغيبة
الكبرى، وانقطعت العلاقة المباشرة بين الإمام
وشيعته، بعد اعتيادها على غيبته خلال الغيبة
الصغرى. إلاَّ أنَّه لا يعني أنَّ الإمام قد
قطع كلّ صلة بقواعده الشعبية ومواليه، بل كان
يلتقي بهم ليس بعنوانه المباشر كإمام وقائد
لهم، وإنَّما كشخص عادي، لتوجيه سلوك أو تنبيه
على قضيّة ما بحيث لا يتمُّ التعرّف على
شخصيته إلاَّ بعد انصرافه، وتحقّق الهدف
الكامل من ذلك..
وقد امتلأت الكثير من الكتب بهذه الحكايات
بالعشرات يمكن الرجوع إليها إن أراد القارئ
الكريم الاستزادة.
وهنا يطرح سؤال مشروع، هل إنَّ الإمام المهدي
قد وضع ضمانة لقيادة شيعته في غيبته الكبرى
هذه بحيث لا تؤثّر غيبته في كيانها
ومقوّماتها، وما هي هذه الضمانة؟
والجواب هو طبعاً بالإيجاب، فهناك الضمانة
الناجعة التي حفظت وعصمت قواعده من التفكّك من
الاندثار ولاسيّما وهي تواجه أخطار جسيمة من
أعدائها التقليديين من الحكّام وغيرهم.
فبما أنَّ الإمام هو وصيّ رسول الله، وخليفته
وخليفة الله في الأرض، فإنَّه أيضاً رحمة الله
للعالمين مثل جدّه خاتم الأنبياء، ولا يمكن
لهذه الرحمة أن تتركهم للفتن والزعازع
والأمواج التي تضربهم من هنا ومن هناك، وقد
دقَّ حجر الأساس لهذه الضمانة هو وآباؤه
الطاهرون.
(أنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر
في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به
حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم
بحكمنا فلم يقبله منه فإنَّما بحكم الله قد
استخفّ، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على
الله وهو على حدّ الشرك بالله).
(فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه،
حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر
مولاه، فللعوام أن يقلّدوه).
وقد ثبَّت الإمام المهدي هذه الضمانة بأمره
التاريخي وإعلانه الأخير:
(وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى
رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة
الله عليهم).
وهذا يعني انتقال الوكالة الخاصّة لأفراد
معروفين ومشخَّصين كما أشرنا إلى ذلك، إلى
الوكالة العامّة المشخَّصة لكلّ عالم عامل تقي
ورع، معروف بالعدالة والصدق، والعلم والمعرفة.
وبذلك فقد وُضِعَ حدّ صارم لا يمكن تجاوزه
بأيّ حالٍ من الأحوال، فالذي يدّعي الوكالة
الخاصّة بعد موت السفير الرابع وانتهاء الغيبة
الصغرى فهو كذّاب مفتر، ودجّال لا يسمع لكلامه
ويضرب به عرض الجدار كائناً من يكون.
وعليه قد أصبح الفقيه الجامع لشروط المرجعية
نائباً عن الإمام، لا يسوغ لأيّ موالٍ لأهل
البيت مخالفته أو التمرّد عليه أو حتَّى طرح
سؤال: (لِمَ؟)، عن بعض تصرّفاته، لأنَّ ذلك
يستلزم مروقه من التشيّع وردّه على الإمام
المعصوم الذي نصَّبه، وقد أصبحت المرجعية منذ
انتهاء فترة الغيبة الصغرى العمود الفقري
والعقل المفكّر وصمّام الأمان للشيعة، وهي
التي حفظت كيانهم ووجودهم منذ قرون عديدة.
ولما لهذا التلاحم القوي بين المرجعية
وقواعدها الشعبية من أثر في حفظها، فقد أثار
المناؤون بعض الغبار عليها فحاولوا قديماً
وحديثاً دقّ إسفين بينهما، أو محاولة التفكيك
بين الطرفين، بإلقاء الشبه والتهم الزائفة
والأكاذيب والافتراءات التي تطال بعض العلماء
الأعلام. بل لجأوا إلى زرع بعض العناصر
الفاسدة وألبسوهم العمائم للقيام ببعض
التصرّفات الغير أخلاقية لإظهار أنَّ طلبة
العلوم الدينية على هذه الشاكلة.
ولعلَّ أبرز مثال تاريخي على حملات التهويش
والتشويش على علماء الشيعة الأبرار ما قام به
ابن تيمية الحرّاني اتّجاه العلاّمة الحلّي
(ابن المطهَّر) الذي كان يسمّيه ابن المنجّس
خروجاً على قواعد اللياقة والأدب في قبال
الخصوم.
لقد مرَّت هذه الطائفة منذ الغيبة الصغرى خلال
مسيرتها التاريخية الطويلة اللاهبة، بمختلف
الخطوب والمحن والفتن، من انتقاض الأطراف
عليهم وكثرة الأعداء لهم، وتنمر الطواغيت
والحكّام عليهم، لو حدث أن تعرَّضت طائفة أخرى
غيرها لعشر ما تعرَّضت له لأصبحت في خبر كان
وحديثاً من أحاديث التاريخ.
ولعلَّ الكثير من المفكّرين والباحثين من
المؤالفين والمخالفين يتساءلون عن سرّ هذا
الصمود وسرّ هذا الوجود؟
والإجابة لا تخلو من الإحالة على التأييد
الإلهي الذي هو فوق كلّ شيء، فمن كان الله معه
لا يخشى شيئاً ولو تألَّبت عليه السماوات
والأرض، والسبب في ذلك قوّة إيمانها بقضيّتها
واستعدادها الكامل بقضّها وقضيضها التي جعلت
تمدّ رقابها للسيف والنطع، ولا تحني رأسها
أمام الجلاّدين وقضاة السوء، والتفافها القوي
الواعي حول مرجعيتها الربّانية.
لو أنَّك أردت النظر إلى تاريخها الدامي منذ
وفاة النبيّ الأعظم وحادثة الانقلاب الجاهلي
القرشي في السقيفة لوجدتها قد تمسَّكت بثقلين
أساسيين هما القرآن والعترة، فاتَّبعت القرآن
في الايصاء بالعترة، واتَّبعت العترة في
الايصاء بالقرآن.
ثقلان متلازمان لا يفترقان إلى يوم القيامة
كما أخبر الرسول، والذي يتمسَّك بهما سيبقى
معهما إلى يوم القيامة من باب تلازم العلّة
بالمعلول، ممَّا يشير إلى أنَّها الطائفة
المحقّة الناجية من غير شكّ وإبهام، وأمَّا ما
يدَّعيه غيرها من الطوائف فدون ذلك خرط القتاد.
وهذا الإيمان بالثقلين والعمل بهما، قد أعطى
هذه الطائفة طاقة حركية متجدّدة لا نفاد لها،
تتحرَّك ضمن المراحل التاريخية دون توقّف، فلم
تكن منغلقة على نفسها _ بالرغم من استخدامها
التقيّة _ كبعض الطوائف السرّية التي بادت،
وإنَّما انفتحت على العالم من خلال الكلمة
الهادفة والحوار الهادي، والفكر الخلاّق،
والخلق القويم، وطاقتها الروحية من خلال
ثروتها الثرّة من الأدعية والأوراد التي لا
تتوفَّر لدى أيّ طائفة إسلاميّة أخرى.
لا أدّعي أنَّها وصلت إلى مصاف الملائكة من
حيث الطهر والنقاء، فهذا محال، ففي صفوفها
يوجد منحرفون ومضلّون ومنافقون، وهذا شيء
طبيعي، لأنَّ كلّ دعوة حقّ لا بدَّ من وجود
أعداء وخصوم لها، إمَّا في داخل صفوفها أو
خارجها، وهؤلاء يستعملون أساليب الكذب والدجل
والتضليل والافتراء ومحاولة تفخيخ الطائفة من
الداخل بالسلوكيات الأخلاقية المنحرفة
والشاذّة.
ويبدو أنَّ إخواننا من المدارس الإسلاميّة
الأخرى، قد نسوا أو تناسوا أعداء الإسلام
الحقيقيين من يهود وصليبيين وملحدين فتركوهم
وتمسَّكوا بتلابيب الشيعة، وكأنَّ أولئك
الأعداء عقدوا صلحاً دائماً مع الإسلام فلا
تآمر عليه، ولا حملات تشكيك وتشويه لصورته
وصورة رسوله الأعظم، فاتَّخذوا من تراث بني
أمّية وبني العبّاس المرّ غذاءً لهم يجترونه
كلّ حين في الحقد الأسود على أهل البيت
وأتباعهم.
ولا يستبعد أن يقوم الصليبيون واليهود بزرع
مجاميع صليبية أو يهودية ذات توجّهات تلمودية
في صفوف المسلمين مرتدين ثوب الإسلام، من
إطالة اللحى وتقصير الثياب، رافعين عقيدتهم
بالدفاع عن مقدَّسات الإسلام، من افتئات
الشيعة عليه، فيقومون بإصدار الفتاوى المكتوبة
في دهاليز الموساد والموقعة من أولئك العثانين
ذوي الثياب القصيرة، بإهدار دماء طائفة عظيمة
(ذات عداء تاريخي مع اليهود)، أذاقت اليهود
قديماً وحديثاً طعام الذلّ والهزيمة.
وإلاَّ فماذا نفسّر انثيال هذه القطعان
السائبة على بلاد المسلمين، يقتلون الطفل
البريء، والمرأة المسالمة، والغافل والكاسب في
برودة دم، أو يرفعون رؤوس ضحاياهم أمام
التلفاز رافعين الصوت: (الله أكبر).
لقد ألبس هؤلاء الإسلام ثوب العار وجلَّلوه
بالشنار لعشرات السنين، وطردوا الملايين
الباحثين عن الحقيقة والراحة في شتّى أنحاء
العالم الذين يطرقون باب الإسلام للدخول إليه،
فأصبحت صور الأشلاء المقطَّعة في شوارع بغداد
وإسلام آباد وعمّان رسالة الإسلام إلى
العالم..
وضاعت صيحة رسول الله:
(الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض
يرحمكم من في السماء).
في رماد تفجيرات ذوي اللحى القادمين من رمال
الحجاز ونجد.
إنَّها نفثة صدر، وغضب عارم مكبوت يريد
الانفجار، حيث ترى إلى ما يحصل لهذا الدين على
أيدي أولئك الخوارج، وإلاَّ فإنَّ الربّ واحد
والنبيّ واحد، والقبلة واحدة، والدين واحد،
والجميع تحت راية لا إله إلاَّ الله محمّد
رسول الله، ما بعث الله نبيّاً بعد محمّد
حتَّى ينسخ دينه أو يبيح دماء أهل القبلة.
ولهذا أقرع ناقوس الخطر أمام آذان علماء
الإسلام في الأزهر الشريف وجامع الزيتونة
والقرويين وغيرها وأقول لهم: اتقوا الله
جميعاً في دماء المسلمين، لا تدعو هؤلاء
الجهّال الضلاّل يلعبون بدين الله، مستخدمين
التروّد ولا في هذا المجال، وإلاَّ فإنَّ
علمكم سيكون وبالاً عليكم يوم القيامة وتقرنون
مع إبليس في أسفل قعر جهنَّم بما لم تقولوا
الحقّ، وأنتم قادرون على ذلك.
وعوداً على بدءٍ فإنَّ المرجعية قد استلمت
دفّة سفينة الشيعة وقادتها بكلّ حكمة ودراية،
في تلك الظروف القاسية، فلمعت في سمائها نجوم
برّاقة من قبيل الشيخ المفيد، والشريفين
المرتضى والرضي، والشيخ الطوسي الذي نقل
الحوزة العلمية من بغداد إلى النجف الأشرف،
بعد حادثة الاعتداء على كتبه وداره من قبل
الحنابلة المتطرّفين.
وحينما فتحت الحوزة العلمية أبوابها في النجف
الأشرف، انثال عليها أبناء الشيعة، فبدأت
تضخُّ في كلّ جيل كواكباً من العلماء
الربّانيين، وقد سارت معها كتفاً إلى كتف حوزة
الحلّة الفيحاء، فرفدتا الساحة الشيعية بعلماء
أفذاذ لم يجد الزمان بنظائرهم كابن المطهَّر
الحلّي، والمحقّق الحلّي، وآل أبي نما،
والسادة آل طاووس، وابن فهد الحلّي، ثمّ التحق
بهذا الركب بعد حين علماء جبل عامل في الشام
كالشهيد الأوّل والشهيد الثاني والمحقّق
الكركي والحرّ العاملي وغيرهم.
وقد واصلت المرجعية مسيرتها اللاحبة إلى عصرنا
هذا، فكانت بحقّ القائدة المحنّكة المسدّدة
بالنور الإلهي، فإذا بها تبرز أمامنا أسماء
العمالقة كالشيخ الأنصاري، والشيخ كاظم
الخراساني، والسيّد كاظم اليزدي، والشيخ طه
نجف، والشيخ محمّد تقي الشيرازي قائد ثورة
العشرين الخالدة، والسيّد محمّد سعيد الحبوبي
المقارع لقوّات الاحتلال الإنجليزي في البصرة
والناصرية، والشيخ محمّد جواد البلاغي،
والسيّد أبو الحسن الأصفهاني، والسيّد حسين
البروجردي، وغيرهم وغيرهم، حتَّى وصلت إلى
زعيم الطائفة السيّد محسن الحكيم وبعده السيّد
أبو القاسم الخوئي سيّد الأصوليين، والشهيد
السعيد السيّد محمّد باقر الصدر، والشهيد
السيّد محمّد الصدر، والشهيد الشيخ علي
الغروي، والشهيد الشيخ مرتضى البروجردي،
وأخيراً السيّد السيستاني أسد العراق الذي حفظ
العراق.. والمراجع الآخرين أطال الله أعمارهم.
نعم لقد مرَّت أمامنا شخصيات عظيمة، تتصاغر
العظمة أمامهم، وإلاَّ فماذا نقول عن السيّد
المجاهد روح الله الخميني الذي أحدث زلزالاً
في العالم في الثلث الأخير من القرن العشرين؟
ذلك الشيخ الذي قاد تلك الجماهير الثائرة
بحماسة الشباب، فأطاح بعرش الطاووس وأقام
حكومة إسلاميّة تحكم بحكم القرآن.
ولست هنا بصدد تعداد أولئك الأعلام، فإنَّه
بتطلَّب منّا موسوعات كبيرة، ولعلَّ في موسوعة
أعيان الشيعة للسيّد محسن الأمين، والذريعة
إلى تصانيف الشيعة للشيخ آغا بزرك الطهراني ما
يشفي الغليل والغناء لمن يريد ذلك.
وحتماً _ عزيزي القارئ _ لو أنَّك اطَّلعت على
سيرة هؤلاء الأفذاذ لوقفت مذهولاً مأخوذاً،
فلا تدري ماذا تقول ولا تدري ماذا تكتب، فكلّ
واحد منهم عالم وقائم بذاته، عقل نوراني
مترفّع عن أدران التراب، وخلق كخلق الأنبياء،
وسمت كسمت الصالحين، فما كانوا ليكنزوا ذهباً
أو فضّةً أو أموالاً، ولا ليتقلَّبوا على
الرياش والفرش الوثيرة، فحسبهم للعيش لقيمات
قليلة، واللباس قماش من القطن أو الصوف، ومن
الفرش حصير بالية ووسائد قديمة، ومن السقف
التي يجلسون تحتها ما بنيت من الطين أو
الطابوق، وأغلبها متهالك آيل للسقوط ما لهم
فيها ملك ولا سند عقار.
وإذا كانت المرجعية بهكذا مواصفات، فإنَّها
تبقى خالدة، وفعلاً صمدت أمام الرياح العاتية،
وبقيت القلب النابض والروح المحرّك للشيعة.
وهذه الخاصيّة للمرجعية التي جعلتها بهذا
الحجم، وهذه القوّة، لا يمكن أن تأتي من فراغ،
فلو أنَّنا وضعناها على طاولة التشريح فإنَّنا
سنتوصَّل إلى وجود خصائص هي:
لقد تحدَّث الكثيرون عن الفقه الإمامي، ووصفوه
بالعمق والسعة، وهذا صحيح، إلاَّ أنَّهم قد
تغافلوا أو غفلوا عن خاصيّة المرونة فيه..
ونقصد بالمرونة هنا، قابليَّته على التكيّف مع
الظروف المستجدّة، وقابليَّته على وضع الحلول
الشرعية للمسائل المستجدّة أو المستحدثة،
فبإمكان الفقيه أو المرجع التوصّل إلى أيّ حكم
شرعي مطابق للقرآن وسُنّة المعصوم لأيّ واقعة
تقع لم يتطرَّق إليها سابقاً، طبقاً للقواعد
الأصولية التي وضعوها استناداً إلى القواعد
الشرعية وإلى الأحكام العقلية المستقلّة أو
غير المستقلّة.
ولا نريد هنا الدخول في علم أصول الفقه، فهو
بحر واسع قد نغرق في ساحله، إلاَّ أنَّ هذا
العلم بما أنَّه أداة شرعية منطقية، لاستنباط
الحكم الشرعي (الظاهري) من مداركه الشرعية
المعروفة، فلا يستعصى الوصول إلى حكم الواقعة
بأيّ صورة من الصور.
والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد وضعوا الحكم
الشرعي مثلاً للتأمين، أو السرقفلية، أو
التلقيح الاصطناعي، وحتَّى قضيّة الحامض
النووي كأحد أدلّة الإثبات في القضايا
الجنائية.
وقد وضع السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر الأسس
الشرعية للمصارف والبنوك الإسلامية في كتابه
(البنك اللا ربوي في الإسلام)... الخ.
التقليد هو عملية الحصول على الأحكام الشرعية
من فتاوى مراجع التقليد من قبل العوام،
والعوام هم الأفراد الذين لا تتوفَّر فيهم
خاصيّة الاجتهاد، أي استنباط الأحكام الشرعية
من مصادرها، ولو رجعنا إلى كيفية ترسيخ هذا
المبدأ لوجدنا أنَّه من خلال النصوص الشرعية
الواردة من الأئمّة المعصومين ما يوجب أو يلزم
عوام الناس بالرجوع إلى الفقهاء العدول فيما
أهمَّهم من أمور حياتهم اليومية، كما ورد
آنفاً.
وتبعاً لتلك النصوص المستفيضة فقد أرسى
العلماء الأعلام قواعد التقليد، وقد حكموا
بأنَّ أيّ مكلَّف ملزم بالرجوع إلى فتاوى أحد
المراجع الأحياء المشهور بالعلم والتقوى
والعدالة، وإلاَّ فإنَّ أيّ عمل يقوم به
المكلَّف من غير تقليد باطل.
ومن أجل ذلك فإنَّك تجد في صدر كلّ رسالة
شرعية لأحد المراجع عبارة: (إنَّ العمل بهذه
الرسالة مبرئ للذمّة إن شاء الله). وإبراء
الذمّة هو الهدف الأساس من عمل الإنسان في هذه
الدنيا، فمتى حصل على هذا الصك كان من الناجين
بإذن الله.
وبناءً على ذلك فقد تكوَّنت علاقة وثيقة
وقويّة بين المكلَّف العادي وبين المرجع، أصبح
المرجع بموجبها ملزماً بتجهيز الحكم الشرعي
المطابق للقرآن وسُنّة المعصوم ووضعه أمام
المكلَّف، وهذا يستلزم عملية كبيرة معقَّدة
تسمّى: الاجتهاد.
الاجتهاد كما عرَّفه أهل العلم بأنَّه بذل
الجهد (أو الوسع) للوصول إلى الحكم الشرعي من
مداركه الشرعية الأساسية كالقرآن وسُنّة
المعصوم (وسُنّة المعصوم هي قوله أو فعله أو
تقريره)، والاجتهاد عملية عقلية تربط بين
النصوص أكانت متوافقة أم متعارضة، وتحدّد
ماهيتها من حيث التقليد والإطلاق أو الخصوص
والعموم للخروج بالحكم الشرعي، ولذلك دخل
العقل في العملية هذه من خلال استخدام
المستقلاّت والربط المنطقي وهلم جرّاً.
ولكي يكون الاجتهاد منضبطاً من كلّ الجوانب،
فقد وضعت ضوابط صارمة أمام كلّ دارس، وهذه
الضوابط لا تسمح لكلّ من هبَّ ودبَّ الوصول
إليه، إلاَّ بعد بذل الوسع والجهد والصبر مع
ملكة فكرية ضخمة للوصول.
ولا علاقة للاعتبارات الاجتماعية أو
الاقتصادية أو السياسية في هذا الصدد، وإنَّما
هي عملية تدرّج في مراحل الدراسة والبحث
كمراحل الدراسة في الجامعات، ولكي يصل الدارس
إلى خطّ النهاية _ أعني الاجتهاد _ عليه
المرور بدراسة المقدّمات، والسطوح بمراحله،
والبحث الخارج، وبعدها الوصول إلى الاجتهاد
بطريقة جديدة أو تعديل نظريات قديمة، فعندما
يلمس الأستاذ ذلك منه، يعلن عن اجتهاد تلميذه
أمام الآخرين من طلبة العلوم الدينية
وأساتذتهم أو بعض قطاعات المجتمع، أو يعطيه
تخويلاً مختوماً من قبله (أي إجازة شرعية
بالاجتهاد من مجتهد معروف).
وأغلب المجتهدين يحصلون على إجازات الاجتهاد
من عدّة مراجع وعلماء مجتهدين، ممَّا يعزّز من
مكانتهم وإنَّما يصبح مرجعاً بعد تدرّجه في
الضبط والاستنباط لفترة بعد الاجتهاد، وبعد
صقل ملكته الاستنباطية بحيث يشير إليه تلامذته
وزملاؤه الآخرون.
وعليه فدرجة الاجتهاد مثل أيّ شهادة علمية
يحصل عليها الإنسان نتيجة دراسته، ولذلك فقد
حرّم على أيّ إنسان حتَّى لو وصل إلى درجة
علمية عالية _ إلاَّ أنَّها دون الاجتهاد _
الإفتاء والدعوة إلى تقليده، لما يستتبع من
ذلك إيقاع المكلَّفين في المحذور.
وقد حاول بعض الحكّام وخصوصاً في العراق
التدخّل في شؤون الحوزة وخصوصاً حوزة النجف
الأشرف، لكونها المعقل الرئيس للشيعة في
العالم، فابتدعوا بدعة الحوزة العربية أو
العراقية، وكان الهدف من ذلك إفراغها من
مراجعها وأساتذتها الذين بعضهم من أصول غير
عربية أو عراقية، ليتسنّى لهم زرع ما يشاؤون
من أذنابهم واحتوائها وجعلها أشبه ما تكون
بدائرة حكومية.
صحيح أنَّ بعض العناصر غير العربية فيها كانت
تتميَّز ببعض العنصرية وحبّ الذات المقيت،
إلاَّ أنَّ ذلك لا يبرّر لأيّ كائن كان سلوك
هذا المنحني، والمهمّ أنَّ هذه البدعة قد
جوبهت من العلماء الأعلام بقوّة مثل السيّد
محمّد باقر الصدر وغيره.
ولو أنَّنا أردنا أن نساير دعاة هذا الاتّجاه
الشاذّ، فلا يسوغ للشيخ محمّد تقي الشيرازي
قيادة ثورة العشرين وتقديم ولده الشيخ محمّد
رضا قرباناً لها لأنَّه من بلاد فارس، ولا
ينبغي للشيخ المحقّق الكركي أن يكون المرشد
الأعلى للدولة الصفوية في عهد الشاه طهماسب بن
إسماعيل الصفوي وهو من أصول عربية قحّة.
والطريف أنَّ وراء هذه الدعوة من مدرسة
الخلفاء، وجد بعض البلهاء أو المغرضين من هذه
الطائفة من يتَّفق معه، وإلاَّ فإنَّ أهل هذه
المدرسة لا يقرأون سطور تاريخهم القديم أو
الحديث، أو يتمعَّنوا فيه فإنَّ جُلّ اعتماد
هذه المدرسة على مؤلّفات علماء من أصول غير
عربية، كأصحاب الصحاح المعتمدة لديهم كالبخاري
ومسلم والترمذي وابن ماجة وأبي داود
والنيسابوري والمتّقي الهندي وأبي حامد
الغزالي إلى آخر القائمة، بل إنَّ أئمّة
المذاهب المعتمدة لديهم هم من الفرس مثل أبي
حنيفة والشافعي وابن حنبل وداود الظاهري
الأصفهاني وغيرهم.
فإذا طبَّقنا هذه القاعدة العنصرية، فقد نسفنا
الفكر الإسلامي ومعطياته من الأساس.
وهنا نقول: ما هذا الكلام وما هذا التخريف؟
إنَّه أشبه بكلام الحشّاشين والسكارى.
فلو رفضنا كلّ ما ليس بعربي، لرجعنا إلى
صحارينا المملوءة بالرمل والحيّات والعقارب.
ليس في الإسلام قومية، وليس في الإسلام
عنصرية، وإنَّما المعيار هو الإيمان والتقوى،
لا الأنساب وشجرات النسب إن كانت من جلد
الغزال أو غيره، وأنت لو نظرت إلى الخارطة
الديموغرافية لصحابة رسول الله لوجدت بلال
الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وخباب بن
الأرت وأبا رافع القبطي بجانب أساطين العروبة
كعلي بن أبي طالب الهاشمي، وأبي ذر الغفاري
والمقداد الكندي وأبي بكر التيمي وعمر العدوي
وعثمان الأموي وعبد الرحمن بن عوف الزهري وهلم
جرّاً، والميزة التي تميّز الشيعة عن غيرهم
أنَّهم لا ينقادون إلاَّ بالدليل (نحن أبناء
الدليل أينما مال نميل)، والدليل يجب أن يكون
من الشرع بجانبيه القرآن وسُنّة الرسول،
والعقل السليم الذي قد تسالم على قواعده كلّ
البشر على مختلف مشاربهم وألوانهم، فأيّ إنسان
نال رتبة الاجتهاد سواء أكان عربياً أم تركياً
أم فارسياً أم إنجليزياً أم هندياً أم
أفريقياً، مؤهَّل للتقليد شريطة أن يكون ورعاً
ذا تقوى وعدالة، فمناط التقليد بعد العلم هو
التقوى والعدالة فأيّ مجتهد ينخرم عنده شرط
العدالة يسقط تقليده ولا عبرة عندئذٍ بعلميته،
فالحوزة صارمة كالسيف لا توجد مجاملة أو
محاباة، أو فئوية أو قومية، فالاجتهاد هو
الاجتهاد ولا يناله إلاَّ من أوتي ذلك.
الخاصيّة الأخرى المهمّة هي استقلالية الحوزة
والمرجعية في قراراتها وفتاواها عن مراكز
القرار في أيّ دولة، وهي استقلالية من الناحية
الإدارية والاقتصادية والسياسية والتربوية، لا
مكان لمزاج الحاكم أو المتنفّذ في الدولة.
والاستقلالية هذه نجحت من خلال استقلاليتها
الاقتصادية، عن طريق الحقوق الشرعية التي
تصلها من مقلّديها أو الأوقاف التي تحت
إدارتها، وبذلك فإنَّها غير مضطرّة لمدّ
أياديها للحكومات والدول لما يستتبع ذلك من
خطورة كبيرة على حيادية الفتوى أو الحكم
الشرعي.
وهذه الاستقلالية هي الجانب المشرق من الفقه
الشيعي، فلا سيطرة ولا مكان لمزاج حاكم مهما
استخدم من أساليب الترهيب والترغيب، فممَّا
جعل الحكّام والمتنفّذين يناصبونه العداء
ويكيدونه، عكس المدارس الأخرى التي أصبح
علماؤها موظّفين لدى الحكّام، يوظّفون ويعملون
بمراسيم ملكية أو جمهورية، وأصبحت أرزاقهم
مرتبطة بمدى علاقتهم بالحاكم الموجود، ففقدوا
استقلاليتهم فصارت الفتوى يكتبها الحاكم (من
باب المجاز) ويوقّعها المفتي.
ومن جراء ذلك فقد صدرت فتاوى رهيبة تحمل مثل
هذه البصمات _ أعني مزاج الحاكم _ مثلما أفتى
الشيخ نوح الحنفي لأحد سلاطين الدولة
العثمانية بإهدار دماء وأموال وأعراض الآلاف
من رعاياه الشيعة في الأناضول بسبب نزاعه
المسلَّح مع شاه إيران الصفوي الشيعي، فقتل
أولئك المساكين قتلاً ذريعاً.
في حين أنَّ استقلالية الفتوى، ذات أثر في
الفتوى الشيعية، فقد حاول أحد طواغيت العراق
الحصول على فتوى من مراجع الشيعة في النجف
الأشرف وبالذات من السيّد محسن الحكيم
باستباحة دماء أكراد العراق بسبب حربهم مع
حكومة بغداد، فرفض ذلك رفضاً قاطعاً، وتكرَّر
ذلك عدّة مرَّات فدفع ثمن ذلك من دماء أبنائه
وأحفاده.
والمؤسف أشد الأسف أنَّ أولئك الطواغيت قد
حصلوا على عشرات التواقيع والفتاوى من مدرسة
الخلفاء وهي مدرسة الأكراد أنفسهم.
أليست هذه مفارقة عجيبة؟
ولو أردنا أن نعدّد أمثال هذه لما وسعنا
المجال، لكنَّنا نترك ذلك أمام صفحات التاريخ
التي تحكم إمَّا بنعم وإمَّا بلا..
* * *
القرآن الكريم.
أبناء الرسول في كربلاء: خالد محمّد خالد/ ط
5/ 1406هـ/ دار ثابت/ القاهرة.
الاحتجاج: أحمد بن علي الطبرسي/ ت محمّد باقر
الخرسان/ دار النعمان.
إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري/ ت
السيّد علي عاشور/ قم.
الأمالي: الشيخ المفيد/ ت عليّ أكبر الغفاري/
نشر جماعة المدرسين قم.
بحار الأنوار: المجلسي/ مؤسسة الوفاء/ بيروت/
1403 هـ .
تفسير الإمام العسكري
(عليه السلام):
ط1 المحققة/ 1409هـ/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
الخصال: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/
نشر جماعة المدرسين قم.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ دار الفكر/
(تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي).
سنن الترمذي: الترمذي/ دار الفكر/ تحقيق: عبد
الوهاب عبد اللطيف.
سنن الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي/
دار الفكر/ بيروت.
شرح صحيح مسلم: النووي/ ط 2/ 1407هـ/ الناشر
دار الكتاب العربي بيروت.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد/ ت محمّد أبو
الفضل/ مط المرعشي/ دار إحياء الكتب العربية.
صحيح مسلم: مسلم ابن الحجاج النيسابوري/ دار
الفكر بيروت.
عوالي اللئالي: ابن أبي جمهور الاحسائي/
الطبعة الأولى/ 1403هـ/ قم.
الغيبة: الطوسي/ مؤسسة المعارف الإسلامية/
الطبعة المحققة الأولى/ 1411هـ .
الكافي: الشيخ الكليني/ ت عليّ أكبر غفاري/ ط
3/ 1388هـ/ مط حيدري.
كتاب الفتن: أبي عبد الله نعيم بن حماد
المروزي/ ت سهيل زكار/ ط 1414هـ/ دار الفكر/
بيروت.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر غفاري/
ط 1405هـ/ جماعة المدرسين/ قم.
كنز العمال: المتقي الهندي/ ت مجموعة/ مطبع
ونشر/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
مجمع الزوائد: الهيثمي/ دار الكتب العلمية/
بيروت/ 1408 هـ.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلي/
ط 1/ 1370هـ/ مط الحيدرية/ النجف.
المستدرك: محمّد بن محمّد الحاكم النيسابوري/
ت المرعشلي/ 1406هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل/ طبع ونشر دار
صادر/ بيروت.
معجم أحاديث الإمام المهدي: علي الكوراني/ ط1/
1411هـ/ مؤسسة المعارف.
الملاحم والفتن: السيّد ابن طاووس/ ط 1/
1416هـ/ مؤسسة صاحب الأمر.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب/ ت مجموعة ط
1376/ المطبعة الحيدرية/ النجف.
موسوعة كلمات الإمام الحسين
(عليه السلام):
إعداد معهد تحقيقات باقر العلوم
(عليه السلام)/
نشر دار المعروف قم/ ط 3.
* * *
|