|
M-mahdi.com
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل
الله فرجه الشريف |
| |
|
كيف تكون منتظراً حقيقياً؟
في هذه
الأجواء المشحونة بالصراع
العقائدي لا بدّ للإنسان أن يدلي
بدلوه ويعلو بحجته ويجادل بالتي
هي أحسن في سبيل بناء عقيدة رصينة
مستمدة من الأدلة العقلية
والنقلية بعيدة عن جنوح العاطفة
وإفرازات التمذهب.
ولكن الحديث عن الإمام المهدي
عليه السلام يختلف باختلاف
الثقافة التوعوية التي يحملها
المخاطب والأسس والتراكمات التي
بنيت عليها شخصيته العقائدية,
فالخطاب الموجه إلى الفرد
المنتظِر خطاب يفترض به أن يكون
قد تجاوز مرحلة النفي والإثبات
والنقض والإبرام والدليل والدليل
المعاكس.
فإن الحديث العلمي وبسط النظريات
ومطارحة الأفكار والرأي والرأي
الآخر يكون ضرورياً ومعطاءاً إذا
كانت تركيبة المتلقي الثقافية
وموروثاته العقائدية مخالفة
ومتضاربة في خطوطها العريضة مع
البنية العقائدية للمتكلم. إذن
للحديث العلمي مجاله الخاص مكاناً
وزماناً فإن بالامكان أن يؤتي
ثماره إذا كان هناك من يخالفك في
الفكر والعقيدة حديث النفي
والإثبات يؤتي أكله. إذا كان هناك
من أعرض عن آيات الله تعالى
الدالة على طرح الإصلاح العالمي
كضرورة تأريخية وسنّة إلهية 0
أما إذا اُريد للحديث أن يكون مع
المنتظرين وللمنتظرين فقط فسيأخذ
منحى وطريقاً آخر وسيكون له مذاقه
الخاص ولونه المنفرد لأن المتلقي
مهيأ ومعدّ لمثل هذه الاطروحة
أساساً فتراه يحمل في قلبه
العقيدة المهدوية متطلعاً إلى
مولاه تطلعه لاشراقة الشمس في
أوّل إطلالها وجمال بزوغها.
إذن فليس من الصحيح البداية من
الصفر والبحث في قضية هي أساساً
من المسلمات عند المخاطَب فيكون
فضولاً من القول وتحصيلاً للحاصل
.
فلا بدّ أن يكون مجرى الحديث
عاطفياً تعبوياً مع من حمل في
فكره عقيدة الانتظار وآمن بها في
قلبه، فنحن لسنا بحاجة _ مع
المنتظرين _ إلى دليل يثبت لنا
أصل وجود الإمام وولادته وانه حي
يرزق ليومنا الحاضر وحتّى يأذن
الله تعالى له فيخرج ليملأها
عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً
وجوراً, نعم نحن لسنا بحاجة إلى
كل هذا بقدر ما نحن بأمس الحاجة
إلى معرفة حقيقة الإمام ومقامات
الإمام والإمامة, نحن بحاجة إلى
الالتفاف حول الإمام... إلى حبّ
الإمام... إلى عشق الإمام.
وليس المقصود من حب الإمام هو
الأعتقاد بوجوب محبته فإنها من
القضايا الضرورية في الفكر
الأسلامي ]قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ
عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى[
وهكذا ليس المقصود هو التلفظ بها
وطروّها على اللسان فإن الأمر إذا
كان بهذا الحد فهو سهل يسير. لكن
المقصود والذي يسعى الفرد المنتظر
_ وكذلك المجتمع المنتظر _ إلى
تحقيقه والوصول إليه هو جوهر الحب
ولبّه وأصل العشق ومعدنه ومنبت
الوله ومركزه.
لا بدّ للمنتظر من السعي الجاد
والفاعل لأستشعار حضور الإمام
وتنسم عبيره الفواح والهيام به
والشوق للقياه وأن لا يقرّ له
قرار ولا يهنأ له عيش ولا يهدأ له
بال ولا يرقأ له دمع إلاّ بأكتحال
نواظره بطلعته الرشيدة وغرته
الحميدة.
حقيقة الحب:
الحب الحقيقي هو أن يحترق القلب
ثمّ يحترق حتّى يذوب في هوى
محبوبه، الحبّ ليس كلمات تنمق ولا
عبارات تزين ولا أحرفاً تكتب.
الحب لا تسعه الكلمات ولا تحيط به
الحروف ولا تستوعبه العبارات، فهو
أحساس وشعور وأحتراق وذبول وسهر
الليل وفكر النهار وشخوص البصر
بانتظار رؤية الحبيب وذهاب الفكر
سعياً لرضاه وخوض المخاطر في سبيل
لقياه.
الحب هو حزن القلب وابتسامة
الثغر، هو أنين الكتوم وصَرخة
الموتور, الحب هو تتبع حركات
المحبوب وسكناته والأنس بألم
الفراق على أمل اللقاء.
ما أروع صورة الحب وهي تتجلى في
زيارة (آل ياسين) حيث تلتهب عواطف
المحب وتجيش لواعج عشقه فيبعث
بسلامه ليس إلى شخص الحبيب فحسب
بل لكل سكناته ولحظات حياته
وخفقات قلبه، فتراه يقول: «السلام
عليك في آناء ليلك وأطراف
نهارك... السلام عليك حين تقوم،
السلام عليك حين تقعد، السلام
عليك حين تقرأ وتبين، السلام عليك
حين تصلي وتقنت، السلام عليك حين
تركع وتسجد، السلام عليك حين تحمد
وتستغفر، السلام عليك حين تهلل
وتكبر، السلام عليك حين تصبح
وتمسي، السلام عليك في الليل إذا
يغشى والنهار إذا تجلى...».
نعم هذا هو كنه الحب ومعدنه وأصله
وفرعه ومبدأه ومنتهاه.
من هنا يجب أن نبدأ المسير وتتحرك
قافلة المنتظرين ونتعلم كيف نحب
وكيف نعشق فنحن بحاجة إلى مناجات
الإمام وعطفه ورأفته. نحن بحاجة
إلى أستشعار حضور الإمام عليه
السلام لا مجرد وجوده المقدس. نحن
بحاجة إلى التعلم خطوة بعد خطوة
ومرحلة تلو أخرى من أجل الوصول
إلى الهدف المنشود والعلم المنصوب
والأمل المصبوب والغوث والرحمة
الواسعة.
فكما أن العلم يحصل بالكسب
والتعلم فهكذا العاطفة الصادقة
والحبّ الصافي والعشق الخالص لا
يأتي جزافاً بل لا بدّ له من
السير والسلوك والجدّ والاجتهاد
والحركة والمثابرة في طريق رسمه
لنا أئمّة الهدى وخطه لنا قادة
الورى وثابر على سلوكه العلماء
وثبت على نهجه العرفاء وولج في
بحر أمواجه الأولياء.
فلا بدّ للوالج في أعماق الحب،
والواله في غمراته أن يسلك الطريق
ويحث الخطى ويديم المسير المهدوي. |
|
M-mahdi.com
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل
الله فرجه الشريف
|
|
|
|
حب الامام المهدي عليه السلام
الحلقة الثانية
بسم الله والحمد لله والصلاة على
خير رسل الله واله الاطهار0
عودةٌ للبدء مما أنتهينا منه:
إشارة:للوصول إلى بركان الحب
الحقيقي ومنبع الفيض
قد يصل البعض _ وهو القليل النادر
_ ويرتقي بمدارج الوله والعشق من
دون اعتماد الطرق والوسائل التي
سنذكرها وما ذاك إلاّ بعناية خاصة
ونظرة عاطفة ونفحة قدسية من ينبوع
الحب ومعدن العشق لأن هذه
الإشارات والاضاءات ما هي إلاّ
مقدمة موصولة _كما يعبر عنها
الأصوليون_ فمن وصل إلى ذي
المقدمة بدونها فبإمكانه
الاستغناء عنها، وإن كانت تفيده
في الثبات والزيادة، فإن من وصل
في سيره وسلوكه يحتاج إلى
الاستقرار فليس كل من وصل استقر
ولا كل من عرج ثبت.
وهكذا فإن الواصل محتاج دائماً
إلى الزيادة لأن المحبوب متصل
بغير المحدود فيكون حبه لا حدود
له, فلو وقف سبقه الآخرون ولو لم
يتزود تجاوزه العاشقون.
والخلاصة إن هذه الطرق ضرورية لمن
وصل إلى النبع ولمن لم يصل فهي
للأوّل زيادة في الكمال وللثاني
أساس للمسار.
الطريق الأوّل
معرفة الحبيب
ينبغي لنا قبل الحديث عن أقسام
المعرفة وأنواعها أن نشير إلى
الفارق بين العلم من جهة والمعرفة
من جهة أخرى، حيث إن المعرفة وإن
كانت فرع العلم إلاّ أنها تمتاز
عنه بخصوصيات وميزات أرتقت بها
لتكون محطاً لنظر أهل البيت فمن
هنا كان تأكيدهم عليها ولفت نظرهم
إليها في الكثير من أحاديثهم
ورواياتهم, ففي رواية الصدوق كما
جاء في أماليه عن الصادق عليه
السلام: «لا يقبل الله عملاً إلاّ
بمعرفة, ولا معرفة إلاّ بعمل, فمن
عرف دلته المعرفة على العمل ومن
لم يعمل فلا معرفة له, إن الإيمان
بعضه من بعض».
هذا الترابط والتلاحم الوثيق بين
المعرفة والعمل لا نجده متوفراً
وحاصلاً بين العلم والعمل حيث
يمكن افتراق الأوّل عن الثاني كما
جاء في الحديث الشريف: «العلم بلا
عمل كالشجرة بلا ثمر».
فهو صريح بإمكانية فصل العلم عن
العمل، بينما نلاحظ أن هناك
ترابطاً ذاتياً وتلائماً عضوياً
بين المعرفة والعمل، فالعمل من
مقومات وذاتيات المعرفة وهي بدونه
نسلخ عن هويتها «فلا معرفة إلاّ
بعمل»، «ومن لم يعمل فلا معرفة
له».
إذن تحصّل من كل هذا أن العلم
والذي هو (إنطباع صورة الشيء في
الذهن) كما يعرّفه المناطقة ليس
بالضرورة أن تكون فيه جنبة عملية
ودافع حركي بخلاف المعرفة فإنها
تتفاعل ذاتياً مع العمل وتنسجم
عضوياً مع الحركة الميدانية.
ويمكن أن نلاحظ مائزاً آخر بينهما
وهو أن المعرفة فيها جنبة شهودية
وكاشفية باعتبار تولدها من القلب
فهي ليست وليدة الفكر بخلاف العلم
فهو تراكم معلومات وحركة العقل
بينها وبين المجاهيل, فلذا لا
يمكن أن تكون المعرفة حجاباً
بخلاف العلم, فما أكثر ما يحجب
الإنسان من الوصول إلى ربه ويبقى
غارقاً في عالم الألفاظ, لذا نقرأ
في المناجاة الشعبانية لأمير
المؤمنين عليه السلام : «إلهي هب
لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار
قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى
تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل
إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا
معلقة بعزّ قدسك» فهي إشارة واضحة
إلى كون العلم لا يمتلك ولا يختزن
في طياته الحالة الكشفية فهو في
أفضل مراتبه يشكّل (حجاباً
نورانياً) وهذا ما يميزه عن الجهل
بأعتبار الأخير (حجاباً ظلمانياً)
ولا يمكن أن يكشف هذه الحجب
النورانية إلاّ المعرفة القلبية
ونور البصيرة كما أشارت إليه
المناجاة.
ولذلك كانت المعرفة من أهم
الركائز التي بنيت عليها أسس
الهداية وهذا ما نجده واضحاً
وجلياً في دعاء المعرفة حيث يقول:
«اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم
تعرفني نفسك لم أعرف نبيك, اللهم
عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني
نبيك لم أعرف حجتك, اللهم عرفني
حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت
عن ديني». فالضلالة والغرق في
بحار الظلمة ناتج عن عدم المعرفة
وحينما نلاحظ الدعاء وربطه بين
معرفة الحجة وبين النجاة من
الضلال يتبين لنا العنصر الوحيد
المنجي والمنقذ في الدارين
والمحور الأساس التي تثمر معه
معرفة الله ورسوله ألا وهو (معرفة
الإمام) بل نستطيع القول أن لا
معرفة بالله ورسوله بدون معرفة
الإمام, إذ كيف يعرف الأوّل
والثاني وهو ضال عن الدين, وهل
الضلال عن الدين إلاّ جهل بهما.
ويمكن اختزال محاور المعرفة في
نقطتين:
1 _ معرفة مقامات الإمام المهدي
عليه السلام .
2 _ معرفة حقه على الخلق.
ومن الحسن إلفات النظر إلى أنه
كلما سبرنا غور مقامه وعرفنا
جزءاً من حقيقة كنهه زادت حقوقه
علينا وكثرت مسؤليتنا تجاهه.
من الممكن أن تتداخل بعض مقاماته
لتشكل إحدى الوسائل في إثبات
حقوقه على الخلائق.
1 _ معرفة مقامات الإمام المهدي
عليه السلام :
لا بدّ لنا من إعطاء ضابطة عامة
وهي ضرورية للدخول في خضم هذه
الأنوار الألهية والفيوضات
الربانية، وهي أنه لا يمكن لغير
المعصوم أن يعرف المعصوم حقّ
معرفته ويكون على إطلاع تام بكل
مقاماته وقربه, فهذا مما لا يمكن،
إذ أن العصمة كمال ولا يمكن معرفة
الكمال لمن هو محتاج إليه, ولهذا
نجد الزيارة تؤكد على ذلك، فنقرأ
في زيارة صاحب العصر عليه السلام
: «السلام عليك ياحجة الله التي
لا تخفى, السلام عليك ياحجة الله
على من في الأرض والسماء, السلام
عليك سلام من عرفك به الله ونعتك
ببعض نعوتك التي أنت أهلها
وفوقها...».
مما يعني أن هناك بعض الحقائق لا
يمكن الوصول إليها وبعض الجوانب
الحقيقية في عظمة الإمام المهدي
عليه السلام 0
والتعمق بزيارة الجامعة يرشدنا
إلى حقائقهم النورانية فنلاحظ هذا
المقطع من الزيارة الكريمة:
«كلامكم نور, وأمركم رشد, ووصيتكم
التقوى, وفعلكم الخير, وعادتكم
الإحسان, وسجيتكم الكرم, وشأنكم
الحقّ والصدق والرفق, وقولكم حكم
وحتم, ورأيكم علم وحلم وحزم, إن
ذكر الخير كنتم أوّله وأصله وفرعه
ومعدنه ومأواه ومنتهاه, بأبي أنتم
وأمي ونفسي، كيف أصف حسن ثنائكم
وأحصي جميل بلائكم...» حيث تدرج
الإمام في بيان بعض حقائقهم والتي
تنطبق على إمامنا وسيدنا صاحب
العصر والزمان.
وذلك من خلال تقسيم مراتب الموصوف
إلى ثلاثة مقاطع حيث وصفتهم
الزيارة في مقطعها الأوّل بتسعة
أوصاف كل واحد غاية في العظمة
ويعجز الآخرون عن الإتصاف بها
بشكل تام, ثمّ لمّا عجزت الكلمات
وضاقت المصاديق عن الأحاطة بعلو
شأنهم وجلالة قدرهم إستعاض الإمام
الهادي عليه السلام عن المصاديق
المتكثرة الحاكية عن علو مقامهم
بمعنى جامع وشامل ينطبق على كل
الصفات والنعوت المذكورة وغيرهما
وذلك في المقطع الثاني فقال: «إن
ذكر الخير كنتم أوّله...» فالخير
اسم جنس يحوي جميع الكمالات ولكن
هل يا ترى قد استوعب بعد حقيقة
الإمام ؟ كلا, لذا نجد الزائر
يعترف بالعجز ويقرّ بالقصور
فيتحول من الاخبار ببعض مقاماتهم
ونعوتهم إلى التساؤل والحيرة أمام
هذه الأنوار فيقول: «بأبي أنتم
وأمي ونفسي كيف أصف حسن ثنائكم
وأحصي جميل بلائكم» كما هو في
المقطع الثالث من الزيارة.
2 _ حقوق الإمام المهدي عليه
السلام على الخلق:
سوف يأتي الكلام عن التتمة ان شاء
الله تعالى |