دروس في شرح كتاب
الغيبة لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (قدّس سرّه)
الجزء الثاني
الشيخ حميد عبد الجليل
الوائلي
إشراف وتقديم: مركز
الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الأولى ١٤٤٧هـ
الفهرس
الدرس (٥١)...................٣
وقوع الغيبة في الحجَّة
(عجَّل الله فرجه)...................٣
إنكار الإمامة يلزم منه خروج
الحقِّ عن الأُمَّة...................٤
يتفرَّع على إثبات إمامة
الحجَّة (عجَّل الله فرجه) لزوم غيبته بعد عدم ظهوره وأنَّها لعدَّة
أسباب...................٤
تشبيه الغيبة بعدَّة مسائل
كلاميَّة في الحكمة...................٥
فنقلات وإشكاليَّات،
وردُّها...................٦
الفنقلة الأُولى: الملازمة
بين عدم القدرة على بيان وجه الحكمة التفصيلي من الغيبة وبين بطلان
الغيبة...................٦
الفنقلة الثانية: التفصيل
بين الحكمة الإلهيَّة والمقام، وردُّه بإثبات عدم الفرق بين لوازم الحكمة الإلهيَّة
والغيبة...................٧
دعوى الخصم يلزم منها
التناقض في عقيدته...................١٠
تطبيق
العبارة...................١٠
الدرس
(٥٢)...................١٥
قاعدة تقدُّم الأُصول على
الفروع...................١٥
في دعوى الكلام في الفرع
قبل الأصل وردِّها...................١٦
مقولة المنع عن الوصول إلى
الإمام (عجَّل الله فرجه) ولو بالقهر كبديل عن الغيبة وردُّها...................١٧
تطبيق
العبارة...................١٩
الدرس
(٥٣)...................٢٣
الخوف من القتل يوجب
الغيبة...................٢٣
قياس غيبة الإمام (عجَّل
الله فرجه) بغيبة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)...................٢٤
طول الغيبة في الإمام
(عجَّل الله فرجه) وقصرها في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لا يمنع من القياس
عليها...................٢٥
تفصيل في غيبة النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله) بين الحاليَّة والمستقبليَّة...................٢٦
وجه اختيار الله تعالى
للغيبة في منع الأعداء عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) دون النصرة
بالملائكة...................٢٦
تطبيق
العبارة...................٢٧
الدرس
(٥٤)...................٣٣
نُسلِّم لكم الغيبة، ولكن
لا بهذا الطول...................٣٣
وإذا أُشكِلَ وقيل: لماذا
لم يستتر آباء الإمام (عليهم السلام) مع أنَّهم كانوا في تقيَّة وخوف من
أعدائهم؟...................٣٤
تذكير بالفارق بين وجوده
(عجَّل الله فرجه) غائباً وبين كونه معدوماً...................٣٤
لا فرق بين كونه (عجَّل
الله فرجه) غائباً لا يصل إليه أحد وبين كونه مرفوعاً إلى
السماء...................٣٥
لا تصحُّ المقايسة بين
الغيبتين...................٣٥
هل وقوع الغيبة في الإمام
(عجَّل الله فرجه) يُعطِّل الحدود؟...................٣٦
النقض بحال أهل الحلِّ
والعقد...................٣٧
النقض على المستشكل بإقامة
الحدود عند مشايخ المعتزلة...................٣٨
تطبيق
العبارة...................٣٩
فنقلة جديدة حول الحدود في
زمن الغيبة...................٤١
الدرس
(٥٥)...................٤٣
طريق الوصول إلى الحقِّ مع
الغيبة...................٤٣
غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه) وفرضيَّة كتمان الشريعة أو تحريفها...................٤٦
الاستدلال على استمرار
التكليف وعدم تأثير الغيبة في انقطاع الشرع...................٤٧
أوَّلاً: استحالة التكليف
بما لا يُطاق وضرورة استمرار الشريعة...................٤٧
ثانياً: رأي السيِّد
المرتضى (قدّس سرّه): الغيبة ليست مانعاً ذاتيًّا من التكليف...................٤٧
الاستتار عن الأولياء بسبب
الخوف من الإفشاء...................٤٨
تطبيق
العبارة...................٤٩
أسباب غيبة الإمام (عجَّل
الله فرجه) عن الأولياء...................٥٣
الدرس
(٥٦)...................٥٥
أ - الظهور للأولياء ممكنٌ
ولم يُمنَع مطلقاً...................٥٥
ب - بطلان التسلسل
التاريخي في هذا الاستدلال...................٥٦
ج - الإلزام العقلي بسقوط
التكليف...................٥٦
الفرق بين فقدان اللطف
ووجود الموانع الحسّيَّة...................٥٧
اللطف شرطٌ في التكليف،
وبدونه يكون التكليف ممتنعاً...................٥٧
عدم القطع باستتار الإمام
(عجَّل الله فرجه) عن جميع أوليائه...................٥٨
قاعدة عقليَّة: الإمام
لطفٌ، واستتاره عن بعض الشيعة لا يعني انتفاء اللطف مطلقاً...................٥٩
سؤال: إذا كان الأمر كذلك،
فلماذا لا يظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) لبعض أوليائه، مع الإعلان عن
ظهوره؟...................٥٩
المعجزة قد تكون سبباً في
وقوع الشبهة لا في إزالة الشكِّ...................٦٠
إشكالٌ من قِبَل
المخالف...................٦٠
الجواب: مسؤوليَّة
المكلَّف في تحصيل القاعدة الصحيحة للنظر...................٦٠
تطبيق
العبارة...................٦١
الدرس
(٥٧)...................٦٧
نفي إشكال التكليف بما لا
يُطاق...................٦٧
دور المحاسبة الذاتيَّة في
كشف موضع التقصير...................٦٧
الاجتهاد في البحث سبيلٌ
للتمييز بين الحقِّ والباطل...................٦٨
القياس على المخالفين
للإماميَّة في بحثهم عن الحقِّ...................٦٨
مسؤوليَّة المكلَّف في رفع
الغيبة عنه...................٦٨
إشكال تعطيل المعجزات
وأثره على النبوَّة...................٦٩
هل كلُّ مَنْ لم يظهر له
الإمام مذنبٌ أو مقصِّرٌ إلى درجة الكفر؟...................٧٠
هل يُعفى الوليُّ من
مسؤوليَّته في الغيبة؟...................٧٠
ليس كلُّ تقصير كفراً،
ولكنَّه مسؤوليَّة تستوجب التدارك...................٧٠
الإشكال حول إمكانيَّة
وقوع الكفر بسبب الشكِّ في المعجزات...................٧١
أ - الشكُّ في المعجزات
الخاصَّة بالأنبياء أو الأئمَّة...................٧١
ب - الشكُّ في الإمامة
بشكلٍ عامٍّ...................٧١
توضيح الفرق بين الشكِّ في
المعجز والشكِّ في الشخص...................٧٢
الشكُّ في المعجزات لا
يوجب الكفر...................٧٢
التفريق بين الشكِّ في
التفصيل والشكِّ في الأصل...................٧٢
إشكال المخالف حول غيبة
الإمام عن أوليائه...................٧٣
الولاية غير مفقودة في
الغيبة...................٧٤
اللطف الحاصل من وجود
الإمام في الغيبة...................٧٤
تطبيق
العبارة...................٧٤
قاعدة طوسيَّة في أسباب
المنع من اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه)...................٧٥
الدرس
(٥٨)...................٨١
تحقيق قضيَّة ستر ولادة
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بين القرآن والسيرة والتأريخ...................٨١
أوَّلاً: الشواهد
التاريخيَّة على إمكانيَّة ستر الولادة...................٨١
ثانياً: الشواهد
القرآنيَّة على إخفاء الولادة...................٨٢
أ - قصَّة النبيِّ إبراهيم
(عليه السلام)...................٨٢
ب - قصَّة النبيِّ موسى
(عليه السلام)...................٨٣
ثالثاً: الشواهد
الاجتماعيَّة على ستر الولادة...................٨٣
رابعاً: الشواهد
الروائيَّة على إخفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)...................٨٣
تحليل قضيَّة ستر ولادة
الإمام (عجَّل الله فرجه) وردُّ الشُّبُهات المطروحة حولها...................٨٣
أوَّلاً: إثبات الأنساب في
الشرع وإمكان خفاء النَّسَب لفترة طويلة...................٨٤
ثانياً: إنكار جعفر لولادة
الإمام (عجَّل الله فرجه) والردُّ عليه...................٨٤
١ - عدم عصمة
جعفر...................٨٥
٢ - عدم كفاية الإنكار في
النقض...................٨٥
ثالثاً: وصيَّة الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) وحكمة عدم ذكر ولده فيها...................٨٥
١ - أنَّ الغرض من ستر
الولادة كان لا يزال قائماً...................٨٥
٢ - وقوع نظير ذلك من
الإمام الصادق (عليه السلام) في وصيَّته إلى المنصور
العبَّاسي...................٨٦
٣ - أنَّ إسناد الوصيَّة
إلى الأُمِّ لا ينفي وجود الولد...................٨٦
تطبيق
العبارة...................٨٧
الدرس
(٥٩)...................٩١
شبهة استحالة غيبة الإمام
طوال هذه المدَّة...................٩١
رؤية أصحاب الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) للإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه)...................٩١
الدور الاجتماعي والسياسي
للسفراء في تثبيت الغيبة...................٩٢
استمرار الاتِّصال بالإمام
(عجَّل الله فرجه) عبر السفراء بعد وفاة أبيه (عليه السلام)...................٩٢
نقض شبهة استحالة الغيبة
بهذه المدَّة الطويلة...................٩٢
الاستدلال بالسوابق
التاريخيَّة لغيبة الملوك والحكماء...................٩٥
١ - غيبة ملوك الفرس ثمّ
عودتهم...................٩٥
٢ - غيبات حكماء الروم
والهند وأحوالهم الخارجة عن العادة...................٩٥
الاستدلال بالنصوص على
غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) وطول مدَّتها...................٩٥
تطبيق
العبارة...................٩٦
الدرس (٦٠
و٦١)...................١٠١
طول عمر الإمام (عجَّل
الله فرجه) ليس خارقاً للعادات...................١٠١
الأوَّل: العادات لا
تمنع من حياة أطول...................١٠١
الردُّ على
المخالفين...................١٠٢
١ - المنجِّمون وأصحاب
الطبائع...................١٠٢
٢ - المسلِّمون بالقدرة
الإلهيَّة...................١٠٢
مسألة الفروق بين
المعجزات والكرامات...................١٠٣
بحث ما رُوِيَ في إثبات
طول العمر...................١٠٤
تطبيق
العبارة...................١٠٤
الدرس
(٦٢)...................١٢٠
بيان دليل الاثني عشر
ودلالته على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وإمامته بروايات
العامَّة...................١٢٠
رواية: أبو عبد الله
أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر...................١٢٣
رواية: ابن أبي
خثيمة...................١٢٦
رواية: ابن عون عن
الشعبي...................١٢٧
رواية: سليمان بن
أحمر...................١٢٨
رواية: شُفَي
الأصبحي...................١٣٠
رواية: عفَّان ويحيى بن
إسحاق السيلحيني...................١٣٣
رواية: أبي خالد
الوالبي...................١٣٧
رواية: الشعبي عن
مسروق...................١٤٠
رواية: أبي صالح عن ابن
عبَّاس...................١٤٣
رواية: الحسن بن عليٍّ
القوهستاني...................١٤٧
رواية: عيسى بن أحمد بن
عيسى...................١٤٩
الدرس (٦٣ -
٦٦)...................١٥١
دلالة روايات الاثني عشر
على إمامة الحجَّة (عجَّل الله فرجه)...................١٥١
رواية: عبد الله بن جعفر
الطيَّار...................١٥٣
رواية:
الأوتاد...................١٥٩
رواية: اللوح الذي عند
السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)...................١٦٢
الأقوال في جابر بن يزيد
الجعفي...................١٦٤
رواية: تاسعهم
قائمهم...................١٦٦
تحقيق حول إبراهيم بن
هاشم...................١٦٨
وجوه توثيق إبراهيم بن
هاشم القمِّي...................١٦٨
حول لقائه بالإمام الرضا
(عليه السلام)...................١٦٩
طُرُق المشايخ إلى
كتابيه...................١٧٠
رواية: أنَّ النبيَّ
(صلَّى الله عليه وآله) رسولٌ عامٌّ...................١٧١
الأقوال في محمّد بن
الفضيل...................١٧٣
رواية: نزول الأمر في
ليلة القدر على الإمام (عليه السلام)...................١٧٥
رواية: الاصطفاء
الإلهي...................١٧٧
الأقوال في ابن هلال،
والتفصيل فيه...................١٧٨
رواية: حديث جابر (رحمه
الله) مع الإمام الباقر (عليه السلام) عن اللوح...................١٨١
رواية:
الإسراء...................١٨٧
رواية: تفسير عدَّة
الشهور عند الله تعالى...................١٩٠
رواية: الإمامة عهدٌ
إلهيٌّ مكتوب...................١٩٢
الردُّ على استدلال
الأدعياء برواية الوصيَّة...................١٩٣
رواية: كلُّهم
محدَّث...................١٩٥
رواية: حديث
اليهودي...................١٩٧
رواية: الخضر (عليه
السلام)...................٢٠٠
الدرس
(٦٧)...................٢٠٤
تقرير الإشكال: الأدلَّة
أقصى ما تفيد إثبات عنوان الإمامة لا إثبات الإمام (عجَّل الله
فرجه)...................٢٠٤
الردُّ على الإشكال
بأُسلوب شيخ الطائفة (قدّس سرّه) الكلامي المتين...................٢٠٥
مناقشة دعوى عدم حجّيَّة
الأخبار المستدلِّ بها...................٢٠٥
حجّيَّة اتِّفاق
الطائفتين المختلفتين على نقل الخبر...................٢٠٥
مناقشة دعوى عدم دلالة
الأخبار على أئمَّة الشيعة...................٢٠٦
قاعدة كلاميَّة: نظريَّة
الصرفة في النقل...................٢٠٦
دلالة حصر الإمامة في
اثني عشر إماماً (عليهم السلام)...................٢٠٧
حصر الأُمَّة بين موقفين
متقابلين...................٢٠٧
بيان دلالة الأخبار
المتقدِّمة على صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وغيبتِه وفق قاعدة: الإخبار
بالمغيَّبات...................٢٠٨
الاستدلال بالنصوص
الكثيرة في كُتُب الأخبار على إمامة الإمام الحجَّة (عجَّل الله
فرجه)...................٢٠٩
رواية: غور
الماء...................٢١١
رواية: الجوار
الكُنَّس...................٢١٣
رواية: غور
الماء...................٢١٦
الدرس (٦٨
و٦٩)...................٢١٨
رواية: التحذير من إنكار
الغيبة بعد بلوغها...................٢١٨
رواية: حضور الإمام
(عجَّل الله فرجه) الموسم ويرى الناس ولا يرونه...................٢٢٠
رواية: لا يطَّلع على
موضعه أحد...................٢٢٣
رواية: وما بثلاثين من
وحشة...................٢٢٤
رواية: كيف بهم إذا
فقدوا مَنْ بعدي...................٢٢٦
رواية: جبل
رضوى...................٢٢٧
وجوه اعتبار عبد
الأعلى...................٢٢٩
رواية: الحيرة والغيبة
برواية الإمام الصادق (عليه السلام)...................٢٣٠
رواية: الحيرة والغيبة
برواية الإمام الباقر (عليه السلام)...................٢٣١
رواية: نقر في
الناقور...................٢٣٢
رواية: من ظهري الحادي
عشر من ولدي...................٢٣٤
دعوى بعض أهل الضلال
وردُّها...................٢٣٦
رواية: «لو علم آباؤكم
وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا الدِّين لاتَّبعوه»...................٢٤٣
الدرس
(٧٠)...................٢٤٦
رواية: تفجُّع الإمام
الصادق (عليه السلام)...................٢٤٦
دعوى أنَّ الأخبار
المستدلَّ بها على الإمامة والغيبة من الآحاد ووجوب ردِّها...................٢٥٢
الدرس (٧١
و٧٢)...................٢٥٢
دليل آخر على إمامة
الحجَّة ابن الحسن (عليهما السلام)...................٢٥٨
رواية: إبراهيم بن
سَلَمة...................٢٦٠
رواية: بنفس الإسناد عن
ابن عبَّاس...................٢٦٢
رواية: الشريف أبي محمّد
المحمّدي...................٢٦٣
رواية: محمّد بن إسحاق
المقري...................٢٦٤
رواية: الحسن بن زياد
الصيقل...................٢٦٦
رواية: جماعة عن
التلعُكبري...................٢٦٨
رواية: أبي سعيد الخدري
الثانية...................٢٦٩
رواية: أبي سعيد الخدري
الثالثة...................٢٧٠
رواية: أبي سعيد الخدري
الرابعة...................٢٧٢
رواية: أبي سعيد الخدري
الخامسة...................٢٧٣
رواية: أبي سعيد الخدري
السادسة...................٢٧٤
رواية: أبي سعيد الخدري
السابعة...................٢٧٥
رواية: محمّد بن عليٍّ
عن ابن السمَّاك...................٢٧٦
رواية: عيسى بن أحمد بن
عيسى...................٢٧٧
الدرس (٧٣
و٧٤)...................٢٧٩
رواية: «أنا أوَّل هذه
الأُمَّة والمهدي أوسطها وعيسى آخرها»...................٢٧٩
رواية: المهدي من عترتي
من ولد فاطمة...................٢٨١
رواية: (طوبى لمن أدرك
زمانه)...................٢٨٣
رواية: «المهدي رجل من
وُلد فاطمة، وهو رجل آدم»...................٢٨٤
رواية: «المهدي من عترتي
من ولد فاطمة»...................٢٨٧
رواية: «يُنتِج الله
تعالى في هذه الأمَّة رجلاً منِّي»...................٢٨٨
تحقيق حول التعدُّد - في
يحيى بن العلاء - في كلمات السيِّد الخوئي (قدّس سرّه)...................٢٨٩
رواية: «لا يكون لأحد
عليه حجَّة»...................٢٩٠
رواية: «لا يكون المهدي
أبداً إلاَّ من ولد الحسين (عليه السلام)»...................٢٩٢
رواية: «إنَّ ابني هذا
سيِّد»...................٢٩٣
رواية: «لا تذهب الدنيا
حتَّى يبعث الله منِّي رجلاً»...................٢٩٥
رواية: «ومنَّا والله
الذي لا إله إلاَّ هو مهديُّ هذه الأمَّة الذي يُصلِّي خلفه عيسى ابن
مريم»...................٢٩٧
الدرس
(٧٥)...................٢٩٩
الأدلَّة العامَّة على
إبطال الفِرَق المخالفة...................٢٩٩
رواية: «يا عليُّ، إنَّ
قريشاً ستظاهر عليك، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك»...................٣٠٢
رواية: (بعث إليَّ أبو
الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بهذه الوصيَّة)...................٣٠٤
رواية: «أنت وليُّ الأمر
ووليُّ الدم»...................٣٠٤
رواية: أنَّه قُبِضَ
ليلة إحدى وعشرين...................٣٠٧
الدرس
(٧٦)...................٣٠٨
بيان بطلان الفرقة
الكيسانيَّة...................٣٠٨
رواية: الوصيَّة من
الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) لا إلى محمّد
(رضي الله عنه)...................٣٠٩
رواية: «لا تعود الإمامة
في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»...................٣١١
رواية: (أتُعطي رجلاً
حمل عليك بالشفرة)...................٣١٤
رواية: (أوصى إلى
خمسة)...................٣١٦
الدرس
(٧٧)...................٣١٧
إبطال قول
الواقفة...................٣١٧
إبطال الفرقة
المحمَّديَّة...................٣١٧
رواية: «صاحبكم
الحسن»...................٣١٨
رواية: «الحسن ابني
القائم من بعدي»...................٣٢٠
رواية: «ليس هذا
صاحبكم»...................٣٢١
رواية: (أوصى أبو الحسن
(عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) قبل مضيِّه بأربعة
أشهر)...................٣٢١
الروايات الدالَّة على
موت السيِّد محمّد سبع الدجيل (رضي الله عنه) ومناقشتها...................٣٢٢
رواية: «نعم يا أبا هاشم
بدا لله تعالى في أبي جعفر»...................٣٢٢
رواية: (فلمَّا مضى أبو
جعفر قلقت لذلك)...................٣٢٣
تعليق الشيخ الطوسي
(قدّس سرّه) على الرواية...................٣٢٥
رواية: «فكيف لكم بالخلف
من بعد الخلف؟»...................٣٢٦
رواية: «يا بنيَّ أحدث
لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً»...................٣٢٧
الدرس (٧٨
و٧٩)...................٣٢٩
معاجز دالَّة على إمامة
الحسن العسكري (عليه السلام)...................٣٢٩
معجزة طبع الخاتم في
الحصى برواية سعد...................٣٢٩
معجزة التنبُّؤ بسقوط
المستعين العبَّاسي...................٣٣٠
معجزة التنبُّؤ بمقتل
المهتدي العبَّاسي...................٣٣٢
معجزة استجابة الدعوة
على مَنْ آذاهم...................٣٣٣
معجزة الكشف عن نوايا
القلوب وهدم المنارات والمقاصير...................٣٣٥
معجزة الكشف عن نوايا
القلوب وأنَّ الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذرِّ...................٣٣٥
معجزة الإخبار بخلع
المعتزِّ العبَّاسي...................٣٣٦
رواية: بشر النخاس وما
فيها من معاجز...................٣٣٧
معجزة: الخضوع للإمام
(عليه السلام) حتَّى من البهائم...................٣٤٣
رواية: «ما للناس
والدخول في أمرنا ما لم نُدخِلهم فيه»...................٣٤٦
الدرس
(٨٠)...................٣٤٩
تفنيد شيخ الطائفة (قدّس
سرّه) عوى القائلين بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يمت، وأنَّه هو
المهدي المنتظَر...................٣٤٩
رواية: دُفِنَ في البيت
الذي دُفِنَ فيه أبوه...................٣٥٠
الردُّ على دعوى
القائلين بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يعيش بعد موته وهو القائم الذي
سيعود بعد موته ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، من وجوه...................٣٥٢
رواية: «لو بقيت الأرض
بغير إمام ساعة لساخت»...................٣٥٣
رواية: ظاهر مشهور أو
خائف مغمور...................٣٥٤
الدرس
(٨١)...................٣٥٦
بطلان دعوى الفرقة
القائلة بالفترة...................٣٥٦
بطلان إمامة
جعفر...................٣٥٧
بطلان دعوى عدم وجود ولد
للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)...................٣٥٨
رواية: «صاحب هذا الأمر
لا يموت حتَّى يرى ولده»...................٣٥٨
رواية: «إنَّ الأرض لن
تخلو إلاَّ وفيها عالم»...................٣٥٩
رواية: «زعم الظلمة
أنَّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل»...................٣٦٣
رواية: «سأُرزق
ولداً»...................٣٦٤
الردُّ على الشبهة
القائلة بالاشتباه في وجود ولد للإمام الحسن العسكري (عليه
السلام)...................٣٦٤
رواية: «لا يكون الإمام
إلاَّ وله عقب إلاَّ الإمام الذي يـخرج عليه الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)،
فإنَّه لا عقب له»...................٣٦٥
إثبات قاعدة أنَّ الإمام
لا يمضي حتَّى يكون له عقب...................٣٦٦
«تمسَّكوا بالأوَّل
حتَّى يصحَّ لكم الآخر» بيانه وردُّه...................٣٦٦
رواية: «تمسَّكوا
بالأوَّل حتَّى يصحَّ لكم الآخر»...................٣٦٧
الدرس
(٨٢)...................٣٦٩
الردُّ على مَنْ زعم
انقطاع الإمامة بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)...................٣٦٩
بطلان القول بإمامة جعفر
بن عليٍّ والردُّ على الفطحيَّة...................٣٧٠
رواية: «أبى الله أنْ
يجعل الإمامة لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»...................٣٧٢
رواية: «لا تجتمع
الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»...................٣٧٣
رواية: «لا تعود الإمامة
في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) أبداً»...................٣٧٤
رواية: «سيُضِلُّ خلقاً
كثيراً»...................٣٧٥
رواية: إنَّهم رأوا فيه
آثار السكر...................٣٧٥
بطلان القول بأنَّ
الأئمَّة ثلاثة عشر، وأنَّ للخلف ولداً...................٣٧٧
الدرس
(٨٣)...................٣٧٨
أدلَّة الولادة
الاعتباريَّة والروايات...................٣٧٨
الأدلَّة
الاعتباريَّة...................٣٧٨
الدليل الأوَّل: قاعدة
اللزوم العقلي...................٣٧٨
الدليل الثاني: العدد لا
يتحقَّق إلَّا بالمعدود...................٣٧٩
الدليل الثالث: وقوع
الغيبة يكشف عن ولادته (عجَّل الله فرجه)...................٣٧٩
رواية: حديث
التهنئة...................٣٨٠
رواية: تسمية السيِّدة
حكيمة (رضي الله عنها) فلان ابن الحسن (عليه السلام)...................٣٨١
قاعدة في كشف الخبر عن
مخبره...................٣٨٤
رواية: «وزعمت الظلمة
أنَّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل»...................٣٨٥
رواية: ووُلِدَ له
وَلد...................٣٨٥
رواية: فإن حَدَثَ
حَدَثٌ فأين أسأل عنه؟ فقال: «بالمدينة»...................٣٨٧
الدرس
(٨٤)...................٣٩٠
رواية:
العطاس...................٣٩٠
رواية: معجزة اجتماع
الأسماء والرابع القائم...................٣٩١
روايتان بمفاد واحد:
«هذا صاحبكم من بعدي»...................٣٩٢
الأقوال في
بندار...................٣٩٥
رواية: ليلة المولد وبعث
الإمام العسكري (عليه السلام) إلى السيِّدة حكيمة (رضي الله
عنها)...................٣٩٨
الدرس
(٨٥)...................٤٠٢
رواية: «إذا كان اليوم
السابع فأتينا»...................٤٠٢
رواية: (اشتدَّ شوقي إلى
وليِّ الله (عليه السلام))...................٤٠٣
رواية: «يا عمَّتي هاتي
ابني إليَّ»...................٤٠٧
الدرس
(٨٦)...................٤١٠
رواية: أحمد بن بلال في
الخروج إلى كربلاء في النصف من شعبان أو عرفة...................٤١٠
رواية: الحميري وأحمد بن
إسحاق مع العمري ومشاهدة الأخير لإمام الزمان (عجَّل الله
فرجه)...................٤١٤
الدرس
(٨٧)...................٤١٧
رواية: «المولود الكريم
على الله تعالى منها»...................٤١٧
رواية: نسيم
ومارية...................٤١٨
رواية: (أنَّ السيِّد
(عليه السلام) وُلِدَ في سنة ستٍّ وخمسين ومائتين من الهجرة بعد مضيِّ أبي الحسن
بسنتين)...................٤١٩
رواية: (لـمَّا وُلِدَ
السيِّد (عليه السلام) تباشر أهل الدار بذلك)...................٤١٩
رواية: «عقَّ هذين
الكبشين عن مولاك»...................٤٢١
رواية: «أنا خاتم
الأوصياء وبي يدفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي»...................٤٢٢
رواية: «جئت إلى وليِّ
الله وحجَّته وبابه تسأله»...................٤٢٣
الدرس
(٨٨)...................٤٢٧
رواية: (لم أرَه ولكن
رآه غيري)...................٤٢٧
رواية: رشيق
الماداري...................٤٢٨
رواية: (رأيت صاحب
الزمان (عليه السلام) ووجهه يُضيء كأنَّه القمر ليلة البدر)...................٤٢٩
رواية:
قرقار...................٤٣٠
رواية: (وردتُ على أبي
محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) بسُرَّ مَنْ رأى، فهنَّأته بولادة ابنه (عليه
السلام))...................٤٣١
رواية: وآخر عهدي به عند
بيت الله الحرام وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني»...................٤٣١
الدرس
(٨٩)...................٤٣٤
رواية: «أنا المهدي، أنا
قائم الزمان»...................٤٣٤
رواية: القمِّي السائح
الذي طلب هذا الأمر مدَّة (٢٠) سنة...................٤٣٦
الدرس
(٩٠)...................٤٣٩
رواية: «تُحِبُّ أنْ ترى
صاحب زمانك؟»...................٤٣٩
رواية: حادث الدار في
يوم وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) والغلام العُشاري...................٤٤٠
رواية: حديث دعاء
الإلحاح...................٤٤٢
الدرس
(٩١)...................٤٤٦
رواية: حديث عليِّ بن
مهزيار وطلبه الحثيث للقاء بالحجَّة (عجَّل الله فرجه) لعشرين
سنة...................٤٤٦
رواية: خبر
نسيم...................٤٥٠
الدرس
(٩٢)...................٤٥٢
رواية: (رأيته بين
المسجدين)...................٤٥٢
رواية: (وقبض على كتاب
مناسكه)...................٤٥٣
رواية: (رأيته بعد مضيِّ
أبي محمّد (عليه السلام) حين أيفع، وقبَّلت يديه ورأسه)...................٤٥٤
رواية: رأيته ووصف
قدَّه...................٤٥٥
رواية: فقلت له: ومَنْ
أنت؟ قال: «أنا محمّد بن الحسن»...................٤٥٦
رواية: «ادفع إلى أبي
سورة»...................٤٥٧
رواية: (طلبت هذا الأمر
طلباً شاقًّا حتَّى ذهب لي فيه مال صالح)...................٤٥٨
رواية: «يا عقيد، أغل لي
ماءً بمصطكي»...................٤٥٩
الدرس
(٩٣)...................٤٦٢
رواية: دار خديجة (رضي
الله عنها) التي تُسمَّى دار الرضا (عليه السلام)...................٤٦٢
عطفاً على ما سبق، بعد
أنْ تمَّ الكلام من قِبَل شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في بطلان الفِرَق المخالفة شرع
في إثبات غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ثبوت إمامته. وسوف يعاود البحث
عن هذه الفِرَق مرَّةً أُخرى في الدرس (٨١) وما بعده، حيث سيُبطِل قول السبأيَّة
والكيسانيَّة والناووسيَّة والمحمَّديَّة وغيرها، بعد أنْ تعرَّض لها في أوائل هذا
الكتاب في موضعين، إذ أبطل الكيسانيَّة والناووسيَّة والإسماعيليَّة مفصَّلاً(٢)،
ثمّ عاود مرَّةً أُخرى الردَّ على بعضها. وهذا خلل منهجي واضح، إذ المناسب التعرُّض
لجميع الفِرَق وإبطالها في موضع واحد.
كما ويُلاحَظ وجود خلل منهجي آخر في ترتيب الموضوعات، حيث بدأ ببحث الغيبة بعد
إثبات الإمامة، ثمّ عاد ليتناول مسألة الولادة. وكان الأنسب أنْ يبحث مسألة الولادة
مباشرةً بعد إثبات الإمامة، ثمّ ينتقل إلى بحث الغيبة، ليكون ترتيب المسائل أكثر
وضوحاً وانسجاماً.
إلَّا إذا قلنا: إنَّ إثبات الغيبة أو الإمامة يستلزم القول بالولادة وهو الصحيح،
لذلك يكون تقديم إثبات الإمامة مقدَّمةً أو دليلاً على الولادة.
وقوع الغيبة في الحجَّة (عجَّل الله
فرجه):
غيبة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) تُعَدُّ من الأسرار الإلهيَّة العظيمة التي
انطوت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) شهر رمضان المبارك
(١٤٤٦هـ).
(٢) دروس استدلاليَّة في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ١٢٣/ في عدَّة دروس).
عليها الحكمة
الإلهيَّة، حيث اقتضت المشيئة الربَّانيَّة أنْ تكون غيبته وسيلة لحفظه وبقاء
الدِّين ببقائه، وإتماماً للحجَّة البالغة على الخلق أجمعين. وقد دلَّت الأدلَّة
العقليَّة كما النقليَّة على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله تعالى، يُهتدى به
ويُستضاء بنوره، وإنْ لم يُرَ بالعين المجرَّدة. وقد صرَّح الأئمَّة (عليهم السلام)
بأنَّ غيبته (عجَّل الله فرجه) ستطول، لحِكَمٍ وعِلَل عديدة سنطَّلع عليها في ما
يأتي من دروس، حتَّى يأذن الله تعالى له بالظهور، فيظهر به الدِّين كلَّه، ويملأ
الأرض قسطاً وعدلاً بعد أنْ مُلِئَت ظلماً وجوراً.
إنكار الإمامة يلزم منه خروج الحقِّ
عن الأمَّة:
بعد أنْ ثبت بطلان جميع الفِرَق وأقوالها بالأدلَّة العقليَّة والنقليَّة القاطعة،
فإنَّ القول بإمامة الحجَّة ابن الحسن (عجَّل الله فرجه) يصبح ضرورةً عقائديَّةً
مُلزمةً، إذ إنَّ إنكار إمامته يلزم منه خروج الحقِّ عن الأُمَّة، وهو ما يتناقض مع
الأدلَّة القطعيَّة التي تُثبِت استمرار وجود الحجَّة في كلِّ عصر وزمان. وقد
تقدَّم إبطال القول بخروج الحقِّ(٣) عن الأُمَّة بالأدلَّة النقليَّة من الكتاب
والسُّنَّة، وكذلك بالأدلَّة العقليَّة.
وعليه، فإنَّ إمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي الحلقة الأخيرة في سلسلة
الإمامة الإلهيَّة، والتي تكفل حفظ الدِّين واستمرار هداية الأُمَّة حتَّى قيام
الساعة.
يتفرَّع على إثبات إمامة الحجَّة
(عجَّل الله فرجه) لزوم غيبته بعد عدم ظهوره وأنَّها لعدَّة أسباب(٤):
وبناءً على ما تقدَّم من إبطالٍ لجميع الفِرَق المخالفة، وما ثبت في مواضعه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) دروس في شرح كتاب
الغيبة (ج ١/ ص ١١٩).
(٤) يراجع كذلك: المقنع في الغيبة (ص ٤٦).
من علم الكلام من ضرورة
عصمة الإمام، وما تقرَّر في أوائل الكتاب من انحصار الإمامة في شخصه المقدَّس
(عجَّل الله فرجه)، فإنَّه يتفرَّع على ذلك كلِّه أنَّ غيبته (عجَّل الله فرجه) لم
تكن إلَّا لسببٍ حكيمٍ وضرورةٍ إلهيَّةٍ اقتضت إخفاءه عن الأنظار، ومنعته من إظهار
نفسه للناس والعيش بينهم بشكلٍ ظاهرٍ كما كان يفعل آباؤه (عليهم السلام).
حتَّى وإنْ كنَّا لا نعلم تفاصيل تلك الأسباب والضرورات، إلَّا أنَّا نجزم بها
ونعتقد ونؤمن إيماناً جازماً بأنَّها من تدبير الله تعالى وحكمته البالغة. ويكفينا
في ذلك العلم الإجمالي(٥)، الذي يترتَّب عليه الأثر الاعتقادي والعملي، دون الحاجة
إلى التفصيل الذي قد يكون فوق طاقة البشر.
تشبيه الغيبة بعدَّة مسائل كلاميَّة
في الحكمة(٦):
إنَّ كفاية العلم الإجمالي في صحَّة الاعتقاد بوقوع غيبة الحجَّة ابن الحسن (عليهما
السلام) لم تكن أمراً مُستحدَثاً أو وليد محنة الغيبة التي مرَّت بها الشيعة
الإماميَّة فحسب، بل هي متفرِّعة على أُصول كلاميَّة رصينة، قد بُحِثَت بتفصيلٍ
دقيقٍ بين علماء الكلام من مختلف الفِرَق الإسلاميَّة. وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً
بمسألة العدل الإلهي والحكمة الربَّانيَّة، وتوجيه الإشكالات المثارة حول أفعال
الله تعالى، التي قد يظهر منها - للوهلة الأُولى - إيجاد الشرور والقبائح والظلم
بين العباد، دون ظهور وجه حكمةٍ ظاهرٍ من ورائها. وقد أجابت العدليَّة - وهم
القائلون بالعدل الإلهي - بأنَّ لكلِّ فعلٍ إلهيٍ وجهاً حكميًّا، وإنْ خفي عنَّا
تفصيله، واتَّفقت فِرَق العدليَّة من سائر المذاهب الإسلاميَّة على كفاية العلم
الإجمالي في تصحيح الإيمان وتثبيته وإنْ لم ترتفع به الشبهة عند المشتبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) يراجع: تلخيص
الشافي (ج ٤/ ص ٢١٣).
(٦) يراجع: مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين (ص ٢٨٧).
وما نقوله في مسألة
غيبة الحجَّة ابن الحسن (عليهما السلام) يجري في هذا المجرى نفسه، فنحن نعتقد بوقوع
الغيبة ونؤمن بها إيماناً جازماً، وإنْ كنَّا لا نعلم وجه الحكمة التفصيلي منها،
تشبيهاً لها بمسألة العدل الإلهي ودفع الشرور بمقتضى الحكمة الربَّانيَّة. فكما
أنَّنا نؤمن بأنَّ لله تعالى حكمةً في كلِّ أفعاله، وإنْ خفيت علينا تفاصيلها،
فكذلك نؤمن بأنَّ للغيبة حكمةً إلهيَّةً، وإنْ لم نطَّلع على تفاصيلها.
وأمَّا مَنْ يدَّعي التفصيل والفرق بين مسألة الغيبة وغيرها من المسائل الكلاميَّة،
فعليه أنْ يُقدِّم الدليل الواضح على ذلك. وقد سبق أنْ نُوقشت دعوى التفصيل هذه في
دليل اللطف، وتمَّ ردُّها بالتفصيل(٧)، فليرجع إلى ذلك مَنْ شاء.
فنقلات وإشكاليَّات، وردُّها:
الفنقلة الأُولى: الملازمة بين عدم
القدرة على بيان وجه الحكمة التفصيلي من الغيبة وبين بطلان الغيبة:
إذا قال المعترض: إنَّ غيبة الإمام تدلُّ على بطلان إمامته، لأنَّكم لا تستطيعون
بيان حكمة الغيبة تفصيلاً، ومع عدم القدرة على البيان التفصيلي يبطل القول بها.
ويرد على هذا الاعتراض:
١ - أنَّ هذا الاعتراض يلزم منه أنَّ كلَّ فعل إلهي غامض أو غير مفهوم للإنسان
يدلُّ على عدم حكمة الله تعالى، وهو قولٌ باطلٌ يُناقض أُصول العدل الإلهي والحكمة
الربَّانيَّة، فعدم علمنا بالحكمة التفصيليَّة لفعلٍ من أفعال الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٦٨ و٨٣/ الدرس (١٠ - ١٢).
تعالى لا يعني عدم
وجودها، بل هو دليلٌ واضحٌ على محدوديَّة علم البشر وقصور إدراكهم عن إحاطة حكمة
الله تعالى التي لا تُدرَك.
٢ - إلزامنا بهذه الملازمة يقتضي إلزامكم بها أيضاً، إذ لو أنكر الملاحدة عليكم
الحكمة الإلهيَّة لعدم التوصُّل إلى الحكمة الظاهريَّة من بعض الأفعال أو الأحكام،
فما تجيبون به الملاحدة هو الجواب نفسه هنا دون تفصيل، والمفصِّل هو مَنْ يتحمَّل
عبء الإتيان بالدليل.
٣ - ثمَّ كما أنَّنا نؤمن بأنَّ لله تعالى حكمةً في إيلام الأطفال أو في وجود
الشرور في العالم، وإنْ كنَّا لا نعلم تفاصيل تلك الحكمة، فكذلك نؤمن بأنَّ للغيبة
حكمةً إلهيَّةً بالغةً، وإنْ خفيت علينا تفاصيلها، فوجود الحكمة في إيلام الأطفال
يلازمه الحكمة في كلِّ فعل إلهي ومنها الغيبة، وحيث أثبتم الحكمة في الإيلام فلا
وجه لنرفضها في الغيبة.
الفنقلة الثانية: التفصيل بين
الحكمة الإلهيَّة والمقام، وردُّه بإثبات عدم الفرق بين لوازم الحكمة الإلهيَّة
والغيبة:
إنْ قيل: إنَّ الحكمة الإلهيَّة تختلف عن مسألة الغيبة، فهي الأساس الذي تُبنى عليه
كلُّ أفعال الله تعالى، وهي التي تُحمَل عليها كلُّ الأُمور التي تبدو لنا غامضة أو
مستغربة. ولذلك، يجب أنْ نبدأ بإثبات حكمة الله تعالى بالأدلَّة العقليَّة القاطعة،
ثمّ نحمِل عليها الأفعال الغامضة، وعليه إذا أثبتنا الحكمة بدليل منفصل صحَّ لنا
توجيه ما يظهر من الأفعال مخالفاً للحكمة على أساسها، فلا يستلزم من هذه الأفعال
(المخالفة للحكمة) النقض، وكما لا يستلزم من الأخذ بأدلَّة الحكمة المستقلَّة عدم
تصحيح القياس عليها، وبالتالي يكون ما تكلَّمنا فيه من الحكمة أوَّلاً متمِّماً
لعلمنا الإجمالي ومصوِّباً لما نقوله في الحكمة، فإثبات الحكمة الإلهيَّة هو
المفتاح لفهم كلِّ ما يبدو خفيًّا أو مُبهَماً، إذ إنَّ الأدلَّة
العقليَّة تُثبِت أنَّ
الله تعالى حكيمٌ في أفعاله، ممَّا يجعلنا نستسلم لحكمته حتَّى في الأُمور التي لا
نُدرِك كنهها. وليس الأمر كذلك في مثل غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه).
قلنا في مقام الجواب: هذا تفصيل لا دليل عليه، بل الأمر في توجيه الأفعال المختلفة
التي يخفى علينا وجهها بأدلَّة الحكمة، هو بعينه جارٍ في مقامنا، بل فعل الغيبة
بالإمام (عجَّل الله فرجه) منها.
على أنَّه إذا جَوَّز المخالف بنحو الإمكان والاحتمال أنْ يكون للغيبة سببٌ صحيحٌ،
فكيف يصحُّ له بعد ذلك أنْ يستدلَّ بالغيبة على بطلان الإمامة؟!
هذا تناقضٌ بيِّن، لأنَّ الغيبة لا تنفي وجود الإمام، بل هي جزءٌ من التدبير الإلهي
المحكم، الذي قد يخفى علينا سببه، لكنَّه لا يخفى على حكمة الله تعالى. وبالتالي،
فإنَّ الاعتراض على الغيبة يناقض نفسه إذا جَوَّز المخالف وجود سببٍ لها.
وهل هذا الاعتراض على الغيبة إلَّا كمَنْ يعترض على الباري (عزَّ وجلَّ) بإيلام
الأطفال للوصول إلى نفي حكمة الصانع تعالى، وهو في ذات الوقت معترف بأنَّه يجوز أنْ
يكون في إيلامهم وجهٌ صحيحٌ لا ينافي الحكمة، فتجويز هذا تجويز لغيره، والمفصِّل
بينهما هو مَنْ عليه بيان وجه التفصيل.
أو كمَنْ يتوصَّل بظاهر الآيات المتشابهة إلى أنَّ الله تعالى جسم يشبه الأجسام، أو
لما دلَّ بظاهره على أنَّه (عزَّ اسمه) له أو فيه ما في الأجسام.
أو إنَّه خالق لأفعال العباد، لأنَّه القادر على كلِّ شيء ولا يخرج عن سلطانه مقدار
ذرَّة ولا أصغر منها.
هذا كلُّه مع تجويزه أنْ يكون لها وجوهٌ صحيحةٌ توافق الحكمة والعدل والتوحيد ونفي
التشبيه؟!
فالاعتراض على الغيبة يشبه الاعتراض على إيلام الأطفال أو الآيات
المتشابهة، حيث إنَّ
كليهما مبنيٌّ على عدم إدراك الحكمة الإلهيَّة. وهذا يُؤكِّد أنَّ عدم إدراك الحكمة
لا يعني عدم وجودها، وأنَّ الاعتراض على المتشابهات يناقض مبدأ العدل الإلهي.
وإنْ قال: لا أحتمل ذلك.
فإنَّه يقال له: هذا تحجُّرٌ شديدٌ فيما لا يُحاط بعلمه ولا يُقطَع على مثله، فمن
أين قلتَ: إنَّ ذلك غير محتمل، وفصَّلتَ بين ما للآيات المتشابهة من وجوهٍ صحيحةٍ
تطابق أدلَّة العقل، وبين الغيبة؟
فإنْ قال المخالف: لا أُجيز أنْ يكون للغيبة سبب صحيح، لأنَّ الغيبة من الأُمور
التي لا يمكن الإحاطة بعلمها بالكامل. بينما نحن متمكِّنون من ذكر وجوه الآيات
المتشابهة، إذ لا نحتاج إلى العلم بوجوه الآيات المتشابهة مفصَّلاً، بل يكفينا
العلم الأجمالي، وإذا أردنا بيانه تفصيلاً كان تبرُّعاً. وأنتم لا تتمكَّنون من ذكر
سبب صحيح للغيبة.
قلنا: إنكار وجود سبب للغيبة هو إنكارٌ للحكمة الإلهيَّة، وهو موقفٌ غير معقول.
وهذا يشبه إنكار وجود حكمة في الآيات المتشابهة، وكلاهما مبنيٌّ على عدم فهم الحكمة
الإلهيَّة، وإذا اقتنعتم لأنفسكم بالعلم الإجمالي في الحكمة، فنحن أيضاً نتمكَّن من
ذكر وجه صحَّة الغيبة وغرضها الحكمي الذي لا ينافي عصمته، بهذا الحجم من العلم.
والقدرة على بيان سبب الغيبة ليست شرطاً لإثبات صحَّتها، بل يكفي إثبات الحكمة
الإلهيَّة بشكلٍ عامٍّ.
على أنَّنا سنذكر فيما بعد عدَّة وجوه من حِكَم الغيبة تفصيلاً، وقد تكلَّمنا عن
ذلك مستوفياً في كتاب الإمامة(٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) تلخيص الشافي (ج ٤/ ص ٢١٣).
دعوى الخصم يلزم منها التناقض في
عقيدته:
دعوى الخصم بالتفكيك بين إمامة ابن الحسن (عليهما السلام) وعدم وجود وجه صحيح
لغيبته ينتهي إلى التناقض، وينتهي إلى لازم فاسد لا يلتزم به الخصم.
بيان ذلك: أنَّ القول بالتوحيد والعدل - عند العدليَّة - هذا الإيمان يلزم منه -
حتَّى مع القطع بعدم وجود وجه حسن ظاهرٍ، حُمِلَ ما ظاهره التنافي مع التوحيد على
ما يلائم الإيمان بالتوحيد كما فيما ظاهره التشبيه من الآيات التي ذكرت الوجه واليد
للباري (عزَّ وجلَّ)، ومع العدل كما في مثال إيلام الأطفال، فإنَّها تُحمَل على
وجود وجه حسن خفي علينا.
وعليه، فإذا ثبتت إمامة ابن الحسن (عجَّل الله فرجه) بالأدلَّة العقليَّة، فإنَّ
إنكار الغيبة لعدم معرفة السبب الموجب للغيبة تفصيلاً يشابه إنكار وجود حكمة في
الآيات المتشابهة مع الإيمان بالتوحيد والعدل.
إذ إنَّ الإيمان بالعدل الإلهي يقتضي الإيمان بوجود حكمة في كلِّ فعل إلهي، حتَّى
لو لم نُدرِك تفاصيلها، وكذا الحال في الغيبة على ما تقدَّم في الدرس السابق.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (وإذا ثبتت إمامته) أي الحجَّة (عجَّل الله فرجه) (بهذه السياقة)
أي بالطريقة والاستدلال المتقدِّم (ثمّ وجدناه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه)
(غائباً عن الأبصار) وغير مرئي للناس (علمنا أنَّه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه)
(لم يغب مع عصمته، و) مع (تعيُّن فرض [غرض] الإمامة فيه وعليه، إلَّا لسبب سوَّغه)
أي هذا السبب سمح، بل أوجب (ذلك) أي الغياب، له (عجَّل الله فرجه)، بل (وضرورة
ألجأته إليه) أي إلى الغياب، (وإنْ لم نعلم على وجه التفصيل) ذلك السبب المسوِّغ،
(وجرى ذلك) أي كفاية وجود العلم الإجمالي بالسبب المسوِّغ لهذا الاعتقاد، جرى (مجرى
الكلام في إيلام الأطفال والبهائم وخلق المؤذيات والصور المشينات ومتشابه القرآن)
ممَّا هو
مبحوث في مسألة العدل
والحكمة الإلهيَّة، والجواب عن الآيات المتشابهة، فـ (إذا سُئِلنا عن وجهها) كان
جوابنا (بأنْ نقول: إذا علمنا أنَّ الله تعالى حكيم) وأنَّه تعالى (لا يجوز أنْ
يفعل ما ليس بحكمة ولا صواب) وتبعاً لهذا العلم (علمنا أنَّ هذه الأشياء) التي لا
نعرف وجه الحكمة فيها، أنَّ (لها وجه حكمة وإنْ لم نعلمه معيَّناً) تفصيلاً، فـ
(كذلك نقول في) مسألة غيبة (صاحب الزمان (عليه السلام) فإنَّا نعلم أنَّه) أي
الإمام (عجَّل الله فرجه) (لم يستتر) ولم يغب (إلَّا لأمر حكمي سوَّغه ذلك) أي
سوَّغ ذلك الأمر الغياب، حتَّى (وإنْ لم نعلمه) أي السبب المسوِّغ (مفصَّلاً).
(فإنْ قيل(٩): نحن نعترض) على (قولكم في إمامته) أي الحجَّة ابن الحسن (عليهما
السلام) (بغيبته) أي لا نُسلِّم بإمامته مع غيبته (بأنْ نقول: إذا لم يمكنكم بيان
وجه حسنها) أي الغيبة (دلَّ ذلك على بطلان القول بإمامته)، ووجه الملازمة (لأنَّه
لو صحَّ) وجود وجه حسن (لأمكنكم [بيان] وجه الحسن فيه) أي في الغياب. فإنْ قلتم هذا
(قلنا: إنْ لزمنا ذلك) أي إنْ وجب ولزم علينا نحن الإماميَّة بيان وجه الحسن، فقد
(لزم جميع أهل العدل قول الملحدة(١٠) إذا قالوا) أي الملاحدة: (إنَّا نتوصَّل بهذه
الأفعال التي ليست بظاهرة الحكمة إلى أنَّ فاعلها ليس بحكيم)، ووجه هذا التوصُّل
(لأنَّه لو كان حكيماً لأمكنكم) يا أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) تعرَّض الشيخ
الصدوق (قدّس سرّه) إلى عدَّة اعتراضات حول الغيبة من قِبَل فِرَق إسلاميَّة
مختلفة، وأجاب عن شُبُهاتهم تفصيلاً مستعيناً بكلمات الشيخ عبد الرحمن بن قبة
الرازي (رحمه الله). وقد تناولنا هذه الشُّبُهات بالشرح والتفصيل تحت عنوان (توضيح
الإجابات) في عدَّة حلقات، تمَّ نشرها في أعداد مجلَّة الموعود التخصُّصيَّة. ولولا
أنَّ المنهج المرسوم في هذا الشرح هو الاقتصار على بيان وتوضيح كلمات شيخ الطائفة
(قدّس سرّه)، لتعرَّضنا لتلك الشُّبُهات تفصيلاً. فليراجع ذلك مَنْ شاء.
(١٠) في بعض المصادر: (الملاحدة).
سنذكر ما وجدناه من اختلاف بين النُّسَخ المعتمدة، ولكن ممَّا هو مؤثِّر في الغرض
بين معقوفتين عند تطبيق المتن في الموارد التي فيها تطبيق للعبارة، ومع تقريب وجه
الدلالة في الروايات.
التوحيد (بيان وجه
الحكمة فيها) أي في هذه الأفعال (وإلَّا) لو لم تُبيِّنوا يا أهل التوحيد للملاحدة،
وجه الحسن، وسألتم منَّا نفس السؤال، فنقول لكم: (فما الفصل) والفرق بين المسألتين؟
(فإذا) تراجعتم، و(قلتم: [نحن أوَّلاً] نتكلَّم في إثبات حكمته) أي إثبات حكمة الله
تعالى (فإذا ثبت بدليل منفصل) مستقلٍّ (ثمّ وجدنا هذه الأفعال المشتبهة الظاهر)
تنافي الحكمة (حملناها) أي الأفعال (على ما يطابق ذلك) أي تفسيرها بطريقة تتوافق مع
هذه الحكمة، (فلا يُؤدِّي إلى نقض ما علمنا) من حكمة الله تعالى في ما ظاهره خلاف
الحكمة، (ومتى لم يُسلِّموا لنا) أي الملاحدة (حكمته) أي الباري تعالى (انتقلت
المسألة إلى الكلام في حكمته) أي يصبح البحث حول إثبات حكمته أوَّلاً.
فإنْ قلتم هذا (قلنا: مثل ذلك) الذي قلتموه في الحكمة نقوله (هاهنا) أي، و(من أنَّ
الكلام في غيبته فرع على إمامته)، فالمسألة مشابهة للحكمة من هذه الجهة، ومتفرِّعة
على الإمامة والعصمة، (فإذا علمنا إمامته بدليل، وعلمنا عصمته بدليل آخر، وعلمناه
غاب) أي بمقتضى أدلَّة منفصلة (حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته)، وعليه (فلا فرق
بين الموضعين) أي بين الغيبة ومسألة أفعال الله تعالى التي ليست ظاهرة الحكمة.
(ثمّ يقال للمخالف [في الغيبة]: أتُجوِّز أنْ يكون للغيبة سبب صحيح اقتضاها، ووجه
من الحكمة أوجبها، أم لا تُجوِّز ذلك؟) أي يُسئَل المخالف: هل ترى أو تحتمل وراء
الغيبة حكمة موجبة لها، أم لا؟
(فإنْ قال: يجوز ذلك) أي إنْ قال باحتمال وجود حكمة، (قيل له: فإذا كان ذلك جائزاً
فكيف جعلتَ وجود الغيبة دليلاً على فقد الإمام في الزمان) أي كيف اعتبرت مجرَّد
وقوع الغيبة دليلاً على عدم وجود الإمام في هذا الزمن (مع
تجويزك لها) أي للحكمة
في الغيبة، فمجرَّد وقوع الغيبة لا يكفي (سبباً) للإنكار، إذ مع إمكان وجود الحكمة
من الغيبة (لا) يعود ما (ينافي وجود الإمام).
بل (وهل يجري) قولك (ذلك إلَّا):
أ - (مجرى مَنْ توصَّل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى، وهو معترف بأنَّه
يجوز أنْ يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة؟) أي أليس هذا شبيهاً بمَنْ
يستنتج من وجود إيلام الأطفال أنَّ الله تعالى ليس حكيماً، رغم أنَّه يعترف بإمكان
وجود سبب خفي لهذا الإيلام لا ينافي حكمته؟
ب - (أو مَنْ توصَّل بظاهر الآيات المتشابهات إلى أنَّه تعالى مشبه للأجسام) أي
كحال مَنْ يعتقد بأنَّ الله تعالى يشبه المخلوقات في كونه جسماً.
ج - (و) كذلك الحال في مَنْ يقول بأنَّه تعالى (خالق لأفعال العباد) بما يستلزم
جبرهم وقسرهم، اعتماداً على ظاهر بعض الآيات المتشابهة (مع تجويزه) أي هذا القائل
(أنْ يكون لها) لهذه الظواهر (وجوه صحيحة توافق العدل والتوحيد ونفي التشبيه.
وإنْ قال: لا أُجوِّز ذلك) أي وإنْ قال المخالف: إنَّه لا يقبل احتمال وجود سبب
صحيح للغيبة، (قيل: هذا تحجُّر) وتشدُّد كبير، و(شديد فيما لا يُحاط بعلمه)، إذ مع
عدم علمك بما خفي (ولا يُقطَع على مثله) أي الذي لا يمكن التيقُّن منه، (فمن أين
قلتَ: إنَّ ذلك لا يجوز) أي من أين جئت بهذا اليقين بأنَّ الغيبة لا تجوز، وكيف ساغ
لك (وانفصلـ)ـت هاهنا ووافقت القول (مـ)ـع (مَنْ قال: لا يجوز أنْ يكون للآيات
المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلَّة العقل، ولا بدَّ أنْ تكون) محمولة (على
ظواهرها)، وبذلك وافقت رأي من يرفض أنْ يكون للآيات المتشابهة معانٍ صحيحةٍ تتوافق
مع العقل، ويصرُّ على أنَّ معانيها يجب أنْ تُؤخَذ بظاهرها فقط، دون تأويل أو
تفسير، كما هو رأي أهل الظاهر والمشبِّهة والمجسِّمة، مع أنَّك - وحسب الفرض - من
العدليَّة.
هذا، (ومتى قيل) لنا أي
للإماميَّة، من قِبَل مخالفنا، قيل: (نحن متمكِّنون من ذكر وجوه الآيات المتشابهات،
وأنتم) أيَّها الإماميَّة (لا تتمكَّنون من ذكر سبب صحيح للغيبة)، فإنْ قيل ذلك
(قلنا:) وكان (كلامنا) وردُّنا (على مَنْ يقول: لا أحتاج إلى العلم) التفصيلي
(بوجوه الآيات المتشابهات مفصَّلاً، بل) ويقول: (يكفيني علم الجملة، و) لا يجب
عليَّ، ولكن (متى تعاطيت) وبيَّنت (ذلك) أي العلم التفصيلي (كان تبرُّعاً)، فإنَّنا
سنقول لهؤلاء: (وإنْ اقتنعتم لنفسكم بذلك) فهذا أيضاً تحت مقدورنا، وإذا كان يكفيكم
في الموارد التي ذكرتم، فليكن كافياً لكم في محلِّ كلامنا، (فنحن أيضاً نتمكَّن من
ذكر وجه صحَّة الغيبة وغرض حكمي لا ينافي عصمته) أي الإمام الغائب (عجَّل الله
فرجه)، (وسنذكر ذلك فيما بعد، وقد تكلَّمنا عليه مستوفًى في كتاب الإمامة) أي
بُحِثَ هذا الموضوع بتفصيل في كتاب الإمامة.
(ثمّ يقال: كيف يجوز أنْ يجتمع صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) بما بيَّنَّاه
من سياقة الأُصول العقليَّة) أي كيف يسوغ بعد إثبات الإمامة بما تقدَّم من أدلَّة
وعلى ضوءها قطعنا بالإمامة عقلاً، كيف يسوغ (مع القول بأنَّ الغيبة لا يجوز أنْ
يكون لها سبب صحيح، وهل هذا إلَّا تناقض)، وهذا التناقض الظاهر يسري (ويجري مجرى
القول بصحَّة التوحيد والعدل، مع القطع على أنَّه لا يجوز أنْ يكون للآيات
المتشابهات وجه يطابق هذه الأُصول)، فكيف يقال بهذا التناقض؟!
* * *
تقدَّم الكلام في بيان
قدرة المتكلِّم الإمامي على بيان وجه الحسن في الغيبة بحسب ما تقتضيه الأُصول
الكلاميَّة العقليَّة والشرعيَّة، ولا زال شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في صدد استعراض
أقوال الخصم على مقولة المنافاة بين ثبوت الغيبة مع خفاء وعدم وضوح وجه الحكمة
فيها.
قاعدة تقدُّم الأصول على
الفروع(١٢):
إذا لم يُسلِّم المخالف بإمامة الحجَّة ابن الحسن (عجَّل الله فرجه)، فإنَّ الحوار
معه ينبغي أنْ ينصبَّ على إثبات أصل الإمامة دون الخوض في سبب الغيبة، إذ لا معنى
للكلام في فرعٍ قبل إثبات أصله. فكما أنَّ الكلام في وجوه الآيات المتشابهات أو
إيلام الأطفال أو حسن التعبُّد بالشرائع لا يصحُّ قبل إثبات التوحيد والعدل، فكذلك
الكلام في سبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) لا وجه له قبل ثبوت إمامته. وقد سبقت
الأدلَّة القاطعة على إمامته (عجَّل الله فرجه)، فلا حاجة إلى إعادة ما تمَّ
إثباته. إنَّ هذا المنهج ينسجم مع القواعد العقليَّة، حيث تُبنى الفروع على
الأُصول، ولا يُعقَل الخوض في التفاصيل قبل ترسيخ القواعد التي تقوم عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) شهر رمضان المبارك
(١١٤٦هـ).
(١٢) هذه القاعدة من القواعد المهدويَّة المهمَّة التي أشرنا إليها في الدرس
المهدوي والتي أسَّسها - وغيرها - جملة من أعيان علماء الكلام من الطائفة الحقَّة،
راجع: دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٢٠).
في دعوى الكلام في الفرع قبل
الأصل وردِّها:
قد يُطرَح سؤال عن إمكانيَّة تخيُّر السائل بين الكلام في إمامة ابن الحسن (عجَّل
الله فرجه) أو في سبب غيبته.
الجواب عنه: لا خيار في ذلك، لأنَّ مَنْ يشكُّ في إمامته (عجَّل الله فرجه) يجب أنْ
يُوجَّه الحوار معه نحو إثبات أصل الإمامة بالدلائل والنصوص.
وهذا المنهج يتوافق مع القاعدة العقليَّة التي تقضي بعدم جواز الكلام في تفاصيل
الفروع قبل تثبيت وترسيخ الأُصول.
ووجه هذا الترجيح بل اللزوم: أنَّ الكلام في الواضح الجليِّ مقدَّم وأولى من الكلام
في الغامض الخفيِّ، فإَّن تفضيل تقديم الكلام في إثبات إمامة ابن الحسن (عجَّل الله
فرجه) على الكلام في سبب غيبته يعود إلى أنَّ إثبات الإمامة يقوم على أدلَّة
عقليَّة واضحة وجليَّة لا تحتمل الشكَّ أو الالتباس، بينما سبب الغيبة قد يكون
غامضاً أو مشتبهاً فيحتاج إلى ما يرتكز عليه ويزيل غموضه، ممَّا يجعل الكلام في
الواضح أولى من الخوض في الغامض.
وهذا المنهج يتوافق مع ما اتَّبعناه مع المخالفين للملَّة، حيث رجَّحنا الكلام في
نبوَّة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) لكونها واضحة وظاهرة، على الكلام في
ادِّعاءاتهم بتأبيد شرعهم لكونها غامضة وغير محسومة.
وهذه القاعدة ذاتها تنطبق هنا، حيث يُقدَّم الكلام في إمامة الحجَّة ابن الحسن
(عجَّل الله فرجه) لكونها أمراً عقليًّا ونقليًّا واضحاً، بينما سبب الغيبة يظلُّ
أمراً يحتاج إلى مزيد من التوضيح والبيان.
إذا ادَّعى المخالف أنَّ الغيبة تحمل وجهاً من وجوه القبح، فإنَّ هذا الادِّعاء
يفتقر إلى الدليل، لأنَّ القبح لا يتحقَّق إلَّا في أُمور محدَّدة كالظلم أو الكذب
أو العبث أو الجهل أو الإفساد، وكلُّ هذه الأُمور غير موجودة في غيبة
الإمام (عجَّل الله
فرجه). فغيبة الإمام ليست ظلماً لأنَّه لا ظلم في أفعال الله تعالى، وليست كذباً
لأنَّها جزء من حكمته البالغة، وليست عبثاً أو جهلاً لأنَّها مرتبطة بمشيئته، وليست
إفساداً لأنَّها تُحقِّق مصالح عظيمة قد تكون خفيَّة عنَّا. وبالتالي، لا يصحُّ
ادِّعاء وجود قبح في الغيبة، بل هي جزء من الحكمة الإلهيَّة التي تتجاوز إدراك
البشر، ولا يمكن أنْ تُوصَف بما يناقض العدل والحكمة.
مقولة المنع عن الوصول إلى الإمام
(عجَّل الله فرجه) ولو بالقهر كبديل عن الغيبة وردُّها:
إذا أُشكِلَ وقيل: لماذا لم يمنع الله تعالى الأعداء من القضاء على الإمام (عجَّل
الله فرجه) ويُوجِد الحائل لوصولهم إليه بالقهر حتَّى يقوم بواجباته، كما فعل مع
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)؟
فإنَّ الجواب أنَّ المنع الإلهي نوعان:
الأوَّل لا ينافي التكليف، وقد فعله الله تعالى من حيث منع من ظلم الإمام بالنهي
عنه، والحثِّ على وجوب طاعته، والانقياد لأمره ونهيه، وأنْ لا يُعصى في شيء من
أوامره، وأنْ يُساعَد على جميع ما يُقوِّي أمره ويشيد سلطانه. فإنَّ جميع ذلك لا
ينافي التكليف، فإذا عصى من عصى في ذلك ولم يفعل ما يتمُّ معه الغرض المطلوب، يكون
قد أُتي من قِبَل نفسه لا من قِبَل خالقه(١٣).
أمَّا النوع الثاني، وهو المنع بالقهر كالحيلولة بين الناس والإمام، فإنَّه يلغي
التكليف، لأنَّه يسلب الإنسان اختياره، وهذا غير جائز، لأنَّ التكليف معقود ومقرون
بوجود الاختيار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) يراجع لهذا الغرض والوقوف على تفصيل الأمر بحث (وجوب النصرة) المنشور في العدد (١٧) من مجلَّة الموعود التخصُّصيَّة.
وبكلمة: الله تعالى منع
الظلم بالنهي عنه، وحثَّ على الطاعة دون إلغاء حرّيَّة الإنسان، أمَّا المنع بالقهر
فهو منافٍ للحكمة الإلهيَّة، ولأصل التكليف، ولذلك يجب أنْ يكون ساقطاً.
إنْ قلتَ: ألَا منع الله تعالى عن الإمام (عجَّل الله فرجه) كما منع عن النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله)؟
قلتُ: إنَّ الفرق بين النبيِّ والإمام في مسألة المنع الإلهي يرجع إلى طبيعة دورهما
في إيصال الشرع، فالنبيُّ هو المصدر الوحيد للشرع، ولا يمكن معرفة الأحكام
الشرعيَّة إلَّا من خلاله، ولذلك يجب أنْ يمنع الله تعالى الناس من الوصول إليه
حتَّى يتمكَّن من أداء مهمَّته. أمَّا الإمام، فإنَّ الأدلَّة الشرعيَّة منصوبة
ومتاحة للناس، ويمكنهم الوصول إلى الحقِّ من خلالها دون الحاجة إلى قوله مباشرةً،
إلَّا إذا وصل الأمر إلى حدٍّ لا يُعرَف الحقُّ إلَّا بقوله، فحينئذٍ يجب أنْ يمنع
الله تعالى الناس من إيذائه كما منعهم من إيذاء النبيِّ.
وهذا التفريق بين النبوَّة والإمامة يعكس اختلاف طبيعة الدورين، حيث إنَّ النبوَّة
تتطلَّب حماية خاصَّة، لكونها المصدر الأساسي للشرع، بينما الإمامة تعتمد على
الأدلَّة الشرعيَّة التي يمكن للناس الوصول إليها بأنفسهم.
ولهذا نظير في النبوَّة، فإنَّ مسألة المنع الإلهي تتشابه بين النبيِّ والإمام في
حالات محدَّدة. فإذا أدَّى النبيُّ الشرع وأتمَّ تبليغه، ثمّ عرض له ما يوجب الخوف
من إيذاء الناس، فلا يجب على الله تعالى أنْ يمنع ذلك، لأنَّ المكلَّفين قد عرفوا
الشرع وانزاحت علَّتهم بتبليغه، وأصبح لديهم طريق إلى معرفة ما يحتاجون إليه. إلَّا
إذا كان هناك أداء آخر مستقبلي يتعلَّق بتبليغ شرع جديد أو تفاصيل إضافيَّة، فإنَّ
المنع يصبح واجباً كما كان في البداية، وذلك لحماية النبيِّ حتَّى يتمكَّن من أداء
مهمَّته. وهذا التشبيه بين النبيِّ والإمام يعكس أنَّ المنع الإلهي مرتبط بضرورة
تبليغ الشرع وحماية مصدره، سواء كان النبيُّ أو الإمام، في حالات وجود حاجة
مستقبليَّة لأداء آخر.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (ومتى قالوا) أي الذين يُنكِرون الغيبة ممَّن تقدَّم نقل كلامهم:
(نحن لا نُسلِّم إمامة ابن الحسن (عليه السلام)) أصلاً، (كان الكلام معهم في ثبوت
الإمامة) أوَّلاً (دون الكلام في سبب الغيبة) المتفرِّع عليها، (وقد تقدَّمت
الدلالة على إمامته (عليه السلام) بما لا يحتاج إلى إعادته) حيث ذكرنا في الجزء
الأوَّل من هذا الشرح تفصيل ما يدلُّ على إمامته. على أنَّه سيأتي أيضاً ما يدلُّ
عليها في طيَّات الأدلَّة الآتية.
(وإنَّما قلنا ذلك لأنَّ الكلام في سبب غيبة الإمام (عليه السلام) فرع على ثبوت
إمامته، فأمَّا قبل ثبوتها، فلا وجه للكلام في سبب غيبته) للفرعيَّة المتقدِّمة،
(كما لا وجه للكلام في وجوه الآيات المتشابهات وإيلام الأطفال وحسن التعبُّد
بالشرائع قبل ثبوت التوحيد والعدل) على ما تقدَّم في الدرس السابق.
(فإنْ قيل: ألَا كان السائل بالخيار بين الكلام في إمامة ابن الحسن (عليه السلام)
ليعرف صحَّتها من فسادها، وبين أنْ يتكلَّم في سبب الغيبة؟) فللمستشكل حسب هذا
القول أنْ يختار من أين البدء، (قلنا: لا خيار في ذلك) وعليه الفراغ أوَّلاً من
الإمامة ثمّ البحث في الغيبة، (لأنَّ مَنْ شكَّ في إمامة ابن الحسن (عليه السلام)
يجب أنْ يكون الكلام معه في نصِّ إمامته والتشاغل بالدلالة عليها)، لأنَّ مَنْ
يشكُّ في الإمامة يجب أنْ يكون النقاش معه على إثباتها، (ولا يجوز مع الشكِّ فيها
أنْ نتكلَّم في سبب الغيبة، لأنَّ الكلام في الفروع لا يسوغ إلَّا بعد إحكام
الأُصول لها) حاله (كما) هو الحال في المسألة المتقدِّمة، حيث (لا يجوز أنْ
يُتكلَّم في سبب إيلام الأطفال قبل ثبوت حكمة القديم تعالى، وأنَّه لا يفعل
القبيح)، فكما لا يجوز مناقشة سبب إيلام الأطفال أو معاناتهم قبل التأكُّد من حكمة
الله تعالى وأنَّه لا يفعل القبيح، كذلك الأمر هنا.
(وإنَّما رجَّحنا
الكلام في إمامته (عليه السلام) على الكلام في غيبته وسببها) أي سبب غيبته، (لأنَّ
الكلام في إمامته مبنيٌّ على أُمور عقليَّة لا يدخلها الاحتمال) ولا مجال للشكِّ
فيها، (وسبب الغيبة ربَّما غمض واشتُبِهَ) على مَنْ ليس له معرفة بأُصوله، (فصار
الكلام في الواضح الجليِّ أولى من الكلام في المشتبه الغامض)، ونظير هذا الأمر (كما
فعلناه مع المخالفين للملَّة) عند النقاش معهم (فرجَّحنا الكلام في نبوَّة نبيِّنا
(صلَّى الله عليه وآله) على الكلام على ادِّعائهم تأبيد شرعهم) ممَّا يلزم على
القول بتأبيد شرعهم عدم شرعيَّة ديننا، ووجه تحويل النقاش إلى هذه الطريقة (لظهور
ذلك وغموض هذا) أي لوضوح إثبات نبوَّة نبيِّنا وخاتميَّة الرسالة المحمَّديَّة
وغموض إثبات دعواهم بتأبيد شرعهم، (وهذا بعينه موجود هاهنا) أي في الغيبة، فإنَّ
دليل الإمامة أوضح بكثير من دليل الغيبة لمن أنكر أصلٌ الإمامة.
(ومتى عادوا إلى أنْ يقولوا: الغيبة فيها وجه من وجوه القبح، فقد مضى الكلام
عليه(١٤). على أنَّ وجوه القبح معقولة، وهي كونه ظلماً أو كذباً أو عبثاً أو جهلاً
أو استفساداً)، مثل أنْ تُعتبَر الغيبة ظلماً أو كذباً أو عبثاً أو جهلاً، أو
أنَّها تُفسِد الأُمور، وكل هذه الوجوه لا تنطبق على غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه).
(فإنْ قيل: ألَا منع اللهُ الخلقَ من الوصول إليه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه)
(وحال بينهم وبينه، ليقوم بالأمر، ويحصل ما هو لطف لنا، كما نقول في النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) إذ بعثه الله تعالى، فإنَّ الله تعالى يمنع منه ما لم يُؤدِّ؟ فكان
يجب أنْ يكون حكم الإمام مثله) أي مثل النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
(قلنا: المنع) من الوصول إليه (عجَّل الله فرجه) (على ضربين: أحدهما لا ينافي
التكليف، بأنْ لا يُلجئ إلى ترك القبيح) أي إنَّ المنع لا يجبر المكلَّف على ترك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٦٦).
القبيح، (والآخر
يُؤدِّي إلى ذلك) أي إلى الإلجاء في أداء الواجبات أو إلى ترك المحرَّمات.
(فالأوَّل قد فعله الله تعالى من حيث منع من ظلمه بالنهي عنه) أي عن ظلمه (عجَّل
الله فرجه)، (والحثِّ على وجوب طاعته، والانقياد لأمره ونهيه، وأنْ لا يُعصى في شيء
من أوامره) أي أوامر الإمام (عجَّل الله فرجه) على ما تقدَّم مفصَّلاً في دليل
اللطف(١٥). (وأنْ يُساعَد على جميع ما يُقوِّي أمره ويشيد سلطانه، فإنَّ جميع ذلك
لا ينافي التكليف، فإذا عصى مَنْ عصى في ذلك ولم يفعل ما يتمُّ معه الغرض المطلوب)
أي من المكلَّفين ولم يُمكِّن الإمام (عجَّل الله فرجه) من هذه الأُمور، (يكون قد
أُوتي من قِبَل نفسه لا من قِبَل خالقه)، فالتقصير على المكلَّف.
(والضرب الآخر أنْ يحول بينهم) أي الظلمة (وبينه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه)
(بالقهر والعجز عن ظلمه وعصيانه، فذلك لا يصحُّ اجتماعه مع التكليف، فيجب أنْ يكون)
هذا النحو من المنع (ساقطاً)، ولا يُقاس الأمر فيما نحن فيه بأمر النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله).
(فأمَّا النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) فإنَّما نقول: يجب أنْ يمنع الله منه) أي
يمنع الأعداء من النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (حتَّى يُؤدِّي الشرع، لأنَّه)
للشأن (لا يمكن أنْ يُعلَم ذلك إلَّا من جهته) من جهة النبيِّ (صلَّى الله عليه
وآله)، (فلذلك وجب المنع منه) أي من النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله). (وليس كذلك
الإمام، لأنَّ علَّة المكلَّفين مزاحة فيما يتعلَّق بالشرع، و) لأنَّ حجَّة
المكلَّفين لا تعتمد في أثبات أصل الدِّين وأصل وجوده على الإمام، فـ (الأدلَّة
منصوبة على ما يحتاجون إليه، ولهم طريق إلى معرفتها من دون قوله) أي الإمام بشكل
مباشر، وفي كلِّ واقعة. على أنَّه (ولو فرضنا أنَّه ينتهي الحال إلى حدٍّ لا يُعرَف
الحقُّ من الشرعيَّات إلَّا بقوله) أي بقول الإمام، (لوجب أنْ يمنع الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٤٩).
منه) أي يمنع من وصول
الظالم إلى الإمام (ويُظهِره بحيث لا يُوصَل إليه) حاله يكون كـ (مثل النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله)).
هذا (ونظير مسألة الإمام أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) إذا أدَّى، ثمّ عرض
فيما بعد ما يوجب خوفه، لا يجب على الله تعالى المنع منه، لأنَّ علَّة المكلَّفين
قد انزاحت بما أدَّاه إليهم، فلهم طريق إلى معرفة لطفهم)، فإذا حدث ما يستدعي خوف
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فلا يجب على الله تعالى منع الظالم عنه بعد أداء
وظيفته، لأنَّ الناس بعد ذلك أصبح لديهم السبيل لفهم الشرع. (اللَّهم إلَّا أنْ
يتعلَّق به) أي بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (أداء آخر في المستقبل، فإنَّه يجب
المنع منه، كما يجب في الابتداء، فقد سوَّينا بين النبيِّ والإمام)، فإنَّه يجب أنْ
يُمنَع من جديد، كما كان في البداية.
* * *
بعد توضيح ضرورة غيبة
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، يتمُّ الانتقال إلى بيان بعض الحِكَم والأسباب
الكامنة وراء هذه الغيبة.
الخوف من القتل يوجب الغيبة(١٧):
إنَّ طَلَب بيان سبب الغيبة من قِبَل المخالف لا بأس به، فبيان السبب وراء وقوع
الغيبة يهدف في نظرنا إلى نفي أنْ تكون الغيبة تمنع من أداء المهامِّ، بما يسهم في
دحض شُبُهات المخالفين.
والسبب الرئيس لهذه الغيبة كما يظهر من مجموع كلمات شيخ الطائفة (قدّس سرّه) هو خوف
الإمام (عجَّل الله فرجه) على نفسه من القتل من قِبَل الظالمين، ممَّا يعيق قيامه
بمهامِّ الإمامة.
فإذا تعذَّر عليه تحقيق أهدافه بسبب هذا الخوف، تصبح غيبته واجبة لحفظ حياته،
تماماً كما استتر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب(١٨)، وغار
ثور(١٩) خوفاً من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) شهر رمضان المبارك
(١٤٤٦هـ).
(١٧) سيأتي من شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بيان العلَّة المانعة من الغيبة في فصلٍ
مستقلٍّ.
(١٨) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٨٥/ ح ١٤١): (... أَنَّ قُرَيْشاً كُلَّهُمُ
اِجْتَمَعُوا، وَأَخْرَجُوا بَنِي هَاشِمٍ إِلَى شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَكَثُوا
فِيهِ ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَّا شَهْراً، وَأَنْفَقَ أَبُو طَالِبٍ وَخَدِيجَةُ
جَمِيعَ مَالِهِمَا، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى اَلطَّعَامِ إِلَّا مِنْ مَوْسِمٍ
إِلَى مَوْسِمٍ، فَلَقُوا مِنَ اَلْجُوعِ...).
(١٩) في أمالي الطوسي (ص ٤٤٧/ ح ١٠٠٠/٦): عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ،
قَالَتْ: لَـمَّا أَمَرَ اَللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ (صلَّى الله عليه وآله)
بِالْهِجْرَةِ وَأَنَامَ عَلِيًّا (عليه السلام) فِي فِرَاشِهِ وَوَشَّحَهُ
بِبُرْدٍ لَهُ حَضْرَمِيٍّ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا وُجُوهُ قُرَيْشٍ عَلَى بَابِهِ،
فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَذَرَّهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ
بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَقْبَلَ
عَلَيَّ وَقَالَ: «أَبْشِرِي يَا أُمَّ هَانِئٍ، فَهَذَا جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)
يُخْبِرُنِي أَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ أَنْجَى عَلِيًّا مِنْ عَدُوِّهِ»،
قَالَتْ: وَخَرَجَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) مَعَ جَنَاحِ اَلصُّبْحِ
إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، وَكَانَ فِيهِ ثَلَاثاً، حَتَّى سَكَنَ عَنْهُ اَلطَّلَبُ،
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَأَمَرَهُ بِأَمْرِهِ وَأَدَاءِ
أَمَانَتِهِ.
محاولة قتل المشركين
له.
إنَّ الخوف على النفس قضيَّة وجدانيَّة وسبباً مقبولاً للاستتار، لأنَّ حفظ حياة
الإمام (عجَّل الله فرجه) ضروري لتحقيق أهداف الإمامة في المستقبل، ممَّا يجعل
غيبته حكمة إلهيَّة تتناسب مع مبادئ العدل والحكمة الإلهيَّة، فالخوف هنا ليس
الشخصي الناشئ من حُبِّ الذات - وإنْ كان جائزاً، بل واجباً في بعض الأحيان -، بل
هو الخوف على الذات التي بوجودها يتحقَّق الغرض من إيجاد الإمام بين الناس وفي
الكون.
وسيتمُّ لاحقاً تفصيل هذه الحِكَم والأسباب من خلال ذكر الروايات التي تُوضِّحها.
قياس غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه) بغيبة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
وحال إمامنا الغائب ليس ببدع عن غيبة النبيَّ الخاتم (صلَّى الله عليه وآله)، حيث
حصلت له غيبة في الغار، فهو يسير في هذا الطريق بهدي إلهي وتخطيط سماوي.
قد يقال: إنَّ قياس استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) بالنبيِّ (صلَّى الله عليه
وآله) مع الفارق.
فإنَّه يقال: قصر الفترة وطولها لا موضوعية له، كما لا يصحُّ أيضاً لأحد أنْ يدَّعي
أنَّ استتار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كان بعد اكتمال أداء الرسالة، لأنَّ
النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) استتر في غار ثور قبل الهجرة إلى المدينة، أي قبل
اكتمال نزول القرآن والأحكام الشرعيَّة، إذ إنَّ معظم التشريعات نزلت بعد الهجرة.
وهذا يدحض ادِّعاء المخالفين بأنَّ استتار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يختلف
عن
استتار النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) بحجَّة أنَّ استتار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كان بعد أداء
الرسالة، بل إنَّ استتار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كان لحماية نفسه في مرحلة
مبكَّرة من الدعوة، ممَّا يُؤكِّد أنَّ الاستتار قد يكون ضرورة لحفظ الحياة حتَّى
في أثناء أداء الوظيفة وقبل إكمال المهمَّة.
كما أنَّ ادِّعاء اكتمال أداء الشريعة قبل الاستتار لا يلغي الحاجة إلى تدبير
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وسياسته، إذ لا يمكن لأحد أنْ يدَّعي أنَّ النبيَّ
(صلَّى الله عليه وآله) أصبح غير محتاج إليه بعد أداء الشرع. وهذا ما ينطبق أيضاً
على الإمام (عجَّل الله فرجه) حيث إنَّ غيبته لا تُلغي الحاجة إلى وجوده وتدبيره،
بمعنى أنَّ تدبير الإمام (عجَّل الله فرجه) مطلق ولا يختصُّ بزمانٍ دون زمانٍ ولا
بحالةٍ دون حالةٍ، ومنها الغيبة.
طول الغيبة في الإمام (عجَّل الله
فرجه) وقصرها في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لا يمنع من القياس عليها:
وأمَّا ما قيل في تمادي الغيبة في الإمام (عجَّل الله فرجه) وقصرها في النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله)، فهذا لا يُؤثِّر ولا يضرُّ.
وكذلك إكمال أداء الشريعة وعدمها، فإنَّ استتار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في
مكَّة قبل الهجرة يُؤكِّد أنَّه لم يكن قد أكمل جميع ما نزل عليه من تشريعات، بل
كان لا يزال ينتظر الوحي بما ينزل عليه من تشريعات وأغلبها نزل بعد الغار، ممَّا
يجعل ادِّعاء اكتمال الأداء قبل الاستتار غير صحيح. على أنَّه لو كان هذا الادِّعاء
صحيحاً، لكان يعني أنَّ الناس ليسوا بحاجة إلى تدبيره وسياسته بعد ذلك، وهذا أمر لا
يقوله إلَّا معاند.
إذن، فإنَّ استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يختلف في حقيقته وواقعه عن استتار
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، بل هو جزء من الحكمة الإلهيَّة التي تتطلَّب حفظ
الإمام لتحقيق أهدافه في المستقبل.
تفصيل في غيبة النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) بين الحاليَّة والمستقبليَّة:
فإذا قيل: لا زال القياس مع الفارق، لأنَّنا نُفصِّل في حال النبيِّ (صلَّى الله
عليه وآله)، فإنَّه إنَّما جاز استتاره بعد أنْ أدَّى مصلحة قومه بلحاظ المصالح
الفعليَّة والحاليَّة، وأمَّا بلحاظ المصلحة المستقبليَّة، فهي غير موجودة فعلاً،
فلذا جاز استتاره.
وهذا لا ينطبق على الإمام (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ تصرُّفات الإمام (عجَّل الله
فرجه) في كلِّ حالٍ تُعتبَر لطفاً للخلق، وبالتالي لا يجوز له الاستتار، بل يجب أنْ
يكون ظاهراً وقويًّا ليزيل كلَّ ما يعيق التكليف، بل ووجب على الناس تقويته وتُزاح
جميع الموانع حتَّى يظهر ويقوم بواجبه.
والجواب عنه: أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) رغم أدائه للمصلحة في وقته، لم
يستغنِ الناس عن تدبيره وأمره ونهيه، ممَّا يُبرِّر استتاره في بعض الأحيان، وذلك
في الموارد التي لا تتوقَّف على التدبير الفعلي المباشري. وبالتالي، فإنَّ الحال
نفسه ينطبق على الإمام (عجَّل الله فرجه)، حيث إنَّ غيبته لا تُلغي الحاجة إلى
وجوده وتدبيره، بل هي جزء من الحكمة الإلهيَّة التي تتطلَّب حفظه لتحقيق أهدافه
والغرض من جعله هادياً.
وجه اختيار الله تعالى للغيبة في
منع الأعداء عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) دون النصرة بالملائكة:
على أنَّ أمر الله تعالى لنبيِّه (صلَّى الله عليه وآله) بالاستتار بالشِّعب تارةً،
وفي الغار أُخرى لهو ضرب من المنع عنه (صلَّى الله عليه وآله) لحمايته، لأنَّ
تقويته بالملائكة قد يُؤدِّي إلى مفسدة في الدِّين من قبيل الإلجاء، وهو ما لا
يفعله الله تعالى.
ولو كانت تقويته بالملائكة خالية من المفسدة وتقتضي المصلحة، لفعله الله تعالى،
ولكن عدم فعله يدلُّ على وجود مفسدة.
وكذلك الحال مع الإمام
(عجَّل الله فرجه) حيث إنَّ الله تعالى منع من قتله بالاستتار، لأنَّ تقويته
بالملائكة قد يُؤدِّي إلى مفسدة.
بل يجب على الله تعالى أنْ يُقوِّي الإمام (عجَّل الله فرجه) بالبشر حتَّى يتمكَّن
الإمام (عجَّل الله فرجه) من القيام بواجباته، فإنْ لم يفعل البشر ذلك، فإنَّ الإثم
يقع عليهم وليس على الله تعالى.
وإذا جاز للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يستتر مع الحاجة إليه خوفاً من الضرر،
وكانت التبعة على مَنْ أخافه وأجبره على الاستتار، فإنَّ نفس الحال ينطبق على غيبة
الإمام (عجَّل الله فرجه).
وبهذا يتبيَّن لك: أنَّ تقوية الإمام بالملائكة قد يُؤدِّي إلى مفسدة في الدِّين،
لذلك يجب أنْ تكون التقوية بالبشر، لأنَّ الله تعالى لا يفعل ما يُؤدِّي إلى مفسدة
في الدِّين.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (فإنْ قيل: بيِّنوا على [كلِّ] حالٍ - وإنْ لم يجب عليكم - وجه
علَّة الاستتار، وما يمكن أنْ يكون علَّة على وجه) لو بيَّنتم العلَّة والسبب
للغيبة، (ليكون أظهر في الحجَّة وأبلغ في باب البرهان) في مقام الإثبات والاحتجاج
على الإمامة مع الغيبة.
(قلنا: ممَّا يُقطَع [نقطع] على أنَّه سبب لغيبة الإمام هو خوفه على نفسه بالقتل
بإخافة الظالمين إيَّاه) حيث يرى (قدّس سرّه) أنَّ الخوف من القتل هو السبب،
وسيأتي(٢٠) وجود عدَّة أسباب، وسنشير هناك إلى أنَّ السبب الواقعي مجهول لنا كما
نصَّت الأخبار على ذلك، ولا ينافي كون الخوف سبباً للغيبة، وبه يتبيَّن أنَّ ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٢٩/ الفصل الخامس: في ذكر العلَّة المانعة من ظهور الحجَّة (عجَّل الله فرجه)).
ذُكِرَ من أسباب هي
حِكَم لا أكثر. وكيف كان فبسبب تهديد الظالمين للإمام (عجَّل الله فرجه) (ومنَعهم
إيَّاه من التصرُّف فيما جُعِلَ إليه) أي إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) من وظيفة
(التدبير والتصرُّف فيه) أي في التدبير، (فإذا حيل بينه وبين مراده، سقط فرض القيام
بالإمامة) أي الفرض الظاهري منها والموقوف على وجود شخصه ظاهراً بين الناس، أمَّا
المهامُّ الأُخرى والكثيرة والتي سيشير إليها شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في مواطن
متفرِّقة من هذا الكتاب العظيم، فلا تتوقَّف على الظهور بين الناس. (وإذا خاف على
نفسه وجبت غيبته، ولزم استتاره، كما استتر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) تارةً في
الشِّعب، وأُخرى في الغار)، وعلى هذا القانون يجب على الإمام أنْ يستتر لحماية
نفسه، كما فعل النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) عندما اختفى في الشِّعب وفي الغار
خوفاً من أعدائه، (ولا وجه) أي ولا سبب بحسب رأي شيخ الطائفة (قدّس سرّه) (لذلك) أي
للاستتار (إلَّا الخوف من المضارِّ الواصلة إليه) أي إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه
وآله) من طرف الأعداء.
(وليس لأحدٍ أنْ يقول: إنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) ما استتر) وغاب (عن
قومه) في الشِّعب والغار (إلَّا بعد أدائه) وقيامه بوظيفته (إليهم) أي إلى قومه (ما
وجب عليه أداؤه ولم يتعلَّق بهم) أي بقومه بعد أداء وظيفته (إليه) أي إلى النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله) بعد قيامه بما يجب عليه (حاجة. و) لكن أيُّها الإماميَّة
نجد (قولكم في الإمام بخلاف ذلك) أي إنَّه بعد لم يُؤدِّ وظيفته، وقبل الأداء غاب.
(و) كذلك قول المخالف: (أيضاً فإنَّ استتار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ما طال
ولا تمادى، و) هذا بخلاف (استتار الإمام قد مضت عليه الدهور، وانقرضت عليه العصور)،
فكيف يصحُّ القياس؟!
(وذلك) لا يصحُّ منهم، و(أنَّه) للشأن (ليس الأمر على ما قالوه)، ووجه عدم كون
الأمر على ما قالوه (لأنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) إنَّما استتر في الشِّعب
والغار بمكَّة قبل الهجرة، وما كان أدَّى جميع الشريعة، فإنَّ أكثر الأحكام ومعظم
القرآن نزل
بالمدينة)، وهذا معناه
أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) لم يُكمِل بعد وظيفته، (فكيف أوجبتم أنَّه) أي غيابه
(صلَّى الله عليه وآله) (كان بعد الأداء؟)، بل حتَّى (ولو كان الأمر على ما قالوه)
أي (من تكامل الأداء قبل الاستتار)، مع ذلك (لما كان ذلك) أي القيام بالأداء
(رافعاً للحاجة إلى تدبيره) أي تدبير النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (وسياسته
وأمره ونهيه)، فمهامُّ النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في الأُمَّة أوسع بكثير من
التبليغ فقط وأداء الشريعة، ولذلك (فإنَّ أحداً لا يقول: إنَّ النبيَّ (صلَّى الله
عليه وآله) بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولا مفتقر إلى تدبيره، ولا يقول ذلك
معاند.
و) هذا الكلام المتقدِّم (هو) بعينه (الجواب عن قول من قال: إنَّـ)ـنا نفصل في أمر
(النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ما يتعلَّق من مصلحتنا قد أدَّاه) وفرغ منه قبل
غيابه (وما يُؤدِّي في المستقبل لم يكن في الحال) وفعلاً (مصلحة للخلق، فجاز ذلك
الاستتار. و) حيث (ليس كذلك الإمام عندكم) أيُّها الإماميَّة، ووجه كون
الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس كذلك (لأنَّ تصرُّفه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه)
(في كلِّ حالٍ لطف للخلق، فلا يجوز له الاستتار على) أيِّ حالٍ، وعلى أيٍّ (وجهٍ)
ذكرتم، فكيف تقيسون الأمرين؟
بل (ووجب تقويته) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (والمنع منه) من وقوع الغياب فيه
(ليظهر ويزاح علَّة المكلَّف) وليزيل كلَّ ما قد يُشوِّش على التكليف.
ووجه الجواب: (لأنَّا قد بيَّنَّا أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) مع أنَّه
أدَّى المصلحة التي تعلَّقت بتلك الحال) أي أدَّى ما عليه بلحاظ المصالح الفعليَّة،
ولكن مع ذلك (فلم يُسْتَغْنَ عن أمره ونهيه وتدبيره بلا خلاف بين المحصِّلين) لوجود
مصالح أُخرى يعرفها كلُّ مَنِ اطَّلع على وظائف الأنبياء (عليهم السلام)، (ومع هذا)
أي وجود وظائف لم يتمّ النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أداءها (جاز له الاستتار،
فكذلك الإمام) يجوز له الاستتار مع وجود وظائف أُخرى لم يُؤدِها بعد.
(على أنَّ أمر الله تعالى له) للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (بالاستتار بالشِّعب تارةً وفي الغار أُخرى ضرب من المنع منه) أي إنَّ أمر الله تعالى للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بالغيبة في الغار والشِّعب أمر كان بإمكان الله تعالى أنْ يُبدِله بآخر بأنْ ينصره على أعدائه دون أنْ يأمره بالغياب، (لأنَّه ليس كلُّ المنع) هو (أنْ يحول بينهم) أي الأعداء (وبينه) (صلَّى الله عليه وآله) (بالعجز أو بتقويته بالملائكة)، بل يوجد غيرهما، ومنها الغيبة، واختيار الغيبة من قِبَل المولى (عزَّ وجلَّ) يكشف عن لازم لا ينفكُّ، (لأنَّه لا يمتنع أنْ يفرض [يعرض] في تقويته) أي النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (بذلك) أي بالنصرة بالملائكة مثلاً (مفسدة في الدِّين، فلا يحسن من الله تعالى فعله) أي ما فيه المفسدة، (ولو كان خالياً من وجوه الفساد، وعلم الله تعالى أنَّه) أي القيام بهذا الأمر الذي فيه الحفظ من الأعداء بلا غياب، وأنَّه (تقتضيه المصلحة لقوَّاه بالملائكة، وحال بينهم وبينه) (صلَّى الله عليه وآله)، فلو كانت مصلحة الدِّين تقتضي تقويته بالملائكة، كان من الممكن أنْ يفعل الله ذلك، (فلمَّا لم يفعل) الله تعالى (ذلك مع ثبوت حكمته، و) كذلك مع (وجوب إزاحة علَّة المكلَّفين، علمنا أنَّه) للشأن (لم يتعلَّق به) بالنصرة بالملائكة مثلاً (مصلحة، بل مفسدة. و) هذا الذي نقوله في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (كذلك نقولـ)ـه بعينه (في الإمام (عليه السلام)) حيث نعتقد (أنَّ الله تعالى منع من قتله) من قِبَل الأعداء (بأمره) أي بأمر الله تعالى للإمام (بالاستتار والغيبة)، وقد وردت بذلك الرواية(٢١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) قال الشيخ الصدوق
(قدّس سرّه) في كمال الدِّين (ص ٥١): (ونحن نقول مع ذلك: إنَّ الامام لا يأتي جميع
ما يأتيه من اختفاء وظهور وغيرهما إلَّا بعهد معهود إليه من رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) كما قد وردت به الأخبار عن أئمَّتنا (عليهم السلام).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ اَلمُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اَلسَّلَامِ
اِبْنِ صَالِحٍ اَلْهَرَوِيِّ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى
اَلرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليهم السلام)، قَالَ:
قَالَ اَلنَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله): «وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ
بَشِيراً لَيَغِيبَنَّ اَلْقَائِمُ مِنْ وُلْدِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ
مِنِّي حَتَّى يَقُولَ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ: مَا لِله فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ،
وَيَشُكُّ آخَرُونَ فِي وِلَادَتِهِ، فَمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ فَلْيَتَمَسَّكْ
بِدِينِهِ، وَلَا يَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ إِلَيْهِ سَبِيلاً بِشَكِّهِ فَيُزِيلَهُ
عَنْ مِلَّتِي وَيُخْرِجَهُ مِنْ دِينِي، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ
اَلْجَنَّةِ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) جَعَلَ اَلشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ»)، والخبر صحيح.
(ولو علم(٢٢) أنَّ
المصلحة تتعلَّق بتقويته بالملائكة لفعل)، لأنَّه (عزَّ وجلَّ) لا يفعل الغيبة
بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أو الإمام (عجَّل الله فرجه) مع وجود ما يندفع به
شرَّ الأعداء لو كان فيه المصلحة، (فلمَّا لم يفعل) المولى (عزَّ وجلَّ) ذلك (مع
ثبوت حكمته، و) مع (وجوب) ما يجب به (إزاحة علَّة المكلَّفين في التكليف) أي بيان
ما يُبيِّن للمكلِّف ما يجب عليه ممَّا لا يجب بمقتضى دليل اللطف، وهذا الوجوب أو
الوجه من وجوه الإزاحة، ليس هو الوجوب الشرعي الإلزامي، بل العقلي اللطفي أو قل:
الإرشادي، (علمنا أنَّه لم يتعلَّق به) وجوب النصرة بالملائكة مثلاً (مصلحة، بل
ربَّما كان فيه مفسدة(٢٣).
بل الذي نقول: إنَّ في الجملة يجب على الله تعالى تقوية يد الإمام بما يتمكَّن معه
من القيام، ويبسط يده، ويُمكِّن ذلك بالملائكة وبالبشر، فإذا لم يفعله بالملائكة
علمنا أنَّه) أي عدم الفعل (لأجل أنَّه تعلَّق به) أي النصرة بالملائكة مثلاً
(مفسدة، فوجب أنْ يكون) الدفاع عن الإمام (عليه السلام) (متعلِّقاً بالبشر، فإذا لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) هذا التعبير لا
يناسب الذات المقدَّسة، ولعلَّ الأنسب أنْ يقال: (نحن نعلم من طريق الملازمة أنَّ
الله تعالى لـمَّا لم ينصره بالملائكة مثلاً أنَّ الغيبة لازمة عليه)، أو غير ذلك
من التعبيرات المناسبة مع الذات المقدَّسة، ونحن نُنزِّه ساحة شيخ الطائفة (قدّس
سرّه)، لأنَّ هذه التعبيرات قد تصدر من ساحة ذوي المقامات الشامخة في مقام ضغط
العبارة وكثرة الانشغالات العلميَّة والاجتماعيَّة، والعصمة لأهلها.
(٢٣) الملاحَظ أنَّ شيخ الطائفة (قدّس سرّه) يُكرِّر بعض المطالب، وقد أشرنا إلى
هذا الأمر في عدَّة مواضع من الدروس السابقة.
يفعلوه) أي البشر (أتوا من قِبَل نفوسهم لا من قِبَله تعالى)، وعليه (فيبطل بهذا التحرير) والبيان والتقرير (جميع ما يُورَد من هذا الجنس. و) عليه، فـ (إذا جاز في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يستتر مع الحاجة إليه لخوف الضرر، وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه(٢٤) ومحوجيه(٢٥) إلى الغيبة، فكذلك غيبة الإمام (عليه السلام) سواء) بلا فرق من هذه الجهة.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) في بعض النُّسَخ:
(لمخيفه)، (لمختفية)، (لمخيفية)، (لمختفيه).
(٢٥) في النسخة المعتمدة ورد: (ومحوجيَّة)، ولم أعرف الوجه في ضبطها بهذا الشكل،
خصوصاً مع عدم الإشارة إلى النسخة التي ضُبِطَت عليها. ومن هذا القبيل موارد أُخرى
صادفتني أثناء إجراء عمليَّة المطابقة بين النُّسَخ الخطّيَّة الواقعة تحت يدي، ولم
أشر إليها لأنَّ الغرض من الكتاب أوَّلاً وبالذات ليس هذا، وثانياً لعدم ترتُّب أثر
علمي كبير على جملة من الاختلافات، وإنْ كان يحسن ممَّن كان غرضه التحقيق والمطابقة
الإشارة إلى كلِّ صغيرة وكبيرة من هذا القبيل، والأمر سهل.
نتناول في هذا الدرس
عدَّة إشكالات وتفصيلات حول الغيبة، وهي ثمانية، والجواب عنها(٢٧).
تقدَّم الكلام في بيان وجه وجوب(٢٨) الغيبة في الإمام عقلاً - وسيأتي بيانها نقلاً
-، وتمَّ بيان وجه القياس فيها على النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، والكلام الآن
في عدَّة مناقشات حول هذه المقايسة وغيرها.
نُسلِّم لكم الغيبة، ولكن لا بهذا
الطول:
فإنْ قيل: لا وجه للقياس بين غيبة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وغيبة الإمام
(عجَّل الله فرجه)، فالفرق موجود بين الغيبتين، فإحداهما طويلة جدًّا والأُخرى
قصيرة، فلا تصحُّ المقايسة.
قلنا: لا يصحُّ التفصيل في أصل وقوع الغيبة بالتفرقة بين طول الغيبة وقصرها، لأنَّ
الفرق الزمني لا يُؤثِّر في جواز الاستتار أو عدمه، إذ إنَّ اللَّائمة والمذمَّة
الملازمة لوقوعها لا تقع على المستتر، بل على مَنْ أجبره على الاستتار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) شهر رمضان المبارك
(١٤٤٦هـ).
(٢٧) المنهج الذي نسير عليه في شرح هذا الجزء يقتضي التنبيه إلى عدَّة نقاط:
١ - قد يقتضي البيان التقديم في بعض الموارد أو التأخير خلافاً للمتن.
٢ - قد يلاحظ القارئ تكرار بعض المطالب، ووجه ذلك أنَّنا نلتزم بشرح عبارة شيخ
الطائفة (قدّس سرّه) وإنِ اقتضى ذلك التكرار.
٣ - بعض الموارد لا نتعرَّض إلى بيان الملاحظة عليها رغم عدم وجود قناعة بمبنى شيخ
الطائفة (قدّس سرّه)، ولكن الشرح يقتضي البيان.
(٢٨) راجع: (ص ٤/ الدرس ٥١).
فإذا كان الخوف هو
السبب الذي دفع الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى الغيبة، فإنَّه يجوز أنْ تطول مدَّة
الاستتار كما يجوز أنْ تقصر، لأنَّ العبرة بالسبب وليس بالزمن.
وبكلمة: هذا التفريق ليس له أساس صحيح، لأنَّ جواز الاستتار لا يتعلَّق بطول مدَّته
أو قصرها، بل بالأسباب التي أوجبها، ولا يُلام عليه مَنْ يضطرُّ إليه، بل مَنْ
أجبره عليه.
وإذا أُشكِلَ وقيل: لماذا لم
يستتر آباء الإمام (عليهم السلام) مع أنَّهم كانوا في تقيَّة وخوف من أعدائهم؟
فإنَّ الجواب يكون: بأنَّ التأمُّل في الأمر يُفضي ويُظهِر أنَّ الظروف والأسباب
تختلف، وعليه فكلُّ حالة تُقاس بحسب ما تقتضيه المصلحة والحكمة الإلهيَّة.
وإنَّ الفرق بين استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) واستتار آبائه (عليهم السلام)
يرجع إلى طبيعة دور كلٍّ منهما، فآباؤه (عليهم السلام) كانوا في تقيَّة ولم
يُظهِروا ويُعلِنوا بالإمامة التي تقتضي قتل أعدائهم - وهي إمامة السيف -، ولم
يُعهَد عند أعدائهم أنَّهم ذكروا ذلك، مع ذلك جرى عليهم ما جرى، بينما الإمام
(عجَّل الله فرجه) يظهر بالسيف ويجاهد أعداءه، ممَّا يجعله أكثر عرضةً للخطر، وهذا
معلوم عند أعدائه كما لأوليائه.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّه إذا قُتِلَ أو مات أحدهم (عليهم السلام) فإنَّ هناك مَنْ
يقوم مقامه منهم، بينما الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يقوم أحد مقامه، ممَّا يجعل
حفظ حياته ضروريًّا وملزماً.
تذكير بالفارق بين وجوده (عجَّل
الله فرجه) غائباً وبين كونه معدوماً:
هذا، وقد تقدَّم الفرق فيما مضى من بحث - في أوائل هذا الشرح(٢٩) - بين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٩٣).
كون الإمام (عجَّل الله
فرجه) موجوداً وغائباً ولا يصل إليه فرد ولا أحد من أتباعه، وبين كونه معدوماً وغير
موجود أصلاً.
لا فرق بين كونه (عجَّل الله
فرجه) غائباً لا يصل إليه أحد وبين كونه مرفوعاً إلى السماء:
إنْ قلتم: ما الفرق بين وجوده (عجَّل الله فرجه) في الأرض بحيث لا يصل إليه أحد من
الناس وبين وجوده في السماء، فلِمَ لا نقول بوجوده هناك لنمنع من ورود الإشكالات
اللَّازمة من غيبته في الأرض، من جهة الملازمة بين الوجود هنا وما يلزم من استبعاد
بقاءه؟
والجواب عن ذلك:
أ - إذا كان موجوداً في السماء بحيث لا يخفى عليه أخبار أهل الأرض، فالسماء كالأرض،
بلا فرق عندنا بينهما إذا كان وجوده في أحدهما موجباً لأنْ يُؤدِّي وظيفته.
وإنْ كان يخفى عليه أمرهم، فذلك يجري مجرى عدمه، وبالتالي ينتقض الأمر في وظيفته،
وأنَّه لا بدَّ من وجوده وإنْ كان غائباً كي يُؤدِّيها.
ب - ثمّ نقلِب عليهم الأمر في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وذلك بأنْ يقال لهم:
أيُّ فرقٍ بين وجوده مستتراً - في الغار - وبين عدمه وكونه في السماء؟
فأيُّ شيء قالوه في الجواب قلنا مثله، على ما مضى القول فيه.
لا تصحُّ المقايسة بين الغيبتين:
إنْ قلتَ: إنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) غاب عن البعض ولم يغب عن الكلِّ،
وهذا ممَّا يفرق به بين الغيبتين، فلا مقايسة بينهما، ولا يصلح الجواب عن غيبته
(صلَّى الله عليه وآله) جواباً عن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه).
قلتُ: ليس لهم أنْ
يُفرِّقوا بين الأمرين، بأنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) ما استتر من كلِّ أحد
وإنَّما استتر من أعدائه، وإمام الزمان (عجَّل الله فرجه) مستتر عن الجميع، وذلك:
١ - لأنَّا لا نقطع على أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) مستتر عن جميع أوليائه،
والتجويز والاحتمال في هذا الباب كافٍ(٣٠).
٢ - على أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) لـمَّا استتر في الغار كان مستتراً من
معظم أوليائه وغالب أعدائه، وقد كان يجوز أنْ يستتر بحيث لا يكون معه أحد من وليٍّ
ولا عدوٍّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.
هل وقوع الغيبة في الإمام (عجَّل
الله فرجه) يُعطِّل الحدود؟
إذا قيل: ما حكم الحدود في زمن الغيبة، وهل أنَّ غيبته (عجَّل الله فرجه) وعدم
حضوره بين الناس يوجب تعطيلها؟
فإنْ قيل: بسقوطها عن الجناة، كان هذا الإسقاط عن الجاني المستحقِّ نسخاً
للشريعة(٣١)، والنَّسخ - على ما هو المذكور في علم الأُصول والتفسير - محدَّد
مُوقَّت منقطع بزمان النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، بل حتَّى في زمانه لم يقع
إلَّا في عدَّة أحكام لا تتجاوز أصابع اليد.
وإنْ قيل: ببقاء التكاليف، مع غيبته (عجَّل الله فرجه)، فالسؤال يعود من جديد: كيف
تُقام؟ ومَنْ يُقيمها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠) سوف يأتي في
محلِّه من شرح هذا الكتاب العظيم ذكر الروايات الدالَّة على وجود الإمام (عجَّل
الله فرجه) بين الناس وحضوره الموسم ولقاء جمع غفير به في غيبته الصغرى، بل وجماعة
في الكبرى، فانتظر.
(٣١) في تلخيص الشافي (ج ٤/ ص ٢١٨): (فإنَّ قيل: فالحدود - في حال الغيبة - ما
حكمها؟ وإنْ سقطت عن الجاني على ما يوجبها فهذا اعتراف بنسخ الشريعة، وإنْ كانت
ثابتة فمَنْ يُقيمها؟ قلنا: الحدود المستحقَّة ثابتة في جنوب جناة ما يوجبها من
الأفعال، فإنْ ظهر الامام - والمستحقُّ لهذه الحدود باقٍ - أقامها عليه بالبيِّنة
أو الإقرار، فإنْ فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها على من أخاف الإمام
وألجأه إلى الغيبة...).
وفي مقام الجواب نقول:
الحدود ثابتة في ذِمَم مستحقِّيها، وفي عهدة مَنْ يقترف الذنب الموجب للحدِّ، فإنْ
ظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) وهم أحياء، أقامها عليهم بالبيِّنة أو الإقرار(٣٢)،
وإنْ ماتوا قبل ظهوره، كان الإثم على مَنْ أخاف الإمام (عجَّل الله فرجه) وأجبره
على الغيبة.
وليس في ذلك نسخٌ لأحكام الله تعالى، فإنَّ الحدود مشروطةٌ بالتمكُّن من إقامتها،
فإذا حالت الظروف دون ذلك، سقط تنفيذها لا لنسخٍ، بل لانتفاء شرط الإقامة، فهي
كسائر الواجبات التي يُشتَرط في إتيانها القدرة وزوال الموانع.
النقض بحال أهل الحلِّ والعقد:
ثمّ يقال لهم: ما حكم الحدود في حال عجز أهل الحلِّ والعقد عن اختيار الإمام بعد
الذي كان قبله؟
فإنْ زعموا سقوطها، لزمهم القول بالنسخ الذي يتوهَّمونه ويقولون به علينا، وإنْ
قالوا ببقائها في ذِمَم الجناة حتَّى قيام الحجَّة، فقد أقرُّوا بصحَّة مذهبنا، إذ
لا فرق بين الحالتين.
إنْ قلتَ: قد قال أبو عليٍّ الجُبَّائي شيخ المعتزلة في زمانه(٣٣): إنَّ الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) وهذا ينافي ما
دلَّ على حكم الإمام (عجَّل الله فرجه) بعلمه وأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يحكم
بعلمه، على ما سيأتي من روايات الحكم بشريعة داود (عليه السلام).
(٣٣) الجُبَّائي (٢٣٥ - ٣٠٣هـ): أبو عليٍّ، محمّد بن عبد الوهَّاب الجُبَّائي،
المتكلِّم المعتزلي، والجُبَّائي نسبة إلى جُبَّى التي وُلِدَ فيها، وهي من مُدُن
خوزستان، دخل البصرة وهو غلام، فلزم أبا يعقوب يوسف بن عبد الله الشحَّام المتوفَّى
أواخر القرن الثالث الهجري، وكان هذا أحذق الناس في الجدل، انتهت إليه رياسة
المعتزلة في البصرة، وعنه أخذ أبو عليٍّ الكلام وشهد حلق المتكلِّمين، فنبغ
مبكَّراً وقدر على الجدل والمناظرة في مسائل علم الكلام، شهد له المعتزلة جميعاً
بالرياسة بعد أبي الهُذيل العلَّاف (ت ٢٣٥هـ)، وللجُبَّائي آراء كثيرة في الجوهر
والحركة والروح والأعراض، من أبرز تلامذته ابنه أبو هاشم (ت ٣١٥هـ) رئيس فرقة
البهشميَّة، وأبو عبد الله الصيمري (ت ٣١٥هـ)، وأبو عمر الباهلي (ت ٣٠٠هـ). أخذ عنه
أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) علم الكلام، وكان بينهما خلاف في مسألة نفي الصفات
ومسألة خلق القرآن التي أنكرها الأشعري فيما بعد، وجرت بينهما مناظرات أدَّى بعضها
إلى خروج الأشعري عن المعتزلة وظهور فرقة إسلاميَّة جديدة هي فرقة الأشاعرة. وقال
الحموي في معجم البلدان (ج ٢/ ص ٩٧): (ومن جُبَّى هذه أبو عليٍّ محمّد بن عبد
الوهَّاب الجُبَّائي المتكلِّم المعتزلي صاحب التصانيف، مات سنة ٣٠٣، ومولده سنة
٢٣٥، وابنه أبو هاشم عبد السلام).
يفعل في مثل هذه الحال
ما يقوم مقام إقامة الحدود، ويُزاح به التكليف.
وقال أبو هاشم - ولده - الجُبَّائي شيخ المعتزلة كذلك(٣٤): إنَّ إقامة الحدود أمرٌ
دنيوي لا تعلُّق له بالدِّين.
قلنا: هذا القول إنْ كان حقًّا، فهو لازمٌ في زمن الغيبة، كما هو لازمٌ في كلِّ
زمان يعجز فيه الناس عن إقامة الأحكام، فكيف يشكل في الغيبة ما يُسلَّم به في
غيرها؟
النقض على المستشكل بإقامة الحدود
عند مشايخ المعتزلة:
حيث إنَّ المستشكل بجُلِّ هذه الإشكالات في الغيبة هم جماعة من المعتزلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) قال ابن خلِّكان في وفيات الأعيان (ج ٣/ ص ١٨٣/ الرقم ٣٨٣): (أبو هاشم الجُبَّائي: أبو هاشم عبد السلام بن أبي عليٍّ محمّد الجُبَّائي بن عبد الوهَّاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفَّان (رضي الله عنه)، المتكلِّم المشهور، العالم ابن العالم، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكُتُب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، وكان له ولد يُسمَّى أبا عليٍّ، وكان عامّيًّا لا يعرف شيئاً، فدخل يوماً على الصاحب بن عبَّاد فظنَّه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته، ثمّ سأله عن مسألة فقال: لا أعرف نصف العلم، فقال له الصاحب: صدقت يا ولدي، إلَّا أنَّ أباك تقدَّم بالنصف الآخر. وكانت ولادة أبي هاشم المذكور سنة سبع وأربعين ومائتين، وتُوفِّي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد، ودُفِنَ في مقابر البستان من الجانب الشرقي).
ومن غيرهم من
العدليَّة، فإنَّ الجواب عنها يكون بالنقض تارةً على أُصولهم، وبالحلِّ تارةً أُخرى
على أُصولنا وما نعتقده من حقٍّ في المسألة، لذلك جاء ذكر آراء العديد من مشايخ
المعتزلة في طيَّات الردود.
أمَّا ما قاله أبو عليٍّ الجُبَّائي، من أنَّ الله تعالى يفعل ما يقوم مقام إقامة
الحدود في حال تعذُّر نصب الإمام، فلو سلَّمنا بذلك لم يقدح في مذهبنا بشيء، إذ
إقامة الحدود ليست هي الغاية القصوى من وجود الإمام حتَّى يقال: إنَّ تعطيلها
يُنقِض دليلها، بل هي من الأحكام التابعة للشرع، وقد بيَّنَّا أنَّ إقامة الحدود قد
تسقط إذا انقبضت يد الإمام، أو تبقى في ذِمَم مستحقِّيها حتَّى تُتاح الفرصة
لتنفيذها.
وكما جاز أنْ تتوقَّف إقامتها، جاز أنْ يكون هناك ما يقوم مقامها، فلو قلنا بما
قاله (أبو عليٍّ) لم يكن ذلك نقضاً على أصل مذهبنا، بل هو من لوازمه.
وأمَّا ما ذهب إليه أبو هاشم من أنَّ إقامة الحدود هي لمصالح دنيوية محضة، فهو قولٌ
بعيدٌ عن الصواب، لأنَّ الحدود عبادة واجبة بأمر الله تعالى، والعبادة لا تُبنى على
مجرَّد المصالح الدنيويَّة، بل ترتبط بحكم إلهي لا يتوقَّف وجوبه على انتفاع الخلق
به دنيويًّا.
ثمّ إنَّ الحدود - عند أبي هاشم نفسه - تُقام على سبيل الجزاء والزجر، وهي جزءٌ من
نظام العقاب الإلهي، غير أنَّ بعضها يُقدَّم في الدنيا لما فيه من المصلحة. فكيف
يُقال مع ذلك: إنَّها محض مصلحة دنيويَّة؟!
إنَّ قوله هذا متناقض في ذاته، وإذا تهافت الأصل، سقط الاستدلال به، وبذلك يبطل ما
ذهب إليه.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (فأمَّا التفرقة بطول الغيبة وقصرها فـ)ـهذه التفرقة (غير صحيحة)،
ووجه عدم الصحَّة (لأنَّه إذا لم يكن في الاستتار لائمة) ومؤاخذة
(على المستتر إذا أُحوج
إليه) أي إلى الاستتار، (بل اللَّائمة على من أحوجه إليها) أي إلى الغيبة، (جاز) مع
وجود الحاجة إلى الغيبة (أنْ يتطاول سبب الاستتار كما جاز أنْ يقصر زمانه) أي سبب
الغياب والاستتار، وهو الخوف في محل البحث.
(فإنْ قيل: إذا كان الخوف أحوجه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (إلى الاستتار، فقد)
أحوج كذلك مَنْ سبقه من الأئمَّة (عليهم السلام)، فقد (كان آباؤه (عليهم السلام)
عندكم على تقيَّة وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا) فالملاك واحد وهو الخوف، فكيف
لم تقع فيهم غيبة ووقعت فيه؟
(قلنا: ما كان على آبائه (عليهم السلام) خوف من أعدائهم، مع لزوم التقيَّة، و) عدم
تصريحهم بالإمامة لعموم الناس، و(العدول) والتجنُّب (عن التظاهر بالإمامة ونفيها عن
نفوسهم، و) أمَّا (إمام الزمان (عليه السلام)) فقد كان (كلُّ الخوف عليه، لأنَّه
يظهر بالسيف، ويدعو إلى نفسه، ويجاهد مَنْ خالفه) من الأعداء (عليه) أي على السيف
وبالسيف، (فأيُّ نسبةٍ بين خوفه من الأعداء وخوف آبائه (عليهم السلام)) هذا (لولا
قلَّة التأمُّل).
هذا (على أنَّ آباءه (عليهم السلام) متى قُتِلُوا أو ماتوا كان هناك مَنْ يقوم
مقامهم ويسدُّ مسدَّهم) ممَّن (يصلح للإمامة من أولاده) أي أولاد الإمام السابق،
(وصاحب الأمر (عليه السلام) بالعكس من ذلك، لأنَّ من المعلوم أنَّه لا يقوم أحد
مقامه، ولا يسدُّ مسدَّه، فبان الفرق بين الأمرين).
هذا (وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم(٣٥) الفرق بين وجوده (عليه السلام) غائباً لا يصل
إليه أحد أو أكثرهم، وبين عدمه، حتَّى إذا كان المعلوم التمكُّن بالأمر يُوجِده)
الله تعالى، (وكذلك قولهم: ما الفرق بين وجوده بحيث لا يصل إليه أحد وبين وجوده في
السماء؟)، ووجه الفرق من جهات (بأنْ قلنا: إذا كان موجوداً في السماء بحيث لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٩٣).
يخفى عليه أخبار أهل
الأرض، فالسماء كالأرض) بلا فرق ولا نمنع من ذلك، (وإنْ كان يخفى عليه أمرهم، فذلك
يجري مجرى عدمه) ولا نقول به ولا نلتزمه، لأنَّه يشبه عدم وجوده. (ثمّ نقلب عليهم)
الأمر نقضاً (في النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بأنْ يقال: أيُّ فرقٍ بين وجوده
مستتراً) في الغار أو الشِّعب (وبين عدمه وكونه في السماء؟
فأيُّ شيءٍ قالوه) في الجواب (قلنا مثله، على ما مضى القول فيه).
هذا (وليس لهم أنْ يُفرِّقوا بين الأمرين)، وذلك (بأنَّ) يقولوا (النبيَّ (صلَّى
الله عليه وآله) ما استتر من كلِّ أحد، وإنَّما استتر من أعدائه) فقط (وإمام الزمان
مستتر عن الجميع) وهذا فارق يوجب بطلان المقايسة المتقدِّمة، (لأنَّا) سوف نُجيبهم
(أوَّلاً) بأنَّا (لا نقطع على أنَّه مستتر عن جميع أوليائه، والتجويز) والاحتمال
(في هذا الباب كافٍ) لردِّ الاستدلال علينا وتوجيه صحَّة المقايسة.
هذا (على أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) لـمَّا استتر في الغار كان مستتراً
من أوليائه وأعدائه، ولم يكن معه إلَّا أبو بكر وحده، وقد كان يجوز أنْ يستتر بحيث
لا يكون معه أحد من وليٍّ ولا عدوٍّ إذا اقتضت المصلحة ذلك).
فنقلة جديدة حول الحدود في زمن
الغيبة:
(فإنْ قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإنْ سقطت عن الجاني على ما يوجبها
الشرع، فهذا نسخ الشريعة، وإنْ كانت باقية فمن يقيمها؟).
الجواب منه (قدّس سرّه): (قلنا: الحدود المستحقَّة باقية في جنوب مستحقِّيها)
ولازمة على مَنْ قارفها، (فإنْ ظهر الإمام ومستحقُّوها باقون أقامها عليهم
بالبيِّنة أو الإقرار) على ما يأتي في كيفيَّة حكمه بين الناس بعد ظهوره، (وإنْ كان
فات ذلك بموته) أي موت المقترف للجرم (كان الإثم في تفويتها على مَنْ أخاف الإمام
وألجأه إلى الغيبة) من الظلمة، (وليس هذا نسخاً لإقامة الحدود، لأنَّ الحدَّ إنَّما
يجب إقامته مع التمكُّن وزوال المنع، ويسقط مع الحيلولة) وعدم القدرة.
(و) يُنقَض عليهم،
و(يقال لهم: ما يقولون في الحال التي لا يتمكَّن أهل الحلِّ والعقد من اختيار
الإمام، ما حكم الحدود؟
فإنْ قلتم: سقطت، فهذا نسخ على ما ألزمتمونا، وإنْ قلتم: هي باقية في جنوب
مستحقِّيها، فهو جوابنا بعينه.
فإنْ قيل: قد قال أبو عليٍّ: إنَّ في الحال التي لا يتمكَّن أهل الحلِّ والعقد من
نصب الإمام يفعل الله ما يقوم مقام إقامة الحدود ويُزاح علَّة المكلَّف.
وقال أبو هاشم: إنَّ إقامة الحدود دنياويَّة لا تعلُّق لها بالدِّين) أي هي أمر
دنيوي، وليس له علاقة بالدِّين.
(قلنا: أمَّا ما قاله أبو عليٍّ فلو قلنا مثله ما ضرَّنا، لأنَّ إقامة الحدود ليس
هو الذي لأجله أوجبنا الإمام حتَّى إذا فات إقامتها انتقض دلالة الإمامة، بل ذلك
تابع للشرع) وجزء من الشريعة، (وقد قلنا: إنَّه لا يمتنع أنْ يسقط فرض إقامتها في
حال انقباض يد الإمام، أو تكون باقية في جنوب أصحابها، وكما جاز ذلك جاز أيضاً أنْ
يكون هناك ما يقوم مقامها) وما يُعوِّض تنفيذ هذه الحدود.
(وأمَّا ما قاله أبو هاشم من أنَّ ذلك لمصالح الدنيا، فبعيد، لأنَّ ذلك عبادة
واجبة، ولو كان لمصلحة دنياويَّة لما وجبت)، فهي ليست مجرَّد مسألة دنيويَّة.
(على أنَّ إقامة الحدود عنده على وجه الجزاء والنكال جزء من العقاب، وإنَّما قُدِّم
في دار الدنيا بعضه لما فيه من المصلحة, فكيف يقول مع ذلك: إنَّه لمصالح دنياويَّة؟
فبطل ما قالوه) من أنَّ هدف الحدود في الدنيا هو مصلحة دينيَّة، فلا يمكن اعتبارها
مجرَّد مسألة دنياويَّة.
* * *
لا يزال الحديث
مستمرًّا في بيان الإشكالات التي أثارها المخالفون حول غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه) وما يترتَّب على القول بها من لوازم في نظرهم. وقد تصدَّى شيخ الطائفة (قدّس
سرّه) للإجابة عنها بأقوى الحُجَج وأوضح البراهين، ولا نزال في مقام استعراضها.
طريق الوصول إلى الحقِّ مع
الغيبة(٣٧):
قد يُقال: كيف يمكننا الوصول إلى الحقِّ وبلوغ مقصده مع غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه)، إذ إنَّ مع غيبته تنقطع سُبُل الاتِّصال به؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) شهر رمضان المبارك
(١٤٤٦هـ).
(٣٧) كان قد سرَّني كثرة انشغالي بشرح هذا الكتاب العظيم لساعات طويلة، دون الشعور
بالكسل أو الملل، ولكن في اليوم التالي أصبتُ بنوبة صداع شديد منعتني عن مواصلة شرح
الدروس. فكتبتُ عدَّة أبيات - مع أنَّني لا أعرف نظم الشعر في حياتي -، ثمّ
توجَّهتُ - بعد زيارةٍ لبعض الأعزَّة - إلى مسجد السهلة المعظَّم للدعاء بتخفيف ألم
الرأس، وصادفتُ هناك بعض الأحبَّة من البيت الهاشمي ورجوت دعائهم.
والحمد لله تعالى، عاودني النشاط بمجرَّد عودتي إلى البيت، رغم أنَّها كانت بعد
منتصف الليل.
وما نظمته من أبيات - بعد أنْ أرسلتها إلى مَنْ له شغل به وعدَّل عليها - كانت:
يا ابنَ الزكيِّ
العسكريِّ ملاذَنا * * * عزَّ المقالُ وضاقَ فيَّ فؤادُ
أَمسي نسجْتُ إليكَ ودِّيَ خالِصاً * * * كلِّي بذاكَ مسـرَّةٌ وَوِدادُ
واليومَ يمنعني الصداعُ وعكَّرَ الـ * * * ـصَّفوَ النقيَّ منَ الصداعِ عِنادُ
يا ابنَ البتولِ أعِدْ بلُطفِكَ طاقتي * * * إنِّي للطفِكَ سيِّدي معتادُ
إذْ كلُّ أمرٍ دونَ ودِّكَ كُدْرَةٌ * * * وبُعادُ خدمتِكمْ ضنى وسُهادُ
فإذا قلتم أيُّها
الإماميَّة: لا سبيل لمعرفة الحقِّ، فإنَّه يرد عليكم أنَّ الناس سيكونون في حيرة
مع ضرورة الأخذ بالحقِّ والالتزام به.
أمَّا إذا قلتم أيُّها الإماميَّة: إنَّ الحقَّ يُدرَك من خلال الأدلَّة العلميَّة
والبراهين النظريَّة، فإنَّ قولكم هذا تصريح بنفي الحاجة إلى الإمام (عجَّل الله
فرجه).
وفي هذا المقام يُجيب شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بالقول: إنَّ السؤال عن طريق إصابة
الحقِّ في زمن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) من الأسئلة المهمَّة، وهو سؤال حقٍّ
وإنْ صدر من مجادل أو معاند.
والجواب على هذا السؤال يبتني على تقسيم الحقِّ إلى نوعين: عقلي وسمعي:
أ - فأمَّا الحقُّ العقلي(٣٨)، فهو ما يُدرَك بالأدلَّة العقليَّة المستقلَّة، التي
لا تحتاج إلى نصٍّ خارجي، إذ إنَّ العقل - الذي يمتلك المنهج السليم والمادَّة
والمضمون المستقيم - قادرٌ على تحصيل ما يُرضي المولى.
ب - وأمَّا الحقُّ السمعي، فهو ما يعتمد على النصوص الشرعيَّة المتمثِّلة بالقرآن
الكريم والسُّنَّة النبويَّة وأقوال الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، والتي
تُعتَبرُ أدلَّةً نقليَّةً مُحكمةً تُبيِّنُ تفاصيل الأحكام الشرعيَّة وتُوضِّحُ
معالم الهداية.
ومن هنا فإنَّ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) لا تعني انقطاعَ سبيلِ الحقِّ، بل
إنَّ الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة تظلُّ قائمةً، يُهتدى بها إلى الصواب. إلَّا
أنَّ الحاجة إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) بيَّنَّا في دروسنا الاستدلاليَّة في علم الكلام (ج ١/ ص ٢٥١) أنَّ المنهج الذي رسمه علماء الطائفة من المتكلِّمين وغيرهم هو منهجٌ متأثِّرٌ ومأخوذ من الأئمَّة (عليهم السلام)، وهو المنهج الثقليني الذي يعتمد على أُسُس عقليَّة رصينة استُمِدَّت من الوحي وروايات العترة الطاهرة. هذا المنهج، الذي صيغ بعناية على مرِّ العصور بأيدٍ علميَّةٍ من علماء الطائفة (قدّس سرّهم)، قد بلغ درجة من الاستقامة والمتانة التي لا تترك مجالاً للشكِّ أو التلاعب في الدِّين، ولا تجد فيه عجزاً أمام شُبُهات المغرضين.
تبقى حاجةً مستمرَّةً،
إذ هو اللطف الإلهي - على ما تقدَّم تفصيله في دليل اللطف - الذي يُحقِّقُ التوازنَ
بين العقل والنقل، ويضمنُ سلامةَ النقل من التحريف أو الانقطاع.
فالإمامُ هو الحافظُ لصحَّةِ الشريعةِ، والمُبيِّنُ لما التبسَ من تفاصيلها، وهو
الذي يُزيلُ الشُّبُهاتِ ويُوضِّحُ الحقائقَ في حال تعارض الأدلَّة أو وقوع
الناقلين في الخطأ مباشرةً أو توسُّطاً(٣٩).
وهنا تبرزُ أهمّيَّةُ الإمام كحلقةِ الوصلِ بين السماء والأرض، وكضامنٍ
لاستمراريَّةِ الهدايةِ الإلهيَّةِ.
فالنقلُ - في الجملة -، وإنْ كان وارداً عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)
والأئمَّةِ (عليهم السلام)، إلَّا أنَّه قد يتعرَّض للانقطاع أو التحريف بشكل كلي
وتام بسبب تعمُّدِ الناقلين أو وقوعهم في الشُّبُهات.
ومن هنا، تظلُّ الحاجةُ إلى الإمام حاجةً ماسَّةً وجوهريَّةً، لدوره في حفظِ
الشريعةِ وتوضيحِ معالمِها.
وقد تمَّ تفصيلُ هذه المسألةِ في كتاب (تلخيص الشافي) على ما يأتي ذكره في الهامش،
حيث تمَّ استيفاءُ الكلامِ عن طريقِ إصابةِ الحقِّ في زمن الغيبة، والحاجةِ
المستمرَّةِ إلى الإمام (عجَّل الله فرجه).
فالإمامُ - الذي هو لطف إلهي - يظلُّ ضرورةً عقائديَّةً، لا يمكن الاستغناءُ عنها،
حتَّى في ظلِّ وجود الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة.
فهو الوجود والحقيقة التي تضمنُ سلامةَ المسارِ وتُحافظُ على نقاءِ الشريعةِ من
أيِّ شائبةٍ أو انحرافٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) وسيأتي في الدروس القادمة استعراض العديد من الروايات التي تتحدَّث عن آثار وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) مع غيبته.
وبكلمة: إنَّ إصابة
الحقِّ تكون بالعقل في مجاله، من خلال أدلَّته القطعيَّة، وبالسمع في مواضعه،
بالاعتماد على القرآن الكريم ونصوص العترة الطاهرة (عليهم السلام). وهذا لا يعني
الاستغناء عن الإمام (عجَّل الله فرجه)، إذ الحاجة إليه ضروريَّة دائمة، فهو اللطف
الواجب من الحكيم المطلق، وبه يتحقَّق انتظام أمر العباد، وتُصان الشريعة من
التحريف والضياع. ولو لم يكن الإمام، لارتفع الوثوق بالنقل - لأنَّ وجوده ضمان
لصيانة الشريعة في ما هو منقول عن العترة الطاهرة فيما يوجب صيانتها في الموجود
المنقول، فالحقُّ في الموجود -، ووقع الناس في الشبهة، ولزم من ذلك تكليفهم بما لا
يُطاق، وهو ممتنع في حكمته تعالى.
غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)
وفرضيَّة كتمان الشريعة أو تحريفها:
إنْ قلتَ: ماذا لو كتم الناقلون بعضَ الشريعة، واحتيج إلى بيان الإمام (عجَّل الله
فرجه)، وكان خوفُ القتل من أعدائه مستمرًّا؟ كيف يكون الحال حينئذٍ؟
فإنْ قلتم أيُّها الإمامية: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يجب أنْ يظهر وإنْ خاف
القتل، فإنَّ هذا يقتضي أنَّ خوفَ القتل لا يُبيحُ له الاستتار، وبالتالي يلزم
ظهوره.
وإنْ قلتم: إنَّه لا يظهر، وسقط التكليف في ذلك الشيء المكتوم عن الأُمَّة، فإنَّ
هذا يخرج عن الإجماع القائم على أنَّ كلَّ ما شرَّعه النبيُّ (صلَّى الله عليه
وآله) وأوضحه يبقى لازماً للأُمَّة إلى قيام الساعة.
وإنْ قلتم: إنَّ التكليف لا يسقط، فإنَّ هذا تكليف ما لا يُطاق، وإيجاب العمل بما
لا طريقَ إليه.
والجواب عن هذا كلِّه:
الاستدلال على استمرار التكليف
وعدم تأثير الغيبة في انقطاع الشرع:
يفترض هذا المستشكل أنَّ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) قد تُؤدِّي إلى انقطاع
النقل لبعض أحكام الشريعة، ممَّا قد يستلزم سقوط التكليف عن الأُمَّة، غير أنَّ هذا
التصوُّر مردود بالأُصول العقليَّة والنقليَّة.
أوَّلاً: استحالة التكليف بما لا
يُطاق وضرورة استمرار الشريعة:
يُقرِّر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في (التلخيص) قاعدة أساسيَّة في علم الكلام، وهي:
أ - أنَّ الله تعالى لا يُكلِّف عباده بما لا طريق لهم إليه، فإنْ كان هناك حكم
شرعي يتعذَّر الوصول إليه بسبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، لزم أنْ يُسقِط الله
تعالى ذلك التكليف عن العباد، لأنَّ التكليف بغير المقدور ممتنع بحكم العقل.
ب - ولكن لـمَّا كان الإجماع قائماً على استمرار التكليف إلى يوم القيامة، وأنَّه
لا يمكن أنْ يُترَك الناس بلا شريعة كاملة.
دلَّ ذلك على أنَّ انقطاع النقل بأيِّ حكم شرعي لا يقع إلَّا في ظروف يتمكَّن فيها
الإمام (عجَّل الله فرجه) من الظهور والبروز والبيان، ممَّا يُبطِل احتمال ضياع شيء
من الشرع بسبب غيبته.
ثانياً: رأي السيِّد المرتضى
(قدّس سرّه): الغيبة ليست مانعاً ذاتيًّا من التكليف:
يرى السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) بحسب نقل شيخ الطائفة (قدّس سرّه) عنه: أنَّ
الإمام (عجَّل الله فرجه) قد يكون لديه من العلوم والأحكام ما لم يصل إلينا بسبب
كتمان الناقلين، إلَّا أنَّ هذا - الكتمان - لا يستلزم سقوط التكليف عن الناس،
لأنَّ سبب الغيبة ليس ذات الإمام (عجَّل الله فرجه)، بل خوفه على نفسه من الأعداء.
ومن ثَمَّ، فإنَّ الضرر المترتِّب على غيبته إنَّما يعود على مَنْ ألزمه بالاستتار.
فكلُّ ما فوَّته الإمام
(عجَّل الله فرجه) من علوم وأحكام بسبب غيبته إنَّما هو نتيجة فعل الظالمين الذين
أجبروه على الاختفاء، كما أنَّ الفوت في تأديبه وتصرُّفه بالأُمَّة يعود إليهم.
ويُقرِّر السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لو زال عنه
الخوف لظهر، وحينها يحصل للناس اللطف الشرعي الكامل من تصرُّفه المباشر، كما ينكشف
لهم ما كان قد استتر وانكتم عنهم. وإذا لم يتحقَّق ذلك بسبب استمرار خوفه وبقائه
مستتراً، فإنَّ المتضرِّر في الأمرين - أي في فقدان بعض العلوم وفقدان قيادته
الظاهرة - الذين تسبَّبوا في غيبته، بل الكلُّ.
وهذا تقرير قويٌّ متين تقتضيه أُصول العدليَّة، حيث يُضاف ذلك إلى قاعدة اللطف التي
توجب وجود الإمام، ولكنَّها لا تستلزم أنْ يكون ظاهراً دائماً، بل يكفي أنْ يكون له
وجود يُحقِّق الغرض الإلهي من استمراريَّة الشريعة.
الاستتار عن الأولياء بسبب الخوف
من الإفشاء:
يتناول القسم الأخير احتمالاً ذكره بعض المتكلِّمين من أنَّ الإمام (عجَّل الله
فرجه) قد يكون مستتراً حتَّى عن أوليائه، لأنَّهم قد يشيعون خبره عن غير قصد،
فيُؤدِّي ذلك إلى معرفة أمره ووقوع الضرر عليه، ولكن هذا الرأي ضعيف من جهتين:
١ - إفشاء اللقاء من جميع العقلاء، ضعيف: إذ لا يُتصوَّر أنَّ عقلاء شيعة الإمام
(عجَّل الله فرجه)، وهم الذين يُفترَض فيهم الورع والتقوى والحرص على حفظ أمره،
يجهلون أنَّ إظهارهم لخبر لقائهم به (عجَّل الله فرجه) قد يُؤدِّي إلى هلاك الإمام
وهلاكهم معه. بل إنَّ مقتضى الحكمة والاحتياط أنْ يكونوا أشدَّ الناس كتماناً لهذا
السرِّ، فلا يُعقَل أنْ يُفشي جميعهم هذا الأمر، وإنْ جاز ذلك على فردٍ أو اثنين،
فلا يجوز أنْ يعمَّ ذلك جميع خواصِّه.
٢ - الإلزام الكلامي بسقوط التكليف، إذا كان الإمام مستتراً عن أوليائه
لأنَّهم - بطبيعتهم
البشريَّة - لا يستطيعون كتمان خبر اجتماعه بهم، فهذا يعني أنَّهم قد مُنِعُوا من
الانتفاع به بسبب أمرٍ لا قدرة لهم على تلافيه. ومن ثَمَّ، فإنَّهم يكونون مكلَّفين
بما لا يقدرون عليه، وهو محالٌ عقلاً، لأنَّ التكليف يجب أنْ يكون ضمن دائرة
الاستطاعة.
وهذا يُؤدِّي إلى سقوط التكليف الذي الإمام لطفٌ فيه، ممَّا يناقض القاعدة
العقليَّة التي توجب استمرار اللطف الإلهي بوجود الإمام.
وبكلمة: لو كان انقطاع وضياع بعض الشرع يوجب سقوط التكليف، لكان ذلك دالّاً على
خروج الشريعة عن دوامها، وهو باطل بالإجماع. فدلَّ ذلك على أنَّ النقل لا ينقطع ولا
يضيع ويتلاشى، وهو باقٍ ببقاء الإمام ووجوده لا بظهوره وبيانه له فحسب. وأمَّا ما
كتمه الناقلون، فلا يوجب سقوط التكليف، لأنَّ الغيبة لضرورة الخوف، ومن منع الإمام
من التصرُّف، فقد أضرَّ بنفسه، إذ حرمها من نور الهداية ولطف الولاية، ولو زال
المانع لظهر، فأقام الحجَّة وأتمَّ البيان، وهذا مقتضى العقول والأُصول. وهو ما
يأتي مزيد توضيح له في الدرس القادم إنْ شاء الله تعالى، فالتفت كي لا تتداخل
العبارة.
تطبيق العبارة:
هنا مسألة دقيقة مرتبطة بوظيفة الإمام (عجَّل الله فرجه) والغيبة تتنافى معها، حيث
يقول المصنِّف (قدّس سرّه) على لسان المستشكل: (فإنْ قيل: كيف الطريق إلى إصابة
الحقِّ مع غيبة الإمام)، وقبل الجواب يذكر شيخ الطائفة (قدّس سرّه) تشقيق المستشكل
بقوله: (فإنْ قلتم: لا سبيل إليها) أي إلى إصابة الحقِّ، (جعلتم الخلق في حيرة
وضلالة وشكٍّ في جميع أُمورهم)، وهذا ينافي الحكمة من إيجاد الإمام في الخلق. (وإنْ
قلتم: يُصاب الحقُّ بأدلَّته) العقليَّة والعمليَّة، (قيل لكم: هذا تصريح
بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلَّة)، فلا حاجة بعد هذا إلى القول بضرورة وجوده في
كلِّ زمان.
(قلنا: الحقُّ على
ضربين) وقسمين: (عقلي وسمعي. فـ) الدليل (العقليُّ يُصاب) ويحصل (بأدلَّته)
العقليَّة، التي يمكن الوصول إليها من خلال العمليَّة الفكريَّة والتي أوضحها عدَّة
علوم من المنطق ونظريَّة المعرفة والأُصول وغيرها، (والسمعي) يُصاب بالأدلَّة
السمعيَّة، فالحقُّ (عليه أدلَّة منصوبة من أقوال النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)،
ونصوصه، وأقوال الأئمَّة (عليهم السلام) من ولده، وقد بيَّنوا ذلك وأوضحوه ولم
يتركوا منه شيئاً لا دليل عليه) حيث بيَّنوا الأحكام الشرعيَّة وأوضحوا كلَّ ما
يحتاجه الناس من تعاليم.
(غير أنَّ هذا وإنْ كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الإمام قد بيَّنَّا ثبوتها،
لأنَّ جهة الحاجة إليه مستمرَّة) أي مع هذا البيان التامِّ تبقى الحاجة الفعليَّة
لوجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ نفس الأدلَّة التي نقول: إنَّها هي تمام
الدِّين وبها بيَّن الأئمَّة (عليهم السلام) معالم الدِّين، هي بنفسها بيَّنت ضرورة
وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) (في كلِّ حالٍ وزمانٍ كونه لطفاً لنا على ما تقدَّم
القول فيه) في البحث عن دليل اللطف، (ولا يقوم غيره مقامه)، وعليه (فالحاجة
المتعلِّقة بالسمع أيضاً ظاهرة، لأنَّ النقل وإنْ كان وارداً عن الرسول (صلَّى الله
عليه وآله) وعن آباء الإمام (عليهم السلام) بجميع ما يُحتاج إليه في الشريعة) ولكن
حيث إنَّ الواصل إلينا إنَّما هو بالنقل عنهم (فجائز على الناقلين العدول عنه) أي
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وآباء الإمام (عليهم السلام) ووقوع الناقلين في
الخطأ (إمَّا تعمُّداً، وإمَّا لشبهة، فينقطع النقل، أو يبقى فيمن لا حجَّة في
نقله) فنحتاج إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)، (وقد استوفينا هذه الطريقة في تلخيص
الشافي، فلا نُطوِّل بذكرها الكتاب)، وفي هذه المواطن يحسن بالطالب أنْ يراجع بعض
كلمات السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) وشيخ الطائفة في تلخيص الشافي (قدّس سرّه) في
هذه المسائل المهمَّة.
(فإنْ قيل: لو فرضنا أنَّ الناقلين كتم بعض منهم بعض الشريعة، واحتيج إلى بيان
الإمام ولم يُعلَم الحقُّ إلَّا من جهته، وكان خوف القتل من أعدائه مستمرًّا، كيف
يكون الحال؟) وكيف يمكن الوصول إلى الحقِّ؟
(فإنْ قلتم:) أيُّها
الإماميَّة (يظهر وإنْ خاف القتل، فيجب أنْ يكون خوف القتل غير مبيح) وليس بمجوِّز
(له الاستتار، ويلزم) على هذا (ظهوره) وأداء وظيفته.
(وإنْ قلتم: لا يظهر) والحال هذه (وسقط التكليف) وضاع بسبب كتمان الناقلين (في ذلك
الشيء المكتوم عن الأُمَّة)، لو قلتم هذا (خرجتم من الإجماع، لأنَّه) أي الإجماع
(منعقد على أنَّ كلَّ شيء شرَّعه النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) وأوضحه فهو لازم
للأُمَّة إلى أنْ تقوم الساعة) ويجب أنْ يستمرَّ إلى قيام الساعة، وبالتالي، لا
يمكن أنْ يسقط تكليف الأُمَّة.
(وإنْ قلتم: إنَّ التكليف لا يسقط) فهذا القول يعني أنَّكم (صرَّحتم بتكليف ما لا
يُطاق) لعجز المكلَّف من الوصول إليه، (وإيجاب العمل بما لا طريق إليه) تعجيز، بعد
غياب الإمام (عجَّل الله فرجه) وكتم بعض الناقلين لبعض الأحكام.
يجيب الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) بقوله: (قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في التلخيص
مستوفًى(٤٠)) أي تلخيص الشافي، (وجملته أنَّ الله تعالى لو علم أنَّ النقل ببعض
الشرع المفروض) أي الأحكام الإلزاميَّة من الوجوب والحرمة (ينقطع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) جاء في تلخيص الشافي (ج ٣/ ص ٨٩): (إنَّ الإمام لا يجوز أنْ يتَّقي فيما لا يُعلَم إلَّا من جهته، ولا طريق إليه إلَّا من جهة قوله، وإنَّما تجوز التقيَّة عليه فيما قد بان بالحُجَج والبيِّنات ونُصِبَت عليه الدلالات حتَّى لا تكون فتياه فيه مزيلة لطريق إصابة الحقِّ وموقفة للشبهة، ثمّ لا تبقى في شيء إلَّا ويدلُّ على خروجه منه مخرج التقيَّة: إمَّا بما يصاحب كلامه، أو يتقدَّمه، أو يتأخَّر عنه. ومَنِ اعتبر جميع ما رُوِيَ عن أئمَّتنا (عليهم السلام) على سبيل التقيَّة وجده لا يعرى ممَّا ذكرناه. ثمّ إنَّ التقيَّة إنَّما تكون من العدوِّ دون الوليِّ، ومن المتَّهم دون الموثوق به، فما يصدر عنهم إلى أوليائهم وشيعتهم وأصحابهم في غير مجلس الخوف يرتفع الشكُّ في أنَّه على وجه التقيَّة، وما يفتون به العدوَّ، أو يُمتَحنون به في مجالس الخوف يجوز أنْ يكون على سبيل التقيَّة كما يجوز أنْ يكون على غيرها...).
ويغيب (في حال يكون
تقيَّة الإمام فيها مستمرَّة، وخوفه من الأعداء باقياً) هنا، لا نتحرَّج من القول:
(لأسقط) المولى (ذلك) أي التكليف غير الواصل (عمَّن لا طريق له) أي المكلَّف (إليه)
أي إلى التكليف، (فإذا علمنا) ومن طريق آخر (بالإجماع أنَّ تكليف الشرع مستمرٌّ
ثابت على جميع الأُمَّة إلى قيام الساعة) لزم عن علمنا هذا العلم الثاني وهو (علمنا
عند ذلك أنَّه) للشأن (لو اتَّفق انقطاع النقل بشيء من الشرع لما كان ذلك إلَّا في
حال يتمكَّن فيها الإمام (عليه السلام) من الظهور والبروز والإعلام والإنذار)، فنحن
نرى وعلى مستوى القاعدة والأصل أنَّ ما يكون التكليف به مستمرًّا، تلازمه حالة من
تمكُّن الإمام (عجَّل الله فرجه) من بيانه، وإنْ لم نعرف طريقة البيان، وبهذا
نُوقِف بين ضرورة الغيبة من جهة والاستمرار في الأحكام من جهة ثانية، وعدم التكليف
بما لا يُطاق من جهة ثالثة.
وهذا ما يراه السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) حيث يرى أنَّه ربَّما توجد أُمور دينيَّة
لم تصل إلينا بسبب كتمان بعض الناقلين، لكن ذلك لا يعني أنَّ التكليف قد سقط عن
الأُمَّة.
لذلك قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): (وكان المرتضى (رحمه الله) يقول أخيراً: لا
يمتنع أنْ يكون هاهنا أُمور كثيرة غير واصلة إلينا هي مودعة عند الإمام (عليه
السلام)، وإنْ كان قد كتمها الناقلون ولم ينقلوها، و) لكن (لم يلزم مع ذلك سقوط
التكليف عن الخلق)، ووجه عدم السقوط عن الخلق (لأنَّه إذا كان سبب الغيبة خوفه) أي
الإمام (عجَّل الله فرجه) (على نفسه من الذين أخافوه، فـ) يلزم على هذا أنَّ (مَنْ
أحوجه إلى الاستتار أُتي من قِبَل نفسه في فوت ما يفوته من الشرع)، ويكون هذا الذي
أخاف الإمام (عجَّل الله فرجه) هو الذي منع الخلق عن التكليف، وهذا (كما أنَّه أُتي
من قِبَل نفسه) أي هذا الذي أخاف الإمام (عجَّل الله فرجه) (فيما يفوته) على نفسه
بسبب غيبة الإمام من الأحكام الشرعيَّة فإنَّه أيضاً مقصرٌ وبحسب تعبير المصنِّف
أنَّه أُتي من قِبَل
نفسه فيما يفوته (من
تأديب الإمام وتصرُّفه) في الناس ورعايتهم والأخذ بيدهم إلى ما به تأديبهم وتربيتهم
ونيل كمالاتهم، ووجه التفويت (من حيث أحوجه) أي أحوج الإمام (عجَّل الله فرجه) (إلى
الاستتار، ولو زال خوفه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (لظهر، فيحصل له) أي المكلَّف
(اللطف بتصرُّفه) أي تصرُّف الإمام (عجَّل الله فرجه) (وتبيَّن له) أي للمكلَّف لو
زال خوف الإمام (عجَّل الله فرجه) وظهر، لأظهر (ما عنده ممَّا انكتم عنه) عن
المكلَّف، (فإذا لم يفعل) أي المكلَّف ما به يزول الستر عن الإمام (عجَّل الله
فرجه) لو كان هو المخيف للإمام (عجَّل الله فرجه) (وبقي) الإمام (عجَّل الله فرجه)
(مستتراً أُتي) أي المكلَّف (من قِبَل نفسه في الأمرين) أي في تخويف الإمام (عجَّل
الله فرجه) وفي ضياع التكليف، (وهذا) الوجه في الجواب (قويٌّ تقتضيه) وتُثبِته
(الأُصول) المبحوثة في علم الكلام، وبالخصوص في مسألة الإمامة.
أسباب غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه) عن الأولياء:
وفيها آراء:
الأوَّل: إشاعة خبر اللقاء سروراً به: (وفي أصحابنا مَنْ قال(٤١): إنَّ علَّة
الاستتار) أي استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) (عن) خصوص (أوليائه) هو (خوفه من أنْ
يشيعوا) أي الأولياء (خبره)، وذلك بإشاعة خبر اللقاء به (ويتحدَّثوا باجتماعهم معه)
لا لغرض سوى (سروراً به، فيُؤدِّي ذلك) الحديث والإشاعة (إلى الخوف من الأعداء)
حتَّى (وإنْ كان غير مقصود) من قِبَل الأولياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) لم يظهر لي القائل به تحديداً وإنْ كان ربَّما يظهر من بعض كلمات الشيخ ابن قبة الرازي (رحمه الله) التي نقلها عنه الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) أنَّ أصل القول له وتطوَّر بمرور الوقت، ومن تلك الكلمات: (لِمَ استتر إمامكم عن مسترشده)، وقوله (رحمه الله): (وعمَّن لا يُوثَق بكتمانه من أوليائه)، يراجع لذلك عدَّة مقالات في شرح كلمات الشيخ ابن قبة الرازي (رحمه الله) تحت عنوان: توضيح الإجابات، نُشِرَت في عدَّة حلقات من مجلَّة الموعود.
(و) لكن (هذا الجواب)
والتوجيه ضعيف، ووجه ما (يضعفـ)ـه:
١ - (لأنَّ عقلاء شيعته) وأعيانهم (لا يجوز أنْ يخفى عليهم ما في إظهار اجتماعهم
معه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (من الضرر عليه و) كذلك (عليهم، فكيف يُخبِرون
بذلك مع علمهم بما عليه وعليهم فيه) أي في هذا الإخبار باللقاء (من المضرَّة
العامَّة) التي ستحصل بهكذا إخبار؟! (وإنْ جاز هذا) أي الإخبار (على الواحد
والاثنين لا يجوز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم)، فلا يمكن أنْ يغفل عقلاء
الشيعة عن ضرر إظهار اجتماعهم مع الإمام (عجَّل الله فرجه)، فمن غير المعقول أنْ
يذهبوا لنقل هذا الخبر إلى الغير.
٢ - (على أنَّ هذا يلزم عليه أنْ يكون شيعته قد عُدِمُوا الانتفاع به) أي بالإمام
(عجَّل الله فرجه) (على وجه لا يتمكَّنون من تلافيه) أي من تلافي عدم الانتفاع به
(وإزالته) أي إزالة المانع من الانتفاع، (لأنَّه إذا عُلِّق الاستتار) وعُلِّقت
الغيبة على شيء يعرفه الشيعة، وهو إفشاء اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه) من شدَّة
السرور، وهذا سبب معروف ومقدور على رفعه، وهو تعليق الأمر (بما يُعلَم من حالهم
أنَّهم يفعلونه) أي يفعلون هذا السبب، (فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي من ظهور
الإمام (عليه السلام)، وهذا يقتضي سقوط التكليف الذي الإمام لطف فيه عنهم) أي إذا
كان الاستتار قائماً على أسباب معروفة، فلا قدرة لهم على إزالته، ممَّا يُؤدِّي إلى
إلغاء التكليف المترتِّب على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه).
* * *
تتمَّة لما سبق ذكره في
أسباب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) عن مواليه، حيث ذكرنا في الدرس السابق الرأي
الأوَّل والقائل بأنَّ سبب غيبته (عجَّل الله فرجه) عنهم هو خوفه (عجَّل الله فرجه)
من إفشاء أوليائه لخبره، وقد تقدَّم بيانه.
الرأي الثاني: استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) عن الأولياء بسبب الأعداء، قال به
بعض المتكلِّمين من أصحابنا، لأنَّ الانتفاع الحقيقي به لا يكون إلَّا إذا تمكَّن
من بسط يده، بحيث يكون ظاهراً متصرِّفاً بلا دافع أو منازع. وبما أنَّ الأعداء قد
حالوا دون ذلك، فقد انتفت الفائدة من ظهوره حتَّى لأوليائه، لأنَّ الظهور الجزئي
لهم لا يُحقِّق الغاية الكبرى من وجوده، وهي تدبير الأُمَّة كلِّها.
هذا الرأي يستند إلى قاعدة عقليَّة مفادها أنَّ اللطف التامَّ بالإمام (عجَّل الله
فرجه) لا يتحقَّق إلَّا بظهوره التامِّ لجميع الأُمَّة، وليس بظهوره السرِّي لعموم
شيعته، إذ إنَّ هذا الظهور وبهذا النحو لا يُحقِّق الغرض التامَّ واللطف الشامل
العامَّ.
يُعترَض على هذا الجواب بعدَّة وجوه، أبرزها:
أ - الظهور للأولياء ممكنٌ ولم
يُمنَع مطلقاً:
يُقال: صحيح أنَّ الأعداء منعوا الإمام من التصرُّف العلني، لكنَّهم لم يمنعوه من
الظهور لأوليائه المخلصين سرًّا.
فإذا قيل: إنَّ لقاءه بهم لا فائدة فيه لأنَّه لا يُحقِّق الغرض التامَّ والعامَّ
لنفوذ أمره في الأُمَّة، فإنَّ هذا يستلزم أنَّ جميع الأئمَّة السابقين، من بعد
أمير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
المؤمنين (عليه السلام)
حتَّى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لم يكن في لقائهم أيُّ انتفاع، لأنَّهم
لم يكونوا نافذي الأمر في جميع الأُمَّة خلال أغلب فترات حياتهم.
فإنَّه يقال: هذا استنتاجٌ باطلٌ، لأنَّ الانتفاع بالإمام لا يقتصر على بسط يده في
الحكم، بل يشمل غير ذلك ممَّا يتوقَّف على وجوده ورعايته المباشرة دون أنْ نعلم به.
ب - بطلان التسلسل التاريخي في
هذا الاستدلال:
هذا الرأي يستلزم أيضاً أنَّ الشيعة لم يكونوا منتفعين بلقاء أمير المؤمنين (عليه
السلام) قبل تسلُّمه للخلافة، وهو لا يقول به أحد.
ج - الإلزام العقلي بسقوط
التكليف:
إذا قيل: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يظهر لأوليائه، لأنَّ ذلك لا يُحقِّق
الغرض العامَّ، فإنَّ هذا يُؤدِّي إلى إشكال خطير، وهو أنَّ تكليف الشيعة الذين
يحتاجون إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) سيسقط عنهم، لأنَّ اللطف الذي يقتضي ويكون
سبباً في وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) لم يتحقَّق فيهم.
والعقل يحكم بأنَّ التكليف يجب أنْ يكون مقروناً بإمكان الامتثال، فإنْ كان الإمام
لطفاً ضروريًّا، ولم يكن للشيعة طريقٌ إليه بسبب الأعداء، وجب سقوط التكليف عنهم،
وهذا محالٌ لأنَّ التكليف مستمرٌّ بالإجماع.
وبكلمة: يتَّضح من كلِّ ما سبق أنَّ حصر فائدة الإمام (عجَّل الله فرجه) في كونه
نافذ الأمر هو خطأ عقائدي جسيم، لأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) في جميع عصورهم
كانوا يُنتفَع بهم، سواءٌ أكانوا على رأس السلطة أم لا.
وبالتالي، فإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) وإنْ كان مستتراً، فإنَّه لا يزال
يُحقِّق الغاية من وجوده، سواءٌ في حفظ الشريعة، أو في إرشاد بعض الخواصِّ، أو في
ضمان استمرار اللطف الإلهي في الأُمَّة، وإنْ كان ذلك بطُرُق لا نحيط بها علماً.
الفرق بين فقدان اللطف ووجود
الموانع الحسّيَّة:
الإشكال الرئيس هنا يتلخَّص في مسألةٍ كلاميَّةٍ دقيقةٍ، وهي: إذا كان الإمام
(عجَّل الله فرجه) غائباً ومستتراً عن أوليائه، فهل يسقط عنهم التكليف بسبب فقدان
اللطف الحاصل بسبب منع الظالم، كما يسقط التكليف عمَّن مُنِعَ من الفعل لوجود قيدٍ
أو مانعٍ خارجي، وإنْ لم يكن ذاك المانع منه؟
إنْ قلتَ: قد يُفرَّق بين القيد واللطف، بحجَّة أنَّ القيد يجعل الفعل متعذِّراً
بالضرورة، فالقيد الحسِّي من العجز عن المشي ممَّا يرفع التكليف الموقوف على المشي،
كما لو كُلِّف بالمشي إلى الصلاة في المسجد، بينما فقدان اللطف لا يعني بالضرورة
استحالة الفعل، لأنَّ العبد قد يقدر على الامتثال وإنْ لم يحصل له اللطف المطلوب،
فالملازمة في الانتفاء عند هذا المخالف ليست على حدٍّ سواء.
قلتُ: لكن المتكلِّمين من أهل العدل، ومنهم الإماميَّة، يردُّون: بأنَّ فقد اللطف
كفقد القدرة والآلة، أي إنَّ التكليف بدون لطف يُشبه التكليف بغير قدرة، لأنَّه لا
يمكن للعبد الامتثال إلَّا بتحقُّق شروط التكليف، ومنها اللطف الإلهي المتمثِّل في
وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وإرشاده للأُمَّة.
اللطف شرطٌ في التكليف، وبدونه
يكون التكليف ممتنعاً:
يُجمِع علماء العدل على أنَّ فقد اللطف في حقِّ مَنْ له لطفٌ معلومٌ يُشبه فقد
القدرة والآلة، لأنَّ التكليف حينها - حين فقد اللطف - يصبح تكليفاً بما لا يُطاق.
فإذا كان هناك فردٌ معلومٌ أنَّه يحتاج إلى لطفٍ معيَّنٍ، ولم يحصل له هذا اللطف،
فإنَّ تكليفه يكون غير صحيح عقلاً، كما لو كان مكبَّلاً بسلاسل ثمّ كُلِّف بالمشي.
وهذا يعني أنَّ الذين لم يُتح لهم اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه)، وكانوا بحاجة
إلى ذلك
للوفاء بتكاليفهم، لا
بدَّ أنْ يكون سببُ ذلك أمراً راجعاً إليهم، وإلَّا لوجب سقوط التكليف عنهم، وهو
ممتنعٌ بالإجماع.
عدم القطع باستتار الإمام (عجَّل
الله فرجه) عن جميع أوليائه(٤٣):
يردُّ المتكلِّمون الإماميَّة على دعوى الاستتار عن جميع الأولياء بأجوبة متعدِّدة،
منها:
١ - عدم القطع بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) مستترٌ عن جميع أوليائه، بل يمكن أنْ
يكون ظاهراً لبعضهم، ولا يعلم الإنسان إلَّا حال نفسه، فمَنْ رآه فقد زالت علَّته،
ومَنْ لم يرَه فغيابه عنه قد يكون لأمرٍ يرجع إليه. وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر في
الدرس القادم بمقتضى سيرنا على منهج المصنِّف (قدّس سرّه) في بيان المطالب بحسب نظم
كتاب (الغيبة).
٢ - إذا كان استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) مانعاً من وصول اللطف إلى بعض
الأفراد، فلا بدَّ أنْ يكون ذلك بسبب تقصيرٍ من جهتهم، كما هو الحال فيمن لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) وقد ردَّ العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢١٤) كلام الشيخ (قدّس سرّه) بعد نقله له قائلاً: (ولنتكلَّم فيما التزمه (قدّس سرّه) في ضمن أجوبة اعتراضات المخالف من كون كلِّ مَنْ خفي عليه الإمام من الشيعة في زمان الغيبة فهم مقصِّرون مذنبون. فنقول: يلزم عليه أنْ لا يكون أحد من الفرقة المحقَّة الناجية في زمان الغيبة موصوفاً بالعدالة، لأنَّ هذا الذنب الذي صار مانعاً لظهوره (عليه السلام) من جهتهم إمَّا كبيرة أو صغيرة أصرُّوا عليها، وعلى التقديرين ينافي العدالة، فكيف كان يُحكَم بعدالة الرواة والأئمَّة في الجماعات؟ وكيف كان يُقبَل قولهم في الشهادات؟ مع أنَّا نعلم ضرورةً أنَّ كلَّ عصر من الأعصار مشتمل على جماعة من الأخيار لا يتوقَّفون مع خروجه (عليه السلام)، وظهور أدنى معجز منه في الإقرار بإمامته وطاعته. وأيضاً فلا شكَّ في أنَّ في كثير من الأعصار الماضية كان الأنبياء والأوصياء محبوسين ممنوعين عن وصول الخلق إليهم، وكان معلوماً من حال المقرِّين أنَّهم لم يكونوا مقصِّرين في ذلك، بل نقول: لـمَّا اختفى الرسول (صلَّى الله عليه وآله) في الغار كان ظهوره لأمير المؤمنين (عليه السلام) وكونه معه لطفاً له، ولا يمكن إسناد التقصير إليه. فالحقُّ في الجواب أنَّ اللطف إنَّما يكون شرطاً للتكليف إذا لم يكن مشتملاً على مفسدة...).
يجتهد في تحصيل المعرفة
بالله تعالى، فبقي جاهلاً، فإنَّه يُعَدُّ مقصِّراً، حتَّى وإنْ لم يعلم تفصيل
تقصيره.
٣ - عدم ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) لبعض الشيعة لا يعني انتفاء اللطف، بل يدلُّ
على أنَّ سبب الاستتار متعلِّقٌ بهم أنفسهم، وإلَّا لكانوا غير مكلَّفين، وهو باطلٌ
لأنَّ التكليف مستمرٌّ بالإجماع.
قاعدة عقليَّة: الإمام لطفٌ،
واستتاره عن بعض الشيعة لا يعني انتفاء اللطف مطلقاً:
فعدم ظهوره (عجَّل الله فرجه) لبعض الأفراد لا يعني فقدان اللطف، لأنَّ ذلك قد يكون
لسبب يرجع إلى أُولئك الأفراد أنفسهم. واستمرار التكليف يدلُّ على أنَّ الاستتار
ليس مطلقاً، بل عن البعض ولو الأغلب والمعظم، وأنَّ للإمام حضوراً ولو بطُرُق غير
ظاهرة للجميع، وهذا يتَّفق مع عقيدة وجود الحجَّة الإلهيَّة في كلِّ عصر.
وهذا هو النهج الذي سلكه المتكلِّمون الإماميَّة كالسيِّد المرتضى والشيخ المفيد
والطوسي وغيرهم (قدّس سرّهم)، حيث أكَّدوا أنَّ الإمام (عليه السلام) وإنْ كان
مستتراً، فإنَّ اللطف به لا يزال قائماً، والشيعة لا يُحرَمون من هدايته، وإنْ كانت
هناك أسباب تمنع بعضهم من لقائه، فهي أسباب راجعة إليهم لا إلى الإمام نفسه.
سؤال: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا
لا يظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) لبعض أوليائه، مع الإعلان عن ظهوره؟
سنُقدِّم هنا تعليلاً دقيقاً، وهو أنَّه إذا ظهر لشخصٍ معيَّن، فلا بدَّ أنْ يُظهِر
معه معجزاً يدلُّ على صدقه، لأنَّ المشاهدة الحسّيَّة وحدها ليست كافيةً لإثبات
هويَّته لمن يراه. ولكن المعجزة تحتاج إلى نظرٍ وتأمُّل ودعوى ودليل - على ما هو
المبحوث في علم الكلام -، وقد تعترض هذا النظر شبهةٌ، فيُؤدِّي ذلك إلى تكذيب
الإمام (عجَّل الله فرجه) بدل الإيمان به.
المعجزة قد تكون سبباً في وقوع
الشبهة لا في إزالة الشكِّ:
إنَّ إدراك المعجزة على حقيقتها ليس أمراً تلقائيًّا، بل يحتاج إلى نظرٍ وتأمُّلٍ
صحيحٍ. فإذا كان الشخص غير مؤهَّلٍ للنظر في المعجزة، فقد يقع في شبهةٍ تجعله يظنُّ
أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) مدَّعٍ كاذب، بدلاً من أنْ يهتدي به، بل قد يشيع
أمره فيُؤدِّي ذلك إلى خطرٍ على الإمام نفسه (عجَّل الله فرجه)، ممَّا يُؤدِّي إلى
استمرار الغيبة.
إذن، هناك احتمالٌ أنْ يكون بعض أولياء الإمام (عجَّل الله فرجه) غير قادرين على
التمييز الصحيح بين المعجزة الحقَّة والمماثل الممكن لها، وحين يظهر لهم الإمام،
فإنَّهم قد لا يُحسنون النظر في معجزاته، ممَّا يُؤدِّي إلى نتائج خطيرة.
إشكالٌ من قِبَل المخالف:
كيف يمكن أنْ نُحمِّل المسؤوليَّة للوليِّ الذي لم يظهر له الإمام، مع أنَّه لم
يُمنَح أصلاً فرصة اللقاء والنظر في المعجزة؟
إذا كان هذا الوليُّ عاجزاً عن التمييز بين المعجزة والشبهة، فأيُّ قدرة له على
تحصيل هذا النظر دون أنْ يُمنَح الفرصة لذلك؟ كيف يمكنه تلافي هذا الأمر حتَّى يكون
العبد جديراً برؤية الإمام؟
الجواب: مسؤوليَّة المكلَّف في
تحصيل القاعدة الصحيحة للنظر:
يُجيب المتكلِّمون الإماميَّة عن ذلك بجواب دقيق يعتمد على قاعدة التلازم بين
التكليف والقدرة، وهو أنَّ الإنسان مسؤولٌ عن تحصيل القاعدة الصحيحة في التمييز بين
المعجز الحقيقي والتمويه والخداع والتدليس والدجل. فإذا قَصَّرَ العبد في ذلك، فقد
أوقع نفسه في مأزقٍ قد يحول بينه وبين الإيمان بالإمام (عجَّل الله فرجه) عند ظهوره
له، وبالتالي، فالإشكال لا ينحصر في عدم رؤية الإمام، بل في عدم الاستعداد الصحيح
لهذا اللقاء، وهذا خللٌ يعود إلى تقصير الوليِّ نفسه في تحصيل المعرفة الضروريَّة.
وعليه، فالتهيئة
الفكريَّة شرطٌ للانتفاع بظهور الإمام، حيث لا يُمكِن افتراض أنَّ كلَّ شخصٍ سيؤمن
بالإمام بمجرَّد رؤيته، بل لا بدَّ أنْ يكون لديه أساسٌ علميٌّ متينٌ في التمييز
بين المعجزة والدجل والتمويه المحتمل.
فيكون عدم ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) لبعض أوليائه ليس ظلماً لهم، بل قد يكون
ذلك بسبب تقصيرهم السابق في تحصيل المعارف الضروريَّة. والحلُّ يكمن في استدراك هذا
التقصير من خلال تحصيل العلم والمعرفة الصحيحة، حتَّى يكون الشخص قادراً على
التعرُّف على الإمام (عجَّل الله فرجه) عند ظهوره، دون الوقوع في الشبهة.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (وفي أصحابنا من قال:) إنَّ (علَّة استتاره) أي الإمام (عجَّل
الله فرجه) (عن) خصوص (الأولياء) أنَّ العلة في هذا الاستتار هي (ما يرجع إلى
الأعداء) فلأجل ما قام به العدوُّ من إخافة الإمام (عجَّل الله فرجه) امتنع ظهوره
حتَّى عن الأولياء، (لأنَّ انتفاع جميع الرعيَّة من وليٍّ وعدوٍّ بالإمام إنَّما
يكون بأنْ ينفذ أمره) أي أمر الإمام (عجَّل الله فرجه)، وذلك (ببسط يده) على الكلِّ
ومن دون استثناء، (فيكون) الإمام (عجَّل الله فرجه) (ظاهراً متصرِّفاً بلا دافع ولا
منازع، و) لكنَّ (هذا ممَّا) هو من (المعلوم أنَّ الأعداء قد حالوا دونه) أي دون
ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وبسط يده (ومنعوا منه) أي من الظهور والقيام بتنفيذ
الأحكام على الكلِّ، ومع هذا المنع، لا يوجد نفع من ظهوره سرًّا لبعض أوليائه،
لأنَّ التصرُّف والتدبير العامَّ للأُمَّة لا يتمُّ إلَّا إذا كان الإمام ظاهراً
للجميع، لذلك (قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرًّا لبعض أوليائه، لأنَّ النفع المبتغى
من تدبير الأُمَّة لا يتمُّ إلَّا بظهوره للكلِّ ونفوذ الأمر، فقد صارت العلَّة في
استتار الإمام على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع واحدة) للوليِّ والعدوِّ، لأنَّ
النفع الحقيقي يتطلَّب أنْ يكون الإمام (عجَّل الله فرجه) ظاهراً للجميع بحيث تنفذ
أوامره إلى جميع الرعيَّة.
(ويمكن أنْ يُعترَض)
على (هذا الجواب بأنْ يقال: إنَّ الأعداء وإنْ حالوا بينه) أي الإمام (عجَّل الله
فرجه) (وبين الظهور على وجه التصرُّف والتدبير) العامِّ، ولكنَّ الأعداء لا سلطنة
لهم على الإمام (عجَّل الله فرجه) في منعه عن اللقاء بالأولياء، لذلك (فلم يحولوا
بينه وبين لقاء مَنْ شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص، و) ممَّن (هو) أي من
الأولياء ممَّن (يعتقد طاعته ويوجب اتِّباع أوامره) أي طاعة وأمر الإمام (عجَّل
الله فرجه)، (فإنْ كان) يمكن أنْ يقال: إنَّه (لا نفع في هذا اللقاء لأجل الاختصاص)
بالأولياء، وذلك (لأنَّه) أي أمر الإمام (عجَّل الله فرجه) في هذا اللقاء (غير نافذ
الأمر للكلِّ) وبالتالي يلزم المنع من اللقاء الخاصِّ لأجل هذه النكتة، فنقول:
١ - (فهذا تصريح بأنَّه) للشأن (لا انتفاع للشيعة الإماميَّة بلقاء أئمَّتها من لدن
وفاة أمير المؤمنين إلى أيَّام الحسن بن عليِّ أبي القائم (عليهم السلام) لهذه
العلَّة)، وهذا ممَّا لا يُلتزَم به.
٢ - (ويوجب أيضاً أنْ يكون أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته لم يكن لهم
بلقائه) أي بلقاء أمير المؤمنين (عليه السلام) (انتفاع قبل انتقال الأمر إلى تدبيره
وحصوله) أي حصول الأمر والخلافة الظاهريَّة (في يده، وهذا) أي القول بالأوَّل
والثاني (بلوغ من قائله إلى حدٍّ لا يبلغه متأمِّل) أي لا ينبغي أنْ يصدر من
الموالي إذا تأمَّل.
٣ - (على أنَّه) لو تنزَّلنا، و(لو سُلِّم أنَّ الانتفاع بالإمام) هذا الانتفاع (لا
يكون إلَّا مع الظهور لجميع الرعيَّة ونفوذ أمره فيهم) وكان أمره نافذاً فيهم
جميعاً، ولكن لو قلنا بهذا التسليم (لبطل قولهم) أي المخالفين لنا (من وجه آخر) أي
غير الوجوه المتقدِّمة، (وهو أنَّه) أي الوجه الباطل(٤٤) (يُؤدِّي إلى سقوط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) يعني: سقوط التكليف عن مَنْ كان الإمام (عجَّل الله فرجه) لطفاً لهم، لتوقَّف التكليف على وجود اللطف، والإمام (عجَّل الله فرجه) هو اللطف. فإذا ثبت استحالة ظهوره (عجَّل الله فرجه) لجميع الناس ونفوذ أمره فيهم، ترتَّب على ذلك استحالة استمرار التكليف في حقِّ المكلَّفين، وهو محالٌ عند العقلاء، لأنَّ التكليف لا يصحُّ إلَّا بوجود اللطف.
التكليف) والذي منه أي
من هذا التكليف نفس وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، لذلك قال (قدّس سرّه): (الذي
الإمام لطف فيه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) لطف في التكليف، وهذا يُؤدِّي إلى
سقوط التكليف (عن شيعته)، ووجه السقوط (لأنَّه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (إذا
لم يظهر لهم) أي للشيعة (لعلَّة) وسبب (لا يرجع إليهم) أي وليس الشيعة هم السبب فيه
(ولا كان في قدرتهم) أي الشيعة (و) لا في (إمكانهم إزالته) أي إزالة السبب المانع
عن ظهوره، (فلا بدَّ من سقوط التكليف عنهم) أي عن الشيعة. وعليه، إذا كان سبب عدم
ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) يعود إلى أمر خارج عن قدرة المكلَّفين وإمكانهم،
بحيث لا يمكنهم إزالته أو دفعه، فلا يصحُّ أنْ يُكلَّفوا بما يستلزم ظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه)، (لأنَّه) أي (لو) جاز هذا التكليف مع عدم القدرة على لطفه، لـ
(جاز أنْ يمنع قوم من المكلَّفين) أي من الظلمة مثلاً، (غيرهم) من المكلَّفين ومن
الموالين، من (لطفهم) وهو حضور الإمام (عجَّل الله فرجه) بين مواليه (و) مع ذلك
(يكون التكليف) ثابتاً ولازماً على الموالين، ومع هذا المنع (الذي ذلك) المنع، هو
منع من (اللطف) وهذا الـ(ـلطف) هو وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) (فيه) أي في اللطف
وجوداً (مستمرًّا عليهم) على الممنوعين، فلو جاز هذا (لجاز أنْ يمنع بعض
المكلَّفين) كما لو كان من الظلمة مثلاً (غيره) من المكلَّفين كما لو كان من
الموالين مثلاً (بقيد وما أشبهه) بأنْ يفرض على التكليف قيداً (من المشي على وجه لا
يمكن [يتمكن] من إزالته) أي لا يتمكَّن المكلَّف من إزالة القيد، ولا يمكن إتيان
التكليف بلا هذا القيد، (ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرًّا على الحقيقة.
و) عليه (ليس لهم) أي للمخالفين (أنْ يُفرِّقوا بين القيد وبين اللطف)،
ووجه التفريق (من حيث
كان القيد) كالتقييد بالسلاسل لمن كُلِّف بالمشي (يتعذَّر معه الفعل [متعذِّر معه
اللطف] ولا يُتوهَّم وقوعه) أي وقوع الفعل المعلَّق على غير المقدور، (وليس كذلك
فقد اللطف) حيث يمكن أنْ يتوهَّم المكلَّف إمكان الفعل معه رغم صعوبة تحقيقه.
غير أنَّ هذا التفرقة باطلة، (لأنَّ أكثر أهل العدل على أنَّ فقد اللطف كفقد القدرة
والآلة، [وأنَّ التكليف مع فقد اللطف فيمن له لطف معلوم كالتكليف مع فقد القدرة
والآلة] ووجود الموانع، وأنَّ مَنْ لم يفعل له اللطف ممَّن له) من المكلَّفين (لطف
معلوم غير مزاح العلَّة في التكليف، كما أنَّ الممنوع) وغير القادر (غير مزاح
العلَّة)، فكما أنَّ المقيَّد بسلاسل حديديَّة لا يمكنه المشي، فكذلك من مُنِعَ عنه
اللطف لا يمكنه الامتثال.
(والذي ينبغي أنْ يُجاب) به (عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أنْ نقول: إنَّا
أوَّلاً لا نقطع) ولا نجزم (على) ما قالوا من (استتاره) (عجَّل الله فرجه) (عن جميع
أوليائه، بل) الذي نقول: (يجوز أنْ يظهر لأكثرهم، و) لكن (لا يعلم كلُّ إنسان إلَّا
حال نفسه، فإنْ كان) الإمام (عجَّل الله فرجه) (ظاهراً له) أي لهذا الموالي
(فعلَّته) والمانع الذي يمنعه من اللطف (مزاحة، وإنْ لم يكن) الإمام (عجَّل الله
فرجه) (ظاهراً له عُلِمَ أنَّه إنَّما لم يظهر له لأمر يرجع إليه) أي إلى الموالي
(وإنْ لم يعلمه) الموالي (مفصَّلاً)، وذلك (لتقصير من جهته، وإلَّا) لو لم يكن
التقصير من جهة المكلَّف (لم يحسن تكليفه) بهذا اللطف.
وعليه (فإذا عُلِمَ بقاء تكليفه عليه) أي على المكلَّف كما هو معلوم عادةً (و) مع
ذلك (استتار الإمام عنه) أي عن هذا المكلَّف (عُلِمَ أنَّه لأمر يرجع إليه) أي إلى
المكلَّف، وليس إلى الإمام. وهذا الذي نقول (كما تقوله جماعتنا) العدليَّة (فيمن لم
ينظر) ولم يبحث (في طريق) وأدلَّة وجوب الـ(ـمعرفة) والنظر في
إثبات (الله تعالى فلم
يحصل له) المكلَّف (العلم) هنا (وجب أنْ يُقطَع على أنَّه) أي اللطف (إنَّما لم
يحصل لتقصير يرجع إليه) أي إلى المكلَّف، (وإلَّا وجب إسقاط تكليفه) أي المكلَّف
عنه (وإنْ لم يعلم) المكلَّف (ما الذي وقع تقصيره فيه). وعليه فمَنْ لم ينظر في
أدلَّة معرفة الله تعالى ولم يحصل له العلم، فإنَّنا نقطع بأنَّه قد قصَّر في ذلك،
ولو لم يكن مقصِّراً لوجب سقوط التكليف عنه، وهو محال، لأنَّ الله تعالى لا يُكلِّف
العباد إلَّا بما يقدرون عليه.
(فعلى هذا التقرير أقوى ما يُعلَّل به ذلك أنَّ الإمام إذا ظهر) إلى بعض أولياءه
(ولا يَعلَم شخصه وعينه) أي الإمام (عجَّل الله فرجه) (من حيث المشاهدة، فلا بدَّ
من أنْ يُظهِر عليه) ويدلُّ على ظهوره لهذا الشخص بـ(ـعلم معجز يدلُّ على صدقه) أي
صدق كون الظاهر لهذا المولى هو الإمام (عجَّل الله فرجه)، (و) لكنَّ (العلم بكون
الشيء معجزاً يحتاج إلى نظر)، ومع هذه الحاجة الفعليَّة (يجوز أنْ يعترض فيه) في
هذا النظر الذي يكون كاشفاً عن المعجز وصدقه (شبهة، فلا يمتنع أنْ يكون المعلوم من
حال مَنْ لم يظهر له أنَّه متى ظهر وأظهر المعجز لم ينعم النظر فيدخل عليه فيه
شبهة، فيعتقد أنَّه كذَّاب ويشيع خبره فيُؤدِّي إلى ما تقدَّم القول فيه)، فقد يكون
من المعلوم من حال بعض الناس أنَّهم متى رأوا الإمام وأظهر لهم المعجزة، لم
يُحقِّقوا النظر فيها، بل تدخل عليهم الشبهة فيظنُّونه كاذباً، فينشرون خبره على
أنَّه مدَّعٍ للإمامة، فيترتَّب على ذلك مفاسد عظيمة، منها أنْ يُؤدِّي ذلك إلى
كشفه لأعدائه فيتعرَّض للخطر، أو أنْ يقع في قلوب الناس شكٌّ واضطراب بسبب تشويش
هؤلاء الذين لم ينعموا النظر.
(فإنْ قيل: أيُّ تقصير وقع من الوليِّ الذي لم يظهر له الإمام لأجل هذا المعلوم من
حاله؟ وأيُّ قدرة له على النظر فيما يُظهِر له الإمام معه؟ وإلى أيِّ شيء يرجَع في
تلافي ما يوجب غيبته؟). هنا يُطرَح إشكال آخر من قِبَل المخالف: ما
هو نوع التقصير الذي
وقع فيه الوليُّ حتَّى لم يظهر له الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ وكيف يُكلَّف بالنظر
في معجزة لم تُعرَض عليه؟ وما الذي يمكن فعله لتلافي الغيبة حتَّى يُتاح له رؤية
الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
(قلنا: ما أحلنا) وقلنا باستحالة (في سبب الغيبة عن الأولياء إلَّا على معلوم
يُظهِر موضعَ التقصير فيه وإمكان تلافيه، لأنَّه غير ممتنع أنْ يكون من المعلوم من
حاله أنَّه متى ظهر له الإمام قصَّر في النظر في معجزه، فإنَّما أُتي في ذلك
لتقصيره الحاصل في العلم بالفرق بين المعجز والممكن، والدليل من ذلك والشبهة، ولو
كان من ذلك على قاعدة صحيحة لم يجز أنْ يشتبه عليه معجز الإمام عند ظهوره له، فيجب
عليه تلافي هذا التقصير واستدراكه). يُجيب المتكلِّم هنا بأنَّ سبب الغيبة لم
يُعلَّق على أمر مجهول لا يمكن استدراكه، بل هو أمر معلوم يمكن إدراكه وإصلاحه، وهو
تقصير الإنسان في إعداد نفسه للنظر الصحيح في المعجزة والتمييز بين الإعجاز
والتمويه.
فإذا كان الشخص قد وقع في تقصيرٍ سابقٍ في العلم بأدلَّة الإعجاز، كان من المحتمل
جدًّا أنَّه لو ظهر له الإمام وأراه معجزة، لم يُحسِن النظر فيها فاشتبه عليه
الأمر. وعليه، يكون الحلُّ في أنْ يستدرك هذا التقصير من خلال تحصيل المعرفة
الدقيقة بخصائص الإعجاز، حتَّى يكون على قاعدة صحيحة تجعله مؤهَّلاً لمعرفة الإمام
عند ظهوره له.
* * *
نفي إشكال التكليف بما لا يُطاق:
يردُّ المصنِّف (قدّس سرّه) هنا على إشكالٍ قد يطرحه المخالف - تقدَّم تفصيله في
الدرس السابق -، وهو أنَّ المكلَّف يتحمَّل مسؤوليَّة ما لا طاقة له على دفعه،
وأنَّه يؤدِّي إلى تكليف العبد بما لا يُطاق، لأنَّ الوليَّ لا يعرف وجه تقصيره
بعينه، فلا يستطيع استدراكه. وبالتالي، فإنَّ تحميله مسؤوليَّة عدم ظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه) له يُعَدُّ إحالةً على أمرٍ مجهولٍ وغامضٍ.
يُجيب المصنِّف (قدّس سرّه) بأنَّ عدم معرفة المكلَّف لنوع التقصير لا يعني أنَّه
غير متمكِّن من تلافيه، لأنَّ الإنسان قد يواجه أُموراً تلتبس عليه في بعض الأحيان،
ومع ذلك يكون قادراً على التمييز بين الصحيح والخطأ من خلال البحث والتدقيق.
دور المحاسبة الذاتيَّة في كشف
موضع التقصير:
يرى المصنِّف (قدّس سرّه) أنَّ الوليَّ إذا حاسب نفسه ولم يجد سبباً ظاهراً يمنع
ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) له، وكان قد أفسد كلَّ التعليلات الباطلة الأُخرى
لغيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، فحينئذٍ يجب أنْ يُسلِّم بأنَّ هناك سبباً يرجع
إليه شخصيًّا.
والسبب الأقوى - بحسب تحليل الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) - هو عدم بلوغ الوليِّ الدرجة
الكافية من العلم بصفات المعجز وشروطه، ممَّا قد يجعله يقع في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
شبهة عند رؤية المعجزة.
وحينها يكون عليه مراجعة نظره وما تعلَّمه في المعجزة، وتنقيته من الشوائب
والالتباسات، حتَّى يكون مؤهَّلاً لإدراك الفرق بين المعجز الحقيقي والتمويه
المحتمل.
الاجتهاد في البحث سبيلٌ للتمييز
بين الحقِّ والباطل:
يُؤكِّد المصنِّف (قدّس سرّه) هنا أنَّ الإنسان مسؤول عن استكمال نظره وبحثه حتَّى
يصل إلى اليقين، فإذا اجتهد في النظر حقَّ الاجتهاد، ووفَّى شروطه، فلا بدَّ أنْ
يحصل له التمييز بين الحقِّ والباطل. وهذا يعني أنَّ الغيبة ليست حرماناً مطلقاً،
بل هي متعلِّقة بمقدار ما يبلغه الإنسان من استعداد فكري وعلمي.
القياس على المخالفين للإماميَّة
في بحثهم عن الحقِّ:
يُستجلى الكلام بمقارنةٍ دقيقةٍ بين هذا الأمر وبين حال المخالفين للإماميَّة الذين
ينظرون في أدلَّتها، ولكن لا يحصل لهم العلم بصحَّتها. فكما أنَّ هؤلاء المخالفين
لا يُعذَرون بعدم حصولهم على العلم مع أنَّهم مكلَّفون بالبحث والاجتهاد، كذلك
فإنَّ أولياء الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يُعذَرون بعدم ظهوره لهم، لأنَّ عليهم
البحث المستمرُّ والتأهُّب الصحيح لهذا الأمر.
مسؤوليَّة المكلَّف في رفع الغيبة
عنه:
الغيبة ليست حرماناً مطلقاً، ورفعها مرهون بحصول الاستعداد الكافي عند الوليِّ.
إذا لم يظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) لشخصٍ ما، فعليه مراجعة نفسه، لأنَّه قد يكون
مقصِّراً في تحصيل المعرفة الضروريَّة للتمييز بين المعجز والشبهة.
الاجتهاد في تحصيل العلم الصحيح هو الطريق الوحيد الذي يُمكِّن الإنسان من التمييز
بين الإمام الحقِّ والمدَّعين الكاذبين.
هذا البحث والتدقيق
مطلوبٌ من كلِّ مكلَّف، تماماً كما هو مطلوبٌ من المخالفين للإماميَّة أنْ ينظروا
في أدلَّتهم حتَّى يحصل لهم العلم بصحَّتها.
بهذا البيان، يصبح الإشكال مدفوعاً وفق أُسُسٍ عقليَّةٍ متينةٍ، ويُفهَم أنَّ
الغيبة ليست ناتجةً عن عجز الإمام (عجَّل الله فرجه) عن الظهور، بل عن عدم اكتمال
شروط القابليَّة عند بعض أوليائه.
إشكال تعطيل المعجزات وأثره على
النبوَّة:
الإشكال الذي يُطرَح هنا هو: إذا كان الشكُّ في المعجز سبباً في غيبة الإمام (عجَّل
الله فرجه) عن بعض أوليائه، فكيف يُعقَل أنْ يكون هذا الوليُّ مؤمناً
بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهو لا يُميِّز المعجزة؟
أليس ذلك يُؤدِّي إلى تعطيل المعجزات كافَّة، وبالتالي إلى الشكِّ في النبوَّة
نفسها؟
يُجيب المصنِّف (قدّس سرّه) على لسان المتكلِّم الإمامي:
بأنَّ الشبهة قد تدخل على الإنسان في نوعٍ معيَّن من المعجزات دون نوع آخر، فليس من
الضروري أنْ يكون مَنْ لم يستوعب دلالة المعجزة على الإمامة قد فاته فهم المعجزة
الدالَّة على النبوَّة.
فالمعجزات النبويَّة التي ثبتت له صحَّتها قد لا تكون محلَّ إشكال، لكنَّه قد يشكُّ
في معجز الإمام (عجَّل الله فرجه) إذا رآه، إمَّا بسبب قصور في نظره، أو بسبب طبيعة
ذلك المعجز نفسه.
ويُشبِّه المتكلِّم هذا الأمر بمَنْ عرف معجزات موسى (عليه السلام) ولم يتدبَّر
معجزات عيسى (عليه السلام) أو النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، فليس من
الضروري أنْ يكون الشكُّ في الثانية دليلاً على جهله بالأُولى.
هل كلُّ مَنْ لم يظهر له الإمام
مذنبٌ أو مقصِّرٌ إلى درجة الكفر؟
ينتقل الإشكال إلى نقطة أُخرى: إذا كان كلُّ مَنْ لم يظهر له الإمام (عجَّل الله
فرجه) مقصِّراً في شروط المعرفة، فهل هذا التقصير يُعَدُّ من الكبائر التي تُخرِج
من الإيمان وتُلحِقه بالكفر؟
يُجيب الشيخ المصنِّف (قدّس سرّه) بأنَّ التقصير في المعرفة لا يعني بالضرورة الكفر
أو الفسق الشديد، فالتقصير درجات:
أ - هناك تقصير في الاعتقاد بالإمام نفسه، وهذا قد يكون كفراً، مثل حال الأعداء
الذين يُنكِرون إمامته (عجَّل الله فرجه) أو يعادونه.
ب - وهناك تقصير في استكمال شروط اليقين بالمعجزة وتمييزها عن غيرها، وهذا لا
يُعَدُّ كفراً، لكنَّه ذنب ومن الأخطاء، إلَّا أنَّه لا ينافي الإيمان واستحقاق
الثواب.
فالفرق بين العدوِّ والوليِّ واضح:
* العدوُّ: يُنكِر إمامة الإمام (عجَّل الله فرجه) ويراه كاذباً، وهذا كفرٌ صريح.
* الوليُّ: مؤمن بالإمام (عجَّل الله فرجه)، لكنَّه لم يستوفِ شروط اليقين بمعجزته،
فقد يكون في نفسه قابليَّة للشكِّ المستقبلي، ممَّا يجعل ظهوره (عجَّل الله فرجه)
له مؤدّياً إلى فتنة أو اضطراب في معرفته، ومن ثَمَّ يكون الغياب عنه لطفاً به.
هل يُعفى الوليُّ من مسؤوليَّته
في الغيبة؟
لا، بل يجب عليه أنْ يُصلِح تقصيره، وذلك بتعميق معرفته في دلالة المعجزات وتحصين
نفسه من الشُّبُهات، حتَّى يصبح قادراً على التمييز التامِّ بين الإمام الحقِّ
وأيِّ مدَّعٍ آخر.
ليس كلُّ تقصير كفراً، ولكنَّه
مسؤوليَّة تستوجب التدارك:
الشبهة قد تقع في معجزات معيَّنة دون غيرها، ولا يستلزم ذلك إنكار
النبوَّة أو سقوط
الإيمان.
عدم ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) لبعض أوليائه سببه تقصير في المعرفة، لكن ليس
كلُّ تقصير كفراً، بل هو نقص يمكن علاجه بالاجتهاد والعمل.
المسؤوليَّة على الوليِّ أنْ يُصحِّح معرفته، لأنَّ الغيبة من قِبَل إمامه (عجَّل
الله فرجه) عنه ليست حرماناً مطلقاً، بل هي مرتبطة بمدى استعداده العلمي والنفسي
لرؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) والتمييز الصحيح لمعجزته.
وبكلمة: هذا البيان يضع الأساس لعلاقة المكلَّف بالإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)
من منظورٍ كلاميٍّ دقيقٍ، بحيث تبقى الغيبة مشروطة بأسباب علميَّة ومعرفيَّة، لا
بمجرَّد الامتحان أو الحرمان المطلق.
الإشكال حول إمكانيَّة وقوع الكفر
بسبب الشكِّ في المعجزات:
الإشكال الذي يُطرَح هنا هو: إذا كان الشكُّ في المعجزات أو عدم القدرة على تمييز
المعجز كافياً لإضفاء صفة الكفر على الإنسان، فهذا يتناقض مع مذهبكم الذي يقول
بأنَّ مَنْ آمن بالله تعالى وبالنبوَّة والإمامة لا يجوز أنْ يقع منه كفر.
الجواب الذي يُقدِّمه المصنَّف (قدّس سرّه) يعتمد على التفريق بين نوعين من الشكوك:
أ - الشكُّ في المعجزات الخاصَّة
بالأنبياء أو الأئمَّة:
قد يقال: إنَّ الشكَّ في المعجزات التي تظهر على يد الإمام (عجَّل الله فرجه) لا
يُؤدِّي إلى الكفر، بل هو مؤشِّر على عدم التمكُّن من التعرُّف الكامل على شخص
الإمام (عجَّل الله فرجه) في تلك اللحظة مع الإيمان التامِّ بأصل الإمام والإمامة.
ب - الشكُّ في الإمامة بشكلٍ
عامٍّ:
يختلف هذا عن الشكِّ في المعجزة نفسها، فمَنْ يعرف إمامة الإمام بشكلٍ
عامٍّ، ويعلم دلالات
المعجزات على صدقه، لا يكون شكُّه في شخص الإمام نفسه كفراً، بل هو تناقض في
المعرفة الجزئيَّة يحتاج إلى تصحيح.
توضيح الفرق بين الشكِّ في المعجز
والشكِّ في الشخص:
المصنِّف (قدّس سرّه) هنا يُوضِّح أنَّ الشكَّ في المعجز ليس شكًّا في أصل النبوَّة
أو الإمامة، بل في التمييز بين الشخص المعيَّن الذي يظهر المعجز وبين غيره. هذا
الشكُّ يمكن أنْ يكون بسبب قصور معرفي أو اجتهادي، ولكن لا يُعتبَر كفراً.
الشكُّ في المعجز: هو مسألة لا تنقض الإيمان الكلِّي بالنبوَّة والإمامة، بل فقط
تعيق الشخص عن التعرُّف على شخص الإمام بعينه.
الشكُّ في الإمامة على الجملة: لو شكَّ الإنسان في إمامة الإمام بشكلٍ عامٍّ أو في
أصل إمامته، فهذا قد يُعتبَر كفراً، لكن الشكَّ في معجزته أو الشكَّ في شخصه في حال
ظهوره لا يقدح في ذلك.
الشكُّ في المعجزات لا يوجب
الكفر:
إحدى النقاط الأساسيَّة في الجواب هي أنَّ الشكَّ في المعجز الذي يظهر على يد
الإمام ليس بمقدار خطير يُؤدِّي إلى إخراج الإنسان من الإيمان، لأنَّ الشخص الذي
يؤمن بالله تعالى وبالنبيِّ وبالإمامة، ولا يمكن أنْ يكون الشكُّ في معجزات الإمام
دافعاً له للكفر، إنَّما هو شكٌّ في التفاصيل المتعلِّقة بتحديد الشخص الذي أظهر
المعجزة.
التفريق بين الشكِّ في التفصيل
والشكِّ في الأصل:
الشكُّ في التفصيل: الشخص الذي يعرف أصل الإمامة ويُدرِك المعجزات بشكلٍ عامٍّ، قد
يكون مشكِّكاً في إمامة شخص معيَّن بناءً على تفاصيل معيَّنة، وهذا لا يُعَدُّ
كفراً.
الشكُّ في الأصل: إذا
شكَّ الشخص في الإمامة نفسها أو في كون ذلك الشخص هو الإمام المعصوم (عليه السلام)،
فهذا يقدح في أصل إيمانه.
وعليه، الجواب هنا يعتمد على التفريق بين نوعين من الشكوك:
الشكُّ الذي لا يُؤدِّي إلى تكفير الشخص إذا كان يتعلَّق بالمعجزة أو بالشخص نفسه
بشكل جزئي.
الشكُّ الذي يتعلَّق بالإمامة نفسها أو بنبوَّة الشخص ككلٍّ، هذا يمكن أنْ يُؤدِّي
إلى الكفر إذا استمرَّ الشكُّ في هذا المجال.
إشكال المخالف حول غيبة الإمام عن
أوليائه:
المخالف في هذا السياق يطرح تساؤلاً حول سبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) عن
أوليائه، ويتساءل: لماذا لا يظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) للأولياء؟
السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) يُجيب على هذا التساؤل بطريقة مبتكرة:
يقول (قدّس سرّه): اللطف للوليِّ غير مفقود، فإنَّ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)
لا تعني غياب اللطف عن الوليِّ، بل إنَّ اللطف موجود بشكل آخر، فإذا علم الوليُّ
أنَّ له إماماً غائباً، فإنَّ ذلك يخلق في نفسه شعوراً دائماً بأنَّ الإمام (عجَّل
الله فرجه) قد يظهر في أيِّ لحظة. هذا الوعي يجعل الوليَّ يتوقَّع ظهوره، ممَّا
يُعزِّز انضباطه ويمنعه من ارتكاب المعاصي.
الاستتار أبلغ في بعض الحالات: يُضيف السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) أنَّ غيبة الإمام
(عجَّل الله فرجه) قد تكون أبلغ من الظهور، لأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يمكن
أنْ يكون قريباً من الوليِّ في البلدة أو الجوار، ولكن لا يعرفه أحد. هذا يخلق لدى
الوليِّ إحساساً دائماً بالمراقبة، وهو ما يُعزِّز من حذره ويمنعه من المعاصي.
السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) يُؤكِّد أنَّ غيبة الإمام عن أوليائه لا تعني أنَّ
اللطف مفقود. بل على العكس، فإنَّ غيبته تخلق شعوراً دائماً بالرقابة لدى الوليِّ،
ويجعله في حالة استنفار دائم، يُحاسب نفسه على أفعاله ويتجنَّب المعاصي.
ويقول (قدّس سرّه):
إنَّ استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس معناه غياب اللطف، بل هو يضيف بُعداً
إضافيًّا للطف، حيث يتوقَّع الوليُّ ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) في أيِّ وقتٍ،
فيشعر بالرقابة والإحساس بالمحاسبة حتَّى وإنْ كان الإمام (عجَّل الله فرجه) غائباً
عن الأنظار.
الولاية غير مفقودة في الغيبة:
إذ لا يُفترَض أنْ تكون الغيبة حاجزاً بين الإمام (عجَّل الله فرجه) وأوليائه في
تحقيق التوجيه الإلهي. الوليُّ في هذه الحالة يتمتَّع بلطف الإمام بنحوٍ آخر، مثل
تأكيده على الحفاظ على الشريعة وحصوله على العلم الشرعي.
اللطف الحاصل من وجود الإمام في
الغيبة:
السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) يُقدِّم أيضاً جانباً آخر من اللطف، وهو الثقة بوجود
الإمام (عجَّل الله فرجه)، فبمجرَّد أنْ يعلم الوليُّ بوجود الإمام الغائب، فإنَّ
ذلك يُعزِّز لديه اليقين بوصول الشريعة إليه دون انقطاع.
وبما أنَّ الوليَّ يثق بوجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، فإنَّه يطمئنُّ إلى أنَّ
الشرع سيصل إليه ولن ينقطع عنهم بسبب الغيبة، وهو ما يُعتبَر لطفاً إضافيًّا.
وبكلمة: إجابة السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) تُظهِر أنَّ اللطف الإلهي لا يتوقَّف
بسبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، على العكس، فالغيبة قد تُقوِّي هذا اللطف
بطُرُق غير مباشرة، مثل تأكيد الوليِّ على تقواه وحفاظه على الشريعة. وبناءً على
ذلك، فلا يتناقض غياب الإمام (عجَّل الله فرجه) عن أوليائه مع وجود اللطف الإلهي
المستمرِّ.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (وليس لأحدٍ) من المخالفين (أنْ يقول: هذا) الذي تقدَّم من وظيفة
الوليِّ تجاه الإمام (عجَّل الله فرجه) وأنَّ التقصير منه، هو من الـ(ـتكليف لما لا
يُطاق
وحوالة على غيب)، ببيان
(لأنَّ هذا الوليَّ ليس يعرف ما قصَّر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه) أي
الوليُّ عبر الاستمرار في البحث والتحقيق (حتَّى يتمهَّد في نفسه ويتقرَّر، و) عليه
ليس لكم القول بأنَّ تقولوا: (نراكم تُلزمونه) أي المكلَّف (ما لا يلزمه) وبعد
تقرير الإشكال يجيب الشيخ (قدّس سرّه) بقوله: (وذلك أنَّـ)ـه لا يلزم في كلِّ تكليف
أنْ يكون واضحاً تماماً لكلِّ مكلَّف، فـ(ـما يلزم في التكليف قد يتميَّز تارةً
ويشتبه أُخرى بغيره، وإنْ كان التمكُّن من الأمرين ثابتاً حاصلاً) ولكن المهمّ أنَّ
القدرة والتمكُّن من الوصول إلى الحقِّ حاصل.
قاعدة طوسيَّة في أسباب المنع من
اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه):
(فالوليُّ على هذا إذا) تأمَّل في نفسه، و(حاسب نفسه ورأى أنَّ الإمام لا يظهر له،
و) لم يكن المانع من الرؤية هو عدم التصديق بالمعجزة أو غيرها (أفسد)ت، الرؤية
وأوجبت (أنْ يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها) هنا (علم)
الوليُّ (أنَّه لا بدَّ من سبب) آخر (يرجع إليه) أمر عدم الرؤية، وأنَّه لم يستوفِ
شروط الولاية المطلوبة لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) له، (وإذا علم) أي المكلَّف
والوليُّ، وأدرك (أنَّ أقوى العِلَل ما ذكرناه) أي في غيبة الإمام (عجَّل الله
فرجه)، و(علم أنَّ التقصير واقع من جهته) أي من جهة المكلَّف، و(في صفات المعجز
وشروطه، فعليه) أنْ يُعيد النظر في الشروط العلميَّة والموضوعيَّة التي تُوصِله إلى
الإمام (عجَّل الله فرجه)، وعليه (معاودة النظر في ذلك) أي جهات الخلل في نظره (عند
ذلك) أي عند عدم تحصيله لرؤية الإمام (عجَّل الله فرجه)، (و) عليه (تخليصه) أي
تخليص نظره (من الشوائب وما يوجب الالتباس) والشبهة، (فإنَّه) للشأن (مَنِ اجتهد في
ذلك) الطريق وضبط مقدَّماته وأقام (حقَّ الاجتهاد ووفَّى النظر شروطه، فإنَّه لا
بدَّ من وقوع العلم بالفرق بين الحقِّ والباطل، وهذه المواضع
الإنسان فيها على نفسه
بصيرة، وليس يمكن أنْ يُؤمَر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص
والاستسلام للحقِّ)، وهذا يشبه موقفنا (و) ما (قد بيَّنَّا)ه من (أنَّ هذا نظير ما
نقول لمخالفينا إذا نظروا في أدلَّتنا ولم يحصل لهم العلم) فإنَّ عدم إيمانهم لا
يعني بطلان الدليل، بل يعني وجود خلل في تلقِّيهم له. فما نقوله لهم وما نقوله هنا
(سواء).
(فإنْ قيل: لو كان الأمر على ما قلتم) من تقصير الوليِّ (لوجب أنْ لا يعلم)
المكلَّف (شيئاً من المعجزات في الحال) وعند حصول المعجزة، إذ قد يُنكِرها بسبب
تشويش في مقدَّماته، (وهذا يُؤدِّي إلى أنْ لا يعلم النبوَّة وصدق الرسول، وذلك
يُخرِجه عن الإسلام فضلاً عن الإيمان)، وهو ممَّا لا يُلتزَم به.
(قلنا: لا يلزم ذلك) أي لا نلتزم بالملازمة بنحو الموجبة الكلّيَّة، بين التشويش
وعدم ضبط المقدَّمات وبين الإنكار على نحو الدوام، (لأنَّه) للشأن (لا يمتنع أنْ
تدخل الشبهة) وتمنع من التصديق (في نوع من المعجزات دون نوع)، فبعض المعجزات
تُحرِّك فطرة المكلَّف وتمنع من الإنكار وإنْ كان ذهنه في أعلى درجات التشويش
الفكري، وبعضها يحتاج إلى صفاء فكري، (و) عليه (ليس إذا دخلت الشبهة) في المنع عن
الرؤية (في بعضها) أي بعض المعجزات (دخل في سائرها، فلا يمتنع أنْ يكون المعجز
الدالُّ على النبوَّة لم تدخل عليه فيه شبهة) لخصوصيَّة في النبوَّة (فحصل له)
للمكلَّف (العلم بكونه) ما ظهر على يد النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)
(معجزاً وعلم عند ذلك نبوَّة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، و) لكنَّ (المعجز
الذي يظهر على يد الإمام إذا ظهر يكون أمراً آخر) حيث (يجوز أنْ يدخل عليه الشبهة
في كونه معجزاً، فيشكُّ) المكلَّف (حينئذٍ في إمامته وإنْ كان عالماً بالنبوَّة.
وهذا) الذي تقدَّم نقوله (كما نقول: إنَّ من علم نبوَّة موسى (عليه السلام)
بالمعجزات الدالَّة على نبوَّته) أي نبوَّة موسى (عليه السلام)، هذا (إذا لم ينعم)
ويُدقِّق (النظر في المعجزات
الظاهرة على عيسى (عليه
السلام) ونبيِّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله)) هذا (لا يجب أنْ يُقطَع على أنَّه)
أي المطَّلع على معجزات موسى (عليه السلام) والمؤمن بها أنَّه (ما عرف تلك
المعجزات) وبالتالي يُنكِرها، بل يجب عليه النظر فيها وإزالة التشويش، (لأنَّه لا
يمتنع أنْ يكون عارفاً بها) أي بمعجزات موسى (عليه السلام) (وبوجه دلالتها، وإنْ لم
يعلم هذه) المتأخِّرة التي من معجزات عيسى (عليه السلام) ومحمّد (صلَّى الله عليه
وآله) وأنَّها من (المعجزات، و) بالتالي (اشتبه عليه وجه دلالتها) ولكن يحتاج إلى
نظر وإزالة الشوائب التي قد توجب الإنكار.
(فإنْ قيل: فيجب على هذا) الذي تقولون من تقصير الوليِّ (أنْ يكون كلُّ مَنْ لم
يظهر له الإمام يُقطَع على أنَّه على كبيرة يلحق بالكفر)، وذلك (لأنَّه مقصِّر على
ما فرضتموه) وهو أنْ يكون السبب في عدم التشرُّف منه لا من غيره (فيما يوجب غيبة
الإمام عنه) أي عن هذا الوليِّ، (ويقتضي فوت مصلحته) بنفسه لأنَّه لم يجتهد وينظر
بما يُمكِّنه من اللقاء، (فقد لحق الوليُّ على هذا بالعدوِّ) للإمام (عجَّل الله
فرجه).
(قلنا: ليس) في البين ملازمة دائميَّة، بحيث (يجب في التقصير الذي أشرنا إليه) وهو
عدم تحصيل مقدَّمات اللقاء من الاجتهاد في النظر، ليس التقصير هنا بموجب (أنْ يكون
كفراً) بل (ولا ذنباً عظيماً، لأنَّه) أي المكلَّف والوليَّ (في هذه الحال) التي لم
يتشرَّف بالإمام بسبب تقصيره، هو (ما اعتقد في الإمام أنَّه) أي الإمام (ليس بإمام،
ولا أخافه على نفسه) أي ولم يصدر من الوليِّ ما يُخيف الإمام (عجَّل الله فرجه)
(وإنَّما قصَّر في بعض العلوم تقصيراً كان كالسبب في أنْ عُلِمَ من حاله) أي حال
هذا المكلَّف (أنَّ ذلك الشكَّ في الإمامة يقع منه مستقبلاً، والآن فليس بواقع،
فغير لازم أنْ يكون كافراً، غير أنَّه وإنْ لم يلزم أنْ يكون كفراً ولا جارياً مجرى
تكذيب الإمام والشكِّ في صدقه، فهو ذنب وخطأ) ولكن (لا
ينافيان الإيمان
واستحقاق الثواب، ولن يلحق الوليُّ بالعدوِّ على هذا التقدير، لأنَّ العدوَّ في
الحال) أي في قرارة نفسه وفي هذا الآن (معتقد في الإمام ما هو كفر وكبيرة) لأنَّه
لا يؤمن به (والوليُّ بخلاف ذلك).
هنا مقدَّمة مهمَّة في التفريق بين الكفر وسببه: (وإنَّما قلنا: إنَّ ما هو كالسبب
في الكفر) هذا (لا يجب أنْ يكون كفراً في الحال) وفي ذاته، وذلك (أنَّ أحداً لو
اعتقد في القادر منَّا) أي الإنسان، أنَّه قادر (بقدرة) و (أنَّه يصحُّ) أي لهذا
القادر (أنْ يفعل في غيره من الأجسام) الأُخرى (مبتدئاً) وبقدرته ومباشرةً ومن دون
واسطة، فلو اعتقد هذا الاعتقاد (كان ذلك) الاعتقاد (خطأً وجهلاً) ولكنَّه (ليس
بكفر، و) بسبب رسوخ هذا الاعتقاد في ذهنه (لا يمتنع أنْ يكون المعلوم من حال هذا
المعتقِد) الجاهل وصاحب الذهن المشوَّش (أنَّه) للشأن (لو ظهر نبيٌّ يدعو إلى
نبوَّته وجعل) هذا النبيُّ (معجزه) في (أنْ يفعل الله تعالى على يده) أي يدي
النبيِّ (فعلاً [بحيث] لا يصل إليه أسباب البشر) هنا فـ ([أنَّه) هذا المعتقِد صاحب
الذهن المشوَّش (لا يقبله]) أي الإعجاز من النبيِّ، لأنَّ ذهنه قد تشوَّش بأنَّ
كلَّ قادر له أنْ يفعل ذلك، (وهذا) أي صاحب الذهن المشوَّش (لا محالة لو علم أنَّه)
أي ما جاء به النبيُّ (معجز كان يقبله) أي قبل الاعتقاد بالإعجاز (و) لكن (ما سبق
من اعتقاده في مقدور القدر كان كالسبب في هذا) أي في رفضه وعدم تقبُّله، (ولم يلزم
أنْ يجري مجراه) أي هذا الإنكار (في الكفر.
فإنْ قيل: إنَّ هذا الجواب أيضاً لا يستمرُّ على أصلكم) وما تعتقدون به، (لأنَّ
الصحيح من مذهبكم) هو (أنَّ مَنْ عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبوَّة والإمامة
وحصل) في قلبه اليقين، وصار (مؤمناً)، هذا (لا يجوز أنْ يقع منه كفر أصلاً)، وعليه
(فإذا ثبت هذا فكيف يمكنكم أنْ تجعلوا علَّة الاستتار) الإمام (عجَّل الله فرجه)
(عن الوليِّ) هي أنَّهم يشكُّون في معجزاته على ما تقدَّم، و(أنَّ المعلوم
من حاله) أي هذا
الوليِّ (أنَّه إذا ظهر الإمام فظهر على يده علم معجز) ما، وبينها، وكان ذهن
الوليِّ مشوَّشاً، و(شكَّ فيه ولا يعرفه إماماً، وأنَّ الشكَّ في ذلك كفر) كما
قلتم، (وذلك ينقض أصلكم الذي صحَّحتموه) من عدم الكفر بعد الإيمان بالله تعالى
والنبوَّة والإمامة، فكيف هذا؟!
(قيل: هذا الذي ذكرتموه ليس بصحيح)، بل هو على تفصيل، (لأنَّ الشكَّ مع المعجز الذي
يظهر على يد الإمام) هذا (ليس بقادح في معرفته) أي الوليِّ (لغير الإمام على طريق
الجملة)، وإنَّما هو شكٌّ في تطبيق المعرفة النظريَّة على هذا الشخص بعينه، هذا
(وإنَّما يقدح في أنَّ ما علم على طريق الجملة وصحَّت معرفته هل هو هذا الشخص أم
لا؟ والشكُّ في هذا ليس بكفر)، بل هو تردُّدٌ في تطبيق المعرفة الإجماليَّة على
فردٍ معيَّنٍ، و(لأنَّه لو كان كفراً لوجب أنْ يكون كفراً) حتَّى (وإنْ لم يُظهِر
المعجز، فإنَّه) أي المكلَّف (لا محالة قبل ظهور هذا المعجز في يده شاكٌّ فيه) أي
في الإمام (عجَّل الله فرجه) (ويُجوِّز كونه إماماً وكون غيره كذلك، وإنَّما يقدح
في العلم الحاصل له على طريق الجملة أنْ لو شكَّ في المستقبل في إمامته على طريق
الجملة، وذلك ممَّا يمنع من وقوعه منه مستقبلاً)، إذ إنَّ المطلوب هو الإيمان بوجود
الإمام لا تحديد هويَّته التفصيليَّة قبل الظهور. (وكان المرتضى (رضي الله عنه)
يقول: سؤال المخالف لنا - لِمَ لا يظهر الإمام للأولياء؟ - غير لازم) أي لا يترتَّب
عليه أثر حقيقي، (لأنَّه إنْ كان غرضه) أي السائل (أنَّ لطف الوليِّ غير حاصل) وإذا
كان غير حاصل (فلا يحصل تكليفه) أي تكليف الوليِّ، (فإنَّه) هذا السؤال (لا
يتوجَّه) ولا يصحُّ، ووجه عدم الصحَّة (فإنَّ لطف الوليِّ حاصل، لأنَّه إذا علم
الوليُّ أنَّ له إماماً غائباً يتوقَّع ظهوره (عليه السلام) ساعة ساعة ويجوز انبساط
يده في كلِّ حالٍ، فإنَّ خوفه) أي هذا الوليِّ (من تأديبه) أي تأديب الإمام (عجَّل
الله فرجه) (حاصل، وينزجر لمكانه عن المقبَّحات، ويفعل كثيراً من الواجبات،
فيكون حال غيبته كحال
كونه في بلد آخر، بل ربَّما كان في حال الاستتار أبلغ، لأنَّه) أي الإمام (عجَّل
الله فرجه) (مع غيبته يجوز أنْ يكون معه) أي مع الوليِّ (في بلده وفي جواره،
ويشاهده من حيث لا يعرفه) أي من حيث إنَّ الوليَّ لا يعرف مراقبة الإمام (عجَّل
الله فرجه) له (ولا يقف على أخباره، وإذا كان في بلد آخر ربَّما خفي عليه خبره،
فصار - حال الغيبة - والانزجار حاصلاً عن القبيح على ما قلناه)، وعليه فقد يكون
تأثير الغيبة أشدّ، لأنَّ الوليَّ لا يعلم جوار الإمام (عجَّل الله فرجه) له فينزجر
ويحذر لعدم توقُّف الرقابة على وجوده الحسِّي.
(و) عليه (إذا لم يكن قد فاتهم) أي الموالين (اللطف جاز استتاره) أي الإمام (عجَّل
الله فرجه) (عنهم وإنْ سُلِّم أنَّه يحصل ما هو لطف لهم، ومع ذلك يقال: لِمَ لا
يظهر لهم؟ قلنا: ذلك غير واجب على كلِّ حالٍ، فسقط السؤال من أصله. على أنَّ لطفهم
بمكانه) أي بوجوده مع غيبته (حاصل من وجه آخر، وهو أنَّ لمكانه) ووجوده حتَّى مع
غيبته (يثقون بوصول جميع الشرع إليهم، ولولاه) أي لولا وجوده مع غيبته (لما وثقوا
بذلك وجوَّزوا أنْ يخفى عليهم كثير من الشرع وينقطع دونهم، وإذا علموا وجوده في
الجملة) وإنْ لم يعلموا بمكانه بالتفصيل (أمنوا جميع ذلك، فكان اللطف بمكانه حاصلاً
من هذا الوجه أيضاً).
* * *
تحقيق قضيَّة ستر ولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) بين القرآن والسيرة والتأريخ:
لقد كان ستر ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) أمراً اقتضته الظروف المختلفة، وليس
ظاهرةً خارقة للعادة أو ممتنعة عقليًّا، بل لها نظائر تاريخيَّة عديدة، ممَّا
يُثبِت إمكانها ووقوعها. وقد وردت الشواهد على ذلك في كُتُب التاريخ والحديث، وأشار
إليها القرآن الكريم في مواضع متعدِّدة، ممَّا يُسقِط أيَّ اعتراضٍ يرى أنَّ ستر
الولادة أمراً غير ممكن.
أوَّلاً: الشواهد التاريخيَّة على
إمكانيَّة ستر الولادة:
من أقدم الشواهد التاريخيَّة التي تُثبِت وقوع إخفاء الولادة ما جرى في قصَّة
كيخسرو، وهو أحد ملوك الفرس القدماء، حيث كانت أُمُّه بنت ولد أفراسياب مَلِك
الترك، وقد سُتِرَ حملها وأُخفيت ولادتها خوفاً عليه، لأنَّ جدَّه كيقاوس كان يريد
قتل أبيه، فاضطرَّت أُمُّه إلى إخفائه حتَّى اشتدَّ عوده، ثمّ ظهر للناس وأصبح
مَلِكاً، وهو أمر ذكره غير واحد(٤٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) شهر رمضان المبارك
(١٤٤٦هـ).
(٤٧) في المسائل العشر في الغيبة (ص ٥٥): (وما كان من ستر أُمِّه حملها وإخفاء
ولادتها لكيخسرو، وأُمُّه هذه المسمَّاة بوسفا فريد بنت فراسياب مَلِك الترك، فخفي
أمره مع الجدِّ، كان من كيقاوس - جدُّه المَلِك الأعظم - في البحث عن أمره والطلب
له، فلم يظفر بذلك حيناً طويلاً. والخبر بأمره مشهور، وسبب ستره وإخفاء شخصه معروف،
قد ذكره علماء الفرس، وأثبته محمّد بن جرير الطبري في كتابه التاريخ [ج ١/ ص ٣٦١
فصاعداً]).
وهذه الواقعة تُثبِت
أنَّ ستر الحمل والولادة ليس أمراً مستحدَثاً أو ممتنعاً، بل كان يحدث في البيئات
الملكيَّة التي يتهدَّد فيها الأبناء بالخطر.
ومثل هذا ما وقع لبعض ملوك الروم والفرس حيث كان الأبناء يُخفَون خوفاً من الفتك
بهم، حيث وقع لعددٍ من الملوك كانوا يُولَدون سرًّا ولا يُكشَف عن أمرهم إلَّا في
الوقت المناسب سياسيًّا.
ثانياً: الشواهد القرآنيَّة على
إخفاء الولادة:
لم يقتصر وقوع هذه الظاهرة على التاريخ الإنساني، بل نطق بها القرآن الكريم في
عدَّة مواضع، مؤكِّداً أنَّ ستر الولادة كان إجراءً متَّبعاً في ظلِّ التهديد
والطغيان، ومن ذلك:
أ - قصَّة النبيِّ إبراهيم (عليه
السلام):
أوردت كُتُب التفسير أنَّ النمرود كان قد أصدر أمراً بقتل جميع المواليد الذكور،
خوفاً من نبوءةٍ تحدَّثت عن ظهور نبيٍّ يزلزل مُلكه، فأخفت أُمُّ إبراهيم (عليه
السلام) حملها، ثمّ ولدت سرًّا وأخفته في مغارة حتَّى كبر، ثمّ ظهر للناس وأقام
الحجَّة عليهم، والقصَّة مذكورة في العديد من كُتُب التفسير كـ (مجمع البيان) للشيخ
الطبرسي (رحمه الله)(٤٨).
ب - قصَّة النبيِّ موسى (عليه
السلام):
وهي من أوضح الشواهد، حيث نطق بها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا
إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي
الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القَصَص: ٧).
فقد خافت أُمُّ موسى من بطش فرعون الذي كان يقتل الأبناء الذكور، فأخفته، ثمّ
اتَّخذت تدبيراً خاصًّا بإلقائه في اليمِّ حفاظاً على حياته. وهذا نموذج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) تفسير مجمع البيان (ج ٤/ ص ٩٦).
قرآني واضح يدلُّ على
إمكان وقوع الإخفاء لأسباب مختلفة أوضحها الخوف من الظلمة.
ثالثاً: الشواهد الاجتماعيَّة على
ستر الولادة:
حتَّى في المجتمعات الإنسانيَّة العاديَّة، نجد أنَّ ستر الولادة كان ولا يزال
أمراً ممكناً بل واقعاً، ويحدث في حالات متعدِّدة، منها:
- أنْ يكون للرجل جارية يختصُّ بها، فيستتر بها عن أهله، ولا يُعلِن عن ولده منها
إلَّا بعد مدَّة، بل ربَّما لا يُقِرُّ به إلَّا عند احتضاره.
- أنْ يُخفي بعض الناس أبناءهم خوفاً من أنْ يُقتَلوا طمعاً في الميراث، وقد وقعت
مثل هذه الحوادث في الأُسَر الحاكمة والثريَّة على مرِّ التاريخ، وذكرها غير واحد
من المؤرِّخين، وتقدَّم من شيخ الطائفة (قدّس سرّه) ذكر هذا الأمر، وذكرناه في شرح
الدرس (٤٩) فراجع(٤٩).
رابعاً: الشواهد الروائيَّة على
إخفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه):
أمَّا في الروايات، وهي كثيرة وستأتي مفصَّلاً.
فمن مجموع ما سبق، يتَّضح أنَّ ستر ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس أمراً
خارقاً للعادة أو ممتنعاً عقليًّا، بل هو أمر له شواهد تاريخيَّة مثبتة، ودلائل
قرآنيَّة قاطعة، وشواهد اجتماعيَّة واقعيَّة، ونصوص روائيَّة متواترة. وعليه، فإنَّ
الادِّعاء بأنَّ ولادته المستورة أمر غير ممكن يتهاوى أمام هذه الأدلَّة المتظافرة،
ممَّا يجعل الاعتقاد بها مبنيًّا على أُصول عقليَّة ونقليَّة راسخة وفق منهج أتباع
أهل البيت (عليهم السلام) وهم أهل العلم والتحقيق.
تحليل قضيَّة ستر ولادة الإمام
(عجَّل الله فرجه) وردُّ الشُّبُهات المطروحة حولها:
بعد أنْ أثبتنا في القسم السابق أنَّ ستر الولادة أمر له شواهد قرآنيَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٣٥٤).
وروائيَّة واجتماعيَّة
وتاريخيَّة، فإنَّنا الآن نتناول قضيَّة إثبات ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)
والردَّ على أبرز الشُّبُهات التي أُثيرت حولها، خصوصاً ما يتعلَّق بإنكار جعفر
لهذا الأمر، ومسألة وصيَّة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
أوَّلاً: إثبات الأنساب في الشرع
وإمكان خفاء النَّسَب لفترة طويلة:
من الأُمور الثابتة شرعاً وعُرفاً أنَّ النَّسَب يَثبت بشهادة رجلين عدلين، وقد جرت
العادة أنْ يظهر أشخاص بعد وفاة آبائهم بسنين طويلة دون أنْ يكون أحدٌ قد عرفهم من
قبل، ولكن متى ما شهد شاهدان عدلان بنَسَبهم، وأثبتوا أنَّ الأب قد أشهدهما سرًّا
على ذلك لسببٍ ما - كستر الأمر عن زوجته وأهله - صار ذلك موجباً للحكم بثبوت
النَّسَب شرعاً.
وقد ذكر الفقهاء في باب النَّسَب أنَّ الرجل إذا تزوَّج امرأةً زواجاً صحيحاً، ثمّ
جاءت بولد يمكن أنْ يكون منه، فإنَّه يُلحَق به شرعاً. وهذا يُؤكِّد أنَّ ثبوت
النَّسَب ليس مشروطاً بأنْ يكون الولد ظاهراً ومعروفاً عند الجميع، بل يكفي أنْ
تُثبِته شهادة معتبرة. وإذا كان هذا هو حكم الشرع في إثبات الأنساب، فكيف يمكن
إنكار ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) مع أنَّ الروايات أثبتت وقوعها من طُرُق
متعدِّدة تفوق في عددها الحدَّ الذي تَثبت به الأنساب عادةً؟!
ثانياً: إنكار جعفر لولادة الإمام
(عجَّل الله فرجه) والردُّ عليه:
لقد أنكر جعفر - وهو عمُّ الإمام (عجَّل الله فرجه) - وجود ولدٍ لأخيه الحسن
العسكري (عليه السلام) بعد وفاته، وسعى في الاستيلاء على تركته، بل دفع بإنكاره هذا
إلى سلطان الوقت ليُؤكِّد ادِّعاءه، ممَّا أدَّى إلى قيام السلطة العبَّاسيَّة بحبس
جواري الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) واستبرائهنَّ للتأكُّد من خلوِّهنَّ من
الحمل، كلُّ ذلك بهدف إثبات عدم وجود خلف له. كما أباح دماء شيعة الإمام (عجَّل
الله فرجه) لأنَّهم ادَّعوا وجوده وكونه أحقّ بالإمامة.
لكن هذا الإنكار لا
يُعوَّل عليه، وذلك:
١ - عدم عصمة جعفر:
فهو لم يكن معصوماً، وخطؤه ممكنٌ في دعوى الباطل، كما أنَّ طمعه في الميراث والدنيا
قد يكون داعياً لإنكاره. وقد نطق القرآن الكريم بحوادث تاريخيَّة مشابهة، كما في
قصَّة أبناء يعقوب (عليه السلام) الذين طرحوا أخاهم يوسف (عليه السلام) في الجُبِّ
وباعوه بثمنٍ بخسٍ حسداً وطمعاً في القرب من والدهم يعقوب (عليه السلام)، وإذا كان
أبناء يعقوب - وهم أولاد نبيٍّ - قد وقع منهم هذا الخطأ العظيم، فلماذا لا يجوز
مثله من جعفر في حقِّ ابن أخيه، طمعاً في نيل الدنيا والاستيلاء على الميراث؟
٢ - عدم كفاية الإنكار في النقض:
إنكار فرد واحد لا يمكن أنْ يعارض الروايات المتضافرة التي تُثبِت ولادة الإمام
(عجَّل الله فرجه)، والتي جاءت عن طُرُق متعدِّدة، وتناقلها الثقات، ومنهم كبار
أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مثل: أحمد بن إسحاق القمِّي، وسعد بن عبد
الله الأشعري، وعبد الله بن جعفر الحميري، والحسن بن متِّيل الدقَّاق، وأبي هاشم
الجعفري، وغيرهم ممَّن يأتي ذكره مفصَّلاً فانتظر.
ثالثاً: وصيَّة الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) وحكمة عدم ذكر ولده فيها:
ومن الشُّبُهات التي أُثيرت أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في مرض وفاته
أوصى بأوقافه وصدقاته إلى أُمِّه حديث (أُمِّ الحسن (عليه السلام))، فلو كان له
ولدٌ ظاهر لأسند وصيَّته إليه، وعدم ذكره في الوصيَّة يدلُّ - بحسب المعترضين - على
عدم وجود ولد له.
ولكنَّه ضعيف لعدَّة أسباب:
١ - أنَّ الغرض من ستر الولادة
كان لا يزال قائماً:
لو كان الإمام العسكري (عليه السلام) قد أوصى إلى ولده (عجَّل الله فرجه) علناً
لكان ذلك
ناقضاً تماماً لجهود
إخفائه عن السلطة، وعرَّض حياته للخطر، خاصَّةً وأنَّ السلطة العبَّاسيَّة كانت
تترصَّد ولادته لتقتله. ولذلك، كان من الحكمة أنْ يُسنِد الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) وصيَّته إلى والدته، لأنَّها امرأة ولا يُظَنُّ أنَّها ستكون إماماً،
ممَّا يُسهِّل تمرير الأمر من دون إثارة شكوك السلطة.
٢ - وقوع نظير ذلك من الإمام
الصادق (عليه السلام) في وصيَّته إلى المنصور العبَّاسي:
لقد اتَّبع الإمام العسكري (عليه السلام) أُسلوب جدِّه الإمام الصادق (عليه السلام)
لحماية الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، حيث أسند وصيَّته إلى خمسة أشخاص كان
أوَّلهم المنصور العبَّاسي نفسه، ليُبعِد الشبهة عن ولده الحقيقي، كما أشهد على
الوصيَّة معه الربيع الحاجب، وقاضي الوقت، وجاريته أُمَّ حميدة البربريَّة، وأخيراً
ابنه موسى بن جعفر (عليه السلام).
وهذا يدلُّ على أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يعتمدون هذه الطريقة لحماية
الأوصياء الحقيقيِّين من بطش السلطة.
٣ - أنَّ إسناد الوصيَّة إلى
الأُمِّ لا ينفي وجود الولد:
في التاريخ لم يكن من غير المعتاد أنْ تُسنَد الوصايا إلى النساء في ظروفٍ
استثنائيَّةٍ، ولم يكن ذلك دليلاً على عدم وجود وريث شرعي، بل كان أحياناً إجراءً
احترازيًّا لحفظ الحقوق وتجنُّب المخاطر.
من خلال هذه الأدلَّة، يتَّضح أنَّ ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ثابتة بما
يتجاوز الحدَّ الذي تثبت به الأنساب شرعاً.
وبذلك يتأكَّد أنَّ الشُّبُهات المطروحة حول ولادته (عجَّل الله فرجه) لا تستند إلى
أساس متين، بل هي شُبُهات ظاهريَّة يسهل ردُّها عند التحقيق والتدقيق في الروايات
والتاريخ وفق منهج المتكلِّمين الإماميَّة.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ ستر ولادة صاحب الزمان (عليه السلام)
ليس بخارق للعادات، إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدَّم من أخبار الملوك، وقد ذكره
العلماء من الفرس ومَنْ روى أخبار الدولتين.
من ذلك ما هو مشهور كقصَّة كيخسرو وما كان من ستر أُمِّه حملها وإخفاء ولادتها،
وأُمُّه بنت ولد أفراسياب مَلِك الترك، وكان جدُّه كيقاوس أراد قتل ولده فسترته
أُمُّه إلى أنْ ولدته، وكان من قصَّته ما هو مشهور في كُتُب التواريخ، ذكره
الطبري(٥٠).
وقد نطق القرآن بقصَّة إبراهيم (عليه السلام)، وأنَّ أُمَّه ولدته خفيًّا وغيَّبته
في المغارة حتَّى بلغ، وكان من أمره ما كان(٥١).
وما كان من قصَّة موسى (عليه السلام)، فإنَّ أُمَّه ألقته في البحر خوفاً عليه
وإشفاقاً من فرعون عليه، وذلك مشهور نطق به القرآن(٥٢).
ومثل ذلك قصَّة صاحب الزمان (عليه السلام) سواء، فكيف يقال: إنَّ هذا خارج عن
العادات؟!
ومن الناس مَنْ يكون له ولد من جارية يستتر بها [يتسرى] من زوجته برهة من الزمان
حتَّى إذا حضرته الوفاة أقرَّ به.
وفي الناس مَنْ يستر أمر ولده خوفاً من أهله أنْ يقتلوه طمعاً في ميراثه، قد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠) تاريخ الطبري (ج
١/ ص ٣٦١ - ٣٦٧).
(٥١) لعلَّه (قدّس سرّه) يشير إلى تفسير ما ورد في القرآن الكريم روائيًّا، وإلَّا
فلا يوجد في صريح القرآن ذلك، والأمر سهل. راجع: تاريخ الطبري (ج ١/ ص ١٦٤).
(٥٢) في سورة القَصَص الآيات (٧ - ١٣)، وقد ذكر قصَّته مفصَّلاً الفخر الرازي في
تفسيره (ج ٢٤/ ص ٢٢٧ فصاعداً)، والطبري في تفسيره (ج ٢٠/ ص ٣٧ فصاعداً)، وفي تاريخه
(ج ١/ ص ٢٧٣ فصاعداً).
جرت العادات بذلك، فلا
ينبغي أنْ يُتعجَّب من مثله في صاحب الزمان (عليه السلام)، وقد شاهدنا من هذا الجنس
كثيراً وسمعنا منه غير قليل، فلا نُطوِّل بذكره، لأنَّه معلوم بالعادات.
وكم وجدنا مَنْ ثبت نَسَبه بعد موت أبيه بدهر طويل، ولم يكن أحد يعرفه إذا شهد
بنَسَبه رجلان مسلمان، ويكون الأب أشهدهما على نفسه ستراً عن أهله وخوفاً من زوجته
وأهله، فوصَّى به فشهدا بعد موته، أو شهدا بعقده على امرأة عقداً صحيحاً فجاءت بولد
يمكن أنْ يكون منه، فوجب بحكم الشرع إلحاقه به.
والخبر بولادة ابن الحسن (عليه السلام) وارد من جهات أكثر ممَّا يثبت به الأنساب في
الشرع، ونحن نذكر طرفاً من ذلك فيما بعد إنْ شاء الله تعالى(٥٣).
وأمَّا إنكار جعفر بن عليٍّ(٥٤) - عمِّ صاحب الزمان (عليه السلام) - شهادة
الإماميَّة بولد لأخيه الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) وُلِدَ في حياته، ودفعه بذلك
وجوده بعده، وأخذه تركته وحوزه ميراثه، وما كان من جعفر في حمل سلطان الوقت على حبس
جواري الحسن (عليه السلام) واستبدالهنَّ(٥٥) بالاستبراء لهنَّ من الحمل ليتأكَّد
نفيه لولد أخيه (عليه السلام) وإباحته دماء شيعتهم بدعواهم خلفاً له بعده كان أحقّ
بمقامه، فليس بشبهة يَعتمِد على مثلها أحد من المحصِّلين، لاتِّفاق الكلِّ على أنَّ
جعفراً لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حقٍّ ودعوى باطل، بل
الخطأ جائز عليه، والغلط غير ممتنع منه.
وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب (عليه السلام) مع أخيهم يوسف (عليه السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) في الفصل الثاني.
(٥٤) تقدَّم في (ص ٨٤).
(٥٥) لم يظهر وجه لمعنى الكلمة، ويبدو أنَّ المقصود منها استبيانهنَّ وليس
استبدالهنَّ.
وطرحهم إيَّاه في
الجُبِّ، وبيعهم إيَّاه بالثمن البخس، وهم أولاد الأنبياء، وفي الناس من يقول:
كانوا أنبياء(٥٦).
فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطأ فيه، فلِمَ لا يجوز مثله من جعفر ابن عليٍّ مع
ابن أخيه، وأنْ يفعل معه من الجحد طمعاً في الدنيا ونيلها؟ وهل يمنع من ذلك أحد
إلَّا مكابر معاند؟
فإنْ قيل: كيف يجوز أنْ يكون للحسن بن عليٍّ (عليه السلام) ولد مع إسناده وصيَّته
في مرضه الذي تُوفِّي فيه إلى والدته المسمَّاة بحديث، المكنَّاة بأُمِّ الحسن
بوقوفه وصدقاته(٥٧)، وأسند النظر إليها في ذلك، ولو كان له ولد لذكره في الوصيَّة.
قيل: إنَّما فعل ذلك قصداً إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته، وستر حاله عن
سلطان الوقت، ولو ذكر ولده أنْ أسند وصيَّته إليه لناقض غرضه خاصَّةً وهو احتاج إلى
الإشهاد عليها وجوه الدولة، وأسباب السلطان، وشهود القضاة ليتحرَّس بذلك وقوفه،
ويتحفَّظ صدقاته، ويتمُّ به الستر على ولده بإهمال ذكره وحراسة مهجته بترك التنبيه
على وجوده، ومَنْ ظنَّ أنَّ ذلك دليل على بطلان دعوى الإماميَّة في وجود ولد للحسن
(عليه السلام)، كان بعيداً من معرفة العادات.
وقد فعل نظير ذلك الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام)(٥٨) حين أسند وصيَّته إلى
خمسة نفر أوَّلهم المنصور إذ كان سلطان الوقت، ولم يُفرِد ابنه موسى (عليه السلام)
بها إبقاءً عليه، وأشهد معه الربيع وقاضي الوقت وجاريته أُمَّ ولده حميدة
البربريَّة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦) راجع: تاريخ
الطبري (ج ١/ ص ٢٣١ وما بعدها)؛ وهذا ممَّا لا نقول به لشرطيَّة العصمة في النبيِّ،
وما فعلوه مع يوسف (عليه السلام) يكشف عن عدم عصمتهم.
(٥٧) يأتي في (ح ١٩٦).
(٥٨) يأتي في (ح ١٦٢).
وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر (عليهما السلام) لستر أمره وحراسة نفسه، ولم يذكر مع ولده موسى أحداً من أولاده الباقين لعلمه كان فيهم مَنْ يدَّعي مقامه من بعده، ويتعلَّق بإدخاله في وصيَّته، ولو لم يكن موسى (عليه السلام) ظاهراً مشهوراً في أولاده معروف المكان منه، وصحَّة نَسَبه واشتهار فضله وعلمه، وكان مستوراً لما ذكره في وصيَّته ولاقتصر على ذكر غيره، كما فعل الحسن بن عليٍّ والد صاحب الزمان (عليه السلام)).
* * *
شبهة استحالة غيبة الإمام طوال
هذه المدَّة:
من الشُّبُهات التي يثيرها منكرو غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) القول بأنَّ
استتار شخصٍ منذ ولادته إلى يومنا هذا، بحيث لا يُعرَف مكانه ولا مستقرُّه، ولا
يأتي أحدٌ من أهل الثقة بخبرٍ عنه، أمرٌ خارج عن العادة، لأنَّ أيَّ شخصٍ يستتر
خوفاً من الظالمين أو لأغراضٍ أُخرى لا تستمرُّ مدَّة استتاره لأكثر من عشرين
عاماً، ولا بدَّ أنْ يكون له أولياء أو أقارب يعلمون بمكانه أو يُرونه للناس، وعليه
فإنَّ القول بغيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) مع عدم علم أحدٍ بمكانه ينافي العادة.
الجواب عن هذه الشبهة في نقاط:
رؤية أصحاب الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) للإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه):
القول بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لم يرَه أحدٌ ولم يُخبِر عنه أهل الثقة باطلٌ
من أساسه، لأنَّ عدداً من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد شاهدوا
الحجَّة (عجَّل الله فرجه) في حياته، وكانوا يعرفونه معرفةً واضحةً وقطعيَّةً،
وكانوا على اتِّصالٍ به حتَّى بعد وفاة أبيه. وهؤلاء لم يكونوا أفراداً مغمورين، بل
كانوا أهل ثقةٍ ودرايةٍ وعقلٍ ونباهةٍ، وقد مدح بعضهم الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) بنفسه، وخصَّهم بثقته، وأوكل إليهم إدارة شؤونه، والنظر في أملاكه، والقيام
بأُموره.
ومن هؤلاء الثقات المعروفين: أبو عمرو عثمان بن سعيد العَمري السَّمَّان، وابنه أبو
جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد، وغيرهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
الدور الاجتماعي والسياسي للسفراء
في تثبيت الغيبة:
كان السفراء رجالاً ذوي مكانةٍ وجلالةٍ وهيبةٍ، بحيث كانوا معظَّمين حتَّى عند
الحُكَّام العبَّاسيِّين أنفسهم، بسبب أمانتهم وورعهم الظاهر. ولهذا، لم يكن بإمكان
خصومهم أنْ يُثيروا ضدَّهم شُبُهات مؤثِّرة، لأنَّ عدالتهم كانت معلومة للجميع،
حتَّى عند أعدائهم.
استمرار الاتِّصال بالإمام (عجَّل
الله فرجه) عبر السفراء بعد وفاة أبيه (عليه السلام):
لم يكن الاتِّصال بالإمام (عجَّل الله فرجه) مقطوعاً بعد وفاة الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام)، بل ظلَّ مستمرًّا طوال فترة الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩هـ)،
حيث كان السفراء الأربعة يقومون بدور الوسيط بينه وبين الشيعة، وكان الشيعة يَرجعون
إليهم في أُمور دينهم ودنياهم.
نقض شبهة استحالة الغيبة بهذه
المدَّة الطويلة:
أمَّا القول بأنَّ الغيبة الطويلة تخالف العادة، فهو غير دقيق وليس الأمر كما
قالوا، ولو سلَّمنا أنَّه خروج عن العادة فإنَّه يُنقض بالعديد من الشواهد حيث إنَّ
التاريخ مليء بحالات أشخاصٍ استتروا عقوداً طويلةً دون أنْ يُعرَف عنهم شيء:
أ - في التاريخ الشيعي، نجد أنَّ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) كان محبوساً
سنين طويلة ولم يكن أحد يعلم بأحواله إلَّا بعض خواصِّه، وتقدَّم خبره (عليه
السلام) مفصَّلاً(٦٠).
ب - في القرآن الكريم والروايات الشريفة ثبت حصول مثل هذه الحالات، ومنها:
١ - غيبة النبيِّ موسى (عليه السلام)، في عدَّة آيات قرآنيَّة أنَّ النبيَّ موسى
(عليه السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٠) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ١٥٦).
غاب عن قومه هارباً من
بطش فرعون، فلم يكن أحدٌ يعلم مكانه، ولا استطاع جنود فرعون العثور عليه رغم البحث
الدقيق، وقد استمرَّ هذا الاستتار لسنوات، حتَّى أظهره الله تعالى نبيًّا. فهل يمكن
لمن يُنكِر غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) أنْ يُنكِر غيبة موسى (عليه السلام) التي
نصَّ عليها القرآن؟
٢ - غيبة النبيِّ يوسف (عليه السلام) واستتار خبره عن أبيه وإخوته، وقد نصَّ عليه
القرآن صريحاً، ولم يعرفه أحد، ثمّ كشف الله تعالى أمره بعد سنين وأظهره إلى الناس،
ولم يكن ذلك من عادتنا اليوم، فإذا كانت غيبة يوسف (عليه السلام) واقعةً بالفعل
بشهادة القرآن، فلماذا يُستبعَد وقوع غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
٣ - غيبة النبيِّ يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، عندما غضب من قومه بسبب إعراضهم
عنه، وابتعد عنهم، أراد الله تعالى أنْ يستره عن الخلق بالكامل، فأمر الحوت
بابتلاعه واستتر في جوفه. لم يكن أحد يعلم أين هو، بل كان قومه يظنُّون أنَّه قد
مات أو فُقِدَ تماماً، ومع ذلك حفظه الله تعالى وأعاده إلى قومه بعد مضيِّ المدَّة
المقدَّرة لحكمته.
هذه الحوادث التي مرَّت عليك خارجة عن الحالة المألوفة، ولكنَّ القرآن الكريم نصَّ
عليها، وأجمع عليها أهل الإسلام.
٤ - يُجمِع أكثر الأُمَّة الإسلاميَّة على أنَّ الخضر (عليه السلام) لا يزال حيًّا
منذ زمن النبيِّ موسى (عليه السلام)، ولم يُعرَف مستقرُّه ولا مكانه، ولم يكن له
أصحابٌ ظاهرون معروفون. ورغم ذلك، لم يُنكِر المسلمون حياته أو استمراره، بل قبلوا
بذلك لوروده في النصوص. بل إنَّ بعض الروايات تذكر أنَّه يظهر أحياناً ولا يُعرَف،
ويظنُّه الناس رجلاً زاهداً ثمّ يختفي.
فإذا كان الناس يقبلون غيبة الخضر (عليه السلام) لمئات السنين، فلماذا يستنكرون
غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) وهي نفس الفكرة من حيث خفاء الشخص وبقائه إلى وقتٍ
معلوم؟
٥ - غيبة أصحاب الكهف
لثلاثمائة سنة وزيادة: يذكر القرآن الكريم أنَّ أصحاب الكهف كانوا فتيةً مؤمنين،
خافوا على دينهم، ففرُّوا إلى الكهف واستتروا فيه. فأنامهم الله تعالى ثلاثمائة
سنة، ثمّ أعادهم إلى الحياة بعد أنْ استيقظوا وظنُّوا أنَّهم لم يمكثوا إلَّا يوماً
أو بعض يوم. هذه الحادثة أثبتها القرآن ولم يُنكِرها أحدٌ من المسلمين، مع أنَّها
خلاف العادة - حسب نظركم - من حيث طول فترة الغيبة والاستتار. فإذا كان الله قد
أخفى هؤلاء الفتية كلَّ هذه المدَّة الطويلة، فما الذي يمنع أنْ يستر وليَّه الإمام
(عجَّل الله فرجه) لحكمته؟
٦ - غيبة مَنْ أماته الله تعالى مائة عام ثمّ بعثه، حيث يذكر القرآن الكريم في قوله
تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا
فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (البقرة: ٢٥٩).
يُخبرنا القرآن الكريم عن رجلٍ مرَّ على قريةٍ خربة فتساءل عن كيفيَّة إحيائها،
فأماته الله تعالى مائة عام ثمّ بعثه حيًّا كما كان. ظلَّ ميِّتاً طوال هذه
المدَّة، ولم يتغيَّر طعامه وشرابه، ثمّ عاد إلى الحياة كما كان. أهل الكتاب يزعمون
أنَّه كان نبيًّا، ومع ذلك لم يستنكر أحدٌ من المسلمين هذه الواقعة، رغم أنَّها
خلاف العادة البشريَّة. فإذا كان الله تعالى قادراً على إحياء إنسان بعد مائة عام،
فكيف يُستبعَد أنْ يحفظ وليَّه الإمام (عجَّل الله فرجه) في الغيبة؟
فهذه كلُّها حوادث غير مألوفة، لكنَّها وقعت بإرادة الله وحكمته، وثبتت في القرآن،
وقبلها جميع المسلمين، فكيف يمكن بعد ذلك إنكار غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
هذا إذا كان المخالف مسلماً، ويقبل بهذه الوقائع القرآنيَّة، فلا يمكنه إنكار غيبة
الإمام (عجَّل الله فرجه). فإنكار غيبته حينئذٍ ليس موقفاً علميًّا، بل هو موقفٌ
تعصُّبي لا سند له. وبذلك يتبيَّن أنَّ الغيبة أمر ممكنٌ عقلاً، وواقعٌ نقلاً،
ومؤيَّدٌ بأمثلة قرآنيَّة واضحة لا سبيل لإنكارها.
أمَّا إذا كان المخالف
دهريًّا معطِّلاً يُنكِر كلَّ هذه الحوادث، فإنَّ النقاش معه يجب أنْ يبدأ من إثبات
أصل التوحيد والقدرة الإلهيَّة، وليس في مسألة الغيبة.
الاستدلال بالسوابق
التاريـخيَّة لغيبة الملوك والحكماء:
بعد أنْ ثبت إمكان الغيبة بالنصوص القرآنيَّة والشواهد النبويَّة، ينتقل المتكلِّم
الإماميُّ إلى إيراد شواهد تاريخيَّة من الأُمَم السابقة، تُثبِت أنَّ الغيبة ليست
أمراً غريباً أو مستحيلاً من حيث العادات البشريَّة، ومنها:
١ - غيبة ملوك الفرس ثمّ
عودتهم:
تقدَّم - في الدرس السابق - أنَّ أصحاب السِّيَر والتواريخ ذكروا غيبة بعض ملوك
الفرس عن شعوبهم لمُدَد طويلة، دون أنْ يُعرَف عنهم شيء، ثمّ عادوا وظهروا من جديد
وفق تدبير معيَّن. لم يكن أحد يعلم أين ذهبوا، ولا ما حدث لهم، ثمّ عادوا في الوقت
المناسب لأسباب مختلفة.
٢ - غيبات حكماء الروم والهند
وأحوالهم الخارجة عن العادة:
ليس الأمر مقتصراً على ملوك الفرس فقط، بل إنَّ حكماء الروم والهند أيضاً مرُّوا
بأحوال خرجوا فيها عن العادات البشريَّة المألوفة، حيث استتروا لفترات طويلة، أو
اختفوا عن أنظار العامَّة لأسباب خاصَّة.
هذه الظواهر مذكورة في الكُتُب التاريخيَّة، ومع ذلك، فإنَّ المخالف قد يلجأ إلى
إنكارها كعادته في جحد الأخبار، حتَّى لو كانت موثَّقة في التاريخ.
الاستدلال بالنصوص على غيبة
الإمام (عجَّل الله فرجه) وطول مدَّتها:
سيأتي مفصَّلاً أنَّ الغيبة الطويلة للإمام (عجَّل الله فرجه) ليست أمراً خارجاً عن
العادة ولا مستحيلاً عقليًّا، بل هي أمرٌ ثابتٌ في الروايات، وقد ورد عن آبائه
الطاهرين (عليهم السلام) أنَّ للقائم (عجَّل الله فرجه) غيبتين:
الأُولى: يُعرَف فيها
خبره، وهي التي تمثَّلت في الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩هـ)، حيث كان له سفراء يتواصلون
مع الشيعة ومعه (عجَّل الله فرجه).
الثانية: لا يُعرَف فيها خبره، وهي الغيبة الكبرى التي استمرَّت بعد وفاة السفير
الرابع عليِّ بن محمّد السمري (٣٢٩هـ) إلى يومنا هذا.
وهذا التقسيم لم يكن اجتهاداً من الشيعة، بل جاء مطابقاً لما ورد في النصوص عن أهل
البيت (عليهم السلام)، ممَّا يُؤكِّد أنَّه ليس أمراً مفاجئاً ولا مخترعاً، بل هو
جزءٌ من سُنَّة الله تعالى في حُجَجه على خلقه.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (فإنْ قيل: قولكم: إنَّه منذ وُلِدَ صاحب الزمان (عليه السلام)
إلى وقتنا هذا مع طول المدَّة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقرَّه، ولا يأتي
بخبره مَنْ يوثق بقوله، خارج عن العادة، لأنَّ كلَّ مَنِ اتَّفق له الاستتار عن
ظالم لخوف منه على نفس أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدَّة استتاره قريبة ولا يبلغ
عشرين سنة، ولا يخفى أيضاً على الكلِّ في مدَّة استتاره مكانه، ولا بدَّ من أنْ
يعرف فيه بعض أوليائه وأهله مكانه، أو يُخبِر بلقائه، وقولكم بخلاف ذلك) أي إنِّكم
تقولون: إنَّه لا يعرف أحد خبره.
(قلنا: ليس الأمر على ما قلتم، لأنَّ الإماميَّة تقول: إنَّ جماعة من أصحاب أبي
محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) قد شاهدوا وجوده) أي الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) (في حياته) أي في حياة الإمام العسكري (عليه السلام)، (وكانوا أصحابه)
أي الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (وخاصَّته بعد وفاته) أي الإمام العسكري (عليه
السلام)، (والوسائط بينه وبين شيعته معروفون ربَّما ذكرناهم فيما بعد، ينقلون إلى
شيعته معالم الدِّين، ويُخرِجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه، ويقبضون منهم حقوقه،
وهم جماعة
كان الحسن بن عليٍّ
(عليهما السلام) عدَّلهم في حياته، واختصَّهم أُمناء له في وقته، وجعل إليهم النظر
في أملاكه، والقيام بأُموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم، كأبي عمرو عثمان بن سعيد
السَّمَّان، وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد، وغيرهم ممَّن سنذكر أخبارهم
فيما بعد إنْ شاء الله تعالى، وكانوا أهل عقل وأمانة، وثقة ظاهرة، ودراية وفهم،
وتحصيل ونباهة، وكانوا معظَّمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلِّهم،
مكرَّمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم، حتَّى إنَّه كان يدفع عنهم ما يضيفه إليهم
خصومهم، وهذا يُسقِط قولهم: إنَّ صاحبكم لم يرَه أحد، ودعواهم خلافه. فأمَّا بعد
انقراض أصحاب أبيه، فقد كان مدَّة من الزمان أخباره واصلة من جهة السفراء الذين
بينه وبين شيعته، ويُوثَق بقولهم، ويُرجَع إليهم لدينهم وأمانتهم وما اختصُّوا به
من الدِّين والنزاهة، وربَّما ذكرنا طرفاً من أخبارهم فيما بعد(٦١).
وقد سبق الخبر عن آبائه (عليهم السلام) بأنَّ القائم (عليه السلام) له غيبتان،
أُخراهما أطول من الأُولى(٦٢)، فالأُولى يُعرَف فيها خبره، والأُخرى لا يُعرَف فيها
خبره، فجاء ذلك موافقاً لهذه الأخبار، فكان ذلك دليلاً ينضاف إلى ما ذكرناه،
وسنُوضِّح عن هذه الطريقة فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.
فأمَّا خروج ذلك عن العادات، فليس الأمر على ما قالوه، ولو صحَّ لجاز أنْ ينقض الله
تعالى العادة في ستر شخص، ويخفي أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير، لما يعرض من
المانع من ظهوره.
وهذا الخضر (عليه السلام) موجود قبل زماننا من عهد موسى (عليه السلام) عند أكثر
الأُمَّة وإلى وقتنا هذا باتِّفاق أهل السِّيَر لا يُعرَف مستقرُّه، ولا يعلم أحد
له
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١) يأتي فيما بعد عند
ذكر السفراء.
(٦٢) تقدَّم في (ح ٦٠).
أصحاباً إلَّا ما جاء
به القرآن من قصَّته مع موسى (عليه السلام)(٦٣).
وما يذكره بعض الناس أنَّه يظهر أحياناً ولا يُعرَف ويظنُّ مَنْ يراه أنَّه بعض
الزُّهَّاد، فإذا فارق مكانه توهَّمه المسمَّى بالخضر، ولم يكن عرفه بعينه في
الحال، ولا ظنَّه فيها، بل اعتقد أنَّه بعض أهل الزمان.
وقد كان من غيبة موسى بن عمران (عليه السلام) عن وطنه وهربه من فرعون ورهطه ما نطق
به القرآن، ولم يظفر به أحد مدَّة من الزمان، ولا عرفه بعينه حتَّى بعثه الله
نبيًّا ودعا إليه فعرفه الوليُّ والعدوُّ(٦٤).
وقد كان من قصَّة يوسف بن يعقوب (عليه السلام) ما جاء به سورة في القرآن وتضمَّنت
استتار خبره عن أبيه، وهو نبيُّ الله يأتيه الوحي صباحاً، وما يخفى عليه خبر ولده،
وعن ولدِهِ أيضاً حتَّى إنَّهم كانوا يدخلون عليه ويعاملونه ولا يعرفونه، وحتَّى
مضت على ذلك السنون والأزمان، ثمّ كشف الله أمره وظهر خبره، وجمع بينه وبين أبيه
وإخوته(٦٥)، وإنْ لم يكن ذلك في عادتنا اليوم ولا سمعنا بمثله.
وكان من قصَّة يونس بن متَّى نبيِّ الله (عليه السلام) مع قومه وفراره منهم حين
تطاول خلافهم له، واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم وعن كلِّ أحد حتَّى لم يعلم أحد
من الخلق مستقرَّه، وستره الله تعالى في جوف السمكة، وأمسك عليه رمقه بضرب من
المصلحة، إلى أنِ انقضت تلك المدَّة وردَّه الله تعالى إلى قومه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣) سورة الكهف الآيات
(٦٠ - ٨٢)؛ وراجع تفسيرها في: تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٢٩ فصاعداً)، وتفسير
القمِّي (ج ٢/ ص ٣٧ - ٤٠)، وتفسير البيضاوي (ج ٣/ ص ٥٠٧ فصاعداً)، وغيرها من كُتُب
التفاسير والأخبار.
(٦٤) تقدَّم في (ص ٨٢).
(٦٥) تقدَّم في (ص ٩٣).
وجمع بينهم وبينه، وهذا
أيضاً خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا قد نطق به القرآن وأجمع عليه أهل
الإسلام(٦٦).
ومثل ما حكيناه أيضاً قصَّة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمَّن شرح حالهم
واستتارهم عن قومهم فراراً بدينهم(٦٧).
ولولا ما نطق القرآن به لكان مخالفونا يجحدونه دفعاً لغيبة صاحب الزمان (عليه
السلام)، وإلحاقهم به، لكن أخبر الله تعالى أنَّهم بقوا ثلاثمائة سنة مثل ذلك
مستترين خائفين، ثمّ أحياهم الله تعالى فعادوا إلى قومهم، وقصَّتهم مشهورة في ذلك.
وقد كان من أمر صاحب الحمار(٦٨) الذي نزل بقصَّته القرآن وأهل الكتاب يزعمون أنَّه
كان نبيًّا فأماته الله تعالى مائة عام ثمّ بعثه، وبقي طعامه وشرابه لم
يتغيَّر(٦٩). وكان ذلك خارقاً للعادة.
وإذا كان ما ذكرناه معروفاً كائناً كيف يمكن مع ذلك إنكار غيبة صاحب الزمان (عليه
السلام)؟ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكون المخالف دهريًّا معطِّلاً يُنكِر جميع ذلك
ويحيله، فلا نتكلَّم معه في الغيبة، بل ننتقل معه إلى الكلام في أصل التوحيد، وأنَّ
ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦) سورة الأنبياء
الآيات (٨٧ - ٨٨)، وسورة الصافَّات الآيات (١٣٩ - ١٤٨)، وسورة القلم الآيات (٤٨ -
٥٠)؛ وراجع: تاريخ الطبري (ج ١/ ص ٤٥٧ - ٤٦٢)، وبحار الأنوار (ج ١٤/ ص ٣٧٩ - ٤٠٦/
باب ٢٦).
(٦٧) سورة الكهف الآيات (٩ - ٢٦)؛ وذُكِرَت قصَّتهم في تاريخ الطبري (ج ١/ ص ٤٥٤ -
٤٥٧)، وقَصَص الأنبياء للراوندي (ص ٢٥٣/ ح ٣٢٤)؛ وراجع: بحار الأنوار (ج ١٤/ ص ٤٠٧
- ٤٣٧/ باب ٢٧).
(٦٨) هو أرميا النبيُّ (عليه السلام)؛ راجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٤٠ و١٤١/ ح
٤٦٦)، وتفسير القمِّي (ج ١/ ص ٩٠ و٩١)؛ وذكره الطبري مفصَّلاً في تاريخه (ج ١/ ص
٣٨٣ فصاعداً).
أو عُزَير كما في كمال الدِّين (ص ٢٢٦/ باب ٢٢/ قطعة من الحديث ٢٠).
(٦٩) يأتي في (ح ٤٠٤ و٤٠٥).
مقدور، وإنَّما نُكلِّم
في ذلك مَنْ أقرَّ بالإسلام وجوَّز كون ذلك مقدوراً لله تعالى، فنُبيِّن لهم نظائره
في العادات.
وأمثال ما قلناه كثيرة ممَّا رواه أصحاب السِّيَر والتواريخ من ملوك الفرس(٧٠)
وغيبتهم عن أصحابهم مدَّة لا يعرفون خبرهم، ثمّ عودهم وظهورهم لضرب من التدبير،
وإنْ لم ينطق به القرآن فهو مذكور في التواريخ. وكذلك جماعة من حكماء الروم
والهند(٧١) قد كانت لهم غيبات وأحوال خارجة عن العادات لا نذكرها، لأنَّ المخالف
ربَّما جحدها على عادتهم جحد الأخبار، وهو مذكور في التواريخ).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠) يأتي في (ص ١١٥).
(٧١) مثل ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٤٢ و٦٤٣) من أنَّه كان في
الهند مَلِك عاش تسعمائة سنة وخمس وعشرين سنة، وأيضاً مثل قصَّة بلوهر ويوذاسف كما
في كمال الدِّين (ص ٥٧٧ - ٦٣٨).
ونتناول فيهما ذكر
العديد من الشواهد على أنَّ طول العمر في الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس بخارق
للعادة(٧٣) في عدَّة نقاط:
طول عمر الإمام (عجَّل الله
فرجه) ليس خارقاً للعادات:
يُطرَح هنا اعتراض مفاده أنَّ طول عمر الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى ما يقارب مائة
وواحد وتسعين سنة - إلى زمان كتابة شيخ الطائفة (قدّس سرّه) كتاب (الغيبة) ووصوله
إلى هذا الموضع منه، وهو سنة (٤٤٧ هجريَّة) - أمر مخالف للعادات البشريَّة،
ويُعتبَر خارقاً للعادة. والمستند في هذا الاعتراض إلى أنَّ العادة البشريَّة لا
تسمح بعيش شخص هذا القدر الطويل من الزمن.
والجواب عن هذا الاعتراض يتمُّ من خلال وجهين(٧٤):
الأوَّل: العادات لا تمنع من
حياة أطول:
العادة البشريَّة ليست ثابتة أو جامدة، بل قد تتغيَّر في حالات خاصَّة، فإنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٢) (١١/ شهر رمضان
المبارك/ ١٤٤٦هـ).
(٧٣) في هذا الدرس تمَّ تقديم بعض المطالب التي أخَّرها شيخ الطائفة (قدّس سرّه)
لاقتضاء البيان ذلك، وعدم التعرُّض بالشرح لجملة منها لوضوحها والاقتصار فيها على
ما ذكره في المتن.
(٧٤) صرَّح شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بوجود وجهين، ولكنَّني لم أعثر على الوجه
الثاني بلفظه، ولعلَّه يقصد به ما سيأتي من قوله (قدّس سرّه): (فإنْ كان المخالف
لنا في ذلك مَنْ يحيل ذلك)، أو من قوله: (ويدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن (عليه
السلام))، ورغم التبرُّع له (قدّس سرّه) بالموردين، واحتمال قصده بأحدهما أنَّه
الوجه الثاني، إلَّا أنَّ العبارة تبقى محتملة.
طول العمر لا يُعتبَر
في ذاته مستحيلاً من الناحية العقليَّة، بل هو أمر قد يحدث أحياناً وفقاً لظروف
استثنائيَّة، كما يظهر في العديد من الحالات التي ذكرها القرآن الكريم كما في
أخباره عن نوح (عليه السلام) وأنَّه لبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عاماً، وأصحاب
السير والتاريخ يقولون عاش أكثر من ذلك، ومما مرَّ عليك ممن ذكرناهم في الدرس
السابق، والتي ذكرتها الروايات الشريفة والمنقولات التأريخيَّة، ويمكن العثور على
أمثلة عديدة تُبيِّن أنَّ البعض عاشوا لأعمار طويلة، وقد استشهد شيخ الطائفة (قدّس
سرّه) بأمثلة عدَّة على هذا الوجه نتعرَّض لها في التطبيق كي لا تطول العبارة بين
الشرح والتطبيق.
الردُّ على المخالفين:
وهم على نحوين:
١ - المنجِّمون وأصحاب
الطبائع(٧٥):
يُؤكِّد شيخ الطائفة (قدّس سرّه) على أنَّ العمر هو صنعة الله تعالى، فإذا كان
المخالف لنا في إمكان إطالة الأعمار من الذين يعتمدون على التنجيم وأصحاب القول
بالطبيعة وتأثيراتها، فإنَّ الجدل معهم لا يكون في الفرع، أي في إمكان إطالة العمر،
بل يجب أنْ يكون في الأصل، وهو أنَّ هذا العالم مصنوع وله صانع حكيم، وهو الذي أجرى
العادة بتحديد الأعمار، وجعلها قابلة للطول والقصر بحسب إرادته. فإذا تمَّ إثبات
هذا الأصل، سهل بعد ذلك إثبات إمكان إطالة العمر، لأنَّ الأمر متعلِّق بإرادة
الصانع لا بقوانين الطبيعة الثابتة بذاتها.
٢ - المسلِّمون بالقدرة
الإلهيَّة:
أمَّا إذا كان المخالف لنا يُسلِّم بأنَّ الله تعالى قادر على إطالة الأعمار،
لكنَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٥) فصَّل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتابه القيِّم المكاسب المحرَّمة حكم التنجيم، وبيَّن هناك قول السيِّد المرتضى (قدّس سرّه) وأقوال مشايخ الطائفة حوله، فراجع حكم التنجيم هناك لمزيد من التفصيل.
يرفض ذلك بحجَّة أنَّ
إطالة العمر تخرج عن المألوف والعادة، فقد بيَّنَّا أنَّ هذا الأمر ليس خارجاً عن
جميع العادات، إذ إنَّ هناك وقائع وأمثلة تُثبِت إمكان ذلك.
فإذا احتجَّ المخالف بأنَّ هذا خارج عن عادتنا نحن البشر، فليس في ذلك دليل على
استحالته، لأنَّ مجرَّد كونه غير مألوف لدينا لا يعني أنَّه ممتنع عقلاً.
مسألة الفروق بين المعجزات
والكرامات:
إذا قال المخالف: إنَّ خرق العادات لا يجوز إلَّا في زمن الأنبياء (عليهم السلام)،
فإنَّا نخالفه في ذلك، لأنَّ خرق العادات ليس مقتصراً على الأنبياء (عليهم السلام)،
بل يجوز أنْ يظهر على أيدي الأئمَّة (عليهم السلام) والصالحين (رضي الله عنهم)
أيضاً. وقد أقرَّ بذلك جمهور المحدِّثين وكثير من المعتزلة وأهل الحديث الحشويَّة،
وإنِ اختلفوا في التسمية، فسمَّاه بعضهم كرامة بدل معجزة، لكنَّه في الحقيقة مجرَّد
اختلاف لفظي.
ثمّ قال (قدّس سرّه): وقد سبق لنا بيان جواز خرق العادات في كُتُبنا، وبيَّنَّا
أنَّ المعجزة تدلُّ على صدق مَنْ ظهرت على يديه، ثمّ بعد ذلك يُعرَف هل هو نبيٌّ أو
إمام أو صالح بحسب حاله. وكلُّ ما يذكره المخالفون من شُبُهات قد رددنا عليها
وأوضحنا وجه إبطالها في كُتُبنا، فلا حاجة للإطالة في هذا المقام.
أمَّا مسألة الشيخوخة والضعف الذي يظهر على الإنسان مع تقدُّم العمر، فليس أمراً
حتميًّا لا مفرَّ منه، وإنَّما هو مجرَّد عادة أجراها الله تعالى في الخلق، لكنَّه
ليس واجباً عقلاً. فكما أجرى الله تعالى العادة بأنْ يهرم الإنسان بمرور الزمن، فهو
قادر على أنْ يُبقي بعض الأفراد شباباً أو يحفظ عليهم قواهم.
فإذا ثبت أنَّ الشيخوخة ليست حتميَّة، بل مجرَّد عادة يمكن أنْ تتغيَّر، فإنَّ
إمكان إطالة العمر يصبح أمراً مقبولاً غير مستحيل. وقد سبقت الإشارة إلى جماعات من
الناس لم يتغيَّروا رغم تقدُّم أعمارهم.
وأعجب من ذلك أنَّ المخالف يُسلِّم بأنَّ الله تعالى يُخلِّد أهل الجنَّة شباباً لا
يهرمون ولا يبلى جسدهم،
ثمّ يُنكِر إمكان أنْ يمدَّ الله تعالى في عمر بعض خلقه في الدنيا مع بقائهم على
القوَّة نفسها!
فلا يمكن أنْ ينازع في هذه المسألة إلَّا مَنْ يُنكِر القدرة الإلهيَّة، ويعزو كلَّ
شيء إلى الطبيعة وتأثير الكواكب، وهو قول قد أبطلناه بالدليل العقلي والنقلي، بل
حتَّى بعض المخالفين من أهل الشرع يرفضونه، وبذلك تسقط كلُّ الشُّبُهات حول هذه
المسألة، وهي طول عمر صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
بحث ما رُوِيَ في إثبات طول
العمر:
نتناول في هذه النقطة التعرُّض لما رُوِيَ في طول العمر من جهة البحث السندي
والدلالي، وحيث إنَّ البحث الدلالي واضح، وأسانيد ما رُقِّم على أنَّه أخبار ليس هو
بأخبار وإنَّما نقلٌ لمضامينها وهي بأجمعها مراسيل، فنجعل بحثها السندي في الهامش،
ثمّ نُطبِّق العبارة.
تطبيق العبارة:
قال (قدّس سرّه): (فإنْ قيل: ادِّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه
على قولكم كامل العقل تامُّ القوَّة والشباب، لأنَّه على قولكم له في هذا الوقت -
الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة - مائة وإحدى وتسعون سنة، لأنَّ مولده على قولكم
سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، ولم تجرِ العادة بأنْ يبقى أحد من البشر هذه المدَّة،
فكيف انتقضت العادة فيه ولا يجوز انتقاضها إلَّا على يد الأنبياء؟
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما(٧٦): أنَّا لا نُسلِّم أنَّ ذلك خارق لجميع العادات، بل العادات فيما تقدَّم
قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك، وقد ذكرنا بعضها كقصَّة الخضر (عليه السلام)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٦) وقد أشرنا في هامش سابق في أوَّل الدرسين، إلى عدم عثورنا على الوجه الثاني بعنوانه.
وقصَّة أصحاب الكهف،
وغير ذلك.
وقد أخبر الله تعالى عن نوح (عليه السلام) أنَّه لبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين
عاماً(٧٧)، وأصحاب السِّيَر يقولون: إنَّه عاش أكثر من ذلك(٧٨)، وإنَّما دعا قومه
إلى الله تعالى هذه المدَّة المذكورة بعد أنْ مضت عليه ستُّون من عمره.
٨٥ - وروى أصحاب الأخبار أنَّ سلمان الفارسي (رضي الله عنه) لقي عيسى بن مريم (عليه
السلام) وبقي إلى زمان نبيِّنا (صلَّى الله عليه وآله)، وخبره مشهور(٧٩).
وأخبار المعمَّرين من العرب والعجم معروفة مذكورة في الكُتُب والتواريخ(٨٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٧) كما في سورة
العنكبوت الآية (١٤).
(٧٨) كما في الكافي (ج ٨/ ص ٢٨٤/ ح ٤٢٩)، وأمالي الصدوق (ص ٦٠٢ و٦٠٣/ ح ٨٣٦/٧)،
وكمال الدِّين (ص ٥٢٣/باب ٤٦/ح ١)، وقَصَص الأنبياء للراوندي (ص ٩١/ح ٨٠).
(٧٩) الحديث مرسَل. روى الصدوق (قدّس سرّه) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج
٢/ ص ١٣٤/ باب ٣٥ فيما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون في محض الإسلام وشرائع
الدِّين/ ح ١) أَنَّهُ (سلمان (رضي الله عنه)) «مِنَ اَلَّذِينَ مَضَوْا عَلَى
مِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ (عَلَيْهِ وَآلِهِ اَلسَّلَامُ) وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَلَمْ
يُبَدِّلُوا».
قال الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ١/ ص ٢٦ - ٣١/ ح ١٢): سلمان الفارسي: أَبُو
اَلْحَسَنِ [وَ]أَبُو إِسْحَاقَ حَمْدَوَيْهِ وَإِبْرَاهِيمُ اِبْنَا نُصَيْرٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ اَلنَّاسُ أَهْلَ
اَلرَّدَّةِ بَعْدَ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إِلَّا ثَلَاثَةً»،
فَقُلْتُ: وَمَنِ اَلثَّلَاثَةُ؟ فَقَالَ: «اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ،
وَأَبُو ذَرٍّ اَلْغِفَارِيُّ، وَسَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ، ثُمَّ عَرَفَ اَلنَّاسَ
بَعْدَ يَسِيرٍ»، قَالَ: «هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ اَلرَّحَا
وَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا لِأَبِي بَكْرٍ حَتَّى جَاؤُوا بِأَمِيرِ
اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مُكْرَهاً فَبَايَعَ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اَلله (عزَّ
وجلَّ): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...﴾
اَلْآيَةَ [آل عمران: ١٤٤]».
وفي (ج ١/ ص ٥٤/ ح ٢٦): عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ
سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «مَهْ، لَا
تَقُولُوا سَلْمَانَ اَلْفَارِسِيَّ وَلَكِنْ قُولُوا سَلْمَانَ اَلمُحَمَّدِيَّ،
ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ».
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجال الحديث (ج ٩/ ص ٢٠٧/ الرقم ٥٣٤٨):
(الروايات في مدح سلمان وجلالته متواترة).
(٨٠) كتاريخ الطبري، والسيرة النبويَّة لابن هشام، وكتاب المعمَّرين لأبي حاتم
السجستاني، وكمال الدِّين، وتقريب المعارف، وأمالي المرتضى، وكنز الفوائد للكراجكي،
والفصول العشرة في الغيبة للمفيد، وغيرها.
٨٦ - وروى(٨١) أصحاب
الحديث(٨٢) أنَّ الدجَّال موجود، وأنَّه كان في عصر النبيِّ (صلَّى الله عليه
وآله)، وأنَّه باقٍ إلى الوقت الذي يخرج فيه، وهو عدوُّ الله(٨٣).
فإذا جاز في عدوِّ الله لضرب من المصلحة، فكيف لا يجوز مثله في وليِّ الله؟ إنَّ
هذا من العناد.
٨٧ - وروى(٨٤) مَنْ ذكر أخبار العرب(٨٥) أنَّ لقمان بن عاد(٨٦) كان أطول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨١) تقدَّم في الجزء
الأوَّل من هذا الشرح بيان أنَّ هذا الترقيم لا يمتاز بالدقَّة من جهة ضبط عدد
الروايات المرويَّة في هذا الكتاب، ومنها هذا المورد وغيره، فراجع. والخبر بعدُ
مرسَل، كما هو حال الأخبار المرويَّة في هذا الدرس، فلا نتعرَّض لها من جهة سندها
وتخريجها.
(٨٢) والحديث مرسَل.
(٨٣) الظاهر أنَّه ابن الصيَّاد أو ابن الصائد، ذكره عبد الرزَّاق الصنعاني في
مصنَّفه (ج ١١/ ص ٣٨٩/ باب الدجَّال)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٦/ ص ١٠١/ ح
٣٦١٠)، والبخاري في صحيحه (ج ٢/ ص ٤٠٨ - ٤١٠/ ح ١٢٢٤)، ومسلم في صحيحه (ج ٨/ ص ١٨٩
و١٩٠)، وغيرهم.
ويحتمل كونه الجسَّاسة كما في مصنَّف ابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٤ و٦٧٥/ ح ١٨٢)، ومسند
أحمد (ج ٤٥/ ص ٦١ و٦٢/ ح ٢٧١٠٢)، وصحيح مسلم (ج ٨/ ص ٢٠٤)، وسُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص
١٣٥٤ و١٣٥٥/ ح ٤٠٧٤)، وغيرها من الكُتُب.
وقال الطبري في تاريخه (ج ١/ ص ١٢): (فأحسب أنَّ الذي ينتظرونه ويدَّعون أنَّ صفته
في التوراة مثبتة هو الدجَّال الذي وصفه رسول الله (صلَّى الله عليه (وآله) وسلّم)
لأُمَّته، وذكر لهم أنَّ عامَّة أتباعه اليهود، فإنْ كان ذلك هو عبد الله بن
صيَّاد، فهو من نسل اليهود).
(٨٤) لم نجعل تخريج الحديث فيما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) تحت الرقم (٨٧) في المتن،
وذكرنا جملة ممَّا عثرنا عليه ممَّا رُوِيَ أسبق من (الغيبة) في الهامش.
(٨٥) ولم يذكر شيخ الطائفة (قدّس سرّه) أسانيد أخبار العرب، فيكون ما رواه من ذكر
أخبار المعمَّرين هنا من المراسيل، وإنْ كانت من المشهورات.
(٨٦) في التيجان في ملوك حمير رواية أبي محمّد عبد المَلِك بن هشام، عن أسد بن
موسى، عن أبي إدريس ابن سنان، عن جدِّه لأُمِّه وهب ابن منبه (ص ٨٩): (قال وهب:
فلمَّا مات شدَّاد بن عاد صار الأمر إلى أخيه لقمان بن عاد، كان الله أعطى لقمان ما
لم يعطِ غيره من الناس في زمانه، أعطاه حاسَّة مائة رجل، وكان طويلاً لا يقاربه أهل
زمانه).
الناس عمراً، وأنَّه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة، ويقال: إنَّه عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذَّكَر فيجعله في الجبل فيعيش النسر ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فربَّاه حتَّى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمراً، فقيل: (طال الأمد على لبد)، وفيه يقول الأعشى(٨٧):
لنفسك إذ تختار سبعة
أنسـر * * * إذا ما مضـى نسـر خلدت إلى نسـرِ
فعمَّر حتَّى خال أنَّ نسوره * * * خلود وهل يبقى النفوس على الدهرِ
وقال لأدناهنَّ إذ حلَّ ريشه * * * هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري(٨٨)
ومنهم: ربيع بن ضبع بن
وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عيس [عنبس] بن فزارة، عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة،
فأدرك النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) ولم يُسلم.
ورُوِيَ أنَّه عاش إلى أيَّام عبد المَلِك بن مروان، وخبره معروف، فإنَّه قال له:
فصِّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى، وعشرين ومائة سنة في الجاهليَّة
وستِّين في الإسلام، فقال له: لقد طلبك جدٌّ غير عاثر، وأخباره معروفة، وهو الذي
يقول وقد طعن في ثلاثمائة سنة:
أصبح منِّي الشباب قد حسـرا * * * إنْ ينأ عنِّي فقد ثوى عصـرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٧) هو ميمون بن قيس
من سعد بن ضبيعة بن قيس، يُكنَّى أبا بصير، شاعر جاهلي من شعراء الطبقة الأُولى في
الجاهليَّة، لُقِّب بالأعشى، لأنَّه كان ضعيف البصر، عاش عمراً طويلاً وأدرك
الإسلام ولم يُسلم، عُمِيَ في أواخر عمره، مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة،
وفيها داره وبها قبره. راجع: طبقات الشعراء (ص ٤١).
(٨٨) راجع: كمال الدِّين (ص ٥٥٩)، وتقريب المعارف (ص ٤٤٩).
والأبيات معروفة، وهو الذي يقول:
إذا كان الشتاء فأدفؤني
* * * فإنَّ الشيخ يهدمه الشتاءُ
فأمَّا حين يذهب كلُّ قرٍّ * * * فسـربال خفيفٌ أو رداءُ
إذا عاش الفتى مائتين عاماً * * * فقد أودى المسـرة والفتاءُ(٨٩)
ومنهم: المستوغر بن ربيعة بن كعب بن زيد [بن] مناة(٩٠)، عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، حتَّى قال:
ولقد سئمت من الحياة
وطولها * * * وعمَّرت من بعد السنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي * * * وعمَّرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلَّا كما قد فاتنا * * * يوم يكرُّ وليلة تحدونا(٩١)
ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي، عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة، وكان ممَّن أدرك النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) وآمن به، ومات قبل أنْ يلقاه، وله أخبار كثيرة، وحِكَم وأمثال، وهو القائل:
وإنْ امرءاً قد عاش
تسعين حجَّة * * * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ستٍّ وأربع(٩٢) * * * وذلك من عدِّ الليالي قلائل(٩٣)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٩) راجع: كمال
الدِّين (ص ٥٤٩/ باب ٥٢/ ح ١)، وأمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٨٤)، والفتاء من الفتوة
والشباب.
(٩٠) هو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن
إلياس بن مضر. وفي تقريب المعارف (ص ٤٥٠): (طلحة) بدل (طابخة).
(٩١) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٧٠).
(٩٢) في بعض النُّسَخ: (خلت مائتان بعد عشر وفاؤها)، وفي تقريب المعارف (ص ٤٥٤):
(مضت مائتان بعد عشر وفازها).
(٩٣) راجع: كمال الدِّين (ص ٥٧٠).
وكان والده صيفي بن رياح بن أكثم أيضاً من المعمَّرين، عاش مائتين وسبعين سنة لا يُنكَر من عقله شيء، وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمس اليشكري(٩٤):
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * * * وما علم الإنسان إلَّا ليعلما(٩٥)
ومنهم: ضبيرة بن سعيد
بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة وعشرين سنة ولم يشب قطُّ، وأدرك الإسلام ولم
يُسلم.
وروى أبو حاتم والرياشي(٩٦)، عن العتبي(٩٧)، عن أبيه، قال: مات ضبيرة السهمي وله
مائتا سنة وعشرون سنة، وكان أسود الشعر، صحيح الأسنان، ورثاه ابن عمِّه قيس بن عدي،
فقال:
مَنْ يأمن الحدثان بعد
* * * ضبيرة السهمي ماتا
سبقت منيَّته المشيب * * * وكان ميتته [منيته] افتلاتا
فتزوَّدوا لا تهلكوا * * * من دون أهلكم خفاتا(٩٨)
ومنهم: دريد بن الصمة الجشمي، عاش مائتي سنة، وأدرك الإسلام فلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٤) هو جرير بن عبد
المسيح بن عبد الله بن دوفن، من بني ضبيعة، وأخواله بنو يشكر.
راجع: الأغاني (ج٢٤/ ص ٣٥٨)، وطبقات الشعراء (ص ٦٦).
(٩٥) راجع: كمال الدِّين (ص ٥٧٠).
(٩٦) هو أبو الفضل العبَّاس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي، قُتِلَ في المسجد
الجامع بالبصرة في أيَّام العلوي صاحب الزنج، في سنة (٢٥٧هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٣/ ص ١١١ و١١٢).
(٩٧) هو محمّد بن عبيد الله بن معاوية، أبو عبد الرحمن، العتبي الأخباري، من أهل
البصرة، حدَّث عن أبيه، روى عنه أبو حاتم السجستاني، وأبو الفضل الرياشي، تُوفِّي
سنة (٢٢٨هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٤/ ص ١٤٩).
(٩٨) المسائل العشر في الغيبة (ص ٩٩).
يُسلم، وكان أحد قوَّاد
المشركين يوم حنين ومقدَّمتهم(٩٩)، حضر حرب النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)،
فقُتِلَ يومئذٍ(١٠٠).
ومنهم: محصن بن غسَّان بن ظالم الزبيدي، عاش مائتي سنة وستًّا وخمسين سنة(١٠١).
ومنهم: عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتَّى
كأنَّني * * * سليم أفاع ليلة غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت * * * عليَّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئات قد مررن كواملا * * * وها أنا هذا أرتجي منه أربع(١٠٢)
ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي، عاش أربعمائة سنة، وهو القائل:
كأنْ لم يكن بين الحجون
إلى الصفا * * * أنيس ولم يسمر بمكَّة سامرُ
بلى نحن كنَّا أهلها فأبادنا * * * صروف الليالي والجدود العواثرُ(١٠٣)
ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغسَّاني، ذكر الكلبي(١٠٤) وأبو عبيدة(١٠٥) وغيرهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٩) في المسائل العشر
في الغيبة: (مقدَّمهم).
(١٠٠) المسائل العشر في الغيبة (ص ١٠٠).
(١٠١) المصدر السابق.
(١٠٢) المصدر السابق.
(١٠٣) المسائل العشر في الغيبة (ص ١٠١).
(١٠٤) هو أبو النضر محمّد بن السائب بن بشر بن كلب، الكلبي، صاحب التفسير، من أهل
الكوفة، تُوفِّي سنة (١٤٦هـ)، ويحتمل كون المراد منه ابنه أبو المنذر هشام بن
محمّد، الكلبي، صاحب النَّسَب، تُوفِّي سنة (٢٠٦هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٥/ ص ٨٦).
(١٠٥) هو معمر بن المثنَّى اللغوي البصري، أبو عبيدة، مولى بني تيم، تيم قريش،
وُلِدَ سنة (١١٠هـ)، ومات سنة (٢٠٩هـ). راجع: بغية الوعاة (ج ٢/ ص ٢٩٤/ الرقم
٢٠١٠)، وتاريخ بغداد (ج ١٣/ ص ٢٥٢/ الرقم ٧٢١٠).
أنَّه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يُسلم، وكان نصرانيًّا، وخبره مع خالد بن الوليد - لـمَّا نزل على الحيرة - معروف، حتَّى قال له: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سُفُن البحر ترفأ(١٠٦) إلينا في هذا الجرف(١٠٧)، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها لا تُزوَّد إلَّا رغيفاً واحداً حتَّى تأتي الشام وقد أصبحت خراباً، وذلك دأب الله في العباد والبلاد، وهو القائل:
والناس أبناء علات(١٠٨)
فمَنْ علموا * * * أنْ قد أقلَّ فمجفوٌّ ومحقورُ
وهم بنون لأُمٍّ إنْ رأوا نشبا * * * فذاك بالغيب محفوظ ومحصورُ(١٠٩)
ومنهم: النابغة الجعدي
من بني عامر بن صعصعة يُكنَّى أبا ليلى.
قال أبو حاتم السجستاني(١١٠): كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني،
ورُوِيَ أنَّه كان يفتخر ويقول: أتيت النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله)، فأنشدته:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * * * وإنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا [مطهرا]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٦) في لسان العرب (ج
١/ ص ٨٧/ مادَّة رفأ): (رفأ السفينة يرفؤها رفأً: أدناها من الشطِّ).
(١٠٧) في الصحاح للجوهري (ج ٤/ ص ١٣٣٦/ مادَّة جرف): (الجرف: ما تجرفته السيول
وأكلته من الأرض).
(١٠٨) في لسان العرب (ج ١١/ص ٤٧٠/ مادَّة علل): (أبناء علات يُستعمَل في الجماعة
المختلفين).
(١٠٩) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٨٩).
(١١٠) هو سهل بن محمّد بن عثمان بن يزيد الحشمي (الجشمي)، من كبار العلماء باللغة
والشعر من أهل البصرة، كان المبرَّد يلازم القراءة عليه، وله عدَّة كُتُب منها كتاب
(المعمَّرين من العرب)، تُوفِّي سنة (٢٥٠هـ).
راجع ترجمته في: هدية العارفين (ج ١/ ص ٤١١)، والأعلام للزركلي (ج ٣/ ص ١٤٣)، ومعجم
المؤلِّفين (ج ٤/ ص ٢٨٥)، ووفيات الأعيان (ج ٢/ ص ٤٣٠ - ٤٣٣/ الرقم ٢٨٢)، والوافي
بالوفيات (ج ١٦/ ص ١٠ و١١/ الرقم ٥٢٥٢).
فقال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): «أين المظهر [المطهر]، يا أبا ليلى؟»، فقلت: الجنَّة يا رسول الله، فقال: «أجل إنْ شاء الله تعالى»، ثمّ أنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم
يكن له * * * بوادر تحمي صفوه أنْ يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له * * * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له النبيُّ (صلَّى
الله عليه وآله): «لا يُفضِض الله فاك».
وقيل: إنَّه عاش مائة وعشرين سنة ولم يسقط من فيه سنٌّ ولا ضرس.
وقال بعضهم: رأيته وقد بلغ الثمانين تزفُّ غروبه(١١١)، وكان كلَّما سقطت له ثنية
تنبت له أُخرى مكانها، وهو من أحسن الناس ثغراً(١١٢).
ومنهم: أبو الطمحان القيني من بني كنانة بن القين.
قال أبو حاتم(١١٣): عاش أبو الطمحان القيني من بني كنانة مائتي سنة.
وقال في ذلك:
حنتني حانيات الدهر
حتَّى * * * كأنِّي خاتل(١١٤) أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب مَنْ رآني * * * ولست مقيَّداً أنِّي بقيد(١١٥)
وأخباره وأشعاره
معروفة.
ومنهم: ذو الإصبع العدواني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١١) تزفُّ: تلمع، قال
الزبيدي في تاج العروس (ج ٢/ ص ٢٧٧): (وفي حديث النابغة: (ترفُّ غروبه)، هي جمع
غرب، وهو ماء الفم وحدَّة الأسنان)، ومثله في النهاية لابن الأثير (ج ٣/ ص ٣٥١).
وفي أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٩٢): (ترف: معنى تبرق، وكأنَّ الماء يقطر منها).
(١١٢) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٩٢).
(١١٣) المعمَّرون (ص ٥٧/ الرقم ٥٣).
(١١٤) في لسان العرب (ج ١١/ ص ١٩٩/ مادَّة ختل): (المخاتلة: مشي الصيَّاد قليلاً
قليلاً في خفية لئلَّا يسمع الصيد حسَّه).
(١١٥) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٨٥).
قال أبو حاتم(١١٦): عاش
ثلاثمائة سنة، وهو أحد حُكَّام العرب في الجاهليَّة، وأخباره وأشعاره وحِكَمه
معروفة(١١٧).
ومنهم: زهير بن جناب [خباب] الحميري، لم نذكر نَسَبه لطوله.
قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة، وكان
سيِّداً مطاعاً عاش شريفاً في قومه.
ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيِّد قومه،
وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم - والطبُّ في ذلك الزمان
شرف -، وحازي(١١٨) قومه - وهو الكاهن -، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد
منهم، وأوصى إلى بنيه، فقال:
يا بَنِيَّ، إنِّي كبرت سنِّي وبلغت حرساً من دهري (أي دهراً)، فأحكمتني التجارب
والأُمور تجربة واختبار، فاحفظوا عنِّي ما أقول وعوا، وإيَّاكم والخور عند المصائب،
والتواكل عند النوائب، فإنَّ ذلك داعية الغمِّ، وشماتة العدوِّ، وسوء الظنِّ
بالربِّ، وإيَّاكم أنْ تكونوا بالأحداث مغترِّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنَّه
ما سخر قوم قطُّ إلَّا ابتلوا، ولكن توقَّعوها، فإنَّما الإنسان غرض تعاوره الزمان
فمقصِّر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثمّ لا بدَّ أنْ يصيبه.
وأقواله معروفة، وكذلك أشعاره(١١٩).
ومنهم: دويد بن نهد بن زيد بن أسود بن أسلُم(١٢٠) - بضمِّ اللَّام - بن ألحاف بن
قضاعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٦) المعمَّرون (ص
٩٠/ الرقم ١٠٨).
(١١٧) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٧٦).
(١١٨) في أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٧٣): (جازي).
(١١٩) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٧٢).
(١٢٠) هو دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة بن
مالك بن مرَّة ابن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم(١٢١): عاش دويد بن زيد أربعمائة وستًّا وخمسين سنة، ووصيَّته معروفة، وأخباره مشهورة، ومن قوله:
ألقى عليَّ الدهر رجلاً
ويدا * * * والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا(١٢٢)
ومنهم: الحارث بن كعب
بن عمرو بن وعلة المذحجي، ومذحج هي أُمُّ مالك بن أدد، وسُمِّيت مذحجاً لأنَّها
ولدت على أكمة تُسمَّى مذحجاً.
قال أبو حاتم(١٢٣): جمع الحارث بن كعب بنيه لـمَّا حضرته الوفاة، فقال: يا بَنِيَّ،
قد أتت عليَّ ستُّون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بحلَّة
فاجر، ولا صبوت بابنة عمٍّ ولا كنَّة(١٢٤)، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت
لصديق بسرٍّ [بشرٍّ]، وإنِّي لعلى دين شعيب النبيِّ (عليه السلام) وما عليه أحد من
العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر، فاحفظوا وصيَّتي، وموتوا على شريعتي،
إلهكم فاتَّقوه يكفكم المهمَّ من أُموركم ويُصلِح لكم أعمالكم، وإيَّاكم ومعصيته،
لا يحلُّ بكم الدمار، ويوحش منكم الديار.
يا بَنِيَّ، كونوا جميعاً ولا تتفرَّقوا فتكونوا شِيَعاً، فإنَّ موتاً في عزٍّ خير
من حياة في ذلٍّ وعجزٍ، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكلُّ جمع إلى تبائن، الدهر ضربان،
فضرب رجاء، وضرب بلاء، واليوم يومان، فيوم حبرة(١٢٥)، ويوم عبرة، والناس رجلان،
فرجل لك، ورجل عليك، تزوَّجوا الأكفاء، وليستعملنَّ في طيبهنَّ الماء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢١) المعمَّرون (ص
٢٠/ الرقم ١٢).
(١٢٢) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٧١).
(١٢٣) المعمَّرون والوصايا (ص ١٢٣ - ١٢٥)، ونسب فيه هذا القول إلى مالك بن المنذر
البجلي.
(١٢٤) في العين للفراهيدي (ج ٥/ ص ٢٨١/ مادَّة كن): (الكنَّة: امرأة الابن أو
الأخ).
(١٢٥) في لسان العرب (ج ٤/ ص ١٥٨/ مادَّة حبر): (الحبور...: السرور).
وتجنَّبوا الحمقاء، فإنَّ ولدها إلى أفن(١٢٦) ما يكون، ألَا إنَّه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوَّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضُّل بالحسنة يقي السيِّئة، والمكافأة بالسيِّئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهمَّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يورث النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجرُّ الفضيحة، والحقد يمنع الرفد(١٢٧)، ولزوم الخطيئة يعقب البليَّة، وسوء الرعة [الدعة] يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبائن، ثمّ أنشأ يقول:
أكلتُ شبابي فأفنيته *
* * وأفنيتُ بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم * * * فبادوا فأصبحت شيخاً كبيرا
قليل الطعام عسير القيام * * * قد ترك الدهر خطوي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السماء * * * أقلب أمري بطوناً ظهورا(١٢٨)
فهذا طرف من أخبار
المعمَّرين من العرب واستيفاؤه في الكُتُب المصنَّفة في هذا المعنى موجود.
وأمَّا الفرس فإنَّها تزعم أنَّ فيما تقدَّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيروون
أنَّ الضحَّاك صاحب الحيَّتين عاش ألف سنة ومائتي سنة، وإفريدون العادل عاش فوق ألف
سنة، ويقولون: إنَّ المَلِك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة، استتر
منها عن قومه ستّمائة سنة.
وغير ذلك ممَّا هو موجود في تواريخهم وكُتُبهم لا نُطوِّل بذكرها، فكيف يقال: إنَّ
ما ذكرناه في صاحب الزمان خارج عن العادات؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٦) أَفَن كفَلَس
وفَرَس: ضعف الرأي. راجع: الصحاح للجوهري (ج ٥/ص ٢٠٧١/مادَّة أفن).
(١٢٧) في الصحاح للجوهري (ج ٢/ص ٤٧٥/مادَّة رفد): (الرِّفد - بالكسر -: العطاء
والصلة).
(١٢٨) راجع: أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٦٨).
ومن المعمَّرين من
العرب: يعرب بن قحطان، واسمه ربيعة أوَّل مَنْ تكلَّم بالعربيَّة(١٢٩)، ملك مائتي
سنة على ما ذكره أبو الحسن النسَّابة الأصفهاني في كتاب (الفرع والشجر)، وهو أبو
اليمن كلِّها، وهو منها كعدنان إلَّا شاذًّا نادراً(١٣٠).
ومنهم: عمرو بن عامر مزيقيا، روى الأصفهاني عن عبد المجيد بن أبي عيس [عبس]
الأنصاري، والشرقي بن قطامي أنَّه عاش ثمانمائة سنة، أربعمائة سنة سوقة في حياة
أبيه، وأربعمائة سنة مَلِكاً، وكان في سني مُلكه يلبس في كلِّ يوم حلَّتين، فإذا
كان بالعشيِّ مُزِّقت الحلَّتان عنه لئلَّا يلبسهما غيره، فسُمِّي مزيقيا.
وقيل: إنَّما سُمِّي بذلك لأنَّ على عهده تمزَّقت الأزد فصاروا إلى أقطار الأرض،
وكان ملك أرض سبأ فحدَّثته الكُهَّان بأنَّ الله يُهلِكها بالسيل العرم، فاحتال
حتَّى باع ضياعه وخرج فيمن أطاعه من أولاده وأهله قبل السيل العرم، ومنه انتشرت
الأزد كلُّها، والأنصار من ولده(١٣١).
ومنهم: جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يعرب، ويقال
لجلهمة: طيئ، وإليه تُنسَب طيئ كلُّها، وله خبر يطول شرحه، وكان له ابن أخ يقال له:
يحابر بن مالك بن أدد، وكان قد أتى على كلِّ واحدٍ منهما خمسمائة سنة، وقع بينهما
ملاحاة بسبب المرعى، فخاف جلهمة هلاك عشيرته، فرحل عنه، وطوى المنازل فسُمِّي
طيئاً، وهو صاحب أجأ وسلمى - جبلين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٩) في المسألة
أقوال: منها أنَّه إسماعيل (عليه السلام)، وقيل: هو هود (عليه السلام)، وقيل: هي
قبيلة جرهم، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل غير ذلك. راجع: تاج العروس (ج ١/ ص ٥٤).
(١٣٠) راجع: التنبيه والإشراف (ص ٧٠)، والأخبار الطوال (ص ٧).
(١٣١) ذكر نحوه الصدوق (قدّس سرّه) في كمال الدِّين (ص ٥٦٠) مختصراً؛ وذُكِرَ شرح
حاله في السيرة النبويَّة لابن هشام (ج ١/ ص ٦ و٧).
بطيئ(١٣٢) -، ولذلك خبر
يطول، معروف.
ومنهم: عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا، في قول علماء خزاعة، كان
رئيس خزاعة في حرب خزاعة وجرهم، وهو الذي سنَّ السائبة الوصيلة والحام، ونقل صنمين
وهما: هُبَل ومناة من الشام إلى مكَّة فوضعهما للعبادة، فسلَّم هُبَل إلى خزيمة بن
مدركة، فقيل: هُبَل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمسلل(١٣٣)، وقَدِمَ
بالنرد، وهو أوَّل مَنْ أدخلها مكَّة، فكانوا يلعبون بها في الكعبة غدوةً وعشيَّةً.
٨٨ - فَرُوِيَ عَنِ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أَنَّهُ قَالَ(١٣٤):
«رُفِعَتْ إِلَيَّ اَلنَّارُ فَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحيٍّ(١٣٥) رَجُلاً قَصِيراً
أَحْمَرَ أَزْرَقَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي اَلنَّارِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ:
عَمْرُو اِبْنُ لُحيٍّ».
وكان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتَّى هلك وهو ابن ثلاث مائة سنة
وخمس وأربعين سنة، وبلغ ولده وأعقابهم ألف مقاتل فيما يذكرون(١٣٦).
فإنْ كان المخالف لنا في ذلك مَنْ يحيل ذلك من المنجِّمين وأصحاب الطبائع، فالكلام
معهم في أصل هذه المسألة، وأنَّ العالم مصنوع، وله صانع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٢) قال الحموي في
معجم البلدان (ج ١/ ص ٩٤): (قال الزمخشري: أجأ وسلمى جبلان عن يسار سميراء...، وقال
أبو عبيد السكوني: أجأ أحد جبلي طيئ وهو غربي فيد، وبينهما مسير ليلتين، وفيه قرى
كثيرة).
(١٣٣) يبدو أنَّها منطقة بين مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، ففي تحفة الأحوذي
(ج ٨/ ص ٢٤٢): (اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر...). وقد يأتي بلفظ (المشلل)
كما في معجم البلدان (ج ٤/ ص ٢٠٣) حيث قال ضمن كلام له: (غسَّان، ماء بالمشلل قريب
من الجحفة).
(١٣٤) والحديث مرسَل.
(١٣٥) كان من خزاعة وكان من سادات العرب، يُعَدُّ أوَّل من غيَّر دين إبراهيم
الحنيفيَّة والذي كان يقوم على توحيد الله تعالى، حيث إنَّه أدخل الأصنام لتُعبَد
من دون الله (عزَّ وجلَّ).
(١٣٦) رواه ابن هشام في السيرة النبويَّة (ج ١/ ص ٥٠ و٥١).
أجرى العادة بقصر
الأعمار وطولها، وأنَّه قادر على إطالتها وعلى إفنائها، فإذا بُيِّن ذلك سهل
الكلام.
وإنْ كان المخالف في ذلك مَنْ يُسلِّم ذلك غير أنَّه يقول: هذا خارج عن العادات،
فقد بيَّنَّا أنَّه ليس بخارج عن جميع العادات.
ومتى قالوا: خارج عن عادتنا.
قلنا: وما المانع منه؟
فإنْ قيل: ذلك لا يجوز إلَّا في زمن الأنبياء.
قلنا: نحن ننازع في ذلك، وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمَّة
والصالحين، وأكثر أصحاب الحديث يُجوِّزون ذلك، وكثير من المعتزلة والحشويَّة(١٣٧)،
وإنْ سمُّوا ذلك كرامات، كان ذلك خلافاً في عبارة، وقد دلَلنا على جواز ذلك في
كُتُبنا، وبيَّنَّا أنَّ المعجز إنَّما يدلُّ على صدق مَنْ يظهر على يده، ثمّ نعلمه
نبيًّا أو إماماً أو صالحاً لقوله، وكلَّما يذكرونه من شُبَههم قد بيَّنَّا الوجه
في كُتُبنا لا نُطوِّل بذكره هاهنا.
٨٩ - ووجدت بخطِّ الشريف الأجلِّ الرضيِّ(١٣٨) أبي الحسن محمّد بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٧) مفهوم كلامي
يُقصَد به الفرقة التي تميل إلى التفسير الحرفي للنصوص ولا تستعمل القواعد
العقليَّة في تفسير المسائل الدِّينيَّة، وقد تعرَّضنا له مفصَّلاً من جهة دلالاته
وتأريخ نشأته والفِرَق التي انتهجته في الدروس الاستدلاليَّة في علم الكلام في دروس
سنة (١٤٤٥هـ).
(١٣٨) جعلنا البحث السندي في هذا الخبر في الهامش لكي لا يقع الفصل الطويل في
المتن.
ترجمة السيِّد الرضي (رحمه الله): محمّد بن الحسين بن موسى، طبقته في الحديث
الحادية عشر، قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجال الحديث (ج ١٧/ ص ٢٣ -
٢٧/ الرقم ١٠٦١٦): (قال النجاشي [رجال النجاشي (ص ٣٩٨/ الرقم ١٠٦٥)]: محمّد بن
الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن
الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، أبو الحسن الرضي، نقيب العلويِّين
ببغداد، أخو المرتضى، كان شاعراً مبرزاً. له كُتُب... تُوفِّي في السادس من
المحرَّم سنة ستٍّ وأربعمائة. وقال ابن شهرآشوب في معالم العلماء [ص ٨٦/ الرقم ٣٣٦]
في باب الراء بعنوان الرضي: الشريف الرضي الموسوي: وهو أبو الحسن محمّد بن الحسين،
له كتاب نهج البلاغة... وقال ابن خلِّكان [وفيات الأعيان (ج ٤/ ص ٤١٦/ الرقم ٦٦٧)]:
وذكر أبو الفتح ابن جنِّي، في بعض مجاميعه، أنَّ الشريف الرضي، أُحضِرَ إلى ابن
السيرافي النحوي - وهو طفل جدًّا لم يبلغ عمره عشر سنين - فلقَّنه النحو، وقعد معه
يوماً في الحلقة، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال: إذا قلنا: (رأيت
عمر) فما علامة النصب؟ فقال: بغض عليٍّ، فتعجَّب السيرافي والحاضرون من حِدَّة
خاطره، تُوفِّي سنة (٤٠٣هـ)).
الحسين الموسوي (رضي
الله عنه) تعليقاً في تقاويم جمعها مؤرَّخاً بيوم الأحد الخامس عشر من المحرَّم سنة
إحدى وثمانين وثلاثمائة أنَّه ذُكِرَ له حال شيخ في باب الشام قد جاوز المائة
وأربعين سنة، فركبت إليه حتَّى تأمَّلته وحملته إلى القرب من داري بالكرخ، وكان
أُعجوبة، شاهد الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا (عليهم السلام) أبا القائم
(عليه السلام) ووصف صفته، إلى غير ذلك من العجائب التي شاهدها، هذه حكاية خطِّه
بعينها.
فأمَّا ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوِّ السنِّ وتناقض بنية الإنسان، فليس
ممَّا لا بدَّ منه، وإنَّما أجرى الله العادة بأنْ يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا
إيجاب هناك، وهو تعالى قادر أنْ لا يفعل ما أجرى العادة بفعله.
وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنَّ تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وقد ذكرنا فيما تقدَّم
عن جماعة أنَّهم لم يتغيَّروا مع تطاول أعمارهم وعلوِّ سنِّهم، وكيف يُنكِر ذلك
مَنْ يقرُّ بأنَّ الله تعالى يُخلِد المثابين في الجنَّة شُبَّاناً لا يبلون؟
وإنَّما يمكن أنْ ينازع في ذلك مَنْ يجحد ذلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب
الذي قد دلَّ الدليل على بطلان قولهم باتِّفاقٍ منَّا وممَّن خالفنا في هذه المسألة
من أهل الشرع، فسقطت الشبهة من كلِّ وجه).
* * *
نتعرَّض في هذا الدرس
لشرح ما ذكره شيخ الطائفة (قدّس سرّه) تحت عنوان (دليل آخر)، حيث يبدأ (قدّس سرّه)
بطرح دليل آخر على صحَّة إمامة الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبته، في سياق الأدلَّة
المتعدِّدة التي يوردها لإثبات هذا الأمر.
وهذا الأُسلوب متَّبع عند المتكلِّمين من الشيعة في بيان المسائل العقديَّة، حيث لا
يقتصرون على دليل واحد، بل يوردون جملة من الأدلَّة لتأكيد المطلوب.
بيان دليل الاثني عشر ودلالته
على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وإمامته بروايات العامَّة:
يرتكز هذا الدليل على أمر متَّفق عليه بين الطائفتين المختلفتين: الشيعة الإماميَّة
والعامَّة، وهو أنَّ عدد الأئمَّة بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) هو اثنا عشر
إماماً، لا يزيدون ولا ينقصون.
وهذه الرواية وردت في كُتُب الفريقين، وقد ثبتت بطريق التواتر عند الفريقين.
وهذه قاعدة في الاستدلال الكلامي عند علماء الإماميَّة، حيث يعتمدون على القواسم
المشتركة بين المسلمين لتثبيت دعواهم، فيستشهدون بأحاديث وردت في كُتُب المخالفين
لتأكيد الحقِّ الذي يذهبون إليه، وهو ما فعله الشيخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٩) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
الطوسي (قدّس سرّه) في
(الغيبة)، والشيخ المفيد (قدّس سرّه) في (الإرشاد)، والنعماني (رحمه الله) في
(الغيبة)، وغيرهم.
هذه قاعدة عقليَّة تستند إلى مفهوم اللزوم العقلي، فإذا ثبت أنَّ عدد
الأئمَّة (عليهم السلام) محصور في اثني عشر، فلا بدَّ أنْ يكون الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر، وإلَّا لزم الزيادة على هذا العدد، وهو ما
يخالف الروايات المتَّفق عليها بين المسلمين.
وهنا يلجأ المستدلُّ إلى إلزام الخصم بما يقرُّه من دون أنْ يُدرِك لوازمه، وهذه
طريقة يستخدمها المتكلِّمون الشيعة لإبطال دعاوى المخالفين، حيث يُبيِّنون أنَّ
المخالفين لا يمكنهم الالتزام بعدد معيَّن للأئمَّة، في حين أنَّ الإماميَّة
يلتزمون برواية صحيحة قطعيَّة تقصر عدد الأئمَّة (عليهم السلام) على اثني عشر فقط.
يُؤكِّد شيخ الطائفة (قدّس سرّه) هنا أنَّ المسألة ليست مجرَّد دعوى، بل لها سند
روائي صحيح، وسيقوم بعرض الأدلَّة من الأخبار المتواترة في هذا الباب. وهذه الطريقة
مألوفة عند علماء الإماميَّة، حيث لا يعتمدون على الاستدلال العقلي فقط، بل يعضدونه
بالأدلَّة النقليَّة الصحيحة.
ثمّ - بعد بيان أصل الدليل ووجه دلالته واعتماد الشيوخ عليه - انتقل (قدّس سرّه)
إلى ذكر عدَّة روايات من مصادر العامَّة لإثبات المدَّعى، وأمَّا التفصيل، ففي
كُتُب الحديث المعدَّة لذلك كـ (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله) و(كمال
الدِّين) للشيخ الصدوق (قدّس سرّه).
وفيما يرتبط باستعراض الروايات سنداً ودلالةً، نقتصر على تطبيق العبارة، إذ من جهة
سندها لا نُفصِّل فيه لعدم ترتُّب غرض كبير على ذلك بعد دعوى تواترها، وعدم الحاجة
الفعليَّة إلى ترجمة رجالها - وأمَّا رواتها منَّا فسنتعرض لهم ابتداءً من الدرس
القادم إنْ شاء الله تعالى -، وأمَّا من جهة دلالتها فهي ظاهرة بما يغني عن البحث
الدلالي المعهود في هذا الشرح.
نعم، سنذكر في الهامش
عدَّة إشكالات ذكرها الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) قبل التعرُّض لهذه الروايات أوردها
المخالف على مضمونها، ولـمَّا كانت خارج صدد بحثنا من شرح كتاب (الغيبة) لشيخ
الطائفة (قدّس سرّه) ذكرناها كما هي في الهامش تتميماً للفائدة، وإرشاداً لمن رغب
بالتوسعة(١٤٠).
ثم قال (قدّس سرّه): (دليل آخر(١٤١): وممَّا يدلُّ على إمامة صاحب الزمان ابن الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٠) قال الشيخ الصدوق
(قدّس سرّه) في كمال الدِّين (ص ٦٧ - ٦٩): (اعتراضات للزيديَّة: قال بعض الزيديَّة:
إنَّ الرواية التي دلَّت على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر قول أحدثه الإماميَّة قريباً
وولَّدوا فيه أحاديث كاذبة.
فنقول - وبالله التوفيق -: إنَّ الأخبار في هذا الباب كثيرة والمفزع والملجأ إلى
نقلة الحديث وقد نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلاً مستفيضاً من حديث عبد الله بن
مسعود...، وقد أخرجت بعض طُرُق هذا الحديث في هذا الكتاب، وبعضها في كتاب النصِّ
على الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) بالإمامة. ونقل مخالفونا من أصحاب الحديث
نقلاً ظاهراً مستفيضاً من حديث جابر ابن سمرة...، وقد أخرجت طُرُق هذا الحديث
أيضاً. وبعضهم روى «اِثْنَا عَشَرَ أَمِيراً»، وبعضهم روى «اِثْنَا عَشَرَ
خَلِيفَةً»، فدلَّ ذلك على أنَّ الأخبار التي في يد الإماميَّة، عن النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) بذكر الأئمَّة الاثني عشر أخبار صحيحة.
قالت الزيديَّة: فإنْ كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد عرَّف أُمَّته أسماء
الأئمَّة الاثني عشر فلِمَ ذهبوا عنه يميناً وشمالاً وخبطوا هذا الخبط العظيم؟
فقلنا لهم: إنَّكم تقولون: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) استخلف عليًّا
(عليه السلام) وجعله الإمام بعده ونصَّ عليه وأشار إليه وبيَّن أمره وشهَّره، فما
بال أكثر الأُمَّة ذهبت عنه وتباعدت منه حتَّى خرج من المدينة إلى ينبع وجرى عليه
ما جرى؟ فإنْ قلتم: إنَّ عليًّا (عليه السلام) لم يستخلفه رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) فلِمَ أودعتم كُتُبكم ذلك وتكلَّمتم عليه؟ فإنَّ الناس قد يذهبون عن
الحقِّ وإنْ كان واضحاً، وعن البيان وإنْ كان مشروحاً، كما ذهبوا عن التوحيد إلى
التلحيد، ومن قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١] إلى التشبيه).
ومجوع الاعتراضات من الزيديَّة على دلالة حديث الاثني عشر على إمام الحجَّة (عجَّل
الله فرجه) التي ذكرها الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) أربعة من المناسب مراجعتها
والتأمُّل فيها.
(١٤١) لعلَّه يقصد بالدليل الأوَّل ما تقدَّم منه في أوَّل الدرس (٥١)، من قوله
(قدّس سرّه): (وإذا ثبتت إمامته بهذه السياقة ثمّ وجدناه غائباً عن الأبصار).
ابن عليِّ بن محمّد بن
الرضا (عليهم السلام) وصحَّة غيبته ما رواه الطائفتان المختلفتان، والفرقتان
المتباينتان العامَّة والإماميَّة أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) بعد النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) اثنا عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وإذا ثبت ذلك فكلُّ من قال بذلك
قطع على الأئمَّة الاثني عشر الذين نذهب إلى إمامتهم، وعلى وجود ابن الحسن (عليه
السلام) وصحَّة غيبته، لأنَّ مَنْ خالفهم في شيء من ذلك لا يقصر الإمامة على هذا
العدد، بل يُجوِّز الزيادة عليها، وإذا ثبت بالأخبار التي نذكرها هذا العدد المخصوص
ثبت ما أردناه).
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) جملة من الروايات من مخالفي الشيعة بكون الأئمَّة (عليهم
السلام) (بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش)، حيث
قال (قدّس سرّه) ما نصُّه: (فنحن نذكر جُمَلاً من ذلك، ونحيل الباقي على الكُتُب
المصنَّفة في هذا المعنى، لئلَّا يطول به الكتاب إنْ شاء الله تعالى. فممَّا روي في
ذلك من جهة مخالفي الشيعة).
والروايات التي ذكرها (قدّس سرّه) (١١) رواية، وهي:
رواية: أبو عبد الله أحمد بن
عبدون المعروف بابن الحاشر:
الحديث (٩٠): مَا أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو عَبْدِ اَلله أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ
اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلحَاشِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدُ
بْنُ عَلِيٍّ اَلشُّجَاعِيُّ اَلْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اَلله
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي زَيْنَبَ اَلنُّعْمَانِيِّ
اَلْكَاتِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَلَّانَ
اَلذَّهَبِيُّ اَلْبَغْدَادِيُّ بِدِمَشْقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ اَلجَعْدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زِيَادِ اِبْنِ خَيْثَمَةَ، عَنِ اَلْأَسْوَدِ
بْنِ سَعِيدٍ اَلهَمْدَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: «يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا
عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى
مَنْزِلِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَا ذَا؟ فَقَالَ: «ثُمَّ
يَكُونُ اَلهَرْجُ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)(١٤٢)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (قدّس سرّه)(١٤٣).
٢ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(١٤٤).
٣ - الخصال للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(١٤٥).
٤ - تقريب المعارف للشيخ أبي الصلاح الحلبي (قدّس سرّه)(١٤٦).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦). وسيأتي مزيد تحقيق في
شخصيَّته عند البحث عن مشايخ شيخ الطائفة (قدّس سرّه) وبيان طُرُقه إلى الكُتُب
والمصنَّفات.
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: طبقته في الحديث تحتمل العاشرة، مجهول.
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): طبقته في الحديث
العاشرة، من وجوه توثيقه العديدة: كثير الكُتُب والمصنَّفات، توثيق الشيخ النجاشي
(رحمه الله) له ووصفه إيَّاه: (عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة، كثير
الحديث)(١٤٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٢) من خلال المقارنة
بين المصادر التي روت الأحاديث قبل كتاب الغيبة لشيخ الطائفة (قدّس سرّه) وجدنا
جملة من الاختلافات في المتن أو السند أو في كليهما في بعض المصادر، ولم نشر لها
ميلاً للاختصار، فمَنْ يرغب بالمراجعة عليه بالمصادر التي ذكرناها.
(١٤٣) الغيبة للنعماني (ص ١٠٤/ باب ٤/ ح ٣١).
(١٤٤) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٥/ باب ٦/ ح ١٤).
(١٤٥) الخصال (ص ٤٧٢/ ح ٢٦).
(١٤٦) تقريب المعارف (ص ٤١٨).
(١٤٧) رجال النجاشي (ص ٣٨٣/ الرقم ١٠٤٣).
٤ - محمّد بن عثمان بن
علَّان الذهبي: طبقته في الحديث التاسعة، لم يذكروه، مجهول. وإنْ كان الشيخ
النعماني (رحمه الله) قد روى عنه عدَّة أحاديث من روايات الاثني عشر.
٥ - أبو بكر بن أبي خيثمة(١٤٨): وثَّقه جماعة من علماء الحديث عند العامَّة، منهم:
الخطيب والدارقطني.
٦ - عليُّ بن الجعد(١٤٩): وثَّقه جماعة من العامَّة، منهم: أبو حاتم، ووصفه بأنَّه
متقن صدوق.
٧ - زهير بن معاوية(١٥٠): وثَّقه غير واحد من العامَّة، منهم: أبو زرعة، وصالح بن
أحمد بن حنبل.
٨ - زياد بن خيثمة(١٥١): وثَّقه جماعة من العامَّة، منهم: أبو حاتم، والآجري، وابن
حبَّان.
٩ - الأسود بن سعيد الهمداني(١٥٢): لم يرد في حقِّه منهم توثيق، مهمل.
١٠ - جابر بن سمرة: (بن جنادة بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن
صعصعة العامري السوائي حليف بني زهرة، وأُمُّه خالدة بنت أبي وقَّاص أُخت سعد بن
أبي وقَّاص، له ولأبيه صحبة، أخرج له أصحاب الصحيح)(١٥٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٨) راجع: تذكرة
الحُفَّاظ (ج ٢/ ص ١٨٥/ الرقم ٩٦١٩/٧١).
(١٤٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٠/ ص ٣٤١/ الرقم ٤٠٣٤).
(١٥٠) راجع: تهذيب الكمال (ج ٩/ ص ٤٢٠/ الرقم ٢٠١٩).
(١٥١) راجع: تهذيب الكمال (ج ٩/ ص ٤٥٧/ الرقم ٢٠٣٩).
(١٥٢) راجع: تهذيب الكمال (ج ٣/ ص ٢٢٣/ الرقم ٥٠١).
(١٥٣) الإصابة (ج ١/ ص ٥٤٢ و٥٤٣/ الرقم ١٠١٩).
رواية: ابن أبي خثيمة:
الحديث (٩١): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ(١٥٤)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ،
عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ وَسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ
اَلرَّحْمَنِ، كُلِّهِمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله) قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، ثُمَّ
تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلْتُ اَلْقَوْمَ،
فَقَالُوا: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(١٥٥).
٢ - الخصال للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(١٥٦).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - في هذه الطبقة جماعة، وهم:
أ - زياد بن علاقة(١٥٧): بن مالك الثعلبي، أبو مالك الكوفي، ابن أخي قطبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٤) أي الإسناد
المتقدِّم إلى النعماني (رحمه الله).
(١٥٥) الغيبة للنعماني (ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٢).
(١٥٦) الخصال (ص ٤٧١/ ح ٢١).
(١٥٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ٩/ ص ٤٩٨/ الرقم ٢٠٦١).
ابن مالك. وثَّقه غير
واحد من العامَّة، منهم: أبو خيثمة، وأبو حاتم، وابن حبَّان.
ب - سماك بن حرب(١٥٨): بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة ابن ربيعة بن
عامر بن ذهل بن ثعلبة الذهلي البكري. وثَّقه جماعة كالنسائي، وضعَّفه آخرون كصالح
البغدادي وابن عدي.
ج - حصين بن عبد الرحمن(١٥٩): أبو الهذيل السلمي الكوفي. وثَّقه جماعة من العامَّة،
منهم: ابن أبي حاتم وزرعة وأحمد. وذكره البخاري في (الضعفاء).
٦ - جابر بن سمرة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
رواية: ابن عون عن الشعبي:
الحديث (٩٢): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اِبْنُ عَوْنٍ، عَنِ اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:
ذَكَرَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قَالَ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ هَذَا
اَلدِّينِ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»،
فَجَعَلَ اَلنَّاسُ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَمْ
أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي أَوْ لِأَخِي: أَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟ فَقَالَ: قَالَ:
«كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٨) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٢/ ص ١١٥/ الرقم ٢٥٧٩).
(١٥٩) راجع: ميزان الاعتدال (ج ١/ ص ٥٥١ و٥٥٢/ الرقم ٢٠٧٥).
٢ - أبو الحسين محمّد
بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - ابن عون (عبد الله بن عون)(١٦٠): بن أرطبان المزني، أبو عون البصري. كان جدُّه
أرطبان مولى لعبد الله بن مغفل المزني، وقيل: مولى لعبد الله بن درَّة بن سراق
المزني. وثَّقه جماعة من العامَّة، منهم: عليُّ بن المدني، ومسلم بن إبراهيم.
٦ - الشعبي (عامر الشعبي)(١٦١): وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل بن
عبد، الشعبي، أبو عمرو الكوفي. روى عن: أُسامة بن زيد بن حارثة، والأشعث بن قيس
الكندي، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب... وثَّقه جماعة من العامَّة، منهم: ابن
معين ومكحول وغيرهما.
٧ - جابر بن سمرة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
رواية: سليمان بن أحمر:
الحديث (٩٣): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَلله بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْنُ عَوْنٍ، عَنِ
اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: [ذَكَرَ](١٦٢) أَنَّ
اَلنَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قَالَ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ [هَذَا] اَلدِّينِ
يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، فَجَعَلَ
اَلنَّاسُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٠) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٥/ ص ٣٩٤/ الرقم ٣٤٦٩).
(١٦١) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٤/ ص ٢٨/ الرقم ٣٠٤٢).
(١٦٢) ما بين المعقوفتين من الغيبة للنعماني ونُسَخ (أ، ف، م)، وكذا ما يأتي.
يَقُومُونَ
وَيَقْعُدُونَ، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي أَوْ
لِأَخِي: أَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟ فَقَالَ: قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(١٦٣).
٢ - تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي (رحمه الله)(١٦٤).
٣ - الاستنصار للكراجكي (رحمه الله)(١٦٥).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - أحمد (أبو بكر بن أبي خيثمة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٦ - عبيد الله بن عمر(١٦٦): بن عمر بن ميسرة الجشمي، مولاهم، القواريري، أبو سعيد
البصري نزيل بغداد، وثَّقه جماعة من العامَّة، منهم: ابن معين، وأبو حاتم،
والمروزي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٣) الغيبة للنعماني
(ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٣).
(١٦٤) تقريب المعارف (ص ٤١٨).
(١٦٥) الاستنصار (ص ٢٥).
(١٦٦) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٩/ ص ١٣٠/ الرقم ٣٦٦٩).
٧ - سليمان بن أحمر: لم
يرد عنه ذكر في كُتُب الرجال، وهو ما يُعبَّر عنه بـ (المهمل).
٨ - ابن عون (عبد الله بن عون): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٢).
٩ - الشعبي (عامر الشعبي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٢).
١٠ - جابر بن سمرة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
رواية: شُفَي الأصبحي:
الحديث (٩٤): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اَللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
هِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ شُفَيٍّ
اَلْأَصْبَحِيِّ(١٦٧)، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اَلله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفِي اِثْنَا
عَشَرَ خَلِيفَةً».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(١٦٨).
٢ - مقتضب الأثر لابن عيَّاش(١٦٩).
٣ - تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي (رحمه الله)(١٧٠).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٧) تأتي ترجمته
مفصَّلاً في (ص ١٣٢).
(١٦٨) الغيبة للنعماني (ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٤، وص ١٢٥/ باب ٦/ ح ٢٣).
(١٦٩) مقتضب الأثر (ص ٥).
(١٧٠) تقريب المعارف (ص ٤١٨).
٢ - أبو الحسين محمّد
بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - أحمد بن أبي خيثمة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٦ - يحيى بن معين(١٧١): من كبار علماء الحديث عند العامَّة، ورد فيه مدح وذمٌّ، فقد
وقع فيه ابن داود وقال: من جرَّ ذيول الناس جرُّوا ذيله، وقيل فيه: قفز القنطرة،
وقال عنه ابن حنبل: أعلمنا بالرجال.
٧ - عبد الله بن صالح بن محمّد بن مسلم(١٧٢): أبو صالح الجهني. وثَّقه جماعة،
وضعَّفه آخرون منهم: النسائي.
٨ - الليث بن سعد(١٧٣): الفهمي أبو الحارث. وثَّقه جماعة. وقال يحيى بن معين: كان
يتساهل في الشيوخ والسماع.
٩ - خالد بن يزيد: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (في الأصل والبحار: خلف بن يزيد،
وما أثبتناه من غيبة النعماني وكُتُب التراجم)، فإنْ كان اسم الراوي (خلف بن يزيد)،
فهو لم يرد له ذكر في كُتُب الرجال، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ (المهمل).
وإنْ كان اسم الراوي (خالد بن يزيد)، فترجمته كالآتي(١٧٤): الجمحي، أبو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧١) راجع: ميزان
الاعتدال (ج ٤/ ص ٤١٠/ الرقم ٩٦٣٦).
(١٧٢) راجع: تذكرة الحُفَّاظ (ج ١/ ص ٣٩٤/ الرقم ٣٨٨).
(١٧٣) راجع: ميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٤٢٣/ الرقم ٦٩٩٨).
(١٧٤) راجع: تهذيب الكمال (ج ٨/ ص ٢٠٨/ الرقم ١٦٦٦).
عبد الرحيم المصري،
مولى ابن الصيغ، ويقال: مولى ابن أبي الصبيغ مولى عمير ابن وهب الجمحي. فقد وثَّقه
جماعة، منهم: أبو زرعة، والنسائي، وأبو حاتم.
١٠ - سعيد بن أبي هلال(١٧٥): الليثي، أبو العلاء المصري، مولى عروة بن شييم الليثي،
ويقال: أصله من المدينة. وثَّقه جماعة، منهم: ابن حبَّان. وغمز فيه آخرون.
١١ - ربيعة بن سيف(١٧٦): بن ماتع المعافري الصنمي الإسكندراني. روى عن: بشر بن زبيد
المعافري، وتبيع الحميري، وشفي بن ماتع الأصبحي، وعبد الله بن عمرو بن العاص... روى
عنه: بكر بن مضر، وجعفر بن ربيعة، وحياة ابن شريح، وخُنَيس بن عامر المعافري، وسعيد
بن أبي أيُّوب... وحاله حال من سبقه. قال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس
به بأس. وقال الدارقطني: مصري صالح. وذكره ابن حبَّان في كتاب (الثقات) وقال: كان
يُخطئ كثيراً. وقال أبو سعيد ابن يونس: في حديثه مناكير.
١٢ - شفي الأصبحي(١٧٧): ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان، ويقال: أبو سهل،
ويقال: أبو عبيد المصري، والد حسين بن شفي. روى عن: النبيِّ [(صلَّى الله عليه
وآله)] مرسَلاً، وعن تبيع الحميري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة. روى
عنه: أيُّوب بن بشير العجلي الشامي، وابنه حسين بن شفي، وأبو هانئ حميد بن هانئ
الخولاني... قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبَّان في كتاب (الثقات). روى له البخاري
في أفعال العباد، وابن ماجة في (التفسير) قوله، والباقون سوى مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٥) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١١/ ص ٩٤/ الرقم ٢٣٧٢).
(١٧٦) راجع: تهذيب الكمال (ج ٩/ ص ١١٣/ الرقم ١٨٧٦).
(١٧٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٢/ ص ٥٤٣/ الرقم ٢٧٦٤).
١٣ - عبد الله بن عمر:
ورد في هامش النسخة المعتمدة: (في غيبة النعماني ومقتضب الأثر والعدد القويَّة: عبد
الله بن عمرو بن العاص)، فإنْ كان الرواي هو (عبد الله بن عمر)، فترجمته
كالآتي(١٧٨): بن الخطَّاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكِّي ثمّ المدني، أسلم
قديماً مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه، وقدَّمه في ثقله، واستُصغِرَ
يوم أُحُد، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله [(صلَّى الله عليه
وآله)].
وإنْ كان الراوي (عبد الله بن عمرو بن العاص)، فترجمته كالآتي(١٧٩): بن وائل بن
هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، ولم يكن
بينه وبين أبيه في السنِّ سوى إحدى عشرة سنة(١٨٠)، وأسلم قبل أبيه، قال أبو هريرة:
ما كان أحد أكثر حديثاً عن رسول الله [(صلَّى الله عليه وآله)] منِّي إلَّا عبد
الله بن عمرو، فإنَّه كان يكتب، وكنت لا أكتب.
رواية: عفَّان ويحيى بن إسحاق
السيلحيني:
الحديث (٩٥): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ
اَلسَّيْلَحِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اَلله بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي اَلطُّفَيْلِ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ
اَلله بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا اَلطُّفَيْلِ، عُدَّ اِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ بَنِي
كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ(١٨١)، ثُمَّ يَكُونُ اَلنَّقْفُ وَاَلنِّقَافُ(١٨٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٨) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٥/ ص ٣٣٢/ الرقم ٣٤٤١).
(١٧٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٥/ ص ٣٥٧/ الرقم ٣٤٥٠).
(١٨٠) وفيه تأمُّل ظاهر، إذ كيف يكون بينه وبين أبيه أحد عشر سنة.
(١٨١) هو من أجداد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، إذ إنَّ نَسَبه الشريف: محمّد
بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب
بن لؤي بن غالب...
(١٨٢) في الأصل: (النفاق). قال الجزري في النهاية (ج ٥/ ص ١٠٩): (في حديث عبد الله
بن عمر: واعدد اثني عشر من بني كعب بن لؤي، ثمّ يكون النقف والنقاف، أي القتل
والقتال. والنقف: هشم الرأس، أي: تهيج الفتن والحروب بعدهم)؛ وكذا في الفائق في
غريب الحديث (ج ٣/ ص ٣٢٧).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(١٨٣).
٢ - تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي (رحمه الله)(١٨٤).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - أحمد (أبو بكر بن أبي خيثمة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٦ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - عفَّان (عفَّان بن مسلم)(١٨٥): بن عبد الله الصفَّار، أبو عثمان البصري، مولى
عزرة بن ثابت الأنصاري، سكن بغداد. روى عن: أبان بن يزيد العطَّار، وإسماعيل بن
علية، والأسود بن شيبان... روى عنه: البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وإبراهيم
بن الحسين بن ديزيل الهمذاني الكسائي. قال أحمد بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٣) الغيبة للنعماني
(ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٥، وص ١٢٥/ باب ٦/ ح ٢٤).
(١٨٤) تقريب المعارف (ص ٤١٨ و٤١٩).
(١٨٥) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٠/ ص ١٦٠/ الرقم ٣٩٦٤).
عبد الله العجلي:
عفَّان بن مسلم بصري ثقة ثبت صاحب سُنَّة. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين
يقول: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة، وعفَّان. وقال أبو
حاتم: عفَّان إمام ثقة متقن متين.
ب - يحيى بن إسحاق السيلحيني: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (كذا في كُتُب الرجال،
وفي نسخة أخرى: المالجيني، وفي البحار وغيبة النعماني ونسخة (ف): السالحيني)، لم
يُترجَم له باسم (المالجيني).
أمَّا يحيى بن إسحاق(١٨٦): البجلي، أبو زكريَّا، ويقال: أبو بكر السيلحيني، ويقال:
السيلحوني والسالحيني أيضاً، والسيلحين: قرية بالقرب من بغداد. روى عن: أبان بن
يزيد العطَّار، وجعفر بن كيسان العدوي، وحمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سَلَمة... روى
عنه: أحمد بن حازم بن أبي غرزة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن خالد الخلال... قال محمّد
بن سعد: كان ثقةً حافظاً لحديثه، وكان ينزل بغداد في دار الرقيق، ومات بها في سنة
عشر ومائتين في خلافة المأمون.
٧ - حمَّاد بن سَلَمة(١٨٧): بن دينار البصري، أبو سَلَمة بن أبي صخرة، مولى ربيعة
بن مالك بن حنظلة من بني تميم، ويقال: مولى قريش، ويقال: مولى حميري ابن كرامة، وهو
ابن أُخت حميد الطويل. روى عن: الأزرق بن قيس، وإسحاق ابن سويد العدوي، وإسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة... روى عنه: إبراهيم بن الحجَّاج السامي، وإبراهيم بن أبي
سويد الذارع، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وآدم بن أبي أياس... قال إسحاق بن منصور، عن
يحيى بن معين: حمَّاد بن سَلَمة ثقة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين:
أثبت الناس في ثابت البناني حمَّاد بن سَلَمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٦) راجع: تهذيب
الكمال (ج ٣١/ ص ١٩٥/ الرقم ٦٧٨١).
(١٨٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ٧/ ص ٢٥٣/ الرقم ١٤٨٢).
٨ - عبد الله بن عثمان:
ورد في هامش النسخة المعتمدة: (كذا في غيبة النعماني، وفي نُسَخ الأصل والبحار: عبد
الله بن عمر)، فإنْ كان اسم الراوي (عبد الله بن عمر) فلم أجد راوياً باسم (عبد
الله بن عمر) يروي عن أبي الطفيل أو يروي عنه (حمَّاد بن سَلَمة)، فهو إمَّا لم يرد
له ذكر في كُتُب الرجال، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ (المهمل)، وإن كان اسم الراوي (عبد
الله بن عثمان)(١٨٨)، فترجمته كالآتي: بن خثيم القاري، من القارة، أبو عثمان
المكِّي، حليف بني زهرة. روى عن: إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، وسعيد بن جبير، وسعيد
بن أبي راشد... روى عنه: إسماعيل بن علية، وإسماعيل بن عيَّاش، وبشر بن المفضَّل،
وجرير بن عبد الحميد... قال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة، حجَّة.
وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث.
٩ - أبو الطفيل عامر بن واثلة(١٨٩): طبقته في الحديث الأُولى، ومن شيوخ الثانية، بل
وقيل: الثالثة. بن عبد الله بن عمرو بن جحش. ويقال: خميس بن جري بن سعد بن ليث بن
بكر بن عبد مناة بن عليِّ بن كنانة، أبو الطفيل الليثي، ويقال: اسمه عمرو، والأوَّل
أصحّ. وُلِدَ عام أُحُد، وأدرك ثماني سنين من حياة النبيِّ [(صلَّى الله عليه
وآله)]. أبو الطفيل: عدَّه الشيخ (قدّس سرّه) (تارةً) من أصحاب رسول الله (صلَّى
الله عليه وآله)، وفي أصحاب عليٍّ (عليه السلام)، قائلاً: (عامر بن واثلة، يُكنَّى
أبا الطفيل، أدرك ثمان سنين من حياة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وُلِدَ عام
أُحُد)، و(ثالثة) في أصحاب الحسن (عليه السلام)، قائلاً: (عامر بن واثلة بن
الأسقع)، و(رابعة) في أصحاب السجَّاد (عليه السلام)، قائلاً: (عامر بن واثلة
الكناني، يُكنَّى أبا الطفيل، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام))(١٩٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٨) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٥/ ص ٢٧٩/ الرقم ٣٤١٧).
(١٨٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٤/ ص ٧٩/ الرقم ٣٠٦٤).
(١٩٠) رجال الطوسي (ص ٤٤ و٧٠ و٩٥ و١١٨/ الرقم ٣٣٠/٥٢ و٦٤٦/٨ و٩٤١/٣ و١١٩٢/٢٤).
وعدَّه البرقي (رحمه
الله) من خواصِّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، من مضر، ومن أصحاب السجَّاد
(عليه السلام) أيضاً(١٩١).
وعدَّه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في (المناقب) من أصحاب الحسن الذين هم من خواصِّ
أبيه (عليهما السلام)(١٩٢).
وهو من جملة مَنْ أراد الحجَّاج قتلهم لولائهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)،
لكنَّه نجا، لأنَّه كانت له يد عند عبد المَلِك، ويأتي ذلك في ترجمة يحيى بن أُمِّ
الطويل.
وقال الكشِّي (رحمه الله): (عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ اِبْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
فَضَّالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ،
عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه
السلام): كَيْفَ أَصْبَحْتَ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «أَصْبَحْتُ أَقُولُ كَمَا
قَالَ أَبُو اَلطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ:
وَإِنَّ لِأَهْلِ اَلْحَقِّ لَا بُدَّ دَوْلَةً * * * عَلَى اَلنَّاسِ إِيَّاهَا أَرْجَى وَأَرْقَبُ».
قَالَ: «أَنَا وَاَلله
مِمَّنْ يُرْجَى وَسَيُرْقَبُ».
وَكَانَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ كِيسَانِيًّا مِمَّنْ يَقُولُ بِحَيَاةِ مُحَمَّدِ
بْنِ اَلْحَنَفِيَّةِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ شِعْرٌ، وَخَرَجَ تَحْتَ رَايَةِ
اَلمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا بَقِيَ مِنَ
اَلسَّبْعِينَ غَيْرِي)(١٩٣).
١٠ - عبد الله بن عمر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٤).
رواية: أبي خالد الوالبي:
الحديث (٩٦): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا (أَحْمَدُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا اَلمُقَدَّمِيُّ، عَنْ عَاصِمِ [بْنِ
عُمَرَ] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مِقْدَامٍ أَبُو يُونُسَ، قَالَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩١) رجال البرقي (ص ٤
و٨).
(١٩٢) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٢٠١).
(١٩٣) رجال الكشِّي (ج ١/ ص ٣٠٨ و٣٠٩/ ح ١٤٩).
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ اَلْوَالِبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)
يَقُولُ: «لَا يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ ظَاهِراً لَا يَضُرُّهُ مَنْ نَاوَاهُ حتَّى
يَقُومَ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(١٩٤).
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(١٩٥).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - أحمد (أبو بكر بن أبي خيثمة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٦ - المقدَّمي(١٩٦): بن عليِّ بن عطاء ابن مقدَّم المقدَّمي، أبو عبد الله الثقفي،
مولاهم، البصري، والد أحمد بن محمّد بن أبي بكر المقدَّمي القاضي، وأخو عبد الله بن
أبي بكر المقدَّمي، وابن عمِّ محمّد بن عمر بن عليٍّ المقدَّمي. روى عن: إسماعيل بن
علية، وبشر بن المفضَّل، وحرمي بن عمارة، وحمَّاد بن زيد... روى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٤) الغيبة للنعماني
(ص ١٠٦/ باب ٤/ ح٣٦)، وفيه: (الأمر) بدل (الدِّين)؛ وروى نحوه الطبراني في المعجم
الكبير (ج٢/ ص٢١٥ و٢١٦).
(١٩٥) الغيبة للنعماني (ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٦).
(١٩٦) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٤/ ص ٥٣٤/ الرقم ٥٠٩٤).
عنه: البخاري، ومسلم،
وإبراهيم بن محمّد بن الحارث بن نائلة الأصبهاني، وإبراهيم بن هاشم البغوي... قال
عبد الخالق بن منصور، عن يحيى بن معين: صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح الحديث، محلُّه الصدق.
٧ - عاصم بن عمر بن عليِّ بن مقدام أبو يونس(١٩٧): سكن بغداد وحدَّث بها عن أبيه.
روى عنه عبَّاس الدوري، وعبد الله بن أحمد بن حنبل... عن عبد الخالق بن منصور، قال:
وسألت يحيى بن معين عن المقدَّمي؟ فقال: صدوق.
٨ - عمر بن عليِّ بن مقدام(١٩٨): أبو حفص البصري، مولى ثقيف، والد محمّد بن عمر،
وعاصم بن عمر، وعمُّ محمّد بن أبي بكر المقدَّمي. روى عن: إبراهيم بن عقبة،
وإسماعيل بن أبي خالد، وأيمن بن نابل، وحجَّاج بن أرطاة... روى عنه: أحمد بن ثابت
الجحدري، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن عبدة الضبي... قال محمّد بن سعد: كان ثقة، وكان
يُدلِّس تدليساً شديداً. وقال عفَّان بن مسلم: كان رجلاً صالحاً، ولم يكونوا ينقمون
عليه غير التدليس. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق.
٩ - فطر بن خليفة(١٩٩): القرشي المخزومي، أبو بكر الكوفي الحنَّاط، مولى عمرو بن
حريث. روى عن: إسماعيل بن رجاء الزبيدي، وحبيب بن أبي ثابت، وأبيه خليفة... روى
عنه: بكر بن بكار، وأبو أُسامة حمَّاد بن أُسامة، وخلَّاد بن يحيى... قال العجلي:
كوفي، ثقة، حسن الحديث، وكان فيه تشيُّع قليل. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال
النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ثقة، حافظ، كيِّس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٧) راجع: تاريخ
بغداد (ج ١٢/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ الرقم ٦٦٩٧).
(١٩٨) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢١/ ص ٤٧٠/ الرقم ٤٢٩٠).
(١٩٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٣/ ص ٣١٢/ الرقم ٤٧٧٣).
١٠ - أبو خالد
الوالبي(٢٠٠): الكوفي، اسمه: هرمز، ويقال: هرم. روى عن: جابر بن سمرة، وعبد الله بن
عبَّاس... روى عنه: إسماعيل بن حمَّاد بن أبي سليمان، وزائدة بن نشيط... قال أبو
حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبَّان في كتاب (الثقات).
١١ - جابر بن سمرة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
رواية: الشعبي عن مسروق:
الحديث (٩٧): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ(٢٠١)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ اَلرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى
بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ اِبْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: حَدَّثَكُمْ(٢٠٢)
نَبِيُّكُمْ كَمْ يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ اَلخُلَفَاءِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَا
سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَإِنَّكَ لَأَحْدَثُ اَلْقَوْمِ سِنًّا،
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَكُونُ بَعْدِي عِدَّةُ نُقَبَاءِ مُوسَى (عليه السلام)،
قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ
عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٠٣).
٢ - الخصال للشيخ الصدوق (رحمه الله)(٢٠٤).
٣ - مقتضب الأثر لابن عيَّاش (رحمه الله)(٢٠٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٠) راجع: تهذيب
الكمال (ج ٣٣/ ص ٢٧٥/ الرقم ٧٣٣٧).
(٢٠١) تمَّ ذكره في الحديث (٩٠).
(٢٠٢) في الغيبة للنعماني: (أحدَّثكم)، وفي الخصال: (هل حدَّثكم).
(٢٠٣) الغيبة للنعماني (ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٧، وص ١١٧ و١١٨/ باب ٦/ ح ١ - ٣).
(٢٠٤) الخصال (ص ٤٦٨ و٤٦٩/ ح ١٠).
(٢٠٥) مقتضب الأثر (ص ٣).
البحث السندي:
١ - أبو عبد الله بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ابن أبي زينب النعماني): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٩٠).
٤ - محمّد بن عثمان بن علَّان الذهبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٥ - عبد الله بن جعفر الرقِّي(٢٠٦): بن غيلان الرقِّي، أبو جعفر القرشي، مولى آل
عقبة بن أبي معيط. روى عن: إسماعيل بن عيَّاش، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقِّي،
وسفيان بن عيينة... روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، وإبراهيم بن يعقوب
الجوزجاني، وأحمد بن إبراهيم الدورقي... قال أبو حاتم: ثقة، وهو أحبُّ إليَّ من
عليِّ بن معبد الذي كان بمصر. وقال النسائي: ليس به بأس قبل أنْ يتغيَّر.
٦ - عيسى بن يونس(٢٠٧): بن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو، ويُقال: أبو محمّد الكوفي،
أخو إسرائيل بن يونس. سكن ناحية الشام بالحدث وهي ثغر. رأى جدَّه أبا إسحاق. وروى
عن: الأخضر بن عجلان، وأُسامة بن زيد الليثي... روى عنه: إبراهيم بن عبد الله بن
حاتم الهروي، وإبراهيم بن موسى الفرَّاء الرازي، وأحمد بن جناب المصيصي... قال حنبل
بن إسحاق عن أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وابن خراش: ثقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٦) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٤/ ص ٣٧٦/ الرقم ٣٢٠٤).
(٢٠٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٣/ ص ٦٢/ الرقم ٤٦٧٣).
٧ - مجالد بن
سعيد(٢٠٨): بن عمير بن بسطام، ويقال: ابن ذي مران بن شرحبيل بن ربيعة بن مرثد بن
جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان الهمداني، أبو عمرو، ويقال: أبو عمير،
ويقال: أبو سعيد، الكوفي، والد إسماعيل بن مجالد، وجدُّ عمر بن إسماعيل بن مجالد.
روى عن: أبي الوداك جبر ابن نوف الهمداني، وزياد بن علاقة، وعامر الشعبي... روى
عنه: أحمد بن بشير الكوفي، وإسماعيل بن أبي خالد وهو من أقرانه، وابنه إسماعيل بن
مجالد بن سعيد... قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يُضعِّفه، وكان عبد الرحمن بن مهدي
لا يروي عنه شيئاً. وكان ابن حنبل لا يراه شيئاً يقول: ليس بشيء. وقال النسائي:
ثقة. وقال في موضع آخر: ليس بالقويِّ.
٨ - الشعبي (عامر الشعبي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٢).
٩ - مسروق(٢٠٩): بن الأجدع الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، وهو مسروق بن
الأجدع بن مالك بن أُميَّة بن عبد الله بن مرِّ بن سلمان ويقال: سلامان بن معمر بن
الحارث بن سعد بن عبد الله بن وادعة بن عمرو بن عامر ابن ناشج بن رافع بن مالك بن
جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: يقال:
إنَّه سُرِقَ وهو صغير ثمّ وُجِدَ فسُمِّي مسروقاً، وأسلم أبوه الأجدع. روى عن:
أُبيّ بن كعب، وخبَّاب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وعبد
الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود... روى عنه: إبراهيم النخعي، وأنس بن
سيرين، وأبو الشعثاء المحاربي، وامرأته قمير بنت عمرو... قال أبو عبيد الآجري، عن
أبي داود: مسروق بن الأجدع كان أبوه أفرس فارس باليمن، ومسروق ابن أُخت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٨) راجع: تهذيب
الكمال (ج ٢٧/ ص ٢١٩/ الرقم ٥٧٨٠).
(٢٠٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٧/ ص ٤٥١/ الرقم ٥٩٠٢).
عمرو بن معدي كرب،
وعمرو خاله. قال مالك بن مغول: سمعت أبا السفر عن مرَّة، قال: ما ولدت همدانيَّة
مثل مسروق. وقال أيُّوب الطائي، عن الشعبي: ما علمت أنَّ أحداً كان أطلب للعلم في
أُفُق من الآفاق من مسروق. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، لا يُسئَل
عن مثله. وقال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة، وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون
ويفتون، وكان يُصلِّي حتَّى ترم قدماه.
١٠ - ابن مسعود (عبد الله بن مسعود): (بن غافل - بمعجمة وفاء - ابن حبيب بن شمخ بن
فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل الهذلي، أبو عبد
الرحمن، حليف بني زهرة، وكان أبوه حالف عبد الحارث بن زهرة، أُمُّه أُمُّ عبد الله
بنت ودِّ بن سواءة أسلمت وصحبت، أحد السابقين الأوَّلين، أسلم قديماً، وهاجر
الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد بعدها، ولازم النبيَّ [(صلَّى الله عليه وآله)]،
وكان صاحب نعليه، وحدَّث عن النبيِّ [(صلَّى الله عليه وآله)] بالكثير)(٢١٠).
رواية: أبي صالح عن ابن عبَّاس:
الحديث (٩٨): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ
اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلخَضِيبِ اَلرَّازِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ
أَصْحَابِنَا، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا اَلتَّمِيمِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
يَحْيَى اَلطُّوسِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اَلله بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ اَلْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اِبْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِصَحِيفَةٍ مِنْ عِنْدِ اَلله
عَلَى رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) فِيهَا اِثْنَا عَشَرَ خَاتَماً مِنْ
ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٠) الإصابة (ج ٤/ ص ١٩٨ و١٩٩/ الرقم ٤٩٧٠).
اَلسَّلَامَ
وَيَأْمُرُكَ أَنْ تَدْفَعَ هَذِهِ اَلصَّحِيفَةَ إِلَى اَلنَّجِيبِ مِنْ أَهْلِكَ
بَعْدَكَ، يَفُكُّ مِنْهَا أَوَّلَ خَاتَمٍ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهَا، فَإِذَا مَضَى
دَفَعَهَا إِلَى وَصِيِّهِ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ اَلْأَوَّلُ يَدْفَعُهَا إِلَى
اَلْآخَرِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ»، فَفَعَلَ اَلنَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله)
مَا أُمِرَ بِهِ، فَفَكَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَوَّلهَا
وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى اَلحَسَنِ (عليه السلام)، فَفَكَّ
خَاتَمَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، وَدَفَعَهَا بَعْدَهُ إِلَى اَلحُسَيْنِ (عليه
السلام)، ثُمَّ دَفَعَهَا اَلحُسَيْنُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليه
السلام)، ثُمَّ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، حتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهِمْ (عليهم
السلام).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: الأصل فيها أنَّها من عبارات الإرسال. وقد تغلَّب غير واحد على الإرسال
فيها من جهات، منهم المحقِّق الحلِّي (قدّس سرّه) في (الرسائل التسع)(٢١١)، فراجع
من ذكرناه في ترجمة الحديث (١٢).
٢ - أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري(٢١٢): طبقته في الحديث الحادية عشر،
وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له حيث وصفه: (كان وجهاً
في أصحابنا، ثقةً، معتمداً لا يُطعَن عليه)(٢١٣)، له كُتُب، توثيق الشيخ الطوسي
(قدّس سرّه) له، روى جميع الأُصول والمصنَّفات، مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
٣ - أبو عليٍّ أحمد بن عليٍّ (ابن الخضيب): ذُكِرَت في حقِّه عدَّة تضعيفات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١١) راجع: الرسائل
التسع (ص ١٩١ و١٩٢/ المسألة ٦).
(٢١٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٢٥٨/ الرقم ١٣٢٧٣).
(٢١٣) رجال النجاشي (ص ٤٣٩/ الرقم ١١٨٤).
يحتمل أنَّه من رجال
الطبقة العاشرة، قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (قال أصحابنا: لم يكن بذاك، وقيل:
فيه غلوٌّ وترفُّع)(٢١٤). وقال الشيخ (قدّس سرّه): (لم يكن بذلك الثقة في الحديث،
ومتَّهم بالغلوِّ)(٢١٥).
٤ - بعض أصحابنا (بعض أصحاب ابن الخضيب): تأتي بمفاد عدَّة وجماعة، وتختلف بحسب
الراوي وقيمة مراسيله.
٥ - حنظلة بن زكريَّا التميمي: طبقته في الحديث التاسعة، يمكن التماس وجوه توثيق له
من بعض التعبيرات، منها: وصف الشيخ (قدّس سرّه) له بالخاصِّي، ورواية التلعكبري
عنه، شيخ إجازة، له كُتُب. ولكن قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (لم يكن
بذلك)(٢١٦).
٦ - أحمد بن يحيى الطوسي: طبقته في الحديث التاسعة، ولم يذكروه، (مهمل).
٧ - أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة(٢١٧): بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي،
مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة. روى عن: أحمد بن إسحاق الحضرمي، وأحمد بن عبد الله بن
يونس، وأحمد بن عبد المَلِك بن واقد الحرَّاني... روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو
داود، وابن ماجة، وإبراهيم بن إسحاق الحربي... قال العجلي، وأبو حاتم، وابن خراش:
ثقة.
٨ - محمّد بن فضيل(٢١٨): بن غزوان بن جرير الضبي، مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي.
روى عن: إبراهيم الهجري، والأجلح بن عبد الله الكندي،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٤) رجال النجاشي (ص
٩٧/ الرقم ٢٤٠).
(٢١٥) الفهرست (ص ٧٦/ الرقم ٩١/٢٩).
(٢١٦) رجال النجاشي (ص ١٤٧/ الرقم ٣٨٠).
(٢١٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٦/ ص ٣٤/ الرقم ٣٥٢٦).
(٢١٨) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٦/ ص ٢٩٣/ الرقم ٥٥٤٨).
وإسماعيل بن أبي خالد.
روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن إشكاب الصفَّار الكوفي، وأحمد بن بديل
اليامي... قال حرب بن إسماعيل، عن أحمد بن حنبل: كان يتشيَّع، وكان حسن الحديث.
وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترقاً. وقال النسائي: ليس به بأس.
٩ - الأعمش: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، مولاهم أبو محمّد الكوفي الأعمش(٢١٩)،
وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة. رأى أنس بن مالك، وأبا بكرة الثقفي، وأخذ له بالركاب.
وروى عن: أبان بن أبي عيَّاش، وإبراهيم التميمي، وإبراهيم النخعي... روى عنه: أبان
بن تغلب، وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الفزاري... قال إسحاق بن
منصور، عن يحيى بن معين: الأعمش ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت.
١٠ - أبو صالح: قد يُراد به (ذكوان أبو صالح)(٢٢٠): السمَّان الزيَّات المدني، مولى
جويرية بنت الأحمس الغطفاني... قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة ثقة، من
أجلّ الناس وأوثقهم، وقد شهد الدار زمن عثمان.
وقد يُراد به: (باذام - ويقال: باذان - أبو صالح)(٢٢١): مولى أُمِّ هانئ بنت أبي
طالب. روى عن: عبد الله بن عبَّاس، وعكرمة مولى ابن عبَّاس، وعليِّ بن أبي طالب...
روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي... قال عبد الله
بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح. وقال أبو حاتم: يُكتَب
حديثه، ولا يُحتَجُّ به. وقال النسائي: ليس بثقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٩) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٢/ ص ٧٦/ الرقم ٢٥٧٠).
(٢٢٠) راجع: تهذيب الكمال (ج ٨/ ص ٥١٣/ الرقم ١٨١٤).
(٢٢١) راجع: تهذيب الكمال (ج ٤/ ص ٦/ الرقم ٦٣٦).
١١ - ابن عبَّاس(٢٢٢):
عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو
العبَّاس، ابن عمِّ رسول الله [(صلَّى الله عليه وآله)]، أُمُّه أُمُّ الفضل لبابة
بنت الحارث الهلاليَّة، وُلِدَ وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس، وهو
شخصيَّة معروفة مشهورة عند الخاصِّ والعامِّ.
رواية: الحسن بن عليٍّ
القوهستاني:
الحديث (٩٩): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي
عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ
اَلْقُوهِسْتَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ
أَبِي عِيسَى بْنَ مُوسَى، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَدْرَكْتَ مِنَ اَلتَّابِعِينَ؟
فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فَسَمِعْتُ
شَيْخاً فِي جَامِعِهَا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ
اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «قَالَ لِي رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله):
يَا عَلِيُّ، اَلْأَئِمَّةُ اَلرَّاشِدُونَ اَلمَهْدِيُّونَ اَلمَغْصُوبُونَ
حُقُوقَهُمْ مِنْ وُلْدِكَ أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً وَأَنْتَ...»، والحديث مختصر.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٢٣).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو عليٍّ محمّد بن همَّام: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٣).
٤ - الحسن بن عليٍّ القوهستاني: طبقته في الحديث العاشرة، مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٢) يراجع لمزيد من
التفصيل حول عبد الله بن عبَّاس: معجم رجال الحديث (ج ١١/ ص ٢٤٥ - ٢٥٦/ الرقم
٦٩٥٤)؛ والإصابة (ج ٤/ ص ١٢١ - ١٣١/ الرقم ٤٧٩٩).
(٢٢٣) الغيبة للنعماني (ص ٩٣ و٩٤/ باب ٤/ ح ٢٣).
٥ - زيد بن إسحاق:
يحتمل أنَّه من الطبقة الثامنة، مهمل.
٦ - إسحاق بن عيسى بن موسى: يحتمل أنَّه من السابعة أو الثامنة، مهمل.
٧ - عيسى بن موسى: يحتمل أنَّه من الطبقة السادسة، مهمل.
٨ - شيخ في جامع الكوفة: مجهول.
٩ - عبد خير: قيل: هو الخيراني، (خيران بن همدان، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه
السلام)، رجال الشيخ، وعدَّه البرقي من أصحابه (عليه السلام)، من اليمن)(٢٢٤).
ويحتمل أنَّه (عبد خير بن يزيد)(٢٢٥): بن يحمد بن خولي بن عبد عمرو بن عبد يغوث، بن
الصائد، وهو كعب بن شرحبيل بن شراحيل بن عمرو بن جشم ابن حاشد بن جشم بن خيوان بن
نوف بن همدان الهمداني، أبو عمارة الكوفي، أدرك الجاهليَّة. وروى عن: زيد بن أرقم،
وعبد الله بن مسعود، وعليِّ بن أبي طالب... روى عنه: إسماعيل بن عبد الرحمن
السُّدِّي، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو كبران الحسن بن عقبة المرادي... قال محمّد بن
عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى ابن معين: جاهلي إسلامي. وقال أحمد بن عبد الله العجلي:
كوفي، تابعي، ثقة.
في كتاب (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله) اختلاف في السند، فقد جاء رجاله بهذا
الترتيب:
١ - محمّد بن همَّام: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٣).
٢ - الحسن بن عليِّ بن عيسى القوهستاني: تمَّت ترجمته في هذا الحديث.
٣ - بدر بن إسحاق بن بدر الأنماطي: مهمل.
٤ - أبوه (إسحاق بن بدر): مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٤) معجم رجال الحديث
(ج ١٠/ ص ٣١٠ و٣١١/ الرقم ٦٣١٤).
(٢٢٥) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٦/ ص ٤٦٩/ الرقم ٣٧٣٤).
٥ - جدُّه (بدر بن
عيسى): مهمل.
٦ - عيسى بن موسى: تقدَّم أنَّه (مهمل).
٧ - شيخٌ في جامع الكوفة: تقدَّم أنَّه مجهول.
٨ - عبد خير: تمَّت ترجمته في هذا الحديث.
رواية: عيسى بن أحمد بن عيسى:
الحديث (١٠٠): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اَلله
اَلهَاشِمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى
بْنِ اَلمَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ
اَلْعَسْكَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ
مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ
أَبِيهِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، قَالَ: «قَالَ
[لِي](٢٢٦) عَلِيٌّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ): قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله
عليه وآله): مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اَللهَ (عزَّ وجلَّ) آمِناً مُطَهَّراً لَا
يَحْزُنُهُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ فَلْيَتَوَلَّكَ، وَلْيَتَوَلَّ بَنِيكَ
اَلحَسَنَ وَاَلحُسَيْنَ، وَعَلِيَّ بْنَ اَلحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدَ اِبْنَ عَلِيٍّ،
وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسَى،
وَمُحَمَّداً، وَعَلِيًّا، وَاَلحَسَنَ، ثُمَّ اَلمَهْدِيَّ، وَهُوَ خَاتَمُهُمْ.
وَلَيَكُونَنَّ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ قَوْمٌ يَتَوَلَّوْنَكَ يَا عَلِيُّ
يَشْنَأُهُمُ(٢٢٧) اَلنَّاسُ، وَلَوْ أَحَبَّهُمْ كَانَ خَيْراً لهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ، يُؤْثِرُونَكَ وَوُلْدَكَ عَلَى اَلْآبَاءِ وَاَلْأُمَّهَاتِ
وَاَلْإِخْوَةِ وَاَلْأَخَوَاتِ، وَعَلَى عَشَائِرِهِمْ وَاَلْقَرَابَاتِ،
صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ اَلصَّلَوَاتِ، أُولَئِكَ يُحْشَرُونَ تَحْتَ
لِوَاءِ اَلحَمْدِ، يُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ
جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٦) من نُسَخ (أ، ف،
م).
(٢٢٧) شنأ الرجل: أبغضه مع عداوة وسوء خُلُق. راجع: لسان العرب (ج ١/ص ١٠١/مادَّة
شنأ).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة، تقدَّم في الحديث (١٢).
٢ - التلعكبري، تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي: مهمل، وقيل: من العامَّة، وروايته هذه، بل
وغيرها تقتضي تشيُّعه.
٤ - أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور: مهمل.
* * *
دلالة روايات الاثني عشر على
إمامة الحجَّة (عجَّل الله فرجه):
بعد أنِ استدلَّ شيخ الطائفة (قدّس سرّه) على إمامة صاحب الزمان (عجَّل الله
فرجه) بأحاديث الاثني عشر التي رواها العامَّة، وذكر منها أحد عشر حديثاً، ها هو
الآن يستعرض ما روته الخاصَّة في هذا المعنى لإثبات المدَّعى ذاته، وسيروي منها
أربعة عشر حديثاً.
وهذا المنهج في الاستدلال قد تقرَّر في طريقة المتكلِّمين، وهو مؤسَّس على ركنين
متينين:
أوَّلاً: الاستدلال بالإلزام، وهو الاحتجاج على المخالف بما يقرُّ به، إذ لا يسعه
بعد ذلك نكوصٌ ولا إنكارٌ، لئلَّا يقع في التناقض والتهافت. وحيث إنَّ العامَّة قد
أخرجوا في صحاحهم ومسانيدهم ما يدلُّ على أنَّ الأئمَّة بعد رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) اثنا عشر، فإنَّ مقتضى التسليم بهذا الخبر القولُ بإمامة الثاني عشر
(عجَّل الله فرجه)، إذ لو لم يكن موجوداً لزم تكذيب النبيِّ (صلَّى الله عليه
وآله)، أو القول بانقطاع الإمامة، وكلاهما باطلان بالضرورة، لكون الأوَّل تكذيباً
للوحي، والثاني طعناً في النظام الإلهي والذي مفاده عدم ترك الخلق سدى بلا إمامٍ
منصوبٍ من عند الله تعالى.
ثانياً: الاستدلال بالتواتر عند الخاصَّة، وذلك لإثبات أنَّ ما أخرجه العامَّة لم
يكن نادراً أو شاذًّا، بل هو من مضامين الأخبار المتظافرة التي تواترت في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٨) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
أحاديث أهل البيت
(عليهم السلام). فليس غرض الشيخ (قدّس سرّه) أنْ يحتجَّ بها على مَنْ لا يُسلِّم
بأُصولها، وإنَّما ليُبيِّن أنَّ دلالة تلك الأخبار بلغت حدَّ القطع، بحيث يمتنع
التردُّد في مقتضاها، ومن ثَمَّ لا يبقى لأحدٍ مساغٌ في الشكِّ أو الارتياب.
دلالتها:
وإذا كان النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) قد نصَّ على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر
(عليهم السلام)، وكان هذا النصُّ متواتراً عند الفريقين، وكان الدليل العقلي
والشرعي قائماً على استحالة خلوِّ الزمان من حجَّةٍ معصومٍ، لم يبقَ إلَّا التسليم
بإمامة الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، إذ لا يمكن رفع اليد عن هذا الأصل إلَّا بنقض
القواعد العقليَّة والنقليَّة المقرَّرة، وهو محال.
فبهذا السبك المتين من الاستدلال، المستند إلى إلزام الخصم بمسلَّماته، ثمّ تعضيد
ذلك بما تواتر عند أهل الحقِّ، يتجلَّى مسلك المحقِّقين من أعلام الطائفة، كالمفيد
والسيِّد المرتضى والشيخ الطوسي (رضي الله عنهم)، الذين لم يَدَعُوا للمخالف شبهةً
إلَّا أزالوها، ولا منفذاً إلَّا سَدُّوه، حتَّى صار الحقُّ ظاهراً لا دافع له، ولم
يبقَ للمخالف إلَّا أحد أمرين: إمَّا الإذعان والتسليم، وإمَّا المكابرة والعناد،
وليس بعد إقامة البرهان إلَّا الاعتراف أو التمادي في الضلال.
وهذه النصوص التي سيذكرها الشيخ (قدّس سرّه) تُمثِّل جزءاً من روايات متواترة،
سيأتي قوله (قدّس سرّه): (أكثر من أنْ يُحصى)، هذا كناية عن التواتر جمعتها كُتُب
الحديث والكلام، عند الشيعة الإماميَّة، لإثبات مبدأ الإمامة الإلهيَّة للأئمَّة
الاثني عشر (عليهم السلام).
وهي تستند إلى مصادر معتبرة عند الإماميَّة مثل كتاب سُلَيم بن قيس، وكافي الشيخ
الكليني (رضي الله عنه)، وكُتُب النعماني (رحمه الله)، والطوسي (قدّس سرّه)،
والصدوق (قدّس سرّه)، ويتضمَّن هذا الاستدلال سنداً متَّصلاً وحُجَجاً نقليَّةً
وعقليَّةً تدعم عقيدة النصِّ والتعيين في الإمامة.
وفيما يلي نستعرض دلالة
الأحاديث بشكل مجمل لكلِّ رواية رواية، بحسب تسلسلها في كتاب (الغيبة)، حيث قال
(قدّس سرّه):
(فأمَّا ما روي من جهة الخاصَّة فأكثر من أنْ يُحصى، غير أنَّا نذكر طرفاً منها).
رواية: عبد الله بن جعفر
الطيَّار:
الحديث (١٠١): رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ
فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ اَلشَّيْبَانِيِّ،
عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ اِبْنِ
أَبِي عُمَيْرٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَيْضاً جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ
اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبَانِ اِبْنِ أَبِي
عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اَلله بْنَ جَعْفَرٍ
اَلطَّيَّار يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ أَنَا وَاَلحَسَنُ وَاَلحُسَيْنُ
(عليهما السلام) وَعَبْدُ اَلله بْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ أُمِّ سَلَمَةَ(٢٢٩)
وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كَلَامٌ، فَقُلْتُ
لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ(٢٣٠):
«أَنَا أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٩) في الإصابة (ج ٤/ ص ٤٨٧/ الرقم ٥٧٥٧): (عمر بن أبي سَلَمة بن عبد الأسد... وهو ربيب النبيِّ [(صلَّى الله عليه وآله)]، أُمُّه أُمُّ سَلَمة أُمُّ المؤمنين، وُلِدَ بالحبشة في السنة الثانية، وقيل: قبل ذلك وقبل الهجرة إلى المدينة، ويدلُّ عليه قول عبد الله بن الزبير كان أكبر منه بسنتين، وكان يوم الخندق هو وابن الزبير في الخندق في أطمّ حسَّان بن ثابت... قال الزبير: وولي البحرين زمن عليٍّ، وكان قد شهد معه الجمل، ووهم مَنْ قال: إنَّه قُتِلَ فيها. قال أبو عمر: بل مات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين في خلافة عبد المَلِك بن مروان).
(٢٣٠) للعلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ شرح ص ٢١٦ و٢١٧) تحقيق نفيس يدور حول أُمور، منها: بحث حول هويَّة عمر بن أُمِّ سَلَمة، وإثبات أنَّ المقصود هو عمر بن أبي سَلَمة الذي عاش حتَّى خلافة عبد المَلِك بن مروان. كما يُوضِّح التواريخ المتعلِّقة بالإمام زين العابدين والباقر (عليهما السلام)، ويُبيِّن التفسير الراجح لعبارة: (ثمّ تكملة)، وأنَّ التتمَّة تتعلَّق بإكمال ذكر الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) لاحقاً.
طَالِبٍ أَوْلى
بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا اُسْتُشْهِدَ عَلِيٌّ فَالحَسَنُ
أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا مَضَى اَلحَسَنُ فَالحُسَيْنُ
أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا اُسْتُشْهِدَ فَابْنُهُ عَلِيُّ
بْنُ اَلحُسَيْنِ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَسَتُدْرِكُهُ يَا
عَلِيُّ، ثُمَّ اِبْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ. يَا عَلِيُّ، ثُمَّ يُكْمِلُهُ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً تِسْعَةٌ
مِنْ وُلْدِ اَلحُسَيْنِ».
قَالَ عَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ: اِسْتَشْهَدْتُ اَلحَسَنَ وَاَلحُسَيْنَ
وَعَبْدَ اَلله بْنَ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُسَامَةَ بْنَ
زَيْدٍ، فَشَهِدُوا لِي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ: وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ
وَاَلْمِقْدَادِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله).
دلالة الحديث:
الحديث يبدأ بقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «أَنَا أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، وهي جملة تفيد معنى الولاية المطلقة، كما ورد في القرآن
الكريم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦).
ثمّ يُصرِّح النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) بالخلافة بعده لعليٍّ (عليه السلام):
«ثُمَّ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ»، ممَّا يدلُّ على أنَّ إمامته ليست اجتهاديَّة ولا اختياريَّة، بل هي
نصٌّ إلهي.
ثمّ يذكر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) الأئمَّة (عليهم السلام) بالتتابع واحداً
بعد الآخر حتَّى الثاني عشر، وهو ما ينقض دعاوى أنَّ الإمامة انحصرت في الحسن
والحسين (عليهما السلام) فقط، ويُثبِت أنَّها تمتدُّ إلى اثني عشر إماماً.
الإشارة إلى (العدد
اثنا عشر إماماً، تسعة منهم من ولد الحسين (عليه السلام)) تدفع الوهم في أنَّ
الإمامة قد تزيد عن هذا العدد، وتُؤكِّد استمرار الخطِّ الإمامي حتَّى الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي(٢٣١).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٣٢).
٣ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٣٣).
٤ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٣٤).
٥ - الخصال للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٣٥).
٦ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٣٦).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل: لم ترد كلمة (عنه) في (البحار) و(العوالم)، وهذا يعني أنَّ أبا
المفضَّل رواها عن أبيه (عبد الله بن المطَّلب الشيباني)، ولم تذكره كُتُب الرجال
بترجمةٍ ما، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ (المهمل).
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣١) كتاب سُلَيم بن
قيس (ج ١/ ص ١٧٨) مفصَّلاً.
(٢٣٢) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٩/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/
ح ٤).
(٢٣٣) الغيبة للنعماني (ص ٩٦ و٩٧/ باب ٤/ ح ٢٧) باختلاف.
(٢٣٤) كمال الدِّين (ص ٢٧٠/ باب ٢٤/ ح ١٥).
(٢٣٥) الخصال (ص ٤٧٧/ ح ٤١).
(٢٣٦) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٢ و٥٣/ باب ٦/ ح ٨).
٢ - أبو المفضَّل
الشيباني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٥).
٣ - عنه (محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري): طبقته في الحديث التاسعة، وجوه
توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، له مكاتبة مع صاحب الأمر
(عجَّل الله فرجه)، من وجوه الشيعة، من رواة (تفسير القمِّي).
٤ - أبوه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٥ - محمّد بن الحسين: مشترك مع جماعة، ينصرف(٢٣٧) إلى ابن أبي الخطَّاب، وجوه
توثيقه عديدة، منها: توثيق شيخ الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه الله) له،
جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته.
٦ - محمّد بن أبي عمير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
رجال السند الثاني:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (١٢).
٢ - عدَّة من أصحابنا: لعلَّ تعبير عدَّة بعد جماعة يشير إلى أنَّ الجماعة - ولو
لأجل إكثار شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في معظم كُتُبه لهذا المصطلح - عدد من الرواة،
لوضوح وثاقتهم عنده (قدّس سرّه) لا يحتاج معه إلى ذكر الأسماء، وكأنَّ الوثاقة أمر
مفروغ عنه، ووجه هذا التعبير لأنَّ الطُّرُق التي كانت عنده - بل عند غيره - كثيرة
فيقتصر على بعضها، ويشير إلى كثرة مَنْ سمع منه مباشرةً ممَّن هم من الثقات بلفظ
جماعة. وهذا بخلاف عدَّة من أصحابنا فإنَّ درجة وثاقتهم - بعد تعدُّد الوسائط -
يُشكِّل مضعِّفاً لاحتمال عدم اطِّلاعه على شخوصهم وإنْ كان يحتمل فيه وجود الواحد
الثقة على أقلّ تقدير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٧) ووجه الانصراف لأنَّه الأشهر من بين الرجال في طبقته بحسب الراوي والمروي عنه، ومن جهة كثرة كُتُبه ومصنَّفاته.
ولعلَّ الفرق بين
الجماعة والعدَّة لا لغرض سوى التفنُّن في التعبير.
نعم، الأصل في هكذا تعبير الإرسال ما لم تقم قرينة على الاتِّصال والإسناد سواء
المعتبر أو غيره.
قال السيِّد طيِّب الجزائري: (إنَّ شيخ الطائفة من أكثر العلماء رواية، كما أنَّه
من أغزرهم دراية، غير أنَّ عمدة ما تدور عليه رواياته ما يرويه عن خمسة منهم:
١ - أجلُّهم معلم الأُمَّة وابن معلِّمها أبو عبد الله المفيد (رحمه الله).
٢ - الشيخ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري.
٣ - أحمد بن عبدون المعروف بـ (ابن الحاشر).
٤ - أبو الحسين عليُّ بن أحمد بن محمّد بن أبي جيد القمِّي.
٥ - أحمد بن محمّد بن موسى المعروف بابن الصلت الأهوازي، وهو رواية أحمد بن محمّد
بن سعيد بن عقدة الحافظ المشهور.
وربَّما روى عن غير هؤلاء الخمسة وهو قليل جدًّا، وهم مراده متى أطلق قوله: (أخبرنا
جماعة أو عدَّة من أصحابنا)، فلا يحتمل الضعف أو الإرسال، لأنَّ فيهم مَنْ هو في
أعلى درجات الوثاقة، ومنهم مَنْ هو من مشايخ الإجازة الذين لا يحتاجون إلى التوثيق،
كما حقَّقه غير واحد من العلماء.
وهنالك مشايخ كثيرون غير هؤلاء الخمسة أسند عنهم الشيخ وتكرَّر ذكرهم في كُتُبه،
ونحن نذكر أسماءهم وفقاً لما أثبته العلَّامة النوري في خاتمة المستدرك (ص ٥٠٩) أو
ما عُثِرَ عليه في كُتُبه)(٢٣٨).
٣ - محمّد بن يعقوب (الشيخ الكليني (رضي الله عنه)): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٨) كشف الأسرار في شرح الاستبصار (ج ٢/ ص ١٣ و١٤/ المقدَّمة).
٤ - محمّد بن يحيى
(العطَّار): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٥ - أحمد بن محمّد: مردَّد بين جماعة، والتمييز إنَّما يكون بالراوي والمروي عنه،
والمقصود به ابن إدريس هنا، ووجوه توثيقه عديدة، منها: من مشايخ الشيخ الكليني (رضي
الله عنه)، كثير الرواية، من الفقهاء، توثيق شيخ الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ
النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب (النوادر) كثير الفائدة، من رواة كتاب (كامل
الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي) في عدَّة مواضع.
٦ - ابن أبي عمير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٧ - عمر بن أُذينة: وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق شيخ الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ
النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب، كثير الرواية، رواية الأجلَّاء عنه كصفوان وابن
أبي عمير وغيرهما، من وجوه أصحابنا في البصرة، من رواة (تفسير القمِّي).
٨ - أبان بن أبي عيَّاش فيروز: ضعفه جماعة، قال الشيخ (قدّس سرّه): (تابعي
ضعيف)(٢٣٩)، وقال ابن الغضائري: (ضعيف لا يُلتفَت إليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب
سُلَيم بن قيس إليه)(٢٤٠). ولعلَّ من وجوه توثيقه أو حسنه: كثرة رواياته، رواية ابن
أبي عمير وحمَّاد عنه بواسطة ابن أُذينة.
٩ - سُلَيم بن قيس(٢٤١): وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٩) رجال الطوسي (ص
١٢٦/ الرقم ١٢٦٤/٣٦).
(٢٤٠) رجال ابن الغضائري (ص ٣٦/ الرقم ١/١).
(٢٤١) تحقيق السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) حول سُلَيم بن قيس وكتابه، ورواية الثلاثة
عشر وردِّها، واعتبار الكتاب، يتضمَّن هذا التحقيق أربع فوائد رئيسة:
١ - توثيق سُلَيم بن قيس (رضي الله عنه).
٢ - بيان وجه اعتبار الكتاب، مع تحقيق دقيق حول نسخته.
٣ - إثبات بطلان الروايات التي تزعم أنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر.
٤ - دحض دعوى كون الكتاب موضوعاً من هذه الجهة، ومن غيرها.
٥ - كما يتناول البحث مسألة كون الأئمَّة اثني عشر (عليهم السلام)، لا يزيدون ولا
ينقصون.
راجع: معجم رجال الحديث (ج ٩/ ص ٢٢٦ - ٢٣٨/ الرقم ٥٤٠١).
النجاشي (رحمه الله)
له، كثرة رواياته، صاحب أصل بل من بين أهمّها، وعدَّه البرقي (رحمه الله) من
الأولياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقال النجاشي (رحمه الله) في زمرة مَنْ ذكره من سلفنا الصالح في الطبقة الأُولى:
(سُلَيم بن قيس الهلالي له كتاب، يُكنَى أبا صادق)(٢٤٢)، وقال في ترجمة هبة الله
أحمد ابن محمّد الكاتب: (وكان يتعاطى الكلام، ويحضر مجلس أبي لحسين بن الشيبة
العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتاباً، وذكر أنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر مع زيد بن
عليِّ بن الحسين، واحتجَّ بحديث في كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي...)(٢٤٣).
١٠ - عبد الله بن جعفر(٢٤٤): من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حيث ذكره
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) تارةً قائلاً: (عبد الله بن جعفر)، وأُخرى من أصحاب
عليٍّ (عليه السلام)، وثالثة من أصحاب الحسن (عليه السلام)(٢٤٥).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (جلالة عبد الله بن جعفر الطيَّار بن أبي طالب
بمرتبة لا حاجة معها إلى الإطراء. وممَّا يدلُّ على جلالته أنَّ أمير المؤمنين
(عليه السلام)، كان يتحفَّظ عليه من القتل كما كان يتحفَّظ على الحسن والحسين
(عليهما السلام) ومحمّد بن الحنفيَّة، ذكره الصدوق في الخصال...).
رواية: الأوتاد:
الحديث (١٠٢): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ
جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٢) رجال النجاشي (ص
٨/ الرقم ٤).
(٢٤٣) رجال النجاشي (ص ٤٤٠/ الرقم ١١٨٥).
(٢٤٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١١/ ص ١٤٦ - ١٤٨/ الرقم ٦٧٦٢).
(٢٤٥) راجع: رجال الطوسي (ص ٤٢ و٧٠ و٩٥/ الرقم ٢٨٧/٩ و٦٤٢/٤ و٩٤٢/٤).
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي اَلجَارُودِ، عَنْ
أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله):
«إِنِّي وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ زِرُّ اَلْأَرْضِ -
أَعْنِي أَوْتَادَهَا وَجِبَالَها -، بِنَا أَوْتَدَ اَللهُ اَلْأَرْضَ أَنْ
تَسِيخَ بِأَهْلِهَا، فَإِذَا ذَهَبَ اَلْاِثْنَا عَشَرَ مِنْ وُلْدِي سَاخَتِ
اَلْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يُنْظَرُوا».
دلالة الحديث:
هذا النصُّ يُقرِّر أصلاً من أُصول العقيدة الإماميَّة، وهو أنَّ الأئمَّة (عليهم
السلام) هم العلَّة في حفظ نظام الكون، وأنَّهم بمنزلة الأوتاد التي تُثبِّت الأرض
وتمنع اختلالها. ووصفهم بأنَّهم (أوتاد الأرض) يدلُّ على كونهم المانع من الانحراف
الدنيوي والدِّيني، إذ بهم تستقيم الشريعة وتبقى الأرض، وهذا يتَّسق مع مبدأ اللطف
الإلهي، الذي يوجب وجود الإمام المعصوم في كلِّ زمانٍ. فالإمامة ليست مجرَّد قيادة
سياسيَّة أو دينيَّة، بل ضرورة تقتضيها سُنَّة الله تعالى في حفظ العالم. والإمام
ليس مجرَّد مرشد، بل هو ضمانة لبقاء العالم واستمرار التوازن في الأرض، ممَّا يدلُّ
على أنَّ وجود الإمام أمرٌ لا يتوقَّف على قبول الناس أو رفضهم له، بل هو أصلٌ
ثابتٌ في نظام التكوين. وهذا معناه أنَّ وجود الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)،
هو الضمان الوحيد لبقاء الأرض. فلو فُقِدَ الإمام نهائيًّا، لما بقيت الدنيا لحظة،
ممَّا يتطابق مع الروايات التي تدلُّ على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٤٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٦) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٤/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٧).
البحث السندي(٢٤٧):
١ - بهذا الإسناد: يرجع إلى ما تقدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٣ - عن أبيه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٤ - محمّد بن أحمد بن يحيى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٠)، وتقدَّم أنَّه من رجال
السابعة، والحميري من الثامنة.
٥ - عمرو بن ثابت: طبقته في الحديث السابعة، ويمكن عدُّه من السادسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: من رواة كامل الزيارات (الباب ٨٨ في فضل كربلاء وزيارة الحسين (عليه
السلام)/ الحديث ٤). من رواة تفسير القمِّي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ (البقرة: ٣٤). ذكر الشيخ الكشِّي (رحمه
الله) روايات يظهر منها مدحه، صاحب كتاب، كثير الرواية.
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (... والحاصل: أنَّ عمرو بن أبي المقدام، رجل
معروف له روايات كثيرة، واسم أبي المقدام ثابت، على ما ذكره الشيخ بنفسه، وذكره
البرقي والنجاشي، ويأتي عن المشيخة، وورد التصريح به في عدَّة من الروايات، فإنْ
ثبت أنَّ أبا المقدام يُطلَق عليه ميمون أيضاً فهو، وإلَّا كان ذلك من سهو قلم
الشيخ، والله العالم... إنَّ عمرو بن ثابت أبي المقدام: ثقة، على ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٧) ولا وجه لما ورد في هامش النسخة المعتمدة وهي بتحقيق الشيخ عباد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح من التأمُّل في السند، ومن ثَمَّ إضافة بعض الرجال اعتماداً على ما في الكافي، وهذا غريب. فرواية أبناء الطبقة الواحدة ممَّا لا حصر له، وقد صرَّح السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) برواية الحميري الأب عن ابن يحيى، فلا وجه للتوقُّف.
عرفت، وأمَّا عمرو بن
ميمون، فإنْ ثبت اتِّحاده مع عمرو بن ثابت فهو، وإلَّا فهو مجهول)(٢٤٨).
٦ - أبو الجارود: طبقته في الحديث السادسة، وقع فيه خلاف، وممَّا ذُكِرَ من وجوه
توثيقه: كثير الرواية، صاحب كُتُب ومصنَّفات، من رواة (تفسير القمِّي).
رواية: اللوح الذي عند السيِّدة
فاطمة الزهراء (عليها السلام):
الحديث (١٠٣): عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ،
عَنْ مُحَمَّدِ اِبْنِ نَعْمَةَ اَلسَّلُولِيِّ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ
عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اَلله اِبْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي
اَلسَّفَاتِجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ
(عليها السلام) وَبَيْنَ يَدَيْهَا [لَوْحٌ فِيهِ] أَسْمَاءُ اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ
وُلْدِهَا، فَعَدَدْتُ اِثْنَيْ عَشَرَ اِسْماً آخِرُهُمْ اَلْقَائِمُ، ثَلَاثَةٌ
مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ.
دلالة الحديث:
يتضمَّن الحديث شهادة جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله)، الذي رأى لوحاً عند
الزهراء (عليها السلام)، مكتوباً فيه أسماء الأوصياء الاثني عشر (عليهم السلام)،
ممَّا يدلُّ على أنَّ النصَّ على الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) كان موجوداً
منذ زمن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ولم يكن اجتهاداً بعد وفاته. (فَعَدَدْتُ
اِثْنَيْ عَشَرَ اِسْماً آخِرُهُمْ اَلْقَائِمُ)، وهذا إشارة إلى الإمام (عجَّل
الله فرجه) باعتباره آخر الأوصياء، ممَّا يُثبِت عقيدة استمرار الإمامة.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٨) معجم رجال الحديث (ج ١٤/ ص ٨٢/ الرقم ٨٨٦٣).
١ - الكافي للشيخ
الكليني (رضي الله عنه)(٢٤٩).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٥٠).
٣ - مَنْ لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٥١).
٤ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٢٥٢).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - جعفر بن محمّد بن مالك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٦).
٤ - محمّد بن نعمة السلولي: قد تكون طبقته السابعة، مهمل.
٥ - وهيب بن حفص: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (كذا في نسخة (ف) والبحار والعوالم،
وفي الأصل: وهب بن جعفر...)، فإنْ كان اسم الراوي وهب بن جعفر فهو مهمل.
وإنْ كان اسمه (وهيب بن حفص النحَّاس)، وقيل هو نفسه الجريري، فطبقته في الحديث
السابعة، والوجوه التي ذُكِرَت لتوثيقه، منها: توثيق الشيخ (قدّس سرّه) والشيخ
النجاشي (رحمه الله) له، رواية جملة من الأجلَّاء عنه، من رواة (تفسير القمِّي)،
كثير الرواية، من رواة (كامل الزيارات).
٦ - عبد الله بن القاسم: مشترك بين جماعة عديدة، منهم: الحارثي والجعفري والحضرمي،
والتمييز بينهم بالراوي والمروي عنه، طبقته في الحديث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٩) الكافي (ج ١/ ص
٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٩).
(٢٥٠) كمال الدِّين (ص ٢٦٩/ باب ٢٤/ ح ١٣، وص ٣١١ - ٣١٣/ باب ٢٨/ ح ٣ و٤).
(٢٥١) من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ١٨٠/ ح ٥٤٠٨).
(٢٥٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٦).
السادسة، وجوه التوثيق
المذكورة للعنوان عديدة، منها: من رواة (تفسير القمِّي)، كثير الرواية، رواية
المشايخ الثلاثة كابن أبي عمير عنه.
نعم، عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، قال عنه الشيخ النجاشي (رحمه
الله): (كذَّاب، غال، يروي عن الغلاة، لا خير فيه، ولا يُعتَدُّ بروايته)(٢٥٣).
٧ - عبد الله بن خالد: طبقته في الحديث السادسة، مشترك بين جماعة فيهم المجهول
والموثَّق، والتمييز بالراوي والمروي عنه، وممَّا ذُكِرَ من وجوه توثيق المعنون:
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (عبد الله بن خالد هذا مجهول، ويحتمل اتِّحاده مع
عبد الله بن محمّد بن خالد الطيالسي)(٢٥٤)، قال عنه - أي الطيالسي - الشيخ النجاشي
(رحمه الله): (ثقة، سليم الجنبة)(٢٥٥)، وكذا وثَّقه الكشِّي (رحمه الله)، ومن رواة
(كامل الزيارات).
٨ - أبو السفاتج: طبقته في الحديث السادسة، وقد يُعَدُّ من الخامسة، من وجوه
توثيقه: رواية الأجلَّاء عنه كحمَّاد بن عيسى، من رواة (تفسير القمِّي).
الأقوال في جابر بن يزيد
الجعفي:
٩ - جابر بن يزيد الجعفي: طبقته في الحديث الرابعة، وقد يُعَدُّ من الثالثة، وجوه
توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية، من المعاريف، رواية الأجلَّاء عنه كصفوان، صاحب
كتاب، قال عنه الشيخ (قدّس سرّه): (أُسند عنه)(٢٥٦)، وعدَّه المفيد (قدّس سرّه)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٣) رجال النجاشي (ص
٢٢٦/ الرقم ٥٩٤).
(٢٥٤) معجم رجال الحديث (ج ١١/ ص ١٩٠/ الرقم ٦٨٤٣).
(٢٥٥) رجال النجاشي (ص ٢١٩/ الرقم ٥٧٢).
(٢٥٦) رجال الطوسي (ص ١٧٦/ الرقم ١٠٩٢/٣٠).
في رسالته العدديَّة
ممَّن لا مطعن فيهم ولا طريق لذمِّ واحدٍ منهم، وعدَّه ابن شهرآشوب من خواصِّ أصحاب
الصادق (عليه السلام). قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (روى عنه جماعة غُمِزَ فيهم
وضُعِّفوا، منهم: عمرو بن شمر، ومفضَّل بن صالح، ومنخل بن جميل، ويوسف بن يعقوب،
وكان في نفسه مختلطاً، وكان شيخنا أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان (رحمه
الله) ينشدنا أشعاراً كثيرة في معناه تدلُّ على الاختلاط، ليس هذا موضعاً
لذكرها)(٢٥٧). وقال العلَّامة (قدّس سرّه) في الخلاصة، في القسم الأوَّل من الباب،
من فصل الجيم، أنَّ الصادق (عليه السلام) ترحَّم عليه، وقال: «إِنَّهُ كَانَ
يَصْدُقُ عَلَيْنَا»(٢٥٨)، وكذلك قال: ابن عقدة، وقال ابن الغضائري (رحمه الله):
إنَّ (جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، ثقة في نفسه، ولكن جُلُّ مَنْ روى عنه ضعيف،
فممَّن أكثر عنه من الضعفاء: عمرو بن شمر الجعفي، ومفضَّل بن صالح، والسكوني، ومنخل
بن جميل الأسدي)(٢٥٩)، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي). وقال
الكشِّي (رحمه الله): (في جابر بن يزيد الجعفي: ... عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي
اَلْحَلَالِ، قَالَ: اِخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَحَادِيثِ جَابِرٍ
اَلْجُعْفِيِّ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام)،
فَلَمَّا دَخَلْتُ اِبْتَدَأَنِي، فَقَالَ: «رَحِمَ اَللهُ جَابِرَ اَلْجُعْفِيِّ
كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْنَا، لَعَنَ اَللهُ اَلمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ كَانَ يَكْذِبُ
عَلَيْنَا»)(٢٦٠).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (الذي ينبغي أنْ يقال: إنَّ الرجل لا بدَّ من
عدِّه من الثقات الأجلَّاء، لشهادة عليِّ بن إبراهيم، والشيخ المفيد في رسالته
العدديَّة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٧) رجال النجاشي (ص
١٢٨/ الرقم ٣٣٢).
(٢٥٨) خلاصة الأقوال (ص ٩٤/ الرقم ٢).
(٢٥٩) رجال ابن الغضائري (ص ١١٠/ الرقم ١٦٠/١).
(٢٦٠) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٤٣٦/ الرقم ٣٣٦).
وشهادة ابن الغضائري
على ما حكاه العلَّامة، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة زياد أنَّه: «كَانَ
يَصْدُقُ عَلَيْنَا»، ولا يعارض ذلك قول النجاشي: إنَّه كان مختلطاً، وإنَّ الشيخ
المفيد كان يُنشِد أشعاراً تدلُّ على الاختلاط، فإنَّ فساد العقل - لو سُلِّم ذلك
في جابر، ولم يكن تجنناً كما صرَّح به فيما رواه الكليني في الكافي (الجزء ١/ كتاب
الحجَّة ٤/ باب أنَّ الجنَّ يأتون الأئمَّة (سلام الله عليهم) فيسألونهم عن معالم
دينهم ٩٨/ الحديث ٧) - لا ينافي الوثاقة، ولزوم الأخذ برواياته حين اعتداله
وسلامته)(٢٦١).
١٠ - جابر بن عبد الله الأنصاري: بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد ابن عدي بن
غنم بن كعب بن سَلَمة الأنصاري السلمي، أحد الستَّة الذين شهدوا العقبة الأُولى،
طبقته في الحديث الثالثة، بل قبلها، فهو من المعمَّرين، وحاله أشهر من أنْ يُذكر
بتوثيق.
رواية: تاسعهم قائمهم:
الحديث (١٠٤): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ اِبْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ،
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «يَكُونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ
اَلحُسَيْنِ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ».
دلالة الحديث:
وهي واضحة في تحديد عدد الأئمَّة بعد الإمام الحسين (عليه السلام) بالتسعة، ممَّا
يدفع أيَّ إشكال حول مسألة العدد، ويدحض أيَّ دعوى لإمامة شخصٍ خارج هذا التحديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦١) معجم رجال الحديث (ج ٤/ ص ٣٤٤/ الرقم ٢٠٣٣).
ممَّا يعني إبطال
نظريَّات الفِرَق المنحرفة، مثل الواقفة، أو الإسماعيليَّة الذين زادوا في العدد،
أو الزيديَّة الذين لم يلتزموا بحصر الأئمَّة في هذا الإطار، العبارات في الرواية
ذات دلالة قطعيَّة على أنَّ الإمام القائم (عجَّل الله فرجه) هو التاسع من أبناء
الحسين (عليه السلام).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٦٢).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٦٣).
٣ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٢٦٤).
٤ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٦٥).
٥ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٢٦٦).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - عدَّة من أصحابنا: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - عليُّ بن إبراهيم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٥ - أبوه (إبراهيم بن هاشم القمِّي):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦٢) الكافي (ج ١/ ص
٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٥).
(٢٦٣) الغيبة للنعماني (ص ٩٥/ باب ٤/ ح ٢٥).
(٢٦٤) إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨).
(٢٦٥) كمال الدِّين (ص ٣٥٠/ باب ٣٣/ ح ٤٥).
(٢٦٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧).
تحقيق حول إبراهيم بن هاشم:
* ترجمته: إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمِّي، (إبراهيم أبو إسحاق)(٢٦٧)، طبقته في
الحديث السابعة:
كثير الرواية حيث تبلغ رواياته ما زاد على (٦٠٠٠) رواية.
قال النجاشي (رحمه الله): (إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمِّي، أصله كوفي انتقل إلى
قم، قال أبو عمرو الكشِّي: تلميذ يونس بن عبد الرحمن، من أصحاب الرضا [(عليه
السلام)]، هذا قول الكشِّي، وفيه نظر، وأصحابنا يقولون: أوَّل مَنْ نشر حديث
الكوفيِّين بقمَّ هو. له كُتُب، منها: النوادر، وكتاب قضايا أمير المؤمنين (عليه
السلام). أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: حدَّثنا الحسن بن حمزة الطبري، قال: حدَّثنا
عليُّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بها)(٢٦٨).
وقال الشيخ (قدّس سرّه): (إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمِّي، أصله من الكوفة،
وانتقل إلى قمّ، وأصحابنا يقولون: إنَّه أوَّل مَنْ نشر حديث الكوفيِّين بقمَّ،
وذكروا أنَّه لقي الرضا (عليه السلام)، والذي أعرف من كُتُبه: كتاب النوادر، وكتاب
قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام))(٢٦٩).
وعدَّه (قدّس سرّه) في (رجاله) من أصحاب الرضا (عليه السلام) قائلاً: (تلميذ يونس
بن عبد الرحمن) (٢٧٠).
وجوه توثيق إبراهيم بن هاشم
القمِّي:
قال العلَّامة (قدّس سرّه) في (الخلاصة): (لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦٧) معجم رجال الحديث
(ج ١/ ص ٢٨٩ - ٣٢٢/ الرقم ٣٣٢).
(٢٦٨) رجال النجاشي (ص ١٦/ الرقم ١٨).
(٢٦٩) الفهرست (ص ٣٥ و٣٦/ الرقم ٦/٦).
(٢٧٠) رجال الطوسي (ص ٣٥٣/ الرقم ٥٢٢٤/٣٠).
القدح فيه، ولا على
تعديل بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول روايته)(٢٧١).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (لا ينبغي الشكُّ في وثاقة إبراهيم بن هاشم)، وقد
ذكر السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) عدَّة وجوه في ذلك:
١ - أنَّه روى عنه ابنه عليٌّ في تفسيره كثيراً، وقد التزم في أوَّل كتابه بأنَّ ما
يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات، وتقدَّم ذكر ذلك في (المدخل) المقدَّمة
الثالثة.
٢ - أنَّ السيِّد ابن طاوس ادَّعى الاتِّفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن
أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: ورواة الحديث ثقات بالاتِّفاق. فلاح
السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة ١٥٨.
٣ - أنَّه أوَّل من نشر حديث الكوفيِّين بقمَّ، والقميُّون قد اعتمدوا على رواياته،
وفيهم مَنْ هو مستصعب في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز لم يكن يتسالم على
أخذ الرواية عنه، وقبول قوله.
٤ - كثير الرواية حتَّى إنَّه لا يوجد في الرواة - على اختلاف طبقاتهم - مَنْ
يدانيه في ذلك.
٥ - روى عن ابن أبي عمير، وروى عنه ابنه عليٌّ في (كامل الزيارات).
حول لقائه بالإمام الرضا (عليه
السلام):
إنَّ الكشِّي (رحمه الله) عدَّ إبراهيم بن هاشم من أصحاب الرضا (عليه السلام)،
وقال: إنَّه تلميذ يونس بن عبد الرحمن، وتبعه على ذلك الشيخ (قدّس سرّه) في
(رجاله)، وقد تنظَّر النجاشي (رحمه الله) في ذلك كما مرَّ.
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (تنظُّر النجاشي في محلِّه، بل لا يبعد دعوى الجزم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧١) خلاصة الأقوال (ص ٤٩/ الرقم ٩).
بعدم صحَّة ما ذكره
الكشِّي والشيخ، والوجه في ذلك أنَّ إبراهيم بن هاشم مع كثرة رواياته، حتَّى إنَّه
لا يوجد في الرواة - على اختلاف طبقاتهم - مَنْ يدانيه في ذلك، وقد روى عن مشايخ
كثيرة يبلغ عددهم زهاء مائة وستِّين شخصاً، ومع ذلك لم توجد له ولا رواية واحدة عن
الرضا (عليه السلام)، بلا واسطة ولا عن يونس، وكيف يمكن أنْ يكون إبراهيم بن هاشم
من أصحاب الرضا (عليه السلام) وتلميذ يونس، ومع ذلك لم يروِ عنهما، نعم لا منافاة
في لقائه الرضا (عليه السلام)، كما ذكره الأصحاب. ومن الغريب أنَّ الشيخ لم يذكره
في أصحاب الجواد (عليه السلام) مع أنَّه أدركه، وروى عنه (عليه السلام)، كما يأتي).
طُرُق المشايخ إلى كتابيه:
طريق النجاشي (رحمه الله): أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: حدَّثنا الحسن بن حمزة
الطبري، قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بها.
طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): أخبرنا بهما جماعة من أصحابنا، منهم: الشيخ أبو عبد
الله محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، وأحمد بن عبدون، والحسين بن عبيد الله،
كلُّهم عن الحسن بن حمزة بن عليِّ بن عبد (عبيد) الله العلوي، عن عليِّ بن إبراهيم
بن هاشم، عن أبيه.
وذكر الأردبيلي (قدّس سرّه) في (جامعه)(٢٧٢): أنَّ طريق الشيخ إليه صحيح في المشيخة
أيضاً، وهذا سهو منه (قدّس سرّه)، فإنَّ الشيخ لم يذكر طريقه في المشيخة إلى
إبراهيم بن هاشم، وإنَّما ذكر طريقه إلى عليِّ بن إبراهيم.
طريق الشيخ الصدوق (قدّس سرّه): وللصدوق إليه طريقان:
أ - أبوه، ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، عن سعد بن عبد الله، وعبد الله بن
جعفر الحميري، عن إبراهيم بن هاشم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٢) جامع الرواة (ج ١/ ص ٣٨).
ب - محمّد بن موسى بن
المتوكِّل (رضي الله عنه)، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، والطريق
كطريق الشيخ إليه صحيح.
٦ - ابن أبي عمير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٧ - سعيد بن غزوان: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ
النجاشي (رحمه الله) له، صاحب أصل، رواية ابن أبي عمير عنه.
تردَّد السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) لسعيد من
جهة النسخة، قال: (إنَّ نسخة النجاشي المطبوعة الموافقة لنسخة التفريشي، والمولى
الأسترآبادي، والمولى عناية الله القهبائي، وصاحب الوسائل، والحائري، مشتملة في
ترجمة الرجل على كلمة (ثقة)، إلَّا أنَّ العلَّامة لم يتعرض لترجمة الرجل، فهو من
باب السهو أو لأجل أنَّ نسخته لم تكن مشتملة على تلك الكلمة، ويُؤكِّد الثاني خلو
نسخة ابن داود من التوثيق (٦٨٢) من القسم الأوَّل، فعلى ذلك تكون نُسَخ النجاشي
مختلفة من جهة الاشتمال على التوثيق وعدمه، فلا يمكننا أنْ نجزم بأنَّ النجاشي
وثَّقه)(٢٧٣).
٨ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: أنَّ النبيَّ (صلَّى
الله عليه وآله) رسولٌ عامٌّ:
الحديث (١٠٥): مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ،
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ
مُحَمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) إِلَى اَلْجِنِّ وَاَلْإِنْسِ عَامَّةً، وَكَانَ
مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ وَصِيًّا، مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ
بَقِيَ، وَكُلُّ وَصِيٍّ جَرَتْ بِهِ اَلسُّنَّةُ، وَاَلْأَوْصِيَاءُ اَلَّذِينَ
مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) عَلَى سُنَّةِ أَوْصِيَاءِ عِيسَى
إِلَى مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) وَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ
أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى سُنَّةِ اَلمَسِيحِ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٣) معجم رجال الحديث (ج ٩/ ص ١٣٣ و١٣٤/ الرقم ٥١٧٢).
دلالة الحديث:
الخبر يُقرِّر قاعدةً إلهيَّةً ثابتةً في الاصطفاء، حيث يُثبِت أنَّ النبيَّ
محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) قد خلفه اثنا عشر وصيًّا (عليهم السلام)، لا زيادة
ولا نقصان، على سُنَّة أوصياء عيسى (عليه السلام)، ممَّا يدلُّ على أنَّ تحديد
العدد أمرٌ إلهيٌّ لا اجتهادي. كما يُثبِت استمرار الإمامة حتَّى نهاية الزمان، إذ
منهم مَنْ مضى ومنهم مَنْ بقي، وهو إشارةٌ إلى بقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) كآخر
الأوصياء.
والتشبيه بين أمير المؤمنين والمسيح (عليهما السلام) يُؤكِّد مظلوميَّتهما واتِّحاد
سُنَّتهما في الهداية الإلهيَّة، ممَّا يُبرز وحدة النظام الإلهي في الأنبياء
والأوصياء عبر العصور.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٧٤).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٧٥).
٣ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٢٧٦).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبوه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - محمّد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣).
٤ - محمّد بن الفضيل الأزدي الكوفي الصيرفي: طبقته في الحديث السابعة والسادسة،
وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية، رواية الأجلَّاء عنه والمشايخ الثلاثة، من
رواة (تفسير القمِّي)، من رواة (كامل الزيارات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٤) الكافي (ج ١/ ص
٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٠).
(٢٧٥) كمال الدِّين (ص ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٤).
(٢٧٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٥).
الأقوال في محمّد بن الفضيل:
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): ([هذا هو] محمّد بن الفضيل [بن كثير] الأزدي.
صيرفي، يُرمى بالغلوِّ، له كتاب، من أصحاب الرضا (عليه السلام)، رجال الشيخ (٣٥).
وعدَّه أيضاً (تارةً) من أصحاب الصادق (عليه السلام) (٢٨٣)، قائلاً: محمّد بن
الفضيل ابن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي. وأُخرى من أصحاب الكاظم (عليه السلام)
(٢٥)، قائلاً: محمّد بن الفضيل الكوفي الأزدي، ضعيف. وعدَّه البرقي (رحمه الله) من
أصحاب الصادق (عليه السلام)...
أقول: يظهر من عبارات الشيخ وتوصيفه محمّد بن الفضيل بالأزدي في جميع هذه الموارد،
وبالكوفي في موردين: أنَّ محمّد بن الفضيل الأزدي رجل واحد، أدرك الصادق والكاظم
والرضا (عليهم السلام).
وقال النجاشي (رحمه الله): محمّد بن الفضيل بن كثير الصيرفي الأزدي، أبو جعفر
الأزرق: روى عن أبي الحسن موسى والرضا (عليهما السلام)، له كتاب ومسائل).
ثمّ قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (صريح هذا الكلام أنَّ مَنْ يروي عن الكاظم
والرضا (عليهما السلام) رجل واحد، كما أنَّ صريحه أنَّ الموصوف بالأزرق إنَّما هو
هذا الرجل، وعليه فيتَّحد ما ذكره النجاشي مع ما ذكره الشيخ في الفهرست...
وقال ابن داود (١٤٥٠) من القسم الأوَّل...).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (ما ذكره الشيخ من أنَّ محمّد بن الفضيل من أصحاب الصادق
والكاظم والرضا (عليهم السلام)، يُصدِّقه ما في الروايات، فإنَّه قد روى
عنهم (عليهم السلام) في عدَّة موارد...
وقد عدَّ الشيخ المفيد في رسالته العدديَّة محمّد بن الفضيل، من الفقهاء والرؤساء
الأعلام، الذين يُؤخَذ منهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، ولا يُطعَن عليهم
بشيء، ولا طريق لذمِّ واحدٍ منهم، إلَّا أنَّ ذلك معارض بما عرفت من تضعيف الشيخ
إيَّاه، إذ لم تثبت وثاقة الرجل، فلا يُعتمَد على روايته...
قد عرفت روايته عن
الرضا (عليه السلام)، فهو معاصر مع محمّد بن القاسم بن الفضيل الآتي، وقد اشتركا في
عدَّة من الرواة عنهما، وفيمن يرويان عنه، ولأجل ذلك جزم الأردبيلي في جامعه بأنَّ
محمّد بن الفضيل الذي وقع في إسناد هذه الروايات، هو محمّد بن القاسم بن الفضيل
الثقة، وأنَّ إطلاق ابن الفضيل عليه من باب الإسناد إلى الجدِّ، وهذا الذي ذكره
وإنْ كان محتملاً كما ذكره المجلسي في الوجيزة، إلَّا أنَّ الجزم به في غير محلِّه،
فإنَّ محمّد بن الفضيل الأزدي الصيرفي هو رجل معروف ذو كتاب، وله روايات كثيرة،
فإطلاق محمّد بن الفضيل، وإرادة محمّد بن القاسم بن الفضيل، من دون قرينة إطلاق على
خلاف قانون المحاورة، فلا يُصار إليه. قال السيِّد التفريشي في ترجمة إبراهيم بن
نعيم العبدي: وروى عنه محمّد بن الفضيل كثيراً، ويحتمل أنْ يكون محمّد بن الفضيل
هذا، هو محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة، لأنَّ الشيخ الصدوق محمّد بن عليِّ بن
بابويه، روى كثيراً في الفقيه، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، ثمّ قال
في مشيخته: وما كان فيه عن محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري، صاحب الرضا (عليه
السلام)، فقد رويته عن فلان، عن فلان (إلى آخره)، ولم يذكر في المشيخة طريقه إلى
محمّد بن الفضيل أصلاً، إلَّا أنْ يقال: إنَّ الشيخ (الصدوق) لم يذكر في المشيخة
طريقه إلى محمّد بن الفضيل، كما لم يذكر طريقه إلى أبي الصباح الكناني، وغيره، مع
أنَّ روايته في الفقيه عنه كثيرة، والله أعلم)(٢٧٧).
٥ - أبو حمزة الثمالي (ثابت بن دينار): طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، كثير الرواية، رواية الأجلَّاء
عنه كصفوان، من رواة (تفسير القمِّي) في عدَّة مواضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٧) معجم رجال الحديث (ج ١٨/ ص ١٥١ - ١٥٤/ الرقم ١١٥٩١).
رواية: نزول الأمر في ليلة
القدر على الإمام (عليه السلام):
الحديث (١٠٦): عَنْهُ، عَنْ أَبِي اَلحُسَيْنِ. وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ
أَبِي مُحَمَّدٍ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلْآدَمِيِّ، عَنِ اَلحَسَنِ
بْنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ اَلحَرِيشِ اَلرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلثَّانِي
(عليه السلام) «أَنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ لاِبْنِ
عَبَّاسٍ: إِنَّ لَيْلَةَ اَلْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ يَنْزِلُ فِي
تِلْكَ اَللَّيْلَةِ أَمْرُ اَلسَّنَةِ، وَلِذَلِكَ اَلْأَمْرِ وُلَاةٌ بَعْدَ
رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ هُمْ؟
فَقَالَ: أَنَا وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبِي أَئِمَّةٌ مُحَدَّثُونَ».
دلالة الحديث:
يُثبِت الحديث أنَّ ليلة القدر مستمرَّة في كلِّ سنة، ممَّا يعني استمرار نزول
الأمر الإلهي بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا يستلزم وجود مَنْ يتلقَّاه
ويُدبِّره. ويُحدِّد أمير المؤمنين (عليه السلام) هؤلاء الولاة - لابن عبَّاس -
بأنَّهم هو وأحد عشر من صلبه، أئمَّةٌ محدَّثون ومؤيَّدون بالإلهام الإلهي، ممَّا
يُثبِت عصمتهم وكونهم حُجَج الله تعالى في أرضه. وبذلك يُلغى تصوُّر الحكم القائم
على الشورى، إذ إنَّ الإمامة امتدادٌ للوحي، لا مجرَّد زعامةٍ سياسيَّةٍ، ومنكرها
يُنكِر التدبير الإلهي ذاته.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٧٨).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٧٩).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٨٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٨) الكافي (ج ١/
ص٥٣٢ و٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١١).
(٢٧٩) الغيبة للنعماني (ص ٦٨/ باب ٤/ ح ٣).
(٢٨٠) كمال الدِّين (ص ٣٠٤ و٣٠٥/ باب ٢٦/ ح ١٩).
٤ - الإرشاد للشيخ
المفيد (قدّس سرّه)(٢٨١).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبو الحسين (محمّد بن جعفر الأسدي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
رجال السند الثاني:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو الحسين (محمّد بن جعفر الأسدي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - سهل بن زياد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨).
٤ - الحسن بن العبَّاس بن الحريش الرازي: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: صاحب كتاب، كثير الرواية.
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (روى - الحسن بن العبَّاس - عن أبي جعفر [(عليه
السلام)]، وروى عنه سهل بن زياد، تفسير القمِّي...)، على تفصيل ذكره السيِّد الخوئي
(قدّس سرّه) في (المعجم)(٢٨٢)، فلاحظ.
وذُكِرَت فيه تضعيفات، قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (الحسن بن العبَّاس بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨١) الإرشاد (ج ٢/ ص
٣٤٦).
(٢٨٢) معجم رجال الحديث (ج ٥/ ص ٣٦١ - ٣٦٣/ الرقم ٢٨٩٤ و٢٨٩٥).
الحريش الرازي، أبو
عليٍّ، روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، ضعيف جدًّا، له كتاب ﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وهو كتاب رديء الحديث، مضطرب
الألفاظ)(٢٨٣).
وقال ابن الغضائري (رحمه الله): (الحسن بن العبَّاس بن الحريش الرازي، أبو محمّد،
ضعيف)(٢٨٤).
رواية: الاصطفاء الإلهي:
الحديث (١٠٧): مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ اِبْنِ هِلَالٍ اَلْعَبَرْتَائِيِّ، عَنِ اِبْنِ أَبِي
عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ
اَلله (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) - فِي
حَدِيثٍ لَهُ -: «إِنَّ اَللهَ اِخْتَارَ مِنَ اَلنَّاسِ اَلْأَنْبِيَاءَ،
[وَاِخْتَارَ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ] اَلرُّسُلَ، وَاِخْتَارَنِي مِنَ اَلرُّسُلِ،
وَاِخْتَارَ مِنِّي عَلِيًّا، وَاِخْتَارَ مِنْ عَلِيٍّ اَلحَسَنَ وَاَلحُسَيْنَ،
وَاِخْتَارَ مِنَ اَلحُسَيْنِ اَلْأَوْصِيَاءَ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ، وَهُوَ
ظَاهِرُهُمْ وَبَاطِنُهُمْ».
دلالة الحديث:
حيث تكون النبوَّة والإمامة اختياراً إلهيًّا لا بشريًّا، وبهذا وقع الاختيار على
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ على عليٍّ (عليه السلام) خليفةً بعده، ثمّ
تستمرُّ الإمامة في الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومن نسل الحسين (عليه السلام)
يختار اللهُ الأوصياءَ، ممَّا ينفي كلَّ دعوى بخروجها عنهم. ويُؤكِّد أنَّ التاسع
منهم هو القائم (عجَّل الله فرجه)، وهو ظاهرهم وباطنهم، وقد يكون معناه الجامع
لجميع خصائص الإمامة. بذلك يُحكم الحديث حصر الإمامة، وضرورة الإيمان بالإمام
(عجَّل الله فرجه)، وكونه الإمام الثاني عشر الموعود (عجَّل الله فرجه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٣) رجال النجاشي (ص
٦٠ و٦١/ الرقم ١٣٨).
(٢٨٤) رجال ابن الغضائري (ص ٥١/ الرقم ٣٤/٧).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٢٨٥).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٢٨٦).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - أحمد بن هلال العبرتائي: طبقته في الحديث السابعة، كثير الرواية، من رواة (كامل
الزيارات).
الأقوال في ابن هلال، والتفصيل
فيه:
ذُكِرَ في هذا الرجل العديد من الأقوال، والراجح التفصيل فيه تبعاً لشيخ الطائفة
(قدّس سرّه)، وممَّا ذُكِرَ فيه:
(قَالَ أَبُو عَلِيٍّ بْنُ هَمَّامٍ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ مِنْ أَصْحَابِ
أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَاجْتَمَعَتِ اَلشِّيعَةُ عَلَى وَكَالَةِ
مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ (رضي الله عنه) بِنَصِّ اَلْحَسَنِ (عليه السلام) فِي
حَيَاتِهِ، وَلَـمَّا مَضَى اَلْحَسَنُ (عليه السلام) قَالَتِ اَلشِّيعَةُ
اَلْجَمَاعَةُ لَهُ: أَلَا تَقْبَلُ أَمْرَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
عُثْمَانَ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ اَلْإِمَامُ اَلمُفْتَرَضُ
اَلطَّاعَةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَمْ أَسْمَعْهُ يَنُصُّ عَلَيْهِ بِالْوَكَالَةِ،
وَلَيْسَ أُنْكِرُ أَبَاهُ - يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ -، فَأَمَّا أَنْ
أَقْطَعَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ وَكِيلُ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ فَلَا أَجْسُرُ
عَلَيْهِ، فَقَالُوا: قَدْ سَمِعَهُ غَيْرُكَ، فَقَالَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٥) الغيبة للنعماني
(ص ٧٣ و٧٤/ باب ٤/ ذيل الحديث ٧).
(٢٨٦) كمال الدِّين (ص ٢٨١/ باب ٢٤/ ذيل الحديث ٣٢).
أَنْتُمْ وَمَا
سَمِعْتُمْ، وَوَقَفَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَلَعَنُوهُ وَتَبَرَّؤُوا مِنْهُ،
ثُمَّ ظَهَرَ اَلتَّوْقِيعُ عَلَى يَدِ أَبِي اَلْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ بِلَعْنِهِ
وَاَلْبَرَاءَةِ مِنْهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَعَنَ)(٢٨٧).
وقال الصدوق (قدّس سرّه) في (كمال الدِّين) في البحث عن اعتراض الزيديَّة وجوابهم
ما نصُّه: حَدَّثَنَا شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ
اَلْوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عَبْدِ اَلله يَقُولُ:
مَا رَأَيْنَا وَلَا سَمِعْنَا بِمُتَشَيِّعٍ رَجَعَ عَنِ اَلتَّشَيُّعِ إِلَى
اَلنَّصْبِ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ هِلَالٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مَا
تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ فَلَا يَجُوزُ
اِسْتِعْمَالُهُ(٢٨٨).
قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): (أحمد بن هلال العبرتائي، وعبرتا قرية بنواحي بلد
إسكاف، وهو من بني جنيد، وُلِدَ سنة ثمانين ومائة، ومات سنة سبع وستِّين)، وقال
(قدّس سرّه): (كان غالياً، متَّهماً في دينه، وقد روى أكثر أُصول أصحابنا)(٢٨٩).
وقال (قدّس سرّه) في (التهذيب): (وما يختصُّ بروايته لا نعمل عليه)(٢٩٠).
وقال (قدّس سرّه) في (الاستبصار): (أحمد بن هلال...، ضعيف، فاسد المذهب، لا يُلتفَت
إلى حديثه فيما يختصُّ بنقله)(٢٩١).
وفصَّل (قدّس سرّه)، في (العدَّة): في بحث خبر الواحد، بين ما يرويه حال استقامته،
وما يرويه حال خطئه(٢٩٢).
وقال (قدّس سرّه) في كتاب (الغيبة) في فصل: في ذكر طرف من أخبار السفراء الذين
كانوا في حال الغيبة: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: خَرَجَ إِلَى
اَلْعَمْرِيِّ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٧) الغيبة للطوسي (ص
٣٩٩/ ح ٣٧٤).
(٢٨٨) كمال الدِّين (ص ٧٦).
(٢٨٩) الفهرست (ص ٨٣/ الرقم ١٠٧/٤٥).
(٢٩٠) تهذيب الأحكام (ج ٩/ ص ٢٠٤/ ذيل الحديث ٨١٢/٩).
(٢٩١) الاستبصار (ج ٣/ ص ٢٨/ ذيل الحديث ٩٠/٢٢).
(٢٩٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٣/ ح ٣١٣).
تَوْقِيعٍ طَوِيلٍ
اِخْتَصَرْنَاهُ: «وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اَلله تَعَالَى مِنِ اِبْنِ هِلَالٍ
(لَا رَحِمَهُ اَللهُ) وَمِمَّنْ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ، فَأَعْلِمِ اَلْإِسْحَاقِيَّ
وَأَهْلَ بَلَدِهِ مِمَّا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ حَالِ هَذَا اَلْفَاجِرِ، وَجَمِيعِ
مَنْ كَانَ سَأَلَكَ وَيَسْأَلُكَ عَنْهُ»(٢٩٣).
قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (أحمد بن هلال، أبو جعفر العبرتائي، صالح الرواية،
يُعرَف منها ويُنكر، وقد رُوِيَ فيه ذموم من سيِّدنا أبي محمّد العسكري (عليه
السلام)، ولا أعرف له إلَّا كتاب يوم وليلة، وكتاب نوادر)(٢٩٤).
وذكر (رحمه الله) في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى أنَّ محمّد بن الحسن بن الوليد
استثنى في جملة ما استثناه ممَّا يرويه محمّد بن أحمد بن يحيى، ما يرويه عن أحمد بن
هلال، وتبعه على ذلك: أبو جعفر بن بابويه (الصدوق)، وأبو العبَّاس ابن نوح(٢٩٥).
وذكر الكشِّي (رحمه الله) عدَّة روايات في ذمِّه، منها: «اِحْذَرُوا اَلصُّوفِيَّ
اَلمُتَصَنِّعَ»(٢٩٦).
وقال العلَّامة (قدّس سرّه): (وتوقَّف ابن الغضائري في حديثه إلَّا فيما يرويه عن
الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة، ومحمّد بن أبي عمير من نوادره، وقد سمع هذين
الكتابين جُلُّ أصحاب الحديث واعتمدوه فيها، وعندي أنَّ روايته غير مقبولة)(٢٩٧).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (لا ينبغي الإشكال في فساد الرجل من جهة عقيدته،
بل لا يبعد استفادة أنَّه لم يكن يتديَّن بشيء، ومن ثَمَّ كان يُظهِر الغلوَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٣) الغيبة للطوسي (ص
٣٥٣/ ح ٣١٣).
(٢٩٤) رجال النجاشي (ص ٨٣/ الرقم ١٩٩).
(٢٩٥) راجع: رجال النجاشي (ص ٣٤٨/ الرقم ٩٣٩).
(٢٩٦) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٨١٦/ ح ١٠٢٠).
(٢٩٧) خلاصة الأقوال (ص ٣٢٠/ الرقم ٦).
مرَّة، والنصب أُخرى،
ومع ذلك لا يهمُّنا إثبات ذلك، إذ لا أثر لفساد العقيدة، أو العمل، في سقوط الرواية
عن الحجّيَّة، بعد وثاقة الراوي. والذي يظهر من كلام النجاشي: (صالح الرواية) أنَّه
في نفسه ثقة، ولا ينافيه قوله: (يُعرَف منها ويُنكر)، إذ لا تنافي بين وثاقة الراوي
وروايته أُموراً منكرة من جهة كذب مَنْ حدَّثه بها، بل إنَّ وقوعه في إسناد (تفسير
القمِّي) يدلُّ على توثيقه إيَّاه...
وممَّا يُؤيِّد ذلك، تفصيل الشيخ بين ما رواه حال الاستقامة، وما رواه بعدها،
فإنَّه لا يبعد أنْ يكون فيه شهادة بوثاقته، فإنَّه إنْ لم يكن ثقة لم يجز العمل
برواياته حال الاستقامة أيضاً.
وأمَّا تفصيل ابن الغضائري، فالظاهر أنَّه يرجع إلى تفصيل الشيخ (قدّس سرّه) وإلَّا
فلو كان الرجل ثقة، أو غير ثقة، فكيف يُفرِّق بين رواياته عن كتاب ابن محبوب ونوادر
ابن أبي عمير، وبين غيرها.
فالمتحصِّل: أنَّ الظاهر أنَّ أحمد بن هلال ثقة، غاية الأمر أنَّه كان فاسد
العقيدة، وفساد العقيدة لا يضرُّ بصحَّة رواياته، على ما نراه من حجّيَّة خبر الثقة
مطلقاً)(٢٩٨).
٤ - ابن أبي عمير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٥ - سعيد بن غزوان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٤).
٦ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: حديث جابر (رحمه الله)
مع الإمام الباقر (عليه السلام) عن اللوح:
الحديث (١٠٨): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَعَبْدِ
اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٨) معجم رجال الحديث (ج ٣/ ص ١٥٢ و١٥٣/ الرقم ١٠٠٨).
اَلخَيْرِ صَالِحِ بْنِ
أَبِي حَمَّادٍ اَلرَّازِيِّ وَاَلحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ جَمِيعاً، عَنْ بَكْرِ بْنِ
صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه
السلام) لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ
حَاجَةً، فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا؟ قَالَ
لَهُ جَابِرٌ: فِي أَيِّ اَلْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَ. فَخَلَا بِهِ أَبِي فِي بَعْضِ
اَلْأَوْقَاتِ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ، أَخْبِرْنِي عَنِ اَللَّوْحِ اَلَّذِي
رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَمَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ
أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اَللَّوْحِ مَكْتُوبٌ. فَقَالَ جَابِرٌ: أَشْهَدُ
بِاللهِ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهَا) فِي
حَيَاةِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، فَهَنَّأْتُهَا بِوِلَادَةِ
اَلحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهَا لَوْحاً أَخْضَرَ، فَظَنَنْتُ
أَنَّهُ زُمُرُّدٌ، وَرَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ نُورِ اَلشَّمْسِ،
فَقُلْتُ لَهَا: بِأَبِي وَأُمِّي يَا اِبْنَةَ(٢٩٩) رَسُولِ اَلله، مَا هَذَا
اَللَّوْحُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا اَللَّوْحُ أَهْدَاهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَى
رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، فِيهِ اِسْمُ أَبِي وَاِسْمُ بَعْلِي
وَاِسْمُ اِبْنَيَّ(٣٠٠) وَأَسْمَاءُ اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي، فَأَعْطَانِيهِ
أَبِي لِيَسُرَّنِي بِذَلِكَ. قَالَ جَابِرٌ: فَأَعْطَتْنِيهِ أُمُّكَ فَاطِمَةُ
(عليها السلام)، فَقَرَأْتُهُ، فَاسْتَنْسَخْتُهُ(٣٠١). قَالَ لَهُ أَبِي: فَهَلْ
لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَمَشَى مَعَهُ أَبِي
حتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ، فَأَخْرَجَ أَبِي صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ،
وَقَالَ: يَا جَابِرُ، اُنْظُرْ فِي كِتَابِكَ لِأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ، فَنَظَرَ
جَابِرٌ فِي نُسْخَتِهِ وَقَرَأَهُ أَبِي، فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً. قَالَ
جَابِرٌ: فَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُ فِي اَللَّوْحِ مَكْتُوباً:
بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اَلله اَلْعَزِيزِ
اَلحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَنُورِهِ وَسَفِيرِهِ وَحِجَابِهِ وَدَلِيلِهِ،
نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، عَظِّمْ يَا
مُحَمَّدُ أَسْمَائِي، وَاُشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَا تَجْحَدْ آلَائِي، إِنِّي
أَنَا اَللهُ لَا إِلَهَ أَنَا، قَاصِمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٩) في نُسَخ (أ، ف،
م): (بنت).
(٣٠٠) في نُسَخ (أ، ف، م): (وأسماء بني).
(٣٠١) في نُسَخ (أ، ف، م): (واستنسخته).
اَلجَبَّارِينَ، وَمُدِيلُ اَلمَظْلُومِينَ، وَدَيَّانُ اَلدِّينِ، إِنِّي أَنَا اَللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي، أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي، عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيًّا فَكَمَلَتْ أَيَّامُهُ وَاِنْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيًّا، وَإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى اَلْأَنْبِيَاءِ، وَفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلِيًّا عَلَى اَلْأَوْصِيَاءِ، وَأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ بَعْدَهُ وَسِبْطَيْكَ اَلحَسَنِ وَاَلحُسَيْنِ، فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ اِنْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ، وَجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ عِلْمِي، وَأَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اُسْتُشْهِدَ، وَأَرْفَعُ اَلشُّهَدَاءِ دَرَجَةً، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ اَلتَّامَّةَ مَعَهُ، وَحُجَّتِيَ اَلْبَالِغَةَ عِنْدَهُ، بِعِتْرَتِهِ(٣٠٢) أُثِيبُ وَأُعَاقِبُ. أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ اَلْعَابِدِينَ، وَزَيْنُ أَوْلِيَاءِ اَلمَاضِينَ، وَاِبْنُهُ شَبِيهُ جَدِّهِ اَلمَحْمُودِ مُحَمَّدٌ اَلْبَاقِرُ، بَاقِرُ عِلْمِي، وَاَلمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي، سَيَهْلِكُ اَلمُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ، اَلرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ، حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ، وَلَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، أُنْتِجَ(٣٠٣) بَعْدَهُ فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ(٣٠٤)، لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ، وَحُجَّتِي لَا تَخْفَى، وَإِنَّ أَوْلِيَائِي لَا يَشْقَوْنَ، أَلَا وَمَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي، وَمَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ اِفْتَرَى عَلَيَّ، وَوَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ اَلجَاحِدِينَ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مُدَّةِ عَبْدِي مُوسَى وَحَبِيبِي وَخِيَرَتِي. إِنَّ اَلمُكَذِّبَ بِالثَّامِنِ مُكَذِّبٌ بِكُلِّ أَوْلِيَائِي، وَعَلِيٌّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَمَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ اَلنُّبُوَّةِ، وَأُمَتِّعُهُ(٣٠٥) بِالْاِضْطِلَاعِ بِهَا، يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ، يُدْفَنُ فِي اَلمَدِينَةِ اَلَّتِي بَنَاهَا اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي، حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٢) في الأصل:
(بعزَّته).
(٣٠٣) في نسخة (ف): (أفتح)، وفي الكافي والاختصاص والغيبة للنعماني وإعلام الورى:
(أُتيحت)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام): (انتخبت)، وفي الاحتجاج: (أُتيح).
(٣٠٤) في لسان العرب (ج ٦/ ص ٥٨/ مادَّة حندس): (الحندس: الظلمة).
(٣٠٥) في نسخة (ف) وعيون أخبار الرضا (عليه السلام): (أمنحه).
لَأُقِرَّنَّ
عَيْنَيْهِ بِمُحَمَّدٍ اِبْنِهِ وَخَلِيفَتِهِ وَوَارِثِ عِلْمِهِ، فَهُوَ
مَعْدِنُ عِلْمِي، وَمَوْضِعُ سِرِّي، وَحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي، جَعَلْتُ
اَلجَنَّةَ مَثْوَاهُ، وَشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ أَلْفٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ
كُلُّهُمْ قَدِ اِسْتَوْجَبُوا اَلنَّارَ، وَأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لاِبْنِهِ
عَلِيٍّ، وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَاَلشَّاهِدِ فِي خَلْقِي، وَأَمِينِي عَلَى
وَحْيِي، أُخْرِجُ مِنْهُ اَلدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلي، وَاَلخَازِنَ لِعِلْمِيَ
اَلحَسَنَ. ثُمَّ أُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْهِ
كَمَالُ مُوسَى، وَبَهَاءُ عِيسَى، وَصَبْرُ أَيُّوبَ، سَيَذِلُّ أَوْلِيَائِي فِي
زَمَانِهِ، وَيُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا يُتَهَادَى رُؤُوسُ اَلتُّرْكِ
وَاَلدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ
وَجِلِينَ، تُصْبَغُ اَلْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ، وَيَفْشُو اَلْوَيْلُ وَاَلرَّنَّةُ
فِي نِسَائِهِمْ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا، بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ
عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ، وَبِهِمْ أَكْشِفُ اَلزَّلَازِلَ، وَأَرْفَعُ اَلآصَارَ
وَاَلْأَغْلاَلَ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ
رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]».
قَالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ: قَالَ لِي أَبُو بَصِيرٍ: لَوْ لَمْ
تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا اَلحَدِيثَ لَكَفَاكَ، فَصُنْهُ إِلَّا عَنْ
أَهْلِهِ.
دلالة الحديث:
الحديث يُقرِّر قاعدة الاصطفاء الإلهي المتسلسل، حيث اختار الله تعالى الأنبياء،
ثمّ الرُّسُل، ثمّ النبيَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ جعل الإمامة
امتداداً للوحي في عليٍّ (عليه السلام) وأبنائه حتَّى القائم (عجَّل الله فرجه).
ويُؤكِّد أنَّ الإمامة اختيارٌ إلهي، لا اجتهادٌ بشري، ممَّا يُنقِض دعوى الاستخلاف
البشري. ويُبيِّن أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) هو التاسع من ولد الحسين (عليه
السلام)، وهو المظهر التامُّ للإمامة، والجامع لعلوم الأئمَّة، ممَّا يجعله محور
النظام الإلهي. كما يصف محنة المؤمنين في عصر الغيبة، ويكشف أنَّ ظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه) ليس مجرَّد ثورة، بل إعادة للتوازن الكوني والعدل الإلهي.
ويُوضِّح
أنَّ الإمامة لا تنفكُّ
عن الدِّين، وإنكارها إنكارٌ للنعمة الإلهيَّة، حيث يكون منكر واحدٍ من الأئمَّة
كمنكر الجميع. ويُؤكِّد أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يحمل كمال موسى وبهاء عيسى
وصبر أيُّوب (عليهم السلام)، كما يذكر أنَّه المنقذ الأعظم للبشريَّة. وأخيراً،
يُبيِّن الحديث أنَّ الله تعالى يُثيب ويُعاقب بعترة النبيِّ (عليهم السلام)، ممَّا
يجعل الإمامة مفتاح الحساب الإلهي في الدنيا والآخرة.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٠٦).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٠٧).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٠٨).
٤ - الاختصاص للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٣٠٩).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو جعفر محمّد بن سفيان البزوفري: طبقته في الحديث العاشرة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، من مشايخ الإجازة.
٣ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - أبو عليٍّ أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
ب - عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٦) الكافي (ج ١/ ص
٥٢٧ و٥٢٨/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٣).
(٣٠٧) الغيبة للنعماني (ص ٦٩ - ٧٢/ باب ٤/ ح ٥).
(٣٠٨) كمال الدِّين (ص ٣٠٨ - ٣١١/ باب ٢٨/ ح ١).
(٣٠٩) الاختصاص (ص ٢١٠ - ٢١٢).
٤ - في هذه الطبقة -
وهي السابعة - جماعة، هم:
أ - أبو الخير صالح بن أبي حمَّاد الرازي: وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
رواية الأجلَّاء عنه، له كُتُب، من رواة (تفسير القمِّي).
قال الشيخ الكشِّي (رحمه الله): (أبو الخير صالح بن أبي حمَّاد الرازي: قَالَ
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْقُتَيْبِيُّ، سَمِعْتُ اَلْفَضْلَ بْنَ شَاذَانَ
يَقُولُ فِي أَبِي اَلْخَيْرِ: وَهُوَ صَالِحُ بْنُ سَلَمَةَ أَبِي حَمَّادٍ
اَلرَّازِيُّ كَمَا كَنَّى، وَقَالَ عَلِيٌّ : كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْفَضْلُ
يَرْتَضِيهِ وَيَمْدَحُهُ، وَلَا يَرْتَضِي أَبَا سَعِيدٍ اَلْآدَمِيَّ وَيَقُولُ:
هُوَ اَلْأَحْمَقُ)(٣١٠).
ولكنَّ الشيخ النجاشي (رحمه الله)، قال عنه: (وكان أمره ملتبساً يُعرَف
ويُنكر)(٣١١).
وقال ابن الغضائري (رحمه الله): (صالح بن أبي حمَّاد الرازي، أبو الخير،
ضعيف)(٣١٢).
قال الوحيد (قدّس سرّه) في (التعليقة): (روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى في الصحيح،
في العيون، ولم يستثنِ)(٣١٣).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (إنَّ عليَّ بن محمّد القتيبي، إذا كان قد ثبتت
وثاقته، لأمكن أنْ يقال بحسن الرجل لشهادة الفضل بن شاذان، ولا يعارضها تردُّد
النجاشي بقوله: (وكان أمره ملتبساً)، فإنَّ الترديد وعدم إحراز الوثاقة لا يعارض
الشهادة بالحسن، وأمَّا تضعيف ابن الغضائري فلم يثبت، لعدم ثبوت نسبة الكتاب إليه،
ولكنَّ وثاقة عليِّ بن محمّد لم تثبت)(٣١٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١٠) رجال الكشِّي (ج
٢/ ص ٨٣٧/ ح ١٠٦٨).
(٣١١) رجال النجاشي (ص ١٩٨/ الرقم ٥٢٦).
(٣١٢) رجال ابن الغضائري (ص ٧٠/ الرقم ٧٣/٥).
(٣١٣) تعليقة على منهج المقال (ص ٢٠٣).
(٣١٤) معجم رجال الحديث (ج ١٠/ ص ٥٩/ الرقم ٥٨٠٣).
ب - الحسن بن ظريف:
وجوه توثيقه عديدة، منها: له كتاب تكثر الرواية عنه، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه
الله) له، رواية الأجلَّاء عنه.
٥ - بكر بن صالح: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: رواية
الأجلَّاء عنه، كثير الرواية، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
ولكنَّ ابن الغضائري (رحمه الله) قال عنه: (ضعيف جدًّا، كثير التفرُّد
بالغرائب)(٣١٥).
٦ - عبد الرحمن بن سالم الأشلُّ: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه عديدة،
منها: رواية ابن أبي عمير عنه، كثير الرواية، صاحب كتاب.
ولكنَّ ابن الغضائري (رحمه الله) قال عنه: (روى عن أبي بصير، ضعيف)(٣١٦).
٧ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: الإسراء:
الحديث (١٠٩): وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي
عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ اَلْإِيَادِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
اَلحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ اَلمَوْصِلِيِّ اَلْعَدْلِ،
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلخَلِيليِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ
اَلهَمْدَانِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ زِيَادِ(٣١٧) بْنِ مُسْلِمٍ
وَعَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَلَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا سَلْمَى رَاعِيَ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: «سَمِعْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي
إِلَى اَلسَّمَاءِ، قَالَ اَلْعَزِيزُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ): ﴿آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١٥) رجال ابن
الغضائري (ص ٤٤/ الرقم ١٩/١).
(٣١٦) رجال ابن الغضائري (ص ٧٤/ الرقم ٧٩/٤).
(٣١٧) في الأصل: (الذمال)، وفي نسخة (ف): (الذبال)، وفي مقتضب الأثر: (الريَّان)،
وكلُّها تصحيف. وما أثبتناه من المائة منقبة، ومقتل الخوارزمي، وفرائد السمطين،
والطرائف.
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾، قُلْتُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ٢٨٥]، قَالَ: صَدَقْتَ. يَا مُحَمَّدُ، مَنْ خَلَّفْتَ لِأُمَّتِكَ؟
قُلْتُ: خَيْرَهَا. قَالَ: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)؟ قُلْتُ:
نَعَمْ، يَا رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَطْلَعْتُ عَلَى اَلْأَرْضِ
إطْلَاعَةً فَاخْتَرْتُكَ مِنْهَا، فَشَقَقْتُ لَكَ اِسْماً مِنْ أَسْمَائِي، فَلَا
أُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا وَذُكِرْتَ مَعِي، فَأَنَا اَلمَحْمُودُ وَأَنْتَ
مُحَمَّدٌ، ثُمَّ أَطْلَعْتُ اَلثَّانِيَةَ فَاخْتَرْتُ مِنْهَا عَلِيًّا،
وَشَقَقْتُ لَهُ اِسْماً مِنْ أَسْمَائِي، فَأَنَا اَلْأَعْلَى وَهُوَ عَلِيٌّ. يَا
مُحَمَّدُ، إِنِّي خَلَقْتُكَ وَخَلَقْتُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَاَلحَسَنَ
وَاَلحُسَيْنَ مِنْ شَبَحِ نُورٍ مِنْ نُورِي(٣١٨)، وَعَرَضْتُ وَلَايَتَكُمْ عَلَى
أَهْلِ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرَضِينَ، فَمَنْ قَبِلَهَا كَانَ عِنْدِي مِنَ
اَلمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ جَحَدَهَا كَانَ عِنْدِي مِنَ اَلْكَافِرِينَ. يَا
مُحَمَّدُ، لَوْ أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي عَبَدَنِي حتَّى يَنْقَطِعَ وَيَصِيرَ
مِثْلَ اَلشَّنِّ اَلْبَالِي، ثُمَّ أَتَانِي جَاحِداً بِوَلَايَتِكُمْ مَا
غَفَرْتُ لَهُ حتَّى يُقِرَّ بِوَلَايَتِكُمْ. يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّ أَنْ
تَرَاهُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ. فَقَالَ: اِلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ
اَلْعَرْشِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَاَلحَسَنِ
وَاَلحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ وَجَعْفَرٍ وَمُوسَى وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ
وَعَلِيٍّ وَاَلحَسَنِ وَاَلمَهْدِيِّ (عليهم السلام) فِي ضَحْضَاحٍ(٣١٩) مِنْ
نُورٍ، قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَاَلمَهْدِيُّ فِي وَسْطِهُمْ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَؤُلَاءِ اَلحُجَجُ، وَهَذَا اَلثَّائِرُ مِنْ
عِتْرَتِكَ. يَا مُحَمَّدُ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنَّهُ اَلحُجَّةُ
اَلْوَاجِبَةُ لِأَوْلِيَائِي، وَاَلمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي».
دلالة الحديث:
يُؤكِّد الحديث الاصطفاء الإلهي، حيث اختار الله تعالى النبيَّ محمّداً (صلَّى الله
عليه وآله) وعليًّا (عليه السلام) بقدرته، وخلق أهل البيت (عليهم السلام) من نوره،
ممَّا يجعلهم حُجَجاً إلهيِّين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١٨) في المائة منقبة:
(من سنخ نوري)؛ وسنخ الشيء: أصله.
(٣١٩) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٥٢٤/ مادَّة ضحح): (الضحضاح: [ما] ينتشر على وجه
الأرض).
قبل الخلق. ويُبيِّن
أنَّ ولايتهم شرطٌ للإيمان، فمَنْ قبلها كان مؤمناً، ومَنْ أنكرها كان كافراً،
ممَّا ينفي صحَّة أيِّ إيمان منفصل عن الإمامة.
كما يُوضِّح أنَّ الأعمال بلا ولاية لا تُقبَل، حتَّى لو بلغ العابد أقصى مراتب
العبادة. ويظهر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في وسط الأئمَّة (عليهم السلام)
كنورٍ كوكبيٍّ، ممَّا يدلُّ على دوره المحوري في تحقيق العدل الإلهي.
كما يُقِرُّ بأنَّه الحجَّة المنتظَر، والثائر من العترة، والمنتقم من أعداء الله
تعالى، وهذه مهمَّته النهائيَّة في إصلاح الأرض. وبهذا يُرسِّخ الحديث حتميَّة
استمرار الإمامة، وكون الإمام (عجَّل الله فرجه) هو الركيزة الأخيرة في نظام
الهداية، وهو الذي يُعيد ميزان العدالة الإلهيَّة، ويُقيم القسط في الأرض بأمر الله
تعالى.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - تفسير فرات الكوفي للشيخ أبي القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي (رحمه الله)(٣٢٠).
٢ - مقتضب الأثر لابن عيَّاش (رحمه الله)(٣٢١).
٣ - مائة منقبة لمحمّد بن أحمد بن شاذان القمِّي (رحمه الله)(٣٢٢).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو عليٍّ أحمد بن عليٍّ الرازي الأيادي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢٠) تفسير فرات
الكوفي (ص ٧٤ و٧٥/ ح ٤٨/٢٣).
(٣٢١) مقتضب الأثر (ص ١٠ و١١).
(٣٢٢) مائة منقبة (ص ٣٧ - ٤٠/ المنقبة ١٧).
٤ - الحسين بن عليٍّ:
طبقته في الحديث العاشرة، قال عنه الشيخ (قدّس سرّه): (خاصِّي)(٣٢٣) مصطلح درائي،
وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه الله)، جليل في أصحابنا، له كُتُب.
٥ - عليُّ بن سنان الموصلي العدل: مهمل.
٦ - أحمد بن محمّد الخليلي: مهمل.
٧ - محمّد بن صالح الهمداني: بين المجهول والضعيف.
٨ - سليمان بن أحمد: مهمل.
٩ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - زياد بن مسلم: مهمل.
ب - عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: مهمل.
١٠ - سلَّام بن أبي عمرة: طبقته في الحديث الخامسة، وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه
الله)، من رواة (كامل الزيارات).
١١ - أبو سلمى (راعي النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)): صحابي، مشتبه الحال.
رواية: تفسير عدَّة الشهور عند
الله تعالى:
الحديث (١١٠): وَرَوَى جَابِرٌ اَلجُعْفِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه
السلام) عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ
عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، قَالَ:
فَتَنَفَّسَ سَيِّدِي اَلصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ، أَمَّا السَّنَةُ
فَهِيَ جَدِّي رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، وَشُهُورُهَا اِثْنَا عَشَرَ
شَهْراً، فَهُوَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (وَ)(٣٢٤) إلَيَّ، وَإِلَى اِبْنِي
جَعْفَرٍ، وَاِبْنِهِ مُوسَى، وَاِبْنِهِ عَلِيٍّ، وَاِبْنِهِ مُحَمَّدٍ،
وَاِبْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢٣) رجال الطوسي (ص
٤٢٣/ الرقم ٦٠٩٢/٢٧).
(٣٢٤) ليس في نُسَخ (أ، ف، ح، م).
عَلِيٍّ، وَإِلَى
اِبْنِهِ اَلحَسَنِ، وَإِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلهَادِي اَلمَهْدِيِّ، اِثْنَا
عَشَرَ إِمَاماً، حُجَجُ اَلله فِي خَلْقِهِ، وَأُمَنَاؤُهُ عَلَى وَحْيِهِ
وَعِلْمِهِ. وَاَلْأَرْبَعَةُ اَلحُرُمُ اَلَّذِينَ هُمُ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ
أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَخْرُجُونَ بِاسْمٍ وَاحِدٍ: عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ،
وَأَبِي عَلِيُّ بْنُ اَلحُسَيْنِ، وَعَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ
مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَالْإِقْرَارُ بِهَؤُلَاءِ هُوَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ،
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ
قُولُوا بِهِمْ جَمِيعاً تَهْتَدُوا».
دلالة الحديث:
يكشف الحديث عن التطابق بين النظام الكوني والإمامة، حيث يُفسِّر الإمام (عليه
السلام) أنَّ السنة تُمثِّل النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وأشهرها الاثنا عشر هم
الأئمَّة (عليهم السلام)، ممَّا يدلُّ على أنَّ الإمامة ضرورة إلهيَّة ثابتة كحركة
الزمن.
كما يُؤكِّد أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم حُجَج الله تعالى في خلقه، وأُمناء
وحيه، وبدونهم لا يستقيم الدِّين، ممَّا ينقض دعاوى الاجتهاد البشري في الخلافة.
ويبرز دور الأربعة الحُرُم (عليهم السلام) الذين يحملون اسم (عليٍّ) بأنَّهم كما
الأشهر الحُرُم أركان التقويم الإلهي، ممَّا يدلُّ على أنَّ ولايتهم عنصر أساسي في
ثبات العقيدة. ثمّ يُبيِّن أنَّ الإيمان بجميع الأئمَّة (عليهم السلام) شرطٌ
للهداية، وإنكار أحدهم ظلمٌ للنفس وانحراف عن الدِّين، ممَّا يُبطِل الفِرَق التي
أنكرت بعضهم.
وبهذا يُثبِت الحديث أنَّ الإمامة ليست مجرَّد شأن تشريعي، بل هي قانونٌ إلهيٌّ
مستمرٌّ، يُنظِّم الدِّين كما يُنظِّم الزمن، ولا يمكن الفصل بينهما.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - الحديث مرسَل.
٢ - جابر الجعفي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
رواية: الإمامة عهدٌ إلهيٌّ
مكتوب:
الحديث (١١١): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله اَلحُسَيْنِ بْنِ
عَلِيِّ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ
اَلمَوْصِلِيِّ اَلْعَدْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ اَلخَلِيلِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ اَلْمِصْرِيِّ، عَنْ
عَمِّهِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ
بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ اَلْبَاقِرِ، عَنْ أَبِيهِ ذِي اَلثَّفِنَاتِ(٣٢٥)
سَيِّدِ اَلْعَابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ اَلحُسَيْنِ اَلزَّكِيِّ اَلشَّهِيدِ، عَنْ
أَبِيهِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله) - فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ - لِعَلِيٍّ
(عليه السلام): «يَا أَبَا اَلحَسَنِ، أَحْضِرْ صَحِيفَةً وَدَوَاةً»، فَأَمْلَأَ
رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَصِيَّتَهُ حتَّى اِنْتَهَى إِلَى هَذَا
اَلمَوْضِعِ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ
إِمَاماً، وَمِنْ بَعْدِهِمْ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَأَنْتَ يَا عَلِيُّ
أَوَّلُ اَلْاِثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً، سَمَّاكَ اَللهُ تَعَالَى فِي سَمَائِهِ:
عَلِيًّا اَلمُرْتَضَى، وَأَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، وَاَلصِّدِّيقَ اَلْأَكْبَرَ،
وَاَلْفَارُوقَ اَلْأَعْظَمَ، وَاَلمَأْمُونَ، وَاَلمَهْدِيَّ، فَلَا تَصِحُّ
هَذِهِ اَلْأَسْمَاءُ لِأَحَدٍ غَيْرِكَ. يَا عَلِيُّ، أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى
أَهْلِ بَيْتِي حَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ، وَعَلَى نِسَائِي، فَمَنْ ثَبَّتَّهَا
لَقِيَتْنِي غَداً، وَمَنْ طَلَّقْتَهَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهَا، لَمْ
تَرَنِي(٣٢٦) وَلَمْ أَرَهَا فِي عَرْصَةِ اَلْقِيَامَةِ، وَأَنْتَ خَلِيفَتِي
عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، فَإِذَا حَضَرَتْكَ اَلْوَفَاةُ فَسَلِّمْهَا إِلَى
اِبْنِيَ اَلحَسَنِ اَلْبَرِّ اَلْوَصُولِ(٣٢٧)، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ
فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِيَ اَلحُسَيْنِ اَلشَّهِيدِ اَلزَّكِيِّ
اَلمَقْتُولِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ
سَيِّدِ اَلْعَابِدِينَ ذِي اَلثَّفِنَاتِ عَلِيٍّ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ
فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢٥) في بحار الأنوار
(ج ٣٦/ هامش ص ٢٦٠): (الثفنة من البعير ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ
كالركبتين. ولعلَّ وجه إطلاق (ذو الثفنات) على السجَّاد (عليه السلام) كثرة سجوده
بحيث صار مواضع سجوده ذا ثفنة).
(٣٢٦) في الأصل: (لم ترثني).
(٣٢٧) الوصول: كثير الإعطاء.
مُحَمَّدٍ
اَلْبَاقِرِ(٣٢٨)، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ
جَعْفَرٍ اَلصَّادِقِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى
اِبْنِهِ مُوسَى اَلْكَاظِمِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا
إِلَى اِبْنِهِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ
فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلثِّقَةِ اَلتَّقِيِّ، فَإِذَا
حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ عَلِيٍّ اَلنَّاصِحِ،
فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ اَلحَسَنِ
اَلْفَاضِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ
مُحَمَّدٍ اَلمُسْتَحْفَظِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(عليهم السلام)، فَذَلِكَ اِثْنَا
عَشَرَ إِمَاماً، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَإِذَا
حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ أَوَّلِ اَلمُقَرَّبِينَ،
لَهُ ثَلَاثَةُ أَسَامِيَ: اِسْمٌ كَاسْمِي وَاِسْمِ أَبِي وَهُوَ عَبْدُ اَلله،
وَأَحْمَدُ، وَاَلْاِسْمُ اَلثَّالِثُ اَلمَهْدِيُّ، هُوَ أَوَّلُ اَلمُؤْمِنِينَ».
دلالة الحديث:
يُؤكِّد الحديث أنَّ الإمامة عهدٌ إلهيٌّ مكتوبٌ، لا اجتهادٌ بشريٌّ، حيث أمر
النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) بتدوينها، ممَّا ينفي أيَّ ادِّعاء بترك الأُمَّة
دون وصيَّة. ويُثبِت تحديد الأئمَّة الاثني عشر بالاسم، ممَّا يقطع الطريق على أيِّ
زيادةٍ أو نقصانٍ في عددهم. كما يُبيِّن أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو
الخليفة الحصري بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّ ألقابه الإلهيَّة لا
تصحُّ لغيره. وينصُّ على انتقال الإمامة بالتسلسل الإلهي، حيث يُسلِّم كلُّ إمام
العهد إلى مَنْ بعده، ممَّا ينفي تدخُّل البشر في تعيينهم. كما يُشير إلى استمرار
الهدايَّة الإلهيَّة بعد الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) عبر الرجعة، ممَّا
يضمن عدم انقطاع الحُجَج الإلهيَّة عن الأرض في تلك الفترة. ويُثبِت الحديث حتميَّة
الإمامة، وكونها منصوصةً من الله تعالى، وامتدادها إلى نهاية الزمان وفق نظامٍ
إلهيٍّ محكم.
الردُّ على استدلال الأدعياء
برواية الوصيَّة:
بعض الأدعياء يتوهَّم أنَّ رواية الوصيَّة دليل لإثبات نَسَبهم إلى الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢٨) في نُسَخ (أ، ف، م): (باقر العلم).
المهدي (عجَّل الله
فرجه)، وادِّعاء حقِّهم في الإمامة، وأنَّهم المنصَّبون من قِبَله، وهذا باطلٌ من
جهاتٍ عدَّة:
أوَّلاً: البحث السندي: وردُّ استدلال المدَّعي، وسيأتي مفصَّلاً.
ثانياً: البحث الدلالي:
من جهتين:
١ - رواية الوصيَّة لا تُثبِت الإمامة أو العصمة للمهديِّين بعد الأئمَّة (عليهم
السلام):
الرواية تذكر اثني عشر مهديًّا بعد الأئمَّة (عليهم السلام)، لكنَّها لم تصفهم
بالأئمَّة، ولا بالعصمة، ولا بالحجّيَّة المطلقة، ممَّا ينفي دعوى كونهم أئمَّة
معصومين منصوبين كالأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، حيث إنَّ النبيَّ (صلَّى
الله عليه وآله) فصَّل بوضوح بين الاثني عشر إماماً والاثني عشر مهديًّا، فلو كان
المهديُّون أئمَّةً كالأئمَّة السابقين، لما كان هناك وجهٌ للتفصيل، ولاختلف نظم
الكلام.
٢ - الرواية تُشير إلى تسليم الإمامة بعد وفاة الإمام (عجَّل الله فرجه)، لا قبل
ذلك:
على فرض القبول بالرواية، فإنَّها تشير إلى انتقال السلطة بعد وفاة الإمام (عجَّل
الله فرجه)، لا إلى وجود مهديٍّ قبل ظهوره أو في زمان غيبته، فلا دلالة فيها على
دعوى هؤلاء الأدعياء. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ تسليم الأمر في الرواية هو تسليم
مباشر، أي كما كان بين الأئمَّة (عليهم السلام)، لا إلى نسل بعيد أو إلى شخصٍ بعد
وسائط، ممَّا ينقض استدلال المدَّعي الذي يدَّعي أنَّه ليس ابناً مباشراً للإمام
(عجَّل الله فرجه).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو عبد الله
الحسين البزوفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٩).
٣ - عليُّ بن سنان الموصلي العدل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٩).
٤ - عليُّ بن الحسين: مشترك بين جماعة، مَنْ هو مجهول يقع في الطبقة التاسعة، ومَنْ
هو ثقة - على بعض المباني - يقع في الطبقة الخامسة، والأرجح أنَّه المجهول.
٥ - أحمد بن محمّد الخليل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٩).
٦ - جعفر بن أحمد بن المصري: مهمل.
٧ - عمُّه الحسن بن عليٍّ: طبقته في الحديث الخامسة، من وجوه توثيقه: كثير الرواية،
رواية بعض الأجلَّاء عنه.
٨ - أبوه (عليٌّ): مهمل.
رواية: كلُّهم محدَّث:
الحديث (١١٢): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ اَلْأَشْعَرِيِّ، عَنِ اَلحُسَيْنِ
بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ مُوسَى اَلخَشَّابِ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ
سَمَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ رِبَاطٍ، عَنِ اِبْنِ أُذَيْنَةَ،
عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ:
«اَلْاِثْنَا عَشَرَ اَلْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ كُلُّهُمْ مُحَدَّثٌ
[مِنْ](٣٢٩) وُلْدِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَوُلْدِ عَلِيِّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَرَسُولُ اَلله وَعَلِيٌّ (عليهما السلام) هُمَا
اَلْوَالِدَانِ».
دلالة الحديث:
بعين ما تقدَّم ممَّا سبق من دلالات في الأحاديث التي مرَّت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢٩) ما أثبتناه من الكافي ونسختي (أ، م)، وفي الأصل: (هم المحدَّثون)، وفي نسخة (ف): (هم محدَّثون).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - بصائر الدرجات للشيخ الصفَّار (رحمه الله)(٣٣٠).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٣١).
٣ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٣٣٢).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - عدَّة من أصحابنا: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - أبو عليٍّ الأشعري (أحمد بن إدريس): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٥ - الحسين بن عبد الله: مشترك بين جماعة، طبقته في الحديث السادسة، ولو تمَّ
تميُّزه، فمن وجوه توثيقه: كثرة الرواية، ورواية بعض الأجلَّاء عنه، ومن رواة (كامل
الزيارات).
٦ - الحسن بن موسى الخشَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٧ - الحسن بن سماعة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٥).
٨ - عليُّ بن الحسن بن رباط: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦٣).
٩ - ابن أُذينة (عمر بن أُذينة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
١٠ - زرارة (زرارة بن أعين): طبقته في الحديث الرابعة والخامسة، من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣٠) بصائر الدرجات (ص
٣٤٠/ ج ٧/ باب ٥/ ح ٥).
(٣٣١) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/
ح ١٤).
(٣٣٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧).
أجلَّة الأصحاب، وجوه
توثيقه عديدة، منها: النصُّ من الإمام (عليه السلام) على توثيقه، توثيقه من الشيخ
(قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه الله)، كونه من الفقهاء، الاتِّفاق على وثاقته
رغم ورود عدَّة روايات في ذمِّه، اجتماع خلال وأوصاف الفضل والدِّين والصدق فيه، من
أصحاب الأُصول، ومن المكثرين، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
رواية: حديث اليهودي:
الحديث (١١٣): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ
مُحَمَّدِ [بْنِ] اَلحُسَيْنِ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ
اَلله (عليه السلام).
وَمُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى اَلمَدَنِيِّ،
عَنْ أَبِي هَارُونَ اَلْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلخُدْرِيِّ، قَالَ:
كُنْتُ حَاضِراً لَـمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَاِسْتَخْلَفَ عُمَرَ أَقْبَلَ
يَهُودِيٌّ مِنْ عُظَمَاءِ يَثْرِبَ يَزْعُمُ يَهُودُ اَلمَدِينَةِ أَنَّهُ
أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ حتَّى رُفِعَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ،
إِنِّي جِئْتُكَ أُرِيدُ اَلْإِسْلَامَ، فَإِنْ خَبَّرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ
عَنْهُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ أَصْحَابِ هَذَا اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ وَجَمِيعِ مَا
أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكَ،
لَكِنِّي أُرْشِدُكَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أُمَّتِنَا بِالْكِتَابِ
وَاَلسُّنَّةِ وَجَمِيعِ مَا قَدْ تَسْأَلُ عَنْهُ، وَهُوَ ذَاكَ - وَأَوْمَأَ
إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) -. فَقَالَ لَهُ اَلْيَهُودِيُّ: يَا عُمَرُ، إِنْ
كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ فَمَا لَكَ وَبِيعَةَ(٣٣٣) اَلنَّاسِ، وَإِنَّمَا ذَاكَ
أَعْلَمُكُمْ؟ فَزَبَرَهُ(٣٣٤) عُمَرُ. ثُمَّ إِنَّ اَلْيَهُودِيَّ قَامَ إِلَى
عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَنْتَ كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: «وَمَا
قَالَ عُمَرُ؟»، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ كَمَا قَالَ عُمَرُ سَأَلْتُكَ
عَنْ أَشْيَاءَ أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ هَلْ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَعْلَمَ
أَنَّكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ خَيْرُ اَلْأُمَمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣٣) في نُسَخ (أ، ف،
م): (لبيعة).
(٣٣٤) في الصحاح للجوهري (ج ٢/ ص ٦٦٧/ مادَّة زبر): (الزبر - بالفتح -: الزجر
والمنع، يقال: زبره يزبره - بالضمِّ - زبراً، إذا انتهره).
وَأَعْلَمُهَا
صَادِقُونَ؟ وَمَعَ ذَلِكَ أَدْخُلُ فِي دِينِكُمُ اَلْإِسْلَامِ. فَقَالَ أَمِيرُ
اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام): «نَعَمْ، أَنَا كَمَا ذَكَرَ لَكَ عُمَرُ،
سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ أُخْبِرْكَ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى». قَالَ:
أَخْبِرْنِي عَنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَوَاحِدَةٍ. قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه
السلام): «يَا يَهُودِيٌّ، لِمَ لَمْ تَقُلْ: أَخْبِرْنِي عَنْ سَبْعٍ؟». فَقَالَ
اَلْيَهُودِيُّ: إِنَّكَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِالثَّلَاثِ سَأَلْتُكَ عَنِ
اَلثَّلَاثِ وَإِلَّا كَفَفْتُ، وَإِنْ أَجَبْتَنِي فِي هَذِهِ اَلسَّبْعِ فَأَنْتَ
أَعْلَمُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ.
فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ يَا يَهُودِيُّ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ
أَوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ، وَأَوَّلِ شَجَرَةٍ غُرِسَتْ عَلَى
وَجْهِ اَلْأَرْضِ، وَأَوَّلِ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ،
فَأَخْبَرَهُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). ثُمَّ قَالَ لَهُ
اَلْيَهُودِيُّ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ كَمْ لَهَا مِنْ إِمَامِ
هُدًى؟ وَأَخْبِرْنِي عَنْ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ أَيْنَ مَنْزِلُهُ فِي
اَلجَنَّةِ؟ وَأَخْبِرْنِي مَنْ مَعَهُ فِي اَلجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ
اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «إِنَّ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ اِثْنَيْ عَشَرَ
إِمَامَ هُدًى مِنْ ذُرِّيَّةِ نَبِيِّهَا، وَهُمْ مِنِّي. وَأَمَّا مَنْزِلُ
نَبِيِّنَا (صلَّى الله عليه وآله) فِي اَلْجَنَّةِ فَهُوَ أَفْضَلُهَا
وَأَشْرَفُهَا جَنَّةُ عَدْنٍ. وَأَمَّا مَنْ مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ مِنْهَا
فَهَؤُلَاءِ اَلْاِثْنَا عَشَرَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَأُمُّهُمْ وَجَدَّتُهُمْ -
أُمُّ أُمِّهِمْ - وَذَرَارِيُّهُمْ، لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ».
دلالة الحديث:
يُثبِت الحديث أحقّيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة باعتراف عمر بأنَّه
أعلم الأُمَّة بالكتاب والسُّنَّة، ممَّا يدلُّ على كونه الأولى بالخلافة. كما يكشف
عن حصر الإمامة في اثني عشر إماماً من ذرّيَّة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)،
ممَّا ينفي أيَّ ادِّعاء لخروجها عنهم. ويُوضِّح أنَّ الإمامة ليست مجرَّد خلافة
دنيويَّة، بل امتدادٌ لوظيفة النبوَّة ومقامٌ محفوظٌ عند الله. ويُؤكِّد أنَّ
النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) في أشرف مقامٍ في الجنَّة، ولا يشاركه فيه إلَّا
الأئمَّة الاثنا عشر (عليهم السلام) وأُمَّهاتهم، ممَّا يدلُّ على اصطفائهم الإلهي
وعصمتهم. كما يردُّ على دعاوى الشورى، حيث يُظهِر أنَّ الخلافة ليست اختياراً
بشريًّا، بل نصٌّ
إلهيٌّ محكم. وهذا يُثبِت أنَّ الإمامة جزءٌ من النظام الإلهي المستمرِّ، وأنَّ
كلَّ مَنْ أنكرها خرج عن المنظومة الإلهيَّة للهداية.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٣٥).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٣٦).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - عدَّة من أصحابنا: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - محمّد بن يحيى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٥ - محمّد بن الحسين: ورد في هامش النسخة المعتمدة: هو محمّد بن الحسين بن أبي
الخطَّاب الذي تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٦ - مسعدة بن زياد (بن صدقة): طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها،
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، له كتاب مبوَّب، كثير الرواية، من رواة (تفسير
القمِّي).
رجال السند الثاني:
١ - محمّد بن الحسين: تقدَّم في الطريق الأوَّل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣٥) الكافي (ج١/ ص٥٣١
و٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٨).
(٣٣٦) كمال الدِّين (ص ٢٩٤ - ٢٩٦/ باب ٢٦/ ح ٣، وص ٣٠٠ - ٣٠٢/ باب ٢٦/ ح ٨).
٢ - إبراهيم بن أبي
يحيى المدني المدائني: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: من رواة
(كامل الزيارات).
٣ - أبو هارون العبدي: طبقته في الحديث الرابعة، وقد يكون من صغار الثالثة، ومن
وجوه توثيقه: من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٤ - أبو سعيد الخدري: صحابي، عدَّه البرقي (رحمه الله) في أصحاب رسول الله (صلَّى
الله عليه وآله)، وفي الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقال الشيخ الكشِّي (رحمه الله) في ترجمة أبي أيُّوب الأنصاري: قال الفضل بن شاذان:
هو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)(٣٣٧).
رواية: الخضر (عليه السلام):
الحديث (١١٤): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ
عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْبَرْقِيِّ، عَنْ
أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
اَلثَّانِي (عليه السلام)، قَالَ: «أَقْبَلَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)
وَمَعَهُ اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِ
سَلْمَانَ، فَدَخَلَ اَلمَسْجِدَ اَلحَرَامَ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَسَنُ
اَلهَيْأَةِ وَاَللِّبَاسِ، فَسَلَّمَ عَلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)،
فَرَدَّ عَلَيْهِ اَلسَّلَامَ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ،
أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِنَّ عَلِمْتُ أَنَّ
اَلْقَوْمَ قَدْ رَكِبُوا مِنْ أَمْرِكَ مَا قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَيْسُوا
بِمَأْمُونِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَإِنْ تَكُنِ اَلْأُخْرَى عَلِمْتُ
أَنَّكَ وَهُمْ شَرَعٌ سَوَاءٌ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه
السلام): سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اَلرَّجُلِ إِذَا
نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ؟ وَعَنِ اَلرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَيَنْسَى؟
وَعَنِ اَلرَّجُلِ يُشْبِهُ وَلَدُهُ اَلْأَعْمَامَ وَاَلْأَخْوَالَ. فَالْتَفَتَ
أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى اَلحَسَنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا
أَبَا مُحَمَّدٍ، أَجِبْهُ، فَأَجَابَهُ اَلحَسَنُ (عليه السلام). فَقَالَ
اَلرَّجُلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ
بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣٧) راجع: رجال الكشِّي (ج ١/ ص ١٨٣/ ح ٧٨).
اَلله، وَلَمْ أَزَلْ
أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اَلله، وَاَلْقَائِمُ
بِحُجَّتِهِ - وَأَشَارَ إِلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) -، وَلَمْ
أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ -
وَأَشَارَ إِلَى اَلحَسَنِ -، وَأَشْهَدُ أَنَّ اَلحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَصِيُّ
أَبِيهِ وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ بَعْدَكَ، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ
اَلحُسَيْنِ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ اَلحُسَيْنِ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ عَلَى
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ،
وَأَشْهَدُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ
بْنِ عَلِيٍّ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُوسَى أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ
مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ
اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ
مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ اِبْنِ عَلِيٍّ، وَأَشْهَدُ
عَلَى اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِأَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ
مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ اَلحَسَنِ لَا يُكَنَّى وَلَا
يُسَمَّى حتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَمْلَأَهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً
وَجَوْراً، وَاَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اَلله
وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَامَ فَمَضَى. فَقَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه
السلام): يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اِتَّبِعْهُ اُنْظُرْ أَيْنَ يَقْصِدُ؟ فَخَرَجَ
اَلحَسَنُ (عليه السلام)، فَقَالَ (لَهُ)(٣٣٨): مَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَضَعَ
رِجْلَهُ خَارِجاً مِنَ اَلمَسْجِدِ فَمَا دَرَيْتُ أَيْنَ أَخَذَ مِنْ أَرْضِ
اَلله، فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْلَمْتُهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَتَعْرِفُهُ؟ فَقُلْتُ: اَللهُ وَرَسُولُهُ
وَأَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ. فَقَالَ (عليه السلام): هُوَ اَلخَضِرُ (عليه
السلام)».
(فهذا طرف من الأخبار قد أوردناها، ولو شرعنا في إيراد (ما)(٣٣٩) من جهة الخاصَّة
في هذا المعنى لطال به الكتاب، وإنَّما أوردنا ما أوردنا منها ليصحَّ ما قلناه من
نقل الطائفتين المختلفتين، ومَنْ أراد الوقوف(٣٤٠) على ذلك فعليه بالكُتُب
المصنَّفة في ذلك فإنَّه يجد من ذلك شيئاً كثيراً حسب ما قلناه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣٨) ليس في نُسَخ (أ،
ف، م).
(٣٣٩) ليس في نُسَخ (أ، ف، م).
(٣٤٠) في نسخة (ف): (التوقيف).
دلالة الحديث:
يُثبِت الحديث التسلسل الإلهي للإمامة، حيث يُقِرُّ الرجل - الخضر - بإمامة
الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، ممَّا يدلُّ على أنَّها عهدٌ إلهيٌّ لا يخضع
لاختيار الناس. كما يُظهِر تفويض أمير المؤمنين (عليه السلام) للإمام الحسن (عليه
السلام) بالإجابة عن المسائل، ممَّا يُؤكِّد انتقال العلم اللَّدُنِّي بين الأئمَّة
(عليهم السلام)، وتأهيلهم الإلهي للإمامة. ويُصرِّح بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه)
موجود لكنَّه غائب حتَّى يأذن الله تعالى بظهوره، ممَّا يُبطِل إنكار ولادته. كما
يكشف عن اتِّصال الأئمَّة (عليهم السلام) بالعلوم الغيبيَّة من خلال ظهور الخضر
(عليه السلام)، ممَّا يدلُّ على أنَّ علمهم ليس اكتسابيًّا، بل موهوبٌ من الله
تعالى. ويُثبِت الحديث أنَّ كلَّ إمام هو القائم بحجَّة الله تعالى في زمانه، ولا
شرعيَّة لإمامٍ خارج هذه السلسلة.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٤١).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٤٢).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٤٣).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - عدَّة من أصحابنا: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤١) الكافي (ج ١/ ٥٢٥
و٥٢٦/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١).
(٣٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٦٦ - ٦٨/ باب ٤/ ح ٢).
(٣٤٣) كمال الدِّين (ص ٣١٣ - ٣١٥/ باب ٢٩/ ح ١).
٤ - عدَّة من أصحابنا
(عدَّة الكليني (رضي الله عنه)): تقدَّم في الحديث (١٢).
٥ - أحمد بن محمّد البرقي: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير
الرواية، كثير التصنيف.
وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه الله)، وقال عنه: (ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء،
واعتمد المراسيل)(٣٤٤).
وقال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): (وكان ثقة في نفسه غير أنَّه أكثر الرواية عن
الضعفاء، واعتمد المراسيل)(٣٤٥).
٦ - أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤٤) رجال النجاشي (ص
٧٦/ الرقم ١٨٢).
(٣٤٥) الفهرست (ص ٦٢/ الرقم ٦٥/٣).
بعد أنِ استوفى شيخ
الطائفة (قدّس سرّه) الاستدلال على إمامة الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبتِه بجملة
من الأدلَّة المحكمة، تصدَّى لمعالجة إشكال قد يُورَد عليها، خصوصاً آخر تلك
الأدلَّة، وهو الإشكال القائم على أنَّ الأخبار القطعيَّة التي استند إليها الدليل
تُثبِت العنوان العامَّ للإمامة، لا شخص الإمام بعينه. ومن ثَمَّ شرع في تفنيد هذه
الدعوى وإبطالها.
تقرير الإشكال: الأدلَّة أقصى
ما تفيد إثبات عنوان الإمامة لا إثبات الإمام (عجَّل الله فرجه):
ذلك أنَّ الأدلَّة المتقدِّمة - وإنْ قرَّرت وجوب وجود إمام في كلِّ زمان، خصوصاً
الأخير - فقد يُقال: إنَّها لم تعيِّن مصداق هذا الإمام، بل اقتصرت على إثبات لزوم
الإمامة كعنوانٍ كلِّيٍّ.
وبناءً على ذلك، يُمكن للمعترض أنْ يدَّعي أنَّ هذه الأخبار، في حدِّ ذاتها، لا
تنهض دليلاً على إمامة الحجَّة (عجَّل الله فرجه) بشخصه، بل غايتها تقرير
استمراريَّة الإمامة في الجملة، دون تعيين مصداقها.
وتفصيل الدليل:
أ - التشكيك في صحَّة الأخبار المستدل بها، وذلك من خلال القول بأنَّها أخبار آحاد،
وهي غير معتبرة في المسائل التي طريقها العلم واليقين، باعتبار أنَّ الإمامة من
المسائل التي تحتاج إلى يقين لا إلى ظنٍّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤٦) شهر رمضان المبارك (١١٤٦هـ).
ب - التشكيك في دلالة
الأخبار على أئمَّة الشيعة الاثني عشر، حتَّى لو سُلِّمت صحَّتها، حيث إنَّ هذه
الروايات لا تدلُّ إلَّا على العدد، ولا تُحدِّد أنَّ المراد بهذا العدد هم
الأئمَّة الذين يذهب إليهم الشيعة، ممَّا يجعل الاستدلال بها ناقصاً من حيث
الدلالة.
الردُّ على الإشكال بأُسلوب شيخ
الطائفة (قدّس سرّه) الكلامي المتين:
مناقشة دعوى عدم حجّيَّة
الأخبار المستدلِّ بها:
هذه الدعوى متهافتة عند التحقيق، وذلك لأنَّ الأخبار الواردة في إثبات عدد الأئمَّة
(عليهم السلام) ليست كلُّها أخبار آحاد، بل فيها المتواتر المعنوي، بل وبعضها
متواتر لفظاً، كما يظهر بالتتبُّع في كُتُب الحديث المعتبرة عند الطائفتين، وطريقة
التواتر هذه هي نفسها المعتمدة في نقل النصوص على أمير المؤمنين (عليه السلام)،
بمعنى أنَّ منهج إثبات إمامة الإمام عليٍّ (عليه السلام) هو ذاته منهج إثبات إمامة
بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام)، فلا يصحُّ قبول أحدهما وردُّ الآخر.
والتواتر يتحقَّق بانضمام هذه الطُّرُق بعضها إلى بعض بحيث يحصل اليقين بصدور
المعنى المشترك.
حجّيَّة اتِّفاق الطائفتين
المختلفتين على نقل الخبر:
من القواعد المستقرَّة في علم الدراية، أنَّ اتِّفاق طائفتين مختلفتين في العقيدة
على نقل خبرٍ ما، دليل على صحَّته.
وجه الدلالة: أنَّ كلَّ طائفة تميل إلى تأييد ما يوافق عقيدتها والطعن في ما
يخالفها، فإذا نقلت طائفتان متباينتان خبراً ولم تطعن فيه إحداهما، فهذا يوجب
الاطمئنان إلى صدقه، لأنَّ المخالف لو كان قادراً على الطعن فيه لفعل، لكن امتناعه
يدلُّ على أنَّ الخبر بلغ حدًّا من الشهرة والوضوح بحيث لا يمكن إنكاره.
هذا ما نراه مثلاً في
بعض الروايات التي نقلها الفريقان في النصِّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) كحديث
الغدير، ومنه ما في موردنا حديث الاثني عشر خليفة، حيث لم يستطع المخالفون إنكار
أصلها، بل لجأوا إلى تأويلها.
ثمّ إنَّ القول بأنَّ الإمامة من المسائل التي لا يُحتَجُّ فيها إلَّا بالعقل،
مغالطة واضحة، لأنَّ الإمامة وإنْ كانت من أُصول الدِّين عند الشيعة، إلَّا أنَّ
إثباتها قد يتمُّ بطريق الأخبار المتواترة، كما يتمُّ بطريق العقل والبرهان العقلي.
وهذا لا ينافي أنَّ بعض مقدَّماتها - الإمامة - قد يُستدَلُّ لها بأخبار الآحاد
التي تفيد الاطمئنان عند توفُّر القرائن، كما هو مقرَّر في أُصول الفقه والكلام.
مناقشة دعوى عدم دلالة الأخبار
على أئمَّة الشيعة:
هذه الدعوى تعتمد على مغالطة أُخرى، وهي حصر دلالة الأخبار في العدد فقط، دون النظر
إلى بقيَّة المضامين الواردة فيها. فإنَّ الروايات الواردة في حصر الأئمَّة (عليهم
السلام) باثني عشر قد ذكرت صفاتهم وشروطهم، وأنَّهم من قريش، ومن أهل البيت،
وأنَّهم لا يفترقون عن الكتاب، وأنَّهم لا يكون فيهم ظالم، وأنَّهم أئمَّة هداة
معصومون. وهذه الصفات تنطبق على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم.
ثمّ إنَّ الجمع بين الأحاديث المتعدِّدة يكشف بوضوح أنَّ الأئمَّة هم من ذرّيَّة
عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام)، لا من غيرهم.
قاعدة كلاميَّة: نظريَّة الصرفة
في النقل:
إنَّ تسخير الله تعالى لنقل الخبر وعدم التعرُّض للطعن فيه وصرفهم عن التعرض للطعن
فيه، يستند إلى مبدأ عقلي، وهو أنَّ بعض الأخبار إذا نقلتها الفِرَق المختلفة دون
تعرُّض للطعن أو الإنكار، فهذا دليل على أنَّ الله تعالى قد شاء أنْ يحفظ هذه
الحقيقة في الأُمَّة ويُسخِّر الجميع لنقلها، سواء من قِبَل الموافق أو المخالف.
دلالة حصر الإمامة في اثني عشر
إماماً (عليهم السلام):
يعتمد هذا الدليل على مقدَّمة يقينيَّة مستفادة من النصوص المتواترة، وهي أنَّ عدد
الأئمَّة محصور في اثني عشر، وأنَّ هذا العدد لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
وهذه المقدَّمة مستفادة من الأحاديث الواردة في كُتُب الفريقين، كما في موردنا وفي
حديث «اَلْأَئِمَّةُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ»، وفي حديث «لَا يَزَالُ هَذَا
اَلدِّيِنُ قَائِماً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمْ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، وما
تقدَّم، وهذه الأحاديث رواها العامَّة بأسانيد صحيحة، فضلاً عن تواترها في كُتُب
الإماميَّة.
فإذا كان العدد محصوراً في اثني عشر، فلا بدَّ أنْ تكون الإمامة مقصورة على أشخاص
محدَّدين تنطبق عليهم سائر الصفات المذكورة في النصوص.
حصر الأُمَّة بين موقفين
متقابلين:
حيث إنَّ الأُمَّة منقسمة إلى موقفين:
الشيعة الإماميَّة: الذين يتمسَّكون بالنصوص التي حصرت عدد الأئمَّة في اثني عشر،
ويقولون: إنَّهم الأئمَّة الذين تذهب الإماميَّة إلى إمامتهم.
المخالفون لهم: الذين لا يلتزمون بهذا العدد، بل يختلفون في تحديد عدد الخلفاء
والأئمَّة، فمنهم مَنْ يجعلها خلافة قصيرة، ومنهم مَنْ يرى أنَّها ممتدَّة بلا
تحديد عددي، ومنهم مَنْ يرفض فكرة النصِّ أصلاً.
وعليه، فمَنِ اعتبر العدد، فلا بدَّ أنْ يقرَّ بمَنْ تنطبق عليهم هذه الصفة، وهم
أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
ومَنْ أنكر إمامتهم، فهو في الواقع يُنكِر العدد، لأنَّ غيرنا لم يستقرّ على حصر
الإمامة في اثني عشر إماماً.
ولكن يلزم على هذا الفساد لمخالفة الإجماع، وذلك لأنَّ النصوص حدَّدت
العدد باثني عشر، وهذا
أمر مجمع بين الفريقين. فإنْ كان العدد معتبراً، فمَنْ هم هؤلاء الأئمَّة؟
ولا يمكن أنْ يكونوا خلفاء بني أُميَّة أو بني العبَّاس، لأنَّ التاريخ يشهد على
أنَّ حكوماتهم تجاوزت هذا العدد بكثير، كما أنَّ سيرتهم لا تتوافق مع مواصفات
الأئمَّة المذكورين في الأحاديث. وإنكار كونهم - أي الاثني عشر - من أهل البيت خروج
عن مقتضى النصوص التي تُثبِت استمرار الإمامة في أهل البيت (عليهم السلام).
وبالتالي، فإنَّ إنكار أنَّ هؤلاء الأئمَّة هم المعنيُّون بالنصوص، مع التسليم
بصحَّة العدد، هو خروج عن الإجماع، وهو مخالفة واضحة، وكلُّ قول يُؤدِّي إلى ذلك
فهو باطل.
بيان دلالة الأخبار المتقدِّمة
على صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وغيبتِه وفق قاعدة: الإخبار بالمغيَّبات:
يستند شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بعد الفراغ عمَّا تقدَّم إلى منهج برهاني يُستدَلُّ
به على صحَّة إمامة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وغيبتِه من خلال الأخبار
المتقدِّمة عن آبائه (عليهم السلام)، ويمكن تحليل الدليل وفق النقاط التالية:
١ - الدليل هنا يعتمد على قاعدة الإخبار بالغيب، والتي تعني أنَّ الإخبار بأمر غيبي
قبل وقوعه ثمّ تحقُّقه لاحقاً، يدلُّ على صدق الخبر وصحَّة المستند الذي ورد منه.
فقد وردت أخبار عديدة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) منذ زمن بعيد، تُخبِر
بحدوث غيبة لصاحب هذا الأمر، وتصف تفاصيلها، أنَّها ستكون على مرحلتين: غيبة أُولى
يكون فيها اتِّصال محدود بالإمام (عجَّل الله فرجه) من خلال وكلائه. غيبة ثانية
ينقطع فيها الخبر عنه، فلا يكون للناس اتِّصال مباشر به. وأنَّ الغيبة
ستترافق مع حوادث
واضطرابات واختلافات في الأُمَّة. وأنَّها ستطول زماناً حتَّى يشكَّ البعض فيه
(عجَّل الله فرجه).
فإذا ثبت أنَّ هذه الأخبار قد سبقت وقوع الغيبة بزمان طويل، ثمّ تحقَّق مضمونها،
فإنَّ ذلك يدلُّ على أنَّها لم تكن مجرَّد توقُّعات، بل هي إعلام إلهي صدر على لسان
المعصومين (عليهم السلام)، والذين لا يتكلَّمون إلَّا بالحقِّ. وبالتالي، فإنَّ
صحَّة الغيبة المستفاد صحَّتها من صحَّة الأخبار المتقدِّمة، تستلزم صحَّة إمامة
ابن الحسن (عليه السلام)، لأنَّه لا معنى لإخبار المعصومين (عليهم السلام) بهذه
الغيبة إلَّا إذا كان لها واقع وإنْ كان سيقع في زمان لاحق لزمان الإخبار بها، وقد
وقعت الغيبة فوافق الواقع الخبر.
وحيث يستحيل تحقُّق الإخبار بالمغيَّبات إلَّا بتعليم إلهي، وهذا أمر عقليٌّ. فلو
كانت هذه الأخبار مجرَّد تكهُّنات بشريَّة، لوجب أنْ تتعرَّض للخطأ والتناقض، لكن
الواقع أثبت تطابقها مع ما حدث لاحقاً، ممَّا يدلُّ على أنَّ مصدرها إلهي عبر
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ومنه إلى أوصيائه المعصومين (عليهم السلام).
وهذا المنهج في الاستدلال ليس جديداً، بل هو معتمد عند أعلام الطائفة من القدماء،
ممَّا يدلُّ على رسوخه وقوَّته العلميَّة. فقد اعتمد شيوخ الطائفة من أمثال الشيخ
الكليني، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والسيِّد المرتضى (قدّس سرّهم)، وأخذه كذلك
الشيخ الطوسي (قدّس سرّه).
وليُعلَم أنَّ تراكم هذا المنهج عبر القرون وعدم قدرة الخصوم على نقضه، دليل على
صلابته وصحَّته عقلاً كما هو نقلاً.
الاستدلال بالنصوص الكثيرة في
كُتُب الأخبار على إمامة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه):
إنَّ الأخبار الدالَّة على الغيبة وإمامتها كثيرة جدًّا، ومتوفِّرة في كُتُب
الحديث المعتبرة. وكون
هذه الأخبار متفرِّقة في عدَّة مصادر، لا يعني ضعفها، بل العكس، يدلُّ على تواترها
المعنوي، إذ إنَّها وردت في سياقات متعدِّدة وبأسانيد مختلفة.
قال (قدّس سرّه): (فإنْ قيل: دلُّوا أوَّلاً على صحَّة هذه الأخبار، فإنَّها
[أخبار] آحاد لا يُعوَّل عليها فيما طريقه العلم، وهذه مسألة علميَّة. ثمّ دلُّوا
على أنَّ المعنيَّ بها مَنْ تذهبون إلى إمامته، فإنَّ الأخبار التي رويتموها عن
مخالفيكم وأكثر ما رويتموها من جهة الخاصَّة إذا سُلِّمت، فليس فيها صحَّة ما
تذهبون إليه، لأنَّها تتضمَّن العدد فحسب، ولا تتضمَّن غير ذلك، فمن أين لكم أنَّ
أئمَّتكم هم المرادون بها دون غيرهم؟
قلنا: أمَّا الذي يدلُّ على صحَّتها فإنَّ الشيعة الإماميَّة يروونها على وجه
التواتر خلفاً عن سلف، وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كُتُب الإماميَّة [و] النصوص على
أمير المؤمنين (عليه السلام)، والطريقة واحدة.
وأيضاً فإنَّ نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدلُّ على صحَّة ما
قد اتَّفقوا على نقله، لأنَّ العادة جارية أنَّ كلَّ مَنِ اعتقد مذهباً وكان الطريق
إلى صحَّة ذلك النقل، فإنَّ دواعيه تتوفَّر إلى نقله، وتتوفَّر دواعي مَنْ خالفه
إلى إبطال ما نقله أو الطعن عليه، والإنكار لروايته، بذلك جرت العادات في مدائح
الرجال وذمِّهم وتعظيمهم والنقص منهم.
ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها ولم تتعرَّض للطعن على
نقله ولم تُنكِر متضمَّن الخبر دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى قد تولَّى نقله
وسخَّرهم لروايته، وذلك دليل على صحَّة ما تضمَّنه الخبر.
وأمَّا الدليل على أنَّ المراد بالأخبار والمعنيَّ بها أئمَّتنا (عليهم السلام)،
فهو أنَّه إذا ثبت بهذه الأخبار أنَّ الإمامة محصورة في الاثني عشر إماماً، وأنَّهم
لا يزيدون ولا
ينقصون، ثبت ما ذهبنا
إليه، لأنَّ الأُمَّة بين قائلين: قائل يعتبر العدد الذي ذكرناه فهو يقول: إنَّ
المراد بها مَنْ يذهب إلى إمامته، ومَنْ خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد،
فالقول - مع اعتبار العدد -: إنَّ المراد غيرهم خروج عن الإجماع، وما أدَّى إلى ذلك
وجب القول بفساده.
ويدلُّ أيضاً(٣٤٧) على إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وصحَّة غيبته ما ظهر وانتشر
من الأخبار الشائعة الذائعة عن آبائه (عليهم السلام) قبل هذه الأوقات بزمان طويل من
أنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، وصفة غيبته وما يجري [فيه] فيها من الاختلاف، ويحدث
فيها من الحوادث، وأنَّه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الأُخرى، وأنَّ الأُولى
يُعرَف فيها خبره، والثانية لا يُعرَف فيها أخباره، فوافق ذلك على ما تضمَّنته
الأخبار.
ولولا صحَّتها وصحَّة إمامته لما وافق ذلك، لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بإعلام الله
تعالى على لسان نبيِّه (صلَّى الله عليه وآله)، وهذه أيضاً طريقة معتمدة اعتمدها
الشيوخ قديماً.
ونحن نذكر من الأخبار التي تضمَّنت ذلك طرفاً ليُعلَم صحَّة ما قلناه، لأنَّ
استيفاء جميع ما رُوِيَ في هذا المعنى يطول، وهو موجود في كُتُب الأخبار، مَنْ
أراده وقف عليه من هناك).
شروع شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بذكر الأخبار الحاكية عن إمامة الاثني عشر (عليهم
السلام):
رواية: غور الماء:
الحديث (١١٥): فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤٧) هذا دليل آخر يضاف إلى ما تقدَّم من أدلَّة ذكرها المصنِّف (قدّس سرّه) بقوله: (فإنْ قيل: ادِّعاؤكم طول العمر... إحداها لا نُسلِّم...)، وما قاله بعد عدَّة صفحات: (فإنْ كان المخالف لنا في ذلك يحيل ذلك...).
مُوسَى بْنِ عُمَرَ
بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ،
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)
فِي قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ
أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلك:
٣٠]، قَالَ: «نَزَلَتْ فِي اَلْإِمَامِ، فَقَالَ: [إنْ] أَصْبَحَ إِمَامُكُمْ
غَائِباً عَنْكُمْ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ ظَاهِرٍ يَأْتِيكُمْ بِأَخْبَارِ
اَلسَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَبِحَلَالِ اَلله تَعَالَى وَحَرَامِهِ»، ثُمَّ قَالَ:
«أَمَا وَاَلله مَا جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ اَلْآيَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَجِيءَ
تَأْوِيلُهَا».
دلالة الحديث:
يُبيِّن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ الآية الكريمة تشير إلى الإمام المعصوم
الذي جعله الله تعالى مصدر الهداية للأُمَّة موجود فيها وإنْ لم يكن ظاهراً، فكما
أنَّ الماء أساس الحياة، فإنَّ الإمام أساس الدِّين والمعرفة الإلهيَّة. وغور الماء
كناية عن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، حيث يكون موجوداً لكنَّه مستتر عن
الأنظار، وتأكيد الإمام (عليه السلام) على أنَّ تأويل الآية لم يتحقَّق بعد، يدلُّ
على وقوع غيبة طويلة الأمد، وهو ما انطبق على الإمام (عجَّل الله فرجه). كما أنَّ
قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، يُظهِر
أنْ لا بديل عن الإمام الغائب، وأنَّ وجوده لطفٌ إلهيٌّ لا يمكن الاستغناء عنه.
وهذه الدلالة تُثبِت ضرورة الإمامة في كلِّ عصر، حتَّى وإنْ كان الإمام غير ظاهر
للناس.
والحديث يدحض شبهة عدم الحاجة إلى الإمام في زمن الغيبة، إذ يُؤكِّد أنَّ فقدان
الإمام كفقدان الماء، ممَّا يجعل الحاجة إليه دائمة. وبذلك يُرسِّخ الحديث عقيدة
الغيبة الكبرى، ويُؤكِّد حتميَّة ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) في آخر الزمان
لإعادة الحقِّ ونشر العدل.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة
لابن بابويه (قدّس سرّه)(٣٤٨).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٤٩).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو محمّد التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي (ابن الخضيب): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن جعفر الأسدي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٥ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٦ - موسى بن عمر بن يزيد: طبقته في الحديث السابعة، من وجوه توثيقه: صاحب كتاب،
رواية بعض الأجلَّاء عنه، كثير الرواية.
٧ - عليُّ بن أسباط: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧١).
٨ - عليُّ بن أبي حمزة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٨).
٩ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: الجوار الكُنَّس:
الحديث (١١٦): سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ بْنِ أَبِي اَلرَّبِيعِ اَلمَدَائِنِيِّ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ،
قَالَتْ: لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اَلله
تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ
الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]. فَقَالَ: «إِمَامٌ يَخْنِسُ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤٨) الإمامة والتبصرة
(ص ١١٥ و١١٦/ ح ١٠٥).
(٣٤٩) كمال الدِّين (ص ٣٢٥ و٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٣).
زَمَانِهِ عِنْدَ
اِنْقِطَاعٍ مِنْ عِلْمِهِ عِنْدَ اَلنَّاسِ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ
يَبْدُو كَالشِّهَابِ اَلْوَقَّادِ، فَإِنْ أَدْرَكْتِ ذَلِكَ قَرَّتْ عَيْنُكِ».
دلالة الحديث:
يُؤوِّل الإمام الباقر (عليه السلام) الآية الكريمة بأنَّها تشير إلى الإمام
الحجَّة (عجَّل الله فرجه) حيث تعني (الخُنَّس) غيبته عن الأنظار مع بقائه موجوداً،
وبما أنَّ الجوارِ الكُنَّس هي حركة السُّفُن فيمكن أنْ ينطبق ذلك على الإمام
(عجَّل الله فرجه) في حركته المستمرَّة في تدبير شؤون الأُمَّة رغم خفائه. ويُحدِّد
الإمام أنَّ غيبته تبدأ سنة (٢٦٠هـ)، وهي سنة استشهاد والده الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام)، ممَّا يدلُّ على بداية الغيبة الصغرى. ويصف ظهوره لاحقاً بأنَّه
سيكون «كَالشَّهَابِ اَلْوَقَّادِ» أي مفاجئاً وساطعاً، يملأ الأرض عدلاً بعد أنْ
مُلِئَت جوراً. وهذا التشبيه يعكس قوَّة تأثيره ونور هدايته التي تمحو الظلم
والفساد.
كما يُؤكِّد الحديث استمراريَّة وجود الإمام (عليه السلام) في كلِّ زمانٍ، رغم
انقطاع الاتِّصال الظاهري به. ويشير إلى أنَّ ظهوره سيكون حَدَثاً عظيماً يُبشَّر
به المؤمنون، فيكون مصدر فرح وسرور لمن أدركه. وبهذا يُؤكِّد الحديث عقيدة الغيبة
الكبرى، ويُثبِت أنَّ الإمامة لا تنقطع، بل تستمرُّ حتَّى يأذن الله بظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه) لإقامة العدل الإلهي.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٣٥٠).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٥١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥٠) الإمامة والتبصرة
(ص ١١٩/ ح ١١٣).
(٣٥١) الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٣).
٣ - الغيبة للشيخ
النعماني (رحمه الله)(٣٥٢).
٤ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٥٣).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه) إلى سعد بن عبد الله: وسيأتي في الحديث (١٢٧).
٢ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - الحسين بن عمر بن يزيد: جاء في هامش النسخة المعتمدة: (... وفي الكمال: أحمد بن
الحسين بن عمر بن يزيد... وفي الكافي وغيبة النعماني: أحمد بن الحسن، عن عمر بن
يزيد).
فإنْ كان اسم الراوي (الحسين بن عمر بن يزيد): فهو من الطبقة السابعة أو الثامنة،
له عدَّة روايات، وروى عنه بعض الأجلَّاء.
عدَّه الشيخ (قدّس سرّه) في (رجاله) من أصحاب الرضا (عليه السلام)، وقال:
(ثقة)(٣٥٤).
وذكر الشيخ الكشِّي (رحمه الله) شكَّه في إمامة الإمام الرضا (عليه السلام) ثمّ
قوله بها(٣٥٥).
وإنْ كان هو (أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد): فطبقته في الحديث السابعة، ومن وجوه
توثيقه: رواية بعض الأجلِّاء عنه، له كثرة في الروايات، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه
الله) له.
وإنْ كانا راويين كما في (الكافي) و(غيبة النعماني) باسمي (أحمد بن الحسن) و(عمر بن
يزيد)، فترجمة (أحمد بن الحسن) كالآتي: طبقته في الحديث الثامنة، من وجوه توثيقه:
كثير الرواية، رواية بعض الأجلَّاء عنه.
وأمَّا (عمر بن يزيد): فيُستبعَد أنْ يكون السابري الثقة لبُعد الطبقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥٢) الغيبة للنعماني
(ص ١٥١/ باب ١٠/ ح ٦).
(٣٥٣) كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١).
(٣٥٤) رجال الطوسي (ص ٣٥٥/ الرقم ٥٢٦١/٢٢).
(٣٥٥) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٢٥ - ٧٢٧/ ح ٨٠١).
٤ - أبو الحسن بن أبي
الربيع المدائني: طبقة المعنون في الحديث السادسة، وقد ورد في هامش النسخة
المعتمدة: (في الكافي: الحسن بن ربيع الهمداني، وفي غيبة النعماني: الحسن بن أبي
الربيع الهمداني، وفي الكمال: الحسين بن ربيع المدائني، وفي نُسَخ (أ، ف، م) الحسن
بن أبي الربيع المدائني، وأيٌّ ما كان لم نجد له ترجمة).
أمَّا (أبو الحسن بن أبي الربيع المدائني): مهمل.
وأمَّا (الحسن بن ربيع الهمداني): فمهمل كذلك.
٥ - محمّد بن إسحاق: مشترك بين جماعة، وبقرينة الراوي والمروي عنه يظهر أنَّ طبقة
المعنون في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: رواية ابن أبي عمير عنه وبعض
الأجلَّة، كثير الرواية.
٦ - أسيد بن ثعلبة: مهمل.
٧ - أُمُّ هاني: لم يرد في حقِّها توثيق.
رواية: غور الماء:
بعين ما تقدَّم في الرواية (١١٥).
الحديث (١١٧): سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ قَاسِمٍ اَلْبَجَلِيِّ وَأَبِي قَتَادَةَ عَلِيِّ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ
جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا تَأْوِيلُ قَوْلِ اَلله
تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ
غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلك: ٣٠]؟ فَقَالَ: «إِذَا
فَقَدْتُمْ إِمَامَكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ فَمَا ذَا تَصْنَعُونَ؟».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٣٥٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥٦) الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥/ ح ١٢٤).
٢ - الغيبة للشيخ
النعماني (رحمه الله)(٣٥٧).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٥٨).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أحمد بن محمّد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٣ - في هذه الطبقة - أي السابعة - جماعة، هم:
أ - موسى بن قاسم البجلي: وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق شيخ الطائفة (قدّس سرّه)
والشيخ النجاشي (رحمه الله) له، من الأجلَّاء، صاحب كُتُب (ثلاثون كتاباً) ككُتُب
الحسين بن سعيد، وقد عدَّه بعضهم من أمارات الاعتماد.
ب - أبو قتادة عليُّ بن محمّد بن حفص: من وجوه توثيقه: رواية بعض الأجلَّاء عنه،
وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه الله).
٤ - عليُّ بن جعفر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٤).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥٧) الغيبة للنعماني
(ص ١٨١ و١٨٢/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٧).
(٣٥٨) كمال الدِّين (ص ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٣).
لا زال شيخ الطائفة
(قدّس سرّه) في معرض الاستدلال على غيبة الإمام الحجَّة بن الحسن (عليهما السلام)،
ووصل الكلام إلى بيان الحديث (١١٨) وما بعده.
رواية: التحذير من إنكار الغيبة
بعد بلوغها:
الحديث (١١٨): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ اَلشَّاذَانِ، عَنْ عَبْدِ
اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام):
«إِنْ بَلَغَكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ غَيْبَةٌ فَلَا تُنْكِرُوهَا».
دلالة الحديث:
يُخبِر الإمام الصادق (عليه السلام) بغيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، فيقول: «إِنْ
بَلَغَكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ غَيْبَةٌ فَلَا تُنْكِرُوهَا»، حيث تشير «إِنْ
بَلَغَكُمْ» إلى ورود خبر الغيبة إليهم، و«صَاحِبِكُمْ» إلى الإمام المنتظَر (عجَّل
الله فرجه)، و«غَيْبَةٌ» إلى اختفائه عن الأنظار، فيما يُؤكِّد «فَلَا
تُنْكِرُوهَا» وجوب التصديق بها وعدم الاستغراب من وقوعها.
ويدلُّ الحديث على علم الإمام الصادق (عليه السلام) بالغيب، ممَّا يُؤكِّد مقام
الإمامة، كما أنَّه يُثبِت وقوع الغيبة كجزء من مسار الإمامة الإلهي، حيث لا
يُشترَط الحضور والظهور للإمام حتَّى يكون إماماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥٩) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
وتحذيره (عليه السلام)
من إنكار الغيبة يشير إلى كونها اختباراً للمؤمنين، إذ سيتعرَّضون لشُبُهات تُلقي
بالشكِّ فيها، ممَّا يستوجب الثبات. كما أنَّ هذا الخبر يُرسِّخ الاعتقاد بأنَّ
الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) هو مَنْ سيغيب، وأنَّ الانتظار الواعي لإمام
غائب من مهمَّات العقيدة.
وهذا الحديث - مع غيره من الروايات المتواترة معنويًّا - يُشكِّل برهاناً قاطعاً
على حتميَّة الغيبة وضرورتها.
المولى المازندراني (رحمه الله) في معرض شرحه للحديث يُؤكِّد أنَّ غيبة الإمام
(عجَّل الله فرجه) حقٌّ ثابت وأمر محتوم، وإنكارها يُساوي إنكار وجوده، بل هو
بمثابة إنكار لمبدأ الإمامة والإيمان بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). ويردُّ
على شبهة استبعاد غياب الإمام رغم كونه هادياً للخلق، بأنَّ الغيبة سُنَّة إلهيَّة
تحقَّقت في حياة الأنبياء والأوصياء. كما يُفنِّد استبعاد طول عمره، موضِّحاً أنَّ
ذلك ليس أمراً محالاً عقليًّا، بل له شواهد في الكُتُب السماويَّة(٣٦٠).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٦١).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٦٢).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو جعفر محمّد بن سفيان البزوفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦٠) راجع: شرح أُصول
الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٦٠).
(٣٦١) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٥).
(٣٦٢) الغيبة للنعماني (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٢).
٣ - أحمد بن إدريس:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٤ - عليُّ بن محمّد بن قتيبة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٥ - الفضل بن الشاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٦ - عبد الرحمن بن أبي نجران: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له بقوله: (ثقة ثقة، معتمداً على ما يرويه)(٣٦٣)،
صاحب كُتُب كثيرة، كثير الرواية، من رواة (تفسير القمِّي).
٧ - صفوان بن يحيى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٨ - إبراهيم بن عيسى (أبو أيُّوب الخزَّاز): طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، صاحب كُتُب عديدة، رواية ابن أبي عمير عنه، وثَّقه شيخ
الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه الله)، ووثَّقه الشيخ المفيد (قدّس
سرّه)، وذكره الشيخ الكشِّي (رحمه الله) ووثَّقه، من رواة (تفسير القمِّي).
٩ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: حضور الإمام (عجَّل الله
فرجه) الموسم ويرى الناس ولا يرونه:
الحديث (١١٩): مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ
اَلله، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ
اَلصَّيْرَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ اَلمُثَنَّى اَلْعَطَّارِ، عَنْ عَبْدِ اَلله
بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله
(عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ اَلنَّاسُ إِمَامَهُمْ فَيَشْهَدُ اَلمَوْسِمَ
فَيَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ».
دلالة الحديث:
يُفسِّر العلَّامة المجلسي (رحمه الله): حديث الإمام الصادق (عليه السلام):
«يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ فَيَشْهَدُ المَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَلَا
يَرَوْنَهُ» بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يحضر موسم الحجِّ كلَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦٣) رجال النجاشي (ص ٢٣٥/ الرقم ٦٢٢).
عامٍ، فيرى الناس
ويعرفهم، لكنَّهم لا يعرفونه، مستدلّاً برواية الصدوق (قدّس سرّه) عن محمّد بن
عثمان العمري (رضي الله عنه) التي تُؤكِّد ذلك(٣٦٤). ويرى (رحمه الله) أنَّ هذا قد
يشمل كلتا الغيبتين، لكنَّه يُرجِّح أنَّ المقصود هو الغيبة الكبرى، إذ لم يكن
يُعرَف فيها، بخلاف الصغرى حيث كان له نُوَّاب خاصُّون(٣٦٥).
ومعنى الرؤية في الحديث أنَّ الناس يرونه (عجَّل الله فرجه) دون أنْ يُدرِكوا
هويَّته. ويشير هذا إلى أنَّ الغيبة لا تعني الانقطاع التامُّ عن الناس، بل هي غيبة
عنوان، حيث لا يُعرَف الإمام (عجَّل الله فرجه) بشخصه رغم وجوده بينهم. وهذا
يُعزِّز فكرة استمرار رعايته للأُمَّة ومتابعة أحوالها، ممَّا يُطمئنُّ المؤمنين
بوجوده الفاعل، رغم عدم تمييزهم له.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٦٦).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٦٧).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٣٦٨).
البحث السندي:
١ - محمّد بن جعفر الأسدي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦٤) روى الصدوق (رحمه
الله) في كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
مُوسَى اِبْنِ اَلمُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ
جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيِّ (رضي الله
عنه)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (وَاَلله إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ
لَيَحْضُرُ اَلمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ، فَيَرَى اَلنَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ،
وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ).
(٣٦٥) مرآة العقول (ج ٤/ شرح ص ٤٢).
(٣٦٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧ و٣٣٨ و٣٣٩/ باب في الغيبة/ ح ٦ و١٢).
(٣٦٧) الغيبة للنعماني (ص ١٨٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٣).
(٣٦٨) كمال الدِّين (ص ٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣٣).
٢ - سعد بن عبد الله:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - جعفر بن محمّد بن مالك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٦).
٤ - إسحاق بن محمّد الصيرفي: طبقته في الحديث السابعة، وقد يُعَدُّ من السادسة، قال
الشيخ النمازي (رحمه الله): (لم يذكروه، هو ثقة، كما في دائرة المعارف. روى عن أبي
هاشم الجعفري. وروى عنه جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري. كمال الدِّين (ج ١/ باب ٢٦/
ص ٤١٩). وروى عنه إبراهيم بن هاشم، كما فيه (ص ٤٢١). وروى جعفر بن محمّد بن مالك،
عنه، عن يحيى بن المثنَّى العطَّار، كما فيه (ج ٢/ ص ١٦ و١١٤). وروى عنه جعفر بن
مالك، عن محمّد بن إبراهيم الغزالي. الدلائل (ص ٢٤٧))(٣٦٩).
٥ - يحيى بن المثنَّى العطَّار: طبقته في الحديث السادسة، لم نعثر على ما يترجم له
سوى ما قاله السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (روى عن عليِّ بن الحسن، وزياد (عليِّ بن
الحسن بن رباط)، وروى عنه أحمد بن شيبة (بشر)، ذكره الكشِّي في ترجمة حريز (٢٤٣).
روى عن عبد الله بن بكير، وروى عنه إسحاق بن محمّد. الكافي: الجزء ١، كتاب الحجَّة
٤، باب في الغيبة ٨٠، الحديث ٦. وروى عنه القاسم بن إسماعيل الأنباري، الحديث ١٢،
من الباب)(٣٧٠).
٦ - عبد الله بن بكير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٥٠).
٧ - عبيد بن زرارة: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من السادسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: صاحب كتاب، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، توثيق الشيخ المفيد
(قدّس سرّه) له، كثير الرواية، رواية بعض الأجلَّاء عنه، من رواة (تفسير القمِّي).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦٩) مستدركات علم
رجال الحديث (ج ١/ ص ٥٨١/ الرقم ١٠٨/٢٠٢١).
(٣٧٠) معجم رجال الحديث (ج ٢١/ ص ٩٣/ الرقم ١٣٦٠٣).
رواية: لا يطَّلع على موضعه
أحد:
الحديث (١٢٠): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ
اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ عَبْدِ اَلله
بْنِ اَلمُسْتَنِيرِ، عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ
اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ،
إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وَيَقُولَ بَعْضُهُمْ:
قُتِلَ، وَيَقُولَ بَعْضُهُمْ: ذَهَبَ، حتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ
أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ
وُلْدِهِ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا اَلمَوْلَى اَلَّذِي يَلي أَمْرَهُ».
دلالة الحديث:
يُخبِر الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ لصاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)
غَيْبَتَيْنِ، إحداهما تمتدُّ زمناً طويلاً حتَّى يظنَّ الناس أنَّه قد مات أو
قُتِلَ، ممَّا يُؤدِّي إلى اضطراب العقيدة عند الكثيرين، فلا يبقى ثابتاً على
الإيمان به إلَّا قلَّة قليلة من أصحابه المخلصين. وهذا يشير إلى أنَّ الغيبة
الكبرى ستكون شديدة الوطأة على الناس، حتَّى إنَّ بعضهم سيُنكِرها أو يُشكِّك في
بقائه (عجَّل الله فرجه) حيًّا.
كما يُؤكِّد الحديث أنَّ مكان الإمام (عجَّل الله فرجه) سيظلُّ مجهولاً تماماً، فلا
يعرفه أحد حتَّى من أقرب الناس إليه، إلَّا شخص واحد يلي أمره، وهو المولى المكلَّف
بإدارة شؤونه وحفظ أمره.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٧١).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٢ - عليُّ بن محمّد (عليُّ بن محمّد بن قتيبة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧١) الغيبة للنعماني (ص ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥).
٣ - الفضل بن شاذان:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٤ - عبد الله بن جبلة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣٦).
٥ - عبد الله بن المستنير (المذري): مهمل.
٦ - المفضَّل بن عمر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣٧).
رواية: وما بثلاثين من وحشة:
الحديث (١٢١): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ
اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ عَلِيِّ
بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، (عَنْ أَبِي بَصِيرٍ)(٣٧٢)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه
السلام)، قَالَ: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ عُزْلَةٍ(٣٧٣)، وَلَا
بُدَّ فِي عُزْلَتِهِ مِنْ قُوَّةٍ، وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ، وَنِعْمَ
اَلمَنْزِلُ طَيْبَةُ».
دلالة الحديث:
يُخبِر الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا بدَّ
له من عزلة، وهي إشارة واضحة إلى الغيبة، وفي خصوص الكبرى منها يعتزل الإمامُ
(عجَّل الله فرجه) الناسَ تماماً، فلا يظهر لهم بشخصه، مع استمرار تأثيره عليهم
بوصول بركاته وفوائده إليهم. وقد ورد في بعض النُّسَخ: «وَلَا لَهُ فِي غَيْبَتِهِ
مِنْ عُزْلَةٍ»(٣٧٤)، أي إنَّه بين الناس يراهم ولا يرونه، ممَّا يدلُّ على أنَّ
غيبته ليست غياباً عن العالم، بل غياب عنوان وهويَّة، مع استمرار وجوده وتأثيره،
كما مرَّ في حديث (١١٩).
ثمّ يشير الحديث إلى أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في عزلة الغيبة الكبرى يحتاج
إلى قوَّة، وهي إشارة إلى التدبير الإلهي الذي يُهيِّئ له أسباب البقاء رغم الظروف
الصعبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧٢) ليس في نُسَخ (أ،
ف، م).
(٣٧٣) نعم، ورد في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٦)، هكذا: «لَا بُدَّ
لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ
عُزْلَةٍ، وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ طَيْبَةُ، وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ».
(٣٧٤) راجع: شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٦٥)، وما في الشرح مستفاد منه
(رحمه الله).
أمَّا قوله (عليه
السلام): «وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ»، فيحتمل عدَّة معانٍ، منها: أنَّه ليس
بمستوحش، لأنَّه يستأنس بثلاثين من أوليائه الخُلَّص سواء في الصغرى أو الكبرى، كما
ذهب إلى ذلك الفاضل الأسترآبادي (رحمه الله)(٣٧٥).
وأمَّا قوله (عليه السلام): «وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ طِيبَةُ»، فيُشير إلى المدينة
المنوَّرة، حيث يُقال: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) قد اتَّخذها مقرًّا له أو
أنَّها كانت محلّاً للسؤال والبحث عنه، كما ورد عن الإمام العسكري (عليه السلام)
حين سُئِلَ عنه، فأجاب: «بِالمَدِينَةِ»(٣٧٦). وهناك احتمال آخر أنَّ طيبة ليس اسم
المدينة، بل اسم موضع خاصٌّ يُقيم فيه الإمام(عجَّل الله فرجه) مع أصحابه الثلاثين.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث - بمضمونه - المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٧٧).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٧٨).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٢ - عليُّ بن محمّد (عليُّ بن محمّد بن قتيبة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧٥) راجع: الحاشية
على أُصول الكافي للاسترآبادي (ص ١٦١).
(٣٧٦) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ إلى
صاحب الدار (عليه السلام)/ ح ٢)، قال: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ اَلْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام): جَلَالَتُكَ تَمْنَعُنِي مِنْ مَسْأَلَتِكَ، فَتَأْذَنُ
لِي أَنْ أَسْأَلَكَ، فَقَالَ: «سَلْ»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، هَلْ لَكَ وَلَدٌ؟
فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ: فَإِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ فَأَيْنَ أَسْأَلُ عَنْهُ؟
قَالَ: «بِالمَدِينَةِ».
(٣٧٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٦).
(٣٧٨) الغيبة للنعماني (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤١).
٣ - الفضل بن شاذان:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٤ - عبد الرحمن بن أبي نجران: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١٨).
٥ - عليُّ بن أبي حمزة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٨).
٦ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
ورد في هامش النسخة المعتمدة حول وجود الراوي (أبو بصير في السند): (ليس في نُسَخ
(أ، ف، م)). ومن البعيد أنْ يروي (عليُّ بن أبي حمزة) عن أبي جعفر (عليه السلام)
مباشرةً لاختلاف الطبقة.
رواية: كيف بهم إذا فقدوا مَنْ
بعدي:
الحديث (١٢٢): سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ
اَلزَّيْتُونِيِّ، عَنِ اَلزُّهْرِيِّ اَلْكُوفِيِّ، عَنْ بُنَانِ بْنِ
حَمْدَوَيْهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه
السلام) مُضِيُّ أَبِي جَعْفَرٍ (رضي الله عنه)، فَقَالَ: «ذَاكَ إِلَيَّ مَا
دُمْتُ حَيًّا بَاقِياً، وَلَكِنْ كَيْفَ بِهِمْ إِذَا فَقَدُوا مَنْ بَعْدِي؟».
دلالة الحديث:
يُؤكِّد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عدم وجود مشكلة بعد وفاة أخيه السيِّد
محمّد أبي جعفر (رضي الله عنه). لكنَّه يُحذِّر من المحنة الكبرى التي ستواجه
الأُمَّة بعده (عليه السلام)، إذ لن يكون التحدِّي مجرَّد انتقال ظاهر للإمامة كما
كان الحال سابقاً، بل سيكون الامتحان الأعظم بفقدان الإمام (عجَّل الله فرجه) في
غيبته، ممَّا سيُشكِّل أعظم اختبار إيماني للمؤمنين. فبينما كانت وفاة السيِّد
محمّد (رضي الله عنه) محنة للشيعة من جهة الاختلاف فيه والاعتقاد بإمامته، وقد تقدم
في الجزء الأول تفصيل الحادثة(٣٧٩)، إلَّا أنَّ الغيبة ستكون تجربة قاسية أشدّ
وقعاً، قد تُثير الشكوك والاضطراب، وهنا يظهر جوهر الإيمان بالغيب والتمسُّك
بالعقيدة رغم غياب الإمام عن الأنظار (عجَّل الله فرجه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧٩) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٣٥٨).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - الحسن بن عليٍّ الزيتوني: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
صاحب كتاب، من رواة (كامل الزيارات).
٣ - الزهري الكوفي: مهمل.
٤ - بنان بن حمدويه: مهمل.
رواية: جبل رضوى:
الحديث (١٢٣): وَأَخْبَرَنَا اِبْنُ أَبِي جِيدٍ اَلْقُمِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
اَلحَسَنِ بْنِ اَلْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ اَلصَّفَّارِ، عَنِ
اَلْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ حَمْدَوَيْهِ بْنِ
اَلْبَرَاءِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اَلْأَعْلَى مَوْلَى
آلِ سَامٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَلَمَّا
نَزَلْنَا اَلرَّوْحَاءَ(٣٨٠) نَظَرَ إِلَى جَبَلِهَا مُطَلِّلاً عَلَيْهَا،
فَقَالَ لِي: «تَرَى هَذَا اَلجَبَلَ؟ هَذَا جَبَلٌ يُدْعَى رَضْوَى مِنْ جِبَالِ
فَارِسَ أَحَبَّنَا فَنَقَلَهُ اَللهُ إِلَيْنَا، أَمَا إِنَّ فِيهِ كُلَّ شَجَرَةٍ
مُطْعِمٍ، وَنِعْمَ أَمَانٌ لِلْخَائِفِ مَرَّتَيْنِ، أَمَا إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا
اَلْأَمْرِ فِيهِ غَيْبَتَيْنِ، وَاحِدَةٌ قَصِيرَةٌ، وَاَلْأُخْرَى طَوِيلَةٌ».
دلالة الحديث:
يُشير الإمام الصادق (عليه السلام) أثناء نزوله في الروحاء إلى جبل يُطِلُّ عليها،
قائلاً: «هَذَا جَبَلٌ يُدْعَى رَضْوَى مِنْ جِبَالِ فَارِسَ أَحَبَّنَا فَنَقَلَهُ
اَللهُ إِلَيْنَا»، ممَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٠) الروحاء اسم موضع بين مكَّة والمدينة، وهو من المنازل المعروفة التي يمرُّ بها الحُجَّاج والقوافل التجاريَّة. قيل: إنَّ بينه وبين المدينة (٣٠) ميلاً.
يعكس بُعداً غيبيًّا في
علاقة الموجودات بحقيقة الولاية، حيث يتجلَّى أثر المحبَّة لأهل البيت (عليهم
السلام) حتَّى في الجمادات. ثمّ يُضيف (عليه السلام) أنَّ الجبل «فِيهِ كُلَّ
شَجَرَةٍ مُطْعِمٍ، وَنِعْمَ أَمَانٌ لِلْخَائِفِ»، ممَّا يُوحي بأنَّه موضع بركة
وحماية إلهيَّة، قد يكون مرتبطاً بمراحل الغيبة.
بعدها يُصرِّح الإمام (عليه السلام) بأنَّ لصاحب الأمر غيبتين، إحداهما قصيرة
والأُخرى طويلة، وهو إخبار واضح عن الغيبتين الصغرى والكبرى للإمام (عجَّل الله
فرجه). ويُبرز الحديث دور الإرادة الإلهيَّة في تدبير أمر الأئمَّة (عليهم السلام)
وحفظهم، ممَّا يُؤكِّد أنَّ الغيبة ليست مجرَّد حادثة تاريخيَّة، بل جزء من
المخطَّط الإلهي المحكم.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - ابن أبي الجيد القمِّي (عليُّ بن أحمد بن محمّد): طبقته في الحديث الحادية
عشرة، وجوه توثيقه عديدة، منها: من مشايخ الإجازة، من مشايخ الشيخ النجاشي (رحمه
الله)، صاحب كُتُب ومصنَّفات، يقع في إسناد كثير من طُرُق الشيخ (قدّس سرّه) والشيخ
النجاشي (رحمه الله).
٢ - محمّد بن الحسن بن الوليد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٣ - محمّد بن الحسن الصفَّار: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٤ - العبَّاس بن معروف: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه الله) له، كثير الرواية، صاحب كتاب،
رواية بعض الأجلَّاء عنه، من رواة (كامل الزيارات).
٦ - ثابت: مشترك بين
جماعة، ولم يتميَّز لدينا، مجهول.
٧ - إسماعيل: مشترك بين جماعة، ولم يتميَّز لدينا، مجهول.
٨ - عبد الأعلى مولى آل سام: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من السادسة، قال
السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معرض ترجمة الرجل: (وقع الكلام في اعتبار الرجل وعدم
اعتباره، واستُدِلَّ لاعتباره بوجوه:
وجوه اعتبار عبد الأعلى:
الأوَّل: أنَّ رواية الكشِّي تدلُّ على رضا الإمام (عليه السلام) بمناظرته، وأنَّه
كان يستحسنه، وهو دليل الحسن.
والجواب عنه:
أوَّلاً: بأنَّ الرواية لم تثبت إلَّا من طريق عبد الأعلى نفسه، فإنْ كان ممَّن
يُوثَق بقوله مع قطع النظر عن هذه الرواية، فلا حاجة إلى الاستدلال بها، وإلَّا فلا
يُصدَّق في روايته هذه أيضاً.
وثانياً: أنَّه لا ملازمة بين أنْ يكون الرجل قويًّا في الجدل والمناظرة، وأنْ يكون
ثقةً في أقواله، والمطلوب في الراوي هو الثاني دون الأوَّل.
الثاني: أنَّه متَّحد مع عبد الأعلى بن أعين العجلي المتقدِّم، وهو ثقة بشهادة
الشيخ المفيد وعليِّ بن إبراهيم كما تقدَّم، ويدلُّ على الاتِّحاد: ما في رواية
محمّد بن يعقوب والشيخ من التصريح بأنَّ عبد الأعلى بن أعين هو عبد الأعلى مولى آل
سام، كما تقدَّم في عبد الأعلى بن أعين.
والجواب عنه: أنَّ غاية ما يثبت بذلك أنَّ عبد الأعلى مولى آل سام هو ابن أعين، ولا
يثبت بذلك الاتِّحاد، إذ من الممكن أنْ يكون عبد الأعلى العجلي غير عبد الأعلى مولى
آل سام، ويكون والد كلٌّ منهما مسمَّى بأعين.
ويكشف عن ذلك عدُّ
الشيخ كلًّا منهما مستقلّاً في أصحاب الصادق (عليه السلام)، وهو أمارة التعدُّد.
ثمّ إنَّ الوحيد (قدّس سرّه) ذكر في التعليقة أنَّه يظهر من الأخبار فضله وتديُّنه،
منها: ما في الكافي: الجزء ١، باب ما يجب على الناس عند مضيِّ الإمام (عليه السلام)
٨٩، الحديث ٢، ويروي عنه جعفر بن بشير بواسطة، وفيه إشعار بوثاقته، وكذا كونه كثير
الرواية ورواياته مفتي بها، ويروي عنه غير جعفر من الأجلَّة (انتهى)).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (أمَّا رواية الكافي فلا دلالة فيها إلَّا على كون عبد الأعلى
شيعيًّا، وقد سأل الإمام (عليه السلام) عن أمر الإمامة وعمَّا يجب على الناس بعد
مضيِّ الإمام (عليه السلام).
وأمَّا رواية جعفر بن بشير، فلا دلالة فيها على الوثاقة فيما إذا كانت بلا واسطة،
فضلاً عمَّا إذا كانت مع الواسطة، وكذلك الكلام في رواية الأجلَّاء عنه.
وأمَّا كون رواياته مفتى بها، فهو على تقدير تسليمه لا يدلُّ على وثاقة الراوي كما
هو ظاهر.
والمتحصِّل أنَّ الرجل لم تثبت وثاقته ولا حسنه)(٣٨١).
رواية: الحيرة والغيبة برواية
الإمام الصادق (عليه السلام):
الحديث (١٢٤): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ
اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ اَلحُسَيْنِ
بْنِ أَبِي اَلْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه
السلام)، قَالَ: «لَـمَّا دَخَلَ سَلْمَانُ (رضي الله عنه) اَلْكُوفَةَ وَنَظَرَ
إِلَيْهَا ذَكَرَ مَا يَكُونُ مِنْ بَلَائِهَا، حتَّى ذَكَرَ مُلْكَ بَنِي
أُمَيَّةَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ
فَالْزَمُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ حتَّى يَظْهَرَ اَلطَّاهِرُ بْنُ اَلطَّاهِرِ
اَلمُطَهَّرُ ذُو اَلْغَيْبَةِ اَلشَّرِيدُ اَلطَّرِيدُ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨١) معجم رجال الحديث (ج ١٠/ ص ٢٧٩ و٢٨٠/ الرقم ٦٢٤٠).
دلالة الحديث:
يُخبِر الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، حين دخل
الكوفة، استذكر ما سيُصيبها من البلاء، خصوصاً تحت حكم بني أُميَّة ومَنْ جاء
بعدهم، محذِّراً من الفتن التي ستعصف بالأُمَّة. وأوصى عند اشتداد المحن بقوله:
«فَالْزَمُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ»، أي اثبتوا في منازلكم وابتعدوا عن الفتن. ثمّ
يُبشِّر بظهور الطاهر بن الطاهر المطهَّر ذي الغيبة الشريد الطريد (عجَّل الله
فرجه)، الذي سيُغيب عن الأنظار، لكنَّه سيعود ليُقيم العدل.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٢ - عليُّ بن محمّد (عليُّ بن محمّد بن قتيبة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٣ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٤ - محمّد بن أبي عمير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٥ - الحسين بن أبي العلاء: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
رواية الأجلَّاء عنه، رواية ابن أبي عمير عنه، صاحب كُتُب ومصنَّفات، من رواة (كامل
الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٦ - أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥).
رواية: الحيرة والغيبة برواية
الإمام الباقر (عليه السلام):
الحديث (١٢٥): وَرَوَى أَبُو بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:
«فِي اَلْقَائِمِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ». قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «اَلحَيْرَةُ
وَاَلْغَيْبَةُ».
دلالة الحديث:
يُبيِّن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) شبهاً
بالنبيِّ يوسف (عليه السلام) في الحيرة والغيبة، فكما عاش أهل مصر وإخوة يوسف (عليه
السلام) في حيرةٍ من أمره وعدم معرفته رغم وجوده بينهم، سيعيش الناس في حيرة من
غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه).
وغيبة يوسف (عليه السلام) - مع كونه حاضراً ولم يتعرَّف عليه أهله إلَّا حين شاء
الله تعالى - تشابه غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، فهو موجود لكن لا يُدركه الناس
حتَّى يأذن الله تعالى بظهوره.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
أبو بصير: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤٥). الحديث مرسَل.
رواية: نقر في الناقور:
الحديث (١٢٦): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ عَبْدِ اَلله اِبْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلخَطَّابِ، عَنْ مُوسَى اِبْنِ سَعْدَانَ، عَنْ
عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْقَاسِمِ، عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ
أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) عَنْ تَفْسِيرِ جَابِرٍ. فَقَالَ: «لَا تُحَدِّثْ
بِهِ اَلسُّفْلَ [السفلة] فَيُذِيعُونَهُ، أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اَلله: ﴿فَإِذَا
نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدَّثِّر: ٨]، إِنَّ مِنَّا إِمَاماً
مُسْتَتِراً، فَإِذَا أَرَادَ اَللهُ إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ
نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ اَلله تَعَالَى».
دلالة الحديث:
يُشير الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
مستترٌ بأمرٍ إلهي، محذِّراً من إفشاء هذا العلم لمن لا يُدرك حقيقته، لئلَّا
يُؤدِّي إلى فتنة أو إذاعةٍ لما
يجب كتمانه. ثمّ يستشهد
بآية ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، للدلالة على
أنَّ ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) سيكون بأمر إلهي حتمي، كما هو النفخ في الصور
عند القيامة، وهو شبيه من نانحية الفجأة بالساعة حين تحين.
ويُوضِّح أنَّ الله تعالى يُلقي في قلب الإمام (عجَّل الله فرجه) أمر الظهور عندما
يحين وقته، ويُؤكِّد الحديث أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في ترقُّب دائم لأمر
الله تعالى، ولن يظهر إلَّا بإرادته الحكيمة.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٣٨٢).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٨٣).
٣ - رجال الكشِّي (رحمه الله) للشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(٣٨٤).
٤ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٣٨٥).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو المفضَّل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤).
٣ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٤ - أبوه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٢) الإمامة والتبصرة
(ص ١٢٣/ ح ١٢١).
(٣٨٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٣/ باب في الغيبة/ ح ٣٠).
(٣٨٤) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٤٣٧/ ح ٣٣٨).
(٣٨٥) الغيبة للنعماني (ص ١٩٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٠).
٥ - محمّد بن الحسين بن
أبي الخطَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٦ - موسى بن سعدان: طبقته في الحديث السادسة، وقد يكون من السابعة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، صاحب كتاب، رواية بعض الأجلَّاء عنه، من رواة (تفسير
القمِّي)، من رواة (كامل الزيارات)، ولكنَّ الشيخ النجاشي وابن الغضائري (رحمهما
الله) ذكرا ضعفه.
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (إنَّ توثيق عليِّ بن إبراهيم يعارضه تضعيف
النجاشي المؤيَّد بتضعيف ابن الغضائري إيَّاه، فيصبح الرجل مجهول الحال، فلا
يُعتَدُّ برواياته)(٣٨٦).
قد يقال: إنَّ التضعيف المعلَّل مع ذكر العلَّة - الغلوّ - لا يُعَدُّ تضعيفاً بنحو
مطلق.
٧ - عبد الله بن القاسم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
٨ - المفضَّل بن عمر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣٧).
رواية: من ظهري الحادي عشر من
ولدي:
الحديث (١٢٧): وَرَوَى عَبْدُ اَلله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْكُوفِيُّ،
عَنْ مُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَابُوسَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ اَلسِّنْدِيِّ، عَنْ
أَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُفْيَانَ اَلمُسْتَرِقِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ
مَيْمُونٍ، عَنْ مَالِكٍ اَلجُهَنِيِّ، عَنِ اَلحَارِثِ بْنِ اَلمُغِيرَةِ، عَنِ
اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ.
وَرَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ أَبِي
اَلخَطَّابِ، عَنِ اَلحَسَنِ اِبْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ
مَيْمُونٍ، عَنْ مَالِكٍ اَلجُهَنِيِّ، عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ:
أَتَيْتُ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَوَجَدْتُهُ يَنْكُتُ فِي
اَلْأَرْضِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٦) معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٥١/ الرقم ١٢٨٠٥).
اَلمُؤْمِنِينَ، مَا
لِي أَرَاكَ مُفَكِّراً تَنْكُتُ فِي اَلْأَرْضِ، أَرَغْبَةً مِنْكَ فِيهَا؟ قَالَ:
«لَا وَاَلله مَا رَغِبْتُ فِيهَا وَلَا فِي اَلدُّنْيَا قَطُّ، وَلَكِنِّي
تَفَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِ اَلحَادِي عَشَرَ مِنْ وُلْدِي هُوَ
اَلمَهْدِيُّ اَلَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً
وَجَوْراً، يَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ تَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَهْتَدِي
فِيهَا آخَرُونَ». قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، فَكَمْ تَكُونُ اَلحَيْرَةُ
وَاَلْغَيْبَةُ؟ قَالَ: «سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، أَوْ سِتُّ
سِنِينَ». فَقُلْتُ: وَإِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَكَائِنٌ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ كَمَا
أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّى لَكَ بِهَذَا اَلْأَمْرِ يَا أَصْبَغُ، أُولَئِكَ
خِيَارُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَعَ أَبْرَارِ هَذِهِ اَلْعِتْرَةِ». قَالَ: قُلْتُ:
ثُمَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «ثُمَّ يَفْعَلُ اَللهُ مَا يَشَاءُ،
فَإِنَّ لَهُ بَدَاءَاتٍ وَإِرَادَاتٍ وَغَايَاتٍ وَنِهَايَاتٍ».
دلالة الحديث:
يصف الأصبغ بن نباتة تفكُّر الإمام عليٍّ (عليه السلام) العميق في حال الدِّين
والناس، إذ يتأمَّل في مولود يكون من ظهره، وهو الحادي عشر من ولده، الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه)، الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أنْ مُلِئَت ظلماً وجوراً. لكنَّه
يُشير إلى أنَّ لهذا الإمام غيبةً وحيرةً، ستُؤدِّي إلى انقسام الناس بين مَنْ
يضلُّ لإنكاره وجوده، ومَنْ يثبت على الإيمان به.
وعند سؤال الأصبغ عن مدَّة الحيرة والغيبة(٣٨٧)، يُجيب الإمام (عليه السلام)
بأنَّها قد تكون ستَّة أيَّام، أو ستَّة أشهر، أو ستّ سنوات، ممَّا قد يُشير - بنحو
الكناية - إلى مراحل مختلفة من الغيبة أو اختلاف إدراك الناس لها.
ويُؤكِّد الإمام (عليه السلام) أنَّ هذا الأمر حتمي كخلق الإنسان، لكنَّه يُوضِّح
أنَّ الثبات عليه سيكون خاصًّا بخيار الأُمَّة وأبرار العترة الطاهرة.
يشرح العلَّامة المجلسي (رحمه الله): أنَّ نكت الإمام في الأرض فعلُ المفكِّر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٧) وقد يكون المقصود من الغيبة بمعنى الحيرة التي سيقع فيها الناس بسبب الغيبة وهي تختلف بحسب اختلاف الأشخاص.
المهموم، وليس رغبة في
الحكم، بل تأمُّلٌ في أمر عظيم. كما يُوضِّح أنَّ عبارة «مِنْ ظَهْرِ اَلحَادِي
عَشَرَ» تعني أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر، وهو الحادي عشر
من نسل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ممَّا يُؤكِّد التسلسل الإلهي للإمامة.
أمَّا الحيرة، فيُشير المجلسي (رحمه الله) إلى أنَّها إمَّا التحيُّر في تنقُّلاته
(عجَّل الله فرجه) أثناء الغيبة، أو تحيُّر الناس في أمره، حيث سيتراجع بعضهم عن
الاعتقاد بإمامته، بينما يثبت آخرون(٣٨٨).
كما يُؤكِّد الحديث أنَّ ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خاضع لإرادة الله
تعالى وحكمته، وفق ما تقتضيه المصلحة الكبرى للأُمَّة، ممَّا يعني أنَّ زمن الغيبة
والظهور مرتبط بالبداء الإلهي ومشيئته المطلقة.
دعوى بعض أهل الضلال وردُّها:
وفيما يتعلَّق بدعوى بعض الضالِّين الذين يحاولون تأويل الرواية لإثبات ولد مزعوم
للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من جهة أنَّ الذي فكَّر فيه أمير المؤمنين (عليه
السلام) هو الذي يكون من ظهر الحادي عشر أي من ظهر الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه)،
وإنَّ هذا مردود بعدَّة وجوه، وأهمّها ما يتعلَّق بصحَّة النُّسَخ. الأصل عند
اختلاف النُّسَخ هو الأخذ بالنصِّ الذي يشتمل على الزيادة لا النقصان، لأنَّ احتمال
سقوط الحرف أثناء النسخ أكثر وروداً من احتماليَّة زيادته بلا موجب، ممَّا يجعل
رواية «مِنْ ظَهْرِي» هي الأصحّ. وبناءً على هذه الرواية، يكون المقصود بالمولود من
ظهر أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الحادي عشر من ولده، وهو الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه)، وهو ما تُؤكِّده القرينة المتَّصلة في الحديث، حيث يقول: «هُوَ
اَلمَهْدِيُّ»، ممَّا لا يترك مجالاً للشكِّ في أنَّ تفكُّر الإمام عليٍّ (عليه
السلام) كان منصبًّا على الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) الذي يُحقِّق الوعد
الإلهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٨) راجع: مرآة العقول (ج ٤/ شرح ص ٤٢ و٤٣).
أمَّا على رواية «مِنْ
ظَهْرِ»، فالمعنى لا يختلف، لأنَّ المولود المشار إليه هو من نسل الإمام الحادي
عشر، أي الحسن العسكري (عليه السلام)، وهو ولده الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
بدليل أنَّ مَنْ يملأ الأرض عدلاً هو خصوص المهدي (عجَّل الله فرجه). وبذلك، فإنَّ
هذه الرواية لا تحتمل أيَّ تأويل مخالف، إذ لا يمكن أنْ يكون المقصود بها غيره. كما
أنَّ الحديث يتناول الحيرة والغيبة، وهما من خصائص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
وحده، ممَّا يقطع الطريق على أيِّ تفسير منحرف.
أمَّا رواية «مِنْ ظَهْرِ اَلْحَادِي عَشَرَ» الواردة في (دلائل الإمامة)(٣٨٩)، فهي
أوضح نصًّا، إذ تُصرِّح بأنَّ الحادي عشر هو الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)،
والمولود من ظهره هو المهدي (عجَّل الله فرجه)، ممَّا ينسجم تماماً مع الروايات
المحكمة التي تُثبِت أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّ الثاني عشر هو الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).
وبالتالي، لا مجال للتمسُّك بهذه الرواية لتأييد أيِّ تأويلات باطلة، خصوصاً مع
وجود مئات الروايات الصريحة التي تحسم أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو
الثاني عشر، وليس غيره.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٣٩٠).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٣٩١).
٣ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٣٩٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨٩) دلائل الإمامة (ص
٥٢٩ و٥٣٠/ ح ٥٠٤/١٠٨)، جاء فيه: «... وَلَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ
مِنْ ظَهْرِ اَلْحَادِي عَشَرَ، هُوَ اَلمَهْدِيُّ...».
(٣٩٠) الإمام والتبصرة (ص ١٢٠ و١٢١/ ح ١١٥).
(٣٩١) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧).
(٣٩٢) إثبات الوصيَّة (ص ٢٧٠).
٤ - الغيبة للشيخ
النعماني (رحمه الله)(٣٩٣).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه) إلى عبد الله بن محمّد بن خالد الكوفي - من رجال
الثامنة -: ولم يذكر الشيخ (قدّس سرّه) طريقه إليه لا في (الفهرست) ولا في
(المشيخة)، فمن هذه الجهة - مع عدم إمكان التعويض - تكون الرواية مرسَلة.
٢ - عبد الله بن محمّد بن خالد الكوفي: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، ووصفه بأنَّه (سليم
الجنبة)(٣٩٤)، ما نقله الشيخ الكشِّي (رحمه الله) عن محمّد بن مسعود وقوله في حقِّ
(عبد الله بن محمّد بن خالد الطيالسي): (ما علمته إلَّا خيِّراً، ثقةً)(٣٩٥)، من
رواة (تفسير القمِّي)، ومن رواة (كامل الزيارات).
٣ - منذر بن محمّد بن قابوس: كذا في (الكافي) و(الكمال) و(دلائل الإمامة) و(إثبات
الوصيَّة) وظاهر (الاختصاص)، ولكن في الأصل: منذر بن محمّد عن قابوس، وفي (غيبة
النعماني): نصر بن محمّد بن قابوس.
ولم نجد للقابوس في هذه الطبقة ذكراً في كُتُب الرجال، فلعلَّ ما في الأصل سهواً،
وكذا لم نجد بعنوان نصر بن محمّد بن قابوس، نعم نصر بن قابوس ونصر بن محمّد مذكوران
في كُتُب الرجال.
فإنْ كان اسم الراوي (منذر بن محمّد بن قابوس): فهو الذي وثَّقه الشيخ النجاشي
(رحمه الله)، وهو أيضاً من بيت جليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩٣) الغيبة للنعماني
(ص ٦٨ و٦٩/ باب ٤/ ح ٤).
(٣٩٤) رجال النجاشي (ص ٢١٩/ الرقم ٥٧٢).
(٣٩٥) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٨١٢/ ح ١٠١٤).
وإنْ كانا عبارة عن
راويين (منذر بن محمّد، عن قابوس) لاحتمال وجود تصحيف، فبدلاً أنْ يُكتَب (بن)
كُتِبَ (عن)، فترجمة (منذر بن محمد): مجهول.
وإنْ كان (قابوس): فهو مهمل.
وإنْ كان اسم الراوي (نصر بن محمّد بن قابوس): فمهمل.
٤ - نصر بن السندي: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (كذا في الاختصاص وإثبات
الوصيَّة، وفي الكافي والنعماني: منصور بن السندي، وفي دلائل الإمامة: نضر بن
السندي، وفي الكمال: النصر بن أبي السري، وعلى كلِّ حال لم نجد له ترجمة في كُتُب
الرجال)، أي مهمل.
٥ - أبو داود سليمان بن سفيان المسترقُّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٠).
٦ - ثعلبة بن ميمون: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (كذا في الكافي والنعماني
والاختصاص والكمال ودلائل الإمامة. وفي نسخ الأصل وإثبات الوصيَّة: داود بن ثعلبة
بن ميمون، ولم نجد له ذكراً في كُتُب الرجال، فالظاهر أنَّه سهو).
فإنْ كان اسمه (ثعلبة بن ميمون): طبقته في الحديث السادسة، قال الشيخ النجاشي (رحمه
الله): (ثعلبة بن ميمون... كان وجهاً في أصحابنا، قارئاً، فقيهاً، نحويًّا،
لغويًّا، راويةً، وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن أبي عبد الله وأبي
الحسن (عليهما السلام)، له كتاب تختلف الرواة عنه)(٣٩٦)، روى عن سليمان بن هارون
العجلي، وروى عنه الحسن بن عليِّ بن فضَّال، وهو من رواة (كامل الزيارات)، وقال
الكشِّي (رحمه الله): (ثعلبة بن ميمون: ... وهو ثقة، خيِّر، فاضل، مقدَّم، معلوم في
العلماء والفقهاء الأجلَّة، من هذه العصابة)(٣٩٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩٦) رجال النجاشي (ص
١١٧ و١١٨/ الرقم ٣٠٢).
(٣٩٧) رجال الكشِّي (ج ٢/ ٧١١/ ح ٧٧٦).
وإنْ كان اسمه (داود بن
ثعلبة): فمهمل.
٧ - مالك الجهني: ورد في الهامش النسخة المعتمدة: (هكذا في جميع المصادر، وفي نسخة
الأصل: أبي مالك الجهني، والظاهر أنَّه سهو بقرينة طبقة الرواة).
فإنْ كان اسمه (مالك الجهني): طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه، منها: من رواة
(كامل الزيارات).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (المتخلَّص ممَّا ذكرنا، أنَّ مالك بن أعين الجهني
لا ينبغي الشكُّ في كونه شيعيًّا، إماميًّا، حسن العقيدة، ومع ذلك لا يُحكم بوثاقته
لعدم الشهادة على ذلك)(٣٩٨).
وإنْ كان اسمه (أبا مالك الجهني): فوجه توثيقه كالآتي: فهو ممَّن روى عنه ابن أبي
عمير، صاحب كتاب.
٨ - الحارث بن المغيرة: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق
الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب، من رواة (كامل الزيارات).
وقال الشيخ الكشِّي (رحمه الله): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُولَوَيْهِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى،
عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْحَجَّالِ، عَنْ يُونُسَ اِبْنِ يَعْقُوبَ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَقَالَ: «أَمَا لَكُمْ
مِنْ مَفْزَعٍ؟ أَمَا لَكُمْ مِنْ مُسْتَرَاحٍ تَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِ؟ مَا
يَمْنَعُكُمْ مِنَ اَلْحَارِثِ بْنِ اَلمُغِيرَةِ اَلنَّصْرِيِّ؟»(٣٩٩). وهذه
الرواية المعتبرة تدلُّ على عظمة الرجل، ورفعة شأنه، وعلوِّ قدره.
٩ - الأصبغ بن نباتة: طبقته في الحديث الثانية والثالثة، ويُعَدُّ من شيوخ الرابعة،
وهو من المتقدِّمين، من سلفنا الصالحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩٨) معجم رجال الحديث
(ج ١٥/ ص ١٦٤/ الرقم ٩٨١٦).
(٣٩٩) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٦٢٨/ ح ٦٢٠).
ذكره النجاشي (رحمه
الله)، وقال: (الأصبغ بن نباتة المجاشعي، كان من خاصَّة أمير المؤمنين (عليه
السلام)، وعمَّر بعده، روى عنه عهد الأشتر ووصيَّته إلى محمّد ابنه)(٤٠٠).
وقال الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): (الأصبغ بن نباتة (رحمه الله)، كان الأصبغ من
خاصَّة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعمَّر بعده، روى عهد مالك الأشتر، الذي عهده
إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) لـمَّا ولَّاه مصر)(٤٠١).
وعدَّه البرقي (رحمه الله) في أصحاب الإمام عليٍّ (عليه السلام) من اليمن، ومع
توصيفه بالتميمي الحنظلي من خواصِّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)(٤٠٢). من
رواة (كامل الزيارات)، ومن رواة (تفسير القمِّي).
رجال السند الثاني:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه)(٤٠٣) إلى سعد بن عبد الله (رحمه الله):
أ - في الفهرست (طريقان):
قال (قدّس سرّه) في (الفهرست): (سعد بن عبد الله القمِّي، يُكنَّى أبا القاسم، جليل
القدر، واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة. فمن كُتُبه: كتاب الرحمة، وهو يشتمل على
كُتُب... وله فهرست كُتُب ما رواه.
أخبرنا بجميع كُتُبه ورواياته: عدَّة من أصحابنا، عن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن
بابويه، عن أبيه ومحمّد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن رجاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠٠) رجال النجاشي (ص
٨/ الرقم ٥).
(٤٠١) الفهرست (ص ٨٥/ الرقم ١١٩/١).
(٤٠٢) رجال البرقي (ص ٥ و٦).
(٤٠٣) تقدَّم في الجزء الأوَّل أنَّنا وعدنا بذكر الطُّرُق الواقعة بين الشيخ (قدّس
سرّه) وبين غيره من أصحاب الكُتُب والمصنَّفات.
قال ابن بابويه: إلَّا
كتاب (المنتخبات) فإنِّي لم أروها عن محمّد بن الحسن إلَّا أجزاء قرأتها عليه،
وأعلمت على الأحاديث التي رواها محمّد بن موسى الهمداني، وقد رويت عنه كلَّ ما في
كتاب (المنتخبات) ممَّا أعرف طريقه من الرجال الثقات.
وأخبرنا الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيد، عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن أبيه، عن
سعد بن عبد الله)(٤٠٤).
والطريق الأوَّل: صحيح لوثاقة الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) ووالده ومحمّد بن الحسن.
ب - في المشيخة (طريقان):
قال (قدّس سرّه): (وما ذكرته في هذا الكتاب عن سعد بن عبد الله فقد أخبرني به الشيخ
أبو عبد الله، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد
الله.
وأخبرني به أيضاً الشيخ (رحمه الله)، عن أبي جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين، عن
أبيه، عن سعد بن عبد الله)(٤٠٥).
الطريقان صحيحان.
٢ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - محمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٤ - الحسن بن عليِّ بن فضَّال: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٤).
٥ - ثعلبة بن ميمون: تقدَّمت ترجمته في الطريق الأوَّل من الحديث (١٢٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠٤) الفهرست (ص ١٣٥
و١٣٦/ الرقم ٣١٦/١).
(٤٠٥) تهذيب الأحكام (ج ١٠/ شرح مشيخة تهذيب الأحكام ص ٧٣ و٧٤).
٦ - مالك الجهني:
تقدَّمت ترجمته في الطريق الأوَّل من الحديث (١٢٧).
٧ - الأصبغ بن نباتة: تقدَّمت ترجمته في الطريق الأوَّل من الحديث (١٢٧).
رواية: «لو علم آباؤكم وأجدادكم
ديناً أصحّ من هذا الدِّين لاتَّبعوه»:
الحديث (١٢٨): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلحَسَنِ
بْنِ عِيسَى اَلْعَلَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ
جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قَالَ لِي:
«يَا بَنيَّ، إِذَا فُقِدَ اَلخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ
فَاللهَ اَللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ
مِنْ غَيْبَةٍ يَغِيبُهَا حتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ
بِهِ. يَا بَنيَّ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اَلله اِمْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ،
لَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وَأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا اَلدِّينِ
لَاتَّبَعُوهُ». قَالَ أَبُو اَلحَسَنِ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، مَنِ
اَلخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ؟ قَالَ: «يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ تَصْغُرُ
عَنْ هَذَا، وَأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَعِيشُوا
تُدْرِكُوهُ».
دلالة الحديث:
يُؤكِّد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أنَّ الخامس من ولد السابع من الأئمَّة
هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حيث إنَّ السابع هو الإمام الكاظم (عليه
السلام)، والخامس من ذرّيَّته هو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، ممَّا
يُثبِت إمامته وغيبته. ويُحذِّر من أنَّ غيبة الإمام ستكون امتحاناً عظيماً، إذ
سيرتدُّ بعض المؤمنين، ممَّا يُبرز دورها في تمييز المخلصين عن غيرهم.
يُشير المولى المازندراني (رحمه الله) إلى أنَّ عبارة «فَاللهَ اَللهَ فِي
أَدْيَانِكُمْ» تعني التأكيد على وجوب الثبات على العقيدة وعدم الانجرار خلف
الشُّبُهات أثناء الغيبة، مشيراً إلى أنَّ الدِّين الحقَّ لا يوجد أصحّ منه. كما
يُوضِّح أنَّ الاختبار الإلهي
يتجلَّى في الغيبة،
ليكشف تعالى الثابتين على الإيمان من المتزلزلين، مستدلّاً بآيات القرآن التي
تُؤكِّد أنَّ الابتلاء سُنَّة إلهيَّة.
أمَّا قوله: «عُقُولُكُمْ تَصْغُرُ عَنْ هَذَا، وَأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ
حَمْلِهِ»، فيُفسِّره المولى المازندراني (رحمه الله) بأنَّ غيبة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) فوق إدراك العقول البشريَّة العاديَّة. ويرى (رحمه الله) أنَّ
عبارة «وَلَكِنْ إِنْ تَعِيشُوا تُدْرِكُوهُ» قد تعني إدراك زمانه، أو معرفته قبل
الغيبة الكبرى، أو إدراكه عند الرجعة(٤٠٦).
وفي ما قاله (رحمه الله) تأمُّل من جهة أنْ يكون ذلك في الرجعة بعيد، وكذا حصر
المعرفة بالصغرى دون الكبرى محلُّ نظر.
وبهذا، يُرسِّخ الحديث أنَّ الغيبة جزء من المخطَّط الإلهي المحكم، وأنَّ الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الحقيقة المحتومة التي يُدركها المؤمنون بمرور الزمن.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٤٠٧).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٤٠٨).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٤٠٩).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه) إلى سعد بن عبد الله (رحمه الله) تقدَّم في الحديث
(١٢٧).
٢ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠٦) راجع: شرح أُصول
الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٥٠ و٢٥١).
(٤٠٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢).
(٤٠٨) الغيبة للنعماني (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١١).
(٤٠٩) كمال الدِّين (ص ٣٥٩ و٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ١).
٣ - أبو محمّد الحسن بن
عيسى العلوي: مهمل.
٤ - عيسى بن محمّد: مهمل.
٥ - محمّد بن عليِّ بن جعفر: مهمل.
٦ - عليُّ بن جعفر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٤).
* * *
رواية: تفجُّع الإمام الصادق
(عليه السلام):
الحديث (١٢٩): أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ مُحَمَّدِ
بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ عُبَيْدِ اَلله بْنِ اَلمُطَّلِبِ (رحمه
الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ
اَلشَّيْبَانِيُّ اَلرُّهْنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلحَارِثِ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ اَلمَنْصُورِ اَلجَوَاشِنِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
عَلِيٍّ اَلْبُدَيْليُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَدِيرٍ اَلصَّيْرَفِيِّ،
قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَاَلمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَدَاوُدُ بْنُ كَثِيرٍ
اَلرَّقِّيُّ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا
اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى اَلتُّرَابِ، وَعَلَيْهِ
مِسْحٌ(٤١١) خَيْبَرِيٌّ مِطْرَفٌ [مطوَّق] بِلَا جَيْبٍ مُقَصَّرُ اَلْكُمَّيْنِ،
وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ اَلْوَالِهَةِ اَلثَّكْلَى ذَاتِ اَلْكَبِدِ اَلحَرَّى،
قَدْ نَالَ اَلحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ وَشَاعَ اَلتَّغَيُّرُ فِي عَارِضَيْهِ
وَأَبْلَى اَلدَّمْعُ مَحْجِرَيْهِ(٤١٢)، وَهُوَ يَقُولُ: «[سَيِّدِي] غَيْبَتُكَ
نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ
فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مَصَائِبِي [مصابي] بِفَجَائِعِ
اَلْأَبَدِ، وَفَقْدَ اَلْوَاحِدِ بَعْدَ اَلْوَاحِدِ بِفَنَاءِ اَلجَمْعِ
وَاَلْعَدَدِ، فَمَا أُحِسُّ بِدَمْعَةٍ تَرْقَأُ مِنْ عَيْنِي، وَأَنِينٍ يُفْشَا
مِنْ صَدْرِي».
قَالَ سَدِيرٌ: فَاسْتَطَارَتْ عُقُولُنَا وَلَهاً، وَتَصَدَّعَتْ قُلُوبُنَا
جَزَعاً مِنْ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١٠) شهر رمضان
المبارك (١٤٤٦هـ).
(٤١١) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٥٩٦/ مادَّة مسح): (المِسح - بكسر الميم -: الكساء من
الشعر).
(٤١٢) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (ج ٢/ ص ٥): (المحجر كمجلس ومنبر:
الحديقة، ومن العين ما دار بها وبدا من البرقع أو ما يظهر من نقابها، وعمامته إذا
اعتمَّ، وما حول القرية).
اَلخَطْبِ اَلهَائِلِ وَاَلحَادِثِ اَلْغَائِلِ(٤١٣)، فَظَنَنَّا أَنَّهُ
سَمَتَ(٤١٤) لِمَكْرُوهَةٍ قَارِعَةً، أَوْ حَلَّتْ بِهِ مِنَ اَلدَّهْرِ
بَائِقَةٌ، فَقُلْنَا: لَا أَبْكَى اَللهُ عَيْنَيْكَ يَا اِبْنَ خَيْرِ اَلْوَرَى،
مِنْ أَيَّةِ حَادِثَةٍ تَسْتَذْرِفُ(٤١٥) دَمْعَتَكَ، وَتَسْتَمْطِرُ عَبْرَتَكَ؟
وَأَيَّةُ حَالَةٍ حَتَمَتْ عَلَيْكَ هَذَا اَلمَأْتَمَ؟
قَالَ: فَزَفَرَ(٤١٦) اَلصَّادِقُ (عليه السلام) زَفْرَةً اِنْتَفَخَ مِنْهَا
جَوْفُهُ، وَاِشْتَدَّ مِنْهَا خَوْفُهُ، فَقَالَ: «وَيْكَمُ إِنِّي نَظَرْتُ
صَبِيحَةَ هَذَا اَلْيَوْمِ فِي كِتَابِ اَلجَفْرِ اَلمُشْتَمِلِ عَلَى عِلْمِ
اَلْبَلَايَا وَاَلمَنَايَا وَعِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ
اَلْقِيَامَةِ اَلَّذِي خَصَّ اَللهُ تَقَدَّسَ اِسْمُهُ بِهِ مُحَمَّداً
وَاَلْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ (عليهم السلام)، وَتَأَمَّلْتُ فِيهِ مَوْلِدَ
قَائِمِنَا (عليه السلام) وَغَيْبَتَهُ وَإِبْطَاءَهُ وَطُولَ عُمُرِهِ وَبَلْوَى
اَلمُؤْمِنِينَ [مِنْ] بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ، وَتَوَلُّدَ اَلشُّكُوكِ
فِي قُلُوبِ اَلشِّيعَةِ مِنْ طُولِ غَيْبَتِهِ، وَاِرْتِدَادِ أَكْثَرِهِمْ عَنْ
دِينِهِ، وَخَلْعِهِمْ رِبْقَةَ اَلْإِسْلَامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمُ اَلَّتِي قَالَ
اَللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، يَعْنِي اَلْوَلَايَةَ،
فَأَخَذَتْنِي اَلرِّقَّةُ، وَاِسْتَوْلَتْ عَلَيَّ اَلْأَحْزَانُ».
فَقُلْنَا: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، كَرِّمْنَا وَفَضِّلْنَا بِإِشْرَاكِكَ
إِيَّانَا فِي بَعْضِ مَا أَنْتَ تَعْلَمُهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ.
قَالَ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَدَارَ فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً
أَدَارَهَا لِثَلَاثَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ
مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه
السلام)، وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام)، وَجَعَلَ
[حصل] لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ - أَعْنِي اَلخَضِرَ
(عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ».
فَقُلْنَا: اِكْشِفْ لَنَا يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) عَنْ
وُجُوهِ هَذِهِ اَلمَعَانِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١٣) في لسان العرب (ج
١١/ ص ٥٠٧/ مادَّة غول): (الغوائل: الدواهي).
(٤١٤) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٤٦/ مادَّة سمت): (سمت لهم يسمت سمتاً: إذا هيَّأ لهم
وجه العمل ووجه الكلام والرأي).
(٤١٥) في كمال الدِّين: (تستنزف)، وهو بمعنى استخراج الدم كلِّه.
(٤١٦) في لسان العرب (ج ٤/ ص ٣٢٤/ مادَّة زفر): (الزفرة: التنفُّس).
قَالَ: «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى (عليه السلام)، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ
عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ، أَمَرَ بِإِحْضَارِ اَلْكَهَنَةِ،
فَدَلُّوا عَلَى نَسَبِهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ
يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ اَلحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي
إِسْرَائِيلَ حتَّى قُتِلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ مَوْلُودٍ،
وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ اَلْوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) بِحِفْظِ
اَلله تَعَالَى إِيَّاهُ. كَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو اَلْعَبَّاسِ لَـمَّا
أَنْ وَقَفُوا عَلَى أَنَّ [بِهِ] زَوَالَ مَمْلَكَةِ اَلْأُمَرَاءِ
وَاَلجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدَيِ اَلْقَائِمِ مِنَّا، نَاصَبُونَا
لِلْعَدَاوَةِ، وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اَلله
(صلَّى الله عليه وآله) وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ، طَمَعاً مِنْهُمْ فِي اَلْوُصُولِ
إِلَى قَتْلِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَأَبَى اَللهُ أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ
لِوَاحِدٍ مِنَ اَلظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
اَلمُشْرِكُونَ.
وَأَمَّا غَيْبَةُ عِيسَى (عليه السلام) فَإِنَّ اَلْيَهُودَ وَاَلنَّصَارَى
اِتَّفَقَتْ [اتَّفقوا] عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ، فَكَذَّبَهُمُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)
بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ
شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. كَذَلِكَ غَيْبَةُ اَلْقَائِمِ فَإِنَّ
اَلْأُمَّةَ سَتُنْكِرُهَا لِطُولِهَا، فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ
يُولَدْ، وَقَائِلٍ يَفْتَرِي بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ وُلِدَ وَمَاتَ، وَقَائِلٍ
يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ حَادِيَ عَشَرَنَا كَانَ عَقِيماً، وَقَائِلٍ يَمْرُقُ
بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَالِثَ عَشَرَ فَصَاعِداً، وَقَائِلٍ
يَعْصِي اَللهَ بِدَعْوَاهُ أَنَّ رُوحَ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) يَنْطِقُ فِي
هَيْكَلِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ (عليه السلام) فَإِنَّهُ لَـمَّا اِسْتَنْزَلَ
اَلْعُقُوبَةَ مِنَ اَلسَّمَاءِ بَعَثَ اَللهُ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام)
مَعَهُ سَبْعُ [تسع] نَوَيَاتٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اَلله، إِنَّ اَللهَ (جَلَّ
اِسْمُهُ) يَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي لَسْتُ أُبِيدُهُمْ
بِصَاعِقَةٍ مِنْ صَوَاعِقِي إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ اَلدَّعْوَةِ وَإِلْزَامِ
اَلحُجَّةِ، فَعَاوِدِ اِجْتِهَادَكَ فِي اَلدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ فَإِنِّي
مُثِيبُكَ عَلَيْهِ، وَاِغْرِسْ هَذَا اَلنَّوَى فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا
وَبُلُوغِهَا وَإِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتْ اَلْفَرَجَ وَاَلخَلَاصَ، وَبَشِّرْ
بِذَلِكَ مَنْ تَبِعَكَ مِنَ اَلمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا نَبَتَتِ اَلْأَشْجَارُ
وَتَأَزَّرَتْ وَتَسَوَّقَتْ وَأَغْصَنَتْ وَزَهَا اَلثَّمَرُ عَلَيْهَا بَعْدَ
زَمَانٍ طَوِيلٍ اُسْتُنْجِزَ مِنَ اَلله اَلْعِدَةُ، فَأَمَرَهُ اَللهُ تَعَالَى
أَنْ يَغْرِسَ مِنْ نَوَى تِلْكَ اَلْأَشْجَارِ، وَيُعَاوِدَ اَلصَّبْرَ
وَاَلْاِجْتِهَادَ، وَيُؤَكِّدَ اَلحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَ
بِذَلِكَ اَلطَّوَائِفَ اَلَّتِي آمَنَتْ بِهِ، فَارْتَدَّ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ
رَجُلٍ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوحٌ حَقًّا لَـمَا وَقَعَ فِي
عِدَتِهِ خُلْفٌ. ثُمَّ إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ
إِدْرَاكِهَا كُلَّ مَرَّةٍ أَنْ يَغْرِسَ [بأنْ يغرسها] تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى
إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَمَا زَالَتْ تِلْكَ اَلطَّوَائِفُ مِنَ
اَلمُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ إِلَى أَنْ عَادُوا
إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً، فَأَوْحَى اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عِنْدَ ذَلِكَ
إِلَيْهِ، وَقَالَ: اَلْآنَ أَسْفَرَ اَلصُّبْحُ عَنِ اَللَّيْلِ لِعَيْنِكَ
[لغيبتك] حِينَ صَرَحَ اَلحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَصَفَا اَلْأَمْرُ لِلْإِيمَانِ
مِنَ اَلْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً، فَلَوْ
أَنِّي أَهْلَكْتُ اَلْكُفَّارَ وَأَبْقَيْتُ مَنِ اِرْتَدَّ مِنَ اَلطَّوَائِفِ
اَلَّتِي كَانَتْ آمَنَتْ بِكَ لَـمَا كُنْتُ صَدَّقْتُ وَعْدِيَ اَلسَّابِقَ
لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ أَخْلَصُوا لِيَ اَلتَّوْحِيدَ مِنْ قَوْمِكَ
وَاِعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ، بِأَنْ أَسْتَخْلِفَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ،
وَأُمَكِّنَ لَـهُمْ دِينَهُمْ، وَأُبَدِّلَ خَوْفَهُمْ بِالْأَمْنِ، لِكَيْ [لكن]
تَخْلُصَ اَلْعِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ اَلشَّكِّ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَكَيْفَ
يَكُونُ اَلْاِسْتِخْلَافُ وَاَلتَّمْكِينُ وَبَدَلُ اَلخَوْفِ بِالْأَمْنِ مِنِّي
لَـهُمْ، مَعَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِ اَلَّذِينَ اِرْتَدُّوا
وَخُبْثِ طِينَتِهِمْ وَسُوءِ سَرَائِرِهِمُ اَلَّتِي كَانَتْ نَتَائِجَ
اَلنِّفَاقِ وَسُنُوخِ اَلضَّلَالَةِ؟ فَلَوْ أَنَّهُمْ تَنَسَّمُوا مِنَ اَلمُلْكِ
اَلَّذِي أُوتِيَ اَلمُؤْمِنُونَ وَقْتَ اَلْاِسْتِخْلَافِ إِذَا هَلَكَتْ
أَعْدَاؤُهُمْ [لَنَشَقُوا] رَوَائِحَ صِفَاتِهِ [صفائه]، وَلَاسْتَحْكَمَ
(سَرَائِرُ) نِفَاقِهِمْ، وَتَأَبَّدَ خَبَالُ ضَلَالَةِ قُلُوبِهِمْ،
وَلَكَاشَفُوا إِخْوَانَهُمْ بِالْعَدَاوَةِ، وَحَارَبُوهُمْ عَلَى طَلَبِ
اَلرِّئَاسَةِ، وَاَلتَّفَرُّدِ بِالْأَمْرِ وَاَلنَّهْيِ عَلَيْهِمْ، وَكَيْفَ
يَكُونُ اَلتَّمْكِينُ فِي اَلدِّينِ وَاِنْتِشَارُ اَلْأَمْرِ فِي اَلمُؤْمِنِينَ
مَعَ إِثَارَةِ اَلْفِتَنِ وَإِيقَاعِ اَلحُرُوبِ؟ كَلَّا، فَـ ﴿اصْنَعِ
الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]»، قَالَ اَلصَّادِقُ (عليه
السلام): «وَكَذَلِكَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) فَإِنَّهُ تَمْتَدُّ غَيْبَتُهُ
لِيَصْرَحَ اَلحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَيَصْفُوَ اَلْإِيمَانُ مِنَ اَلْكَدَرِ
بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً مِنَ اَلشِّيعَةِ اَلَّذِينَ
يُخْشَى عَلَيْهِمُ اَلنِّفَاقُ إِذَا أَحَسُّوا بِالْاِسْتِخْلَافِ
وَاَلتَّمْكِينِ وَاَلْأَمْنِ اَلمُنْتَشِرِ فِي عَهْدِ اَلْقَائِمِ (عليه
السلام)».
قَالَ اَلمُفَضَّلُ: فَقُلْتُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، فَإِنَّ اَلنَّوَاصِبَ
تَزْعُمُ [أَنَّ] هَذِهِ اَلْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
فَقَالَ: «لَا هَدَى اَللهُ قُلُوبَ اَلنَّاصِبَةِ، مَتَى كَانَ اَلدِّينُ اَلَّذِي
اِرْتَضَاهُ [اَللهُ وَرَسُولُهُ] مُتَمَكِّناً بِانْتِشَارِ اَلْأَمْنِ فِي
اَلْأُمَّةِ، وَذَهَابِ اَلخَوْفِ مِنْ قُلُوبِهَا، وَاِرْتِفَاعِ اَلشَّكِّ مِنْ
صُدُورِهَا فِي عَهْدِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ فِي عَهْدِ عَلِيٍّ (عليه
السلام)، مَعَ اِرْتِدَادِ اَلمُسْلِمِينَ وَاَلْفِتَنِ اَلَّتِي كَانَتْ تَثُورُ
فِي أَيَّامِهِمْ، وَاَلحُرُوبِ وَاَلْفِتَنِ اَلَّتِي كَانَتْ تَشُبُّ بَيْنَ
[مِنَ] اَلْكُفَّارِ وَبَيْنَهُمْ؟»، ثُمَّ تَلَا اَلصَّادِقُ (عليه السلام) هَذِهِ
اَلْآيَةَ مَثَلاً لِإِبْطَاءِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام): «﴿حَتَّى
إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ
نَصْرُنَا...﴾ اَلْآيَةَ [يوسف: ١١٠].
وَأَمَّا اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ - أَعْنِي اَلخَضِرَ (عليه السلام) - فَإِنَّ
اَللهَ تَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَرَّرَهَا [قَدَّرَهَا] لَهُ،
وَلَا لِكِتَابٍ نَزَّلَ [يَنْزِلُ] عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسِخُ بِهَا
شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام)، وَلَا
لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ اَلْاِقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةٍ
يَفْرِضُهَا، بَلَى إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لَـمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ
يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا
يُقَدِّرُهُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ
اَلْعُمُرِ فِي اَلطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ مِنْ غَيْرِ
سَبَبٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ اَلْاِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ
اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ اَلمُعَانِدِينَ، ﴿لِئَلَّا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]».
دلالة الحديث:
المشهد الذي يرويه سدير الصيرفي عن الإمام الصادق (عليه السلام) يعكس صورة
استثنائيَّة من الحزن العميق، حيث وَجَدَ الإمام (عليه السلام) جالساً على التراب،
يبكي كالأُمِّ الثكلى التي فقدت وحيدها، حتَّى تغيَّرت ملامحه من شدَّة البكاء. هذا
المشهد يتجاوز العاطفة ليحمل دلالة عقائديَّة كبيرة وعظيمة، لأنَّه يُعبِّر عن
فاجعة غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وآثارها على نظام الإمامة والأُمَّة.
يخاطب الإمام الصادق (عليه السلام) الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بلقب (سيِّدي)،
في إشارة إلى مكانته الخاصَّة
بين الأئمَّة (عليهم السلام)، مؤكِّداً أنَّ الغيبة ليست مجرَّد احتجاب، بل هي محنة
للأُمَّة، تزلزل القلوب وتختبر الصبر، ويصف الإمام (عليه السلام) أثر الغيبة
بأنَّها (وصلت مصائبه بفجائع الأبد)، ممَّا يعكس ارتباطها بسلسلة المآسي التي مرَّت
بها الأُمَّة منذ وفاة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
هذا الخبر يكشف أيضاً عن طبيعة الابتلاء الإلهي، وأنَّه عمليَّة غربلة إلهيَّة
لتصفية الناس، بحيث لا يبقى في زمن الظهور إلَّا مَنْ بلغ الإيمان حدَّ اليقين.
وهذا يتطابق مع حالة التمييز التي تعرَّض لها أتباع النبيِّ نوح (عليه السلام)،
حينما طُلِبَ منه غرس النوى سبع مرَّات، فارتدَّ أكثر أتباعه، ولم يبقَ معه إلَّا
الصفوة الصالحة. وهكذا الغيبة.
يربط الإمام الصادق (عليه السلام) غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بسُنَن
الأنبياء (عليهم السلام) السابقين، فيُؤكِّد أنَّ فيها:
أ - شبهاً بموسى (عليه السلام)، إذ أخفى الله تعالى ولادته عن فرعون الذي سعى
لقتله، وسيُخفي ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن بني العبَّاس.
ب - شبهاً بعيسى (عليه السلام)، إذ أنكرت طوائف من الناس حقيقته وظنُّوا أنَّهم
قتلوه، كما سيُنكِر بعض الفِرَق ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بسبب طول
غيبته.
ج - شبهاً بنوح (عليه السلام)، إذ طالت فترة دعوته حتَّى كاد الناس أنْ ييأسوا منه،
وكذلك فإنَّ طول غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) ستكون اختباراً صعباً يزلزل الإيمان
إلَّا لمن ترسَّخ في قلبه اليقين.
د - شبهاً بالخضر (عليه السلام)، حيث طال عمره بحكمة إلهيَّة، ممَّا يُثبِت طول عمر
الإمام (عجَّل الله فرجه).
هذه التشبيهات تُوضِّح أنَّ الغيبة جزء من التدبير الإلهي في سُنَن الأنبياء (عليهم
السلام).
دعوى أنَّ الأخبار المستدلَّ
بها على الإمامة والغيبة من الآحاد ووجوب ردِّها:
قد يزعم بعض المخالفين أنَّ الأخبار التي استُدِلُّ بها على إمامة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) وغيبتِهِ ليست إلَّا أخبارَ آحاد، فلا يصحُّ التعويل عليها في
إثبات مسألةٍ علميَّةٍ عظيمةٍ كالإمامة، إذ لا يُحتَجُّ فيها إلَّا بالأدلَّة
القطعيَّة المتواترة.
فإنَّنا نقول لهم: إنَّ استدلالنا لم يكن بمجرَّد ورود الخبر، بل بوقوع ما أخبرت به
هذه الروايات، وانطباق مضمونها على ما شهدناه من الوقائع، وذلك ممَّا لا يمكن أنْ
يصدر إلَّا عن عالم الغيب والشهادة.
فإنْ أخبر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أو الأئمَّة المعصومون (عليهم السلام) عن
شيءٍ غيبيٍ قبل وقوعه، ثمّ تحقَّق كما أخبروا، كان ذلك أدلّ دليلٍ على صدقهم، ولم
يكن ثَمَّة حاجة إلى التواتر العددي في كلِّ واحدٍ من هذه الأخبار، لأنَّ تحقُّق
المخبر به بنفسه شاهد صدقٍ كافٍ في الدلالة، كما أنَّ القرآن الكريم قد اشتمل على
أخبارٍ مستقبليَّة تحقَّقت لاحقاً، وكان ذلك حجَّةً في تصديق النبوَّة.
ثم إنَّ هذه الأخبار التي دلَّت على إمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم تكن
آحاداً كما يُدَّعى، بل هي أخبارٌ تواتر بها النقل، سواء في ألفاظها أو في معانيها.
أمَّا التواتر اللفظي، فقد نقلت الشيعة هذه الروايات عن طُرُقٍ متعدِّدةٍ، بحيث لم
يبقَ مجالٌ للطعن فيها. وأمَّا التواتر المعنوي، فدلالته أوضح وأجلى، إذ إنَّ كثرة
الأخبار، مع اختلاف جهاتها وتباين رواتها وتعدُّد طُرُقها، لا يمكن بطلانها جميعاً،
فإنَّ هذا ممَّا يُنكِره العقل والعادة. ولهذا، نجد أنَّ القوم يستدلُّون في مواضع
كثيرة بمعجزات النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) التي لم ترد في القرآن، وإنَّما وردت
في الأخبار المتفرِّقة، والتي لم تكن جميعها متواترة لفظاً، ولكن اجتماعها في
المعنى جعلها متواترةً عندهم.
فكيف يُسلِّمون بهذا في باب المعجزات، ويرفضونه في باب الإمامة؟ أيجوز لهم أنْ
يُثبِتوا الأحكام الشرعيَّة بأخبارٍ متفرِّقة، ثمّ يُنكِروا حجّيَّتها إذا تعلَّقت
بإمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وهل يجوز أنْ تصل العصبيَّة بأحدٍ إلى أنْ
يُنكِر الأُصول المعلومة، لمحض أنَّها تخالف ما يهوى؟
إنَّ هذا النهج الذي قرَّرناه في حجّيَّة الأخبار هو الذي يُعتمَد عليه في معرفة
أحوال الرجال، فإنَّ الناس لم يعرفوا سخاء حاتم الطائي، ولا شجاعة عمرو بن معدي
كرب، ولا غيرهما، إلَّا من خلال أخبار متفرِّقة، كلُّ واحدٍ منها قد يكون منقولاً
بطريق الآحاد، لكن كثرتها وتعدُّد طُرُقها أورث اليقين، حتَّى صار معروفاً عند
الخاصَّة والعامَّة.
فإذا كان العرف والعقلاء يقبلون تعدُّد الأخبار كدليل على صدق النسبة في الأوصاف
البشريَّة، فكيف يرفضون ذلك في أُمور الدِّين، لاسيَّما في قضيَّةٍ عظيمةٍ
كالإمامة، التي بها نظام الإسلام، وحفظ الشريعة، وإقامة الحجَّة على الخلق؟
وإذا كان وقوع الأمر المخبر به كافياً في تصديق الخبر، فكيف وقد تضافرت الأخبار في
إثبات إمامة ابن الحسن (عليه السلام)، بل وشهدت الوقائع بصحَّة ما أخبرت به
الأحاديث من طول غيبته، وارتداد كثيرٍ من الناس عن القول به، ووقوع الامتحان في عصر
الغيبة، وظهور الفِرَق المنحرفة التي أنكرت وجوده أو ادَّعت غير الحقِّ فيه؟ أليس
في هذا ما يكفي لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد؟
ونحن نقول لهؤلاء: إنَّكم لا تُنكِرون أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قد أخبر
بأُمور غيبية كثيرة، وتحقُّق وقوعها كان دليلاً على صدقه، فلماذا تُنكِرون هذا
المبدأ نفسه إذا جاء في أخبار الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)؟
ثمّ إنَّكم تقبلون في أبواب الفقه والعقيدة قضايا ثابتة بأخبارٍ متفرِّقة، فهل
ترفضون هذا النهج فقط في مسألة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ إنَّ هذا لا يمكن أنْ
يكون إلَّا تحكُّماً محضاً، وتعصُّباً لا يرتضيه ذو عقلٍ منصف.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٤١٧)، وفيه مع (الغيبة) اختلاف في عدَّة
مواضع.
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو المفضَّل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤).
٣ - أبو الحسين محمّد بن بحر بن سهل الشيباني الرهني: طبقته في الحديث السابعة، وقد
يُعَدُّ من الثامنة، متَّهم بالغلوِّ كما عن الشيخ الكشِّي (رحمه الله)، وقيل: في
حديثه ارتفاع، نقله الشيخ النجاشي (رحمه الله)، قال: (قال بعض أصحابنا: إنَّه كان
في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة). ثمّ ردَّ (رحمه الله) الارتفاع، قائلاً:
(ولا أدري من أين قيل ذلك)(٤١٨). ومن وجوه توثيقه: كثير الكُتُب، ترحُّم الشيخ
الصدوق (قدّس سرّه) عليه.
تحقيق السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معرض ترجمته:
(بقي الكلام في جهات:
الأُولى: الظاهر أنَّ الرجل من الغلاة، وذلك بشهادة الكشِّي على ذلك، وقد عرفت أنَّ
الكشِّي عاصره وروى عنه وهو أعرف بحال معاصره، ويُؤيِّده ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١٧) كمال الدِّين (ص
٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠).
(٤١٨) رجال النجاشي (ص ٣٨٤/ الرقم ١٠٤٤).
ذكره ابن الغضائري من قوله: في مذهبه ارتفاع. وبعد ذلك، لا نعرف وجهاً لما ذكره
النجاشي من قوله: قال بعض أصحابنا: إنَّه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من
السلامة، ولا أدري من أين قيل ذلك، فإنَّ الظاهر أنَّه يريد بذلك ما ذكره ابن
الغضائري، والظاهر أنَّ منشأ قوله هو ما ذكره الكشِّي. فالمدرك معلوم، ولعلَّ
النجاشي لم يطَّلع على قول الكشِّي، أو أنَّه غفل عنه حينما كتب ذلك، والله العالم.
الثانية: أنَّ الرجل وإنْ لم يثبت ضعفه، فإنَّا ذكرنا غير مرَّة أنَّ الكتاب
المنسوب إلى ابن الغضائري لم تثبت نسبته إليه، إلَّا أنَّ وثاقته أيضاً غير ثابتة،
وما ذكره النجاشي، من أنَّ حديثه قريب من السلامة، يريد به أنَّه لا غلوَّ في
أحاديثه، فلم يثبت حسنه أيضاً، إذاً هو مجهول الحال.
الثالثة: أنَّ ظاهر كلام النجاشي (رحمه الله)، وهو رواية أبي العبَّاس بن نوح، عن
محمّد بن بحر، بلا واسطة، وهذا وإنْ كان ممكناً في نفسه، إذ من الممكن أنْ يروي
الشيخ النجاشي عمَّن عاصره الكشِّي، إلَّا أنَّه لم يُعهَد رواية أبي العبَّاس
عمَّن في هذه الطبقة، فلا يبعد وجود الواسطة بين ابن نوح، ومحمّد بن بحر، وهو فارس
ابن سليمان أبو شجاع الذي صحب وأخذ عن محمّد بن بحر وكاتبه أبو العبَّاس ابن نوح،
على ما عرفت)(٤١٩).
٤ - عليُّ بن الحارث: مهمل.
٥ - سعد بن المنصور: مهمل.
٦ - أحمد بن عليٍّ البديلي: مهمل.
٧ - أبوه (عليٌّ): مهمل.
٨ - سدير الصيرفي: تقدَّمت ترجمته في الحدث (٢٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١٩) معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ١٣٣/ الرقم ١٠٣٢٤).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (والأخبار في هذا المعنى أكثر من أنْ تُحصى ذكرنا طرفاً منها
لئلَّا يطول به الكتاب.
فإنْ قيل: هذه كلُّها أخبار آحاد لا يُعوَّل على مثلها في هذه المسألة، لأنَّها
مسألة علميَّة.
قلنا: موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمَّن الخبر بالشيء قبل كونه، فكان كما
تضمَّنه، فكان ذلك دلالة على صحَّة ما ذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن، لأنَّ العلم
بما يكون لا يحصل إلَّا من جهة علَّام الغيوب، فلو لم يرو إلَّا خبر واحد ووافق
مخبره ما تضمَّنه الخبر لكان ذلك كافياً، ولذلك كان ما تضمَّنه القرآن من الخبر
بالشيء قبل كونه دليلاً على صدق النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّ القرآن من
قِبَل الله تعالى، وإنْ كانت المواضع التي تضمَّنت ذلك محصورة، ومع ذلك مسموعة من
مخبر واحد، لكن دلَّ على صدقه من الجهة التي قلناها.
على أنَّ هذه الأخبار متواتر بها لفظاً ومعنًى.
فأمَّا اللفظ فإنَّ الشيعة تواترت بكلِّ خبر منه(٤٢٠)، وأمَّا المعنى فإنَّ كثرة
الأخبار، واختلاف جهاتها، وتباين طُرُقها، وتباعد رواتها، يدلُّ على صحَّتها،
لأنَّه لا يجوز أنْ يكون كلُّها باطلة، ولذلك يُستدَلُّ في مواضع كثيرة على معجزات
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) التي هي سوى القرآن وأُمور كثيرة في الشرع تتواتر
معنًى، وإنْ كان كلُّ لفظ منها منقولاً من جهة الآحاد، وذلك معتمد عند من خالفنا في
هذه المسألة، فلا ينبغي أنْ يتركوه وينسوه إذا جئنا إلى الكلام في الإمامة،
والعصبيَّة لا ينبغي أنْ تنتهي بالإنسان إلى حدٍّ يجحد الأُمور المعلومة.
وهذا الذي ذكرناه معتبر في مدائح الرجال وفضائلهم، ولذلك استُدِلَّ على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٠) لم يظهر وجه كون التواتر في كلِّ خبرٍ خبر لفظيًّا، نعم بضمِّ هذه الأخبار مع ما رُوِيَ من طُرُق غيرنا، قد يقال عنه في خصوص لفظة الإمامة: إنَّه من التواتر اللفظي.
سخاء حاتم وشجاعة عمرو وغير ذلك بمثل ذلك، وإنْ كان كلُّ واحدٍ ممَّا يُروى من عطاء حاتم ووقوف عمرو في موقف من المواقف من جهة الآحاد، وهذا واضح).
* * *
نتناول فيهما بيان
دلالة عدَّة أخبار بمفاد أنَّ اتِّفاق الأُمَّة على خروج المهدي يدلُّ على ضرورة
الحجَّة ابن الحسن (عجَّل الله فرجه).
دليل آخر على إمامة الحجَّة ابن
الحسن (عليهما السلام):
دليلٌ آخر على إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) هو اتِّفاق الأُمَّة على
خروج المهدي في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ممَّا يجعل أصل المهدويَّة
قضيَّة مسلَّمة لا خلاف فيها. وسيورد (قدّس سرّه) أربعة عشر خبراً من طريق العامَّة
والخاصَّة، تأكيداً لكون المهدويَّة من الحقائق الثابتة بين المسلمين.
فممَّا يدلُّ أيضاً على إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) - زائداً على ما
سبق من الأدلَّة - أنَّ الأُمَّة بأسرها قد أجمعت على أنَّه سيخرج في آخر الزمان
مهديٌّ منتظَر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وهذا الاتِّفاق
العامُّ بين المسلمين يُعَدُّ قاعدة متينة في الاستدلال على شخص المهدي (عجَّل الله
فرجه)، إذ إنَّ هذا الأصل ثابت لا خلاف فيه. فإذا بيَّنَّا بالدليل القاطع أنَّ
المهدي الموعود هو من ذرّيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمّ أفسدنا - بالحُجَج
الدامغة - كلَّ دعوى تنسب المهدويَّة إلى غير ابن الحسن (عليه السلام)، لزم من ذلك
أنْ يكون هو المراد دون سواه، لأنَّ الحصر والاستبعاد لا يتركان مجالاً للتشكيك.
قال (قدّس سرّه): هذا الأمر دلَّت عليه الروايات وهي أكثر من أنْ تُحصى، غير أنَّنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢١) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
نقتصر على ذكر طرفٍ
منها، كدليلٍ كافٍ لإثبات هذا المطلب الجليل، وممَّا ورد في ذلك من النقل عن
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة الطاهرين (عليهم السلام) يُؤكِّد أنَّه
لا بدَّ من خروج المهدي في هذه الأُمَّة، ليكون وعد الله (عزَّ وجلَّ) الذي لا
يتخلَّف، وحجَّته التي لا تُدفَع، وبرهانه الذي لا يزول.
تدلُّ الأخبار الأربعة عشر مجتمعةً على:
حتميَّة الظهور، وأنَّ المهدي من أهل بيت النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّ
دوره تحقيق العدالة، وأنَّه مرتبط بالقرآن الكريم، وأنَّ قضيَّته شموليَّة وذكرتها
جميع مصادر المسلمين. حيث تتَّفق هذه الأخبار على تأكيد خروجه في آخر الزمان ليملأ
الأرض قسطاً وعدلاً بعد أنِ امتلأت جوراً وظلماً، مستدلَّة بآيات قرآنيَّة تشير إلى
قيامه ونصرته لأهل الإيمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ
نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ﴾ (القَصَص: ٥)، وقوله:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾
(الذاريات: ٢٢). وتُؤكِّد الروايات أنَّ ظهوره محتوم، ولو لم يبقَ من الدنيا إلَّا
يوم واحد لطوَّله الله (عزَّ وجلَّ) حتَّى يُبعَث، وأنَّ نداءً سماويًّا سيُعلِن
قيامه فيُسمَع في كلِّ مكانٍ. كما تذكر أنَّ أصحابه يجتمعون من مختلف أرجاء الأرض
في يوم واحد، وأنَّ الله تعالى سينصره كما نصر أنبياءه السابقين، ممكِّناً له الأرض
بعد خوف، فيعبد الناسُ ربَّهم بغير خوف ولا شرك.
قال (قدّس سرّه): (وممَّا يدلُّ أيضاً(٤٢٢) على إمامة ابن الحسن (عليهما السلام)
زائداً على ما مضى أنَّه لا خلاف بين الأُمَّة أنَّه سيخرج في هذه الأُمَّة مهدي
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وإذا بيَّنَّا أنَّ ذلك المهدي
من ولد الحسين (عليه السلام)، وأفسدنا قول كلِّ مَنْ يدَّعي ذلك من ولد الحسين سوى
ابن الحسن (عليه السلام) ثبت أنَّ المراد به هو (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٢) هذا مرتبط بما تقدَّم من عبارته (قدّس سرّه) في (ص ٢١١): (ويدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن(عليه السلام)...).
والأخبار المرويَّة في
ذلك أكثر من أنْ تُحصى، غير أنَّا نذكر طرفاً من ذلك).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (فممَّا روي من أنَّه لا بدَّ من خروج مهدي في هذه الأُمَّة:
رواية: إبراهيم بن سَلَمة:
الحديث (١٣٠): رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ
اَلْفَزَارِيِّ، عَنْ حَيْدَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْفَزَارِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ
يَعْقُوبَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ
اَلْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، قَالَ: (هُوَ
خُرُوجُ المهدي (عجَّل الله فرجه)).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - لا يوجد طريق من الشيخ (قدّس سرّه) إلى إبراهيم بن سَلَمة رغم اختلاف الطبقة،
فالحديث مرسَل.
٢ - إبراهيم بن سلمة: طبقته في الحديث الخامسة، مجهول.
٣ - أحمد بن مالك الفزاري: مهمل.
٤ - حيدر بن محمّد الفزاري: مهمل.
٥ - عبَّاد بن يعقوب: ليس هو العصفري لاختلاف الطبقة وتقدُّم العصفري على أحمد
وإبراهيم، فهذا في السابعة وذاك في الخامسة، فكيف يروي المتقدِّم عن المتأخِّر؟
فلعلَّه هو الروانجي الذي له كتاب (أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه))، والذي وقع
خلاف في كونه عامِّي المذهب أو شيعيًّا، ولكنَّنا لم نجد فيمن يروي عنه عبَّاد
(نصر بن مزاحم) ولا في
مَنْ روى عن عبَّاد (حيدر بن محمّد الفزاري)، نعم وجدنا جعفر بن محمّد بن مالك.
فاحتمال كونه الروانجي لا شاهد عليه. ولو كان هو فاختلاف الطبقة يمنع من الانطباق
بعين ما تقدَّم في العصفري.
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (وكيف كان فالرجل ثقة. أمَّا بناءً على اتِّحاده
مع عبَّاد أبي سعيد العصفري فواضح، وأمَّا بناءً على عدم الاتِّحاد فلوقوعه في
إسناد تفسير عليِّ بن إبراهيم)(٤٢٣).
٦ - نصر بن مزاحم: طبقته في الحديث السادسة، وقد يُعَدُّ من السابعة: ويأتي فيه ما
تقدَّم من رواية المتقدِّم عن المتأخِّر. نعم، بناءً على عدِّ الرجل من أصحاب
الإمام الباقر (عليه السلام) كما هو قول الشيخ (قدّس سرّه)، يرتفع المحذور
المتقدِّم، ولكنَّ السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) ناقش هذه الدعوى وردَّها.
وجوه توثيقه عديدة، منها: قول الشيخ النجاشي (رحمه الله) في حقِّه: إنَّه (مستقيم
الطريقة، صالح الأمر، غير أنَّه يروي عن الضعفاء)(٤٢٤)، صاحب كُتُب كثيرة، من رواة
(كامل الزيارات).
٧ - محمّد بن مروان: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من الرابعة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: من رواة (تفسير القمِّي)، كثير الرواية، رواية الأجلَّاء عنه، رواية
المشايخ الثلاثة - أصحاب الإجماع - عنه.
٨ - محمّد بن السائب(٤٢٥): بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، أبو النضر الكوفي،
طبقته في الحديث الرابعة، وقد يُعَدُّ من الثالثة. روى عن: الأصبغ بن نباتة، وأبي
صالح باذام مولى أُمِّ هاني... روى عنه: إسماعيل بن عيَّاش، وجنادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٣) معجم رجال الحديث
(ج ١٠/ ص ٢٣٧/ الرقم ٦١٥٧).
(٤٢٤) رجال النجاشي (ص ٤٢٧ و٤٢٨/ الرقم ١١٤٨).
(٤٢٥) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٥/ ص ٢٤٦/ الرقم ٥٢٣٤).
ابن سلم، ومحمّد بن
مروان السُّدِّي الصغير... قال عبَّاس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال
معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ضعيف. وقال عبَّاس الدوري، عن يحيى بن يعلى
المحاربي: قيل لزائدة: ثلاثة لا تروي عنهم: ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي.
قال: أمَّا ابن أبي ليلى فبيني وبين آل ابن أبي ليلى حسن فلست أذكره، وأمَّا جابر
الجعفي فكان والله كذَّاباً يؤمن بالرجعة، وأمَّا الكلبي فكنت أختلف إليه فسمعته
يقول يوماً: مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ فأتيت آل محمّد فتفلوا في فيَّ فحفظت ما
كنت نسيت. فقلت: والله لا أروي عنك شيئاً، فتركته. وقال الأصمعي، عن أبي عوانة:
سمعت الكلبي يتكلَّم بشيء مَنْ تكلَّم به كفر(٤٢٦).
٩ - أبو صالح (باذام مولى أُمِّ هاني): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
١٠ - ابن عبَّاس (عبد الله بن عبَّاس): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
رواية: بنفس الإسناد عن ابن
عبَّاس:
الحديث (١٣١): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا
أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: (يَعْنِي يُصْلِحُ
اَلْأَرْضَ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ، مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا يَعْنِي مِنْ بَعْدِ
جَوْرِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهَا، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الْآيَاتِ﴾ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ ﴿لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٦) قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣٤ و٤٣٥/ الرقم ١١٦٦): (هشام بن محمّد بن السائب بن بشر بن زيد بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودِّ بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللَّات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، أبو المنذر، الناسب، العالم بالأيَّام، المشهور بالفضل والعلم، وكان يختصُّ بمذهبنا. وله الحديث المشهور قال: اعتللت علَّة عظيمة نسيت علمي، فجلست إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فسقاني العلم في كأس، فعاد إليَّ علمي. وكان أبو عبد الله (عليه السلام) يُقرِّبه ويدنيه ويبسطه. له كُتُب كثيرة له...). وهذا ولد ذاك.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - إبراهيم بن سَلَمة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٢ - أحمد بن مالك الفزاري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٣ - عبَّاد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٤ - نصر بن مزاحم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٥ - محمّد بن مروان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٦ - الكلبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٧ - أبو صالح (باذام مولى أُمِّ هاني): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٨ - ابن عبَّاس (عبد الله بن عبَّاس): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
رواية: الشريف أبي محمّد
المحمّدي:
الحديث (١٣٢): وَأَخْبَرَنَا اَلشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلمُحَمَّدِيُّ (رحمه
الله)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَمَّامٍ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ
مُحَمَّدٍ اَلْقِطَعِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ اَلْبَزَّازِ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ اَلْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْعَبَّاسِ فِي قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ و٢٣]،
قَالَ: (قِيَامُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام))، وَمِثْلُهُ: ﴿أَيْنَ
مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، قَالَ:
(أَصْحَابُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، يَجْمَعُهُمُ اَللهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - الشريف أبو محمّد المحمّدي (الحسن بن القاسم المحمّدي): لم يرد في حقِّه توثيق
وإنْ وُصِفَ بالشريف من قِبَل شيخ الطائفة (قدّس سرّه) وترحَّم عليه.
٢ - محمّد بن عليِّ بن تمام: طبقته في الحديث العاشرة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، من مشايخ الإجازة، صاحب كُتُب ومصنَّفات
عديدة، من الأعيان، لقَّبوه بـ (سكِّين) إعظاماً له، كثير الرواية.
٣ - الحسين بن محمّد القطعي: طبقته في الحديث التاسعة، وقد يُعَدُّ من العاشرة،
وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كُتُب، شيخ
إجازة.
٤ - عليُّ بن أحمد بن حاتم البزَّاز: مهمل.
٥ - محمّد بن مروان (السُّدِّي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٦ - الكلبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٠).
٧ - أبو صالح (باذام مولى أُمِّ هاني): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٨ - عبد الله بن عبَّاس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
رواية: محمّد بن إسحاق المقري:
الحديث (١٣٣): مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ اَلمُقْرِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
اَلْعَبَّاسِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ
اَلحُسَيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ اَلجَرِيرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ
اَلطَّائِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْن فِي
هَذِهِ اَلْآيَةِ: ﴿فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، قَالَ:
(قِيَامُ اَلْقَائِمٍ (عليه السلام) مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)).
قَالَ: (وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥])، قَالَ: (نَزَلَتْ فِي المهدي (عليه
السلام)).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ إلى محمّد بن إسحاق المقري: لم نعثر على طريق له (قدّس سرّه) إليه.
٢ - محمّد بن إسحاق المقري: مهمل.
٣ - عليُّ بن العبَّاس المقانعي: يحتمل أنَّه من الطبقة العاشرة، قال الشيخ
المامقاني (رحمه الله): (عليُّ بن عبَّاس المقانعي: قال في الفهرست: له كتاب فضل
الشيعة، ومضى في بكَّار بن أحمد بن زياد ما يشير إلى معروفيَّته حيث روى عليُّ بن
أحمد بن الزبير القرشي عنه عن بكَّار، وعنه يروي كثيراً بلا واسطة أبو الفرج في
كتاب المقاتل، وظاهره الوثوق بخبره والاعتماد عليه، والمقانعي نسبة إلى بيع المقانع
جمع المقنعة، وهي ما تلفُّها النساء على رؤوسهنَّ)(٤٢٧).
٤ - بكَّار بن أحمد: يحتمل أنَّه من الطبقة التاسعة، قال الشيخ المامقاني(رحمه
الله): (بكَّار بن أحمد بن زياد: عدَّه الشيخ (قدّس سرّه) ممَّن لم يرو عنهم (عليهم
السلام)، وقال: روى عنه ابن الزبير، وقال في الفهرست: بكَّار بن أحمد له كتاب
الجنايز، أخبرنا أحمد ابن عبدون عن عليِّ بن محمّد بن الزبير القرشي من ولد أسد بن
عبد العزَّى بن قصي رهط خديجة بنت خويلد، عن عليِّ بن العبَّاس، عن بكَّار. وله
كتاب الزكاة وكتاب الطهارة رواهما عليُّ بن العبَّاس المقانعي عنه. وله كتاب الحجِّ
وكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٧) تنقيح المقال (ج ٢/ ص ٢٩٤/ الرقم ٨٣٤٠).
الجامع رواهما الحسين
بن عبد الكريم الزعفراني عنه. انتهى. وقال ابن شهرآشوب في المعالم: بكَّار بن أحمد
بن زياد له الطهارة والصلاة، ثمّ قال: بكَّار ابن أحمد من كُتُبه: الطهور، الجنائز،
الزكاة، الحجُّ الجامع، انتهى. وفي منتهى المقال بعد نقل عبارة الفهرست أنَّ ظاهره
كونه من العلماء، وكذا عند ابن شهرآشوب حيث ذكره وعدَّ كُتُبه ولم يشر إلى قدح فيه،
انتهى. فلا يبعد عدُّه من الحسان)(٤٢٨).
٥ - الحسن بن الحسين: مجهول.
٦ - سفيان بن إبراهيم الجريري: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
من رواة (كامل الزيارات).
٧ - عمرو بن هاشم الطائي: قال الشيخ النمازي (رحمه الله) في (المستدركات): (عمرو بن
هاشم الطائي: وقع في طريق الشيخ في غط (ص ١٢٠) عن سفيان الجريري، عنه، عن إسحاق بن
عبد الله بن عليٍّ. والظاهر أنَّه عمرو بن هشام الطائي الكوفي المعدود من أصحاب
الصادق (عليه السلام). وله رواية في كامل الزيارات (ص ٢٢))(٤٢٩).
٨ - إسحاق بن عبد الله بن عليِّ بن الحسين: مجهول.
رواية: الحسن بن زياد الصيقل:
الحديث (١٣٤): وَأَخْبَرَنَا اَلحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اَلله، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ
شَاذَانَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنِ
اَلمُثَنَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢٨) تنقيح المقال في
علم الرجال (ج ١/ ص ١٧٦/ الرقم ١٣٨٢).
(٤٢٩) مستدركات علم رجال الحديث (ج ٦/ ص ٦٧/ الرقم ١٠٩٠٩).
اَلحَنَّاطِ، عَنِ
اَلحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اَلصَّيْقَلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله جَعْفَرَ
بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَلْقَائِمَ لَا يَقُومُ حتَّى
يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ تَسْمَعُ اَلْفَتَاةُ فِي خِدْرِهَا وَيَسْمَعُ
أَهْلُ اَلمَشْرِقِ وَاَلمَغْرِبِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿إِنْ
نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا
خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - الحسين بن عبيد الله الغضائري: طبقته في الحديث الحادية عشرة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: شيخ إجازة، من مشايخ الشيخ النجاشي (رحمه الله)، كثير الرواية، عارف
بالرجال، وله الكتاب المعروف، من رواة (كامل الزيارات)، له العديد من الكُتُب
والمصنَّفات.
٢ - محمّد بن سفيان البزوفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٨).
٣ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٤ - عليُّ بن محمّد بن قتيبة النيشابوري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٥ - الفضل بن شاذان النيشابوري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٦ - الحسن بن عليِّ بن فضَّال: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٤).
٧ - المثنَّى الحنَّاط: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من الرابعة، وجوه
توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية، رواية المشايخ الثلاث عنه كصفوان، من رواة (كامل
الزيارات)، مدح الشيخ الكشِّي (رحمه الله) له.
٨ - الحسن بن زياد الصيقل: طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
رواية بعض الأجلَّاء عنه بل إكثارهم، كثير الرواية.
رواية: جماعة عن التلعُكبري:
الحديث (١٣٥): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اِبْنِ أَبِي
دَارِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلسِّنْدِيِّ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ اَلْقَيْسِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ تَمَّامٍ اَلْبَصْرِيِّ،
عَنْ عِمْرَانَ اَلْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ
بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه
وآله): «اَلمَهْدِيُّ يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو عليٍّ الرازي (ابن الخضيب): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - ابن أبي دارم (أحمد بن محمّد السري): طبقته في الحديث العاشرة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: شيخ إجازة، كثرة رواياته.
٥ - عليُّ بن العبَّاس السندي المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٦ - محمّد بن هاشم القيسي: مهمل.
٧ - سهل بن تمام البصري: مهمل.
٨ - عمران القطَّان(٤٣٠): روى عن: أبان بن أبي عيَّاش، وبكر بن عبد الله المزني،
والحسن البصري... روى عنه: أشعث بن أشعث السعداني الأزدي،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٠) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٢/ ص ٣٢٨/ الرقم ٤٤٨٩).
وحمَّاد بن مسعدة، وأبو
قتيبة سلم بن قتيبة. وقال عبَّاس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس بالقويِّ. وذكره ابن
حبَّان في كتاب (الثقات).
٩ - قتادة(٤٣١): قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز...، ويقال: قتادة بن دعامة ابن
عكابة بن عزيز بن كريم بن عمرو بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل ابن ثعلبة بن
عكابة بن صعب بن عليِّ بن بكر بن وائل السدوسي، أبو الخطَّاب البصري، وكان أكمه.
١٠ - أبو نضرة (المنذر بن مالك بن قطعة): قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما
علمت إلَّا خيِّراً. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وقال
النسائي: ثقة.
١١ - جابر بن عبد الله الأنصاري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
رواية: أبي سعيد الخدري
الثانية:
الحديث (١٣٦): مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ اَلمُقْرِي، عَنِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ
بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنِ اَلمُعَلَّى بْنِ
زِيَادٍ، عَنِ اَلْعَلَاءِ بْنِ بَشِيرٍ اَلمُرَادِيِّ، عَنْ أَبِي اَلصِّدِّيقِ
اَلنَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله): «أُبَشِّرُكُمْ بِالمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى
اِخْتِلَافٍ مِنَ اَلنَّاسِ وَزِلْزَالٍ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً
كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ اَلسَّمَاءِ وَسَاكِنُ
اَلْأَرْضِ».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - محمّد بن إسحاق المقري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣١) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٣/ ص ٤٩٨/ الرقم ٤٨٤٨).
٢ - المقانعي (عليُّ بن
العبَّاس المقانعي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - الحسن بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٥ - المعلَّى بن زياد: ذكره غير واحد من رجال التوثيق من العامَّة بالتضعيف أو
الحسن أو التوثيق.
٦ - العلاء بن بشير المرادي: ذكره غير واحد من العامَّة، فوثَّقه بعضهم وضعَّفه
آخرون.
٧ - أبو صدِّيق الناجي: ذكره غير واحد من العامَّة، فوثَّقه بعضهم وضعَّفه آخرون.
٨ - أبو سعيد الخدري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١٣).
رواية: أبي سعيد الخدري
الثالثة:
الحديث (١٣٧): عَنْهُ، عَنِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ
اَلحَسَنِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ تَلِيدٍ، عَنْ أَبِي اَلجَحَّافِ، [عَنْ خَالِدِ
بْنِ عَبْدِ اَلمَلِكِ، عَنْ مَطَرٍ اَلْوَرَّاقِ، عَنِ اَلنَّاجِي يَعْنِي أَبَا
اَلصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ](٤٣٢)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله
عليه وآله): «أَبْشِرُوا بِالمَهْدِيِّ - قَالَ ثَلَاثاً -، يَخْرُجُ عَلَى حِينِ
اِخْتِلَافٍ مِنَ اَلنَّاسِ وَزِلْزَالٍ شَدِيدٍ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً
وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، يَمْلَأُ قُلُوبَ عِبَادِهِ
عِبَادَةً، وَيَسَعُهُمْ عَدْلُهُ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
دلائل الإمامة للطبري الشيعي (رحمه الله)(٤٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٢) من دلائل
الإمامة.
(٤٣٣) دلائل الإمام (ص ٤٨٢/ ح ٤٧٦/٨٠).
البحث السندي:
١ - عنه (المقري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٢ - المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - الحسن بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٥ - تليد: ورد في هامش النسخة المعتمدة: (وفي الأصل: بلية، والظاهر أنَّه سهو).
فإنْ كان اسم الراوي (بلية): فهو مهمل.
وإنْ كان اسمه (تليد) فترجمته كالآتي: أبو إدريس، تليد بن سليمان المحاربي: طبقته
في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: صاحب كتاب، مدحه العلَّامة المجلسي
(رحمه الله)، وجعله ابن داود (رحمه الله) في القسم الأوَّل أي من الثقات.
٦ - أبو الجحَّاف (داود بن أبي عوف): طبقته في الحديث الخامسة، اسمه داود بن أبي
عوف.
وقال العلَّامة (قدّس سرّه) في (الخلاصة) من الفصل من الكنى، من القسم الأوَّل: قال
ابن عقدة: إنَّه ثقة(٤٣٤). وقال ابن داود (رحمه الله): أبو الحجاف (قد) ثقة، من باب
الكنى من القسم الأوَّل(٤٣٥).
٧ - خالد بن عبد المَلِك: مهمل.
٨ - مطر الورَّاق: مهمل.
٩ - الناجي (أبو الصدِّيق): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٦).
١٠ - أبو سعيد (الخُدري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٤) راجع: خلاصة
الأقوال (ص ٣٢٩/ الرقم ٢).
(٤٣٥) راجع: رجال ابن داود (ص ٥٩/ الرقم ٢٧١).
رواية: أبي سعيد الخدري
الرابعة:
الحديث (١٣٨): مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ اَلمُقْرِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
اَلْعَبَّاسِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ
اَلحُسَيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ اَلجَرِيرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلمُؤْمِنِ، عَنِ
اَلحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ جُوَيْنٍ اَلْعَبْدِيِّ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ اَلخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)
يَقُولُ عَلَى اَلْمِنْبَرِ: «إِنَّ اَلمَهْدِيَّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ أَهْلِ
بَيْتِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ، يَنْزِلُ لَهُ مِنَ اَلسَّمَاءِ
قَطْرُهَا، وَتُخْرِجُ لَهُ اَلْأَرْضُ بَذْرَهَا، فَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً
وَقِسْطاً كَمَا مَلَأَهَا اَلْقَوْمُ ظُلْماً وَجَوْراً».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - محمّد بن إسحاق المقري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٢ - عليُّ بن العبَّاس المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - الحسن بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٥ - سفيان الجريري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٦ - عبد المؤمن: طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ
النجاشي (رحمه الله) له(٤٣٦)، ممَّن ورد فيه: أُسند عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٤٩/ الرقم ٦٥٥): (عبد المؤمن بن القاسم بن قيس بن قيس ابن قهد الأنصاري، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، ثقة هو وأخوه...، تُوفِّي سنة سبع وأربعين ومائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة، له كتاب يرويه جماعة منهم: سفيان بن إبراهيم بن مرثد الحارثي).
٧ - الحارث بن الحصيرة:
وثَّقه جماعة من العامَّة، وتردَّد فيه آخرون.
٨ - عمارة بن جوين العبدي: ضعَّفه عدد ليس بالقليل من علماء العامَّة.
٩ - أبو سعيد الخُدري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١٣).
رواية: أبي سعيد الخدري
الخامسة:
الحديث (١٣٩): عَنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ
بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُصَبِّحٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله
عليه وآله): «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ
اَللهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حتَّى يُخْرِجَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَأُ
اَلْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كفاية الأثر للخزَّاز القمِّي (رحمه الله)(٤٣٧).
البحث السندي:
١ - عنه (محمّد بن إسحاق المقري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٢ - عليُّ بن العبَّاس المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - مصبح بن هلقام: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: له كُتُب،
قريب الأمر.
٥ - قيس بن الربيع: مجهول عندنا، مختلف فيه عند العامَّة.
٦ - أبو حصين الأسدي (عثمان بن عاصم): اختلفت فيه كلمات العامَّة بين مَنْ وثَّقه
ومَنْ ضعَّفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٧) كفاية الأثر (ص ١٦٥).
٧ - أبو صالح (الحنفي):
اختلفت فيه كلمات العامَّة بين مَنْ وثَّقه ومَنْ ضعَّفه.
٨ - أبو هريرة (الدوسي): الكلام فيه معروف.
رواية: أبي سعيد الخدري
السادسة:
الحديث (١٤٠): عَنْهُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ بَكَّارٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ قَادِمٍ،
عَنْ فِطْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): «لَوْ لَمْ يَبْقَ
مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اَللهُ تَعَالَى ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حتَّى
يَبْعَثَ رَجُلاً مِنِّي يُوَاطِئُ اِسْمُهُ اِسْمِي وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمَ
أَبِي، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - عنه (محمّد بن إسحاق المقري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٢ - عليٌّ (عليُّ بن العبَّاس المقانعي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - بكَّار (بكَّار بن أحمد): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - عليُّ بن قادم: اختلف كلام العامَّة فيه بين مَنْ وثَّقه وبين مَنْ ضعَّفه.
٥ - فطر (فطر بن خليفة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٦).
٦ - عاصم (عاصم بن بهدلة): ابن أبي النجود الأسدي، اختلف كلام العامَّة فيه بين
مَنْ وثَّقه وبين مَنْ ضعَّفه.
٧ - زرُّ بن حباشة (بن أوس بن بلال): المعظم من رجال العامَّة على وثاقته.
٨ - عبد الله بن مسعود: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٧).
رواية: أبي سعيد الخدري
السابعة:
الحديث (١٤١): وَعَنْهُ، عَنِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ
اَلزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ اَلرَّبِيعِ
وَغَيْرِهِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اَلله اِبْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): «لَا تَذْهَبُ اَلدُّنْيَا حتَّى
يَليَ أُمَّتِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقَالُ لَهُ: اَلمَهْدِيُّ»(٤٣٨).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - عنه (المقري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٢ - المقانعي (عليُّ بن العبَّاس المقانعي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٣ - جعفر بن محمّد الزهري: مهمل.
٤ - إسحاق بن منصور: اختلفت فيه كلمات العامَّة.
٥ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - قيس بن الربيع: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٩).
ب - غيره: لم يُعرَف.
٦ - عاصم (عاصم بن بهدلة): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٩).
٧ - زرٌّ (زرُّ بن حبيش): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٩).
٨ - عبد الله بن مسعود: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٨) رواه البلخي في البدء والتاريخ (٥٠٧) (ج٢/ ص١٨٠ و١٨١)، والجويني في فرائد السمطين (ج٢/ ص٣٢٨/ ح٥٧٨) بإسناده عن عاصم عن زرٍّ، وفيهما: (يواطئ اسمه اسمي) بدل (يقال له: المهدي).
رواية: محمّد بن عليٍّ عن ابن
السمَّاك:
الحديث (١٤٢): مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ اَلسَّمَّاكِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ اِبْنِ عَبْدِ اَلله اَلهَاشِمِيِّ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ
اَلْفَضْلِ اَلْبُوصَرَائِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلحَمِيدِ
اَلْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ زِيَادٍ اَلْيَمَامِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ
بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): «نَحْنُ بَنُو
عَبْدِ اَلمُطَّلِبِ سَادَةُ أَهْلِ اَلجَنَّةِ: أَنَا، وَعَلِيٌّ، وَحَمْزَةُ،
وَجَعْفَرٌ، وَاَلحَسَنُ، وَاَلحُسَيْنُ، وَاَلمَهْدِيُّ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
أمالي الصدوق للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٤٣٩).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّم في الحديث (١٣٢)، وطبقته العاشرة، فالخبر مرسَل.
٢ - عثمان بن أحمد السمَّاك: اختلفت فيه كلمات العامَّة بين توثيقه وتضعيفه.
٣ - إبراهيم بن عبد الله الهاشمي: مهمل.
٤ - الحسن بن الفضل البوصرائي: مجهول.
٥ - سعد بن عبد الحميد الأنصاري: دار أمره في كلمات العامَّة بين التوثيق وعدم
البأس.
٦ - عبد الله بن زياد اليمامي: ذكره بعض العامَّة في الضعفاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣٩) أمالي الصدوق (ص ٥٦٢ و٥٦٣/ ح ٧٥٧/١٥).
٧ - عكرمة بن عمَّار:
دار أمره في كلمات العامَّة بين توثيقه وبين القول باضطرابه.
٨ - إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: وصفه العامَّة بكثير الحديث ووثَّقوه.
٩ - أنس بن مالك: حاله معروف.
رواية: عيسى بن أحمد بن عيسى:
الحديث (١٤٣): عَنْهُ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْقِطَعِيِّ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى
اَلثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ
عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القَصَص: ٥]، قَالَ: «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ
يَبْعَثُ اَللهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَيُذِلُّ
عَدُوَّهُمْ».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٢ - الحسين بن محمّد القطعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٢).
٣ - عليُّ بن حاتم القزويني: طبقته في الحديث التاسعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، كثر السماع والرواية، صاحب كُتُب وُصِفَت
بالحسنة، توثيق الشيخ (قدّس سرّه) في (رجاله) وترضِّيه عليه في (الفهرست)، شيخ
إجازة، من رواة (كامل الزيارات).
٤ - محمّد بن مروان:
مشترك بين جماعة، طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه بالعنوان المتقدِّم عديدة،
منها: من رواة (تفسير القمِّي)، كثير الرواية، رواية الأجلَّاء عنه، رواية أصحاب
الإجماع عنه، من رواة (كامل الزيارات)، وينصرف إلى الذهلي المعروف.
٥ - عبيد بن يحيى الثوري: طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: من
رواة (تفسير القمِّي)، من رواة (كامل الزيارات).
٦ - محمّد بن الحسين (محمّد بن الحسين بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب
(عليهم السلام)): طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: قول شيخ
الطائفة (قدّس سرّه): (أُسند عنه)(٤٤٠)، من رواة (كامل الزيارات).
٧ - أبوه (الحسين بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)): تابعي،
طبقته في الحديث الثالثة، من أهل الفضل والورع، ومن المكثرين، من رواة (كامل
الزيارات).
٨ - جدُّه (الإمام السجَّاد (عليه السلام)).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (والأخبار في هذا المعنى أكثر من أنْ تُحصى لا نُطوِّل بذكرها
الكتاب).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤٠) رجال الطوسي (ص ٢٧٦/ الرقم ٣٩٨٤/٩).
نتناول فيهما شرح عدَّة
أخبار تتحدَّث عن كونه (عجَّل الله فرجه) من ولد أمير المؤمنين وفاطمة والحسين
(عليهم السلام)، مع بحث سندها.
تتحدَّث هذه الروايات الإحدى عشرة عن هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وكونه
من نسل أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وفاطمة الزهراء (عليها
السلام) ومن نسل الحسين (عليه السلام)، وعن جملة من الخصائص والأحداث والآثار
المترتِّبة على وجوده وظهوره، ويمكن تلخيص مضامينها بما يلي(٤٤٢):
قال (قدّس سرّه): (فأمَّا الذي يدلُّ على أنَّ المهدي يكون من ولد عليٍّ (عليه
السلام) ثمّ من ولد الحسين (عليه السلام)):
رواية: «أنا أوَّل هذه الأمَّة
والمهدي أوسطها وعيسى آخرها»:
الحديث (١٤٤): مَا أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ،
عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ اِبْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ، عَنْ
عَبْدِ اَلله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤١) شهر رمضان
المبارك (١٤٤٦هـ).
(٤٤٢) الملاحظ أنَّ جملةً ممَّا تقدَّم من الأخبار، بل وبعض ما سيأتي، يتلفَّق
سندُها بين رواةِ الخاصَّةِ والعامَّة. ولعلَّ وجه ذلك هو النقلُ عن كُتُبهم
للإلزام بما يعتمدونه من أخبار. وقد سمعتُ من بعض المحترَمين في النجف الأشرف أنَّه
يرى أنَّ بعض الأخبار الصحيحة عندنا، والتي لا يمكن تقبُّلها من غيرنا، قد يُركَّب
سندُها بهذه الطريقة لتَقبُّلها ممَّن يعتمد هذا النوع من الروايات في مقام الإلزام
أو التأييد.
اِبْنِ عَمْرِو بْنِ
اَلْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) فِي حَدِيثٍ
طَوِيلٍ: «فَعِنْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ اَلمَهْدِيِّ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ هَذَا
- وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) -، بِهِ
يَمْحَقُ اَللهُ اَلْكَذِبَ، وَيُذْهِبُ اَلزَّمَانَ اَلْكَلِبَ، وَبِهِ يُخْرِجُ
ذُلَّ اَلرِّقِّ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ
اَلْأُمَّةِ، وَاَلمَهْدِيُّ أَوْسَطُهَا، وَعِيسَى آخِرُهَا، وَبَيْنَ ذَلِكَ
شَيْخٌ أَعْوَجُ(٤٤٣)».
دلالة الحديث:
تُقدِّم هذه الرواية، وكذا الرواية الآتية برقم (١٤٦) تصوُّراً عن دور الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) في تصحيح الانحرافات وإقامة العدل، كما تربطه بشكل مباشر
بأمير المؤمنين (عليه السلام)، دون غيره حتَّى من بني العبَّاس، ممَّا يُثبِت
نَسَبه بوضوح.
كذلك، تضع الرواية حركة الإمام (عجَّل الله فرجه) في سياق عالمي يشمل نزول
عيسى (عليه السلام)، ممَّا يدلُّ على طبيعة المرحلة النهائيَّة من التاريخ
الإنساني، فيما يكون قبل ذلك (الشيخ الأعوج) الذي يُكنِّي به النبيُّ (صلَّى الله
عليه وآله) عن الانحرافات الفكريَّة والاجتماعيَّة وغيرهما.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤٣) في الصحاح للجوهري (ج ١/ ص ٣٣١/ مادَّة عوج): (رجل أعوج بيِّن العوج، أي سيِّئ الخُلُق)، وفي بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٧٥/ ح ٢٩) عن الغيبة للطوسي: (تيح أعوج)، وفي عقد الدُّرَر (ص ١٤٧): (ثبج أعوج).
٢ - أبو جعفر محمّد بن
سفيان البزوفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
٣ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٤ - محمّد بن قتبية النيشابوري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٥ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٦ - نصر بن مزاحم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٧).
٧ - ابن لهيعة (بن عقبة بن فرعان بن ربيعة): وثَّقه جماعة من العامَّة وتردَّد فيه
آخرون(٤٤٤).
٨ - أبو قبيل (بن ناضر المعافري): وثَّقه جماعة من العامَّة(٤٤٥).
٩ - عبد الله بن عمرو بن العاص: حاله غير خفيٍّ.
رواية: المهدي من عترتي من ولد
فاطمة:
الحديث (١٤٥): مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ اَلسَّمَّاكِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ اِبْنِ عَبْدِ اَلله اَلهَاشِمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
هَانِئٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ اَلمَرْوَزِيِّ، عَنْ بَقِيَّةَ اِبْنِ
اَلْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ
يَعْقُوبَ اَلرُّخَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي
اَلمَلِيحِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ بَيَانٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ
بْنِ اَلمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله) يَقُولُ: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ».
دلالة الحديث:
تُؤكِّد هذه الرواية والروايتان الآتيتان برقم (١٤٧) و(١٤٨) على أنَّ الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) من عترة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ومن ولد فاطمة الزهراء
(عليها السلام)، وهذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤٤) راجع: تهذيب
الكمال (ج ١٥/ ص ٤٨٧/ الرقم ٣٥١٣).
(٤٤٥) راجع: تهذيب الكمال (ج ٧/ ص ٤٩٠/ الرقم ١٥٨٦).
النصُّ يُثبِت انحصار
الإمامة في أبناء فاطمة (عليها السلام)، وينفي أيَّ ادِّعاء آخر خارج هذا النسل
المبارك.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي(٤٤٦).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٢ - عثمان بن أحمد السمَّاك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - إبراهيم بن عبد الله الهاشمي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٤ - إبراهيم بن هاني: مهمل.
٥ - نعيم بن حمَّاد المروزي: وثَّقه جماعة وبجَّلوه، فيما ذمَّه بعضهم(٤٤٧).
٦ - بقيَّة بن الوليد: قيل فيه: كان صدوقاً، لكنَّه كان يكتب عمَّن أقبل وأدبر،
وفصَّل فيه آخرون(٤٤٨).
٧ - أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: الأغلب على تضعيفه(٤٤٩).
٨ - الفضل بن يعقوب الرخامي: قالوا عنه: ثقة حافظ، وكان صدوقاً(٤٥٠).
٩ - عبد الله بن جعفر بن غيلان الرقِّي: اختلفت الأقوال فيه(٤٥١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤٦) شرح الأخبار (ج
٣/ ص ٣٩٥/ ح ١٢٧٤).
(٤٤٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٩/ ص ٤٦٦/ الرقم ٦٤٥١).
(٤٤٨) راجع: تهذيب الكمال (ج ٤/ ص ١٩٢/ الرقم ٧٣٨).
(٤٤٩) راجع: تهذيب الكمال (ج ٣٣/ ص ١٠٨/ الرقم ٧٢٤١).
(٤٥٠) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٣/ ص ٢٦١/ الرقم ٤٧٥٣).
(٤٥١) راجع: تهذيب الكمال (ج ١٤/ ص ٣٧٦/ الرقم ٣٢٠٤).
١٠ - أبو المليح
الرقِّي (الحسن بن عمر): وثَّقه غير واحد(٤٥٢).
١١ - زياد بن بيان: قيل: لا بأس به(٤٥٣).
١٢ - عليُّ بن نفيل: ذكره ابن حبَّان وغيره في الثقات(٤٥٤).
١٣ - سعيد بن المسيَّب (أبو محمّد المخزومي): أجلُّ التابعين، ومدائحه كثيرة(٤٥٥).
١٤ - أُمُّ سَلَمة: زوجة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأُمُّ المؤمنين، وهي على
خير واستقامة.
رواية: (طوبى لمن أدرك زمانه):
الحديث (١٤٦): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
قُتَيْبَةَ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُصَبِّحٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ
اَلرَّحْمَنِ، عَمَّنْ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ
فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: (يَا وَهْبُ، ثُمَّ يَخْرُجُ اَلمَهْدِيُّ)،
قُلْتُ: مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: (لَا وَاَلله مَا هُوَ مِنْ وُلْدِي، وَلَكِنْ مِنْ
وُلْدِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، وَبِهِ
يُفَرِّجُ اَللهُ عَنِ اَلْأُمَّةِ حتَّى يَمْلَأَهَا قِسْطاً وَعَدْلاً...) إِلَى
آخِرِ اَلخَبَرِ.
دلالة الحديث:
تقدَّمت في الحديث رقم (١٤٤).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥٢) راجع: تهذيب
الكمال (ج ٦/ ص ٢٨٠/ الرقم ١٢٥٥).
(٤٥٣) راجع: تهذيب الكمال (ج ٩/ ص ٤٣٦/ الرقم ٢٠٢٦).
(٤٥٤) راجع: تهذيب الكمال (ج ٢١/ ص ١٦٢/ الرقم ٤١٤٦).
(٤٥٥) راجع: تذكرة الحُفَّاظ (ج ١/ ص ٥٤/ الرقم ٣٨).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٢ - عليُّ بن محمّد بن قتيبة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٣ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٤ - مصبح: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٩).
٥ - أبو عبد الرحمن (عبد الله بن حبيب السلمي): عدَّه البرقي من خواصِّ أصحاب أمير
المؤمنين (عليه السلام) من مضر، وقال: (وبعض الرواة يطعن فيه)(٤٥٦). وليس هو
المعروف بشاه رئيس - من الكذَّابين المعروفين زمن الغيبة الصغرى - لاختلاف الطبقة.
٦ - مَنْ سمع من وهب: لم نعثر عليه، والخبر من هذه الجهة مرسَل.
٧ - وهب بن منبه (بن كامل بن سيج بن ذي كبار): وثَّقه غير واحد من العامَّة(٤٥٧).
٨ - ابن عبَّاس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
رواية: «المهدي رجل من وُلد
فاطمة، وهو رجل آدم»:
الحديث (١٤٧): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
قُتَيْبَةَ، عَنِ اَلْفَضْلِ اِبْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ
عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ اَلمُنَخَّلِ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ
اَلجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «اَلمَهْدِيُّ رَجُلٌ
مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ، وَهُوَ رَجُلٌ آدَمُ».
دلالة الحديث:
تقدَّمت في الحديث رقم (١٤٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥٦) رجال البرقي (ص
٥).
(٤٥٧) راجع: تهذيب الكمال (ج ٣١/ ص ١٤٠/ الرقم ٦٧٦٧).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ إلى ابن إدريس (رحمه الله): حيث إنَّ طبقة الشيخ (قدّس سرّه) هي
الأخيرة وابن إدريس (رحمه الله) الثامنة، فالطريق بينهما لو لم يكن ما تقدَّم في
الحديث (١٤٤) فسيكون مرسَلاً، أو أنَّ الشيخ ينقل من كُتُبه وسائر رواياته، لأنَّه
(قدّس سرّه) عبَّر عن ذلك في (الفهرست) و(المشيخة)، إذ له (قدّس سرّه) إليه (رحمه
الله) طُرُق ثلاث، وهي:
أ - طريق (الفهرست)(٤٥٨): (أخبرنا بسائر رواياته الحسين بن عبيد الله (تقدَّم في
الحديث ١٣٤)، عن أحمد بن محمّد بن جعفر بن سفيان بن البزوفري (من شيوخ الإجازة)، عن
أحمد بن إدريس).
ب - طريق المشيخة الأوَّل والثاني(٤٥٩): (وما ذكرته عن أحمد بن إدريس فقد رويته
بهذا الإسناد - أي الحسين بن عبيد الله أبو الحسن بن أبي جيد القمِّي، جميعاً عن
أحمد بن محمّد بن يحيى -، عن محمّد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس. وأخبرني به أيضاً
الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد الله جميعاً، عن أبي
جعفر محمّد بن الحسين بن سفيان البزوفري، عن أحمد بن إدريس).
٢ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٣ - عليُّ بن محمّد بن قتيبة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٤ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥٨) الفهرست (ص ٧١/
الرقم ٨١/١٩).
(٤٥٩) تهذيب الأحكام (ج ١٠/ شرح مشيخة تهذيب الأحكام ص ٣٤ و٣٥).
٥ - محمّد بن سنان:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨).
٦ - عمَّار بن مروان: مشترك مع جماعة، منهم: اليشكري والكلبي - لم تثبت وثاقته -،
والتمييز للأشهر وصاحب الكتاب وهو اليشكري، قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (ولا
ينبغي الشكُّ في انصرافه إلى مَنْ هو المعروف المشهور وله كتاب، وهو عمَّار بن
مروان اليشكري، وعليه فلا يبقى أثر مهمٌّ للبحث عن الاتِّحاد وعدمه)(٤٦٠). طبقته في
الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من السادسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
رواية بعض الأجلَّاء عنه، رواية ابن أبي عمير عنه، من رواة (كامل الزيارات)، توثيق
الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب، من رواة (تفسير القمِّي).
٧ - المنخَّل بن جميل: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه، منها: من رواة (تفسير
القمِّي).
هذا، ولكنَّ الشيخ النجاشي (رحمه الله) قال عنه: (ضعيف فاسد الرواية)(٤٦١).
وقال الكشِّي (رحمه الله): (المنخَّل بن جميل الكوفي بيَّاع الجواري: قال محمّد بن
مسعود: سألت عليَّ بن الحسن عن المنخَّل بن جميل، فقال: هو لا شيء، متَّهم
بالغلوِّ)(٤٦٢).
وقال ابن الغضائري (رحمه الله): (منخَّل بن جميل بيَّاع الجواري، روى عن أبي عبد
الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، كوفي، ضعيف، في مذهبه غلوٌّ)(٤٦٣).
٨ - جابر الجعفي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٠) معجم رجال الحديث
(ج ١٣/ ص ٢٧٥/ الرقم ٨٦٥٧).
(٤٦١) رجال النجاشي (ص ٤٢١/ الرقم ١١٢٧).
(٤٦٢) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٦٦٤/ ح ٦٨٦).
(٤٦٣) رجال ابن الغضائري (ص ٨٩/ الرقم ١٢١/٦).
رواية: «المهدي من عترتي من ولد
فاطمة»:
الحديث (١٤٨): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ
أَحْمَدَ اَلسَّمَّاكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ اَلْعَلَاءِ اَلهَاشِمِيِّ، عَنْ
أَبِي اَلمَلِيحِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ بَيَانٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ اَلمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله
(صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ
فَاطِمَةَ».
دلالة الحديث:
تقدَّمت في الحديث رقم (١٤٥).
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي(٤٦٤).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعبكري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٥ - عثمان بن أحمد السمَّاك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٦ - إبراهيم بن العلاء الهاشمي: جاء في هامش النسخة المعتبرة: (في نُسَخ: (أ، ف،
م): عبد الله). فسواء كان اسمه (إبراهيم بن العلاء) أو (عبد الله ابن العلاء)، فهو
مشترك بين جماعة عديدة من العامَّة، ومن البعيد أنْ يُحشَر من رواة الخاصَّة بين
عامّيِّين.
٧ - أبو المليح: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٤) شرح الأخبار (ج ٣/ ص ٣٩٥/ ح ١٢٧٤).
٨ - زياد بن بيان:
تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٥).
٩ - عليُّ بن نفيل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٥).
١٠ - سعيد بن المسيَّب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٥).
١١ - أُمُّ سَلَمة: تقدَّمت ترجمتها في الحديث (١٤٥).
رواية: «يُنتِج الله تعالى في
هذه الأمَّة رجلاً منِّي»:
الحديث (١٤٩): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْفَضْلِ، عَنْ
أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
اَلْعَلَاءِ اَلرَّازِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام)
يَقُولُ: «يُنْتِجُ اَللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ رَجُلاً مِنِّي وَأَنَا
مِنْهُ، يَسُوقُ اَللهُ تَعَالَى بِهِ بَرَكَاتِ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ،
فَيُنْزِلُ اَلسَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَيُخْرِجُ اَلْأَرْضُ بَذْرَهَا، وَتَأْمَنُ
وُحُوشُهَا وَسِبَاعُهَا، وَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ
ظُلْماً وَجَوْراً، وَيَقْتُلُ حتَّى يَقُولَ اَلجَاهِلُ: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ
ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) لَرَحِمَ».
دلالة الحديث:
تشير الرواية إلى اصطفاء إلهي يقتضي ظهور رجل من نسل الإمام الصادق (عليه السلام)،
يجري فيه الإمامة، به تُستنزَل بركات السماء، فتفيض الأرض بخيراتها، حتَّى تأمن
السباع والوحوش.
وسيندهش أهل الغفلة ممَّا يواجهون من شدَّته، إذ سيتوهَّمون أنَّ الرحمة تقتضي
المسامحة مع أهل الجور، غافلين عن أنَّ إقامة القسط تقتضي غير ذلك مع الظالمين،
حتَّى لا يبقى للفساد موضع في الأرض، فإنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو من
نسل خصوص الإمام الحسين (عليه السلام) استناداً إلى الروايات التي تُحدِّد عدد
الأئمَّة باثني عشر إماماً، حيث إنَّ الترتيب العددي للأئمَّة يستلزم أنْ يكون
(عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، كما أنَّ كلَّ مَنِ
اعتمد هذا العدد أكَّد نَسَبه (عجَّل الله فرجه) إلى الحسين (عليه السلام).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (وأمَّا الذي يدلُّ على أنَّه يكون من ولد الحسين (عليه
السلام)،
فالأخبار التي أوردناها
في أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وذكر تفاصيلهم هي متضمِّنة لذلك، ولأنَّ كلَّ مَنِ
اعتبر العدد الذي ذكرناه قال: المهدي من ولد الحسين(عليه السلام)، وهو مَنْ أشرنا
إليه. ويزيد ذلك وضوحاً).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس(٤٦٥): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٢ - عليُّ بن الفضل: لعلَّه من مشايخ الشيخ الصدوق (قدّس سرّه)، فمَنْ تابعنا
أسماءهم - عليَّ بن الفضل - في طبقات متقاربة يزيدون على (٥).
٣ - أحمد بن عثمان: مهمل.
٤ - أحمد بن رزق الغمشاني: طبقته في الحديث السادسة، وقد يُعَدُّ من الخامسة، وجوه
توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب، من رواة (كامل
الزيارات).
٥ - يحيى بن العلاء الرازي: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، رواية الأجلَّاء عنه، وكونه صاحب كتاب وكثير
الرواية يعتمد على التحقيق الآتي.
تحقيق حول التعدُّد - في يحيى
بن العلاء - في كلمات السيِّد الخوئي (قدّس سرّه):
قال (قدّس سرّه): (هذا، والظاهر أنَّ يحيى بن العلاء مغاير ليحيى بن أبي العلاء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٥) يأتي الكلام المتقدِّم في الحديث السابق (١٤٨) وغيره ممَّا يكون الابتداء فيه بسند غير متَّصل والطبقة مختلفة، فراجع.
وهما رجلان، والشاهد
على ذلك أنَّ البرقي قال في أصحاب الصادق (عليه السلام): يحيى بن العلاء كوفي، ثمّ
قال: يحيى أخو آدم، ثمّ قال: يحيى بن أبي العلاء أيضاً كوفي. وهذا صريح في
التعدُّد، ومقتضى كلام النجاشي أنَّ الكتاب ليحيى بن العلاء الذي هو والد جعفر،
ومقتضى كلام الشيخ أنَّ صاحب الكتاب يحيى بن أبي العلاء، ولا خلاف بينهما في أنَّ
صاحب الكتاب ملقَّب بالرازي. ثمّ إنَّ الظاهر أنَّ يحيى بن أبي العلاء الذي عدَّه
الشيخ من أصحاب الباقر (عليه السلام)، مغاير ليحيى بن أبي العلاء الذي ذكره في
(الفهرست)، وذلك لأنَّ حميداً المتوفَّى سنة (٣١٠هـ) يروي كتاب يحيى بن أبي العلاء
بواسطة القاسم بن إسماعيل، ولا يمكن أنْ يروي حميد عن أصحاب الباقر (عليه السلام)
بواسطة واحدة، فلا محالة يكون مَنْ عدَّه الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام)
مغايراً لمن عنونه في (الفهرست).
والمتلخَّص من ذلك: أنَّ يحيى بن أبي العلاء رجل من أصحاب الباقر (عليه السلام)،
وليس له كتاب، ويحيى بن أبي العلاء رجل آخر من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وهو
صاحب الكتاب على قول الشيخ، ويحيى بن العلاء أيضاً من أصحاب الصادق (عليه السلام)،
وهو صاحب الكتاب على قول النجاشي.
ثمّ إنَّ الظاهر أنَّ ما ذكره الشيخ من أنَّ صاحب الكتاب هو يحيى بن أبي العلاء
الرازي هو الصحيح، وذلك فإنَّ المذكور في الروايات كثيراً هو يحيى بن أبي العلاء،
ولم نجد ليحيى بن العلاء ولا رواية واحدة)(٤٦٦).
رواية: «لا يكون لأحد عليه
حجَّة»:
الحديث (١٥٠): مَا أَخْبَرَنِي بِهِ جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ
أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ اَلمُقْرِئِ،
عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٦) معجم رجال الحديث (ج ٢١/ ص ٢٦ و٢٧/ الرقم ١٣٤٧١).
أَحْمَدَ، عَنِ
اَلحَسَنِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ اَلجَرِيرِيِّ، عَنِ اَلْفُضَيْلِ بْنِ
اَلزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَقُولُ: (هَذَا
اَلمُنْتَظَرُ مِنْ وُلْدِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي ذُرِّيَّةِ اَلحُسَيْنِ
وَفِي عَقِبِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَهُوَ اَلمَظْلُومُ اَلَّذِي قَالَ
اَللهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ﴾)، قَالَ: (وَلِيُّهُ رَجُلٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ عَقِبِهِ)،
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾
[الزخرف: ٢٨]. ﴿سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾
[الإسراء: ٣٣]، قَالَ: (سُلْطَانُهُ حُجَّتُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اَللهُ
تَعَالَى حتَّى يَكُونَ لَهُ اَلحُجَّةُ عَلَى اَلنَّاسِ، وَلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ
عَلَيْهِ حُجَّةٌ).
دلالة الحديث:
تشير الرواية إلى تأكيد زيد بن عليٍّ (عليه السلام) على أنَّ الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) هو المنتظَر الموعود من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، ممَّا يُرسِّخ
أنَّ الإمامة محصورة في عقبه (عليه السلام)، امتداداً للوعد الإلهي الذي جعل
الإمامة كلمة باقية في ذرّيَّته.
كما تبرز الرواية البُعد التشريعي لظهوره، حيث تستند إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ (الإسراء: ٣٣)،
لتُبيِّن أنَّه (عجَّل الله فرجه) هو الوليُّ الشرعي لدماء أهل البيت (عليهم
السلام).
والذي ستكون حجَّته قاطعة على الخلق، فلا يبقى لأحد عليه اعتراض.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن إسحاق
المقرئ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - عليُّ بن العبَّاس المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٥ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٦ - الحسن بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٧ - سفيان الجريري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٨ - الفضيل بن الزبير (الرسَّان): طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة،
منها: من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي)، ذكره ابن داود في القسم
الأوَّل، وفي رجال الكشِّي (رحمه الله) ما قد يفيد مدحه.
٩ - زيد بن عليٍّ (رضي الله عنه): أبو الحسين، مدني تابعي، قُتِلَ سنة إحدى وعشرين
ومائة، وله اثنتان وأربعون سنة.
قال الشيخ المفيد (قدّس سرّه): (وكان زيد بن عليِّ بن الحسين عين إخوته بعد أبي
جعفر (عليه السلام) وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيًّا شجاعاً، وظهر بالسيف
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين (عليه السلام))(٤٦٧).
رواية: «لا يكون المهدي أبداً
إلاَّ من ولد الحسين (عليه السلام)»:
الحديث (١٥١)(٤٦٨): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ سُفْيَانَ اَلجَرِيرِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: (وَاَلله
لَا يَكُونُ اَلمَهْدِيُّ أَبَداً إِلَّا مِنْ وُلْدِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام)).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٧) الإرشاد (ج ٢/ ص
١٧١).
(٤٦٨) لم نُقرِّب دلالة هذا النصِّ لأنَّه ليس مرويًّا عن أهل البيت (عليهم
السلام)، وقد ذكرنا غير مرَّة أنَّ الترقيم الوارد في النسخة المعتمدة غير منضبط،
إذ أُضيفت عدَّة أرقام لبعض النصوص وهي ليست بروايات عن أهل البيت (عليهم السلام).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن إسحاق المقرئ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٤ - عليُّ بن العبَّاس المقانعي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٥ - بكَّار بن أحمد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٦ - الحسن بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٧ - سفيان الجريري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٣٣).
٨ - محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: طبقته في الحديث الخامسة، محمّد بن عبد
الرحمن هذا، غير محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي. وجوه توثيقه عديدة، منها:
من رواة (كامل الزيارات).
رواية: «إنَّ ابني هذا سيِّد»:
الحديث (١٥٢): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ،
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ
اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ اَلحَكَمِ اِبْنِ ظُهَيْرٍ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ اَلْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: نَظَرَ
أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى اِبْنِهِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام)،
فَقَالَ: «إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ [رَسُولُ](٤٦٩)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦٩) من الغيبة للنعماني.
اَلله سَيِّداً،
وَسَيُخْرِجُ اَللهُ تَعَالَى مِنْ صُلْبِهِ رَجُلاً بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ،
فَيُشْبِهُهُ فِي اَلخَلْقِ وَاَلخُلُقِ، يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ
اَلنَّاسِ، وَإِمَاتَةٍ مِنَ اَلحَقِّ، وَإِظْهَارٍ مِنَ اَلجَوْرِ، وَاَلله لَوْ
لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، يَفْرَحُ (لِخُرُوجِهِ) أَهْلُ اَلسَّمَاءِ
وَسُكَّانُهَا، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً...»
تَمَامَ اَلخَبَرِ.
دلالة الحديث:
تشير هذه الرواية إلى بشارة أمير المؤمنين (عليه السلام) بظهور الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) من نسل الحسين (عليه السلام)، موضِّحاً اصطفاءه الإلهي منذ
ولادته. فهو يحمل اسم النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ويشبهه في الخَلق والخُلق.
كما تُحدِّد الرواية ظروف ظهوره، حيث يخرج في زمنٍ تُمات فيه معالم الحقِّ وتتفشَّى
مظاهر الجور، فيكون خروجه ضرورة إلهيَّة لحفظ الدِّين واستعادة العدالة. وتشير إلى
أنَّ ظهوره سيكون حتميًّا، بحيث لو لم يظهر لضُرِبَت عنقه، كناية عن أمر الله تعالى
له بالظهور. كما تُبيِّن الرواية الفرح العظيم الذي يعمُّ أهل السماوات - فضلاً عن
أهل الأرض - بظهوره، وفي ذلك إشارة إلى عظم تأثيره في تحقيق العدالة الشاملة التي
ينتظرها الكون كلُّه.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٤٧٠).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢).
٥ - عليُّ بن محمّد بن
قتيبة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٦ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٧ - إبراهيم بن الحَكَم بن ظهير: طبقته في الحديث السابعة، وقد تكون الثامنة، وجوه
توثيقه، منها: صاحب كتاب.
٨ - إسماعيل بن عيَّاش: من ثقات رواة العامَّة ممَّن لا يدفعه دافع.
٩ - الأعمش: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
١٠ - أبو وائل (شقيق بن سَلَمة): من ثقات رواة العامَّة.
رواية: «لا تذهب الدنيا حتَّى
يبعث الله منِّي رجلاً»:
الحديث (١٥٣): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُذَافِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ شَرِيكٍ فِي حَدِيثٍ لَهُ اِخْتَصَرْنَاهُ، قَالَ:
مَرَّ اَلحُسَيْنُ (عليه السلام) عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمْ
جُلُوسٌ فِي مَسْجِدِ اَلرَّسُولِ (صلَّى الله عليه وآله)، فَقَالَ: «أَمَا وَاَلله
لَا تَذْهَبُ اَلدُّنْيَا حتَّى يَبْعَثَ اَللهُ مِنِّي رَجُلاً يَقْتُلُ مِنْكُمْ
أَلْفاً وَمَعَ اَلْأَلْفِ أَلْفاً وَمَعَ اَلْأَلْفِ أَلْفاً». فَقُلْتُ: جُعِلْتُ
فِدَاكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلَادُ كَذَا وَكَذَا لَا يَبْلُغُونَ هَذَا. فَقَالَ:
«وَيْحَكَ إِنَّ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ مِنْ صُلْبِهِ كَذَا
وَكَذَا رَجُلاً، وَإِنَّ مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
دلالة الحديث:
تُشير هذه الرواية إلى نبوءة الإمام الحسين (عليه السلام) بظهور رجلٍ من ذرّيَّته،
وهو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، الذي سيتولَّى القصاص الإلهي من الظالمين،
وخصوصاً من بني أُميَّة الذين أسَّسوا الجور والطغيان. يُؤكِّد الإمام (عليه
السلام) أنَّ هذا الحَدَث حتمي ولن تنتهي الدنيا حتَّى يتحقَّق، فيقتل (عجَّل الله
فرجه) منهم عدداً هائلاً، وحين يُستبعَد هذا العدد الكبير، يُبيِّن الإمام (عليه
السلام) أنَّ الزمان سيتغيَّر بحيث تكثر الذرّيَّة حتَّى يصبح لكلِّ رجل نسلٌ
عظيمٌ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٥ - عليُّ بن محمّد بن قتيبة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٦ - الفضل بن شاذان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
٧ - عمرو بن عثمان: مشترك مع جماعة في نفس الطبقة، والأشهر الأزدي، طبقته في الحديث
الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، كثير
الرواية، رواية بعض الأجلَّاء عنه، صاحب كتاب.
٨ - محمّد بن عذافر: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق
الشيخ (قدّس سرّه) له في رجاله، وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه الله)، صاحب كتاب.
٩ - عقبة بن يونس: مهمل.
١٠ - عبد الله بن شريك: طبقته في الحديث الثالثة، وقد يُعَدُّ من الرابعة، وجوه
توثيقه عديدة، منها: رواية ابن أبي عمير عنه، من رواة (تفسير القمِّي).
وقد ورد فيه عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَأَنِّي بِعَبْدِ اَللهِ
بْنِ شَرِيكٍ اَلْعَامِرِيِّ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَذُؤَابَتَاهَا بَيْنَ
كَتِفَيْهِ مُصْعِداً فِي لِحْفِ اَلْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْ قَائِمِنَا أَهْلَ
اَلْبَيْتِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُكِرُّونَ وَمَكْرُورُونَ»(٤٧١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧١) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٤٨١/ ح ٣٩٠).
رواية: «ومنَّا والله الذي لا
إله إلاَّ هو مهديُّ هذه الأمَّة الذي يُصلِّي خلفه عيسى بن مريم»:
الحديث (١٥٤): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ
أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ عِيسَى، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ
اَلْأَهْوَازِيِّ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ
اَلْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلخُدْرِيِّ فِي حَدِيثٍ لَهُ طَوِيلٍ
اِخْتَصَرْنَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) لِفَاطِمَةَ
(عليها السلام): «يَا بُنَيَّةِ، إِنَّا أُعْطِينَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ سَبْعاً لَمْ
يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَنَا: نَبِيُّنَا خَيْرُ اَلْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ أَبُوكِ،
وَوَصِيُّنَا خَيْرُ اَلْأَوْصِيَاءِ وَهُوَ بَعْلُكِ، وَشَهِيدُنَا خَيْرُ
اَلشُّهَدَاءِ وَهُوَ عَمُّ أَبِيكَ حَمْزَةُ، وَمِنَّا مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ
خَضِيبَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي اَلجَنَّةِ وَهُوَ اِبْنُ عَمِّكَ جَعْفَرٌ،
وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَهُمَا اِبْنَاكَ اَلحَسَنُ وَاَلحُسَيْنُ،
وَمِنَّا وَاَلله اَلَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَهْدِيُّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ
اَلَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى
مَنْكِبِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «مِنْ هَذَا» ثَلَاثاً.
دلالة الحديث:
تُبيِّن هذه الرواية اصطفاء الربِّ (جلَّ وعلا) لأهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)
بمنحهم سبعاً لم يُعطها لغيرهم، فمنهم خير الأنبياء وهو والد البتول، ومنهم خير
الأوصياء وهو قرينها، ومنهم سيِّد الشهداء وهو عمُّ والدها، ومنهم الطيَّار في
الملكوت وهو ابن عمِّها، ومنهم السبطان اللَّذان جعلهما الربُّ سيِّدا شباب أهل
الجنَّة، ثمّ يُبيِّن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّ الموعود (عجَّل
الله فرجه) هو من ذرّيَّتهم، وأنَّه الذي سيُصلِّي خلفه نبيُّ الله عيسى (عليه
السلام)، ممَّا يُشير إلى عالميَّة مشروعه، وأنَّه الغاية التي تتَّجه إليها
الشرائع، ثمّ يُؤكِّد ذلك بضربه على منكبي الحسين (عليه السلام) مرَّات ليشير إلى
أنَّ ذلك القائم (عجَّل الله فرجه) هو الامتداد للحسين (عليه السلام) الذي سيُحقِّق
الوعد السماوي ويُقيم القسط بين العباد.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٥ - أحمد بن محمّد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٦ - الحسين بن سعيد الأهوازي: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثقه عديدة، منها:
توثيق الشيخ (قدّس سرّه) الصريح له في رجاله، كثير الرواية، من رواة (تفسير
القمِّي)، من رواة (كامل الزيارات)، صاحب كُتُب ومصنَّفات يُضرَب بها المثل في
الكثرة، كُتُبه معتمدة وعليها المعوَّل.
٧ - الحسين بن علوان: طبقته في الحديث ...، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، قول ابن عقدة: (إنَّ الحسن كان أوثق من
أخيه)(٤٧٢)، وذكر الكشِّي (رحمه الله) روايات في مدحه، من رواة (تفسير القمِّي)،
رواية بعض الأجلَّاء عنه.
٨ - أبو هارون العبدي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١٣).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٢) خلاصة الأقوال (ص ٣٣٨/ الرقم ٦).
الأدلَّة العامَّة على إبطال
الفِرَق المخالفة:
بعد استيفاء شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بما تقدَّم في إثبات وجود الإمام
الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) وإمامته وغيبته، قد يُثار إشكالٌ من قِبَل
البعض، حاصله مع وجود دعاوى فِرَق أُخرى لا تستقيم دعواكم، رغم أنَّ الشيخ (قدّس
سرّه) قد تعرَّض له سابقاً وأبطله(٤٧٤)، إلَّا أنَّ بعضهم يُعيد طرحه مرَّةً أُخرى،
فيُعاد تكميل إبطاله، وسيعود الشيخ (قدّس سرّه) مجدَّداً إلى معالجة بعض موارده،
كما نبَّهنا عليه في الدرس (٥١).
فبعد أنْ ثبت بالنصوص القطعيَّة والأدلَّة العقليَّة والنقليَّة أنَّ الإمام المهدي
هو الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) وأنَّه الإمام الثاني عشر الذي بشَّر به
النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) من بعده.
أورد (قدّس سرّه) بعض المخالفين اعتراضاً مستنداً إلى وجود فِرَق ادَّعت أنَّ
المهدي ليس من ولد الإمام العسكري (عليه السلام)، كالذين قالوا بمهديَّة محمّد بن
الحنفيَّة، أو القائلين ببقاء أمير المؤمنين (عليه السلام) حيًّا، أو القائلين بعدم
وفاة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أو الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، أو
الذين ادَّعوا أنَّ المهدي هو محمّد بن عليٍّ بن الهادي (عليه السلام) وأنَّه لم
يمت.
وهذه الدعاوى كلُّها مردودةٌ بالبراهين القاطعة، إذ قد ثبت بالتواتر موت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٣) (٢٥/شهر رمضان
المبارك/١٤٤٦هـ).
(٤٧٤) دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ص ١٢٣ وما بعدها/الدرس ١٩ وما بعده عدَّة
دروس).
كلِّ مَنِ ادُّعي بقاؤه، وأيُّ تشكيكٍ في ذلك يستلزم الشكَّ في موت النبيِّ (صلَّى
الله عليه وآله) نفسه، وموت كلِّ مَنْ سبقه من الأنبياء والصالحين، وهو باطلٌ
بالضرورة.
كما أنَّ حصر عدد الأئمَّة (عليهم السلام) في اثني عشر إماماً، بنصوصٍ متواترة عن
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، يجعل كلَّ دعوى تخالف هذا النصَّ خروجاً عن الحقِّ
المحكم.
أمَّا إمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد ثبتت بالعقل والنقل، حيث تقتضي
الحكمة الإلهيَّة استمرار وجود الإمام المعصوم الذي يكون لطفاً للأُمَّة، كما دلَّت
عليه أدلَّة العقل القطعيَّة.
وأمَّا من جهة النقل، فقد تواترت الأخبار عن آبائه (عليهم السلام) في النصِّ عليه
باسمه ونَسَبه، كما أنَّ معجزاته التي ثبتت بأسانيد معتبرة تدلُّ على إمامته قطعاً.
وأمَّا الذين أنكروا موت أمير المؤمنين (عليه السلام) وادَّعوا أنَّه لا يزال
حيًّا، فهم مكابرون لما هو أشهر من كلِّ مشهور، إذ إنَّ استشهاده ثابتٌ بالتواتر،
وهو أظهر من موت أيِّ إنسانٍ آخر، بحيث يكون إنكاره موجباً لإنكار كلِّ الوقائع
المتواترة، بما فيها شهادة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
وإضافةً إلى التواتر التاريخي، فقد أخبر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) في حياته
أمير المؤمنين (عليه السلام) بمقتله، وبأنَّه سيُخضَب رأسه بلحيته، وهو ما وقع كما
أخبر به، وهذه نبوءةٌ قطعيَّةٌ لا يمكن إنكارها.
كما أنَّ وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) بحضور
الحسين (عليه السلام) وأبنائه وشيعته، وتأكيده على انتقال الإمامة إليه، هو برهانٌ
آخر على بطلان مزاعم الذين يدَّعون بقائه حيًّا.
وقد أوردت الروايات الصحيحة هذا الأمر في نصوصٍ واضحة لا تحتمل التأويل.
وبذلك، فإنَّ كلَّ هذه الدعاوى ساقطةٌ بحكم البراهين العقليَّة والنقليَّة، ولا
يمكن الأخذ بها بعد قيام الأدلَّة القطعيَّة على بطلانها.
قال (قدّس سرّه): (فإنْ قيل: أليس قد خالف جماعة، فيهم مَنْ قال: المهدي من ولد
عليٍّ (عليه السلام)، فقال: هو محمّد بن الحنفيَّة، وفيهم مَنْ قال من السبائيَّة:
هو عليٌّ (عليه السلام) [لم يمت]، وفيهم مَنْ قال: جعفر بن محمّد لم يمت، وفيهم
مَنْ قال: موسى بن جعفر لم يمت، وفيهم مَنْ قال: المهدي هو أخوه محمّد بن
عليٍّ(٤٧٥)، وهو حيٌّ باقٍ لم يمت، ما الذي يُفسِد قول هؤلاء؟
قلتُ: هذه الأقوال كلُّها أفسدناها بما دلَلنا عليه من موت مَنْ ذهبوا إلى حياته.
وبما بيَّنَّا أنَّ الأئمَّة اثنا عشر.
وبما دلَلنا على صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) من الاعتبار.
وبما سنذكره من صحَّة ولادته وثبوت معجزاته الدالَّة على إمامته، غير أنَّا نشير
إلى إبطال هذه الأقوال بجُمَل من الأخبار، ولا نُطوِّل بذكرها، لئلَّا يطول به
الكتاب ويملَّه القارئ.
فأمَّا مَنْ خالف في موت أمير المؤمنين، وذكر أنَّه حيٌّ باقٍ فهو مكابر، لأنَّ
العلم بموته وقتله أظهر وأشهر من قتل كلِّ أحد وموت كلِّ إنسان، والشكُّ في ذلك
يُؤدِّي إلى الشكِّ في موت النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وجميع أصحابه.
ثمّ ما ظهر من وصيَّته وإخبار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إيَّاه أنَّك تُقتَل
وتُخضَب لحيتك من رأسك يُفسِد ذلك أيضاً، وذلك أشهر من أنْ يحتاج [إلى] أنْ يُروى
فيه الأخبار).
ثمّ إنَّه (قدّس سرّه) انتقل بعد بيان الفنقلة وجوابها وما فرَّعه عليها إلى ذكر
روايات أربع، ونحن نقف على هذه الروايات من جهة دلالتها وبيان سندها وتخريجها كما
هو المعتاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٥) هو محمّد بن عليٍّ الهادي (عليه السلام).
رواية: «يا عليُّ، إنَّ قريشاً
ستظاهر عليك، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك»:
الحديث (١٥٥): أَخْبَرَنَا اِبْنُ أَبِي جِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ
اَلْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي اَلْقَاسِمِ اَلْبَرْقِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ عَلِيٍّ أَبِي سَمِينَةَ اَلْكُوفِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ
قَيْسٍ اَلْهِلَالِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اَلله بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله(صلَّى الله عليه وآله) فِي
وَصِيَّتِهِ لِأَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «يَا عَلِيُّ، إِنَّ
قُرَيْشاً سَتَظَاهَرُ عَلَيْكَ، وَتَجْتَمِعُ كَلِمَتُهُمْ عَلَى ظُلْمِكَ
وَقَهْرِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَجَاهِدْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ
أَعْوَاناً فَكُفَّ يَدَكَ وَاِحْقِنْ دَمَكَ، فَإِنَّ اَلشَّهَادَةَ مِنْ
وَرَائِكَ، لَعَنَ اَللهُ قَاتِلَكَ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي(٤٧٦).
البحث السندي:
١ - ابن أبي جيد القمِّي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢٣).
٢ - محمّد بن الحسن بن الوليد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٣ - محمّد بن أبي القاسم البرقي (بندار): طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له ووصفه بالعالم
الثقة والسيِّد من أصاحبنا القمّيِّين وغير ذلك، من رواة (كامل الزيارات).
٤ - محمّد بن عليٍّ أبو سمينة الكوفي: طبقته في الحديث الثامنة، وقد يُعَدُّ من
السابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: صاحب كتاب، بل كُتُب ككُتُب الحسين ابن سعيد، من
رواة (كامل الزيارات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٦) كتاب سُلَيم (ج ٢/ ص ٩٠٧/ ح ٦١).
هذا، ولكن الشيخ النجاشي (رحمه الله) ذكر في تضعيفه ما نصُّه: (كان يُلقَّب محمّد
بن عليٍّ أبا سمينة، ضعيف جدًّا، فاسد الاعتقاد، لا يُعتمَد في شيء، وكان ورد قمّ،
وقد اشتهر بالكذب بالكوفة، ونزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدَّة، ثمّ تشهَّر
بالغلوِّ فجُفِيَ، وأخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قمّ، وله قصَّة)(٤٧٧).
قال الكشِّي (رحمه الله): (وذكر عليُّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن
شاذان أنَّه قال: كدت أنْ أقنت على أبي سمينة محمّد بن عليٍّ الصيرفي، قال: قلت له:
ولِمَ استوجب القنوت من بين أمثاله؟ قال: إنِّي لأعرف منه ما لا تعرفه.
وذكر الفضل في بعض كُتُبه: الكذَّابون المشهورين أبو الخطَّاب، ويونس ابن ظبيان،
ويزيد الصائغ، ومحمّد بن سنان، وأبو سمينة أشهرهم)(٤٧٨).
٥ - حمَّاد بن عيسى: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير
الرواية، صاحب كتاب، توثيق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه الله)
له، ووثَّقه الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في رجاله، وذكر (قدّس سرّه) رجوعه عن الوقف
في كتاب (الغيبة)، وذكر الكشِّي (رحمه الله) أنَّه من أصحاب الإجماع، ممَّن روى عنه
ابن أبي عمير، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٦ - إبراهيم بن عمر: طبقته في الحديث السادسة، ويمكن عدُّه من الخامسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، ورواية الأجلَّاء عنه، صاحب أصل،
من رواة (تفسير القمِّي).
ولكن ابن الغضائري (رحمه الله) قال عنه: (ضعيف جدًّا)(٤٧٩).
٧ - أبان بن أبي عيَّاش: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧٧) رجال النجاشي (ص
٣٣٢/ الرقم ٨٩٤).
(٤٧٨) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٨٢٣/ ح ١٠٣٣).
(٤٧٩) رجال ابن الغضائري (ص ٣٦/ الرقم ٢/٢).
٨ - سُلَيم بن قيس الهلالي: تقدَّمت في ترجمته في الحديث (١٠١).
٩ - جابر بن عبد الله الأنصاري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
١٠ - عبد الله بن عبَّاس: تقدَّمت في ترجمته في الحديث (٩٨).
رواية: (بعث إليَّ أبو الحسن
موسى بن جعفر (عليه السلام) بهذه الوصيَّة):
الحديث (١٥٦): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلجَبَّارِ،
عَنْ صَفْوَانَ اِبْنِ يَحْيَى، قَالَ: (بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو اَلحَسَنِ مُوسَى
بْنُ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) بِهَذِهِ اَلْوَصِيَّةِ مَعَ اَلْأُخْرَى).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٢ - محمّد بن عبد الجبَّار: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
كثير الرواية، رواية بعض الأجلَّاء عنه، رواية ابن أبي عمير عنه، توثيق الشيخ (قدّس
سرّه) له في رجاله في موضعين، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٣ - صفوان بن يحيى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١).
رواية: «أنت وليُّ الأمر ووليُّ
الدم»:
الحديث (١٥٧): وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ، عَنِ اِبْنِ أَبِي
اَلزُّبَيْرِ اَلْقُرَشِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ زُرَارَةَ، عَمَّنْ رَوَاهُ، عَنْ عَمْرِو اِبْنِ
شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «هَذِهِ
وَصِيَّةُ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)
[إِلَى اَلحَسَنِ (عليه السلام)]». وَهِيَ نُسْخَةُ كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ
اَلْهِلَالِيِّ رَفَعَهَا إِلَى أَبَانٍ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ. قَالَ أَبَانٌ:
وَقَرَأْتُهَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليهما السلام)، فَقَالَ: «صَدَقَ
سُلَيْمٌ (رحمه الله)». قَالَ سُلَيْمٌ: فَشَهِدْتُ وَصِيَّةَ أَمِيرِ
اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حِينَ أَوْصَى إِلَى اِبْنِهِ اَلحَسَنِ (عليه
السلام)، وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ اَلحُسَيْنَ (عليه السلام)
وَمُحَمَّداً(٤٨٠) وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ،
وَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، أَمَرَنِي رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) أَنْ
أُوصِيَ إِلَيْكَ، وَأَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ كُتُبِي وَسِلَاحِي»، ثُمَّ أَقْبَلَ
عَلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، أَنْتَ وَلِيُّ اَلْأَمْرِ وَوَلِيُّ اَلدَّمِ،
فَإِنْ عَفَوْتَ فَلَكَ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَضَرْبَةً مَكَانَ ضَرْبَةٍ وَلَا
تَأْثَمْ». ثُمَّ ذَكَرَ اَلْوَصِيَّةَ إِلَى آخِرِهَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ
وَصِيَّتِهِ قَالَ: «حَفِظَكُمُ اَللهُ وَحَفِظَ فِيكُمْ نَبِيَّكُمْ،
أَسْتَوْدِعُكُمُ اَللهَ وَأَقْرَأُ عَلَيْكُمُ اَلسَّلَامَ وَرَحْمَةَ اَلله»،
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ» حتَّى قُبِضَ لَيْلَةَ
ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ اَلجُمُعَةِ سَنَةَ
أَرْبَعِينَ مِنَ اَلْهِجْرَةِ، وَكَانَ ضُرِبَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ
شَهْرِ رَمَضَانَ.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي(٤٨١).
٢ - مَنْ لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٤٨٢).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - ابن أبي الزبير القرشي (عليُّ بن محمّد): طبقته في الحديث التاسعة، وقد يُعَدُّ
من العاشرة - من المعمَّرين -، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨٠) أي محمّد بن
الحنفيَّة.
(٤٨١) كتاب سُلَيم (ج ٢/ ص ٩٢٤ - ٩٢٧/ ح ٦٩).
(٤٨٢) من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ١٨٩ - ١٩٢/ ح ٥٤٣٣).
شيخ إجازة، روايته لأغلب الأُصول، وصفه بأنَّه - علواً في الوقت - من قِبَل الشيخ
النجاشي (رحمه الله) - على خلاف في أصل النسبة، والمعنى -.
٣ - عليُّ بن الحسن بن فضَّال: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦٩).
٤ - محمّد بن عبد الله بن زرارة: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عديدة،
منها: ترحُّم الإمام (عليه السلام) عليه، من رواة (كامل الزيارات)، ذكر الشيخ
النجاشي (رحمه الله) في ترجمة الحسن بن عليِّ بن فضال قول عليِّ بن الريَّان: (وكان
والله محمّد بن عبد الله (بن زرارة) أصدق عندي لهجةً من أحمد بن الحسن، فإنَّه رجل
فاضل، ديِّن)(٤٨٣)، رواية بعض الأجلَّاء عنه.
٥ - عمَّن رواه: لا نعرفه.
٦ - عمرو بن شمر: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي)، رواية الأجلَّاء عنه، وجماعة من
أهل الإجماع.
ولكنَّ الشيخ النجاشي (رحمه الله) قال: (ضعيف جدًّا، زيد أحاديث في كُتُب جابر
الجعفي يُنسَب بعضها إليه، والأمر ملتبس)(٤٨٤).
وقال ابن الغضائري (رحمه الله): (ضعيف)(٤٨٥).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (الرجل لم تثبت وثاقته، فإنَّ توثيق عليِّ بن
إبراهيم القمِّي إيَّاه معارض بتضعيف النجاشي، فالرجل مجهول الحال، هذا وقد وثَّقه
المحدِّث النوري في المستدرك، الجزء ٣، الفائدة الخامسة، في شرح مشيخة الفقيه في
طريق الصدوق إلى جابر بن يزيد الجعفي، واعتمد في ذلك على رواية الأجلَّاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨٣) رجال النجاشي (ص
٣٦/ الرقم ٧٢).
(٤٨٤) رجال النجاشي (ص ٢٨٧/ الرقم ٧٦٥).
(٤٨٥) رجال ابن الغضائري (ص ٧٤/ الرقم ٧٨/٣).
وخمسة من أصحاب الإجماع عنه، وعلى اعتماد الشيخ المفيد عليه. والجواب عن ذلك قد
تقدَّم غير مرَّة، وقلنا: إنَّ رواية الأجلَّاء، أو أصحاب الإجماع عن شخص، وكذلك
اعتماد القدماء عليه، لا تدلُّ على وثاقته)(٤٨٦).
٧ - جابر (الجعفي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٣).
رواية: أنَّه قُبِضَ ليلة إحدى
وعشرين:
الحديث (١٥٨): وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قُبِضَ لَيْلَةَ إِحْدَى
وَعِشْرِينَ، وَضُرِبَ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وهي الأظهر.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨٦) معجم رجال الحديث (ج ١٤/ ص ١١٧/ الرقم ٨٩٣٨).
بيان بطلان الفرقة الكيسانيَّة:
قد بيَّن (قدّس سرّه) في مواضع سابقة من هذا الشرح الأدلَّة على بطلان القول
بإمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، من الكيسانيَّة، ما يُغني عن إعادتها
هنا تفصيلاً.
وهنا يقول (قدّس سرّه): فإذا ثبت أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ولد
الحسين (عليه السلام) - وليس من ذرّيَّة الحسن (عليه السلام) أو غيره - فإنَّ هذا
يستلزم بطلان جميع الأقوال المخالفة التي تنسب الإمامة إلى غير ذرّيَّة الإمام
الحسين (عليه السلام)، كالكيسانيَّة الذين اعتقدوا بإمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضي
الله عنه).
هذا النوع من الاستدلال يُعرَف في المنهج الكلامي بالقياس المضمر أو الاستدلال
بالمقدَّمة المشهورة، وهو أُسلوب يُستخدَم لإبطال الأقوال المخالفة بمجرَّد إثبات
الأصل الصحيح.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا وفاة محمّد بن عليِّ بن الحنفيَّة وبطلان قول مَنْ ذهب
إلى إمامته، فقد بيَّنَّاه فيما مضى من الكتاب(٤٨٨)، وعلى هذه الطريقة إذا بيَّنَّا
أنَّ المهدي من ولد الحسين (عليه السلام) بطل قول المخالف في إمامته (عليه
السلام)).
ثمّ إنَّه (قدّس سرّه) زاد في وضوح ما تقدَّم وفي بيانه قائلاً: (ويزيده بياناً).
أي إنَّ ما سبق من الحُجَج يزداد وضوحاً ورسوخاً عند النظر في الروايات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨٧) شهر رمضان
المبارك (١٤٤٦هـ).
(٤٨٨) يُراجَع ما تقدَّم في: دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ١٢٣/ الدرس ١٩ وما
بعده).
الواردة عن الأئمَّة (عليهم السلام)، والتي تُؤكِّد على أنَّ الإمامة محصورة في
ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، ومن هذه الروايات:
رواية: الوصيَّة من الإمام
الحسين (عليه السلام) إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) لا إلى محمّد (رضي
الله عنه):
الحديث (١٥٩): مَا رَوَاهُ اَلحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى،
عَنْ رِبْعِيِّ اِبْنِ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ
لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «لَـمَّا تَوَجَّهَ اَلحُسَيْنُ (عليه السلام)
إِلَى اَلْعِرَاقِ دَفَعَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله
عليه وآله) اَلْوَصِيَّةَ وَاَلْكُتُبَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَ لهَا: إِذَا
أَتَاكِ أَكْبَرُ وُلْدِي فَادْفَعِي إِلَيْهِ مَا قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكِ،
فَلَمَّا قُتِلَ اَلحُسَيْنُ (عليه السلام) أَتَى عَلِيُّ بْنُ اَلحُسَيْنِ (عليه
السلام) أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاهَا اَلحُسَيْنُ
(عليه السلام)».
دلالة الحديث:
هذه الرواية ذات دلالة قاطعة على أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أوصى لابنه
عليِّ بن الحسين (عليه السلام) بالأمانات الإلهيَّة المتمثِّلة في (الوصيَّة
والكُتُب وغيرها)، وهو أُسلوب خاصٌّ في نقل الإمامة من إمام إلى إمام. فالوصيَّة
هنا تعني أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يوصِ لأخيه محمّد بن الحنفيَّة (رضي
الله عنه)، بل جعل الإمامة في ولده (عليهم السلام)، وهو أمر يكشف عن بطلان دعوى
إمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، إذ إنَّ الإمامة لا تكون إلَّا بنصٍّ
إلهي واضح، وهذا النصُّ قد ثبت لعليِّ بن الحسين (عليه السلام) عبر هذه الوصيَّة.
كما أنَّ الرواية تشير إلى وجود عهد محفوظ لدى أهل البيت (عليهم السلام)، يُنقَل من
إمام إلى إمام، وهو أمر ثابت في المنهج الإمامي القائل بالتنصيص على الإمام
اللَّاحق.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد، وله إليه طُرُق:
أ - طُرُق (الفهرست): (أخبرنا بكُتُبه ورواياته ابن أبي جيد القمِّي، عن محمّد بن
الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد بن حمَّاد ابن سعيد بن
مهران. قال ابن الوليد: وأخرجها إلينا الحسين بن الحسن بن أبان بخطِّ الحسين بن
سعيد، وذكر أنَّه كان ضيف أبيه.
وأخبرنا بها عدَّة من أصحابنا، عن محمّد بن عليِّ بن الحسين، عن أبيه ومحمّد بن
الحسن ومحمّد بن موسى بن المتوكِّل، عن سعد بن عبد الله والحميري، عن أحمد بن محمّد
بن عيسى، عن الحسين بن سعيد)(٤٨٩).
ب - طُرُق (التهذيب): (وما ذكرته في هذا الكتاب - التهذيب - عن الحسين بن سعيد فقد
أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد الله
وأحمد بن عبدون كلُّهم، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن أخيه محمّد بن
الحسن بن الوليد.
وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد القمِّي، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن
الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد.
ورواه أيضاً محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفَّار، عن أحمد بن
محمّد، عن الحسين بن سعيد)(٤٩٠).
وعليه فطُرُق (الفهرست) الرئيسة (طريقان)، والفرعيَّة عديدة في كلِّ طريق عدَّة
طُرُق فرعيَّة. وطُرُق (التهذيب) الرئيسة والفرعيَّة (ثلاثة). والطُّرُق كلُّها
صحيحة لمن يتجاوز مشكلة ابن أبي جيد وأحمد بن محمّد والحسين بن الحسن بن أبان، وليس
ببعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨٩) الفهرست (ص ١١٣/
الرقم ٢٣٠/٢٧).
(٤٩٠) تهذيب الأحكام (ج ١٠/ شرح مشيخة تهذيب الأحكام ص ٦٣ - ٦٦).
٢ - الحسين بن سعيد (الأهوازي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٥٤).
٣ - حمَّاد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٥٥).
٤ - ربعي بن عبد الله بن الجارود: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من
الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية، رواية الأجلَّاء عنه، رواية ابن
أبي عمير عنه، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب أصل، وروى الكشِّي (رحمه
الله) توثيقه، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٥ - الفضيل بن يسار: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٥).
رواية: «لا تعود الإمامة في
أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»:
الحديث (١٦٠): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ
عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرِ
بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَعُودُ
اَلْإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلحَسَنِ وَاَلحُسَيْنِ (عليهما السلام)،
وَلَا يَكُونُ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام) إِلَّا فِي
اَلْأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ اَلْأَعْقَابِ».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تكشف عن قاعدة مهمَّة في نظام الإمامة عند أهل البيت (عليهم السلام)،
وهي أنَّ الإمامة بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) لا تنتقل بين الأخوين، بل تبقى
في الأعقاب. أي إنَّ الإمامة بعد الإمام الحسين (عليه السلام) لا يمكن أنْ تكون
إلَّا في ذرّيَّته، وليس في أخيه محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) أو غيره.
وهذا ينسف الأساس الذي اعتمد عليه القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله
عنه)، لأنَّ انتقال الإمامة بعد الإمام عليٍّ (عليه السلام) إلى الحسن والحسين
(عليهما السلام) كان حالة خاصَّة، أمَّا بعدها فإنَّ السلسلة مستمرَّة في
الذرّيَّة.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٤٩١).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٤٩٢).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله(٤٩٣): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - محمّد بن عيسى بن عبيد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣).
٣ - يونس بن عبد الرحمن: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٤ - الحسين بن ثوير بن أبي فاختة (مولى أُمِّ هاني بنت أبي طالب): طبقته في الحديث
الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب،
من رواة (كامل الزيارات).
ثمّ إنَّه (قدّس سرّه) علَّق بعد الحديث رقم (١٦٠)، ونُبيِّن تعليقه ثمّ نذكر
عبارته:
أ - المحاكمة إلى الحجر الأسود: هنا يشير الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) إلى واقعة
مشهورة تُروى في مصادر الإماميَّة، وهي أنَّ محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)
نازع الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الإمامة بعد شهادة الإمام الحسين (عليه
السلام)، فاحتكما إلى الحجر الأسود، فتكلَّم الحجر بلسان عربي مبين وشهد بإمامة
الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، ممَّا دفع محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله
عنه) إلى التسليم بالأمر، على ما تقدَّم تفصيلاً.
ب - بيان بطلان الفرقة الناووسيَّة: وهم الذين توقَّفوا على الإمام جعفر الصادق
(عليه السلام) وزعموا أنَّه لم يمت، بل هو المهدي المنتظَر، مستدلِّين بفضائله
وعلمه ومنزلته الرفيعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩١) الكافي (ج ١/ ص
٢٨٥ و٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ١).
(٤٩٢) كمال الدِّين (ص ٤١٤/ باب ٤٠/ ح ١).
(٤٩٣) وفي كلِّ موردٍ يروي الشيخ (قدّس سرّه) عن سعد بن عبد الله مباشرةً فطريقه
إليه ما ذكرناه في الحديث (١٢٧)، فراجع.
وبطلان قول هذه الفرقة من وجوه:
ج - موت الإمام الصادق (عليه السلام) لا يمكن إنكاره: موت الإمام الصادق (عليه
السلام) كان أمراً مشهوراً ولم يكن خافياً، بل عُرِفَ بين الناس، وشهد عليه الخاصُّ
والعامُّ، وهو أمر لا يمكن إنكاره.
د - سريان الإمامة ودوامها: بما أنَّ الإمامة نظام إلهي مستمرٌّ، فلا يمكن أنْ
تتوقَّف عند الإمام الصادق (عليه السلام)، بل يجب أنْ تستمرَّ في ابنه الإمام موسى
الكاظم (عليه السلام)، وقد ثبتت إمامته بالنصوص المعتبرة.
هـ - المخالفة لحديث الاثني عشر: هذا الردُّ قائم على قاعدة تحديد عدد الأئمَّة،
وأنَّهم اثنا عشر إماماً، ممَّا يعني أنَّ القول بتوقُّف الإمامة عند الإمام الصادق
(عليه السلام) يخالف هذا الأصل الثابت.
و - وضوح الوصيَّة: أي إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد أوصى بوضوح إلى خليفته
الشرعي، وهو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وقد ظهر هذا الأمر بوضوح فيه.
ونصُّ ما قاله (قدّس سرّه): (وما جرى بين محمّد بن الحنفيَّة وعليِّ بن الحسين
(عليه السلام) ومحاكمتهما إلى الحجر معروف(٤٩٤) لا نُطوِّل بذكره هاهنا.
وأمَّا الناووسيَّة الذين وقفوا على أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام)،
وقالوا: هو المهدي. قد بيَّنَّا أيضاً فساد قولهم بما علمناه من موته واشتهار الأمر
فيه، ولصحَّة إمامة ابنه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وبما ثبت من إمامة الاثني
عشر (عليهم السلام)).
ثمّ إنَّه (قدّس سرّه) قال: (ويُؤكِّد ذلك ما ثبت من صحَّة وصيَّته إلى مَنْ أوصى
إليه، وظهور الحال في ذلك).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩٤) يُراجَع ما تقدَّم في: دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ١٢٦).
رواية: (أتُعطي رجلاً حمل عليك
بالشفرة):
الحديث (١٦١): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ سَالِمَةَ مَوْلَاةِ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه
السلام)، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ
(عليهما السلام) حِينَ حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا
أَفَاقَ قَالَ: «أَعْطُوا اَلحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ -
وَهُوَ اَلْأَفْطَسُ - سَبْعِينَ دِينَاراً، وَأَعْطُوا فُلَاناً كَذَا، وَفُلَاناً
كَذَا». فَقُلْتُ: أَتُعْطِي رَجُلاً حَمَلَ عَلَيْكَ بِالشَّفْرَةِ يُرِيدُ أَنْ
يَقْتُلَكَ؟ قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ لَا أَكُونَ مِنَ اَلَّذِينَ قَالَ اَللهُ
(عزَّ وجلَّ): ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ
أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾
[الرعد: ٢١]؟ نَعَمْ يَا سَالِمَةُ إِنَّ اَللهَ تَعَالَى خَلَقَ اَلجَنَّةَ
فَطَيَّبَهَا وَطَيَّبَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ
أَلْفَيْ عَامٍ، وَلَا يَجِدُ رِيحَهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُثبِت بشكل واضح أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد تُوفِّي، ممَّا
يُبطِل مزاعم الناووسيَّة، وتضمَّنت أيضاً وصيَّة الإمام (عليه السلام) بإعطاء
المال حتَّى لمن أساء إليه. وهذا يتَّضح أكثر في قول سالمة: (أَتُعْطِي رَجُلاً
حَمَلَ عَلَيْكَ بِالشَّفْرَةِ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟)، أي إنَّ الإمام الصادق
(عليه السلام) كان يُحسِن حتَّى لمن أراد إيذاءه. فأجابها (عليه السلام) بآية
قرآنيَّة: «تُرِيدِينَ أَنْ لَا أَكُونَ مِنَ اَلَّذِينَ قَالَ اَللهُ (عزَّ
وجلَّ): ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ
يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾؟».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن سفيان البزوفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٨).
٣ - أحمد بن إدريس: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢).
٤ - أحمد بن محمّد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٥ - الحسن بن محبوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٦ - جميل بن صالح: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣٩).
٧ - هشام بن أحمر: طبقته في الحديث الخامسة، وقد يُعَدُّ من السادسة.
هذا، وتوجد رواية في (الكافي) تدلُّ على اختصاص هشام بأبي الحسن (عليه السلام)،
وأنَّه هو الذي بعثه أبو الحسن (عليه السلام) ليشتري أُمَّ الرضا (عليه السلام)،
فاشتراها، وقال له بايعها: أُخْبِرُكَ عَنْ هَذِهِ اَلْوَصِيفَةِ، إِنِّي
اِشْتَرَيْتُهَا مِنْ أَقْصَى اَلمَغْرِبِ، فَلَقِيَتْنِي اِمْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَابِ، فَقَالَتْ: مَا هَذِهِ اَلْوَصِيفَةُ مَعَكَ؟ قُلْتُ: اِشْتَرَيْتُهَا
لِنَفْسِي، فَقَالَتْ: مَا يَكُونُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ عِنْدَ مِثْلِكَ،
إِنَّ هَذِه اَلْجَارِيَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِنْدَ خَيْرِ أَهْلِ
اَلْأَرْضِ، فَلَا تَلْبَثُ عِنْدَهُ إِلَّا قَلِيلاً حَتَّى تَلِدَ مِنْه غُلَاماً
مَا يُولَدُ بِشَرْقِ اَلْأَرْضِ وَلَا غَرْبِهَا مِثْلُهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُه
بِهَا، فَلَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ إِلَّا قَلِيلاً حَتَّى وَلَدَتِ اَلرِّضَا (عليه
السلام)(٤٩٥).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (دلَّت الرواية على اختصاصه بالإمام الكاظم (عليه
السلام))(٤٩٦).
٨ - سالمة مولاة أبي عبد الله (عليه السلام): تقدَّمت ترجمتها في الحديث (٦٤)(٤٩٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩٥) الكافي (ج ١/ ص
٤٨٦ و٤٨٧/ باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١).
(٤٩٦) معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٢٩٤/ الرقم ١٣٣٥٢).
(٤٩٧) رجال وردوا في الحديث: الحسن بن عليِّ بن عليِّ بن الحسين (الأفطس): الحسن
الأفطس بن عليٍّ الأصغر بن عليٍّ زين العابدين بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب
(عليه السلام). الفطس - بالتحريك -انبطاح وانتشار في قصبة الأنف.
رواية: (أوصى إلى خمسة):
الحديث (١٦٢): وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ اَلخُوزِيُّ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو
جَعْفَرٍ اَلمَنْصُورُ فِي جَوْفِ اَللَّيْلِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ
عَلَى كُرْسِيٍّ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَمْعَةٌ وَفِي يَدِهِ كِتَابٌ، فَلَمَّا
سَلَّمْتُ عَلَيْهِ رَمَى اَلْكِتَابَ إِلَيَّ وَهُوَ يَبْكِي، وَقَالَ: هَذَا
كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يُخْبِرُنَا أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ
قَدْ مَاتَ، فَإِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - ثَلَاثاً -، وَأَيْنَ
مِثْلُ جَعْفَرٍ؟! ثُمَّ قَالَ لِي: اُكْتُبْ، فَكَتَبْتُ صَدْرَ اَلْكِتَابِ،
ثُمَّ قَالَ: اُكْتُبْ إِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ
فَقَدِّمْهُ وَاِضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: فَرَجَعَ اَلْجَوَابُ إِلَيْهِ: أَنَّهُ
قَدْ أَوْصَى إِلَى خَمْسَةٍ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ اَلمَنْصُورُ، وَمُحَمَّدِ
بْنِ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدِ اَلله وَمُوسَى اِبْنَيْ جَعْفَرٍ، وَحَمِيدَةَ.
فَقَالَ اَلمَنْصُورُ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِ هَؤُلَاءِ سَبِيلٌ.
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُؤكِّد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) باعتراف المنصور العبَّاسي
نفسه، ممَّا ينقض دعاوى الناووسيَّة. وهو ما يُثبِت الحكمة العالية وحسن التدبير
لدى الإمام (عليه السلام) حيث أوصى لعدَّة أشخاص، ممَّا جعل من الصعب على
العبَّاسيِّين معرفة الإمام الحقيقي.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٤٩٨).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
* أبو أيُّوب الخوزي: وزير المنصور العبَّاسي.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩٨) الكافي (ج ١/ ص ٣١٠/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)/ ح ١٣).
إبطال قول الواقفة:
قال (قدّس سرّه): وأمَّا الواقفة الذين وقفوا على الإمام موسى بن جعفر (عليه
السلام)، وقد أبطلنا هذه الدعوى بـ:
١ - الدليل القطعي على وفاته (عليه السلام)، فقد كان موته مشهوداً، وأقرَّ به
الخاصُّ والعامُّ، وجرى عليه ما يجري على سائر الأموات من الغُسل والتكفين والدفن،
ولم يكن أمره ملتبساً أو مجهولاً.
٢ - قيام الحجَّة البيِّنة على إمامة ابنه الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه
السلام)، إذ ثبتت إمامته بالنصوص القطعيَّة، والعلامات البيِّنة التي تواترت من
آبائه، إضافةً إلى إقرار العلماء والخواصِّ من الشيعة بإمامته وظهور المعجزات على
يديه.
وهذه الحُجَج المتينة كافية لمن أراد الإنصاف واتَّبع الدليل، ولم يتَّبع هواه أو
يتمسَّك بتأويلات باطلة، فإنَّ الإنسان إذا كان منصفاً، كان كافياً له أنْ يطَّلع
على هذه الأدلَّة حتَّى يقتنع ببطلان مذهب الواقفة.
إبطال الفرقة المحمَّديَّة:
أمَّا الفرقة المحمّديَّة، والتي زعمت أنَّ محمّد بن الإمام عليٍّ الهادي (رضي الله
عنه) هو الإمام بعد أبيه، وأنَّه لم يمت بل هو حيٌّ، فإنَّ هذا القول باطل ومردود،
ووجه بطلانه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩٩) شهر رمضان المبارك (١٤٤٦هـ).
١ - أنَّ الأدلَّة القطعيَّة دلَّت على إمامة أخيه الإمام الحسن بن عليٍّ العسكري
(عليه السلام)، المعروف بأبي القائم، وأنَّ النصوص الواردة عن آبائه صريحة في
إمامته.
٢ - أنَّ محمّد بن عليٍّ العسكري (رضي الله عنه) قد تُوفِّي في حياة أبيه، وكانت
وفاته معلومة مشهودة، كما هو الحال في وفاة أبيه الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام)
وجدِّه الإمام الجواد (عليه السلام). ومَنْ يُنكِر ذلك فهو يُنكِر أُموراً ضروريَّة
ثابتة لا تقبل الجدل.
٣ - لزيادة توضيح الأمر، ولإقامة الحجَّة القاطعة، فقد وردت عدَّة روايات صريحة
تدلُّ على أنَّ الإمام بعد الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام) هو ابنه الحسن
العسكري (عليه السلام)، وليس محمّداً.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا الواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر (عليهما السلام)،
وقالوا: هو المهدي، فقد أفسدنا أقوالهم بما دلَلنا عليه من موته، واشتهار الأمر
فيه، وثبوت إمامة ابنه الرضا (عليه السلام)، وفي ذلك كفاية لمن أنصف.
وأمَّا المحمّديَّة الذين قالوا بإمامة محمّد بن عليٍّ العسكري، وإنَّه حيٌّ لم
يمت، فقولهم باطل لما دلَلنا به على إمامة أخيه الحسن بن عليٍّ أبي القائم (عليهم
السلام)، وأيضاً فقد مات محمّد في حياة أبيه (عليه السلام) موتاً ظاهراً، كما مات
أبوه وجدُّه، فالمخالف في ذلك مخالف في الضرورات).
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) عدَّة روايات، حيث قال (قدّس سرّه): (ويزيد ذلك بياناً).
رواية: «صاحبكم الحسن»:
الحديث (١٦٣): مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ
بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَيَّارٍ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْبَصْرِيِّ(٥٠٠)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
عُمَرَ اَلنَّوْفَلِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي اَلحَسَنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٠) في الكافي: (بشَّار بن أحمد البصري)، وفي إثبات الوصيَّة: (سنان بن محمّد البصري).
اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) فِي دَارِهِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ،
فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا صَاحِبُنَا؟ فَقَالَ: «لَا، صَاحِبُكُمْ اَلحَسَنُ».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُبيِّن أنَّ الإمام عليًّا الهادي (عليه السلام) كان يُصرِّح بأنَّ
الإمام من بعده هو ابنه الحسن العسكري (عليه السلام)، وليس محمّداً، وقد قال ذلك
بوضوح حين سُئِلَ عن ابنه محمّد، فنفى كونه الإمام وأكَّد أنَّ صاحب الإمامة هو
الحسن العسكري (عليه السلام).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٠١).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٥٠٢).
البحث السندي:
* طريق الشيخ إلى سعد بن عبد الله الأشعري القمِّي: ذكرناه في أسانيد الدرس (١٢٧).
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
٢ - جعفر بن محمّد بن مالك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٦).
٣ - سيَّار بن محمّد المصري: طبقته في الحديث يحتمل السابعة، قال الشيخ المامقاني
(رحمه الله): (اختلف النقل في اسم المعنون، ففي الغيبة: سيَّار، وفي الكافي:
بشَّار، وفي إثبات الوصيَّة: سنان، وهو واحد، قد وقع التصحيف في الأب أيضاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠١) الكافي (ج ١/ ص
٣٢٥ و٣٢٦/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ٢).
(٥٠٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٤ و٣١٥).
بين (أحمد) و(محمّد)، والمتن واحد تقريباً... حصيلة البحث على كلِّ تقدير: الاسم
مردَّد، وحكمه الإهمال)(٥٠٣).
٤ - عليُّ بن عمر النوفلي: طبقته في الحديث السابعة، مهمل.
رواية: «الحسن ابني القائم من
بعدي»:
الحديث (١٦٤): وَعَنْهُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ
أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ رَجَا صَاحِبِ اَلتُّرْكِ، قَالَ: قَالَ أَبُو
اَلحَسَنِ (عليه السلام): «اَلحَسَنُ اِبْنِي اَلْقَائِمُ مِنْ بَعْدِي».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُؤكِّد الأمر ذاته، إذ ينصُّ الإمام عليٌّ الهادي (عليه السلام)
صراحةً على أنَّ ابنه الحسن (عليه السلام) هو القائم بالأمر من بعده، ممَّا يدلُّ
دلالة قاطعة على إمامته.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٠٤).
البحث السندي:
١ - عنه (سعد بن عبد الله): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - هارون بن مسلم بن سعدان: طبقته في الحديث السابعة، وجوه توثيقه عيدة، منها:
توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، صاحب كتاب وله آراء كلاميَّة خاصَّة ومذهب في
الجبر والتشبيه على ما صرَّح به الشيخ النجاشي (رحمه الله)، كثير الرواية، من رواة
(كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
٣ - أحمد بن محمّد بن رجا صاحب الترك: مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٣) تنقيح المقال (ج
٣٤/ هامش ص ٢٥٧ و٢٥٨/ الرقم ١٠٥٨٨/٧٣٢).
(٥٠٤) إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٦).
رواية: «ليس هذا صاحبكم»:
الحديث (١٦٥): عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى اَلْعَلَوِيِّ مِنْ وُلْدِ
عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلحَسَنِ (عليه السلام)
بِصَرْيَا(٥٠٥)، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي
مُحَمَّدٍ قَدْ دَخَلَا، فَقُمْنَا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ لِنُسَلِّمَ عَلَيْهِ،
فَقَالَ أَبُو اَلحَسَنِ (عليه السلام): «لَيْسَ هَذَا صَاحِبَكُمْ، عَلَيْكُمْ
بِصَاحِبِكُمْ» وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام).
دلالة الحديث:
هذه الرواية تزيد الأمر وضوحاً، إذ يُوضِّح الإمام عليٌّ الهادي (عليه السلام)
لزوَّاره أنَّ الإمام الحقَّ من بعده هو ابنه الحسن العسكري (عليه السلام)، وليس
ابنه محمّد.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - عنه (سعد بن الله الأشعري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أحمد بن عيسى العلوي: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق
الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، ووصفه بالزاهد، في ترجمة عليِّ بن محمّد بن عبد الله
أبي الحسن القزويني.
رواية: (أوصى أبو الحسن (عليه
السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) قبل مضيِّه بأربعة أشهر):
الحديث (١٦٦): وَرَوَى يَحْيَى بْنُ بَشَّارٍ اَلْقَنْبَرِيُّ، قَالَ: (أَوْصَى
أَبُو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٥) صريا - بالصاد المهملة، ثمّ الياء المثنَّاة التحتانيَّة بعدها الألف -، قال ابن شهرآشوب (رحمه الله) في المناقب (ج ٣/ ص ٤٨٩/ باب إمامة أبي جعفر الثاني (عليه السلام)): (هي قرية أسَّسها موسى بن جعفر (عليه السلام) على ثلاثة أميال من المدينة).
اَلحَسَنِ (عليه السلام) إِلَى اِبْنِهِ اَلحَسَنِ (عليه السلام) قَبْلَ مُضِيِّهِ
بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَأَشْهَدَنِي عَلَى ذَلِكَ وَجَمَاعَةً مِنَ اَلمَوَالِي).
دلالة الحديث:
هذه الرواية تضيف دليلاً آخر، وهو أنَّ الإمام عليًّا الهادي (عليه السلام) أوصى
بإمامة ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) قبل وفاته بأربعة أشهر، وأشهد على ذلك
جماعة من الموالي، ممَّا يدلُّ على أنَّ الإمامة انتقلت إليه بنصٍّ واضحٍ.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٠٦).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٥٠٧).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
يحيى بن بشَّار القنبري: مهمل.
الروايات الدالَّة على موت
السيِّد محمّد سبع الدجيل (رضي الله عنه) ومناقشتها:
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا موت محمّد في حياة أبيه (عليه السلام))، ثمّ ذكر (قدّس
سرّه) عدَّة روايات، وهي:
رواية: «نعم يا أبا هاشم بدا
لله تعالى في أبي جعفر»:
الحديث (١٦٧): فَقَدْ رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ
عِنْدَ أَبِي اَلحَسَنِ (عليه السلام) وَقْتَ وَفَاةِ اِبْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٦) الكافي (ج ١/ ص
٣٢٥/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١).
(٥٠٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٤).
أَبِي جَعْفَرٍ - وَقَدْ كَانَ أَشَارَ إِلَيْهِ وَدَلَّ عَلَيْهِ -، فَإِنِّي
لَأُفَكِّرُ فِي نَفْسِي وَأَقُولُ: هَذِهِ قَضِيَّةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ
وَقَضِيَّةُ إِسْمَاعِيلَ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو اَلحَسَنِ (عليه السلام)،
فَقَالَ: «نَعَمْ يَا أَبَا هَاشِمٍ بَدَا لِلهِ تَعَالَى فِي أَبِي جَعْفَرٍ
وَصَيَّرَ مَكَانَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَدَا لِلهِ فِي إِسْمَاعِيلَ بَعْدَ
مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) وَنَصَبَهُ، وَهُوَ كَمَا
حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسُكَ وَإِنْ كَرِهَ اَلمُبْطِلُونَ، أَبُو مُحَمَّدٍ اِبْنِي
اَلخَلَفُ مِنْ بَعْدِي، عِنْدَهُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ومَعَهُ آلَةُ
اَلْإِمَامَةِ، وَاَلحَمْدُ لِلهِ».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُبيِّن أنَّ الناس فهمت أنَّ بعد الإمام الهادي (عليه السلام) ابنه
محمّد (رضي الله عنه)، لكن تبيَّن حقيقة الأمر بعد وفاته (رضي الله عنه) وأنَّ
الإمامة ليست فيه، بل في أخيه العسكري (عليه السلام)، وقد شبَّه الإمام الهادي
(عليه السلام) هذه الحالة بقضيَّة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وأخيه إسماعيل،
حيث كان البعض يظنُّ أنَّ إسماعيل هو الإمام بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، فلما
تُوفِّي ظهر بوضوح أنَّ الإمام كان هو الكاظم (عليه السلام)، هذه هي مشيئة الله
(عزَّ وجلَّ).
تخريج الحديث:
تقدَّم في (ح ٨٤)، وله تخريجات ذكرناها هناك.
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أبو هاشم داود بن قاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
رواية: (فلمَّا مضى أبو جعفر
قلقت لذلك):
الحديث (١٦٨): سَعْدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْكُلَيْنِيِّ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلنَّخَعِيِّ، عَنْ شَاهَوَيْهِ بْنِ عَبْدِ اَلله
اَلجَلَّابِ، قَالَ: كُنْتُ رُوِّيتُ عَنْ أَبِي اَلحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه
السلام) فِي أَبِي جَعْفَرٍ اِبْنِهِ رِوَايَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا مَضَى
أَبُو جَعْفَرٍ قَلِقْتُ
لِذَلِكَ، وَبَقِيتُ مُتَحَيِّراً لَا أَتَقَدَّمُ وَلَا أَتَأَخَّرُ، وَخِفْتُ
أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَا أَدْرِي مَا يَكُونُ، فَكَتَبْتُ
إِلَيْهِ أَسْأَلُهُ اَلدُّعَاءَ وَأَنْ يُفَرِّجَ اَللهُ تَعَالَى عَنَّا فِي
أَسْبَابٍ مِنْ قِبَلِ اَلسُّلْطَانِ كُنَّا نَغْتَمُّ بِهَا فِي غِلْمَانِنَا،
فَرَجَعَ اَلجَوَابُ بِالدُّعَاءِ وَرَدِّ اَلْغِلْمَانِ عَلَيْنَا، وَكَتَبَ فِي
آخِرِ اَلْكِتَابِ: «أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ عَنِ اَلخَلَفِ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي
جَعْفَرٍ، وَقَلِقْتَ لِذَلِكَ، فَلَا تَغْتَمَّ، فَإِنَّ اَللهَ لَا ﴿يُضِلَّ
قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾
[التوبة: ١١٥]، صَاحِبُكُمْ بَعْدِي أَبُو مُحَمَّدٍ اِبْنِي، وَعِنْدَهُ مَا
تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، يُقَدِّمُ اَللهُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ، ﴿مَا
نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
[البقرة: ١٠٦]، قَدْ كَتَبْتُ بِمَا فِيهِ بَيَانٌ وَقِنَاعٌ لِذِي عَقْلٍ
يَقْظَانَ».
(قال محمّد بن الحسن(٥٠٨): ما تضمَّن الخبر المتقدِّم من قوله: «بَدَا لِله فِي
مُحَمَّدٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ»، معناه: ظهر من الله وأمره في أخيه
الحسن ما زال الريب والشكَّ في إمامته، فإنَّ جماعة من الشيعة كانوا يظنُّون أنَّ
الأمر في محمّد من حيث كان الأكبر، كما كان يظنُّ جماعة أنَّ الأمر في إسماعيل بن
جعفر دون موسى(عليه السلام)، فلمَّا مات محمّد ظهر من أمر الله فيه، وأنَّه لم
ينصبه إماماً، كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك، لا أنَّه كان نصَّ عليه ثمّ بدا له في
النصِّ على غيره، فإنَّ ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب).
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُؤكِّد نفس المضمون، حيث كان هناك بعض الرواة يظنُّ أنَّ الإمامة في
السيِّد محمّد (رضي الله عنه)، فلمَّا تُوفِّي وقعوا في الحيرة، فكتبوا إلى الإمام
(عليه السلام) يستفسرون عن ذلك، فجاءهم الجواب مطمئناً بأنَّ الإمام بعد الإمام
الهادي (عليه السلام) هو الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه صاحب العلم الإلهي
والإمامة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٨) أي المؤلِّف (قدّس سرّه).
وأنَّ مشيئة الله (عزَّ وجلَّ) تقتضي تقديم مَنْ يشاء وتأخير مَنْ يشاء، كما أشار
إلى آية النسخ التي تدلُّ على تبديل الأُمور وفق الحكمة الإلهيَّة.
تعليق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)
على الرواية:
يُوضِّح الشيخ (قدّس سرّه) تعبير «بَدَا لِله» لا يعني تبدُّل الرأي الإلهي أو
أنَّه كان قد نصب محمّداً ثمّ تراجع، فهذا لا يجوز في حقِّ الله تعالى العالم بكلِّ
شيء، بل معناه أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أظهر للناس أنَّ الإمام هو الحسن العسكري
(عليه السلام) بعد أنْ كانوا يظنُّون أنَّ الإمامة في محمّد (رضي الله عنه)، كما
حصل مع إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٠٩).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٥١٠).
البحث السندي:
١ - سعد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - عليُّ بن محمّد الكليني: مهمل.
٣ - إسحاق بن محمّد النخعي: طبقته في الحديث الثامنة، وصفه الشيخ النجاشي (رحمه
الله) بمعدن التخليط(٥١١)، وقال عنه العلَّامة (قدّس سرّه): (وقال ابن الغضائري:
إنَّه كان فاسد المذهب، كذَّاباً في الرواية، وضَّاعاً للحديث، لا يُلتفَت إلى ما
رواه، ولا يُنتفَع بحديثه، وللعيَّاشي معه خبر في وضعه للحديث مشهور،
والإسحاقيَّة(٥١٢)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠٩) الكافي (ج ١/ ص
٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٢).
(٥١٠) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٩ و٣٢٠).
(٥١١) رجال النجاشي (ص ٧٣/ الرقم ١٧٧).
(٥١٢) فرقة منحرفة تشابه كثيراً النصيريَّة، كان الإسحاقي من أهل الكوفة، كان إسحاق
يطلي بصره بما يُغيِّره فسُمِّي بالأحمر، وقيل: إنَّه أبرص، يقول مذهب الإسحاقي:
إنَّ عليًّا (عليه السلام) هو الله تعالى، وغير ذلك. راجع: تاريخ الإسلام (ج ٢٠/ ص
٣٠٢/ الرقم ٢٩٥).
تُنسَب إليه)(٥١٣).
٤ - شاهويه بن عبد الله الجلَّاب: مجهول.
رواية: «فكيف لكم بالخلف من بعد
الخلف؟»:
الحديث (١٦٩): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ
اَلْعَلَوِيِّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيِّ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا اَلحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيَّ (عليه السلام) يَقُولُ:
«اَلخَلَفُ مِنْ بَعْدِي اَلحَسَنُ، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِ
اَلخَلَفِ؟». فَقُلْتُ: وَلِمَ، جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: «لِأَنَّكُمْ
لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ». فَقُلْتُ:
فَكَيْفَ نَذْكُرُهُ؟ فَقَالَ: «قُولُوا: اَلحُجَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلَّى
الله عليه وآله)».
دلالة الحديث:
هذه الرواية تشير إلى أنَّ الحسن العسكري (عليه السلام) هو الإمام بعد أبيه، ثمّ
يأتي من بعده إمام آخر سيكون في الغيبة، ممَّا يدلُّ على الإشارة إلى الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)، الذي لا يحلُّ ذكر اسمه في ذلك الزمن، وهو الحجَّة
(عجَّل الله فرجه).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٥١٤).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥١٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١٣) خلاصة الأقوال (ص
٣١٨/ الرقم ٥).
(٥١٤) الإمامة والتبصرة (ص ١١٨/ ح ١١٢).
(٥١٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٣،
وص ٣٣٢ و٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح ١).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥١٦).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - محمّد بن أحمد العلوي: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير
الرواية، رواية الأجلَّاء عنه، من رواة (تفسير القمِّي). وكذلك عدم استثناء ابن
الوليد رواياته عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، تدلُّ على توثيق ابن الوليد له،
واعتماده على رواياته. العلَّامة (قدّس سرّه) قد صحَّح رواية كان محمّد بن أحمد
العلوي في طريقها.
وذكر بعض أنَّ الصدوق (قدّس سرّه) وثَّقه في (كمال الدِّين)، حيث قال: (حدَّثنا
شريف الدِّين الصدوق أبو عليٍّ (أبو محمّد)...)(٥١٧).
وقد ناقش كلَّ ذلك السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) وقال: (وكيف كان، لم يثبت وثاقة
الرجل بهذه الأُمور، ولكنَّه حسن لما يظهر من كلام النجاشي أنَّه من شيوخ أصحابنا،
كما تقدَّم في محمّد بن أحمد بن إسماعيل)(٥١٨). ولم أفهم وجه عدم ذكره (قدّس سرّه)
لوجه التوثيق بـ (تفسير القمِّي).
٣ - أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
رواية: «يا بنيَّ أحدث لله
شكراً، فقد أحدث فيك أمراً»:
الحديث (١٧٠): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ اَلحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلخَطَّابِ، عَنِ
اِبْنِ أَبِي اَلصُّهْبَانِ، قَالَ: لَـمَّا مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عليهم السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١٦) كمال الدِّين (ص
٣٨١/ باب ٣٧/ ح ٥).
(٥١٧) كمال الدِّين (ص ٢٣٩/ باب ٢٢/ ح ٦٠).
(٥١٨) معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ٦٠/ الرقم ١٠١٩٧).
وُضِعَ لِأَبِي اَلحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) كُرْسِيٌّ
فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلحَسَنُ اِبْنُ عَلِيٍّ (عليه
السلام) قَائِماً فِي نَاحِيَةٍ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ غُسْلِ أَبِي جَعْفَرٍ
اِلْتَفَتَ أَبُو اَلحَسَنِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، فَقَالَ: «يَا
بُنَيَّ أَحْدِثْ لِلهِ شُكْراً، فَقَدْ أَحْدَثَ فِيكَ أَمْراً».
دلالة الحديث:
تصف هذه الرواية مشهد وفاة السيِّد محمّد (رضي الله عنه)، حيث كان الإمام عليٌّ
الهادي (عليه السلام) حاضراً في مراسم الغسل، وكان ابنه الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) واقفاً في ناحية من المجلس، وبعد انتهاء الغسل، وجَّه الإمام الهادي (عليه
السلام) كلامه إلى ابنه الحسن العسكري (عليه السلام)، وقال له: «يَا بُنَيَّ
أَحْدِثْ لِلهِ شُكْراً، فَقَدْ أَحْدَثَ فِيكَ أَمْراً»، هذه العبارة تدلُّ بوضوح
على أنَّ وفاة السيِّد محمّد (رضي الله عنه) كانت كاشفاً عند الناس إلى أنَّ
الإمامة هي في الإمام العسكري (عليه السلام).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - بصائر الدرجات للشيخ الصفَّار (قدّس سرّه)(٥١٩).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٢٠).
٣ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٥٢١).
البحث السندي:
الحديث مرسَل لبُعد الطبقة بين الشيخ (قدّس سرّه) ومحمّد بن الحسين.
١ - محمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - ابن أبي الصهبان: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٥٦).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١٩) بصائر الدرجات (ص
٤٩٢ و٤٩٣/ ج ١٠/ باب ١/ ح ١٣).
(٥٢٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٦/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ٥).
(٥٢١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٦).
بعد أنْ أثبت شيخ
الطائفة (قدّس سرّه)، بما تقدَّم من أدلَّةٍ ورواياتٍ، إمامةَ الإمامِ الحسن
العسكريِّ (عليه السلام)، انتقلَ إلى استعراضِ دليلِ الإعجاز، وهو مؤلَّفٌ من
عدَّةِ نماذجَ وأنحاءٍ، يستدلُّ عليها بعشرِ رواياتٍ، وهي:
معاجز دالَّة على إمامة الحسن
العسكري (عليه السلام):
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا معجزاته الدالَّة على إمامته فأكثر من أنْ تُحصى، منها):
معجزة طبع الخاتم في الحصى
برواية سعد:
الحديث (١٧١): مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيُّ، عَنْ أَبِي
هَاشِمٍ دَاوُدَ اِبْنِ اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام) فَاسْتُؤْذِنَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ اَلْيَمَنِ، فَدَخَلَ
رَجُلٌ طَوِيلٌ جَسِيمٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْوَلَايَةِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «هَذَا مِنْ
وُلْدِ اَلْأَعْرَابِيَّةِ صَاحِبَةِ اَلحَصَاةِ اَلَّتِي طَبَعَ فِيهَا آبَائِي
بِخَوَاتِيمَ فَانْطَبَعَتْ»، ثُمَّ قَالَ: «هَاتِهَا»، فَأَخْرَجَ حَصَاةً، وَفِي
جَانِبٍ مِنْهَا مَوْضِعٌ أَمْلَسُ(٥٢٣)، فَطَبَعَ فِيهَا فَانْطَبَعَ، وَكَأَنِّي
أَقْرَأُ نَقْشَ خَاتَمِهِ اَلسَّاعَةَ: (اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ). ثُمَّ نَهَضَ
اَلرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: رَحْمَةُ اَلله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
اَلْبَيْتِ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، أَشْهَدُ أَنَّ حَقَّكَ اَلحَقُّ
اَلْوَاجِبُ كَوُجُوبِ حَقِّ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَاَلْأَئِمَّةِ (عليهم
السلام)، وَإِلَيْكَ اِنْتَهَتِ اَلْحِكْمَةُ وَاَلْوَلَايَةُ، وَأَنَّكَ وَلِيُّ
اَلله اَلَّذِي لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢٢) شهر رمضان
المبارك (١٤٤٦هـ).
(٥٢٣) أي موضع ليس بها شيء.
عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي
اَلجَهْلِ بِكَ. فَسَأَلْتُهُ عَنِ اِسْمِهِ، فَقَالَ: اِسْمِي مِهْجَعُ بْنُ
اَلصَّلْتِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ سِمْعَانَ بْنِ غَانِمِ اِبْنِ أُمِّ غَانِمٍ،
وَهِيَ الْأَعْرَابِيَّةُ اَلْيَمَانِيَّةُ صَاحِبَةُ اَلحَصَاةِ اَلَّتِي خَتَمَ
فِيهَا أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)... تَمَامَ اَلحَدِيثِ(٥٢٤).
دلالة الحديث:
في هذه الحادثة، تُثبِت الرواية حالة إعجازيَّة حسّيَّة قام بها الإمام العسكري
(عليه السلام) أمام جماعة، وهي الطبع على الحصاة، كما كان يفعل آباؤه الطاهرون. هذه
المعجزة لم تقتصر على ذاتها، بل اقترنت بعلم الإمام (عليه السلام) بالغيب، إذ أخبر
الإمام (عليه السلام) أبا هاشم الجعفري بهويَّة الرجل اليماني قبل أنْ يسأله عنه.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٢٥).
٢ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٢٦).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
معجزة التنبُّؤ بسقوط المستعين
العبَّاسي:
الحديث (١٧٢): وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ اَلصَّيْمَرِيُّ،
قَالَ: دَخَلْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢٤) وقد تقدَّمت
الإشارة إلى هذه القصَّة في: دروس في شرح كتاب الغيبة (ج ١/ ص ٣٣٧).
(٥٢٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٧/ باب ما يفصل بين دعوى المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح
٤).
(٥٢٦) إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٨).
عَلَى أَبِي أَحْمَدَ
عُبَيْدِ اَلله بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ طَاهِرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ رُقْعَةُ أَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فِيهَا: «إِنِّي نَازَلْتُ اَللهَ فِي هَذَا اَلطَّاغِي -
يَعْنِي اَلمُسْتَعِينَ -، وَهُوَ آخِذُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ»، فَلَمَّا كَانَ
اَلْيَوْمُ اَلثَّالِثُ خُلِعَ، وكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى أَنْ قُتِلَ.
دلالة الحديث:
تُثبِت الرواية علمه (عليه السلام) بالغيب، حيث أخبر عن خلع المستعين بعد ثلاث،
فوقع كما قال. وقوله: «نَازَلْتُ اَللهَ» يدلُّ على مقامه واستجابة دعائه، وهذا لا
يكون عن مصادفة. فكانت هذه المعجزة برهاناً على إمامته، إذ لا يُجريها الله تعالى
إلَّا على يد حُجَجه.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٢٧).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
* عليُّ بن محمّد بن زياد الصيمري:
أ - ورد في هامش النسخة المعتبرة: (وفي الأصل: عمر بن محمّد بن ريَّان الصيمري، وفي
البحار: عمرو بن محمّد بن ريَّان الصيمري، وفي نُسَخ (أ، ف، م): عمر بن محمّد بن
زياد الصيمري).
أمَّا (عمر بن محمّد بن ريَّان) و(عمر بن محمّد بن زياد)، فهما ممَّن لم تذكرهما
كُتُب الرجال، وهو ما يُعبَّر عنه بالمهمل.
ب - وإنْ كان اسم الراوي (عليُّ بن محمّد بن زياد الصيمري): طبقته في الحديث
الثامنة أو السابعة، وممَّا يُذكر في توثيقه: توثيق ابن طاوس (رحمه الله) في (مهج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢٧) إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٨).
الدعوات)، وفي (رسالة
النجوم) له. وكذلك مكاتبته للإمام الهادي (عليه السلام) يسأل كفناً، فكتب إليه:
«إِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْه فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ»، فَمَاتَ فِي سَنَةِ
ثَمَانِينَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْكَفَنِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ(٥٢٨).
معجزة التنبُّؤ بمقتل المهتدي
العبَّاسي:
الحديث (١٧٣): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ
اَلجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَحْبُوساً مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) فِي
حَبْسِ اَلمُهْتَدِي بْنِ اَلْوَاثِقِ، فَقَالَ لِي: «يَا أبَا هَاشِمٍ، إِنَّ
هَذَا اَلطَّاغِيَ أَرَادَ أَنْ يَعْبَثَ(٥٢٩) بِاللهِ فِي هَذِهِ اَللَّيْلَةِ،
وَقَدْ بَتَرَ اَللهُ عُمُرَهُ وَجَعَلَهُ لِلْقَائِمِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ
يَكُنْ لِي وَلَدٌ، وَسَأُرْزَقُ وَلَداً». قَالَ أَبُو هَاشِمٍ: فَلَمَّا
أَصْبَحْنَا شُغِبَ(٥٣٠) اَلْأَتْرَاكُ عَلَى اَلمُهْتَدِي فَقَتَلُوهُ، وَوَلِيَ
اَلمُعْتَمِدُ مَكَانَهُ، وَسَلَّمَنَا اَللهُ تَعَالَى.
دلالة الحديث:
تُثبِت الرواية علمه (عليه السلام) بالغيب، حيث أخبر عن مقتل المهتدي في الليلة
نفسها، فوقع كما قال بلا تقديم أو تأخير. كما أنَّ تصريحه (عليه السلام):
«وَسَأُرْزَقُ وَلَداً» قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُعَدُّ بشارة
قطعيَّة على تحقُّقها، وهو من دلائل إمامته. وتحقُّق نجاته من السجن يُؤكِّد أنَّ
الأئمَّة (عليهم السلام) محفوفون بعناية الله تعالى فلا يُدرَكون قبل إتمام
أدوارهم.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٣١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢٨) الكافي (ج ١/ ص
٥٢٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٢٧).
(٥٢٩) في نُسَخ (أ، ف، م): (يتعبَّث).
(٥٣٠) في العين للفراهيدي (ج ٤/ ص ٣٦١/ مادَّة شغب): (الشغب: تهييج الشرِّ).
(٥٣١) إثبات الوصيَّة (ص ٢٥٢ و٢٥٣).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أبو هاشم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
معجزة استجابة الدعوة على مَنْ
آذاهم:
الحديث (١٧٤): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
اَلحَسَنِ بْنِ رَزِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلحَسَنِ اَلمُوسَوِيُّ
اَلخَيْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ يَغْشَى أَبَا مُحَمَّدٍ
(عليه السلام) بِسُرَّ مَنْ رَأَى كَثِيراً، وَأَنَّهُ أَتَاهُ يَوْماً فَوَجَدَهُ
وَقَدْ قُدِّمَتْ إِلَيْهِ دَابَّتُهُ لِيَرْكَبَ إِلَى دَارِ اَلسُّلْطَانِ،
وَهُوَ مُتَغَيِّرُ اَللَّوْنِ مِنَ اَلْغَضَبِ، وَكَانَ يَجِيئُهُ رَجُلٌ مِنَ
اَلْعَامَّةِ، فَإِذَا رَكِبَ دَعَا لَهُ وَجَاءَ بِأَشْيَاءَ يُشَيِّعُ بِهَا
عَلَيْهِ، فَكَانَ (عليه السلام) يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ
اَلْيَوْمُ زَادَ اَلرَّجُلُ فِي اَلْكَلَامِ وَأَلَحَّ، فَسَارَ حتَّى اِنْتَهَى
إِلَى مَفْرَقِ اَلطَّرِيقَيْنِ، وَضَاقَ عَلَى اَلرَّجُلِ أَحَدُهُمَا مِنَ
اَلدَّوَابِّ، فَعَدَلَ إِلَى طَرِيقٍ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَلْقَاهُ فِيهِ، فَدَعَا
(عليه السلام) بِبَعْضِ خَدَمِهِ وَقَالَ لَهُ: «اِمْضِ فَكَفِّنْ هَذَا»،
فَتَبِعَهُ اَلخَادِمُ، فَلَمَّا اِنْتَهَى (عليه السلام) إِلَى اَلسُّوقِ وَنَحْنُ
مَعَهُ، خَرَجَ اَلرَّجُلُ مِنَ اَلدَّرْبِ لِيُعَارِضَهُ، وَكَانَ فِي اَلمَوْضِعِ
بَغْلٌ وَاقِفٌ، فَضَرَبَهُ اَلْبَغْلُ فَقَتَلَهُ، وَوَقَفَ اَلْغُلَامُ
فَكَفَّنَهُ كَمَا أَمَرَهُ، وَسَارَ (عليه السلام) وَسِرْنَا مَعَهُ.
دلالة الحديث:
تُثبِت الرواية علم الإمام (عليه السلام) بالغيب، حيث أخبر عن موت الرجل قبل وقوعه،
وأمر خادمه بتكفينه قبل تحقُّق الحادثة. كما أنَّ وقوع الحادثة وفق نظام طبيعي
(ضربة البغل) يُبرز طريقة الأئمَّة (عليهم السلام) في تصريف الأُمور وفق السُّنَن
الإلهيَّة عادةً، ما لم تحصل الحاجة للإعجاز.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - الحسين بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٩).
٥ - محمّد بن الحسن بن رزين: قال الشيخ المامقاني (رحمه الله): (جاء بهذا العنوان
في بحار الأنوار ٥٠/ ٢٧٦ حديث ٥٠: عن محمّد بن الحسن بن ذوير، عن أبيه، قال: كان
يغشى أبا محمّد... ولكن في غيبة الشيخ: ٢٠٦ حديث ١٧٤: ... محمّد بن الحسن ابن رزين،
عن أبي الحسن الموسوي الخيبري، عن أبيه... وفي الخرائج والجرائح ٢/ ٧٨٣ حديث ١٠٩
مثله، قال: ومنها ما رُوِيَ عن محمّد بن الحسن بن رزين، حدَّثنا أبو الحسن الموسوي،
حدَّثنا أبي أنَّه كان يغشى أبا محمّد العسكري (عليه السلام) بسُرَّ مَنْ رأى
كثيراً... أقول: يتلخَّص أنَّه جاء بعنوان: محمّد بن ذوير، عن أبيه - أي الحسن بن
ذوير -. وجاء: محمّد بن الحسن بن رزين، عن أبي الحسن الموسوي الخيبري، عن أبيه.
وجاء بعنوان: الحسن بن رزين، عن أبي الحسن الموسوي. حصيلة البحث: المعنون جاء: ابن
ذوير، وابن رزين، ولم أظفر على قرينة مرجِّحة لأحد العنوانين، وعلى أيِّ تقدير فهو
ممَّن لم يُذكر في المعاجم الرجاليَّة، ولذلك يُعَدُّ مهملاً)(٥٣٢).
٦ - أبو الحسن الموسوي الخيبري: مهمل.
٧ - والد الخيبري: مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٢) تنقيح المقال (ج ١٩/ هامش ص ١٧٤/ الرقم ٥١٥١/٣٢٥).
معجزة الكشف عن نوايا القلوب
وهدم المنارات والمقاصير:
الحديث (١٧٥): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَاسِمٍ
اَلجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ:
«إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ يَهْدِمُ اَلمَنَار [أمر بهدم المنار] وَاَلمَقَاصِيرَ
اَلَّتِي فِي اَلمَسَاجِدِ». فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لِأَيِّ مَعْنَى هَذَا؟
فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ
لَمْ يَبْنِهَا نَبِيٌّ وَلَا حُجَّةٌ».
دلالة الحديث:
يُبيِّن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنَّ القائم (عجَّل الله فرجه) سيهدم
المنارات والمقاصير. وكشفه لما دار في نفس داود بن قاسم الجعفري قبل أنْ ينطق به
يدلُّ على إحاطته بمكنونات القلوب، وهو دليل على إمامته.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٣٣).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
معجزة الكشف عن نوايا القلوب
وأنَّ الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذرِّ:
الحديث (١٧٦): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ اَلجَعْفَرِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «مِنَ اَلذُّنُوبِ اَلَّتِي لَا
تُغْفَرُ قَوْلُ اَلرَّجُلِ: لَيْتَنِي لَا أُؤَاخَذُ إِلَّا بِهَذَا». فَقُلْتُ
فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا لَـهُوَ اَلدَّقِيقُ، يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ
يَتَفَقَّدَ مِنْ أَمْرِهِ وَمِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٣) إثبات الوصيَّة (ص ٢٥٣).
نَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ.
فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا أَبَا هَاشِمٍ،
صَدَقْتَ فَالْزَمْ مَا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسُكَ، فَإِنَّ اَلْإِشْرَاكَ فِي
اَلنَّاسِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ اَلذَّرِّ(٥٣٤) عَلَى اَلصَّفَا فِي اَللَّيْلَةِ
اَلظَّلْمَاءِ، وَمِنْ دَبِيبِ اَلذَّرِّ عَلَى اَلْمِسْحِ اَلْأَسْوَدِ».
دلالة الحديث:
يُوضِّح (عليه السلام) أنَّ من الذنوب التي لا تُغفَر استصغار المعاصي. وإقراره
لفكرة أبي هاشم الجعفري في ضرورة محاسبة النفس، قبل أنْ يُصرِّح بها، برهان على
علمه اللَّدُنِّي. وتحذيره من خفاء الشرك، كدبيب الذرِّ على الصفا، يُؤكِّد وجوب
مراقبة النفس بدقَّة، تجنُّباً للانحراف عن التوحيد الخالص.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الخصال للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٣٥).
٢ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٣٦).
البحث السندي:
١ - وبهذا الإسناد (رواية سعد بن عبد الله): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أبو هاشم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
معجزة الإخبار بخلع المعتزِّ
العبَّاسي:
الحديث (١٧٧): سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ
عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو اَلهَيْثَمِ بْنُ سَيَابَةَ أَنَّهُ
كَتَبَ إِلَيْهِ - لَـمَّا أَمَرَ اَلمُعْتَزُّ بِدَفْعِهِ إِلَى سَعِيدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٤) أي أخفى من حركة
النمل الصغير على الصخر الأملس في الظلام الشديد.
(٥٣٥) الخصال (ص ٢٤/ ح ٨٣).
(٥٣٦) إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٩ و٢٥٠).
اَلحَاجِبِ عِنْدَ
مُضِيِّهِ إِلَى اَلْكُوفَةِ وَأَنْ يحدث فِيهِ مَا يحدث بِهِ اَلنَّاسَ بِقَصْرِ
اِبْنِ هُبَيْرَةَ -: جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ، بَلَغَنَا خَبَرٌ قَدْ
أَقْلَقَنَا وَأَبْلَغَ مِنَّا، فَكَتَبَ (عليه السلام) إِلَيْهِ: «بَعْدَ ثَالِثٍ
يَأْتِيكُمُ اَلْفَرَجُ»، فَخُلِعَ اَلمُعْتَزُّ اَلْيَوْمَ اَلثَّالِثَ.
دلالة الحديث:
يُخبِر (عليه السلام) عن خلع المعتزِّ بعد ثلاثة أيَّام، فيقع الحَدَث كما أخبر بلا
تقديم أو تأخير، ممَّا يدلُّ على علمه بالغيب. وقوله (عليه السلام): «بَعْدَ
ثَالِثٍ يَأْتِيكُمُ اَلْفَرَجُ» ليس مجرَّد إخبار، بل يكشف عن ارتباط الفرج
بالإمام المعصوم، ممَّا يُشير إلى ولايته التكوينيَّة.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد: طبقته في الحديث السابعة، حفيد الصيقل بيَّاع
السابري، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، له كُتُب.
٣ - أبو الهيثم بن سيَّابة: مهمل.
رواية: بشر النخاس وما فيها من
معاجز:
الحديث (١٧٨): أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ اَلشَّيْبَانِيِّ،
عَنْ أَبِي اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ اَلشَّيْبَانِيِّ
اَلرُّهْنِي [الدهني]، قَالَ: قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلنَّخَّاسُ - وَهُوَ
مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ أَحَدُ مَوَالِي أَبِي اَلحَسَنِ
وَأَبِي
مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) وَجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى -: أَتَانِي كَافُورٌ اَلخَادِمُ، فَقَالَ: مَوْلَانَا أَبُو اَلحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَسْكَرِيُّ (عليهما السلام) يَدْعُوكَ إِلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لِي: «يَا بِشْرُ، إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ اَلْأَنْصَارِ، وَهَذِهِ اَلمُوَالَاةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، وَأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَمُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَةٍ تَسْبِقُ بِهَا اَلشِّيعَةَ فِي اَلمُوَالَاةِ بِهَا بِسِرٍّ أُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، وَأُنْفِذُكَ فِي اِبْتِيَاعِ أَمَةٍ»، فَكَتَبَ كِتَاباً لَطِيفاً بِخَطٍّ رُومِيٍّ وَلُغَةٍ رُومِيَّةٍ، وَطَبَعَ عَلَيْهِ خَاتَمَهُ، وَأَخْرَجَ شَقِيقَةً صَفْرَاءَ فِيهَا مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ دِينَاراً، فَقَالَ: «خُذْهَا وَتَوَجَّهْ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ، وَاُحْضُرْ مَعْبَرَ اَلْفُرَاتِ ضَحْوَةَ يَوْمِ كَذَا، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى جَانِبِكَ زَوَارِيقُ اَلسَّبَايَا، وَتَرَى اَلجَوَارِيَ فِيهَا، سَتَجِدُ طَوَائِفَ اَلمُبْتَاعِينَ مِنْ وُكَلَاءِ قُوَّادِ بَنِي اَلْعَبَّاسِ وَشِرْذِمَةً مِنْ فِتْيَانِ اَلْعَرَبِ، فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَأَشْرِفْ مِنَ اَلْبُعْدِ عَلَى اَلمُسَمَّى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ اَلنَّخَّاسَ عَامَّةَ نَهَارِكَ إِلَى أَنْ تُبْرَزَ لِلْمُبْتَاعِينَ جَارِيَةٌ صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا، لَابِسَةٌ حَرِيرَيْنِ صَفِيقَيْنِ(٥٣٧)، تَمْتَنِعُ مِنَ اَلْعَرْضِ وَلَمسِ اَلمُعْتَرِضِ وَاَلْاِنْقِيَادِ لِمَنْ يُحَاوِلُ لَمسَهَا، وَتَسْمَعُ صَرْخَةً رُومِيَّةً مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ، فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ: وَا هَتْكَ سِتْرَاهْ، فَيَقُولُ بَعْضُ اَلمُبْتَاعِينَ: عَلَيَّ ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَدْ زَادَنِي اَلْعَفَافُ فِيهَا رَغْبَةً، فَتَقُولُ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: لَوْ بَرَزْتَ فِي زِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَعَلَى شِبْهِ مُلْكِهِ مَا بَدَتْ لِي فِيكَ رَغْبَةٌ، فَأَشْفِقْ عَلَى مَالِكَ، فَيَقُولُ اَلنَّخَّاسُ: فَمَا اَلْحِيلَةُ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِكِ، فَتَقُولُ اَلجَارِيَةُ: وَمَا اَلْعَجَلَةُ؟ وَلَا بُدَّ مِنِ اِخْتِيَارِ مُبْتَاعٍ يَسْكُنُ قَلْبِي إِلَيْهِ وَإِلَى وَفَائِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُمْ إِلَى عُمَرَ [عمرو] اِبْنِ يَزِيدَ اَلنَّخَّاسِ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ مَعَكَ كِتَاباً مُلْصَقاً [ملطفاً] لِبَعْضِ اَلْأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وَخَطٍّ رُومِيٍّ وَوَصَفَ فِيهِ كَرَمَهُ وَوَفَاءَهُ وَنُبْلَهُ وَسَخَاءَهُ، فَنَاوِلْـهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي اِبْتِيَاعِهَا مِنْكَ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٧) الصفيق من الثوب ما كثف نسجه.
قَالَ بِشْرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ: فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو اَلحَسَنِ
(عليه السلام) فِي أَمْرِ اَلجَارِيَةِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ فِي اَلْكِتَابِ بَكَتْ
بُكَاءً شَدِيداً، وَقَالَتْ لِعُمَرَ [عمرو] بْنِ يَزِيدَ: بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ
هَذَا اَلْكِتَابِ، وَحَلَفَتْ بِالمُحَرَّجَةِ وَاَلمُغَلَّظَةِ أَنَّهُ مَتَى
اِمْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، فَمَا زِلْتُ أُشَاحُّهُ فِي
ثَمَنِهَا حتَّى اِسْتَقَرَّ اَلْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ
أَصْحَبَنِيهِ مَوْلَايَ (عليه السلام) مِنَ اَلدَّنَانِيرِ، فَاسْتَوْفَاهُ
مِنِّي، وَتَسَلَّمْتُ اَلْجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وَاِنْصَرَفْتُ
بِهَا إِلَى اَلحُجَيْرَةِ اَلَّتِي كُنْتُ آوِي إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ، فَمَا
أَخَذَهَا اَلْقَرَارُ حتَّى أَخْرَجَتْ كِتَابَ مَوْلَانَا (عليه السلام) مِنْ
جَيْبِهَا وَهِيَ تَلْثِمُهُ وَتُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وَتَضَعُهُ عَلَى
خَدِّهَا وَتَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا [يديها]. فَقُلْتُ تَعَجُّباً مِنْهَا:
تَلْثِمِينَ كِتَاباً لَا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ.
فَقَالَتْ: أَيُّهَا اَلْعَاجِزُ اَلضَّعِيفُ اَلمَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ
اَلْأَنْبِيَاءِ، أَعِرْنِي سَمْعَكَ وَفَرِّغْ لِي قَلْبَكَ، أَنَا مَلَيْكَةُ
بِنْتُ يَشُوعَا بْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ اَلرُّومِ، وَأُمِّي مِنْ وُلْدِ
اَلْحَوَارِيِّينَ تُنْسَبُ إِلَى وَصِيِّ اَلمَسِيحِ شَمْعُونَ، أُنَبِّئُكَ
بِالْعَجَبِ. إِنَّ جَدِّي قَيْصَرَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَنِي مِنِ اِبْنِ أَخِيهِ
وَأَنَا مِنْ بَنَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَجَمَعَ فِي قَصْرِهِ مِنْ نَسْلِ
اَلحَوَارِيِّينَ مِنَ اَلْقِسِّيسِينَ وَاَلرُّهْبَانِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ،
وَمِنْ ذَوِي اَلْأَخْطَارِ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَجَمَعَ مِنْ
أُمَرَاءِ اَلْأَجْنَادِ وَقُوَّادِ اَلْعَسْكَرِ وَنُقَبَاءِ اَلجُيُوشِ وَمُلُوكِ
اَلْعَشَائِرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَبْرَزَ مِنْ بَهِيِّ مُلْكِهِ عَرْشاً
مَصْنُوعاً [مصاغاً] مِنْ أَصْنَافِ اَلجَوْهَرِ إِلَى صَحْنِ اَلْقَصْرِ،
وَرَفَعَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ مِرْقَاةً، فَلَمَّا صَعِدَ اِبْنُ أَخِيهِ،
وَأَحْدَقَتِ اَلصُّلُبُ [بالصلب]، وَقَامَتِ اَلْأَسَاقِفَةُ عُكَّفاً، وَنُشِرَتْ
أَسْفَارُ اَلْإِنْجِيلِ، تَسَافَلَتِ اَلصُّلُبُ مِنَ اَلْأَعْلَى فَلَصِقَتْ
بِالْأَرْضِ، وَتَقَوَّضَتْ أَعْمِدَةُ اَلْعَرْشِ، فَانْهَارَتْ إِلَى
اَلْقَرَارِ، وَخَرَّ اَلصَّاعِدُ مِنَ اَلْعَرْشِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ،
فَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُ اَلْأَسَاقِفَةِ، وَاِرْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ، فَقَالَ
كَبِيرُهُمْ لِجَدِّي: أَيُّهَا اَلمَلِكُ أَعْفِنَا مِنْ مُلَاقَاةِ هَذِهِ
اَلنُّحُوسِ اَلدَّالَّةِ عَلَى زَوَالِ دَوْلَةِ هَذَا اَلدِّينِ اَلمَسِيحِيِّ
وَاَلمَذْهَبِ اَلمَلِكَانِيِّ، فَتَطَيَّرَ
جَدِّي مِنْ ذَلِكَ
تَطَيُّراً شَدِيداً، وَقَالَ لِلْأَسَاقِفَةِ: أَقِيمُوا هَذِهِ اَلْأَعْمِدَةَ
وَاِرْفَعُوا اَلصُّلْبَانَ وَأَحْضِرُوا أَخَا هَذَا اَلمُدْبِرِ اَلْعَاثِرِ
اَلمَنْكُوسِ جَدُّهُ لِأُزَوِّجَهُ هَذِهِ اَلصَّبِيَّةَ، فَيُدْفَعَ [فيرفع]
نُحُوسُهُ عَنْكُمْ بِسُعُودِهِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَدَثَ عَلَى اَلثَّانِي
مِثْلُ مَا حَدَثَ عَلَى اَلْأَوَّلِ، وَتَفَرَّقَ اَلنَّاسُ، وَقَامَ جَدِّي
قَيْصَرُ مُغْتَمًّا، فَدَخَلَ مَنْزِلَ اَلنِّسَاءِ، وَأُرْخِيَتِ اَلسُّتُورُ،
وَأُرِيتُ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ كَأَنَّ اَلمَسِيحَ وَشَمْعُونَ وَعِدَّةً مِنَ
اَلحَوَارِيِّينَ قَدِ اِجْتَمَعُوا فِي قَصْرِ جَدِّي، وَنَصَبُوا فِيهِ مِنْبَراً
مِنْ نُورٍ يُبَارِي اَلسَّمَاءَ عُلُوًّا وَاِرْتِفَاعاً فِي اَلمَوْضِعِ اَلَّذِي
كَانَ نَصَبَ جَدِّي فِيهِ عَرْشَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ (صلَّى الله
عليه وآله) وَخَتَنُهُ وَوَصِيُّهُ (عليه السلام) وَعِدَّةٌ مِنْ أَبْنَائِهِ
(عليهم السلام). فَتَقَدَّمَ اَلمَسِيحُ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ، فَيَقُولُ لَهُ
مُحَمَّدٌ (صلَّى الله عليه وآله): «يَا رُوحَ اَلله، إِنِّي جِئْتُكَ خَاطِباً
مِنْ وَصِيِّكَ شَمْعُونَ فَتَاتَهُ مُلَيْكَةَ لاِبْنِي هَذَا»، وَأَوْمَأَ
بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) اِبْنِ صَاحِبِ هَذَا اَلْكِتَابِ،
فَنَظَرَ اَلمَسِيحُ إِلَى شَمْعُونَ وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَتَاكَ اَلشَّرَفُ،
فَصِلْ رَحِمَكَ رَحِمَ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ،
فَصَعِدَ ذَلِكَ اَلْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ مُحَمَّدٌ (صلَّى الله عليه وآله)،
وَزَوَّجَنِي مِنِ اِبْنِهِ، وَشَهِدَ اَلمَسِيحُ (عليه السلام)، وَشَهِدَ
أَبْنَاءُ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) وَاَلحَوَارِيُّونَ.
فَلَمَّا اِسْتَيْقَظْتُ أَشْفَقْتُ أَنْ أَقُصَّ هَذِهِ اَلرُّؤْيَا عَلَى أَبِي
وَجَدِّي مَخَافَةَ اَلْقَتْلِ، فَكُنْتُ أُسِرُّهَا وَلَا أُبْدِيهَا لَهُمْ،
وَضَرَبَ صَدْرِي بِمَحَبَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حتَّى اِمْتَنَعْتُ
مِنَ اَلطَّعَامِ وَاَلشَّرَابِ، فَضَعُفَتْ نَفْسِي، وَدَقَّ [رقَّ] شَخْصِي،
وَمَرِضْتُ مَرَضاً شَدِيداً، فَمَا بَقِيَ فِي مَدَائِنِ اَلرُّومِ طَبِيبٌ إِلَّا
أَحْضَرَهُ جَدِّي، وَسَأَلَهُ عَنْ دَوَائِي، فَلَمَّا بَرِحَ بِهِ اَلْيَأْسُ
قَالَ: يَا قُرَّةَ عَيْنِي، وَهَلْ يَخْطُرُ بِبَالِكِ شَهْوَةٌ فَأُزَوِّدَكِهَا
فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا؟ فَقُلْتُ: يَا جَدِّي، أَرَى أَبْوَابَ اَلْفَرَجِ عَلَيَّ
مُغْلَقَةً، فَلَوْ كَشَفْتَ اَلْعَذَابَ عَمَّنْ فِي سِجْنِكَ مِنْ أُسَارَى
اَلمُسْلِمِينَ، وَفَكَكْتَ عَنْهُمُ اَلْأَغْلَالَ، وَتَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ،
وَمَنَّيْتَهُمُ اَلخَلَاصَ، رَجَوْتُ أَنْ يَهَبَ لِيَ اَلمَسِيحُ وَأُمُّهُ
عَافِيَةً. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ تَجَلَّدْتُ فِي إِظْهَارِ اَلصِّحَّةِ مِنْ
بَدَنِي قَلِيلاً، وَتَنَاوَلْتُ يَسِيراً مِنَ اَلطَّعَامِ، فَسَّرَ بِذَلِكَ،
وَأَقْبَلَ عَلَى
إِكْرَامِ اَلْأُسَارَى وَإِعْزَازِهِمْ، فَأُرِيتُ أَيْضاً بَعْدَ أَرْبَعَ
عَشْرَةَ لَيْلَةً كَأَنَّ سَيِّدَةَ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ فَاطِمَةَ (عليها
السلام) قَدْ زَارَتْنِي وَمَعَهَا مَرْيَمُ اِبْنَةُ عِمْرَانَ وَأَلْفٌ مِنْ
وَصَائِفِ اَلْجِنَانِ، فَتَقُولُ لِي مَرْيَمُ: هَذِهِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ
اَلْعَالَمِينَ أُمُّ زَوْجِكِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَأَتَعَلَّقُ بِهَا
وَأَبْكِي وَأَشْكُو إِلَيْهَا اِمْتِنَاعَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مِنْ
زِيَارَتِي. فَقَالَتْ سَيِّدَةُ اَلنِّسَاءِ (عليها السلام): «إِنَّ اِبْنِي أَبَا
مُحَمَّدٍ لَا يَزُورُكِ وَأَنْتِ مُشْرِكَةٌ بِاللهِ عَلَى مَذْهَبِ اَلنَّصَارَى،
وهَذِهِ أُخْتِي مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ تَبْرَأُ إِلَى اَلله تَعَالَى مِنْ
دِينِكِ، فَإِنْ مِلْتِ إِلَى رِضَى اَلله وَرِضَى اَلمَسِيحِ وَمَرْيَمَ (عليهما
السلام) وَزِيَارَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ، فَقُولِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اَللهُ، وَأَنَّ أَبِي مُحَمَّداً رَسُولُ اَلله»، فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ
بِهَذِهِ اَلْكَلِمَةِ ضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ
اَلْعَالَمِينَ (عليها السلام)، وَطَيَّبَتْ نَفْسِي، وَقَالَتْ: «اَلْآنَ
تَوَقَّعِي زِيَارَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَإِنِّي مُنْفِذَتُهُ إِلَيْكِ»،
فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا أَنُولُ وَأَتَوَقَّعُ لِقَاءَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام).
فَلَمَّا كَانَ فِي اَللَّيْلَةِ اَلْقَابِلَةِ رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه
السلام)، وَكَأَنِّي أَقُولُ لَهُ: جَفَوْتَنِي يَا حَبِيبِي بَعْدَ أَنْ
أَتْلَفَتْ نَفْسِي مُعَالَجَةُ حُبِّكَ، فَقَالَ: «مَا كَانَ تَأَخُّرِي عَنْكِ
إِلَّا لِشِرْكِكِ، فَقَدْ أَسْلَمْتِ، وَأَنَا زَائِرُكِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى
أَنْ يَجْمَعَ اَللهُ تَعَالَى شَمْلَنَا فِي اَلْعَيَانِ»، فَمَا قَطَعَ عَنِّي
زِيَارَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ اَلْغَايَةِ.
قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لَهَا: وَكَيْفَ وَقَعْتِ فِي اَلْأُسَارَى؟ فَقَالَتْ:
أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) لَيْلَةً مِنَ اَللَّيَالِي أَنَّ
جَدَّكِ سَيُسَيِّرُ جَيْشاً إِلَى قِتَالِ اَلمُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا،
ثُمَّ يَتْبَعُهُمْ، فَعَلَيْكِ بِاللِّحَاقِ بِهِمْ مُتَنَكِّرَةً فِي زِيِّ
اَلخَدَمِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ اَلْوَصَائِفِ مِنْ طَرِيقِ كَذَا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ،
فَوَقَعَتْ عَلَيْنَا طَلاَيِعُ اَلمُسْلِمِينَ حتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا
رَأَيْتَ وَشَاهَدْتَ، وَمَا شَعَرَ بِأَنِّي اِبْنَةُ مَلِكِ اَلرُّومِ إِلَى
هَذِهِ اَلْغَايَةِ أَحَدٌ سِوَاكَ، وَذَلِكَ بِإِطْلَاعِي إِيَّاكَ عَلَيْهِ،
وَلَقَدْ سَأَلَنِي اَلشَّيْخُ اَلَّذِي وَقَعْتُ إِلَيْهِ فِي سَهْمِ
اَلْغَنِيمَةِ عَنِ اِسْمِي، فَأَنْكَرْتُهُ وَقُلْتُ: نَرْجِسُ، فَقَالَ: اِسْمُ
اَلجَوَارِي.
قُلْتُ: اَلْعَجَبُ
أَنَّكِ رُومِيَّةٌ وَلِسَانُكِ عَرَبِيٌّ. قَالَتْ: نَعَمْ مِنْ وُلُوعِ جَدِّي
وَحَمْلِهِ إِيَّايَ عَلَى تَعَلُّمِ اَلْآدَابِ أَنْ أَوْعَزَ إِلَيَّ اِمْرَأَةً
تَرْجُمَانَةً لِي [له] فِي اَلْاِخْتِلَافِ إِلَيَّ، وَكَانَتْ تَقْصُدُنِي
صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَتُفِيدُنِي اَلْعَرَبِيَّةَ حتَّى اِسْتَمَرَّ لِسَانِي
عَلَيْهَا وَاِسْتَقَامَ.
قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا اِنْكَفَأْتُ بِهَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى دَخَلَتْ عَلَى
مَوْلَايَ أَبِي اَلحَسَنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «كَيْفَ أَرَاكِ اَللهُ عِزَّ
اَلْإِسْلَامِ وَذُلَّ اَلنَّصْرَانِيَّةِ وَشَرَفَ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ
(عليهم السلام)؟»، قَالَتْ: كَيْفَ أَصِفُ لَكَ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله مَا
أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي؟ قَالَ: «فَإِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكِ، فَمَا
أَحَبُّ إِلَيْكِ، عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ أَمْ بُشْرَى لَكِ بِشَرَفِ
اَلْأَبَدِ؟»، قَالَتْ: بُشْرَى بِوَلَدٍ لِي، قَالَ لَـهَا: «أَبْشِرِي بِوَلَدٍ
يَمْلِكُ اَلدُّنْيَا شَرْقاً وَغَرْباً، وَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً
كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»، قَالَتْ: مِمَّنْ؟ قَالَ: «مِمَّنْ خَطَبَكِ
رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) لَهُ لَيْلَةَ كَذَا فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ
سَنَةِ كَذَا بِالرُّومِيَّةِ؟»، قَالَتْ: مِنَ اَلمَسِيحِ وَوَصِيِّهِ، قَالَ
لَهَا: «مِمَّنْ زَوَّجَكِ اَلمَسِيحُ (عليه السلام) وَوَصِيُّهُ؟»، قَالَتْ: مِنِ
اِبْنِكَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟»، قَالَتْ:
وَهَلْ خَلَتْ لَيْلَةٌ لَمْ يَرَنِي فِيهَا مُنْذُ اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي
أَسْلَمْتُ عَلَى يَدِ سَيِّدَةِ اَلنِّسَاءِ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهَا)؟
قَالَ: فَقَالَ مَوْلَانَا: «يَا كَافُورُ، اُدْعُ أُخْتِي حَكِيمَةَ»، فَلَمَّا
دَخَلَتْ قَالَ لَـهَا: «هَا هِيَهْ»، فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً، وَسُرَّتْ بِهَا
كَثِيراً، فَقَالَ لَـهَا أَبُو اَلحَسَنِ (عليه السلام): «يَا بِنْتَ رَسُولِ
اَلله، خُذِيهَا إِلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا اَلْفَرَائِضَ وَاَلسُّنَنَ،
فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَأُمُّ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٣٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٨) كمال الدِّين (ص ٤١٧ - ٤٢٣/ باب ٤١/ ح ١).
٢ - دلائل الإمامة
للطبري الشيعي (رحمه الله)(٥٣٩).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو المفضَّل الشيباني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤).
٣ - أبو الحسين محمّد بن بحر بن سهل الشيباني الرهني: تقدَّمت ترجمته في الحديث
(١٢٩).
٤ - بشر بن سليمان النخَّاس: قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (قوله (عليه السلام):
«أَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَمُشَرِّفُكَ
بِفَضِيلَةٍ تَسْبِقُ بِهَا سَائِرَ اَلشِّيعَةَ»، لكن في سند الرواية عدَّة
مجاهيل، على أنَّك قد عرفت فيما تقدَّم أنَّه لا يمكن إثبات وثاقة شخص برواية
نفسه)(٥٤٠).
معجزة: الخضوع للإمام (عليه
السلام) حتَّى من البهائم:
الحديث (١٧٩): وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ (رحمه الله)، قَالَ: كُنْتُ فِي دِهْلِيزِ أَبِي عَلِيٍّ
مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ (رحمه الله) عَلَى دَكَّةٍ إِذْ مَرَّ بِنَا شَيْخٌ
كَبِيرٌ عَلَيْهِ دُرَّاعَةٌ، فَسَلَّمَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ بْنِ هَمَّامٍ،
فَرَدَّ عَلَيْهِ اَلسَّلَامَ وَمَضَى. فَقَالَ لِي: أَتَدْرِي مَنْ هُوَ هَذَا؟
فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: هَذَا شَاكِرِيٌّ(٥٤١) لِسَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام)، أَفَتَشْتَهِي أَنْ تَسْمَعَ مِنْ أَحَادِيثِهِ عَنْهُ شَيْئاً؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. فَقَالَ لِي: مَعَكَ شَيْءٌ تُعْطِيهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: مَعِي دِرْهَمَانِ
صَحِيحَانِ. فَقَالَ: هُمَا يَكْفِيَانِهِ. فَمَضَيْتُ خَلْفَهُ فَلَحِقْتُهُ،
فَقُلْتُ لَهُ: أَبُو عَلِيٍّ يَقُولُ لَكَ تَنْشَطُ [تبسط] لِلْمَصِيرِ إِلَيْنَا؟
فَقَالَ: نَعَمْ. فَجِئْنَا إِلَى أَبِي عَلِيٍّ بْنِ هَمَّامٍ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ،
فَغَمَزَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنْ أُسَلِّمَ إِلَيْهِ اَلدِّرْهَمَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣٩) دلائل الإمامة (ص
٤٨٩ - ٤٩٦/ ح ٤٨٨/٩٢).
(٥٤٠) معجم رجال الحديث (ج ٤/ ص ٢٢٤/ الرقم ١٧٥٢).
(٥٤١) في القاموس المحيط (ج ٢/ ص ٦٣): (الشاكري: الأجير والمستخدم، معرَّب چاكر).
فَسَلَّمْتُهَا
إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا يَحْتَاجُ [نحتاج] إِلَى هَذَا، ثُمَّ أَخَذَهُمَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ اِبْنُ هَمَّامٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اَلله مُحَمَّدٌ،
حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مَا رَأَيْتَ.
فَقَالَ: كَانَ أُسْتَاذِي صَالِحاً مِنْ بَيْنِ اَلْعَلَوِيِّينَ لَمْ أَرَ قَطُّ
مِثْلَهُ، وَكَانَ يَرْكَبُ بِسَرْجٍ صفته بُزْيُونٌ(٥٤٢) مِسْكِيٌّ وَأَزْرَقُ،
قَالَ: وَكَانَ يَرْكَبُ إِلَى دَارِ اَلْخِلَافَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي كُلِّ
اِثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، قَالَ: وَكَانَ يَوْمَ اَلنَّوْبَةِ يَحْضُرُ مِنَ اَلنَّاسِ
شَيْءٌ عَظِيمٌ، وَيَغُصُّ اَلشَّارِعُ بِالدَّوَابِّ وَاَلْبِغَالِ وَاَلحَمِيرِ
وَاَلضَّجَّةِ، فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مَوْضِعٌ يَمْشِي وَلَا يَدْخُلُ
بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ أُسْتَاذِي سَكَنَتِ اَلضَّجَّةُ، وَهَدَأَ
صَهِيلُ اَلخَيْلِ وَنُهَاقُ اَلحَمِيرِ، قَالَ: وَتَفَرَّقَتِ اَلْبَهَائِمُ حتَّى
يَصِيرَ اَلطَّرِيقُ وَاسِعاً لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَوَقَّى مِنَ اَلدَّوَابِّ
تَحُفُّهُ لِيَزْحَمَهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي مَرْتَبَتِهِ اَلَّتِي
جُعِلَتْ لَهُ، فَإِذَا أَرَادَ اَلخُرُوجَ وَصَاحَ اَلْبَوَّابُونَ: هَاتُوا
دَابَّةَ أَبِي مُحَمَّدٍ، سَكَنَ صِيَاحُ اَلنَّاسِ وَصَهِيلُ اَلخَيْلِ،
فَتَفَرَّقَتِ اَلدَّوَابُّ حتَّى يَرْكَبَ وَيَمْضِيَ.
وَقَالَ اَلشَّاكِرِيُّ: وَاِسْتَدْعَاهُ يَوْماً اَلخَلِيفَةُ، وَشَقَّ ذَلِكَ
عَلَيْهِ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَعَى بِهِ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَحْسُدُهُ
عَلَى مَرْتَبَتِهِ مِنَ اَلْعَلَوِيِّينَ وَاَلهَاشِمِيِّينَ، فَرَكِبَ وَمَضَى
إِلَيْهِ، فَلَمَّا حَصَلَ فِي اَلدَّارِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلخَلِيفَةَ قَدْ
قَامَ، وَلَكِنِ اِجْلِسْ فِي مَرْتَبَتِكَ أَوِ اِنْصَرِفْ، قَالَ: فَانْصَرَفَ،
وَجَاءَ إِلَى سُوقِ اَلدَّوَابِّ وَفِيهَا مِنَ اَلضَّجَّةِ وَاَلمُصَادَمَةِ
وَاِخْتِلَافِ اَلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا سَكَنَ
اَلنَّاسُ وَهَدَأَتِ اَلدَّوَابُّ، قَالَ: وَجَلَسَ إِلَى نَخَّاسٍ كَانَ
يَشْتَرِي لَهُ اَلدَّوَابَّ، قَالَ: فَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ كَبُوسٍ لَا يَقْدِرُ
أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ، قَالَ: فَبَاعُوهُ إِيَّاهُ بِوَكْسٍ، فَقَالَ لِي:
يَا مُحَمَّدُ، قُمْ فَاطْرَحِ اَلسَّرْجَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْتُ [فقمت فعلمت]:
إِنَّهُ لَا يَقُولُ لِي مَا يُؤْذِينِي، فَحَلَلْتُ اَلْحِزَامَ وَطَرَحْتُ
اَلسَّرْجَ عَلَيْهِ، فَهَدَأَ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَجِئْتُ بِهِ لِأَمْضِيَ بِهِ،
فَجَاءَ اَلنَّخَّاسُ فَقَالَ لِي: لَيْسَ يُبَاعُ، فَقَالَ لِي: «سَلِّمْهُ
إِلَيْهِمْ»، قَالَ: فَجَاءَ اَلنَّخَّاسُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٢) في هامش الأصل: (البزيون كالعصفور: السندس...، وفي نُسَخ (أ، ف، م): (وينغض)).
لِيَأْخُذَهُ
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ اِلْتِفَاتَةً ذَهَبَ مِنْهُ مُنْهَزِماً. قَالَ: وَرَكِبَ
وَمَضَيْنَا، فَلَحِقَنَا اَلنَّخَّاسُ، فَقَالَ: صَاحِبُهُ يَقُولُ: أَشْفَقْتُ
أَنْ يَرُدَّ، فَإِنْ كَانَ [قَدْ] عَلِمَ مَا فِيهِ مِنَ اَلْكَبْسِ
فَلْيَشْتَرِهِ، فَقَالَ لِي [له] أُسْتَادِي: «قَدْ عَلِمْتُ»، فَقَالَ: قَدْ
بِعْتُكَ، فَقَالَ لِي: «خُذْهُ»، فَأَخَذْتُهُ. [قَالَ]: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى
اَلْإِصْطَبْلِ، فَمَا تَحَرَّكَ وَلَا آذَانِي بِبَرَكَةِ أُسْتَاذِي. فَلَمَّا
نَزَلَ جَاءَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ أُذُنَهُ اَلْيُمْنَى فَرَقَاهُ، ثُمَّ أَخَذَ
أُذُنَهُ اَلْيُسْرَى فَرَقَاهُ، فَوَاَلله لَقَدْ كُنْتُ أَطْرَحُ اَلشَّعِيرَ
لَهُ فَأُفَرِّقُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَتَحَرَّكُ، هَذَا بِبَرَكَةِ
أُسْتَاذِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ بْنُ هَمَّامٍ: هَذَا اَلْفَرَسُ
يُقَالُ لَهُ: اَلصَّؤُولُ(٥٤٣)، قَالَ: يَرْجُمُ بِصَاحِبِهِ حتَّى يَرْجُمَ بِهِ
اَلْحِيطَانَ، وَيَقُومُ عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَلْطِمُ صَاحِبَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ اَلشَّاكِرِيُّ: كَانَ أُسْتَاذِي أَصْلَحَ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ
اَلْعَلَوِيِّينَ وَاَلهَاشِمِيِّينَ، مَا كَانَ يَشْرَبُ هَذَا اَلنَّبِيذَ، كَانَ
يَجْلِسُ فِي اَلْمِحْرَابِ وَيَسْجُدُ، فَأَنَامُ وَأَنْتَبِهُ وَأَنَامُ وَهُوَ
سَاجِدٌ، وَكَانَ قَلِيلَ اَلْأَكْلِ، كَانَ يَحْضُرُهُ اَلتِّينُ وَاَلْعِنَبُ
وَاَلخَوْخُ وَمَا شَاكَلَهُ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ اَلْوَاحِدَةَ وَاَلثِّنْتَيْنِ،
وَيَقُولُ: «شُلْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ إِلَى صِبْيَانِكَ»، فَأَقُولُ: هَذَا
كُلَّهُ؟ فَيَقُولُ: «خُذْهُ»، مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَسْدَى مِنْهُ.
دلالة الحديث:
يُصوِّر النصُّ هيبة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وعظيم مكانته الروحيَّة
التي أظهرها الله (عزَّ وجلَّ) في خضوع الدوابِّ وسكون الضوضاء عند مروره، كما
يُبرِز النصُّ كرامته كترويضه الفرس الجامح الذي لم يكن أحد يقدر عليه إلَّا
بتسليمه للإمام (عليه السلام). ومن خلال شهادة خادمه، يتَّضح أنَّ الإمام العسكري
(عليه السلام) كان قمَّة في العبادة، والإعراض عن الدنيا، ممَّا جعله أعظم مَنْ في
زمانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٣) قال الجوهري في الصحاح (ج ٥/ ص ١٧٤٧/ مادَّة صول): ([قال] أبو زيد: صؤل البعير - بالهمز - يصؤل صآلةً: إذا صار يقتل الناس ويعدو عليهم، فهو جمل صؤول).
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
دلائل الإمامة للطبري الشيعي (رحمه الله)(٥٤٤).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو هارون بن موسى التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو عليٍّ محمّد بن همَّام: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٣).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (فهذه بعض دلائله، ولو استوفيناها لطال به الكتاب، وكان مع
إمامته من أكرم الناس وأجودهم).
رواية: «ما للناس والدخول في
أمرنا ما لم نُدخِلهم فيه»:
الحديث (١٨٠): أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي اَلحَسَنِ
اَلْإِيَادِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ اَلْعَمْرِيُّ (رضي الله عنه)
أَنَّ أَبَا طَاهِرِ(٥٤٥) بْنَ بُلْبُلٍ حَجَّ فَنَظَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ
جَعْفَرٍ اَلهَمَانِيِّ، وَهُوَ يُنْفِقُ اَلنَّفَقَاتِ اَلْعَظِيمَةَ، فَلَمَّا
اِنْصَرَفَ كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَوَقَّعَ فِي
رُقْعَتِهِ: «قَدْ كُنَّا أَمَرْنَا لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ
أَمَرْنَا لَهُ بِمِثْلِهَا فَأَبَى قَبُولَـهَا إِبْقَاءً عَلَيْنَا، مَا
لِلنَّاسِ وَاَلدُّخُولِ فِي أَمْرِنَا فِيمَا لَمْ نُدْخِلْهُمْ فِيهِ؟».
دلالة الحديث:
تكشف الرواية عن طريقة إنفاق الإمام (عليه السلام) على أوليائه وثقته ببعضهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٤) دلائل الإمامة (ص
٤٢٨ - ٤٣١/ ح ٣٩٥/١٢).
(٥٤٥) لا يوجد له ذكر في كُتُب الرجال والتراجم، ويظهر من جواب الإمام (عليه
السلام) له أنَّه صاحب مكانة وشخصاً معروفاً في الأواسط الشيعيَّة يوم ذاك ممَّا
يستدعي جوابه. نعم، ظاهر الخبر وجواب الإمام (عليه السلام) أنَّه في سياق الذمِّ له
ممَّا قام به.
كما في الوكيل عليِّ بن
جعفر الهمَّاني في النصِّ هكذا الذي أمر له بمائتي ألف دينار، وكذلك يظهر ورعه في
ذات الوقت إبقاءً على الإمام (عليه السلام) عندما أمر له بمثلها، ممَّا يشير إلى
حرص الأتباع على عدم إثقال الإمام.
كما تتضمَّن الرواية إنكار الإمام على مَنْ يتدخَّل في شؤونه الخاصَّة دون أنْ يكون
مأذوناً بذلك، وهو تعبير عن الحدود التي يجب أنْ يلتزم بها أصحاب الأئمَّة، وألَّا
يتجاوزوا نطاق ما يأمرهم به الإمام المعصوم (عليه السلام).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة)، وسيأتي هذا الخبر برقم (٣٠٨) باختلاف يسير.
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - الحسين بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٩).
٥ - أبو الحسن الأيادي: مهمل.
٦ - أبو جعفر العمري (رضي الله عنه): وكيل الناحية المقدَّسة، وستأتي ترجمته عند
التعرُّض للسفراء.
٧ - عليُّ بن جعفر الهمَّاني: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة: وكيل
ثقة، توثيق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) له، وعدَّه من السفراء الممدوحين على ما يأتي.
وعدَّه ابن شهرآشوب (رحمه الله) من رواة النصِّ على إمامة أبي محمّد العسكري من
أبيه (عليهما السلام)، ومن ثقات أبي محمّد (عليه السلام).
وله قصَّة عجيبة يرويها
الشيخ الكشِّي (رحمه الله) في ترجمته: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ
يُوسُفُ بْنُ اَلسُّخْتِ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ وَكِيلاً لِأَبِي اَلْحَسَنِ
(عليه السلام)، وَكَانَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ هُمَيْنِيَا، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى
سَوَادِ بَغْدَادَ، فَسَعَى بِهِ إِلَى اَلمُتَوَكِّلِ، فَحَبَسَهُ فَطَالَ
حَبْسُهُ، وَاِحْتَالَ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدِ اَلله بْنِ خَاقَانَ بِمَالٍ ضَمِنَهُ
عَنْهُ ثَلَاثَةَ آلاَفِ دِينَارٍ، وَكَلَّمَهُ عُبَيْدُ اَلله، فَعَرَضَ جَامِعَهُ
[حَالَهُ] عَلَى اَلمُتَوَكِّلِ، فَقَالَ: يَا عُبَيْدَ اَلله، لَوْ شَكَكْتُ فِيكَ
لَقُلْتُ: إِنَّكَ رَافِضِيٌّ، هَذَا وَكِيلُ فُلَانٍ وَأَنَا عَلَى قَتْلِهِ،
قَالَ: فَتَأَدَّى اَلْخَبَرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي
اَلْحَسَنِ (عليه السلام): يَا سَيِّدِي، اَللهَ اَللهَ فِيَّ، فَقَدْ وَاَلله
خِفْتُ أَنْ أَرْتَابَ، فَوَقَّعَ فِي رُقْعَتِهِ: «أَمَّا إِذَا بَلَغَ بِكَ
اَلْأَمْرُ مَا أَرَى فَسَأَقْصِدُ اَللهَ فِيكَ»، وَكَانَ هَذَا فِي لَيْلَةِ
اَلْجُمُعَةِ، فَأَصْبَحَ اَلمُتَوَكِّلُ مَحْمُوماً، فَازْدَادَتْ عِلَّتُهُ
حَتَّى صُرِخَ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْاِثْنَيْنِ ، فَأَمَرَ بِتَخْلِيَةِ كُلِّ
مَحْبُوسٍ عُرِضَ عَلَيْهِ اِسْمُهُ حَتَّى ذَكَرَ هُوَ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ،
فَقَالَ لِعُبَيْدِ اَلله: لِمَ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَهُ؟ فَقَالَ: لَا
أَعُودُ إِلَى ذِكْرِهِ أَبَداً، قَالَ: خَلِّ سَبِيلَهُ اَلسَّاعَةَ، وَسَلْهُ
أَنْ يَجْعَلَنِي فِي حِلٍّ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَصَارَ إِلَى مَكَّةَ بِأَمْرِ
أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، فَجَاوَرَ بِهَا، وَبَرَأَ اَلمُتَوَكِّلُ مِنْ
عِلَّتِهِ(٥٤٦).
قال عنه الشيخ النجاشي (رحمه الله): (يُعرَف منه ويُنكر)(٥٤٧).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٦) رجال الكشِّي (ج
٢/ ص ٨٦٥ و٨٦٦/ ح ١١٢٩).
(٥٤٧) رجال النجاشي (ص ٢٨٠/ الرقم ٧٤٠).
تفنيد شيخ الطائفة (قدّس سرّه)
دعوى القائلين بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يمت، وأنَّه هو المهدي
المنتظَر:
ويعتمد (قدّس سرّه) في إبطال هذه الدعوى على أُمور:
١ - القياس على سيرة آبائه الطاهرين: يستدلُّ (قدّس سرّه) بأنَّنا كما نعلم يقيناً
بوفاة آباء الإمام العسكري (عليه السلام) بالقطع، فكذلك وفاته (عليه السلام). وهذا
من باب الاعتماد على تواتر الأخبار ووضوح الأمر، بحيث لا يمكن التشكيك فيه إلَّا
بإنكار الضروريَّات.
٢ - انقراض القائلين بهذه العقيدة واندثارها: حيث إنَّ هذه الجماعة قد انقرضت ولم
يعد لها وجود، ممَّا يدلُّ على عدم صحَّة دعواهم، لأنَّ الفرقة الحقَّة لا تنقرض،
إذ القاعدة تقتضي أنَّ الحقَّ محفوظ على مرِّ الزمان ولا يمكن أنْ ينقرض، على ما
تقدَّم مكرَّراً.
٣ - الروايات الدالَّة على صحَّة وفاته: رواية عامل السلطان، الرواية المذكورة
تُثبِت وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) عبر عدَّة من الشهود، ومن إشراف السلطة
العبَّاسيَّة على مرض الإمام (عليه السلام)، ومن المتابعة المستمرَّة لوضع الإمام
العسكري (عليه السلام)، من خلال إرسال الجواسيس، والخدم، والأطبَّاء، والقضاة.
الرواية تُوضِّح أنَّ السلطة أحضرت قاضي القضاة مع عشرة من وجوه القضاة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٨) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
وأهل العلم، ليشهدوا على وفاة الإمام (عليه السلام)، هذه الشهادة العلنيَّة - حيث
رافقها تعطيل الأسواق، وحضور القادة وجمع من بني هاشم والوجهاء وغيرهم - تمنع أيَّ
مجالٍ للشكِّ بوفاته (عليه السلام).
كذلك إجراءات التغسيل والصلاة والتشييع، والصلاة الظاهريَّة - لأنَّ الصلاة
الواقعيَّة تكون من الإمام (عليه السلام) على ما يأتي مفصَّلاً - على الإمام (عليه
السلام) تمَّت أمام العلويِّين والعبَّاسيِّين على السواء، وبحضور عدد كبير من
الشخصيَّات المهمَّة.
حيث كُشِفَ وجه الإمام (عليه السلام) أمام الناس، ثمّ تغطيته ودفنه في البيت الذي
دُفِنَ فيه الإمام الهادي (عليه السلام).
قال (قدّس سرّه): (فأمَّا القائلون بأنَّ الحسن بن عليٍّ لم يمت، وهو حيٌّ باقٍ،
وهو المهدي، فقولهم باطل بما علمنا موته، كما علمنا موت مَنْ تقدَّم من آبائه،
والطريقة واحدة، والكلام عليهم واحد، هذا مع انقراض القائلين به واندراسهم، ولو
كانوا محقِّين لما انقرضوا).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (ويدلُّ أيضاً على صحَّة وفاته)، وقد روى فيه رواية، وهي:
رواية: دُفِنَ في البيت الذي
دُفِنَ فيه أبوه:
الحديث (١٨١): مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيُّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عُبَيْدِ اَلله اِبْنِ خَاقَانَ - وَهُوَ عَامِلُ
اَلسُّلْطَانِ بِقُمَّ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ اِخْتَصَرْنَاهُ، قَالَ: (لَـمَّا
اِعْتَلَّ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) بُعِثَ إِلَى
أَبِي أَنَّ اِبْنَ اَلرِّضَا قَدِ اِعْتَلَّ، فَرَكِبَ مُبَادِراً إِلَى دَارِ
اَلْخِلَافَةِ، ثُمَّ رَجَعَ مُسْتَعْجِلاً وَمَعَهُ خَمْسَةٌ مِنْ خَدَمِ أَمِيرِ
اَلمُؤْمِنِينَ مِنْ ثِقَاتِهِ وَخَاصَّتِهِ، مِنْهُمْ نِحْرِيرٌ، فَأَمَرَهُمْ
بِلُزُومِ دَارِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَتَعَرُّفِ خَبَرِهِ وَحَالِهِ، وَبَعَثَ إِلَى
نَفَرٍ مِنَ اَلمُتَطَبِّبِينَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْاِخْتِلَافِ إِلَيْهِ
وَتَعَهُّدِهِ صَبَاحاً وَمَسَاءً. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَخْبَرَ
أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ، فَرَكِبَ حتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ
اَلمُتَطَبِّبِينَ بِلُزُومِهِ، وَبَعَثَ إِلَى قَاضِي اَلْقُضَاةِ فَأَحْضَرَهُ
مَجْلِسَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ
مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَةً، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى دَارِ أَبِي مُحَمَّدٍ،
وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِهِ لَيْلاً وَنَهَاراً. فَلَمْ يَزَالُوا هُنَاكَ حتَّى
تُوُفِّيَ (عليه السلام) لِأَيَّامٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ اَلْأَوَّلِ سَنَةَ
سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَصَارَتْ سُرَّ مَنْ رَأَى ضَجَّةً وَاحِدَةً: مَاتَ
اِبْنُ اَلرِّضَا. ثُمَّ أَخَذُوا فِي تَهْيِئَتِهِ، وَعُطِّلَتِ اَلْأَسْوَاقُ،
وَرَكِبَ أَبِي وَبَنُو هَاشِمٍ وَسَائِرُ اَلنَّاسِ إِلَى جَنَازَتِهِ، وَأَمَرَ
اَلسُّلْطَانُ أَبَا عِيسَى بْنَ اَلمُتَوَكِّلِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا
وُضِعَتِ اَلْجِنَازَةُ دَنَا أَبُو عِيسَى فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَعَرَضَهُ
عَلَى بَنِي هَاشِمٍ مِنَ اَلْعَلَوِيَّةِ وَاَلْعَبَّاسِيَّةِ وَاَلْقُوَّادِ
وَاَلْكُتَّابِ وَاَلْقُضَاةِ وَاَلْفُقَهَاءِ اَلمُعَدَّلِينَ، وَقَالَ: هَذَا
اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلرِّضَا، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ
عَلَى فِرَاشِهِ، حَضَرَهُ مِنْ خَدَمِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ مِنْ ثِقَاتِهِ
فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، ثُمَّ غَطَّى وَجْهَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَبَّرَ
عَلَيْهِ خَمْساً، وَأَمَرَ بِحَمْلِهِ، فَحُمِلَ مِنْ وَسَطِ دَارِهِ، وَدُفِنَ
فِي اَلْبَيْتِ اَلَّذِي دُفِنَ فِيهِ أَبُوهُ).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٤٩).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٥٠).
٣ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٥٥١).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أحمد بن عبيد الله بن خاقان: طبقته في الحديث الثامنة، له مجالس - وكتاب -
يرويها عن الإمام العسكري (عليه السلام)، وقد روى جملة من الأجلَّاء ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤٩) الكافي (ج ١/ ٥٠٣
- ٥٠٦/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)/ ح ١).
(٥٥٠) كمال الدِّين (ص ٤٠ - ٤٤).
(٥٥١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٢١ - ٣٢٥).
الردُّ على دعوى القائلين بأنَّ
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يعيش بعد موته وهو القائم الذي سيعود بعد موته
ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، من وجوه:
١ - هذه الدعوى باطلة لأنَّها تخالف ما ثبت يقيناً من وفاته (عليه السلام)، كما سبق
إثباته عبر الشهود والروايات المتواترة.
٢ - عدم الدليل على إثبات المدَّعى، فهذا الرأي يحتاج إلى دليل قطعي يُثبِت استمرار
حياته، ولا يوجد.
٣ - لزوم لازم فاسد، وهو خلوُّ الأرض من الحجَّة، فقد تقدَّم مفصَّلاً أنَّ الإمامة
لطف من الله تعالى ولا يخلو زمان من وجوده، وعلى هذا القول يلزم خلوُّ الزمان من
الإمام ما بين فترة وفاته وعودته.
٤ - الروايات تُؤكِّد استحالة خلوِّ الأرض من إمام: «اَللَّهُمَّ إِنَّكَ لَا
تُخْلِي اَلْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أَوْ خَائِفاً
مَغْمُوراً»(٥٥٢)، والخبر وغيره يفيد استحالة وجود زمان بلا إمام.
إنْ قلتَ: والحديث المرويُّ عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام): «يَقُومُ بَعْدَ
مَوْتِهِ»، ماذا تصنعون به؟
قلتُ: الرواية التي استند إليها المستشكل لا تدلُّ بالضرورة على عودة الإمام بعد
موته، بل يمكن تأويلها بأنَّه سيعود للظهور بعد خفاء أمره، وليس بعد موته الجسدي
الحقيقي.
وهذا يتطابق مع ما حدث للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حيث غاب عن الأنظار لكنَّه
سيعود في آخر الزمان.
٥ - بطلان القول بحياة الإمام العسكري (عليه السلام) من خلال عدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥٢) يأتي في (ص ٣٥٤/ ح ١٨٣).
الأئمَّة (عليهم السلام): إذا كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هو الحادي
عشر، فلا بدَّ أنْ يكون الإمام الذي يليه هو الثاني عشر وليس هو نفسه. هذا الحديث
ينسف تماماً الدعوى القائلة بأنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) هو القائم
المنتظَر.
٦ - انقراض القائلين بهذا الرأي دليل على بطلانه، على ما تقدَّم.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا مَنْ قال: إنَّ الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) يعيش بعد
موته، وإنَّه القائم بالأمر، وتعلُّقهم بما رُوِيَ عن أبي عبد الله (عليه السلام)
أنَّه قال: «إِنَّمَا سُمِّي اَلْقَائِمُ [قَائِماً] لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَمَا
يَمُوتُ»(٥٥٣)، فقوله باطل بما دلَلنا عليه من موته، وادِّعاؤهم أنَّه يعيش يحتاج
إلى دليل، ولو جاز لهم ذلك لجاز أنْ تقول الواقفة: إنَّ موسى بن جعفر (عليهما
السلام) يعيش بعد موته. على أنَّ هذا يُؤدِّي إلى خلوِّ الزمان من إمام بعد موت
الحسن (عليه السلام) إلى حين يحيى، وقد دلَلنا بأدلَّة عقليَّة على فساد ذلك.
ويدلُّ على فساد ذلك أيضاً)، وقد روى فيه (قدّس سرّه) روايتين:
رواية: «لو بقيت الأرض بغير
إمام ساعة لساخت»:
الحديث (١٨٢): مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيُّ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى اِبْنِ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْن بْنِ أَبِي
اَلخَطَّابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفَضْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ،
قاَلَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): أَتَبْقَى اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ
إِمَامٍ؟ فَقَالَ: «لَوْ بَقِيَتِ اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ سَاعَةً لَسَاخَتْ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٥٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥٣) يأتي في (ح ٤٠٣
و٤٨٩).
(٥٥٤) الكافي (ج ١/ ص ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٠).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٥٥٥).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٥٦).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - محمّد بن عيسى بن عبيد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣).
ب - محمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - محمّد بن الفضل: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٥).
٤ - أبو حمزة الثمالي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٥).
رواية: ظاهر مشهور أو خائف
مغمور:
الحديث (١٨٣): وَقَوْلُ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «اَللَّهُمَّ
إِنَّكَ لَا تُخْلِي اَلْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أَوْ
خَائِفاً مَغْمُوراً».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٥٥٧).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٥٨).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٥٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥٥) الغيبة للنعماني
(ص ١٣٩/ باب ٨/ ح ٨).
(٥٥٦) كمال الدِّين (ص ٢٠١/ باب ٢١/ ح ١).
(٥٥٧) الإمامة والتبصرة (ص ٢٦/ ح ٤).
(٥٥٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٥/ باب نادر في حال الغيبة/ ح ٣).
(٥٥٩) كمال الدِّين (ص ٢٨٩ - ٢٩٤/ باب ٢٦/ ح ٢).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
ثمّ قال (قدّس سرّه): (يدلُّ على ذلك.
على أنَّ قوله: «يَقُومُ بَعْدَمَا يَمُوتُ» لو صحَّ الخبر احتمل أنْ يكون أراد:
[أنْ] يقوم بعدما يموت ذِكره، ويخمل ولا يُعرَف، وهذا جائز في اللغة.
وما دلَلنا به على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر يُبطِل هذا المقال، لأنَّ الحسن بن
عليٍّ (عليه السلام) هو الحادي عشر، فيبطل قولهم.
على أنَّ القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد، ولو كان حقًّا لما انقرض القائلون
به).
* * *
لا زال الكلام في إبطال
عدَّة فِرَق مخالفة.
بطلان دعوى الفرقة القائلة
بالفترة:
يزعم هؤلاء أنَّ هناك فترة انقطاع بعد وفاة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، أي
إنَّ الزمان خلا من إمام حتَّى يظهر القائم (عجَّل الله فرجه)، ويردُّ (قدّس سرّه)
عليهم من وجوه:
١ - الدليل العقلي: الإمامة لطف من الله تعالى، واللطف واجب عليه تعالى، فلا يمكن
أنْ تخلو الأرض من إمام.
٢ - الدليل الشرعي: الروايات المستفيضة عن الأئمَّة (عليهم السلام) تنصُّ على أنَّ
الأرض لا تخلو من إمام.
إنْ قلتَ: أليس توجد فترات بين الرُّسُل بمعنى خلوِّ الزمان من حجَّة لله تعالى على
الخلق، فما المانع أنْ توجد الفترة بين الأئمَّة (عليهم السلام).
قلتُ: نُفرِّق بين زمان النبوَّة وزمان الإمامة، النبوَّة وظيفة تبليغيَّة، وقد
تخلو بعض الفترات من نبيٍّ بسبب وصول التشريع إلى درجة لا تستدعي نبيًّا آخر. أمَّا
الإمامة، فهي استمرار لحفظ الدِّين، وهي ليست فقط تبليغيَّة، بل دورها يتعدَّى ذلك
إلى كمال الهداية، فلا يمكن أنْ يخلو الزمان من إمام.
٣ - انقراضهم دليل على فساد معتقدهم.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا مَنْ ذهب إلى الفترة بعد الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)
وخلوِّ الزمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦٠) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
من إمام، فقولهم باطل
بما دلَلنا عليه من أنَّ الزمان لا يخلو من إمام في حال من الأحوال، بأدلَّة
عقليَّة وشرعيَّة.
وتعلُّقهم بالفترات بين الرُّسُل باطل، لأنَّ الفترة عبارة عن خلوِّ الزمان من
نبيٍّ، ونحن لا نوجب النبوَّة في كلِّ حالٍ، وليس في ذلك دلالة على خلوِّ الزمان من
إمام.
على أنَّ القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد، فسقط هذا القول أيضاً).
بطلان إمامة جعفر:
البعض ادَّعى أنَّ جعفر، هو الإمام بعد الإمام العسكري (عليه السلام).
والردُّ على ذلك كما يلي:
١ - عدم العصمة: العصمة شرط أساسي في الإمامة، وجعفر لم يكن معصوماً، بل ظهرت منه
أفعال تُثبِت ذلك، سيأتي ذكر بعضها آخر الكتاب.
٢ - نقص العلم: الإمام يجب أنْ يكون أعلم الأُمَّة، وهذا لم يكن متحقِّقاً في جعفر،
فلا تصحُّ إمامته.
٣ - ما تقدَّم مكرَّراً من أنَّ انقراضهم دليل على فساد قولهم.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا القائلون بإمامة جعفر بن عليٍّ بعد أخيه (عليه السلام)،
فقولهم باطل بما دلَلنا عليه من أنَّه يجب أنْ يكون الإمام معصوماً لا يجوز عليه
الخطأ، وأنَّه يجب أنْ يكون أعلم الأُمَّة بالأحكام، وجعفر لم يكن معصوماً بلا
خلاف، وما ظهر من أفعاله التي تنافي العصمة أكثر من أنْ يُحصى، لا نُطوِّل بذكرها
الكتاب، وإنْ عرض فيما بعد ما يقتضي ذكر بعضها ذكرناه.
وأمَّا كونه عالماً، فإنَّه كان خالياً منه، فكيف تثبت إمامته؟
على أنَّ القائلين بهذه المقالة قد انقرضوا أيضاً، ولله الحمد والمنَّة).
بطلان دعوى عدم وجود ولد للإمام
الحسن العسكري (عليه السلام):
بعض المخالفين أنكروا وجود ولد للإمام العسكري (عليه السلام).
والردُّ عليهم من وجوه:
١ - الردُّ من خلال حديث الأئمَّة الاثني عشر: حيث يُؤكِّد أنَّ عدد الأئمَّة اثنا
عشر، فإذا كان الإمام العسكري (عليه السلام) هو الحادي عشر، فلا بدَّ من وجود إمام
بعده. وإنكاره يعني نقض حديث الأئمَّة الاثني عشر، وهو حديث متواتر.
٢ - الروايات التي تُؤكِّد وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
أ - حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) مع عقبة، حيث يُثبِت أنَّ الإمام لا يموت
حتَّى يرى ولده.
ب - حديث الإمام الباقر (عليه السلام) مع أبي حمزة، يدلُّ على أنَّ الإمام يجب أنْ
يكون له نسل يستمرُّ فيه العلم الإلهي.
ج - حديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في مرفوعة الكليني (رضي الله عنه)،
فهو تصريح مباشر بأنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) كان يعلم بالمحاولات لإنكار
ولادة ولده، لكنَّه يُؤكِّد وجوده.
د - شهادة أبي هاشم الجعفري (رضي الله عنه) في السجن، هذا إثبات من الإمام العسكري
(عليه السلام) نفسه، وجاء مقروناً بحَدَث خارق، حيث قُتِلَ الخليفة المهتدي بعد هذه
العبارة بوقت قصير.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا مَنْ قال: لا ولد لأبي محمّد (عليه السلام)، فقوله يبطل
بما دلَلنا عليه من إمامة الاثني عشر، وسياقة الأمر فيهم، ويزيده بياناً).
ثمّ روى (قدّس سرّه) عدَّة روايات، وهي:
رواية: «صاحب هذا الأمر لا يموت
حتَّى يرى ولده»:
الحديث (١٨٤): مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ
اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى اَلْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
نَصْرٍ، عَنْ عُقْبَةَ اِبْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي اَلحَسَنِ (عليه
السلام): قَدْ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ وَلَيْسَ لَكَ وَلَدٌ. فَقَالَ: «يَا عُقْبَةَ
بْنَ جَعْفَرٍ، إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ لَا يَمُوتُ حتَّى يَرَى وَلَدَهُ
مِنْ بَعْدِهِ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٦١).
٢ - كفاية الأثر للخزَّاز القمِّي (رحمه الله)(٥٦٢).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبوه (جعفر بن عبد الله الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٤ - أحمد بن محمّد بن أبي نصر: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦٢).
٥ - عقبة بن جعفر: مهمل.
رواية: «إنَّ الأرض لن تخلو
إلاَّ وفيها عالم»:
الحديث (١٨٥): عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ اَلحَسَنِ
بْنِ عَلِيٍّ اَلخَزَّازِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، عَنِ اَلحَسَنِ [الحسين] بْنِ
أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «يَا
أبَا حَمْزَةَ، إِنَّ اَلْأَرْضَ لَنْ تَخْلُوَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ مِنَّا،
فَإِنْ زَادَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦١) كمال الدِّين (ص
٢٢٩/ باب ٢٢/ ح ٢٥).
(٥٦٢) كفاية الأثر (ص ٢٧٨ و٢٧٩).
اَلنَّاسُ قَالَ: قَدْ
زَادُوا، وَإِنْ نَقَصُوا قَالَ: قَدْ نَقَصُوا، وَلَنْ يُخْرِجَ اَللهُ ذَلِكَ
اَلْعَالِمَ حتَّى يرى فِي وُلْدِهِ مَنْ يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ، أَوْ مَا شَاءَ
اَللهُ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
دلائل الإمامة للطبري الشيعي (رحمه الله)(٥٦٣).
البحث السندي:
١ - عنه (محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبوه (جعفر بن عبد الله الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - محمّد بن عيسى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣).
٤ - الحسن بن عليٍّ الخزَّاز (الحسن بن عليِّ بن زياد الوشَّاء): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٣١).
٥ - عمر بن أبان: طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: كثير الرواية،
رواية الأجلَّاء عنه، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، قال عنه الشيخ (قدّس
سرّه) في (رجاله): (أُسند عنه) (٥٦٤)، من رواة (كامل الزيارات).
٦ - الحسن بن أبي حمزة: جاء في هامش النسخة المعتمدة: (في نُسَخ (أ، ف، م): الحسين
بن أبي حمزة).
فإنْ كان اسم الراوي (الحسن بن أبي حمزة): فطبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي)، له كُتُب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦٣) دلائل الإمامة (ص
٤٣٤/ ح ٤٠٠/٤).
(٥٦٤) رجال الطوسي (ص ٢٥٣/ الرقم ٣٥٦١/٤٧٠).
وقال ابن الغضائري
(رحمه الله): (مولى الأنصار، أبو محمّد، واقف ابن واقف، ضعيف في نفسه، وأبوه أوثق
منه. وقال الحسن بن عليِّ بن فضَّال: إنِّي لأستحيي من الله أنْ أروي عن الحسن بن
عليٍّ)(٥٦٥).
وقال الكشِّي (رحمه الله): (محمّد بن مسعود، قال: سألت عليَّ بن الحسن بن فضَّال،
عن الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة البطائني، فقال: كذَّاب ملعون، رويت عنه أحاديث
كثيرة، وكتبت عنه تفسير القرآن كلَّه من أوَّله إلى آخره، إلَّا أنِّي لا أستحلُّ
أنْ أروي عنه حديثاً واحداً. وحكى لي أبو الحسن حمدويه بن نصير، عن بعض أشياخه
أنَّه قال: الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة رجل سوء)(٥٦٦).
وقال (رحمه الله) في موضع آخر: (محمّد بن عبد الله بن مهران غالٍ، والحسن بن عليِّ
بن أبي حمزة كذَّاب غالٍ)(٥٦٧).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معرض ترجمته: (الرجل وإنْ وقع في إسناد تفسير
القمِّي كما يأتي إلَّا أنَّه لا يمكن الاعتماد عليه، بعد شهادة عليِّ بن الحسن ابن
فضَّال بأنَّه كذَّاب ملعون، المؤيَّدة بشهادة ابن الغضائري بضعفه، اللَّهُمَّ
إلَّا أنْ يقال: إنَّ شهادة ابن الغضائري لم تثبت لعدم صحَّة نسبة الكتاب إليه،
وكذلك شهادة عليِّ بن الحسن بن فضَّال، فإنَّ الكشِّي روى ذلك بعينه عن محمّد ابن
مسعود، عن عليِّ بن الحسن، في حقِّ عليِّ بن أبي حمزة البطائني ولا بدَّ من أنْ
تكون إحدى الروايتين غير مطابقة للواقع، فإنَّ من البعيد جدًّا، أنَّ عليَّ بن
الحسن كتب التفسير من أوَّله إلى آخره من الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة، ومن عليِّ
ابن أبي حمزة كليهما، بل قد يُتوهَّم أنَّ الظاهر صحَّة ما رواه الكشِّي بالنسبة
إلى عليِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦٥) رجال ابن
الغضائري (ص ٥١/ الرقم ٣٣/٦).
(٥٦٦) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٨٢٧/ ح ١٠٤٢).
(٥٦٧) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٤٢/ ح ٨٣١).
ابن أبي حمزة، فإنَّه
صاحب كتاب التفسير، ولم يُذكر للحسن بن عليِّ بن أبي حمزة كتاب في التفسير. ولكنَّك
ستعرف في ترجمة عليِّ بن أبي حمزة البطائني أنَّ الصحيح هو ما رواه الكشِّي بالنسبة
إلى الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة. ويُؤيِّد ذلك، ما تقدَّم عن النجاشي من رواية ذلك
عن الكشِّي في الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة. ومع التنزُّل عن ذلك، فيكفي في ضعف
الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة شهادة الكشِّي بأنَّه كذَّاب)(٥٦٨).
وإنْ كان اسمه (الحسين بن أبي حمزة) فترجمته كالآتي: (قال أبو عمرو: سألت أبا الحسن
حمدويه بن نصير، عن عليِّ بن أبي حمزة الثمالي، والحسين بن أبي حمزة ومحمّد أخويه
وابنه، فقال: كلُّهم ثقات فاضلون)(٥٦٩). رواية ابن أبي عمير عنه.
والأظهر أنَّه ابن البطائني، لشيوع التعبير عنه بذلك في الروايات.
٧ - أبوه (عليُّ بن أبي حمزة): طبقته في الحديث الرابعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
من رواة (كامل الزيارات)، رواية ابن أبي عمير لأصله، أنَّ الأجلَّاء كصفوان، وابن
أبي عمير، وجعفر بن بشير، والبزنطي قد رووا عنه، وهذه أمارة الوثاقة، له العديد من
الأُصول والكُتُب والمصنَّفات.
قال ابن الغضائري (رحمه الله) في ترجمة ابنه الحسن من أنَّ أباه أوثق منه، وثَّقه
الشيخ (قدّس سرّه) في كتاب (العدَّة) وقال: ولأجل ذلك عملت الطائفة بأخباره(٥٧٠).
من رواة (تفسير القمِّي).
وجوه تضعيفه عديدة، منها: قال ابن الغضائري (رحمه الله): (عليُّ بن أبي حمزة لعنه
الله، أصل الوقف، وأشدُّ الخلق عداوةً للوليِّ من بعد أبي إبراهيم (عليهما
السلام))(٥٧١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦٨) معجم رجال الحديث
(ج ٦/ ص ١٨ و١٩/ الرقم ٢٩٣٧).
(٥٦٩) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٠٧/ ح ٧٦١).
(٥٧٠) راجع: العدَّة في الأُصول (ج ١/ ص ١٥٠).
(٥٧١) رجال ابن الغضائري (ص ٨٣/ الرقم ١٠٧/٣٢).
قال الشيخ (قدّس سرّه)
في الكلام على الواقفة: (فروى الثقات أنَّ أوَّل مَنْ أظهر هذا الاعتقاد عليُّ بن
أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، طمعوا في
الدنيا، ومالوا إلى حطامها، واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً ممَّا اختانوه من
الأموال)(٥٧٢).
(قال ابن مسعود: قال أبو الحسن عليُّ بن الحسن بن فضَّال: عليُّ بن أبي حمزة كذَّاب
متَّهم)(٥٧٣).
روى الشيخ الكشِّي (رحمه الله) عدَّة روايات في ذمِّه، كما توجد روايات على توبته
ورجوعه عن الوقف، وقد ناقش الجميع دلالةً وسنداً السيِّد الخوئي (قدّس سرّه)،
فراجع(٥٧٤).
رواية: «زعم الظلمة أنَّهم
يقتلونني ليقطعوا هذا النسل»:
الحديث (١٨٦): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ اَلْكُلَيْنِيُّ رَفَعَهُ، قَالَ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) - حِينَ وُلِدَ اَلحُجَّةُ (عليه السلام) -:
«زَعَمَ اَلظَّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَنِي لِيَقْطَعُوا [ليقطع] هَذَا
اَلنَّسْلَ، فَكَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ اَلله؟»، وَسَمَّاهُ: اَلمُؤَمَّلَ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
* محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
الحديث مرسَل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧٢) الغيبة للطوسي (ص
٦٣/ ح ٦٥).
(٥٧٣) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٠٥/ ح ٧٥٥).
(٥٧٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٢٣٤ - ٢٥١/ الرقم ٧٨٤٦).
رواية: «سأُرزق ولداً»:
الحديث (١٨٧): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ
اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَحْبُوساً مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) فِي حَبْسِ اَلمُهْتَدِي بْنِ اَلْوَاثِقِ، فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا
هَاشِمٍ، إِنَّ هَذَا اَلطَّاغِيَ أَرَادَ أَنْ يَعْبَثَ [يتعبث] بِاللهِ فِي
هَذِهِ اَللَّيْلَةِ، وَقَدْ بَتَرَ اَللهُ تَعَالَى عُمُرَهُ، وَقَدْ جَعَلَهُ
اَللهُ لِلْقَائِمِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي وَلَدٌ، وَسَأُرْزَقُ
وَلَداً». قَالَ أَبُو هَاشِمٍ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا [وَطَلَعَتِ اَلشَّمْسُ]
شَغَبَ [سعت] اَلْأَتْرَاكُ عَلَى اَلمُهْتَدِي فَقَتَلُوهُ، وَوُلِّيَ
اَلمُعْتَمِدُ مَكَانَهُ، وَسَلَّمَنَا اَللهُ.
تخريج الحديث:
تقدَّم تخريجه في الحديث رقم (١٧٣).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
الردُّ على الشبهة القائلة
بالاشتباه في وجود ولد للإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
هؤلاء توقَّفوا وزعموا أنَّهم متردِّدون بين إثبات ولادته أو نفيها، متمسِّكين فقط
بإمامة الإمام العسكري (عليه السلام) حتَّى يتَّضح لهم الأمر.
الردود على هذه الشبهة:
١ - الإجماع على إمامة الاثني عشر: الروايات القطعيَّة تُثبِت أنَّ الأئمَّة عددهم
اثنا عشر، ممَّا يقتضي أنْ يكون للإمام العسكري (عليه السلام) ولدٌ يخلفه. وإنكار
ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُؤدِّي إلى إبطال حديث الأئمَّة الاثني
عشر، وهو متواتر.
٢ - استحالة خلوِّ
الأرض من إمام عقليًّا: حيث لا يمكن أنْ تخلو الأرض من إمام، لأنَّ الإمامة لطفٌ
واجب من الله تعالى، ولا يصحُّ تعطيله.
قال (قدّس سرّه): (فأمَّا مَنْ زعم أنَّ الأمر قد اشتبه عليه، فلا يدري هل لأبي
محمّد (عليه السلام) ولد أم لا، إلَّا أنَّهم متمسِّكون بالأوَّل حتَّى يصحَّ لهم
الآخر.
فقوله باطل بما دلَلنا عليه من صحَّة إمامة ابن الحسن، وبما بيَّنَّا من أنَّ
الأئمَّة اثنا عشر، ومع ذلك لا ينبغي التوقُّف، بل يجب القطع على إمامة ولده.
وبما قدَّمناه أيضاً من أنَّه لا يمضي إمام حتَّى يُولَد له ويرى عقبه)(٥٧٥).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (ويُؤكِّد ذلك)، حيث روى رواية، وهي:
رواية: «لا يكون الإمام إلاَّ
وله عقب إلاَّ الإمام الذي يـخرج عليه الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، فإنَّه لا
عقب له»:
الحديث (١٨٨): مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ
اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ رَشِيدٍ، عَنِ
اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اَلخَزَّازِ، قَالَ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ
عَلَى أَبِي اَلحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ إِمَامٌ؟
قَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ
(عليهما السلام) يَقُولُ: «لَا يَكُونُ اَلْإِمَامُ إِلَّا وَلَهُ عَقِبٌ».
فَقَالَ: «أَنَسِيتَ يَا شَيْخُ أَوْ [أَمْ] تَنَاسَيْتَ؟ لَيْسَ هَكَذَا قَالَ
جَعْفَرٌ (عليه السلام)، إِنَّمَا قَالَ جَعْفَرٌ (عليه السلام): لَا يَكُونُ
اَلْإِمَامُ إِلَّا وَلَهُ عَقِبٌ إِلَّا اَلْإِمَامُ اَلَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ
اَلحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَإِنَّهُ لَا عَقِبَ لَهُ». فَقَالَ
لَهُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَكَذَا سَمِعْتُ جَدَّكَ يَقُولُ.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
دلائل الإمامة للطبري الشيعي (رحمه الله)(٥٧٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧٥) راجع (ص ٣٥٨/ ح
١٨٤).
(٥٧٦) دلائل الإمامة (ص ٤٣٥ و٤٣٦/ ح ٤٠٥/٩).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبوه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - عليُّ بن سليمان بن رشيد: طبقته في الحديث الثامنة، مجهول.
٤ - الحسن بن عليٍّ الخزَّاز (الحسن بن عليِّ بن زياد الوشَّاء): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٣١).
إثبات قاعدة أنَّ الإمام لا
يمضي حتَّى يكون له عقب:
هذه قاعدة متَّبعة في الأئمَّة (عليهم السلام)، حيث لا ينتقل مقام الإمامة إلَّا
بوجود خلف. ويُؤكِّد هذه القاعدة: رواية الخزَّاز، حيث تردُّ على مَنْ زعم أنَّ
الإمام لا بدَّ أنْ يكون له ولد ظاهر معروف بين الناس ليصحَّ إمامته أي إمامة
الحيِّ. نجد أنَّ عليَّ بن أبي حمزة يستدلُّ بحديث للإمام الصادق (عليه السلام) على
أنَّ الإمامة لا تكون إلَّا لمن له عقب.
ولكنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) يُصحِّح له الفهم، ويُبيِّن أنَّ هذا ينطبق على
جميع الأئمَّة إلَّا الإمام القائم (عجَّل الله فرجه). حيث يُبيِّن (عليه السلام)
أنَّ جميع الأئمَّة يكون لهم نسل، باستثناء القائم الذي لا عقب له، لأنَّه سيملأ
الأرض قسطاً وعدلاً ولا يحتاج إلى مَنْ يخلفه. وهذا دليل صريح على صحَّة ولادته.
«تمسَّكوا بالأوَّل حتَّى يصحَّ
لكم الآخر» بيانه وردُّه:
بعض المتوقِّفين استدلُّوا بهذا الحديث للقول بأنَّه لا دليل قطعي على إمامة المهدي
(عجَّل الله فرجه)، وأنَّه يجب التمسُّك فقط بإمامة الإمام العسكري (عليه السلام)
حتَّى يظهر دليل قطعي.
الردود على هذا
الاستدلال:
١ - الحديث خبر واحد وليس متواتراً: الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في (العدَّة) يُبيِّن
أنَّ الأخبار الآحاد لا تفيد اليقين في العقائد، وبالتالي لا يمكن الاستناد إليها
لنفي وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
٢ - التفسير الصحيح للحديث: سعد بن عبد الله الأشعري يُبيِّن أنَّ الحديث لا ينفي
الخلف، بل يدلُّ على وجوب التمسُّك بالإمام العسكري (عليه السلام) في الظاهر، ولا
يجب البحث عن الآخر حتَّى يأذن الله تعالى بظهور الخلف المستور. وهذا يتَّفق مع
عقيدة الغيبة، حيث يكون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) غائباً، لكنَّ وجوده حتمي.
٣ - انقراض القائلين بهذه الشبهة دليل على بطلانها: هذه قاعدة كلاميَّة يعتمدها
الشيخ الطوسي (قدّس سرّه). فإنَّ الضرورة قاضية بأنَّ العقيدة الصحيحة تستمرُّ عبر
الزمن، كما هو الحال في عقيدة الإمامة الاثني عشريَّة. فإنَّ القائلين بعدم ولادة
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قد انقرضوا، ممَّا يدلُّ على أنَّ رأيهم لم يكن
صحيحاً، فكلُّ منقرض ليس حقًّا.
ثمّ قال (قدّس سرّه): (وما دلَلنا عليه من أنَّ الزمان لا يخلو من إمام عقلاً
وشرعاً يُفسِد هذا القول أيضاً).
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) رواية في هذا الصدد، وهي:
رواية: «تمسَّكوا بالأوَّل
حتَّى يصحَّ لكم الآخر»:
الحديث (١٨٩): فأمَّا تمسُّكهم بما رُوِيَ: «تَمَسَّكُوا بِالْأَوَّلِ حتَّى
يَصِحَّ لَكُمُ اَلْآخِرُ»، فهو خبر واحد، ومع هذا فقد تأوَّله سعد بن عبد الله
بتأويل قريب(٥٧٧)، قال: قوله: «تَمَسَّكُوا بِالْأَوَّلِ حتَّى يَظْهَرَ لَكُمُ
اَلْآخِرُ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧٧) وتأويل سعد للخبر لا يقتضي عدم الإيمان بالثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، بل معناه عدم الخوض والبحث في تفاصيله.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الغيبة للشيخ النعماني (رحمه الله)(٥٧٨).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
ثمّ قال (قدّس سرّه): (هو دليل على إيجاب الخلف، لأنَّه يقتضي وجوب التمسُّك
بالأوَّل، ولا يُبحَث عن أحوال الآخر إذا كان مستوراً غائباً في تقيَّة حتَّى يأذن
الله في ظهوره، ويكون الذي يُظهِر أمره ويُشهِر نفسه.
على أنَّ القائلين بذلك قد انقرضوا، والحمد لله).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧٨) الغيبة للنعماني (ص ١٦١/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٢).
نتناول فيه تتميم بطلان
بقيَّة الفِرَق والدعاوى.
الردُّ على مَنْ زعم انقطاع
الإمامة بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
يدَّعي هؤلاء أنَّ الإمامة كالنبوَّة وكما انتهت النبوَّة فكذلك انتهت الإمامة،
فهؤلاء يعترفون بإمامة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لكنَّهم زعموا أنَّ
الإمامة قد انقطعت بعده كما انقطعت النبوَّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
الردود على هذه الشبهة:
١ - الفرق بين ختم النبوَّة واستمرار الإمامة: ختم النبوَّة لا يعني انقطاع
الإمامة، لأنَّ الإمامة وظيفة إلهيَّة تختلف عن وظيفة النبوَّة، النبوَّة انتهت
بختم التشريع مع النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، أمَّا الإمامة فهي استمرار
لحفظ الدِّين وإقامة الحجَّة على الخلق.
٢ - استحالة خلوِّ الأرض من إمام عقلاً وشرعاً: أمَّا عقليًّا، فلأنَّ الإمامة لطف
إلهي، ووجود الإمام واجب لأنَّه يحفظ الشريعة. وأمَّا شرعيًّا فالروايات المتواترة
تُؤكِّد أنَّ الأرض لا تخلو من إمام على ما يأتي وتقدَّم شطر منها.
٣ - حديث الأئمَّة الاثني عشر: الروايات الصحيحة المتقدِّمة والتي نصَّت على أنَّ
عدد الأئمة اثنا عشر، ممَّا يعني ضرورة وجود إمام بعد الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام)، وإنكار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يناقض هذا الحديث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧٩) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
٤ - إثبات ولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه): إنَّ إثبات ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
يستوجب بطلان دعوى انقطاع الإمامة كما سيأتي.
٥ - انقراض هذه الفرقة دليل على بطلان قولهم: حيث تقدَّم أنَّ الحقَّ لا ينقطع،
وهؤلاء قد انقطعوا، فقولهم ليس بحقٍّ.
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا مَنْ قال بإمامة الحسن (عليه السلام)، وقالوا: انقطعت
الإمامة كما انقطعت النبوَّة.
فقولهم باطل بما دلَلنا عليه من أنَّ الزمان لا يخلو عن إمام عقلاً وشرعاً، وبما
بيَّنَّاه من أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وسنُبيِّن صحَّة ولادة القائم (عليه السلام)
بعده، فسقط قولهم من كلِّ وجه.
على أنَّ هؤلاء قد انقرضوا بحمد الله).
بطلان القول بإمامة جعفر بن
عليٍّ والردُّ على الفطحيَّة:
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) يناقش تقلبات الفطحيَّة، حيث قالوا بإمامة عبد الله الأفطح
بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، ثمّ تراجعوا عن قولهم عندما مات عبد الله بلا
عقب، وعادوا إلى إمامة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ومن بعده إلى إمامة الحسن
ابن عليٍّ (عليهما السلام)، فلمَّا مات (عليه السلام) قالوا بإمامة جعفر.
وهؤلاء يبطل قولهم من وجوه:
١ - التناقض في موقفهم: الفطحيَّة انتقلوا من إمامة عبد الله الأفطح إلى إمامة
الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بعد موت الأوَّل، ثمّ إلى إمامة الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام)، ثمّ إلى جعفر بن عليٍّ، ممَّا يدلُّ على عدم ثباتهم على
منهج واضح. الإمامة ليست منصباً قابلاً للتغيير بحسب الأهواء والظروف، بل هي نصٌ
إلهيٌّ ثابت لا يخضع للاجتهادات الشخصيَّة.
٢ - عدم اجتماع الإمامة
في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام): الروايات عن الأئمَّة (عليهم السلام)
تُثبِت أنَّ الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومنها:
أ - حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «أَبَى اَللهُ أَنْ يَجْعَلَ اَلْإِمَامَةَ
لِأَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ».
ب - حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا تَجْتَمِعُ اَلْإِمَامَةُ فِي
أَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ، إِنَّمَا هِيَ فِي اَلْأَعْقَابِ
وَأَعْقَابِ اَلْأَعْقَابِ»، وغيرهما.
وهذا دليل قاطع على أنَّ الإمامة لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين (عليهما
السلام)، بل يجب أنْ تكون في الأبناء، أي في الأعقاب.
٣ - عدم عصمة جعفر بن عليٍّ وإثبات فساده: لا خلاف أنَّ جعفر لم يكن معصوماً، وقد
تقدَّم أنَّ من شرط الإمام أنْ يكون معصوماً، وما ظهر من أفعاله ينافي العصمة. وقد
رُوِيَت عدَّة روايات سيأتي جملة منها فيما بعد تكشف عن حاله، وممَّا رُوِيَ في
ذلك:
أ - حديث التهنئة: فعندما أخبروا الإمام الهادي (عليه السلام) به، قال: «سَيُضِلُّ
خَلْقاً كَثِيراً»، فهذه إشارة بل تصريح مبكِّر إلى فساد جعفر وانحرافه.
ب - جعفر كان يشرب الخمر، على ما يأتي من الرواية: حيث كان سكراناً وطلب جاريته
بأعلى صوته، فنهره الإمام العسكري (عليه السلام)، وبعد لحظات، غلبه النوم وهو جالس،
ممَّا أظهر حالته المخزية أمام الجميع.
قال (قدّس سرّه): (وقد بيَّنَّا فساد قول الذاهبين إلى إمامة جعفر بن عليٍّ من
الفطحيَّة الذين قالوا بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق (عليه السلام)، فلمَّا مات
عبد الله ولم يُخلِف ولداً رجعوا إلى القول بإمامة موسى بن جعفر، ومن بعده إلى
الحسن ابن عليٍّ (عليهم السلام)، فلمَّا مات الحسن (عليه السلام) قالوا بإمامة
جعفر، وقول هؤلاء يبطل من
وجوه أفسدناها [أي
الدعوى]، ولأنَّه لا خلاف بين الإماميَّة أنَّ الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن
والحسين).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (وقد رووا في ذلك أخباراً كثيرةً، منها)، حيث روى (قدّس سرّه)
الروايات التالية:
رواية: «أبى الله أنْ يجعل
الإمامة لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»:
الحديث (١٩٠): مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
اَلْوَلِيدِ اَلخَزَّازِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «أَبَى اَللهُ أَنْ يَجْعَلَ اَلْإِمَامَةَ
لِأَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلحَسَنِ وَاَلحُسَيْنِ (عليهما السلام)».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٥٨٠).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٨١).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٨٢).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - محمّد بن الوليد الخزَّاز: طبقته في الحديث السادسة والسابعة، من وجوه توثيقه:
وثَّقه الشيخ النجاشي (رحمه الله) وقال عنه: (عين نقي الحديث)(٥٨٣)، من رواة (كامل
الزيارات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨٠) الإمامة والتبصرة
(ص ٥٧/ ح ٤١).
(٥٨١) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٢).
(٥٨٢) كمال الدِّين (ص ٤١٥/ باب ٤٠/ ح ٣).
(٥٨٣) رجال النجاشي (ص ٣٤٥/ الرقم ٩٣١).
٣ - يونس بن يعقوب:
طبقته في الحديث الخامسة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)
والشيخ النجاشي (رحمه الله) له، وعدَّه الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في رسالته
العدديَّة من الفقهاء الأعلام، والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا
والأحكام، الذين لا يُطعَن عليهم ولا طريق إلى ذمِّ واحدٍ منهم، من رواة (كامل
الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي)، وروى الشيخ الكشِّي (رحمه الله) روايات في
مدحه.
رواية: «لا تجتمع الإمامة في
أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)»:
الحديث (١٩١): عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلخَطَّابِ،
عَنْ سُلَيْمَانَ اِبْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى اَلجُهَنِيِّ، قَالَ:
قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «لَا تَجْتَمِعُ اَلْإِمَامَةُ فِي
أَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلحَسَنِ وَاَلحُسَيْنِ (عليهما السلام)، إِنَّمَا هِيَ فِي
اَلْأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ اَلْأَعْقَابِ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الإمامة والتبصرة لابن بابويه (قدّس سرّه)(٥٨٤).
٢ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٨٥).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٨٦).
البحث السندي:
١ - عنه (سعد بن عبد الله): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - محمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨٤) الإمامة والتبصرة
(ص ٥٧/ ح ٤٢).
(٥٨٥) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٤).
(٥٨٦) كمال الدِّين (ص ٤١٤/ باب ٤٠/ ح ٢).
٣ - سليمان بن جعفر -
مشترك بين جماعة، وصاحبنا هو - الجعفري: طبقته في الحديث السادسة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، صاحب كتاب، رواية بعض الأجلَّاء عنه، رواية ابن أبي
عمير عنه، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، وثَّقه الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في
(الفهرست) وفي (الرجال)، وذكر الشيخ الكشِّي (رحمه الله) روايات في مدحه.
٤ - حمَّاد بن عيسى الجهني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٥٥).
رواية: «لا تعود الإمامة في
أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) أبداً»:
الحديث (١٩٢): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ
اَلرَّحْمَنِ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَعُودُ اَلْإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ
بَعْدَ اَلحَسَنِ وَاَلحُسَيْنِ (عليهما السلام) أَبَداً، إِنَّهَا جَرَتْ مِنْ
عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليهما السلام) كَمَا قَالَ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأُولُوا
الْأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، فَلَا تَكُونُ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ
اَلحُسَيْنِ (عليهما السلام) إِلَّا فِي اَلْأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ اَلْأَعْقَابِ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٥٨٧).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٨٨).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨٧) الكافي (ج ١/ ص
٢٨٥ و٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ١).
(٥٨٨) كمال الدِّين (ص ٤١٤/ باب ٤٠/ ح ١).
٢ - أبوه (عبد الله بن
جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - محمّد بن عيسى بن عبيد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٣).
٤ - يونس بن عبد الرحمن: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٥ - الحسين بن ثوير بن أبي فاختة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٦٠).
ثمّ قال (قدّس سرّه): (ومنها أنَّه لا خلاف أنَّه لم يكن معصوماً، وقد بيَّنَّا
أنَّ من شرط الإمام أنْ يكون معصوماً، وما ظهر من أفعاله ينافي العصمة).
رواية: «سيُضِلُّ خلقاً
كثيراً»:
الحديث (١٩٣): وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَـمَّا وُلِدَ لِأَبِي اَلحَسَنِ (عليه
السلام) جَعْفَرٌ هَنَّئُوهُ بِهِ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ سُرُوراً، فَقِيلَ لَهُ فِي
ذَلِكَ، فَقَالَ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ أَمْرَهُ، سَيُضِلُّ خَلْقاً كَثِيراً».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٨٩).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٩٠).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
رواية: إنَّهم رأوا فيه آثار
السكر:
الحديث (١٩٤): وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ
مِنْهُمْ أَبُو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨٩) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٣٩).
(٥٩٠) كمال الدِّين (ص ٣٢١).
هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ
اَلْقَاسِمِ اَلجَعْفَرِيُّ، وَاَلْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَبَّاسِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اَلله، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اَلْعَمْرِيُّ،
وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ كَانَ حُبِسَ بِسَبَبِ قَتْلِ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدٍ
اَلْعَبَّاسِيِّ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَأَخَاهُ جَعْفَراً دَخَلَا
عَلَيْهِمْ لَيْلاً. قَالُوا: كُنَّا لَيْلَةً مِنَ اَللَّيَالِي جُلُوساً
نَتَحَدَّثُ إِذْ سَمِعْنَا حَرَكَةَ بَابِ اَلسِّجْنِ فَرَاعَنَا ذَلِكَ، وَكَانَ
أَبُو هَاشِمٍ عَلِيلاً، فَقَالَ لِبَعْضِنَا: اِطَّلِعْ وَاُنْظُرْ مَا تَرَى،
فَاطَّلَعَ إِلَى مَوْضِعِ اَلْبَابِ فَإِذَا اَلْبَابُ فُتِحَ، وَإِذَا هُوَ
بِرَجُلَيْنِ قَدْ أُدْخِلَا إِلَى اَلسِّجْنِ وَرُدَّ اَلْبَابُ وَأُقْفِلَ،
فَدَنَا مِنْهُمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: نَحْنُ قَوْمٌ
مِنَ اَلطَّالِبِيَّةِ حُبِسْنَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ: «أَنَا
اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهَذَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ»، فَقَالَ لَـهُمَا:
جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَدْخُلَا اَلْبَيْتَ،
وَبَادَرَ إِلَيْنَا وَإِلَى أَبِي هَاشِمٍ فَأَعْلَمَنَا وَدَخَلَا. فَلَمَّا
نَظَرَ إِلَيْهِمَا أَبُو هَاشِمٍ قَامَ عَنْ مِضْرَبَةٍ(٥٩١) كَانَتْ تَحْتَهُ،
فَقَبَّلَ وَجْهَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَأَجْلَسَهُ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ
جَعْفَرٌ قَرِيباً مِنْهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: وَا شَطْنَاهُ، بِأَعْلَى صَوْتِهِ -
يَعْنِي جَارِيَةً لَهُ -، فَزَجَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَقَالَ لَهُ:
«اُسْكُتْ»، وَإِنَّهُمْ رَأَوْا فِيهِ آثَارَ اَلسُّكْرِ، وَأَنَّ اَلنَّوْمَ
غَلَبَهُ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَهُمْ، فَنَامَ عَلَى تِلْكَ اَلحَالِ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - سعد بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩١) المضربة بفتح الميم وتُكسَر راؤها وتُضَمُّ في الأخير: القطعة من القطن. راجع: القاموس المحيط (ج ١/ ص ٩٥ و٩٦)، ولعلَّ المراد منه ما يُطرَح على الأرض ويُقعَد عليه.
ب - القاسم بن محمّد
العبَّاسي: مهمل.
ج - محمّد بن عبيد الله: مهمل.
د - محمّد بن إبراهيم العمري: مهمل.
ثمّ قال (قدّس سرّه): (وما رُوِيَ فيه وله من الأفعال والأقوال الشنيعة أكثر من أنْ
تُحصى نُنزِّه كتابنا عن ذلك).
بطلان القول بأنَّ الأئمَّة
ثلاثة عشر، وأنَّ للخلف ولداً:
بعض الفِرَق المنحرفة زعمت أنَّ هناك ثلاثة عشر إماماً.
الردُّ على هذا القول:
١ - حديث الأئمَّة الاثني عشر: حيث صرَّح (صلَّى الله عليه وآله) بوضوح أنَّ
الأئمَّة بعده اثنا عشر، لا أقلَّ ولا أكثر.
٢ - لم تذكر أيُّ رواية معتبرة وجود ابن للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): فلو كان
ثَمَّة ما يُثبِت ذلك لذكرته الروايات.
٣ - انقراض الفِرَق الضالَّة دليل على بطلانها: وهذه قاعدة استدلاليَّة قويَّة،
تقدَّمت مكرَّراً.
قال (قدّس سرّه): (فأمَّا مَنْ قال: إنَّ للخلف ولداً، وإنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر،
فقولهم يفسد بما دلَلنا عليه من أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) اثنا عشر، فهذا القول
يجب إطراحه.
على أنَّ هذه الفِرَق كلَّها قد انقرضت بحمد الله، ولم يبقَ قائل يقول بقولها، وذلك
دليل على بطلان هذه الأقاويل).
* * *
أدلَّة الولادة الاعتباريَّة
والروايات:
بعد أنْ تمَّ الكلام من عدَّة جهات في إثبات إمامة الإمام الحجَّة بن
الحسن (عجَّل الله فرجه) وغيبته يبحث شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في هذا الفصل أدلَّة
ولادته.
يُشير المصنِّف (قدّس سرّه) في هذا الموضع إلى أنَّ إثبات ولادة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) يتمُّ بطريقتين رئيسيَّتين:
أ - الاعتباريَّة: وهي الأدلَّة العقليَّة القائمة على اللوازم الضروريَّة
والمقتضيات الحتميَّة.
ب - الإخباريَّة: وهي الأدلَّة النقليَّة المستندة إلى الروايات والأخبار الصحيحة.
هذا التمييز مهمٌّ جدًّا في علم الكلام، إذ يُبرز أنَّ إثبات ولادة الإمام (عجَّل
الله فرجه) ليس مقتصراً على النقل فقط، بل له أُصول عقليَّة متينة تفرض إثباته
حتَّى لو لم يُنقَل فيه خبر أصلاً.
الأدلَّة الاعتباريَّة:
ويذكر منها ثلاثة:
الدليل الأوَّل: قاعدة اللزوم
العقلي:
ومعناها: أنَّ إثبات إمامة الإمام (عجَّل الله فرجه) قائمٌ على أدلَّة قطعيَّة
سابقة تُثبِت بطلان أيِّ ادِّعاء آخر للإمامة في عصره، ولا يبقى إلَّا القول
بإمامته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٢) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
بعبارة ثانية: يُقرِّر المصنِّف (قدّس سرّه) هنا أنَّه إذا ثبتت إمامة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) بالأدلَّة التي فصَّلها سابقاً، فإنَّ ذلك وحده كافٍ
لإثبات ولادته حتَّى لو لم يُروَ فيها خبرٌ أصلاً. والسبب في ذلك هو أنَّ الإمامة
تستلزم وجود شخص يتولَّى هذا المنصب الإلهي في كلِّ زمانٍ، وإذا لم يكن هناك غيره
في عصره ممَّن تنطبق عليه شروط الإمامة، لزِم القطع بولادته.
الدليل الثاني: العدد لا
يتحقَّق إلَّا بالمعدود:
ويقوم على ما ورد في الأحاديث المتواترة عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في أنَّ
عدد الأئمَّة هو اثنا عشر. ومن الثابت عند الإماميَّة أنَّ العدد لا يتحقَّق إلَّا
بوجود أشخاص حقيقيِّين يُمثِّلون هذا العدد، فلو لم يُولَد الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) لاختلَّ العدد، وهذا مخالف لثبوت الحديث المتواتر.
إذن، وجود الإمام الثاني عشر أمرٌ لازمٌ لإكمال العدد المذكور في النصوص، فلو لم
تثبت ولادته لكان العدد ناقصاً، وهو محالٌ بمقتضى الروايات القطعيَّة.
الدليل الثالث: وقوع الغيبة
يكشف عن ولادته (عجَّل الله فرجه):
ويعتمد على ما ثبت بالأدلَّة النقليَّة من أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) له
غيبتان: صغرى وكبرى. والغَيبتان بدورهما مترتِّبتان على وجود شخص معصوم مستورٍ عن
الأنظار، وهو ما يُثبِت ولادته ضرورةً.
فلو أنكرنا ولادته، لبطلت فكرة الغيبة التي أثبتتها الأخبار الكثيرة، وحيث إنَّ
الغيبة أمر ثابت، لزِم منه القطع بولادة الإمام (عجَّل الله فرجه).
قال (قدّس سرّه): (فصل: فأمَّا الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها فأشياء
اعتباريَّة وأشياء إخباريَّة، فأمَّا الاعتباريَّة فهو أنَّه إذا ثبت إمامته بما
دلَلنا عليه من الأقسام، وإفساد كلِّ قسم منها إلَّا القول بإمامته، ثبتت إمامته،
وعلمنا بذلك صحَّة ولادته إنْ لم يُرْوَ فيه خبر أصلاً.
وأيضاً ما دلَلنا عليه من أنَّ الأئمَّة اثنا عشر يدلُّ على صحَّة ولادته، لأنَّ
العدد لا يكون إلَّا لموجود.
وما دلَلنا على أنَّ صاحب الأمر لا بدَّ له من غيبتين يُؤكِّد ذلك، لأنَّ كلَّ ذلك
مبنيٌّ على صحَّة ولادته).
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) الأدلَّة النقليَّة على ولادته (عجَّل الله فرجه)، ونحن
نُبيِّنها كما بيَّنها هو (قدّس سرّه)، وعلى كثرتها فسينقل منها ثمانية وعشرين
خبراً، ونقوم بتحقيق كلِّ خبرٍ منها دلالةً وسنداً:
قال (قدّس سرّه): (وأمَّا تصحيح ولادته من جهة الأخبار فسنذكر في هذا الكتاب طرفاً
ممَّا رُوِيَ فيه جملةً وتفصيلاً، ونذكر بعد ذلك جملة من أخبار مَنْ شاهده ورآه،
لأنَّ استيفاء ما رُوِيَ في هذا المعنى يطول به الكتاب).
رواية: حديث التهنئة:
الحديث (١٩٥): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ اَلثِّقَةِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اَلله بْنُ اَلْعَبَّاسِ اَلْعَلَوِيُّ - وَمَا رَأَيْتُ
أَصْدَقَ لَـهْجَةً مِنْهُ، وَكَانَ خَالَفَنَا [يخالفنا] فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ
-، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلْفَضْلِ اَلحُسَيْنُ بْنُ اَلحَسَنِ
اَلْعَلَوِيُّ(٥٩٣)، قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِسُرَّ
مَنْ رَأَى، فَهَنَّأْتُهُ بِسَيِّدِنَا صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) لَـمَّا
وُلِدَ).
دلالة الحديث:
يدلُّ الخبر على إثبات ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) اعتماداً على تصريح
الراوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٣) عدَّه الطوسي (قدّس سرّه) في رجاله (ص ٤٢٠/ الرقم ٦٠٧٠/٥) فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (الحسين بن الحسن الحسيني الأسود، فاضل، يُكنَّى أبا عبد الله، رازي).
بأنَّه دخل على الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وهنَّأه بولادة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) ممَّا يُقطَع معه بثبوت الولادة، إذ لو لم تكن الولادة قد
تحقَّقت لكان على الإمام (عليه السلام) أنْ يُنبِّه على ذلك.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٥ - حنظلة بن زكريَّا: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٦ - الثقة: لم نعرفه، ويتوقَّف على موقفنا من نقولات حنظلة.
٧ - عبد الله بن العبَّاس العلوي: مهمل.
٨ - أبو الفضل الحسين بن الحسن العلوي: مهمل.
رواية: تسمية السيِّدة حكيمة
(رضي الله عنها) فلان ابن الحسن (عليه السلام):
الحديث (١٩٦): مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ اَلْكُلَيْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى حَكِيمَةَ [خديجة] بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا (عليهما
السلام) سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَكَلَّمْتُهَا مِنْ
وَرَاءِ حِجَابٍ، وَسَأَلْتُهَا عَنْ دِينِهَا، فَسَمَّتْ لِي مَنْ تَأْتَمُّ
بِهِمْ، قَالَتْ: (فُلَانٌ اِبْنُ اَلحَسَنِ)، فَسَمَّتْهُ. فَقُلْتُ لَـهَا:
جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكِ، مُعَايَنَةً أَوْ خَبَراً؟ فَقَالَتْ: (خَبَراً عَنْ
أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) كَتَبَ
بِهِ إِلَى أُمِّهِ)، قُلْتُ لَهَا: فَأَيْنَ اَلْوَلَدُ؟ قَالَتْ: (مَسْتُورٌ)،
فَقُلْتُ: إِلَى مَنْ تَفْزَعُ اَلشِّيعَةُ؟ قَالَتْ: (إِلَى اَلجَدَّةِ أُمِّ
أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام))، فَقُلْتُ: أَقْتَدِي بِمَنْ وَصِيَّتُهُ إِلَى
اِمْرَأَةٍ؟ فَقَالَتْ: (اِقْتَدِ بِالحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)
أَوْصَى إِلَى أُخْتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي اَلظَّاهِرِ،
وَكَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليهما السلام) مِنْ عِلْمٍ
يُنْسَبُ إِلَى زَيْنَبَ سَتْراً عَلَى عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ (عليهما السلام)).
ثُمَّ قَالَتْ: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ أَصْحَابُ أَخْبَارٍ، أَمَا رَوَيْتُمْ أَنَّ
اَلتَّاسِعَ مِنْ وُلْدِ اَلحُسَيْنِ (عليه السلام) يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ وَهُوَ فِي
اَلحَيَاةِ؟).
وَرَوَى هَذَا اَلخَبَرَ اَلتَّلَّعُكْبَرِيُّ، عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ
اَلنَّهَاوَنْدِيِّ، عَنِ اَلحَسَنِ اِبْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلحَنَفِيِّ،
عَنْ أَبِي حَامِدٍ اَلمَرَاغِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ حَكِيمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ
أُخْتَ أَبِي اَلحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ.
دلالة الحديث:
في سنة (٢٦٢) هجريَّة يذهب أحمد بن إبراهيم قاصداً السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها)
ليسألها عن دينها ومَنْ تأتمُّ به؟ فتجيبه بقولها (رضي الله عنها): (فُلَانٌ(٥٩٤)
اِبْنُ اَلْحَسَنِ، فَسَمَّتْهُ)، وهو دالٌّ صريح على الولادة، مع شدَّة الأمر
وتشدُّد السلطة نجد أنَّ السيِّدة (رضي الله عنها) تُصرِّح باسمه، ممَّا يعني أنَّ
هذا الأمر كان أمراً ثابتاً. وقولها (رضي الله عنها): (مَسْتُورٌ) إشارة دقيقة إلى
أنَّه في حالة غيبة، وهذا الإخفاء كان تدبيراً إلهيًّا لحمايته (عجَّل الله فرجه).
فيسألها أحمد عن مصدر قولها، فتُجيب السيِّدة (رضي الله عنها) بأنَّه بالإخبار من
الإمام العسكري (عليه السلام)، وهذا لا ينفي المعاينة، لأنَّ ظاهر الحال من الخبر
أنَّها مأمورة بذلك، وهي فعلاً قد سمعت الخبر من الإمام العسكري (عليه السلام)،
فالإخبار ببعض ما عندها من جهات العلم بالولادة لمقتضيات معيَّنة تامٌّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٤) مع ملاحظة التصريح في الخبر الرابع الآتي يظهر أنَّ المنع عن التسمية هو الذي كان وراء عدم تصريح السيِّدة (رضي الله عنها) أو الراوي بالاسم، وجوازه هناك باعتبار الإعلان عن الاسم وبيانه عند التسمية.
ثمّ تُبيِّن له السيِّدة (عليها السلام) أنَّ الخبر الذي أخبرت به كتبه الإمام
العسكري (عليه السلام) إلى أُمِّه (عليها السلام). فيستغرب السامع ويعترض بقوله:
(أَقْتَدِي بِمَنْ وَصِيَّتُهُ إِلَى اِمْرَأَةٍ؟)، وهو منطقي، إذ الإمامة لا تكون
في النساء. فأجابته السيِّدة (عليها السلام) ببيانٍ دقيقٍ مستشهدةً بوصيَّة الإمام
الحسين (عليه السلام) إلى أُخته زينب (عليها السلام) في الظاهر، مع بقاء الإمامة
الفعليَّة في الإمام زين العابدين (عليه السلام)، هذا الاستدلال يحمل بُعداً
عميقاً، إذ يُشير إلى أنَّ ظاهر الأُمور لا يُنافي وجود تدبيرٍ إلهيٍّ خفيٍّ، فكما
كانت زينب (عليها السلام) واجهةً لحفظ الإمام السجَّاد (عليه السلام) كذلك الأمر
هنا.
ثمّ بيَّنت السيِّدة (عليها السلام) القاعدة في المقام مستدلَّة للسائل - كي ينقل
إلى غيره - بقولها: (أَمَا رَوَيْتُمْ أَنَّ اَلتَّاسِعَ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ
يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ وَهُوَ فِي اَلْحَيَاةِ؟)، وهذا يكشف عن بُعدٍ عميق تشير إليه
(عليها السلام)، وهو أنَّ الغيبة كانت معروفة ومتوقَّعة بين خواصِّ الشيعة منذ
أزمنة سابقة، وأنَّها ليست أمراً مفاجئاً، بل سُنَّة إلهيَّة، وأنَّ الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) سيُخفى عن الناس حتَّى يُقسَم ميراثه، وهو المسموع من خواصِّ
الشيعة ورواتهم.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٥٩٥).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٥٩٦).
البحث السندي:
طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) إلى الشيخ الكليني (رضي الله عنه)، فله إليه عدَّة
طُرُق:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٥) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٧١ و٢٧٢).
(٥٩٦) كمال الدِّين (ص ٥٠١/ باب ٤٥/ ح ٢٧، وص ٥٠٧/ باب ٤٥/ ذيل الحديث ٣٦).
أ - طُرُقه في الفهرست (٤)، والطريق الأوَّل تامٌّ بلا إشكال، والثاني يمكن تصحيحه،
والثالث والرابع ضعيفان على المشهور.
ب - طُرُقه في المشيخة (٣)، والأوَّل والثاني منهما صحيح بلا إشكال، والثالث فيه
كلام.
ج - طُرُق تعويضيَّة: فإنَّ طُرُق الشيخ (قدّس سرّه) إلى الصدوق (قدّس سرّه) صحيحة،
وطُرُق الصدوق (قدّس سرّه) إلى الكليني (رضي الله عنه) صحيحة أيضاً، على ما يأتي
مفصَّلاً.
١ - محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - محمّد بن جعفر الأسدي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠).
٣ - أحمد بن إبراهيم: مهمل.
قاعدة في كشف الخبر عن مخبره:
ولكن قد يقال: إنَّ نفس الحوار الذي دار بينه وبين السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها)
يكشف على الأقلّ عن معروفيَّته لديها ولدى بعض الشيعة، وإلَّا لو كان مجهولاً
تماماً لما كان وجه للحديث معه في هذا الأمر الخطير وفي مثل هذا الوقت البالغ
الحساسيَّة. واعتماد طريقة الكشف بالخبر عن مخبره ليست مستهجنة ولا بمستبعدة في بعض
الأخبار، ولعلَّ هذا الخبر منها.
البحث السندي الثاني:
١ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - الحسن بن محمّد النهاوندي: مجهول.
٣ - الحسن بن جعفر بن مسلم الحنفي: مهمل.
٤ - أبو حامد المراغي: خرج في توقيع يمدحه، والطريق إليه هو بنفسه، لذا لم يعتمده
غير واحد.
نعم، اعتمده العلَّامة (قدّس سرّه)، وقال عنه ابن داود (رحمه الله): (إنَّه ممدوح،
عظيم الشأن)(٥٩٧).
رواية: «وزعمت الظلمة أنَّهم
يقتلونني ليقطعوا هذا النسل»:
الحديث (١٩٧): وَقَدْ تَقَدَّمَتِ اَلرِّوَايَةُ مِنْ قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) حِينَ وُلِدَ لَهُ: «وَزَعَمَتِ اَلظَّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَنِي
لِيَقْطَعُوا هَذَا اَلنَّسْلَ، فَكَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ اَلله؟»، وَسَمَّاهُ:
اَلمُؤَمَّلَ.
دلالة الحديث:
يكشف هذا الخبر عن علم الإمام العسكري (عليه السلام) للمخطَّطات التي سعت لقتله
بغية قطع نسل الإمامة، وجوابه (عليه السلام) عليها: «فَكَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ
الله؟»، لأنَّ حفظ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أمراً قدرته السماء. ثمّ يُخبِر
(عليه السلام) بولادة مولوده وتسميته له بالمؤمَّل.
تخريج الحديث:
تقدَّم تخريجه في الحديث رقم (١٨٦).
البحث السندي:
تقدَّمت ترجمة رجال الرواية في الحديث (١٨٦).
رواية: ووُلِدَ له وَلد:
الحديث (١٩٨): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ
اَلْأَشْعَرِيِّ، عَنِ اَلمُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ،
قَالَ: خَرَجَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حِينَ قُتِلَ
اَلزُّبَيْرِيُّ(٥٩٨): «هَذَا جَزَاءُ مَنِ اِفْتَرَى عَلَى اَلله وَعَلَى
أَوْلِيَائِهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يَقْتُلُنِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٧) رجال ابن داود (ص ٣٦/ الرقم ٥٥).
(٥٩٨) قال العلَّامة
المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ شرح ص ١٧١): (وكان الزبيري كان من أولاد
الزبير ولم نعثر على قصَّة قتله وتعيين شخصه).
وقال (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ شرح ص ٣): (الزبيري كان لقب بعض الأشقياء من
ولد الزبير كان في زمانه (عليه السلام) فهدَّده وقتله الله على يد الخليفة أو غيره،
وصحَّف بعضهم وقرأ بفتح الزاي وكسر الباء من الزَّبِير بمعنى الداهية كنايةً عن
المهتدي العبَّاسي حيث قتله الموالي).
وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ، فَكَيْفَ رَأَى قُدْرَةَ اَلله؟»، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ،
وَسَمَّاهُ: مُحَمَّداً، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
دلالة الحديث:
يُصرِّح الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في توقيع خرج عنه، بعد مقتل الزبيري:
«هَذَا جَزَاءُ مَنِ اِفْتَرَى عَلَى اَللهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ... زَعَمَ
أَنَّهُ يَقْتُلُنِي وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ»، حيث يكشف عن السعي لإبادة هذا النسل
بقتل الإمام العسكري (عليه السلام) ظنًّا منهم أنَّ ذلك سينجح، ولكنَّه وهم باطل
ناشئ عن الجهل بحقيقة الإرادة الإلهيَّة التي تقتضي استمرار الحجَّة في كلِّ عصر،
وهذه هي قدرة الله تعالى وتدبيره في إهلاك مَنْ كان يتهدَّد قتل الإمام (عليه
السلام)، وإعلانه (عليه السلام) عن ولادة ولده بالفعل، وإنْ كانت مستورة.
تذكر الرواية أنَّ الولادة وقعت في سنة (٢٥٦) هجريَّة، ولكن حيث إنَّ المعروف
أنَّها وقعت (٢٥٥) هجريَّة، فقد تصدَّى غير واحد لرفع التنافي بين الخبرين، ومنهم
العلَّامة المجلسي (رحمه الله): (ربَّما يُجمَع بينه وبين ما ورد من خمس وخمسين
بكون السنة في هذا الخبر ظرفاً لـ (خرج) أو (قُتِلَ)، أو إحداهما على الشمسيَّة
والأُخرى على القمريَّة)(٥٩٩)(٦٠٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩٩) بحار الأنوار (ج
٥١/ ص ٤).
(٦٠٠) ولكن هذا الاحتمال منه (رحمه الله) لا وجه له باعتبار أنَّ الفارق بين السنة
الهجريَّة القمريَّة والهجريَّة الشمسيَّة في سنة (٢٥٥) هو ثمان سنوات وليس سنة
واحدة، وذلك لأنَّ كلَّ (٣٣) سنة هجريَّة قمريَّة تساوي (٣٢) سنة هجريَّة شمسيَّة.
والجمع الأوَّل لا مانع منه، والثاني لا يفي بالغرض، إذ الفارق ليس سنة واحدة بل
أكثر، ولعلَّ الأوفق الجمع باختلاف الأشهر، ولا مانع منه مع ملاحظة صعوبة الضبط في
تلك الأزمنة خصوصاً في ولادته (عجَّل الله فرجه).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٠١).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٠٢).
٣ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٠٣).
البحث السندي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - الحسين بن محمّد الأشعري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٣ - المعلَّى بن محمّد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
٤ - أحمد بن محمّد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠).
رواية: فإن حَدَثَ حَدَثٌ فأين
أسأل عنه؟ فقال: «بالمدينة»:
الحديث (١٩٩): أَبُو هَاشِمٍ اَلجَعْفَرِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ
(عليه السلام): جَلَالَتُكَ تَمْنَعُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ، فَتَأْذَنُ لِي فِي
أَنْ أَسْأَلَكَ؟ قَالَ: «سَلْ»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، هَلْ لَكَ وَلَدٌ؟ قَالَ:
«نَعَمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ حَدَثَ حَدَثٌ فَأَيْنَ أَسْأَلُ عَنْهُ؟ فَقَالَ:
«بِالمَدِينَةِ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٠١) الكافي (ج ١/ ص
٣٢٩/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار/ ح ٥، وص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه
السلام)/ ح ١).
(٦٠٢) كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٣).
(٦٠٣) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٩).
دلالة الحديث:
يتضمَّن النصُّ عدَّة أُمور:
١ - إثبات الولادة، من خلال الجواب عن سؤال الجعفري: (هَلْ لَكَ وَلَدٌ؟)، والجعفري
يُدرِك أهمّيَّة هذا السؤال (جَلَالَتُكَ تَمْنَعُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ)، وأنَّ
مسألة الولادة كانت أمراً بالغ الخطورة في ذلك الوقت.
فجاء جواب الإمام (عليه السلام): «نَعَمْ»، هو تصريح مباشر بوجود ولد له.
٢ - الإشارة إلى مرحلة الغيبة، فسؤال أبي هاشم: (فَإِنْ حَدَثَ حَدَثٌ فَأَيْنَ
أَسْأَلُ عَنْهُ؟) يعكس إدراكه لوقوع الغيبة، ما يستدعي السؤال عن طريقة التواصل مع
الإمام (عجَّل الله فرجه) أو معرفة موضعه.
٣ - قوله (عليه السلام): «بِالمَدِينَةِ»، هذا الجواب يحتمل وجهين وفق تحليل المولى
المازندراني (رحمه الله)(٦٠٤):
أ - أنَّ المراد بالمدينة، هو مدينة الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، ويُشير إلى
أنَّ إقامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في تلك الفترة ستكون في المدينة، مع
الإشارة إلى أنَّ المدينة هي مكان حفظه وستر أمره في بداية غيبته.
ب - أنْ يكون المراد بالمدينة، هو سُرَّ مَنْ رأى، وهي المدينة التي كان الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) تحت الإقامة الجبريَّة فيها. وفق هذا التفسير، يُشير
الإمام إلى أنَّ الاتِّصال بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أو معرفة أخباره سيكون
من خلال وكلائه في تلك المدينة.
ولعلَّ الأنسب من جهة اللقاء به أنْ يُراد بالمدينة مدينة بغداد، لأنَّ معظم
اللقاءات - في الغيبة الصغرى - التي حصلت كانت فيها، وبقرينة وجود السفراء الأربعة
فيها، وبطبيعة الحال لقربهم من الإمام (عجَّل الله فرجه)، ولا وجه لسامرَّاء إذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٠٤) راجع: شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٢٦ و٢٢٧)
لو كان يريدها لقال (عليه السلام) هنا. نعم، الانصراف الخارجي - وهو ليس بحجَّة -
يُراد منها طيبة. بل قد يقال: إنَّ الانصراف من حاقِّ اللفظ لأنَّ لفظة (مدينة)
ينصرف منها المدينة المنوَّرة، خصوصاً مع وجود رواية «وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ
طِيبَةُ»(٦٠٥)، والأمر سهل.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٠٦).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٠٧).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) إلى أبي هاشم الجعفري: تقدَّمت ترجمة رجاله في
الدروس (٦٣ - ٦٦) في الحديث رقم (١١٤).
٢ - أبو هاشم الجعفري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٨٤).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٠٥) الكافي (ج ١/ ص
٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٦).
(٦٠٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار (عليه السلام)/ ح
٢).
(٦٠٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٨).
نتناول فيه: أدلَّة
الولادة من الروايات، ووصل الكلام إلى:
رواية: العطاس:
الحديث (٢٠٠): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، رَفَعَهُ عَنْ نَسِيمٍ
اَلخَادِمِ(٦٠٩)، خَادِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِعَشْرِ لَيَالٍ، فَعَطَسْتُ
عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَرْحَمُكَ اَللهُ»، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «أَلَا
أُبَشِّرُكَ فِي اَلْعُطَاسِ؟ هُوَ أَمَانٌ مِنَ اَلمَوْتِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ».
دلالة الحديث:
يقول نسيم: دخلتُ على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ولادته بعشرة أيَّام،
فعطستُ عنده، فقال لي: «يَرْحَمُكَ اَللهُ»، ففرحتُ بذلك. ثمّ قال: «أَلَا
أُبَشِّرُكَ فِي اَلْعُطَاسِ؟ هُوَ أَمَانٌ مِنَ اَلمَوْتِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ».
هذه الرواية فيها دلالة على وضوح وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وكذا علمه (عجَّل
الله فرجه) منذ صغره، إذ دعاؤه - وهو بعد في أيَّامه الأُولى - يدلُّ على إحاطته.
كما أنَّ إخباره عن كون العطاس أماناً من الموت يعكس علمه اللَّدُنِّي المتَّصل
بعالم الغيب، مضافاً إلى التكلُّم في المهد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٠٨) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٠٩) ولكن في كمال الدِّين (ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١١): (... حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ
بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَلَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَسِيمُ خَادِمَةُ أَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ (عليه
السلام) بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِلَيْلَةٍ، فَعَطَسْتُ عِنْدَهُ...).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦١٠).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦١١).
البحث السندي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - نسيم الخادم: مهمل.
رواية: معجزة اجتماع الأسماء
والرابع القائم:
الحديث (٢٠١): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَلِيٍّ
اَلْقَيْسِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه
السلام)، قَالَ: «إِذَا اِجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ
وَاَلحَسَنُ، فَالرَّابِعُ اَلْقَائِمُ (عليه السلام)».
دلالة الحديث:
هذا الحديث الشريف يشير إلى ترتيب الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) وفق تسلسل
معيَّن يقتضي إذا حصل، أنْ يكون الرابع هو القائم (عجَّل الله فرجه)، وهذا إعجاز في
إثبات الولادة، حيث تحقَّقت كما في الخبر، مع أنَّ المخبر به هو الإمام
الصادق (عليه السلام) وقد أخبر به قبل ما يزيد على (١٠٠) سنة من تحقُّقه.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١٠) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٦١).
(٦١١) كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ذيل الحديث ٥).
١ - الإمامة والتبصرة
لابن بابويه (قدّس سرّه)(٦١٢).
٢ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦١٣).
٣ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦١٤).
البحث السندي:
١ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠١).
٢ - أبوه (عبد الله بن جعفر الحميري): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٣ - أحمد بن هلال: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٠٧).
٤ - سالم بن أبي حيَّة: مهمل.
٥ - أُميَّة بن عليٍّ القيسي: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
صاحب كتاب، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
ولكن الشيخ النجاشي (رحمه الله) قال: (ضعَّفه أصحابنا)(٦١٥).
وقال ابن الغضائري (رحمه الله): (ضعيف الرواية، في مذهبه ارتفاع)(٦١٦).
روايتان بمفاد واحد: «هذا
صاحبكم من بعدي»:
الحديث (٢٠٢): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ضَوْءِ بْنِ
عَلِيٍّ اَلْعِجْلِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ - سَمَّاهُ -، قَالَ:
أَتَيْتُ سُرَّ مَنْ رَأَى، وَلَزِمْتُ بَابَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)،
فَدَعَانِي مِنْ غَيْرِ أَنِ اِسْتَأْذَنْتُ [أستأذن]، فَلَمَّا دَخَلْتُ
فَسَلَّمْتُ قَالَ لِي: «يَا فُلَانُ، كَيْفَ حَالُكَ؟»، ثُمَّ قَالَ: «اُقْعُدْ،
يَا فُلَانُ»، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ جَمَاعَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١٢) الإمامة والتبصرة
(ص ١١٣ و١١٤/ ح ١٠١).
(٦١٣) إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨).
(٦١٤) كمال الدِّين (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ باب ٣٣/ ح ٢).
(٦١٥) رجال النجاشي (ص ١٠٥/ الرقم ٢٦٤).
(٦١٦) رجال ابن الغضائري (ص ٣٨/ الرقم ٦/٦).
مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ
مِنْ أَهْلِي، ثُمَّ قَالَ لِي: «مَا اَلَّذِي أَقْدَمَكَ؟». قُلْتُ: رَغْبَةٌ فِي
خِدْمَتِكَ. قَالَ: «فَالْزَمِ اَلدَّارَ». قَالَ: فَكُنْتُ فِي اَلدَّارِ مَعَ
اَلخَدَمِ، ثُمَّ صِرْتُ أَشْتَرِي لَهُمُ اَلحَوَائِجَ مِنَ اَلسُّوقِ، وَكُنْتُ
أَدْخُلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ إِذَا كَانَ فِي دَارِ اَلرِّجَالِ، فَدَخَلْتُ
عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ فِي دَارِ اَلرِّجَالِ، فَسَمِعْتُ حَرَكَةً فِي
اَلْبَيْتِ، وَنَادَانِي: «مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ»، فَلَمْ أَجْسُرْ أَخْرُجُ
وَلَا أَدْخُلُ، فَخَرَجَتْ عَلَيَّ جَارِيَةٌ مَعَهَا شَيْءٌ مُغَطًّى، ثُمَّ
نَادَانِي: «اُدْخُلْ»، فَدَخَلْتُ، ثُمَّ نَادَى اَلجَارِيَةَ، فَرَجَعَتْ،
فَقَالَ لَـهَا: «اِكْشِفِي عَمَّا مَعَكِ»، فَكَشَفَتْ عَنْ غُلَامٍ أَبْيَضَ،
حَسَنِ اَلْوَجْهِ، فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فَإِذَا شَعْرٌ نَابِتٌ مِنْ لَبَّتِهِ
إِلَى سُرَّتِهِ، أَخْضَرُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ، فَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ»، ثُمَّ
أَمَرَهَا، فَحَمَلَتْهُ، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حتَّى مَضَى أَبُو
مُحَمَّدٍ (عليه السلام).
فَقَالَ ضَوْءُ بْنُ عَلِيٍّ: قُلْتُ لِلْفَارِسِيِّ: كَمْ كُنْتَ تُقَدِّرُ لَهُ
مِنَ اَلسِّنِينَ؟ قَالَ: سَنَتَيْنِ. قَالَ اَلْعَبْدِيُّ: فَقُلْتُ لِضَوْءٍ:
كَمْ تُقَدِّرُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ
وَأَبُو عَبْدِ اَلله: وَنَحْنُ نُقَدِّرُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.
الحديث (٢٠٣): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ عَمْرٍو اَلْأَهْوَازِيِّ، قَالَ:
أَرَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) اِبْنَهُ، وَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ
مِنْ بَعْدِي».
دلالة الحديثين:
وقعت أحداث الروايتين في بيت الإمام العسكري (عليه السلام) والذي رواها أحد الخدم
الذي جاء من فارس لأجل الخدمة، فقرَّبه الإمام (عليه السلام) وسأله عن أحواله
وأحوال جماعة من أهله بأسمائهم - وهذا نحو من الإعجاز - وأنَّ الإمام (عليه السلام)
لديه العلم اللَّدُنِّي، ثمّ بعد ذاك وجملة من الأحداث أطلعه على الإمام (عليه
السلام) وأخبره بأنَّه هو الصاحب بعده. هذه المشاهدة شهادة حسّيَّة من هذا الرجل
على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، ممَّا يُعزِّز روايات إثبات ولادته. نعم، وقع
اختلاف في تقدير عمره (عجَّل الله فرجه).
المولى المازندراني
(رحمه الله) يُفسِّر اختلاف تقدير الأعمار بفرضيَّتين(٦١٧):
أ - أنَّ الإخبار حصل خلال حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وكان عمر
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في ذلك الوقت سنتين.
ب - أنَّ التقدير تارةً يلحظ باعتبار تاريخ ولادته، وأُخرى باعتبار نموِّه
والزيادات في بدنه الشريف حيث يبدو أكبر من عمره بلحاظ زمان ولادته، وهو ما دلَّت
عليه بعض الأخبار الآتية. وكذا الخبر التاسع.
تخريج الحديث (٢٠٢):
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦١٨).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦١٩).
تخريج الحديث (٢٠٣):
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٢٠).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٢١).
٣ - تقريب المعارف للشيخ أبي الصلاح الحلبي (رحمه الله)(٦٢٢).
البحث السندي للحديث (٢٠٢):
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١٧) راجع: شرح أُصول
الكافي للمازندراني (ج ٧/ ص ٣٣٦ و٣٣٧).
(٦١٨) الكافي (ج ١/ ص٥١٤ و٥١٥/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٢).
(٦١٩) كمال الدِّين (ص ٤٣٥ و٤٣٦/ باب ٤٣/ ح ٤).
(٦٢٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار (عليه السلام)/ ح
٣).
(٦٢١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٨).
(٦٢٢) تقريب المعارف (ص ٤٢٧).
٢ - عليُّ بن محمّد
(بندار): طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه منها: إكثار الشيخ الكليني (رضي
الله عنه) عنه.
٣ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - الحسن بن عليِّ بن إبراهيم: مهمل.
ب - محمّد بن عليِّ بن إبراهيم: طبقته في الحديث الثامنة، من وجوه توثيقه: صاحب
كُتُب عديدة وكثير الرواية، من رواة (كامل الزيارات)، اعتمده جملة من المشايخ،
وفصَّل فيه آخرون.
ولكن، قال الشيخ النجاشي (رحمه الله): (محمّد بن عليِّ بن إبراهيم بن موسى أبو جعفر
القرشي، مولاهم صيرفي، ابن أُخت خلَّاد المقرئ، وهو خلَّاد بن عيسى، وكان يُلقَّب
محمّد بن عليٍّ أبا سمينة، ضعيف جدًّا، فاسد الاعتقاد، لا يُعتمَد في شيء، وكان ورد
قمّ، وقد اشتهر بالكذب بالكوفة، ونزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدَّة، ثمّ تشهَّر
بالغلوِّ فجُفِيَ، وأخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قمّ، وله قصَّة)(٦٢٣).
وللسيِّد الخوئي (قدّس سرّه) فيه تحقيق من نقاط أربع، فراجع(٦٢٤).
٤ - ضوء بن عليٍّ العجلي: مهمل.
٥ - رجل من أهل فارس: لا يُعرَف.
الأقوال في بندار:
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (عليُّ بن محمّد: هو من مشايخ الكليني، وقد أكثر
الرواية عنه في الكافي... ومن ثَمَّ قد يقال بجهالته، ولكن الظاهر أنَّه عليُّ بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢٣) رجال النجاشي (ص
٣٣٢/ الرقم ٨٩٤).
(٦٢٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٧/ ص ٣١٩ - ٣٢٣/ الرقم ١١٢٨٦).
محمّد بن بندار الذي
روى عنه كثيراً... ثمّ إنَّك قد عرفت في عليِّ بن أبي القاسم الثقة أنَّه عليُّ بن
محمّد بن أبي القاسم، وعليه فيُحكم بوثاقة عليِّ بن محمّد بن بندار، وعليِّ بن
محمّد بن عبد الله)(٦٢٥).
وقال (قدّس سرّه): (أقول: تقدَّم في عليِّ بن محمّد، أنَّ عليَّ بن محمّد بن بندار
هو عليُّ بن محمّد بن أبي القاسم الثقة)(٦٢٦).
وقال الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه): (عليُّ بن محمّد بن بندار: من مشايخ الكليني
كذا في الوجيزة، ويحتمل أنْ يكون هذا هو عليُّ بن محمّد بن أبي القاسم المذكور،
فإنَّ أبا القاسم يُكنَّى ببندار، كما سيجيء في محمّد بن أبي القاسم...)(٦٢٧).
وقال الشيخ المازندراني (رحمه الله): (عليُّ بن محمّد بن بندار: من مشايخ
الكليني (رحمه الله)، كذا في الوجيزة، ويحتمل أنْ يكون هذا هو ابن محمّد بن أبي
القاسم المذكور، فإنَّ أبا القاسم يُلقَّب بندار كما في محمّد ابنه...)(٦٢٨).
وقال الملَّا عليّ كني (رحمه الله): (وعليه يكون عليُّ بن محمّد بن بندار معلوماً
هو ابن بنت البرقي، وعليه يُحمَل عليُّ بن محمّد المطلق في روايات الكليني بينه
وبين البرقي وغيره. وكذا عليُّ بن محمّد بن عبد الله إنْ ثبت كون عبد الله لقباً
لأبي القاسم أو أبيه وإنْ علا)(٦٢٩).
وقال السيِّد حسن الصدر (رحمه الله): (عليُّ بن محمّد بن بندار من مشايخ الكليني،
ويروي عنه كثيراً في الكافي، وكفاه بذلك مدحاً وتوثيقاً، كما أشار إليه في رياض
العلماء)(٦٣٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢٥) معجم رجال الحديث
(ج ١٣/ ص ١٣٥ و١٣٦/ الرقم ٨٣٩٨).
(٦٢٦) معجم رجال الحديث (ج ١٣/ ص ١٤١/ الرقم ٨٤١٤).
(٦٢٧) تعليقة على منهج المقال (ص ٢٥٧).
(٦٢٨) منتهى المقال (ج ٥/ ص ٥٢/ الرقم ٢٠٨٣).
(٦٢٩) توضيح المقال (ص ١١٩).
(٦٣٠) تكملة أمل الآمل (ج ٤/ ص ٨٤/ الرقم ١٥٢٢).
وقال السيِّد الشفتي
الجيلاني (رحمه الله): (تحقيق الحال يستدعي أنْ يقال: إنَّ الذي يحضرني الآن من
رواية ثقة الإسلام عن عليِّ بن محمّد على ثلاثة أنحاء:
منها: الرواية عنه من غير تقييد: سواء روى بواسطته عن سهل بن زياد، وهو الأكثر كما
لا يخفى على مَنْ تتبَّع موارد قليلة من الكافي أُصوله وفروعه، أم لا وهو أقلّ من
الأوَّل، ومنه...)، ثمّ ذكر بعض الموارد، فراجع.
ثمّ قال (رحمه الله): (ومنها: الرواية عنه مقيَّداً بابن عبد الله: كما في باب
العقل والجهل منه... ومنها: الرواية عنه مقيَّداً بابن بندار: كما في باب السواك من
كتاب الطهارة... وغير ذلك من الموارد التي لا يخفى على المتتبِّع. والظاهر أنَّ
عليَّ بن محمّد بن بندار وعليَّ بن محمّد بن عبد الله واحد، عبد الله اسم جدِّه،
وبندار لقبه. والدليل عليه كلام النجاشي في ترجمة الولد والوالد... إذا تحقَّق ذلك
نقول: إنَّ عليَّ بن محمّد في أوَّل سند الكافي اثنان، وكلاهما ثقة، فلا يهمُّنا
البحث عن التعيين)(٦٣١).
البحث السندي للحديث (٢٠٣):
الظاهر من كلمة (وبهذا الإسناد) هو إسناد الحديث السابق، ولكن عند مراجعة إسناد
الشيخ محمّد بن يعقوب (رضي الله عنه) في (الكافي) نجد أنَّ الإسناد مختلف، لذا فإنْ
كان الإسناد كما في الحديث (٢٠٢) فالسند يكون كالتالي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - عليُّ بن محمّد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
٣ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - الحسن بن عليِّ بن إبراهيم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
ب - محمّد بن عليِّ بن إبراهيم: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣١) الرسائل الرجاليَّة (ص ٥٠٤ - ٥٠٨).
٤ - عمرو الأهوازي:
مهمل.
وإنْ لم يكن الإسناد كذلك، فهو كالتالي:
١ - عليُّ بن محمّد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
٢ - جعفر بن محمّد الكوفي: مهمل.
٣ - جعفر بن محمّد المكفوف: مهمل.
٤ - عمرو الأهوازي: تقدَّم آنفاً.
رواية: ليلة المولد وبعث الإمام
العسكري (عليه السلام) إلى السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها):
الحديث (٢٠٤): وَأَخْبَرَنِي اِبْنُ أَبِي جِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ
بْنِ اَلْوَلِيدِ، عَنِ اَلصَّفَّارِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ اَلْقُمِّيِّ، عَنْ
أَبِي عَبْدِ اَلله اَلمُطَهَّرِيِّ، عَنْ حَكِيمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ
اَلرِّضَا، قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) سَنَةَ خَمْسٍ
وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي اَلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَقَالَ: «يَا عَمَّةِ،
اِجْعَلِي اَللَّيْلَةَ إِفْطَارَكِ عِنْدِي، فَإِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ)
سَيَسُرُّكِ بِوَلِيِّهِ وَحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي»،
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَتَدَاخَلَنِي لِذَلِكَ سُرُورٌ شَدِيدٌ، وَأَخَذْتُ ثِيَابِي
عَلَيَّ وَخَرَجْتُ مِنْ سَاعَتِي حتَّى اِنْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام)، وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَحْنِ دَارِهِ، وَجَوَارِيهِ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ:
جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي، اَلخَلَفُ مِمَّنْ هُوَ؟ قَالَ: «مِنْ سَوْسَنَ»،
فَأَدَرْتُ طَرْفِي فِيهِنَّ، فَلَمْ أَرَ جَارِيَةً عَلَيْهَا أَثَرٌ غَيْرَ
سَوْسَنَ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أَنْ صَلَّيْتُ اَلمَغْرِبَ وَاَلْعِشَاءَ اَلْآخِرَةَ
أُتِيتُ بِالمَائِدَةِ، فَأَفْطَرْتُ أَنَا وَسَوْسَنُ، وَبَايَتُّهَا فِي بَيْتٍ
وَاحِدٍ، فَغَفَوْتُ غَفْوَةً(٦٣٢)، ثُمَّ اِسْتَيْقَظْتُ، فَلَمْ أَزَلْ
مُفَكِّرَةً فِيمَا وَعَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مِنْ أَمْرِ وَلِيِّ
اَلله (عليه السلام)، فَقُمْتُ قَبْلَ اَلْوَقْتِ اَلَّذِي كُنْتُ أَقُومُ فِي
كُلِّ لَيْلَةٍ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ اَللَّيْلِ حتَّى بَلَغْتُ إِلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣٢) في تهذيب اللغة (ج ٨/ص ١٧٨/مادَّة غفا): (غفا: يقال: أُغفِيَ الرجل وغيره، إذا نام نومة خفيفة).
اَلْوَتْرِ، فَوَثَبَتْ
سَوْسَنُ فَزِعَةً، وَخَرَجْتُ فَزِعَةً وَ[خَرَجَتْ] وَأَسْبَغَتِ اَلْوُضُوءَ،
ثُمَّ عَادَتْ فَصَلَّتْ صَلَاةَ اَللَّيْلِ، وَبَلَغَتْ إِلَى اَلْوَتْرِ،
فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّ اَلْفَجْرَ [قَدْ] قَرُبَ، فَقُمْتُ لِأَنْظُرَ،
فَإِذَا بِالْفَجْرِ اَلْأَوَّلِ قَدْ طَلَعَ، فَتَدَاخَلَ قَلْبِيَ اَلشَّكُّ مِنْ
وَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَنَادَانِي مِنْ حُجْرَتِهِ: «لَا
تَشُكِّي، وَكَأَنَّكِ بِالْأَمْرِ اَلسَّاعَةَ قَدْ رَأَيْتِهِ إِنْ شَاءَ اَللهُ
تَعَالَى».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَمِمَّا
وَقَعَ فِي قَلْبِي، وَرَجَعْتُ إِلَى اَلْبَيْتِ وَأَنَا خَجِلَةٌ، فَإِذَا هِيَ
قَدْ قَطَعَتِ اَلصَّلَاةَ وَخَرَجَتْ فَزِعَةً، فَلَقِيتُهَا عَلَى بَابِ
اَلْبَيْتِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتِ [وَأُمِّي]، هَلْ تُحِسِّينَ شَيْئاً؟
قَالَتْ: نَعَمْ يَا عَمَّةِ، إِنِّي لَأَجِدُ أَمْراً شَدِيداً، قُلْتُ: لَا
خَوْفٌ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى، وَأَخَذْتُ وِسَادَةً فَأَلْقَيْتُهَا
فِي وَسَطِ اَلْبَيْتِ، وَأَجْلَسْتُهَا عَلَيْهَا، وَجَلَسْتُ مِنْهَا حَيْثُ
تَقْعُدُ اَلمَرْأَةُ مِنَ اَلمَرْأَةِ لِلْوِلَادَةِ، فَقَبَضَتْ عَلَى كَفِّي،
وَغَمَزَتْ غَمْزَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً، وَتَشَهَّدَتْ، وَنَظَرْتُ
تَحْتَهَا، فَإِذَا أَنَا بِوَلِيِّ اَلله (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) مُتَلَقِّياً
اَلْأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ، فَأَخَذْتُ بِكَتِفَيْهِ، فَأَجْلَسْتُهُ فِي حَجْرِي،
فَإِذَا هُوَ نَظِيفٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، فَنَادَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه
السلام): «يَا عَمَّةِ، هَلُمِّي فَأْتِينِي بِابْنِي»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ،
فَتَنَاوَلَهُ، وَأَخْرَجَ لِسَانَهُ، فَمَسَحَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَفَتَحَهَا،
ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي فِيهِ، فَحَنَّكَهُ، ثُمَّ [أَدْخَلَهُ] فِي أُذُنَيْهِ
وَأَجْلَسَهُ فِي رَاحَتِهِ اَلْيُسْرَى، فَاسْتَوَى وَلِيُّ اَلله جَالِساً،
فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، اِنْطِقْ بِقُدْرَةِ
اَلله»، فَاسْتَعَاذَ وَلِيُّ اَلله (عليه السلام) مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ،
وَاِسْتَفْتَحَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[القَصَص: ٥ و٦]، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، وَعَلَى
أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَاَلْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) وَاحِداً وَاحِداً حتَّى
اِنْتَهَى إِلَى أَبِيهِ، فَنَاوَلَنِيهِ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَقَالَ:
«يَا عَمَّةِ، رُدِّيهِ إِلَى أُمِّهِ حتَّى ﴿تَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القَصَص: ١٣]، فَرَدَدْتُهُ إِلَى أُمِّهِ
وَقَدِ اِنْفَجَرَ اَلْفَجْرُ اَلثَّانِي، فَصَلَّيْتُ اَلْفَرِيضَةَ وَعَقَّبْتُ
إِلَى أَنْ طَلَعَتِ اَلشَّمْسُ، ثُمَّ وَدَّعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام)
وَاِنْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ اِشْتَقْتُ إِلَى
وَلِيِّ اَلله، فَصِرْتُ إِلَيْهِمْ، فَبَدَأْتُ بِالحُجْرَةِ اَلَّتِي كَانَتْ
سَوْسَنُ فِيهَا، فَلَمْ أَرَ أَثَراً وَلَا سَمِعْتُ ذِكْراً، فَكَرِهْتُ أَنْ
أَسْأَلَ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ
أَبْدَأَهُ بِالسُّؤَالِ، فَبَدَأَنِي، فَقَالَ: «هُوَ يَا عَمَّةِ فِي كَنَفِ
اَلله وَحِرْزِهِ وَسِتْرِهِ وَغَيْبِهِ حتَّى يَأْذَنَ اَللهُ لَهُ، فَإِذَا
غَيَّبَ اَللهُ شَخْصِي وَتَوَفَّانِي وَرَأَيْتِ شِيعَتِي قَدِ اِخْتَلَفُوا
فَأَخْبِرِي اَلثِّقَاتَ مِنْهُمْ، وَلْيَكُنْ عِنْدَكِ وَعِنْدَهُمْ مَكْتُوماً،
فَإِنَّ وَلِيَّ اَلله يُغَيِّبُهُ اَللهُ عَنْ خَلْقِهِ وَيَحْجُبُهُ عَنْ
عِبَادِهِ، فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ حتَّى يُقَدِّمَ لَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)
فَرَسَهُ، ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾
[الأنفال: ٤٢]».
دلالة الحديث:
هذه الرواية شاهد عيان على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على لسان
السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها)، ممَّا يجعل شهادتها حجَّة قويَّة في إثبات ولادته.
حيث يُخبِر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عمَّته السيِّدة حكيمة (رضي الله
عنها) بموعد الولادة في ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، ويُعلِمها أنَّ الوليد هو
حجَّة الله من بعده.
إنَّ اختيار السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها) لحضور الولادة يكشف عن التدبير الإلهي
في حفظ الإمام (عجَّل الله فرجه) بسرّيَّة تامَّة وسط مراقبة السلطة العبَّاسيَّة.
في لحظة الولادة، كما يُؤكِّد على عظمة وجلالة السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها) حيث
أصبحت مستقرًّا لأسرار آل محمّد (عليهم السلام)، كما تشير الرواية إلى أنَّه وُلِدَ
(عجَّل الله فرجه) وهو متلقٍ الأرض بمساجده، وهي إشارة إلى كماله منذ لحظة ولادته،
وهذا يتَّفق مع العقيدة الإماميَّة في أنَّ الإمام يُولَد معصوماً كاملاً مؤهَّلاً
لتحمُّل مسؤوليَّة الهداية.
ثمّ يأمر الإمام العسكري (عليه السلام) وليده بالنطق، فيستعيذ من الشيطان
ويستشهد بآية تشير إلى
تمكين المستضعفين، بما يُؤكِّد دوره المنتظَر في إقامة العدل الإلهي. والتفاصيل
الكثيرة نلاحظها في الرواية عند قراءتها، كما أنَّها تشير إلى علوِّ مقام السيِّدة
حكيمة (رضي الله عنها).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - ابن أبي جيد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢٣).
٢ - محمّد بن الحسن بن الوليد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٣ - الصفَّار (محمّد بن الحسن القمِّي): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٤ - أبو عبد الله المطهَّري: مهمل.
٥ - السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها): تقدَّمت ترجمتها في الحديث (١٧٨).
* * *
نتناول فيه: أدلَّة
الولادة من الروايات، ووصل الكلام إلى:
رواية: «إذا كان اليوم السابع
فأتينا»:
الحديث (٢٠٥): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ
اَلْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ اِبْنِ يَحْيَى اَلْعَطَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
حَمَّوَيْهِ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ رِزْقِ اَلله، عَنْ مُوسَى بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَكِيمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) بِمِثْلِ مَعْنَى اَلحَدِيثِ اَلْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهَا قَالَتْ: فَقَالَ
لِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «يَا عَمَّةِ، إِذَا كَانَ اَلْيَوْمُ
اَلسَّابِعُ فَأْتِينَا»، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَى أَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَكَشَفْتُ عَنِ اَلسِّتْرَ لِأَتَفَقَّدَ سَيِّدِي،
فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا فَعَلَ سَيِّدِي؟ فَقَالَ:
«يَا عَمَّةِ، اِسْتَوْدَعْنَاهُ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْ أُمُّ مُوسَى»، فَلَمَّا
كَانَ اَلْيَوْمُ اَلسَّابِعُ جِئْتُ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَقَالَ: «هَلُمُّوا
اِبْنِي»، فَجِيءَ بِسَيِّدِي وَهُوَ فِي خِرَقٍ صُفْرٍ، فَفَعَلَ بِهِ
كَفِعْلِهِ(٦٣٤) اَلْأَوَّلِ، ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ كَأَنَّمَا
يُغَذِّيهِ لَبَناً وَعَسَلاً، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ، يَا بُنَيَّ»، فَقَالَ
(عليه السلام): «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ»، وَثَنَّى بِالصَّلاَةِ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى اَلْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) حتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ،
ثُمَّ قَرَأَ: «﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ...﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا
كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القَصَص: ٥ و٦]».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣٣) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
(٦٣٤) في نسخة (ف): (كفعاله)، وكذا في نسختي (أ، م).
دلالة الحديث:
إنَّ إشارة الإمام العسكري (عليه السلام) إلى استيداع الحجَّة (عجَّل الله فرجه)
نظير ما فعلت أُمُّ موسى (عليه السلام) هو تأكيد على ضرورة حفظ الإمام (عجَّل الله
فرجه)، وفق قاعدة اللطف الإلهي.
ونطق الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - أمام عمَّته السيِّدة حكيمة (رضي الله
عنها) - بالشهادتين وذكر الأئمَّة (عليهم السلام) مع قراءته لآية ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ...﴾ يُعَدُّ معجزةً دالَّةً على مقامه الربَّاني ويُثبِت
إمامته، إذ المعجزة دليل صدق المدَّعي.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٣٥).
البحث السندي:
١ - ابن أبي جيد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢٣).
٢ - محمّد بن الحسن بن الوليد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٣ - محمّد بن يحيى العطَّار: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٤ - محمّد بن حمويه الرازي: مهمل.
٥ - الحسين بن رزق الله: مهمل.
٦ - موسى بن محمّد بن جعفر: مهمل.
رواية: (اشتدَّ شوقي إلى وليِّ
الله (عليه السلام)):
الحديث (٢٠٦): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّازِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ،
عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَمِيعِ بْنِ بُنَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
اَلدَّارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اَلله،
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ رَوْحٍ اَلْأَهْوَازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ حَكِيمَةَ بِمِثْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣٥) كمال الدِّين (ص ٤٢٤ - ٤٢٦/ باب ٤٢/ ح ١).
مَعْنَى اَلحَدِيثِ
اَلْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ
وَمِائَتَيْنِ، قَالَتْ: وَقُلْتُ لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، مَنْ أُمُّهُ؟
قَالَ: «نَرْجِسُ»، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ فِي اَلْيَوْمِ اَلثَّالِثِ اِشْتَدَّ
شَوْقِي إِلَى وَلِيِّ اَلله، فَأَتَيْتُهُمْ عَائِدَةً، فَبَدَأْتُ بِالحُجْرَةِ
اَلَّتِي فِيهَا اَلجَارِيَةُ، فَإِذَا أَنَا بِهَا جَالِسَةً فِي مَجْلِسِ
اَلمَرْأَةِ اَلنُّفَسَاءِ، وَعَلَيْهَا أَثْوَابٌ صُفْرٌ، وَهِيَ مُعَصَّبَةُ
اَلرَّأْسِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا، وَاِلْتَفَتُّ إِلَى جَانِبِ اَلْبَيْتِ
وَإِذَا بِمَهْدٍ عَلَيْهِ أَثْوَابٌ خُضْرٌ، فَعَدَلْتُ إِلَى اَلمَهْدِ
وَرَفَعْتُ عَنْهُ اَلْأَثْوَابَ، فَإِذَا أَنَا بِوَلِيِّ اَلله نَائِمٌ عَلَى
قَفَاهُ غَيْرَ مَحْزُومٍ وَلَا مَقْمُوطٍ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَجَعَلَ يَضْحَكُ
وَيُنَاجِينِي بِإِصْبَعِهِ(٦٣٦)، فَتَنَاوَلْتُهُ وَأَدْنَيْتُهُ إِلَى فَمِي
لِأُقَبِّلَهُ، فَشَمِمْتُ مِنْهُ رَائِحَةً مَا شَمِمْتُ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا،
وَنَادَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «يَا عَمَّتِي، هَلُمِّي فَتَايَ
إِلَيَّ»، فَتَنَاوَلَهُ وَقَالَ(٦٣٧): «يَا بُنَيَّ، اِنْطِقْ»، وَذَكَرَ
اَلحَدِيثَ. قَالَتْ: ثُمَّ تَنَاوَلْتُهُ مِنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا بُنَيَّ،
أَسْتَوْدِعُكَ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى، كُنْ فِي دَعَةِ اَلله
وَسِتْرِهِ وَكَنَفِهِ وَجِوَارِهِ»، وَقَالَ: «رُدِّيهِ إِلَى أُمِّهِ يَا
عَمَّةِ، وَاُكْتُمِي خَبَرَ هَذَا اَلمَوْلُودِ عَلَيْنَا، وَلَا تُخْبِرِي بِهِ
أَحَداً حتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ»، فَأَتَيْتُ أُمَّهُ،
وَوَدَّعْتُهُمْ، وَذَكَرَ اَلحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
أحمد بن عليٍّ الرازي، عن محمّد بن عليٍّ، عن حنظلة بن زكريَّا، قال: حدَّثني
الثقة، عن محمّد بن عليِّ بن بلال، عن حكيمة، بمثل ذلك.
دلالة الحديث:
هذه الرواية تحمل دلالات ترتبط بمفاهيم الإمامة، والغيبة، واشتياق السيِّدة حكيمة
(رضي الله عنها) لرؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) يعكس الحاجة الفطريَّة إلى وجود
الحجَّة في كلِّ زمانٍ. أمَّا مشهد وجود الإمام في المهد وقيامه بأفعال خارقة،
فيُمثِّل معجزة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣٦) في نسخة (ف):
(بإصبعيه)، وكذا في نسختي (أ، م).
(٦٣٧) في نُسَخ (أ، ف، م): (وقال له).
تُثبِت مقامه، كما أنَّ
تقريبه إلى فم حكيمة وشمَّها رائحةً لم تجد أطيب منها هو تعبير عن طهارة الإمام
(عجَّل الله فرجه)، المستلزمة لعظمته، ودعاء الإمام العسكري (عليه السلام):
«أَسْتَوْدِعُكَ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى» يُؤكِّد أنَّ الغيبة
ضرورة إلهيَّة لحفظ الإمام (عجَّل الله فرجه). وأمر الإمام العسكري (عليه السلام)
بإخفاء أمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) «حتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ»
هو جزء من التخطيط الإلهي لضمان سلامة الإمام (عجَّل الله فرجه)، ممَّا ينسجم مع
قاعدة اللطف التي تستلزم وجوده، وإنْ كان مستوراً، حفظاً للدِّين وصوناً للشرع من
التحريف.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - طريق الشيخ إلى أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمة رجاله في الدرس (٦٢/
الحديث رقم ٩٨).
٢ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٤ - عليُّ بن سميع بن بنان: مهمل.
٥ - محمّد بن عليِّ بن أبي الداري: مهمل.
٦ - أحمد بن محمّد: مهمل.
٧ - أحمد بن عبد الله: مهمل.
٨ - أحمد بن روح الأهوازي: مهمل.
٩ - محمّد بن إبراهيم (الأهوازي): طبقته في الحديث الثامنة، قيل بوكالته
عن الصاحب، وخروج توقيع
فيه، والكلام محلُّ تأمُّل عند غير واحد منهم السيِّد الخوئي (قدّس سرّه)، في موضع
ترجمته من المعجم، فراجع(٦٣٨).
١٠ - السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها): تقدَّمت ترجمتها في الحديث (١٧٨).
رجال السند الثاني:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - حنظلة بن زكريَّا: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - الثقة: تقدَّم في الحديث (١٩٥).
٥ - محمّد بن عليِّ بن بلال: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها: من
الوكلاء، خروج مدح فيه، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي).
قال ابن طاوس (رحمه الله) في (ربيع الشيعة): (من السفراء الموجودين في الغيبة
الصغرى، والأبواب المعروفين الذي لا يختلف الإماميَّة القائلون بإمامة الحسن ابن
عليٍّ فيهم: محمّد بن عليِّ بن بلال)(٦٣٩).
وعدَّه ابن شهرآشوب (رحمه الله) من ثقات أبي محمّد العسكري (عليه السلام)(٦٤٠).
ولكن سيأتي أنَّه انحرف وادَّعى البابيَّة، أجارنا الله تعالى بوليِّه من الانحراف
عن ولايتهم (عليهم السلام).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (والمتلخَّص من جميع ما ذكرنا، أنَّ الرجل كان
ثقةً مستقيماً، وقد ثبت انحرافه وادِّعاؤه البابيَّة، ولم يثبت عدم وثاقته، فهو
ثقة، فاسد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣٨) راجع: معجم رجال
الحديث (ج ١٥/ ص ٢٣٢ - ٢٣٤/ الرقم ٩٩٦٦).
(٦٣٩) عنه جامع الرواة (ج ٢/ ص ١٥٣).
(٦٤٠) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٥٢٥).
العقيدة، فلا مانع من
العمل برواياته، بناءً على كفاية الوثاقة في حجّيَّة الرواية، كما هو الصحيح)(٦٤١).
رواية: «يا عمَّتي هاتي ابني
إليَّ»:
الحديث (٢٠٧): وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ اَلشُّيُوخِ أَنَّ
حَكِيمَةَ حَدَّثَتْ بِهَذَا اَلحَدِيثِ، وَذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ لَيْلَةَ
اَلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَنَّ أُمَّهُ نَرْجِسُ، وَسَاقَتِ اَلحَدِيثَ إِلَى
قَوْلِهَا: فَإِذَا أَنَا بِحِسِّ سَيِّدِي وَبِصَوْتِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) وَهُوَ يَقُولُ: «يَا عَمَّتِي، هَاتِي اِبْنِي إِلَيَّ»، فَكَشَفْتُ عَنْ
سَيِّدِي، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ مُتَلَقِّياً اَلْأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ، وَعَلَى
ذِرَاعِهِ اَلْأَيْمَنِ مَكْتُوبٌ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١]، فَضَمَمْتُهُ
إِلَيَّ، فَوَجَدْتُهُ مَفْرُوغاً مِنْهُ، فَلَفَّفْتُهُ فِي ثَوْبٍ وَحَمَلْتُهُ
إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام).
وَذَكَرُوا اَلحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَلله، وَأَنَّ عَلِيًّا أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ
حَقًّا»، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَعُدُّ اَلسَّادَةَ اَلْأَوْصِيَاءَ إِلَى أَنْ بَلَغَ
إِلَى نَفْسِهِ، وَدَعَا لِأَوْلِيَائِهِ بِالْفَرَجِ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ
أَحْجَمَ.
وَقَالَتْ: ثُمَّ رُفِعَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)
كَالْحِجَابِ، فَلَمْ أَرَ سَيِّدِي، فَقُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ: يَا سَيِّدِي،
أَيْنَ مَوْلَايَ؟ فَقَالَ: «أَخَذَهُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْكَ وَمِنَّا».
ثُمَّ ذَكَرُوا اَلحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَزَادُوا فِيهِ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ
أَرْبَعِينَ يَوْماً دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَإِذَا
مَوْلَانَا اَلصَّاحِبُ يَمْشِي فِي اَلدَّارِ، فَلَمْ أَرَ وَجْهاً أَحْسَنَ مِنْ
وَجْهِهِ، وَلَا لُغَةً أَفْصَحَ مِنْ لُغَتِهِ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه
السلام): «هَذَا اَلمَوْلُودُ اَلْكَرِيمُ عَلَى اَلله (عزَّ وجلَّ)»، فَقُلْتُ:
سَيِّدِي أَرَى مِنْ أَمْرِهِ مَا أَرَى وَلَهُ أَرْبَعُونَ يَوْماً، فَتَبَسَّمَ
وَقَالَ: «يَا عَمَّتِي، أَمَا عَلِمْتِ أَنَّا مَعَاشِرَ اَلْأَئِمَّةِ نَنْشَأُ
فِي اَلْيَوْمِ مَا يَنْشَأُ غَيْرُنَا فِي اَلسَّنَةِ»، فَقُمْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤١) معجم رجال الحديث (ج ١٧/ ص ٣٣٥/ الرقم ١١٣٠٥).
فَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ
وَاِنْصَرَفْتُ، ثُمَّ عُدْتُ وَتَفَقَّدْتُهُ، فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ لِأَبِي
مُحَمَّدٍ (عليه السلام): مَا فَعَلَ مَوْلَانَا؟ فَقَالَ: «يَا عَمَّةِ،
اِسْتَوْدَعْنَاهُ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْ أُمُّ مُوسَى».
دلالة الحديث:
تُؤكِّد هذه الرواية ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفقاً لنظامٍ إلهي
دقيق. فاختلاف الروايات في تحديد زمن الولادة بين شعبان ورمضان - لو فُرِضَ كونه
كذلك ولم يكن ما في شعبان يحكي عن الولادة وما في شهر رمضان عنْ ما بعدها - يعكس
سياسة الكتمان لحفظ الإمام (عجَّل الله فرجه).
وسجوده فور ولادته يعكس مقامه الشامخ، أمَّا الكتابة على ذراعه بآية ﴿جَاءَ
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ فتُعَدُّ نصًّا جليًّا إعجازيًّا من أدلَّة
النصِّ على الإمامة. ونموُّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في أربعين يوماً بما يعادل
نضج غيره في عام يُعَدُّ برهاناً آخر على ارتباطه بالسماء.
وذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أسماء الأوصياء (عليهم السلام) حتَّى بلوغه
إلى نفسه يُثبِت التسلسل النصِّي في الإمامة.
ودعاؤه (عجَّل الله فرجه) لأوليائه بالفَرَج يشير إلى أنَّ غيبته ليست انقطاعاً عن
الأُمَّة، بل هي حالة تحفظ وجوده مع استمراره في التأثير من وراء الستار، وهو قد
أُودع لدى مَنْ هو (أحقّ به).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الهداية الكبرى للشيخ الخصيبي (رحمه الله)(٦٤٢).
٢ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٤٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤٢) الهداية الكبرى
(ص ٣٥٥ - ٣٥٧).
(٦٤٣) إثبات الوصيَّة (ص ٢٥٧ - ٢٦٠).
البحث السندي:
١ - جماعة من الشيوخ: لا نعرفهم.
٢ - السيِّدة حكيمة (رضي الله عنها): تقدَّمت ترجمتها في الحديث (١٧٤).
* * *
نتناول فيه: أدلَّة
الولادة من الروايات، ووصل الكلام إلى:
رواية: أحمد بن بلال في الخروج
إلى كربلاء في النصف من شعبان أو عرفة:
الحديث (٢٠٨): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّازِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ،
عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بِلَالِ بْنِ
دَاوُدَ اَلْكَاتِبُ، وَكَانَ عَامِّيًّا بِمَحَلٍّ مِنَ اَلنَّصْبِ لِأَهْلِ
اَلْبَيْتِ (عليهم السلام)، يُظْهِرُ ذَلِكَ وَلَا يَكْتُمُهُ، وَكَانَ صَدِيقاً
لِي يُظْهِرُ مَوَدَّةً بِمَا فِيهِ مِنْ طَبْعِ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ، فَيَقُولُ -
كُلَّمَا لَقِيَنِي -: لَكَ عِنْدِي خَبَرٌ تَفْرَحُ بِهِ وَلَا أُخْبِرُكَ بِهِ،
فَأَتَغَافَلُ عَنْهُ، إِلَى أَنْ جَمَعَنِي وَإِيَّاهُ مَوْضِعُ خَلْوَةٍ،
فَاسْتَقْصَيْتُ عَنْهُ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِهِ، فَقَالَ: كَانَتْ
دُورُنَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى مُقَابِلَ دَارِ اِبْنِ اَلرِّضَا - يَعْنِي أَبَا
مُحَمَّدٍ اَلحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) -، فَغِبْتُ عَنْهَا دَهْراً
طَوِيلاً إِلَى قَزْوِينَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قُضِيَ لِيَ اَلرُّجُوعُ إِلَيْهَا،
فَلَمَّا وَافَيْتُهَا وَقَدْ كُنْتُ فَقَدْتُ جَمِيعَ مَنْ خَلَّفْتُهُ مِنْ
أَهْلِي وَقَرَابَاتِي إِلَّا عَجُوزاً كَانَتْ رَبَّتْنِي، وَلَـهَا بِنْتٌ
مَعَهَا، وَكَانَتْ مِنْ طَبْعِ اَلْأَوَّلِ(٦٤٥) مَسْتُورَةً صَائِنَةً لَا
تُحْسِنُ اَلْكَذِبَ، وَكَذَلِكَ مَوَالِيَاتٌ لَنَا بَقِينَ فِي اَلدَّارِ،
فَأَقَمْتُ عِنْدَهُنَّ أَيَّاماً ثُمَّ عَزَمْتُ اَلخُرُوجَ، فَقَالَتِ
اَلْعَجُوزَةُ: كَيْفَ تَسْتَعْجِلُ اَلْاِنْصِرَافَ وَقَدْ غِبْتَ زَمَاناً؟
فَأَقِمْ عِنْدَنَا لِنَفْرَحَ بِمَكَانِكَ، فَقُلْتُ لَـهَا عَلَى جِهَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤٤) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٤٥) أي تحمل الطبائع الحسنة وأهل الفطرة النقيَّة، بشاهد قوله: (لا تُحسِن
الكذب).
اَلهُزْءِ: أُرِيدُ
أَنْ أَصِيرَ إِلَى كَرْبَلَاءَ، وَكَانَ اَلنَّاسُ لِلْخُرُوجِ فِي اَلنِّصْفِ
مِنْ شَعْبَانَ أَوْ لِيَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، أُعِيذُكَ بِالله
أَنْ تَسْتَهِينَ مَا ذَكَرْتَ أَوْ تَقُولَهُ عَلَى وَجْهِ اَلهُزْءِ، فَإِنِّي
أُحَدِّثُكَ بِمَا رَأَيْتُهُ بعيني بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْ عِنْدِنَا بِسَنَتَيْنِ.
كُنْتُ فِي هَذَا اَلْبَيْتِ نَائِمَةً بِالْقُرْبِ مِنَ اَلدِّهْلِيزِ، وَمَعِي
اِبْنَتِي، وَأَنَا بَيْنَ اَلنَّائِمَةِ وَاَلْيَقْظَانَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ
حَسَنُ اَلْوَجْهِ نَظِيفُ اَلثِّيَابِ طَيِّبُ اَلرَّائِحَةِ، فَقَالَ: يَا
فُلَانَةُ، يَجِيئُكِ اَلسَّاعَةَ مَنْ يَدْعُوكِ فِي اَلْجِيرَانِ، فَلَا
تَمْتَنِعِي مِنَ اَلذَّهَابِ مَعَهُ، وَلَا تَخَافِي، فَفَزِعْتُ، فَنَادَيْتُ
اِبْنَتِي، وَقُلْتُ لَـهَا: هَلْ شَعَرْتِ بِأَحَدٍ دَخَلَ اَلْبَيْتَ؟ فَقَالَتْ:
لَا، فَذَكَرْتُ اَللهَ وَقَرَأْتُ وَنِمْتُ، فَجَاءَ اَلرَّجُلُ بِعَيْنِهِ،
وَقَالَ لِي مِثْلَ قَوْلِهِ، فَفَزِعْتُ وَصِحْتُ بِابْنَتِي، فَقَالَتْ: لَمْ
يَدْخُلِ اَلْبَيْتَ، فَاذْكُرِي اَللهَ وَلَا تَفْزَعِي، فَقَرَأْتُ وَنِمْتُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي اَلثَّالِثَةِ جَاءَ اَلرَّجُلُ وَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، قَدْ
جَاءَكِ مَنْ يَدْعُوكِ وَيَقْرَعُ اَلْبَابَ، فَاذْهَبِي مَعَهُ، وَسَمِعْتُ دَقَّ
اَلْبَابِ، فَقُمْتُ وَرَاءَ اَلْبَابِ وَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: اِفْتَحِي
وَلَا تَخَافِي، فَعَرَفْتُ كَلَامَهُ وَفَتَحْتُ اَلْبَابَ، فَإِذَا خَادِمٌ
مَعَهُ إِزَارٌ، فَقَالَ: يَحْتَاجُ إِلَيْكِ بَعْضُ اَلْجِيرَانِ لِحَاجَةٍ
مُهِمَّةٍ، فَادْخُلِي، وَلَفَّ رَأْسِي بِالمُلَاءَةِ وَأَدْخَلَنِي اَلدَّارَ
وَأَنَا أَعْرِفُهَا، فَإِذَا بِشِقَاقٍ(٦٤٦) مَشْدُودَةٍ وَسَطَ اَلدَّارِ
وَرَجُلٌ قَاعِدٌ بِجَنْبِ اَلشِّقَاقِ، فَرَفَعَ اَلخَادِمُ طَرَفَهُ، فَدَخَلْتُ
وَإِذَا اِمْرَأَةٌ قَدْ أَخَذَهَا اَلطَّلْقُ وَاِمْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلْفَهَا
كَأَنَّهَا تَقْبَلُهَا. فَقَالَتِ اَلمَرْأَةُ: تُعينينا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ،
فَعَالَجتُهَا بِمَا يُعَالَجُ بِهِ مِثْلُهَا، فَمَا كَانَ إِلَّا قَلِيلاً حتَّى
سَقَطَ غُلَامٌ، فَأَخَذْتُهُ عَلَى كَفِّي وَصِحْتُ: غُلَامٌ غُلَامٌ،
وَأَخْرَجْتُ رَأْسِي مِنْ طَرَفِ اَلشِّقَاقِ أُبَشِّرُ اَلرَّجُلَ اَلْقَاعِدَ،
فَقِيلَ لِي: «لَا تَصِيحِي»، فَلَمَّا رَدَدْتُ وَجْهِي إِلَى اَلْغُلَامِ قَدْ
كُنْتُ فَقَدْتُهُ مِنْ كَفِّي، فَقَالَتْ لِيَ اَلمَرْأَةُ اَلْقَاعِدَةُ: لَا
تَصِيحِي، وَأَخَذَ اَلخَادِمُ بِيَدِي وَلَفَّ رَأْسِي بِالمُلَاءَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤٦) قماش يُوضَع للستر.
وَأَخْرَجَنِي مِنَ
اَلدَّارِ وَرَدَّنِي إِلَى دَارِي وَنَاوَلَنِي صُرَّةً، وَقَالَ: لَا تُخْبِرِي
بِمَا رَأَيْتِ أَحَداً. فَدَخَلْتُ اَلدَّارَ وَرَجَعْتُ إِلَى فِرَاشِي فِي هَذَا
اَلْبَيْتِ وَاِبْنَتِي نَائِمَةٌ بَعْدُ، فَأَنْبَهْتُهَا وَسَأَلْتُهَا: هَلْ
عَلِمْتِ بِخُرُوجِي وَرُجُوعِي؟ فَقَالَتْ: لَا، وَفَتَحْتُ اَلصُّرَّةَ فِي
ذَلِكَ اَلْوَقْتِ وَإِذَا فِيهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ عَدَداً، وَمَا أَخْبَرْتُ
بِهَذَا أَحَداً إِلَّا فِي هَذَا اَلْوَقْتِ لَـمَّا تَكَلَّمْتَ بِهَذَا
اَلْكَلَامِ عَلَى حَدِّ اَلهُزْءِ، فَحَدَّثْتُكَ إِشْفَاقاً عَلَيْكَ، فَإِنَّ
لِهَؤُلَاءِ اَلْقَوْمِ عِنْدَ اَلله (عزَّ وجلَّ) شَأْناً وَمَنْزِلَةً، وَكُلُّ
مَا يَدَّعُونَهُ حَقٌّ. قَالَ: فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهَا وَصَرَفْتُهُ إِلَى
اَلسُّخْرِيَّةِ وَاَلهُزْءِ وَلَمْ أَسْأَلْـهَا عَنِ اَلْوَقْتِ غَيْرَ أَنِّي
أَعْلَمُ يَقِيناً أَنِّي غِبْتُ عَنْهُمْ فِي سَنَةِ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ
وَمِائَتَيْنِ وَرَجَعْتُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى فِي وَقْتٍ أَخْبَرَتْنِي
اَلْعَجُوزَةُ بِهَذَا اَلخَبَرِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي وِزَارَةِ عُبَيْدِ اَلله بْنِ سُلَيْمَانَ(٦٤٧) لَـمَّا قَصَدْتُهُ.
قَالَ حَنْظَلَةُ: فَدَعَوْتُ بِأَبِي اَلْفَرَجِ اَلمُظَفَّرِ بْنِ أَحْمَدَ حتَّى
سَمِعَ مَعِي [مِنْهُ] هَذَا اَلخَبَرَ.
دلالة الحديث:
يظهر في الرواية أنَّ أحمد بن بلال كان يُلمِّح لصديقه بخبرٍ هامٍّ، حتَّى اجتمعا
في خلوة، فأخبره بتفصيل الحادثة. حيث ذكر أنَّ منازلهم كانت مقابل دار الإمام
العسكري (عليه السلام)، ما يتيح له متابعة دقيقة لما يحدث. وبعد سفره وعودته، التقى
بعجوز صالحة كانت شاهدة على حادثة غريبة، حيث رأت في منامها رجلاً يأمرها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤٧) هو أبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب، كان وزيراً للمعتضد استوزره في سنة (٢٧٩هـ) بعد أنْ مات المعتمد وبويع له، وهو قد خالف المعتضد في لعن معاوية (عليه لعنة الله)، وأنَّه - بعد أنْ أمر المعتضد بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية وأنْ يُقرَأ الكتاب بعد صلاة الجمعة على المنبر - أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أنْ يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد، وبعد أنْ صار الكلام بين المعتضد ويوسف بن يعقوب أمسك المعتضد فلم يردّ عليه جواباً ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء. راجع: تاريخ الطبري (ج ٨/ ص١٨٢ - ١٩٠).
بالخروج مع خادم لأمرٍ
مهمٍّ، فاستيقظت فزعة... وفي المرَّة الثالثة استيقظت ووجدت خادماً يقرع الباب،
فخرجت معه ودخلت داراً تعرفها، فوجدت امرأة تعاني المخاض، فقامت بتوليدها حتَّى
وُلِدَ غلام. بعد ذلك اختفى المولود في ظروف غامضة، وأمرها الخادم بعدم إفشاء
الأمر، وقد أُعطيت صرَّة فيها عشرة دنانير، لم تُخبِر بها أحداً حتَّى زمان إخبار
ابن بلال الكاتب أي في سنة (٢٨١) هجريَّة.
هذه الحادثة التي نقلتها العجوز تكشف عن ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في
ظروف تتطلَّب تكتُّماً شديداً لحمايته من بطش السلطة العبَّاسيَّة. ويتجلَّى في
الرواية عناصر العناية الإلهيَّة بتدبير الأحداث والكشف عن الولادة عبر شخصيَّة غير
موالية، تأكيداً لحقيقة الإمامة ودفعاً لأيِّ تشكيك.
على أنَّ تعدُّد طُرُق الولادة لا يمنع من أنْ يكون لأكثر من امرأةٍ - ممَّن سبق
ذكرهنَّ أو سيأتي ذكرهنَّ - أدوارٌ مختلفة في تلك الولادة، ولعلَّ ذلك كان بقصد
التمويه.
فإنَّ اتِّفاق الجميع على الأصل مع اختلافهم في التفاصيل يُثبِت الأصل ولا يُنفيه.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - حنظلة بن زكريَّا: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - أحمد بن بلال بن داود الكاتب: مهمل.
رواية: الحميري وأحمد بن إسحاق
مع العمري ومشاهدة الأخير لإمام الزمان (عجَّل الله فرجه):
الحديث (٢٠٩): مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ
اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: اِجْتَمَعْتُ وَاَلشَّيْخُ أَبُو
عَمْرٍو عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ اَلْأَشْعَرِيِّ، فَغَمَزَنِي
أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ اَلخَلَفِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا
عَمْرٍو، إِنِّي لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ وَمَا أَنَا بِشَاكٍّ
فِيمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ، فَإِنَّ اِعْتِقَادِي وَدِينِي أَنَّ
اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ اَلْقِيَامَةِ
بِأَرْبَعِينَ يَوْماً [رُفِعَ اَلحُجَّةَ وَغُلِقَ بَابُ اَلتَّوْبَةِ فَلَمْ
يَكُنْ يَنْفَعُ] ﴿نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ
مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]،
فَأُولَئِكَ شِرَارُ [مَنْ] خَلَقَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)، وَهُمُ اَلَّذِينَ تَقُومُ
عَلَيْهِمُ اَلْقِيَامَةُ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَزْدَادَ يَقِيناً، فَإِنَّ
إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي
اَلمَوْتَى، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ
أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا اَلحَسَنِ صَاحِبَ اَلْعَسْكَرِ
(عليه السلام)، وَقَالَ: مَنْ أُعَامِلُ، وَعَمَّنْ آخُذُ، وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ؟
فَقَالَ [لَهُ]: «اَلْعَمْرِيُّ ثِقَتِي، فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ فَعَنِّي يُؤَدِّي،
وَمَا قَالَ لَكَ فَعَنِّي يَقُولُ، فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، فَإِنَّهُ اَلثِّقَةُ
اَلمَأْمُونُ». وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: «اَلْعَمْرِيُّ وَاِبْنُهُ ثِقَتَانِ،
فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ، وَمَا قَالَا فَعَنِّي يَقُولَانِ،
فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا اَلثِّقَتَانِ اَلمَأْمُونَانِ»،
فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ. [قَالَ]: فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو
سَاجِداً وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: (سَلْ حَاجَتَكَ)، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ
اَلخَلَفَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)؟ فَقَالَ: (إِي وَاَلله،
وَرَقَبَتُهُ مِثْلُ هَذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ -)، فَقُلْتُ: بَقِيَتْ
وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: (هَاتِ)، قُلْتُ: اَلْاِسْمُ، قَالَ: (مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ
أَنْ تَسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا أَقُولُ هَذَا مِنْ عِنْدِي فَلَيْسَ لِي أَنْ
أُحَلِّلَ وَلَا أُحَرِّمَ وَلَكِنْ عَنْهُ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ)، فَإِنَّ
اَلْأَمْرَ عِنْدَ اَلسُّلْطَانِ أَنَّ أَبَا
مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) مَضَى وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً، وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ وَأَخَذَ مَنْ لَا
حَقَّ لَهُ، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ ذَا عُمَّالُهُ يَجُولُونَ، فَلَيْسَ
أَحَدٌ يَجْسُرُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ وَيَسْأَلَهُمْ شَيْئاً، وَإِذَا
وَقَعَ اَلْاِسْمُ وَقَعَ اَلطَّلَبُ، فَاللهَ اَللهَ، اِتَّقُوا اَللهَ
وَأَمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ)(٦٤٨).
دلالة الحديث:
هذه الرواية تُؤكِّد ضرورة وجوب وجود الإمام المعصوم في كلِّ عصر، لهداية الناس
وحفظ الشريعة، وتشير إلى أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وُلِدَ وشاهده بعض
أصحابه، ممَّا يقطع الشكوك حول وجوده. كما تُؤكِّد أنَّ العمري وابنه كانا نائبين
موثوقين عن الإمام (عجَّل الله فرجه) بأمر صريح. وتُبرز الرواية بُعداً آخر في
قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حيث كان التكتُّم على اسمه ضرورة، لأنَّ
إخفاء اسمه كان جزءاً من التدبير لضمان بقاءه. وهناك الكثير من التفاصيل التي
ذكرتها الرواية وسنطَّلع عليها عند قراءتها.
المولى المازندراني (رحمه الله) في شرحه لهذا الحديث يتناول عدَّة مسائل(٦٤٩):
* في تفسيره لعبارة: (رُفِعَتِ اَلْحُجَّةُ وَأُغْلِقَ بَابُ اَلتَّوْبَةِ)،
يُوضِّح أنَّ المراد بالحجَّة هو القرآن والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ويطرح
احتمالين بشأن إغلاق باب التوبة:
الأوَّل: سقوط التكليف عند رفع الحجَّة، فيتحوَّل الناس إلى دار الجزاء.
الثاني: استمرار التكليف ولكن مع عدم قبول إيمان مَنْ يؤمن في ذلك الوقت، وهو رأي
بعيد.
أمَّا تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً
إِيمَانُهَا...﴾، فيُوضِّح أنَّ الإيمان حينها لا يُجدي نفعاً لمن لم يؤمن
سابقاً أو لمن آمن دون عمل صالح. ويرى في ذلك دليلاً على عدم كفاية الإيمان
المجرَّد عن العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤٨) يأتي في (ح ٣٢٢)،
وله تخريج نذكره هناك.
(٦٤٩) راجع: شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٣٠ - ٢٣٢).
وفي مسألة طلب اليقين،
يُوضِّح أنَّ اليقين له مراتب، أعلاها (عين اليقين)، ويستشهد بسؤال إبراهيم (عليه
السلام) لربِّه طلباً لزيادة اليقين، مؤكِّداً أنَّ طلبه لم يكن عن شكٍّ، بل لطلب
الطمأنينة الكاملة.
أمَّا سجود أبي عمرو وبكاؤه، فيُفسِّره بشكر الله تعالى على رؤية الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) وحزناً على فقد الإمامين (عليهما السلام).
ويشير إلى أنَّ حرمة التصريح باسم الإمام (عجَّل الله فرجه) لحمايته.
وختم بقوله: إنَّ الناس آنذاك كانوا يخشون التقرُّب من وكلاء الإمام (عجَّل الله
فرجه) خوفاً من ملاحقة السلطة.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٥٠).
البحث السندي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - بعض أصحابنا: تقدَّم في الحديث (١٢).
٣ - عبد الله بن جعفر الحميري: تقدمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٤ - الشيخ أبو عمر (عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)): سيأتي التعرُّض له
مفصَّلاً في فصل السفراء.
٥ - أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري: طبقته في الحديث الثامنة، من وجوه توثيقه: من
السفراء الممدوحين، ومن الأعيان، ومن خاصَّة أبي محمّد (عليه السلام)، صاحب كُتُب،
صاحب قدر كبير، شيخ القمّيِّين، من رواة (كامل الزيارات).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ١).
نتناول فيه: أدلَّة
الولادة من الروايات، ووصل الكلام إلى:
رواية: «المولود الكريم على
الله تعالى منها»:
الحديث (٢١٠): وَرُوِيَ: أَنَّ بَعْضَ أَخَوَاتِ أَبِي اَلحَسَنِ (عليه السلام)
كَانَتْ لَـهَا جَارِيَةٌ رَبَّتْهَا تُسَمَّى: نَرْجِسَ، فَلَمَّا كَبِرَتْ دَخَلَ
أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَرَاكَ يَا
سَيِّدِي تَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنِّي مَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا إِلَّا
مُتَعَجِّباً، أَمَا إِنَّ اَلمَوْلُودَ اَلْكَرِيمَ عَلَى اَلله تَعَالَى يَكُونُ
مِنْهَا»، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَبَا اَلحَسَنِ (عليه السلام) فِي
دَفْعِهَا إِلَيْهِ، فَفَعَلَتْ، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٥٢).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٥٣).
البحث السندي:
الحديث مرسَل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥١) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٥٢) إثبات الوصيَّة (ص ٢٥٧).
(٦٥٣) كمال الدِّين (ص ٤٢٦ - ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٢).
رواية: نسيم ومارية:
الحديث (٢١١): وَرَوَى عَلَّانٌ اَلْكُلَيْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى،
عَنِ اَلحُسَيْنِ اِبْنِ عَلِيٍّ اَلنَّيْشَابُورِيِّ اَلدَّقَّاقِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما
السلام)، عَنِ اَلسَّيَّارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَسِيمٌ وَمَارِيَةُ، قَالَتْ:
لَـمَّا خَرَجَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ سَقَطَ
جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ، رَافِعاً سَبَّابَتَهُ نَحْوَ اَلسَّمَاءِ، ثُمَّ
عَطَسَ فَقَالَ: «اَلحَمْدُ لِله رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَآلِهِ عَبْداً دَاخِراً لِله غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٍ»،
ثُمَّ قَالَ: «زَعَمَتِ اَلظَّلَمَةُ أَنَّ حُجَّةَ اَلله دَاحِضَةٌ، وَلَوْ أُذِنَ
لَنَا فِي اَلْكَلَامِ لَزَالَ اَلشَّكُّ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٥٤).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٥٥).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه) إلى علَّان الكليني: هو طريقه إلى الكليني (رضي الله
عنه).
٢ - علَّان الكليني: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق
الشيخ النجاشي (رحمه الله) له ووصفه إيَّاه بأنَّه ثقة عين، صاحب كتاب، كثير
الرواية، إكثار الكليني (رضي الله عنه) عنه، أحد عدَّة الكليني (رضي الله عنه).
٣ - محمّد بن يحيى: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١).
٤ - الحسين بن عليٍّ النيشابوري الدقَّاق: مهمل.
٥ - إبراهيم بن محمّد بن عبد الله: مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥٤) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٦٠).
(٦٥٥) كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥).
٦ - السيَّاري: مهمل.
٧ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - نسيم: تقدَّمت ترجمتها في الحديث (٢٠٠).
ب - مارية: مهملة.
رواية: (أنَّ السيِّد (عليه
السلام) وُلِدَ في سنة ستٍّ وخمسين ومائتين من الهجرة بعد مضيِّ أبي الحسن بسنتين):
الحديث (٢١٢): وَرَوَى عَلَّانٌ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ اَلسَّيِّدَ (عليه السلام)
وُلِدَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ اَلْهِجْرَةِ بَعْدَ
مُضِيِّ أَبِي اَلحَسَنِ بِسَنَتَيْنِ.
دلالة الحديث:
وفيه تحديد السنة في الولادة والاختلاف فيها على ما تقدَّم في الخبر (الرابع).
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٥٦).
البحث السندي:
* علَّان الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١١).
الحديث مرسَل.
رواية: (لـمَّا وُلِدَ السيِّد
(عليه السلام) تباشر أهل الدار بذلك):
الحديث (٢١٣): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلشَّلْمَغَانِيُّ فِي كِتَابِ
(اَلْأَوْصِيَاءِ)، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ نَصْرٍ غُلَامُ أَبِي
اَلحَسَنِ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (لَـمَّا وُلِدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥٦) إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٠).
اَلسَّيِّدُ (عليه
السلام) تَبَاشَرَ أَهْلُ اَلدَّارِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَشَأَ خَرَجَ إِلَيَّ
اَلْأَمْرُ أَنْ أَبْتَاعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَعَ اَللَّحْمِ قَصَبَ مُخٍّ،
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا لِمَوْلَانَا اَلصَّغِيرِ (عليه السلام)).
دلالة الحديث:
تُشير الرواية إلى فرحةٍ عظيمةٍ غمرت أهل البيت عند ولادة السيِّد (عجَّل الله
فرجه)، وتدلُّ كذلك على العناية الفائقة التي أُوليَت له (عجَّل الله فرجه)، حيث
صدر الأمر بشراء (قصب المخِّ) يوميًّا مع اللحم، في إشارةٍ إلى اهتمامٍ خاصٍّ.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٥٧).
البحث السندي:
١ - طريق الشيخ (قدّس سرّه) إلى محمّد بن عليٍّ الشلمغاني: قال (قدّس سرّه) في
(الفهرست): (وله من الكُتُب التي عملها في حال الاستقامة كتاب التكليف، أخبرنا به
جماعة، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عنه، إلَّا حديثاً واحداً منه في باب
الشهادات، أنَّه يجوز للرجل أنْ يشهد لأخيه إذا كان له شاهد واحد من غيره)(٦٥٨).
والطريق صحيح، وظاهر في شموله لجميع رواياته عدى ما استُثني.
٢ - محمّد بن عليٍّ الشلمغاني: طبقته في الحديث الثامنة، وجوه توثيقه منها: صاحب
كُتُب، كان مستقيم الطريقة، من كُتُبه المعتمدة كتاب (التكليف) وكان منتشراً. كان
متقدِّماً في الأصحاب فحمله الحسد لأبي القاسم (رضي الله عنه) فانحرف، وسيأتي ذكره
في الأدعياء والمذمومين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥٧) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٦٠).
(٦٥٨) الفهرست (ص ٢٢٤/ الرقم ٦٢٧/٤٢).
٣ - حمزة بن نصر (غلام
أبي الحسن (عليه السلام)): مهمل.
٤ - أبوه (نصر): مهمل.
رواية: «عقَّ هذين الكبشين عن
مولاك»:
الحديث (٢١٤): وَعَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي اَلثِّقَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
إِدْرِيسَ، قَالَ: وَجَّهَ إِلَيَّ مَوْلَايَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام)
بِكَبْشٍ وَقَالَ: «عُقَّهُ عَنِ اِبْنِي فُلَانٍ، وَكُلْ وَأَطْعِمْ أَهْلَكَ»،
فَفَعَلْتُ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: «اَلمَوْلُودُ اَلَّذِي
وُلِدَ لِي مَاتَ»، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيَّ بِكَبْشَيْنِ، وَكَتَبَ: «بِسْمِ اَلله
اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، عُقَّ هَذَيْنِ اَلْكَبْشَيْنِ عَنْ مَوْلَاكَ، وَكُلْ
هَنَّأَكَ اَللهُ وَأَطْعِمْ إِخْوَانَكَ»، فَفَعَلْتُ، وَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَمَا ذَكَرَ لِي شَيْئاً.
دلالة الحديث:
تدلُّ الرواية بوضوح على إثبات الولادة بقول الإمام (عليه السلام): «عُقَّهُ عَنِ
اِبْنِي»، وهذا نصٌّ صريح في ولادة مولود له(٦٥٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥٩) وردت عدَّة
روايات تدلُّ على تعدُّد الأولاد للإمام العسكري (عليه السلام)، ولكنَّها ليست
بتامَّة، أمَّا ما رُوِيَ في مستدرك الوسائل (ج ١٥/ ص ١٥٤ و١٥٥/ ح ١٧٨٣٩/٣) وفي
غيره أيضاً من قوله: «عُقَّهُمَا عَنِ اِبْنِي اَلْحُسَيْنِ» وما رُوِيَ في الفصول
المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١٠٩٢) والذي ورد فيه تفاصيل كثيرة وتعدُّد في
الأولاد للإمام (عليه السلام)، فهذا لا نقبله جزماً لأنَّه مخالف للضرورة القائمة
عند الطائفة الحقَّة على أنَّه ليس للإمام العسكري (عليه السلام) ولد آخر.
إنْ قلتَ: قد يُراد من قوله في هذه الرواية: «اَلمَوْلُودُ اَلَّذِي وُلِدَ لِي
مَاتَ» غيبته، والقرينة على ذلك أنَّ الإمام لم يُخبِر الراوي بولادة مولود جديد
عند أمره بذبح الكبشين، بل قال له: «عُقَّ هَذَيْنِ اَلْكَبْشَيْنِ عَنْ
مَوْلَاكَ»، وأيضاً بقرينة ما يأتي من شيخ الطائفة (قدّس سرّه) من تفسير موت ذكره
بالغيبة.
قلتُ: هذا يحتاج إلى قرينة، لأنَّه خلاف الظاهر جدًّا ولا قرينة، وممَّا يُؤيِّده
قول الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٣٩): (وكان الإمام بعد أبي محمّد
(عليه السلام) ابنه المسمَّى باسم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، المكنَّى
بكنيته، ولم يُخلِّف أبوه ولداً غيره، ظاهراً ولا باطناً، وخلَّفه غائباً مستتراً)،
فهو (قدّس سرّه) يُصرِّح بوحدانيَّة الولد وعدم تعدُّد المولود للإمام العسكري
(عليه السلام)، حتَّى ولو بنحو الولد الميِّت، فتكون الرواية مرفوضة لمخالفتها لما
هو الضروري من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المسألة، فضلاً عن ضعف سندها.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٦٠).
البحث السندي:
١ - عنه (الشلمغاني): تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٣).
٢ - الثقة: لا نعلم مَنْ هو.
٣ - إبراهيم بن إدريس: مجهول.
رواية: «أنا خاتم الأوصياء وبي
يدفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي»:
الحديث (٢١٥): وَرَوَى عَلَّانٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ظَرِيفٌ أَبُو نَصْرٍ
اَلخَادِمُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ - يَعْنِي صَاحِبَ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)
-، فَقَالَ لِي: «عَلَيَّ بِالصَّنْدَلِ اَلْأَحْمَرِ(٦٦١)»، فَقَالَ: فَأَتَيْتُهُ
بِهِ، فَقَالَ (عليه السلام): «أَتَعْرِفُنِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَنْ
أَنَا؟»، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَيِّدِي وَاِبْنُ سَيِّدِي، فَقَالَ: «لَيْسَ عَنْ
هَذَا سَأَلْتُكَ»، قَالَ ظَرِيفٌ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ، فَسِّرْ
لِي، فَقَالَ: «أَنَا خَاتَمُ اَلْأَوْصِيَاءِ، وَبِي يَدْفَعُ اَللهُ اَلْبَلَاءَ
عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي».
دلالة الحديث:
تُبرز هذه الرواية مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوصفه خاتم الأوصياء، وهو
تعبير يدلُّ على اكتمال سلسلة الوصاية الإلهيَّة به، فحين سأل الإمام (عجَّل الله
فرجه) ظريفاً:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٠) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٦٠ و٢٦١).
(٦٦١) نوع من أنواع الأبخرة والعطورات المستعملة في ذلك الزمان، وكذا يُستعمَل
للتداوي.
«أَتَعْرِفُنِي؟» لم
يكن يقصد مجرَّد المعرفة النَّسَبيَّة، بل أراد الإشارة إلى موقعه. وعندما أجاب
ظريف بأنَّه (سَيِّدِي وَاِبْنُ سَيِّدِي)، رفض الإمام (عجَّل الله فرجه) الاكتفاء
بهذا، ليكشف له حقيقة أسمى، وهي أنَّه الإمام الذي يُجري الله تعالى به ألطافه في
الأرض. فقوله: «وَبِي يَدْفَعُ اَللهُ اَلْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي» يُشير
إلى دوره في حفظ الأُمَّة، مؤكِّداً استمرار ولايته التكوينيَّة رغم غيبته.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٦٢).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٦٣).
البحث السندي:
١ - علَّان الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١١).
٢ - ظريف أبو نصر الخادم: مهمل.
رواية: «جئت إلى وليِّ الله
وحجَّته وبابه تسأله»:
الحديث (٢١٦): جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ
بْنُ جَعْفَرِ اِبْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ
اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: وَجَّهَ قَوْمٌ مِنَ اَلمُفَوِّضَةِ وَاَلمُقَصِّرَةِ
كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ اَلمَدَنِيَّ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)،
قَالَ كَامِلٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَسْأَلُهُ لَا يَدْخُلُ اَلجَنَّةَ إِلَّا
مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتِي وَقَالَ بِمَقَالَتِي، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى
سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) نَظَرْتُ إِلَى ثِيَابٍ بَيَاضٍ نَاعِمَةٍ
عَلَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نفْسِي: وَلِيُّ اَلله وَحُجَّتُهُ يَلْبَسُ اَلنَّاعِمَ
مِنَ اَلثِّيَابِ وَيَأْمُرُنَا نَحْنُ بِمُوَاسَاةِ اَلْإِخْوَانِ وَيَنْهَانَا
عَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٢) إثبات الوصيَّة
(ص ٢٦١).
(٦٦٣) كمال الدِّين (ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢).
لُبْسِ مِثْلِهِ،
فَقَالَ مُتَبَسِّماً: «يَا كَامِلُ» وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَإِذَا مِسْحٌ
أَسْوَدُ خَشِنٌ عَلَى جِلْدِهِ، فَقَالَ: «هَذَا لِله، وَهَذَا لَكُمْ»،
فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ إِلَى بَابٍ عَلَيْهِ سِتْرٌ مُرْخًى، فَجَاءَتِ اَلرِّيحُ
فَكَشَفَتْ طَرَفَهُ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ مِنْ
أَبْنَاءِ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ مِثْلِهَا. فَقَالَ لِي: «يَا كَامِلَ بْنَ
إِبْرَاهِيمَ»، فَاقْشَعْرَرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَأُلْهِمْتُ أَنْ قُلْتُ: لَبَّيْكَ،
يَا سَيِّدِي، فَقَالَ: «جِئْتَ إِلَى وَلِيِّ اَلله وَحُجَّتِهِ وَبَابِهِ
تَسْأَلُهُ: هَلْ يَدْخُلُ اَلجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتَكَ وَقَالَ
بِمَقَالَتِكَ؟»، فَقُلْتُ: إِي وَاَلله، قَالَ: «إِذَنْ وَاَلله يَقِلُّ
دَاخِلُهَا، وَاَلله إِنَّهُ لَيَدْخُلُهَا قَوْمٌ يُقَالُ لَـهُمُ:
اَلحَقِّيَّةُ»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: «قَوْمٌ مِنْ حُبِّهِمْ
لِعَلِيٍّ يَحْلِفُونَ بِحَقِّهِ وَلَا يَدْرُونَ مَا حَقُّهُ وَفَضْلُهُ». ثُمَّ
سَكَتَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «وَجِئْتَ
تَسْأَلُهُ عَنْ مَقَالَةِ اَلمُفَوِّضَةِ، كَذَبُوا بَلْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ
لِمَشِيَّةِ اَلله، فَإِذَا شَاءَ شِئْنَا، وَاَللهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا
تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]»، ثُمَّ رَجَعَ
اَلسِّتْرُ إِلَى حَالَتِهِ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ كَشْفَهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو
مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: «يَا كَامِلُ، مَا جُلُوسُكَ
وَقَدْ أَنْبَأَكَ بِحَاجَتِكَ اَلحُجَّةُ مِنْ بَعْدِي؟»، فَقُمْتُ وَخَرَجْتُ
وَلَمْ أُعَايِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَلَقِيتُ كَامِلاً،
فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا اَلحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ.
وروى هذا الخبر أحمد بن عليٍّ الرازي، عن محمّد بن عليٍّ، عن عليِّ بن عبد الله بن
عائذ الرازي، عن الحسن بن وجناء النصيبي، قال: سمعت أبا نعيم محمّد ابن أحمد
الأنصاري، وذكر مثله.
دلالة الحديث:
تبدأ الرواية بإرسال طائفتين - المفوِّضة والمقصِّرة - كَامِلَ بن إبراهيم المدني -
وهو إمَّا منهم أو قريب من أفكارهم - إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)،
ممَّا يُشير إلى سعي تلك الجماعات للتواصل مع الإمام بغية استجلاء الحقيقة أو
اختبار موقفه من أفكارهم، وحين دخل كاملٌ على الإمام
الحسن العسكري (عليه
السلام)، لاحظ ارتداء الإمام لثياب بيضاء ناعمة، فاستغرب ذلك في نفسه، متسائلاً كيف
يجمع الإمام بين هذا المظهر والتواضع ومواساة الإخوان. فأظهر له (عليه السلام)
لباساً خشناً خفيًّا تحت ثيابه الناعمة، وقال: «هَذَا لِله، وَهَذَا لَكُمْ». وبهذا
الإيضاح المحكم أراد الإمام (عليه السلام) بيان أنَّ حياته تحمل بُعدَين: بُعداً
خفيًّا يتمثَّل في الزهد والخشونة عبادةً لله تعالى، وبُعداً ظاهراً يُجسِّد موقع
الإمامة وأهمّيَّة الظهور بمظهر يليق بمقامه الشريف.
ثمّ حَدَث المشهد الأهمّ في الرواية، حيث رأى كاملٌ غلاماً كأنَّه فلقة قمر،
فتوجَّه إليه الفتى قائلاً: «يَا كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ»، وهنا أُصيب كاملٌ
بالدهشة، إذ أدرك أنَّ هذا الفتى - رغم صغر سنِّه - يعلم ما أضمره في نفسه. حيث
بيَّن له (عجَّل الله فرجه) أنَّ مقولته: (إنَّ الجنَّة لا يدخلها إلَّا مَنْ وافق
مقالته ومعرفته) خاطئة وتُؤدِّي إلى حصر الجنَّة في نطاق ضيِّق، حيث قال له:
«إِذَنْ وَاَلله يَقِلُّ دَاخِلُهَا»، ثمّ أخبره عن جماعة تُسمَّى بـ
(اَلحَقِّيَّةُ)، وهم قوم من شدَّة حُبِّهم لأمير المؤمنين(عليه السلام) يحلفون
بحقِّه دون إدراك حقيقته ومقامه العظيم. بهذا البيان، بيَّن الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) أنَّ معيار دخول الجنَّة ليس محصوراً بما قال، بل أوسع.
ثمّ انتقل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) للردِّ على عقيدة المفوِّضة، الذين
يعتقدون أنَّ الله خلق الأئمَّة ثمّ فوَّض إليهم تدبير الكون بشكلٍ مستقلٍّ. فرفض
الإمام هذه الفكرة قائلاً: «كَذَبُوا بَلْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِمَشِيَّةِ
اَلله، فَإِذَا شَاءَ شِئْنَا»، مستدلّاً بآية: ﴿وَمَا
تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾. وبهذا أعاد الإمام تصحيح المفهوم
لمقام الأئمَّة (عليهم السلام)، حيث هم مظاهر إرادة الله تعالى، وليسوا مستقلِّين
في أفعالهم.
وأخيراً، حين عاد الستر إلى موضعه، أدرك كامل بن إبراهيم أنَّ الغلام الذي رآه هو
الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، فتوجَّه إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)،
فأجابه الإمام مبتسماً بقوله: «مَا جُلُوسُكَ وَقَدْ أَنْبَأَكَ بِحَاجَتِكَ
اَلحُجَّةُ مِنْ بَعْدِي؟».
وبهذا، يُؤكِّد الإمام
العسكري (عليه السلام) إمامة ولده المهدي (عجَّل الله فرجه) بوصفه الامتداد الإلهي
الذي سيحفظ الدِّين ويقود الأُمَّة بعده.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
إثبات الوصيَّة للمسعودي(٦٦٤).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - جعفر بن محمّد بن مالك: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٦).
٢ - محمّد بن جعفر بن عبد الله: طبقته في الحديث العاشرة، وقد يُعَدُّ من التاسعة،
من وجوه توثيقه: له كتاب، عدَّه العلَّامة (رحمه الله) في القسم الأوَّل.
٣ - أبو نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري: مهمل.
رجال السند الثاني:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - عليُّ بن عبد الله بن عائذ الرازي: مهمل.
٤ - الحسن بن وجناء النصيبي: مهمل.
٥ - أبو نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري: مهمل.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٤) إثبات الوصيَّة (ص ٢٦١ و٢٦٢).
نتناول فيه: أدلَّة
الولادة من الروايات، ووصل الكلام إلى:
رواية: (لم أرَه ولكن رآه
غيري):
الحديث (٢١٧): مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ اَلنَّضْرِ، عَنِ
اَلْقَنْبَرِيِّ - مِنْ وُلْدِ قَنْبَرٍ اَلْكَبِيرِ - مَوْلَى أَبِي اَلحَسَنِ
اَلرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: جَرَى حَدِيثُ جَعْفَرٍ، فَشَتَمَهُ، فَقُلْتُ:
فَلَيْسَ غَيْرُهُ، فَهَلْ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: (لَمْ أَرَهُ، وَلَكِنْ رَآهُ
غَيْرِي)، قُلْتُ: وَمَنْ رَآهُ؟ قَالَ: (رَآهُ جَعْفَرٌ مَرَّتَيْنِ، وَلَهُ
حَدِيثٌ).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٦٦).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٦٧).
البحث السندي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - أحمد بن النضر: طبقته في الحديث الثامنة، وقد يُعَدُّ من السابعة، وجوه توثيقه
عديدة، منها: كثير الرواية، صاحب كتاب، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له، رواية
عدَّة من الأجلَّاء عنه، من رواة (كامل الزيارات).
٣ - القنبري: مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٥) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٦٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ٩).
(٦٦٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٣).
رواية: رشيق الماداري:
الحديث (٢١٨): وَحَدَّثَ عَنْ رَشِيقٍ صَاحِبِ اَلمَادَرَايِ، قَالَ: (بَعَثَ
إِلَيْنَا اَلمُعْتَضِدُ وَنَحْنُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَمَرَنَا أَنْ يَرْكَبَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فَرَساً وَنَجْنُبَ آخَرَ وَنَخْرُجَ مُخِفِّينَ لَا يَكُونُ
مَعَنَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إِلَّا عَلَى اَلسَّرْجِ مُصَلًّى، وَقَالَ لَنَا:
اِلحَقُوا بِسَامِرَّةَ، وَوَصَفَ لَنَا مَحَلَّةً وَدَاراً، وَقَالَ: إِذَا
أَتَيْتُمُوهَا تَجِدُونَ عَلَى اَلْبَابِ خَادِماً أَسْوَدَ، فَاكْبِسُوا
اَلدَّارَ، وَمَنْ رَأَيْتُمْ فِيهَا فَأْتُونِي بِرَأْسِهِ. فَوَافَيْنَا
سَامِرَّةَ، فَوَجَدْنَا اَلْأَمْرَ كَمَا وَصَفَهُ، وَفِي اَلدِّهْلِيزِ خَادِمٌ
أَسْوَدُ وَفِي يَدِهِ تِكَّةٌ يَنْسِجُهَا، فَسَأَلْنَاهُ عَنِ اَلدَّارِ وَمَنْ
فِيهَا، فَقَالَ: صَاحِبُهَا، فَوَاَلله مَا اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا وَقَلَّ
اِكْتِرَاثُهُ بِنَا، فَكَبَسْنَا اَلدَّارَ كَمَا أَمَرَنَا، فَوَجَدْنَا دَاراً
سَرِيَّةً، وَمُقَابِلُ اَلدَّارِ سِتْرٌ مَا نَظَرْتُ قَطُّ إِلَى أَنْبَلَ [أنيل]
مِنْهُ، كَأَنَّ اَلْأَيْدِيَ رُفِعَتْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ، وَلَمْ
يَكُنْ فِي اَلدَّارِ أَحَدٌ. فَرَفَعْنَا اَلسِّتْرَ، فَإِذَا بَيْتٌ كَبِيرٌ
كَأَنَّ بَحْراً فِيهِ مَاءٌ، وَفِي أَقْصَى اَلْبَيْتِ حَصِيرٌ قَدْ عَلِمْنَا
أَنَّهُ عَلَى اَلمَاءِ، وَفَوْقَهُ رَجُلٌ مِنْ أَحْسَنِ اَلنَّاسِ هَيْأَةً
قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْنَا وَلَا إِلَى شَيْءٍ مِنْ
أَسْبَابِنَا، فَسَبَقَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اَلله لِيَتَخَطَّى اَلْبَيْتَ،
فَغَرِقَ فِي اَلمَاءِ، وَمَا زَالَ يَضْطَرِبُ حتَّى مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْهِ
فَخَلَّصْتُهُ وَأَخْرَجْتُهُ وَغُشِيَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ سَاعَةً، وَعَادَ
صَاحِبِيَ اَلثَّانِي إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ اَلْفِعْلِ، فَنَالَهُ مِثْلُ ذَلِكَ،
وَبَقِيتُ مَبْهُوتاً، فَقُلْتُ لِصَاحِبِ اَلْبَيْتِ: اَلمَعْذِرَةُ إِلَى اَلله
وَإِلَيْكَ، فَوَاَلله مَا عَلِمْتُ كَيْفَ اَلخَبَرُ، وَلَا إِلَى مَنْ أَجِيءُ،
وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اَلله، فَمَا اِلْتَفَتَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا قُلْنَا، وَمَا
اِنْفَتَلَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، فَهَالَنَا ذَلِكَ، وَاِنْصَرَفْنَا عَنْهُ، وَقَدْ
كَانَ اَلمُعْتَضِدُ يَنْتَظِرُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَى اَلحُجَّابِ إِذَا
وَافَيْنَاهُ أَنْ نَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، فَوَافَيْنَاهُ فِي
بَعْضِ اَللَّيْلِ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَسَأَلَنَا عَنِ اَلخَبَرِ،
فَحَكَيْنَا لَهُ مَا رَأَيْنَا، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ لَقِيَكُمْ أَحَدٌ قَبْلي،
وَجَرَى مِنْكُمْ إِلَى أَحَدٍ سَبَبٌ أَوْ قَوْلٌ؟ قُلْنَا: لَا، فَقَالَ: أَنَا
نَفِيٌّ(٦٦٨) مِنْ جَدِّي، وَحَلَفَ بِأَشَدِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٨) نفي من جدِّي أي منفيٌّ من جدِّي، ويريد بجدِّه العبَّاس، أي لست من بني العبَّاس لو لم أضرب أعناقكم إنْ بلغني عنكم هذا الخبر.
أَيْمَانٍ لَهُ أَنَّهُ
رَجُلٌ إِنْ بَلَغَهُ هَذَا اَلخَبَرُ لَيَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَنَا، فَمَا جَسَرْنَا
أَنْ نُحَدِّثَ بِهِ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
* رشيق صاحب المادراي: من الثلاثة الذين بعثهم المعتضد العبَّاسي إلى بيت مولانا
صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
رواية: (رأيت صاحب الزمان (عليه
السلام) ووجهه يُضيء كأنَّه القمر ليلة البدر):
الحديث (٢١٩): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ
عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ اِبْنِ بَابَوَيْهِ (رحمه الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ اَلحَسَنِ بْنِ اَلْفَرَجِ اَلمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ
اِبْنُ حَسَنٍ اَلْكَرْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هَارُونَ - رَجُلاً مِنْ
أَصْحَابِنَا - يَقُولُ: رَأَيْتُ صَاحِبَ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) وَوَجْهُهُ
يُضِيءُ كَأَنَّهُ اَلْقَمَرُ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ، وَرَأَيْتُ عَلَى سُرَّتِهِ
شَعْراً يَجْرِي كَالخَطِّ، وَكَشَفْتُ اَلثَّوْبَ عَنْهُ فَوَجَدْتُهُ مَخْتُوناً،
فَسَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «هَكَذَا وُلِدَ،
وَهَكَذَا وُلِدْنَا، وَلَكِنَّا سَنُمِرُّ اَلمُوسَى عَلَيْهِ لِإِصَابَةِ
اَلسُّنَّةِ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٦٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦٩) كمال الدِّين (ص ٤٣٤ و٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ١).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن بابويه (قدّس سرّه): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٢).
٣ - عليُّ بن الحسن بن الفرج المؤذِّن: مهمل.
٤ - أبو هارون: مجهول.
رواية: قرقار:
الحديث (٢٢٠): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ اَلشَّيْبَانِيِّ،
عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ نَصْرِ بْنِ عِصَامِ بْنِ اَلمُغِيرَةِ اَلْفِهْرِيِّ
اَلمَعْرُوفِ بِقَرْقَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ اَلمَرَاغِيُّ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) عَنْ صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، أَي إِنَّهُ حَيٌّ
غَلِيظُ اَلرَّقَبَةِ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - أبو المفضَّل الشيباني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٤).
٣ - أبو نعيم نصر بن عصام بن المغيرة الفهري (قرقارة): مهمل.
٤ - أبو سعيد المراغي: مهمل.
٥ - أحمد بن إسحاق: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٩).
رواية: (وردتُ على أبي محمّد
الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) بسُرَّ مَنْ رأى، فهنَّأته بولادة ابنه (عليه
السلام)):
الحديث (٢٢١): أَخْبَرَنِي اِبْنُ أَبِي جِيدٍ اَلْقُمِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
اَلحَسَنِ بْنِ اَلْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ
اَلله بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ اِبْنِ عَلِيِّ
بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، عَنْ أَبِي اَلْفَضْلِ اَلحُسَيْنِ بْنِ
اَلحَسَنِ بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ [بن الحسين بن عليِّ] بْنِ
أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ: (وَرَدْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اَلحَسَنِ
بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَهَنَّأْتُهُ بِوِلَادَةِ
اِبْنِهِ (عليه السلام)).
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٧٠).
البحث السندي:
١ - ابن أبي جيد القمِّي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٢٣).
٢ - محمّد بن الحسن بن الوليد: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢).
٣ - عبد الله بن العبَّاس بن عبد الله بن الحسن بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ ابن
أبي طالب (عليهم السلام): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٩٥).
٤ - أبو الفضل الحسين بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم
السلام): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٩٥).
رواية: وآخر عهدي به عند بيت
الله الحرام وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني»:
الحديث (٢٢٢): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
اَلحُسَيْنِ، قَالَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٠) كمال الدِّين (ص ٤٣٤/ ذيل باب ٤٢/ ح ١).
أَخْبَرَنَا أَبِي
وَمُحَمَّدُ بْنُ اَلحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ اَلمُتَوَكِّلِ، عَنْ
عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ
بْنَ عُثْمَانَ (رضي الله عنه)، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، وَآخِرُ عَهْدِي بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اَلله اَلحَرَامِ وَهُوَ
يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي».
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ (رَضِيَ اَلله عَنْهُ وَأَرْضَاهُ): وَرَأَيْتُهُ
(صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) مُتَعَلِّقاً بِأَسْتَارِ اَلْكَعْبَةِ فِي
اَلمُسْتَجَارِ وَهُوَ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ اِنْتَقِمْ لِي مِنْ أَعْدَائِكَ».
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - مَنْ لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٧١).
٢ - كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٧٢).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليِّ بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٩).
٣ - في هذه الطبقة التاسعة جماعة، هم:
أ - أبي (عليُّ بن الحسين بن بابويه (رضي الله عنه)): طبقته في الحديث التاسعة،
وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق المشايخ الصريح له، من وجوه الطائفة والأجلَّاء، من
شيوخ الإجازة، وصاحب كُتُب ومصنَّفات، كثير الرواية، وأكثر عنه المشايخ الرواية، من
رواة (كامل الزيارات).
ب - محمّد بن الحسن: من وجوه توثيقه: ترحُّم الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) عليه، مدحه
في أوائل (كمال الدِّين).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧١) من لا يحضره
الفقيه (ج ٢/ ص ٥٢٠/ ذيل الحديث ٣١١٥).
(٦٧٢) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٩ و١٠).
ج - محمّد بن موسى بن
المتوكِّل: وجوه توثيقه عديدة، منها: إكثار الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) الرواية عنه،
رواية بعض الأجلَّاء عنه، وثَّقه العلَّامة (قدّس سرّه)، وابن داود (رحمه الله).
وادَّعى ابن طاوس (رحمه الله) في (فلاح السائل) الاتِّفاق على وثاقته.
٤ - عبد الله بن جعفر الحميري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٩).
٥ - محمّد بن عثمان (رضي الله عنه): تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٨٠).
* * *
نتناول في فصل جديد
مَنِ التقى بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، سواء أكان ممَّن عرفه وعرف شخصه
(عجَّل الله فرجه) أثناء اللقاء أو بعده.
والروايات التي يذكرها شيخ الطائفة (قدّس سرّه) تبلغ ستّ عشرة رواية، والأخيرة منها
مفصَّلة جدًّا وفي عدَّة صفحات.
قال (قدّس سرّه): (فصل: وأمَّا ما رُوِيَ من الأخبار المتضمِّنة لمن رآه (عليه
السلام) وهو لا يعرفه أو عرفه فيما بعد، فأكثر من أنْ تُحصى غير أنَّا نذكر طرفاً
منها):
رواية: «أنا المهدي، أنا قائم
الزمان»:
الحديث (٢٢٣): أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى
اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
شَيْخٌ وَرَدَ اَلرَّيَّ عَلَى أَبِي اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ
اَلْأَسَدِيِّ، فَرَوَى لَهُ حَدِيثَيْنِ فِي صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)
وَسَمِعْتُهُمَا مِنْهُ كَمَا سَمِعَ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ قَبْلَ سَنَةِ
ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ قَرِيباً مِنْهَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ اَلْفَدَكِيُّ، قَالَ: قَالَ اَلْأَوْدِيُّ: بَيْنَا أَنَا فِي
اَلطَّوَافِ قَدْ طُفْتُ سِتَّةً وَأُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ اَلسَّابِعَةَ فَإِذَا
أَنَا بِحَلْقَةٍ عَنْ يَمِينِ اَلْكَعْبَةِ وَشَابٌّ حَسَنُ اَلْوَجْهِ، طَيِّبُ
اَلرَّائِحَةِ، هَيُوبٌ، وَمَعَ هَيْبَتِهِ مُتَقَرِّبٌ إِلَى اَلنَّاسِ،
فَتَكَلَّمَ فَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَا أَعْذَبَ مِن مَنْطِقِهِ
فِي حُسْنِ جُلُوسِهِ، فَذَهَبْتُ أُكَلِّمُهُ، فَزَبَرَنِي اَلنَّاسُ، فَسَأَلْتُ
بَعْضَهُمْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: اِبْنُ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)
يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ سَنَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٣) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
يَوْماً لِخَوَاصِّهِ
فَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، فَقُلْتُ: مُسْتَرْشِدٌ أَتَاكَ، فَأَرْشِدْنِي
هَدَاكَ اَللهُ، قَالَ: فَنَاوَلَنِي حَصَاةً، فَحَوَّلْتُ وَجْهِي، فَقَالَ لِي
بَعْضُ جُلَسَائِهِ: مَا اَلَّذِي دَفَعَ إِلَيْكَ اِبْنُ رَسُولِ اَلله (صلَّى
الله عليه وآله)؟ فَقُلْتُ: حَصَاةً، فَكَشَفْتُ عَنْ يَدِي، فَإِذَا أَنَا
بِسَبِيكَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، [فَذَهَبْتُ] وَإِذَا أَنَا بِهِ قَدْ لَحِقَنِي،
فَقَالَ: «ثَبَتَتْ عَلَيْكَ اَلحُجَّةُ، وَظَهَرَ لَكَ اَلحَقُّ، وَذَهَبَ عَنْكَ
اَلْعَمَى، أَتَعْرِفُنِي؟»، فَقُلْتُ: اَللَّهُمَّ لَا، فَقَالَ: «[أَنَا]
اَلمَهْدِيُّ، أَنَا قَائِمُ اَلزَّمَانِ، أَنَا اَلَّذِي أَمْلَأُهَا عَدْلاً
كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، إِنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ،
وَلَا يَبْقَى اَلنَّاسُ فِي فَتْرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
وَقَدْ ظَهَرَ أَيَّامُ خُرُوجِي، فَهَذِهِ أَمَانَةٌ فِي رَقَبَتِكَ فَحَدِّثْ
[تحدث] بِهَا إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ اَلحَقِّ».
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٧٤).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - شيخ ورد الريَّ: مجهول.
٥ - عليُّ بن إبراهيم الفدكي: مهمل.
٦ - الأودي (أحمد بن الحسين بن عبد المَلِك، أبو جعفر): طبقته في الحديث العاشرة،
وجوه توثيقه عديدة، منها: توثيق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) والشيخ النجاشي (رحمه
الله) له، مبوِّب كتاب المشيخة للحسن بن محبوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٤) كمال الدِّين (ص ٤٤٤ و٤٤٥/ باب ٤٣/ ح ١٨).
رواية: القمِّي السائح الذي طلب
هذا الأمر مدَّة (٢٠) سنة:
الحديث (٢٢٤): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ،
قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ
خَلَفٍ، قَالَ: نَزَلْنَا مَسْجِداً فِي اَلمَنْزِلِ اَلمَعْرُوفِ
بِالْعَبَّاسِيَّةِ - عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ فُسْطَاطِ مِصْرَ -، وَتَفَرَّقَ
غِلْمَانِي فِي اَلنُّزُولِ، وَبَقِيَ مَعِي فِي اَلمَسْجِدِ غُلَامٌ أَعْجَمِيٌّ،
[فَرَأَيْتُ] فِي زَاوِيَتِهِ شَيْخاً كَثِيرَ اَلتَّسْبِيحِ، فَلَمَّا زَالَتِ
اَلشَّمْسُ رَكَعْتُ [وَسَجَدْتُ] وَصَلَّيْتُ اَلظُّهْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا،
وَدَعَوْتُ بِالطَّعَامِ، وَسَأَلْتُ اَلشَّيْخَ أَنْ يَأْكُلَ مَعِي،
[فَأَجَابَنِي]. فَلَمَّا طَعِمْنَا سَأَلْتُ عَنِ اِسْمِهِ وَاِسْمِ أَبِيهِ،
وَعَنْ بَلَدِهِ وَحِرْفَتِهِ وَمَقْصَدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ اِسْمَهُ مُحَمَّدُ
بْنُ عَبْدِ اَلله، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ قُمَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَسِيحُ مُنْذُ
ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي طَلَبِ اَلحَقِّ وَيَتَنَقَّلُ فِي اَلْبُلْدَانِ
وَاَلسَّوَاحِلِ، وَأَنَّهُ أَوْطَنَ مَكَّةَ وَاَلمَدِينَةَ نَحْوَ عِشْرِينَ
سَنَةً يَبْحَثُ عَنِ اَلْأَخْبَارِ وَيَتَّبِعُ اَلْآثَارَ. فَلَمَّا كَانَ فِي
سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ صَارَ إِلَى
مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، فَرَكَعَ فِيهِ، وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ،
فَأَنْبَهَهُ صَوْتُ دُعَاءٍ لَمْ يَجْرِ فِي سَمْعِهِ مِثْلُهُ، قَالَ:
فَتَأَمَّلْتُ اَلدَّاعِيَ، فَإِذَا هُوَ شَابٌّ أَسْمَرُ لَمْ أَرَ قَطُّ فِي
حُسْنِ صُورَتِهِ وَاِعْتِدَالِ قَامَتِهِ، ثُمَّ صَلَّى فَخَرَجَ وَسَعَى،
فَاتَّبَعْتُهُ، وَأَوْقَعَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي نَفْسِي أَنَّهُ صَاحِبُ
اَلزَّمَانِ (عليه السلام). فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ قَصَدَ بَعْضَ
اَلشِّعَابِ، فَقَصَدْتُ أَثَرَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ إِذْ أَنَا
بِأَسْوَدَ(٦٧٥) مِثْلِ اَلْفَنِيقِ(٦٧٦) قَدِ اِعْتَرَضَنِي، فَصَاحَ بِي بِصَوْتٍ
لَمْ أَسْمَعْ أَهْوَلَ مِنْهُ: مَا تُرِيدُ، عَافَاكَ اَللهُ؟ فَأُرْعِدْتُ
وَوَقَفْتُ، وَزَالَ اَلشَّخْصُ عَنْ بَصَرِي وَبَقِيتُ مُتَحَيِّراً. فَلَمَّا
طَالَ بِيَ اَلْوُقُوفُ وَاَلْحَيْرُةُ اِنْصَرَفْتُ أَلُومُ نَفْسِي
وَأَعْذِلُـهَا بِانْصِرَافِي بِزَجْرَةِ اَلْأَسْوَدِ، فَخَلَوْتُ بِرَبِّي (عزَّ
وجلَّ) أَدْعُوهُ وَأَسْأَلُهُ بِحَقِّ رَسُولِهِ وَآلِهِ (عليهم السلام) أَنْ لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٥) رجل أسود.
(٦٧٦) الكبير العظيم.
يُخَيِّبَ سَعْيِي، وَأَنْ يُظْهِرَ لِي مَا يَثْبُتُ بِهِ قَلْبِي وَيَزِيدُ فِي بَصَرِي. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِنِينَ زُرْتُ قَبْرَ اَلمُصْطَفَى (صلَّى الله عليه وآله)، فَبَيْنَا أَنَا أُصَلِّي فِي اَلرَّوْضَةِ اَلَّتِي بَيْنَ اَلْقَبْرِ وَاَلْمِنْبَرِ إِذْ غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَإِذَا مُحَرِّكٌ يُحَرِّكُنِي، فَاسْتَيْقَظْتُ، فَإِذَا أَنَا بِالْأَسْوَدِ، فَقَالَ: مَا خَبَرُكَ؟ وَكَيْفَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: اَلحَمْدُ لِله، وَأَذُمُّكَ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِمَا خَاطَبْتُكَ بِهِ، وَقَدْ أَدْرَكْتَ خَيْراً كَثِيراً، فَطِبْ نَفْساً وَاِزْدَدْ مِنَ اَلشُّكْرِ لِله (عزَّ وجلَّ) مَا أَدْرَكْتَ وَعَايَنْتَ، مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ وَسَمَّى بَعْضَ إِخْوَانِيَ اَلمُسْتَبْصِرِينَ، فَقُلْتُ: بِبُرْقَةَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، فَفُلَانٌ، وَسَمَّى رَفِيقاً لِي مُجْتَهِداً فِي اَلْعِبَادَةِ، مُسْتَبْصِراً فِي اَلدِّيَانَةِ، فَقُلْتُ: بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، حتَّى سَمَّى لِي عِدَّةً مِنْ إِخْوَانِي. ثُمَّ ذَكَرَ اِسْماً غَرِيباً، فَقَالَ: مَا فَعَلَ نُقْفُورُ؟ قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَعْرِفُهُ وَهُوَ رُومِيٌّ فَيَهْدِيهِ اَللهُ فَيَخْرُجُ نَاصِراً مِنْ قُسْطَنْطِينِيَّةَ؟ ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ آخَرَ، فَقُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هِيتَ مِنْ أَنْصَارِ مَوْلَايَ (عليه السلام)، اِمْضِ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ لَـهُمْ: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَذِنَ اَللهُ فِي اَلاِنْتِصَارِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ وَفِي اَلاِنْتِقَامِ مِنَ اَلظَّالِمِينَ، وَلَقَدْ لَقِيتُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِي وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ وَأَبْلَغْتُهُمْ مَا حُمِّلْتُ وَأَنَا مُنْصَرِفٌ وَأُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَتَلَبَّسَ بِمَا يَثْقُلُ بِهِ ظَهْرُكَ وَيَتْعَبُ بِهِ جِسْمُكَ، وَأَنْ تَحْبِسَ نَفْسَكَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكَ، فَإِنَّ اَلْأَمْرَ قَرِيبٌ إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى. فَأَمَرْتُ خَازِنِي، فَأَحْضَرَ لِي(٦٧٧) خَمْسِينَ دِينَاراً، وَسَأَلْتُهُ قَبُولَـهَا، فَقَالَ: يَا أَخِي، قَدْ حَرَّمَ اَللهُ عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مِنْكَ مَا أَنَا مُسْتَغْنٍ عَنْهُ كَمَا أَحَلَّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْكَ اَلشَّيْءَ إِذَا اِحْتَجْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعَ هَذَا اَلْكَلَامَ مِنْكَ أَحَدٌ غَيْرِي مِنْ أَصْحَابِ اَلسُّلْطَانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَحْمَدُ بْنُ اَلحُسَيْنِ اَلهَمَدَانِيُّ اَلمَدْفُوعُ عَنْ نِعْمَتِهِ بِآذَرْبِيجَانَ، وَقَدِ اِسْتَأْذَنَ لِلْحَجِّ تَأْمِيلاً أَنْ يَلْقَى مَنْ لَقِيتَ، فَحَجَّ أَحْمَدُ بْنُ اَلحُسَيْنِ اَلهَمَدَانِيُّ (رحمه الله) فِي تِلْكَ اَلسَّنَةِ، فَقَتَلَهُ ذِكْرَوَيْهِ بْنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٧) في نُسَخ (أ، ف، م): (فأحضرني).
مَهْرَوَيْهِ،
وَاِفْتَرَقْنَا وَاِنْصَرَفْتُ إِلَى اَلثَّغْرِ. ثُمَّ حَجَجْتُ، فَلَقِيتُ
بِالمَدِينَةِ رَجُلاً اِسْمُهُ طَاهِرٌ مِنْ وُلْدِ اَلحُسَيْنِ اَلْأَصْغَرِ،
يُقَالُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ شَيْئاً، فَثَابَرْتُ عَلَيْهِ
حتَّى أَنِسَ بِي، وَسَكَنَ لِي، وَوَقَفَ عَلَى صِحَّةِ عَقِيدَتِي، فَقُلْتُ
لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، بِحَقِّ آبَائِكَ اَلطَّاهِرِينَ (عليهم السلام)
لَـمَّا جَعَلْتَنِي مِثْلَكَ فِي اَلْعِلْمِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ، فَقَدْ شَهِدَ
عِنْدِي مَنْ تُوَثِّقُهُ بِقَصْدِ اَلْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ سُلَيْمَانَ
بْنِ وَهْبٍ(٦٧٨) إِيَّايَ لِمَذْهَبِي وَاِعْتِقَادِي، وَأَنَّهُ أَغْرَى بِدَمِي
مِرَاراً، فَسَلَّمَنِيَ اَللهُ مِنْهُ. فَقَالَ: يَا أَخِي، اُكْتُمْ مَا تَسْمَعُ
مِنِّي اَلخَبَرَ فِي هَذِهِ اَلْجِبَالِ، وَإِنَّمَا يَرَى اَلْعَجَائِبَ
اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلزَّادَ فِي اَللَّيْلِ وَيَقْصِدُونَ بِهِ مَوَاضِعَ
يَعْرِفُونَهَا، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ اَلْفَحْصِ وَاَلتَّفْتِيشِ، فَوَدَّعْتُهُ
وَاِنْصَرَفْتُ عَنْهُ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٥ - محمّد بن أحمد بن خلف: مهمل.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٨) في نُسَخ (أ، ف، م): (القاسم بن عبيد الله بن سليمان وهب)، وفي نسخة (ح): (القاسم بن عبد الله (عبيد الله خ ل)).
نتناول فيه: روايات
مَنِ التقى بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، وتقدَّم عدَّة روايات، ووصل الكلام
إلى:
رواية: «تُحِبُّ أنْ ترى صاحب
زمانك؟»:
الحديث (٢٢٥)(٦٨٠): وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ
اَلحَاشِرِ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلشُّجَاعِيِّ
اَلْكَاتِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
اَلنُّعْمَانِيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ [مُحَمَّدٍ خ ل] اَلجَعْفَرِيِّ،
قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ تِلْكَ
اَلسَّنَةَ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ
عَنْهَا مُنْصَرِفاً إِلَى اَلشَّامِ، فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ اَلطَّرِيقِ
وَقَدْ فَاتَتْنِي صَلَاةُ اَلْفَجْرِ، فَنَزَلْتُ مِنَ اَلمَحْمِلِ وَتَهَيَّأْتُ
لِلصَّلَاةِ، فَرَأَيْتُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ فِي مَحْمِلٍ، فَوَقَفْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧٩) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٨٠) يوجد كلام في أنَّ هذه الروايات - بعض المتقدِّمة وما يأتي -، والتفاصيل
الواردة فيها، ومكان وقوعها، والزمان الذي حصلت فيه، مع ما كان عليه الحال آنذاك من
انتشار مذهب الإسماعيليَّة وترويجهم له، تُعَدُّ عناصر مُضعِفة للرواية؛ إذ يُحتمَل
الوضع فيها، خصوصاً إذا ضُمَّ إلى ذلك اشتمال أسانيدها غالباً على المهملين.
ومع ذلك، فإنَّ روايتها من قِبَل شيخ الطائفة (قدّس سرّه) وغيره، مع ما عُرِفَ به
من التثبُّت في هذه الأُمور، وهو العارف بلوازم ما تنطوي عليه هذه النقولات،
يُعَدُّ عنصرَ إفادة في تولُّد علم إجمالي، فهذا الشيخ (قدّس سرّه) هو الذي تصدَّى
بأفضل طريقة وبأقوى بيان وحجَّة لمذاهب الفِرَق المخالفة، ولاسيَّما الإسماعيليَّة.
وتبقى المسألة - من هذه الجهة - خاضعة للمنهج في التلقِّي، وهو أمرٌ في غاية
الأهمّيَّة.
أَعْجَبَ مِنْهُمْ،
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: مِمَّ تَعْجَبُ؟ تَرَكْتَ صَلَاتَكَ، وَخَالَفْتَ مَذْهَبَكَ.
فَقُلْتُ لِلَّذِي يُخَاطِبُنِي: وَمَا عِلْمُكَ بِمَذْهَبِي؟ فَقَالَ: تُحِبُّ
أَنْ تَرَى صَاحِبَ زَمَانِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَوْمَأَ إِلَى أَحَدِ
اَلْأَرْبَعَةِ، فَقُلْتُ (لَهُ): إِنَّ لَهُ دَلَائِلَ وَعَلَامَاتٍ، فَقَالَ:
أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَنْ تَرَى اَلجَمَلَ وَمَا عَلَيْهِ صَاعِداً إِلَى
اَلسَّمَاءِ، أَوْ تَرَى اَلمَحْمِلَ صَاعِداً إِلَى اَلسَّمَاءِ؟ فَقُلْتُ:
أَيُّهُمَا كَانَ فَهِيَ دَلَالَةٌ، فَرَأَيْتُ اَلجَمَلَ وَمَا عَلَيْهِ
يَرْتَفِعُ إِلَى اَلسَّمَاءِ، وَكَأَنَّ اَلرَّجُلَ أَوْمَأَ إِلَى رَجُلٍ بِهِ
سُمْرَةٌ، وَكَانَ لَوْنُهُ اَلذَّهَبَ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ سَجَّادَةٌ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عبدون: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٦).
٢ - أبو الحسن محمّد بن عليٍّ الشجاعي الكاتب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٣ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٠).
٤ - يوسف بن أحمد الجعفري: مهمل.
رواية: حادث الدار في يوم وفاة
الإمام العسكري (عليه السلام) والغلام العُشاري:
الحديث (٢٢٦): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّازِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ اَلهَمْدَانِيِّ، عَنْ
أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلهَاشِمِيِّ مِنْ وُلْدِ اَلْعَبَّاسِ، قَالَ:
حَضَرْتُ دَارَ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) بِسُرَّ
مَنْ رَأَى يَوْمَ تُوُفِّيَ، وَأُخْرِجَتْ
جَنَازَتُهُ
وَوُضِعَتْ، وَنَحْنُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلاً قُعُودٌ نَنْتَظِرُ، حتَّى
خَرَجَ إِلَيْنَا [علينا] غُلَامٌ عُشَارِيٌّ(٦٨١) حَافٍ عَلَيْهِ رِدَاءٌ قَدْ
تَقَنَّعَ بِهِ، فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ قُمْنَا هَيْبَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ
نَعْرِفَهُ، فَتَقَدَّمَ وَقَامَ اَلنَّاسُ فَاصْطَفُّوا خَلْفَهُ، فَصَلَّى
عَلَيْهِ وَمَشَى، فَدَخَلَ بَيْتاً غَيْرَ اَلَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو
عَبْدِ اَلله اَلهَمَدَانِيُّ: فَلَقِيتُ بِالمَرَاغَةِ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ
تَبْرِيزَ يُعْرَفُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلتَّبْرِيزِيِّ، فَحَدَّثَنِي
بِمِثْلِ حَدِيثِ اَلهَاشِمِيِّ لَمْ يُخْرَمْ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَسَأَلْتُ
اَلهَمَدَانِيَّ، فَقُلْتُ: غُلَامٌ عُشَارِيُّ اَلْقَدِّ أَوْ عُشَارِيُّ
اَلسِّنِّ؟ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ اَلْوِلَادَةَ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ
وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ غَيْبَةُ(٦٨٢) أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) سَنَةَ
سِتَّةٍ وَمِائَتَيْنِ بَعْدَ اَلْوِلَادَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. فَقَالَ: لَا
أَدْرِي، هَكَذَا سَمِعْتُ، فَقَالَ لِي شَيْخٌ مَعَهُ حَسَنُ اَلْفَهْمِ مِنْ
أَهْلِ بَلَدِهِ لَهُ رِوَايَةٌ وَعِلْمٌ: عُشَارِيُّ اَلْقَدِّ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - محمّد بن عبد ربِّه الأنصاري الهمداني: قد تكون طبقته في الحديث العاشرة، من
شيوخ الإجازة.
٤ - أحمد بن عبد الله الهاشمي: مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨١) قوله: (غلام
عشاري) المقصود به إمَّا من جهة الطول وإمَّا من جهة العمر؛ قال العلَّامة
المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٦): (وعشاري القدِّ هو أنْ يكون له
عشرة أشبار).
(٦٨٢) المراد بغيبته وفاته (عليه السلام)، وكانت في تلك السنة كما صرَّحت به
التواريخ والروايات، وفي تلك السنة وقعت الغيبة الكبرى.
رواية: حديث دعاء الإلحاح:
الحديث (٢٢٧): عَنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَائِذٍ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اَلحَسَنِ
بْنِ وَجْنَاءَ اَلنَّصِيبِيِّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ
اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ حَاضِراً عِنْدَ اَلمُسْتَجَارِ [بِمَكَّةَ]
وَجَمَاعَةٌ زُهَاءَ ثَلَاثِينَ رَجُلاً لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُخْلِصٌ غَيْرُ
مُحَمَّدِ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلْعَلَوِيِّ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ فِي
اَلْيَوْمِ اَلسَّادِسِ مِنْ ذِي اَلْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ
وَمِائَتَيْنِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا شَابٌّ مِنَ اَلطَّوَافِ عَلَيْهِ إِزَارَانِ
فَاحْتَجَّ مُحْرِمٌ بِهِمَا، وَفِي يَدِهِ نَعْلَانِ. فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ
قُمْنَا جَمِيعاً هَيْبَةً لَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا قَامَ،
فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَجَلَسَ مُتَوَسِّطاً وَنَحْنُ حَوْلَهُ، ثُمَّ اِلْتَفَتَ
يَمِيناً وَشِمَالاً، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا كَانَ أَبُو عَبْدِ اَلله
(عليه السلام) يَقُولُ فِي دُعَاءِ اَلْإِلحَاحِ؟»، [قُلْنَا: وَمَا كَانَ
يَقُولُ؟]، قَالَ: «كَانَ يَقُولُ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ
اَلَّذِي بِهِ تَقُومُ اَلسَّمَاءُ، وَبِهِ تَقُومُ اَلْأَرْضُ، وَبِهِ تُفَرِّقُ
بَيْنَ اَلحَقِّ وَاَلْبَاطِلِ، وَبِهِ تَجْمَعُ بَيْنَ اَلمُتَفَرِّقِ، وَبِهِ
تُفَرِّقُ بَيْنَ اَلمُجْتَمِعِ، وَبِهِ أَحْصَيْتَ عَدَدَ اَلرِّمَالِ، وَزِنَةَ
اَلْجِبَالِ، وَكَيْلَ اَلْبِحَارِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ
مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً».
ثُمَّ نَهَضَ وَدَخَلَ اَلطَّوَافَ، فَقُمْنَا لِقِيَامِهِ حتَّى اِنْصَرَفَ،
وَأُنْسِينَا أَنْ نَذْكُرَ أَمْرَهُ، وَأَنْ نَقُولَ: مَنْ هُوَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ
هُوَ؟ إِلَى اَلْغَدِ فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنَ اَلطَّوَافِ،
فَقُمْنَا لَهُ كَقِيَامِنَا [لَهُ] بِالْأَمْسِ، وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ
مُتَوَسِّطاً، فَنَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، وَقَالَ:«أَتَدْرُونَ مَا كَانَ
يَقُولُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَعْدَ صَلَاةِ اَلْفَرِيضَةِ؟»،
فَقُلْنَا: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قَالَ: «كَانَ يَقُولُ: إِلَيْكَ رُفِعَتِ
اَلْأَصْوَاتُ، [وَدُعِيَتِ اَلدَّعَوَاتُ، وَلَكَ](٦٨٣) عَنَتِ اَلْوُجُوهُ،
وَلَكَ وُضِعَتِ [خَضَعَتْ] اَلرِّقَابُ، وَإِلَيْكَ اَلتَّحَاكُمُ فِي
اَلْأَعْمَالِ، يَا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ، وَيَا خَيْرَ مَنْ أَعْطَى، يَا صَادِقُ
يَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨٣) من بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٧).
بَارِئُ، يَا مَنْ لَا
يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ، يَا مَنْ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَ بِالْإِجَابَةِ، يَا
مَنْ قَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:
٦٠]، يَا مَنْ قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي
فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وَيَا مَنْ
قَالَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، لَبَّيْكَ
وَسَعْدَيْكَ، هَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ اَلمُسْرِفُ، وَأَنْتَ اَلْقَائِلُ: ﴿لَا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
[الزمر: ٥٣]»، ثُمَّ نَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً بَعْدَ هَذَا اَلدُّعَاءِ،
فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا كَانَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ فِي
سَجْدَةِ اَلشُّكْرِ؟»، فَقُلْنَا: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قَالَ: «كَانَ يَقُولُ:
يَا مَنْ لَا يَزِيدُهُ كَثْرَةُ اَلدُّعَاءِ إِلَّا سَعَةً وَعَطَاءً، يَا مَنْ
لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ، يَا مَنْ لَهُ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ،
يَا مَنْ لَهُ خَزَائِنُ مَا دَقَّ وَجَلَّ، لَا تَمْنَعُكَ إِسَاءَتِي مِنْ
إِحْسَانِكَ، أَنْتَ تَفْعَلُ بِيَ اَلَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ، (فَإِنَّكَ) أَنْتَ
أَهْلُ اَلْكَرَمِ وَاَلجُودِ، وَاَلْعَفْوِ وَاَلتَّجَاوُزِ، يَا رَبِّ يَا
اَللهُ، لَا تَفْعَلْ بِيَ اَلَّذِي أَنَا أَهْلُهُ، فَإِنِّي أَهْلُ اَلْعُقُوبَةِ
وَقَدِ اِسْتَحْقَقْتُهَا، لَا حُجَّةَ [لِي] وَلَا عُذْرَ لِي عِنْدَكَ، أَبُوءُ
لَكَ بِذُنُوبِي كُلِّهَا، وَأَعْتَرِفُ بِهَا كَيْ تَعْفُوَ عَنِّي، وَأَنْتَ
أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي، أَبُوءُ لَكَ بِكُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ، وَكُلِّ
خَطِيئَةٍ اِحْتَمَلْتُهَا، وَكُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلْتُهَا، رَبِّ اِغْفِرْ
وَاِرْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعَزُّ
اَلْأَكْرَمُ».
وَقَامَ وَدَخَلَ اَلطَّوَافَ، فَقُمْنَا لِقِيَامِهِ، وَعَادَ مِنَ اَلْغَدِ فِي
ذَلِكَ اَلْوَقْتِ، فَقُمْنَا لِإِقْبَالِهِ كَفِعْلِنَا فِيمَا مَضَى، فَجَلَسَ
مُتَوَسِّطاً وَنَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ
اَلحُسَيْنِ سَيِّدُ اَلْعَابِدِينَ (عليه السلام) يَقُولُ فِي سُجُودِهِ فِي هَذَا
اَلمَوْضِعِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى اَلْحِجْرِ تَحْتَ اَلْمِيزَابِ -:
عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ،
سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ، يَسْأَلُكَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُكَ»، ثُمَّ
نَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، وَنَظَرَ إِلَى
مُحَمَّدِ بْنِ
اَلْقَاسِمِ مِنْ بَيْنِنَا، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدَ بْنَ اَلْقَاسِمِ، أَنْتَ
عَلَى خَيْرٍ إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى»، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ
يَقُولُ بِهَذَا اَلْأَمْرِ، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ اَلطَّوَافَ، فَمَا بَقِيَ
مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أُلْهِمَ مَا ذَكَرَهُ مِنَ اَلدُّعَاءِ، وَأُنْسِينَا
أَنْ نَتَذَاكَرَ أَمْرَهُ إِلَّا فِي آخِرِ يَوْمٍ.
فَقَالَ لَنَا أَبُو عَلِيٍّ اَلمَحْمُودِيُّ: يَا قَوْمِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟
هَذَا وَاَلله صَاحِبُ زَمَانِكُمْ، فَقُلْنَا: وَكَيْفَ عَلِمْتَ، يَا أَبَا
عَلِيٍّ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو رَبَّهُ وَيَسْأَلُهُ
مُعَايَنَةَ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْماً
عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَإِذَا بِالرَّجُلِ بِعَيْنِهِ يَدْعُو بِدُعَاءٍ وَعَيْتُهُ،
فَسَأَلْتُهُ مِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: «مِنَ اَلنَّاسِ»، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ
اَلنَّاسِ؟ قَالَ: «مِنْ عَرَبِهَا»، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ عَرَبِهَا؟ قَالَ: «مِنْ
أَشْرَفِهَا»، قُلْتُ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: «بَنُو هَاشِمٍ»، قُلْتُ: [وَ]مِنْ
أَيِّ بَنِي هَاشِمٍ؟ فَقَالَ: «مِنْ أَعْلَاهَا ذِرْوَةً وَأَسْنَاهَا»، قُلْتُ:
مِمَّنْ؟ قَالَ: «مِمَّنْ فَلَقَ اَلْـهَامَ، وَأَطْعَمَ اَلطَّعَامَ، وَصَلَّى
وَاَلنَّاسُ نِيَامٌ»، قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ عَلَوِيٌّ، فَأَحْبَبْتُهُ عَلَى
اَلْعَلَوِيَّةِ، ثُمَّ اِفْتَقَدْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ
مَضَى، فَسَأَلْتُ اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ: تَعْرِفُونَ هَذَا
اَلْعَلَوِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَحُجُّ مَعَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَاشِياً،
فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اَلله [وَاَلله] مَا أَرَى بِهِ أَثَرَ مَشْيٍ، قَالَ:
فَانْصَرَفْتُ إِلَى اَلمُزْدَلِفَةِ كَئِيباً حَزِيناً عَلَى فِرَاقِهِ، وَنِمْتُ
مِنْ [في] لَيْلَتِي تِلْكَ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه
وآله)، فَقَالَ: «يَا [أَبَا] أَحْمَدُ، رَأَيْتَ طَلِبَتَكَ؟»، فَقُلْتُ: وَمَنْ
ذَاكَ، يَا سَيِّدِي، فَقَالَ: «اَلَّذِي رَأَيْتَهُ فِي عَشِيَّتِكَ، وَهُوَ
صَاحِبُ زَمَانِكَ».
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُ عَاتَبْنَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ
أَعْلَمَنَا ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَى أَمْرَهُ إِلَى وَقْتِ مَا
حَدَّثَنَا بِهِ.
وأخبرنا جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، عن أبي عليٍّ محمّد بن
همَّام، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي، عن محمّد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي
نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري، وساق الحديث بطوله.
لم نعثر على الحديث في
المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
كمال الدِّين للشيخ الصدوق (قدّس سرّه)(٦٨٤).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - عليُّ بن عائذ الرازي: مهمل.
٣ - الحسن بن وجناء النصيبي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٦).
٤ - أبو نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٦).
رجال السند الثاني:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أبو عليٍّ محمّد بن همَّام: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٣).
٤ - جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧٦).
٥ - محمّد بن جعفر بن عبد الله: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٦).
٦ - أبو نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢١٦).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨٤) كمال الدِّين (ص ٤٧٠ - ٤٧٣/ باب ٤٣/ ح ٢٤).
نتناول فيه: روايات
مَنِ التقى بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، وتقدَّم عدَّة روايات، ووصل الكلام
إلى:
رواية: حديث عليِّ بن مهزيار
وطلبه الحثيث للقاء بالحجَّة (عجَّل الله فرجه) لعشرين سنة:
الحديث (٢٢٨): وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ، عَنْ رَجُلٍ - ذَكَرَ
أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ قَزْوِينَ لَمْ يَذْكُرِ اِسْمَهُ -، عَنْ حَبِيبِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ اَلصَّنْعَانِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ [بالأهواز] اَلْأَهْوَازِيِّ،
فَسَأَلْتُهُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَخِي، لَقَدْ
سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، حَجَجْتُ عِشْرِينَ حِجَّةً كُلّاً أَطْلُبُ بِهِ
عِيَانَ اَلْإِمَامِ فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، فَبَيْنَا أَنَا
لَيْلَةً نَائِمٌ فِي مَرْقَدِي إِذْ رَأَيْتُ قَائِلاً يَقُولُ: يَا عَلِيَّ بْنَ
إِبْرَاهِيمَ، قَدْ أَذِنَ اَلله لَكَ فِي اَلحَجِّ، فَلَمْ أَعْقِلْ لَيْلَتِي
حتَّى أَصْبَحْتُ فَأَنَا مُفَكِّرٌ فِي أَمْرِي أَرْقُبُ اَلمَوْسِمَ لَيْلي
وَنَهَارِي. فَلَمَّا كَانَ [حَانَ] وَقْتُ اَلمَوْسِمِ أَصْلَحْتُ أَمْرِي،
وَخَرَجْتُ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ اَلمَدِينَةِ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حتَّى
دَخَلْتُ يَثْرِبَ، فَسَأَلْتُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَلَمْ
أَجِدْ لَهُ أَثَراً وَلَا سَمِعْتُ لَهُ خَبَراً، فَأَقَمْتُ مُفَكِّراً فِي
أَمْرِي حتَّى خَرَجْتُ مِنَ اَلمَدِينَةِ أُرِيدُ مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ اَلجُحْفَةَ
وَأَقَمْتُ بِهَا يَوْماً، وَخَرَجْتُ مِنْهَا مُتَوَجِّهاً نَحْوَ اَلْغَدِيرِ،
وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨٥) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
اَلجُحْفَةِ، فَلَمَّا
أَنْ دَخَلْتُ اَلمَسْجِدَ صَلَّيْتُ وَعَفَّرْتُ وَاِجْتَهَدْتُ فِي اَلدُّعَاءِ
وَاِبْتَهَلْتُ إِلَى اَلله لَـهُمْ، وَخَرَجْتُ أُرِيدُ عُسْفَانَ، فَمَا زِلْتُ
كَذَلِكَ حتَّى دَخَلْتُ مَكَّةَ، فَأَقَمْتُ بِهَا أَيَّاماً أَطُوفُ اَلْبَيْتَ
وَاِعْتَكَفْتُ.
فَبَيْنَا أَنَا لَيْلَةً فِي اَلطَّوَافِ إِذَا أَنَا بِفَتًى حَسَنِ اَلْوَجْهِ،
طَيِّبِ اَلرَّائِحَةِ، يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، طَائِفٌ حَوْلَ اَلْبَيْتِ،
فَحَسَّ قَلْبِي بِهِ، فَقُمْتُ نَحْوَهُ فَحَكَكْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ
اَلرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ [اَلْعِرَاقِ، فَقَالَ: مِنْ أَيِّ]
اَلْعِرَاقِ؟ قُلْتُ: مِنَ اَلْأَهْوَازِ، فَقَالَ لِي: تَعْرِفُ [أَتَعْرِفُ]
بِهَا اَلخَصِيبَ؟ فَقُلْتُ: رَحِمَهُ اَللهُ، دُعِيَ فَأَجَابَ، فَقَالَ: رَحِمَهُ
اَللهُ، فَمَا كَانَ أَطْوَلَ لَيْلَتَهُ وَأَكْثَرَ تَبَتُّلَهُ وَأَغْزَرَ
دَمْعَتَهُ، أَفَتَعْرِفُ عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ اَلمَازِيَارِ؟ فَقُلْتُ:
أَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اَللهُ أَبَا اَلحَسَنِ، مَا
فَعَلْتَ بِالْعَلَامَةِ اَلَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلحَسَنِ
بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)؟ فَقُلْتُ: مَعِي، قَالَ: أَخْرِجْهَا، فَأَدْخَلْتُ
يَدِي فِي جَيْبِي فَاسْتَخْرَجْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ رَآهَا لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ
تَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، وَبَكَى مُنْتَحِباً حتَّى بَلَّ
أَطْمَارَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُذِنَ لَكَ اَلْآنَ يَا اِبْنَ مَازِيَارَ، صِرْ إِلَى
رَحْلِكَ وَكُنْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِكَ حتَّى إِذَا لَبِسَ اَللَّيْلُ
جِلْبَابَهُ وَغَمَرَ اَلنَّاسَ ظَلَامُهُ سِرْ إِلَى شِعْبِ بَنِي عَامِرٍ،
فَإِنَّكَ سَتَلْقَانِي هُنَاكَ، فَسِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَلَمَّا أَنْ
أَحْسَسْتُ بِالْوَقْتِ أَصْلَحْتُ رَحْلِي وَقَدَّمْتُ رَاحِلَتِي
وَعَكَمْتُهُ(٦٨٦) شَدِيداً، وَحَمَلْتُ وَصِرْتُ فِي مَتْنِهِ، وَأَقْبَلْتُ
مُجِدًّا فِي اَلسَّيْرِ حتَّى وَرَدْتُ اَلشِّعْبَ، فَإِذَا أَنَا بِالْفَتَى
قَائِمٌ يُنَادِي: يَا أَبَا اَلحَسَنِ إِلَيَّ، فَمَا زِلْتُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا
قَرُبْتُ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ وَقَالَ لِي: سِرْ بِنَا يَا أَخِي، فَمَا زَالَ
يُحَدِّثُنِي وَأُحَدِّثُهُ حتَّى تَخَرَّقْنَا(٦٨٧) جِبَالَ عَرَفَاتٍ، وَسِرْنَا
إِلَى جِبَالِ مِنًى، وَاِنْفَجَرَ اَلْفَجْرُ اَلْأَوَّلُ وَنَحْنُ قَدْ
تَوَسَّطْنَا جِبَالَ اَلطَّائِفِ.
فَلَمَّا أَنْ كَانَ هُنَاكَ أَمَرَنِي بِالنُّزُولِ، وَقَالَ لِي: اِنْزِلْ
فَصَلِّ صَلَاةَ اَللَّيْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨٦) معنى العكم
التشديد، أي جمع متاعه وهيَّئه للحركة.
(٦٨٧) أي قطعنا.
فَصَلَّيْتُ،
وَأَمَرَنِي بِالْوَتْرِ فَأَوْتَرْتُ، وَكَانَتْ فَائِدَةً مِنْهُ، ثُمَّ
أَمَرَنِي بِالسُّجُودِ وَاَلتَّعْقِيبِ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَرَكِبَ
وَأَمَرَنِي بِالرُّكُوبِ، وَسَارَ وَسِرْتُ مَعَهُ حتَّى عَلَا ذِرْوَةَ
اَلطَّائِفِ، فَقَالَ: هَلْ تَرَى شَيْئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَرَى كَثِيبَ رَمْلٍ
عَلَيْهِ بَيْتُ شَعْرٍ يَتَوَقَّدُ اَلْبَيْتُ نُوراً.
فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُهُ طَابَتْ نَفْسِي، فَقَالَ لِي: هُنَاكَ اَلْأَمَلُ
وَاَلرَّجَاءُ، ثُمَّ قَالَ: سِرْ بِنَا يَا أَخِي، فَسَارَ وَسِرْتُ بِمَسِيرِهِ
إِلَى أَنِ اِنْحَدَرَ مِنَ اَلذِّرْوَةِ وَسَارَ فِي أَسْفَلِهِ، فَقَالَ:
اِنْزِلْ، فَهَاهُنَا يَذِلُّ كُلُّ صَعْبٍ، وَيَخْضَعُ كُلُّ جَبَّارٍ، ثُمَّ
قَالَ: خَلِّ عَنْ زِمَامِ اَلنَّاقَةِ، قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ أُخَلِّفُهَا؟
فَقَالَ: حَرَمُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا
يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَخَلَّيْتُ مِنْ زِمَامِ رَاحِلَتِي، وَسَارَ
وَسِرْتُ مَعَهُ إِلَى أَنْ دَنَا مِنْ بَابِ اَلْخِبَاءِ، فَسَبَقَنِي
بِالدُّخُولِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقِفَ حتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ لِي:
اُدْخُلْ هَنَأَكَ اَلسَّلَامَةُ.
فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِهِ جَالِسٌ، قَدِ اِتَّشَحَ بِبُرْدِهِ وَاِتَّزَرَ
بِأُخْرَى، وَقَدْ كَسَرَ بُرْدَتَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ كَأُقْحُوَانَةِ
أُرْجُوَانٍ قَدْ تَكَاثَفَ عَلَيْهَا اَلنَّدَى وَأَصَابَهَا أَلَمُ اَلهَوَى،
وَإِذَا هُوَ كَغُصْنِ بَانٍ أَوْ قَضِيبِ رَيْحَانٍ، سَمْحٌ سَخِيٌّ تَقِيٌّ
نَقِيٌّ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ اَلشَّامِخِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ اَللَّازِقِ، بَلْ
مَرْبُوعُ اَلْقَامَةِ، مُدَوَّرُ اَلهَامَةِ، صَلْتُ اَلجَبِينِ، أَزَجُّ
اَلحَاجِبَيْنِ، أَقْنَى اَلْأَنْفِ، سَهْلُ اَلخَدَّيْنِ، عَلَى خَدِّهِ
اَلْأَيْمَنِ خَالٌ كَأَنَّهُ فُتَاتُ مِسْكٍ عَلَى رَضْرَاضَةِ عَنْبَرٍ.
فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُهُ بَدْأَتُهُ بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ عَلَيَّ أَحْسَنَ مَا
سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَشَافَهَنِي وَسَأَلَنِي عَنْ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ، فَقُلْتُ:
سَيِّدِي، قَدْ أُلْبِسُوا جِلْبَابَ اَلذِّلَّةِ، وَهُمْ بَيْنَ اَلْقَوْمِ
أَذِلَّاءُ، فَقَالَ لِي: «يَا اِبْنَ اَلمَازِيَارِ، لَتَمْلِكُونَهُمْ كَمَا
مَلَكُوكُمْ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَذِلَّاءُ»، فَقُلْتُ: سَيِّدِي، لَقَدْ بَعُدَ
اَلْوَطَنُ وَطَالَ اَلمَطْلَبُ، فَقَالَ: «يَا اِبْنَ اَلمَازِيَارِ، [أَبِي]
أَبُو مُحَمَّدٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُجَاوِرَ قَوْماً غَضِبَ اَللهُ
عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَلَـهُمُ اَلْخِزْيُ فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ
وَلَـهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْكُنَ مِنَ اَلْجِبَالِ إِلَّا
وَعْرَهَا، وَمِنَ
اَلْبِلَادِ إِلَّا عَفْرَهَا [قفرها]، وَاَللهُ مَوْلَاكُمْ أَظْهَرَ
اَلتَّقِيَّةَ فَوَكَلَهَا بِي، فَأَنَا فِي اَلتَّقِيَّةِ إِلَى يَوْمٍ يُؤْذَنُ
لِي فَأَخْرُجُ»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، مَتَى يَكُونُ هَذَا اَلْأَمْرُ؟
فَقَالَ: «إِذَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ سَبِيلِ اَلْكَعْبَةِ، وَاِجْتَمَعَ
اَلشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ، وَاِسْتَدَارَ بِهِمَا اَلْكَوَاكِبُ وَاَلنُّجُومُ»،
فَقُلْتُ: مَتَى، يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله؟ فَقَالَ لِي: «فِي سَنَةِ كَذَا
وَكَذَا تَخْرُجُ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ [مِنْ] بَيْنِ اَلصَّفَا وَاَلمَرْوَةِ،
وَمَعَهُ عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، يَسُوقُ اَلنَّاسَ إِلَى
اَلمَحْشَرِ».
قَالَ: فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ أَيَّاماً، وَأَذِنَ لِي بِالخُرُوجِ بَعْدَ أَنِ
اِسْتَقْصَيْتُ لِنَفْسِي، وَخَرَجْتُ نَحْوَ مَنْزِلِي، وَاَلله لَقَدْ سِرْتُ
مِنْ مَكَّةَ إِلَى اَلْكُوفَةِ وَمَعِي غُلَامٌ يَخْدُمُنِي، فَلَمْ أَرَ إِلَّا
خَيْراً، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - التلعكبري: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٣ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٤ - عليُّ بن الحسين: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١١١).
٥ - رجل من أهل قزوين: مجهول.
٦ - حبيب بن محمّد بن يونس بن شاذان الصنعاني: مهمل.
٧ - عليُّ بن إبراهيم بن مهزيار: لم نعثر على وجه توثيق له سوى رواية تشرُّفه
بالناحية، وفي أصلها كلام.
وهو غير الثقة من أصحاب الإمام الجواد والهادي (عليهما السلام).
قال السيِّد الخوئي
(قدّس سرّه): (إنَّك قد عرفت إدراك عليِّ بن مهزيار ثلاثة من الأئمَّة: الرضا،
والجواد، والهادي (عليهم السلام)، ولكن روى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى،
عمَّن حدَّثه، عن إبراهيم بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) أنَّ
مولاك عليَّ بن مهزيار أوصى أنْ يُحَجَّ عنه من ضيعة صيَّر ربعها لك... الحديث.
الكافي: الجزء ٤، باب بعد باب الحجِّ عن المخالف، من كتاب الحجِّ ٦٥، الحديث ١.
ويظهر من هذه الرواية أنَّه بقي إلى زمان العسكري (عليه السلام)، ومات في حياته،
لكن الرواية ضعيفة، ولا أقلَّ من جهة الإرسال، فبقاء عليِّ بن مهزيار إلى زمان
العسكري (عليه السلام) لا أساس له. ومن الغريب أنَّ بعضهم توهَّم بقاءه إلى زمان
الغيبة أيضاً، وذلك بتخيُّل أنَّ عليَّ بن مهزيار، هو عليُّ بن إبراهيم بن مهزيار
المتقدِّم الذي تشرَّف بخدمة الإمام الحجَّة (سلام الله عليه)، وهذا التوهُّم
بمكانٍ من الفساد، فإنَّك قد عرفت أنَّ قصَّة تشرُّف عليِّ بن مهزيار بخدمة
الإمام (عليه السلام) غير ثابتة، وعلى تقدير الثبوت فهو ابن مهزيار، لا نفسه، وقد
صرَّح الصدوق في المشيخة، والنجاشي، والشيخ، في ذكر طريقهما بأنَّ إبراهيم بن
مهزيار أخو عليَّ بن مهزيار)(٦٨٨).
رواية: خبر نسيم:
الحديث (٢٢٩): وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
قُولَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ اَلْكُلَيْنِيِّ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ بَعْضِ جَلَاوِزَةِ اَلسَّوَادِ، قَالَ: شَهِدْتُ
نَسِيماً(٦٨٩) آنِفاً بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَقَدْ كَسَرَ بَابَ اَلدَّارِ، فَخَرَجَ
إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ طَبَرْزِينٌ، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُ فِي دَارِي؟»، قَالَ
[نَسِيمٌ]: إِنَّ جَعْفَراً زَعَمَ أَنَّ أَبَاكَ مَضَى وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَإِنْ
كَانَتْ دَارَكَ فَقَدِ اِنْصَرَفْتُ عَنْكَ، فَخَرَجَ عَنِ اَلدَّارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨٨) معجم رجال الحديث
(ج ١٣/ ص ٢١٢/ الرقم ٨٥٥٣).
(٦٨٩) قوله: (شهدت نسيماً)، هكذا في نُسَخ الكتاب، ولكن في الكافي: (سيماء) بدون
نون، وكذا في شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ٦/ ص ٢٣٥)، قال: (هو واحد من عبيد
جعفر الكذَّاب).
قَالَ عَلِيُّ بْنُ
قَيْسٍ: فَقَدِمَ عَلَيْنَا غُلَامٌ مِنْ خُدَّامِ اَلدَّارِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ
هَذَا اَلخَبَرِ، فَقَالَ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي بَعْضُ
جَلَاوِزَةِ اَلسَّوَادِ، فَقَالَ لِي: لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى اَلنَّاسِ
شَيْءٌ.
تخريج الحديث:
لم نعثر على الحديث في المصادر الأسبق من (الغيبة) سوى في:
الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٩٠).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - جعفر بن محمّد بن قولويه: طبقته في الحديث العاشرة، وجوه توثيقه عديدة: كثير
الرواية، صاحب كُتُب، توثيق الشيخ النجاشي (رحمه الله) له بأعلى درجات التوثيق، حيث
قال: (وكلُّ ما يُوصَف به الناس من جميل، وثقة، وفقه، فهو فوقه)(٦٩١)، شيخ إجازة،
رواية الأجلَّاء عنه، صاحب كتاب (كامل الزيارات)، وغير ذلك الكثير.
ب - غيره: لا نعرفه.
٣ - محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - عليُّ بن قيس: مهمل.
٥ - بعض جلاوزة السواد: مجهول.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩٠) الكافي (ج ١/ ص
٣٣١ و٣٣٢/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ١١).
(٦٩١) رجال النجاشي (ص ١٢٣/ الرقم ٣١٨).
نتناول فيه: روايات
مَنِ التقى بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، وتقدَّم عدَّة روايات، ووصل الكلام
إلى:
رواية: (رأيته بين المسجدين):
الحديث (٢٣٠): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ اِبْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، وَكَانَ
أَسَنَّ شَيْخٍ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، قَالَ:
(رَأَيْتُهُ بَيْنَ اَلمَسْجِدَيْنِ(٦٩٣) وَهُوَ غُلَامٌ).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٩٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩٢) (شوَّال/
١٤٤٦هـ).
(٦٩٣) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٣): (لعلَّ
المراد بالمسجدين مسجدي: مكَّة والمدينة).
(٦٩٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٠/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ٢).
٢ - الإرشاد للشيخ
المفيد (قدّس سرّه)(٦٩٥).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - جعفر بن محمّد بن قولويه: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٢٩).
ب - غيره: لا نعرفه.
٣ - محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٣ - عليُّ بن محمّد (عليُّ بن محمّد بن أبي القاسم بندار): تقدَّمت ترجمته في
الحديث (٢٠٢).
٤ - محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليه السلام): لم يذكروه.
رواية: (وقبض على كتاب مناسكه):
الحديث (٢٣١): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ خَادِمٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَةَ
اَلنَّيْسَابُورِيِّ، قَالَ: (كُنْتُ وَاقِفاً مَعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى اَلصَّفَا،
فَجَاءَ غُلَامٌ حتَّى وَقَفَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَقَبَضَ عَلَى كِتَابِ
مَنَاسِكِهِ وَحَدَّثَهُ بِأَشْيَاءَ).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٩٦).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٩٧).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - جعفر بن محمّد بن قولويه: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٢٩).
ب - غيره: لا نعرفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩٥) الإرشاد (ج ٢/ ص
٣٥١).
(٦٩٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ٦).
(٦٩٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢).
٣ - محمّد بن يعقوب
الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - عليُّ بن محمّد بن بندار: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
٥ - محمّد بن شاذان بن نعيم: ورد فيه بعض الروايات التي قد تدلُّ على حسنه.
٦ - خادم إبراهيم بن عبدة النيسابوري: مهمل.
رواية: (رأيته بعد مضيِّ أبي
محمّد (عليه السلام) حين أيفع، وقبَّلت يديه ورأسه):
الحديث (٢٣٢): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ:
(رَأَيْتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حِينَ أَيْفَعَ،
وَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ).
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٦٩٨).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٦٩٩).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - جعفر بن محمّد بن قولويه: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٢٩).
ب - غيره: لا نعرفه.
٣ - محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩٨) الكافي (ج ١/ ص
٣٣١/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ٨).
(٦٩٩) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٣).
٣ - أحمد بن إبراهيم بن
إدريس: مهمل.
٤ - إبراهيم بن إدريس: طبقته في الحديث الثامنة، وورد في حقِّه بعض ما قد يدلُّ على
مدحه.
رواية: رأيته ووصف قدَّه:
الحديث (٢٣٣): وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ مُطَهَّرٍ، قَالَ:
(رَأَيْتُهُ)، وَوَصَفَ قَدَّهُ.
تخريج الحديث:
رُوِيَ الحديث المتقدِّم في عدَّة مصادر أسبق من (الغيبة)، منها:
١ - الكافي للشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٧٠٠).
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)(٧٠١).
البحث السندي:
١ - جماعة: تقدَّم في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - جعفر بن محمّد بن قولويه: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٢٩).
ب - غيره: لا نعرفه.
٣ - محمّد بن يعقوب الكليني: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٤ - عليُّ بن محمّد بن بندار: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٠٢).
٥ - فتح مولى الزراري: مهمل.
٦ - أبو عليٍّ بن مطهَّر (أحمد بن محمّد): مهمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠٠) الكافي (ج ١/ ص
٣٣١/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ٥).
(٧٠١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢).
رواية: فقلت له: ومَنْ أنت؟
قال: «أنا محمّد بن الحسن»:
الحديث (٢٣٤): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَحْمَدَ بْنِ
أَبِي سُورَةَ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ اَلحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلتَّمِيمِيُّ
- وَكَانَ زَيْدِيًّا -، قَالَ: سَمِعْتُ هَذِهِ اَلْحِكَايَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ
يَرْوُونَهَا عَنْ أَبِي (رحمه الله) أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى اَلحَيْرِ، قَالَ:
فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى اَلحَيْرِ إِذَا شَابٌّ حَسَنُ اَلْوَجْهِ يُصَلِّي، ثُمَّ
إِنَّهُ وَدَّعَ وَوَدَّعْتُ، وَخَرَجْنَا فَجِئْنَا إِلَى اَلمَشْرَعَةِ، فَقَالَ
لِي: «يَا أَبَا سُورَةَ، أَيْنَ تُرِيدُ؟»، فَقُلْتُ: اَلْكُوفَةَ، فَقَالَ لِي:
«مَعَ مَنْ؟»، قُلْتُ: مَعَ اَلنَّاسِ، قَالَ لِي: «لَا تُرِيدُ نَحْنُ جَمِيعاً
نَمْضِي؟»، قُلْتُ: وَمَنْ مَعَنَا؟ فَقَالَ: «لَيْسَ نُرِيدُ مَعَنَا أَحَداً»،
قَالَ: فَمَشَيْنَا لَيْلَتَنَا، فَإِذَا نَحْنُ عَلَى مَقَابِرِ مَسْجِدِ
اَلسَّهْلَةِ، فَقَالَ لِي: «هُوَ ذَا مَنْزِلُكَ، فَإِنْ شِئْتَ فَامْضِ»، ثُمَّ
قَالَ لِي: «تَمُرُّ إِلَى اِبْنِ اَلزُّرَارِيِّ [الدراري] عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى،
فَتَقُولُ لَهُ يُعْطِيكَ اَلمَالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ»، فَقُلْتُ لَهُ: لَا
يَدْفَعُهُ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: «قُلْ لَهُ: بِعَلَامَةِ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا
دِينَاراً، وَكَذَا وَكَذَا دِرْهَماً، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا،
وَعَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا مُغَطًّى»، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ اَلحَسَنِ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنِّي وَطُولِبْتُ
بِالدِّلَالَةِ؟ فَقَالَ: «أَنَا وَرَاكَ»، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى اِبْنِ
اَلزُّرَارِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ، فَدَفَعَنِي، فَقُلْتُ لَهُ [اَلْعَلَامَاتِ
اَلَّتِي قَالَ لِي، وَقُلْتُ لَهُ]: قَدْ قَالَ لِي: «أَنَا وَرَاكَ»، فَقَالَ:
لَيْسَ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ، وَقَالَ: لَمْ يَعْلَمْ بِهَذَا إِلَّا اَللهُ
تَعَالَى، وَدَفَعَ إِلَيَّ اَلمَالَ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - أبو ذرٍّ أحمد بن أبي سورة: مهمل.
٣ - جماعة: لا نعرفهم.
٤ - أبو سورة (محمّد بن الحسن بن عبد الله التميمي): مهمل.
رواية: «ادفع إلى أبي سورة»:
الحديث (٢٣٥): وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ أَبُو سُورَةَ:
فَسَأَلَنِي اَلرَّجُلُ عَنْ حَالِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِضِيقِي [بصنعتي]
وَبِعَيْلَتِي، فَلَمْ يَزَلْ يُمَاشِينِي حتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى
اَلنَّوَاوِيسِ فِي اَلسَّحَرِ، فَجَلَسْنَا، ثُمَّ حَفَرَ بِيَدِهِ، فَإِذَا
اَلمَاءُ قَدْ خَرَجَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ
قَالَ [لِي]: «اِمْضِ إِلَى أَبِي اَلحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى، فَاقْرَأْ
عَلَيْهِ اَلسَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ اَلرَّجُلُ: اِدْفَعْ إِلَى أَبِي
سُورَةَ مِنَ اَلسَّبْعِ مِائَةِ دِينَارٍ اَلَّتِي مَدْفُونَةٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا
وَكَذَا مِائَةَ دِينَارٍ»، وَإِنِّي مَضَيْتُ مِنْ سَاعَتِي إِلَى مَنْزِلِهِ،
فَدَقَقْتُ اَلْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: قَوْلِي لِأَبِي اَلحَسَنِ:
هَذَا أَبُو سُورَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا لِي وَلِأَبِي سُورَةَ؟ ثُمَّ
خَرَجَ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ اَلخَبَرَ، فَدَخَلَ
وَأَخْرَجَ إِلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ، فَقَبَضْتُهَا، فَقَالَ لِي: صَافَحْتَهُ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَخَذَ يَدِي فَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَمَسَحَ بِهَا
وَجْهَهُ.
قال أحمد بن عليٍّ: وقد رُوِيَ هذا الخبر عن محمّد بن عليٍّ الجعفري وعبد الله ابن
الحسن بن بشر الخزَّاز وغيرهما، وهو مشهور عندهم.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
للحديث سندان:
رجال السند الأوَّل:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - أبو ذرٍّ أحمد بن
أبي سورة: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٢٣٤).
٣ - جماعة: لا نعرفهم.
٤ - أبو سورة (محمّد بن الحسن بن عبد الله التميمي): تقدَّمت ترجمته في الحديث
(٢٣٤).
رجال السند الثاني، الذي ذكره (قدّس سرّه) في ذيل الخبر:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - في هذه الطبقة جماعة، هم:
أ - محمّد بن عليٍّ الجعفري: مهمل.
ب - عبد الله بن الحسن بن بشر الخزَّاز: مهمل.
ج - غيرهما: لا نعرفهم.
رواية: (طلبت هذا الأمر طلباً
شاقًّا حتَّى ذهب لي فيه مال صالح):
الحديث (٢٣٦): وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ رَفَعَهُ، عَنِ اَلزَّهَرِيِّ،
قَالَ: طَلَبْتُ هَذَا اَلْأَمْرَ طَلَباً شَاقًّا حتَّى ذَهَبَ لِي فِيهِ مَالٌ
صَالِحٌ، فَوَقَعْتُ إِلَى اَلْعَمْرِيِّ وَخَدَمْتُهُ وَلَزِمْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ
بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، فَقَالَ لِي: لَيْسَ إِلَى
ذَلِكَ وُصُولٌ، فَخَضَعْتُ، فَقَالَ لِي: بَكِّرْ بِالْغَدَاةِ، فَوَافَيْتُ
[فوافقت]، فَاسْتَقْبَلَنِي وَمَعَهُ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ اَلنَّاسِ وَجْهاً،
وَأَطْيَبِهِمْ رَائِحَةً بِهَيْأَةِ اَلتُّجَّارِ، وَفِي كُمِّهِ شَيْءٌ
كَهَيْأَةِ اَلتُّجَّارِ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ دَنَوْتُ مِنَ اَلْعَمْرِيِّ،
فَأَوْمَأَ إِلَيَّ، فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ، فَأَجَابَنِي عَنْ كُلِّ
مَا أَرَدْتُ، ثُمَّ مَرَّ لِيَدْخُلَ اَلدَّارَ - وَكَانَتْ مِنَ اَلدُّورِ
اَلَّتِي لَا يُكْتَرَثُ لَـهَا -، فَقَالَ اَلْعَمْرِيُّ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ
تَسْأَلَ سَلْ، فَإِنَّكَ لَا تَرَاهُ بَعْدَ ذَا، فَذَهَبْتُ لِأَسْأَلَ، فَلَمْ
يَسْمَعْ وَدَخَلَ اَلدَّارَ، وَمَا كَلَّمَنِي بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ:
«مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَخَّرَ اَلْعِشَاءَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ اَلنُّجُومُ،
مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَخَّرَ اَلْغَدَاةَ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ اَلنُّجُومُ»،
وَدَخَلَ اَلدَّارَ.
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - محمّد بن يعقوب: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٧).
٢ - الزهري: مهمل.
رواية: «يا عقيد، أغل لي ماءً
بمصطكي»:
الحديث (٢٣٧): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّازِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ،
عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَاقَانَ اَلدِّهْقَانِ، عَنْ أَبِي
سُلَيْمَانَ دَادِ بْنِ غَسَّانَ [عنان] اَلْبَحْرَانِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
أَبِي سَهْلٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ اَلنَّوْبَخْتِيِّ، [قَالَ]: مَوْلِدُ
مُحَمَّدِ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا بْنِ
مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ اَلصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ اِبْنِ
اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِمْ
أَجْمَعِينَ): وُلِدَ (عليه السلام) بِسَامِرَّاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ
وَمِائَتَيْنِ، أُمُّهُ صَقِيلُ، وَيُكَنَّى أَبَا اَلْقَاسِمِ، بِهَذِهِ
اَلْكُنْيَةِ أَوْصَى اَلنَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أَنَّهُ قَالَ: «اِسْمُهُ
[اِسْمِي] كَاسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي»، لَقَبُهُ اَلمَهْدِيُّ، وَهُوَ
اَلحُجَّةُ، وَهُوَ اَلمُنْتَظَرُ، وَهُوَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ (عليه السلام).
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اَلحَسَنِ بْنِ
عَلِيٍّ (عليهما السلام) فِي اَلمَرْضَةِ اَلَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَأَنَا عِنْدَهُ
إِذْ قَالَ لِخَادِمِهِ عَقِيدٍ - وَكَانَ اَلخَادِمُ أَسْوَدَ نُوبِيًّا قَدْ
خَدَمَ مِنْ قَبْلِهِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رَبَّى اَلحَسَنَ (عليه
السلام) -، فَقَالَ [لَهُ]: «يَا عَقِيدُ، أَغْلِ لِي مَاءً بِمُصْطَكِيِّ»،
فَأَغْلَى لَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ صَقِيلُ اَلجَارِيَةُ أُمُّ اَلخَلَفِ (عليه
السلام)، فَلَمَّا صَارَ اَلْقَدَحُ فِي يَدَيْهِ وَهَمَّ بِشُرْبِهِ فَجَعَلَتْ
يَدُهُ تَرْتَعِدُ حتَّى ضَرَبَ اَلْقَدَحَ ثَنَايَا اَلحَسَنِ (عليه السلام)،
فَتَرَكَهُ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ لِعَقِيدٍ: «اُدْخُلِ اَلْبَيْتَ، فَإِنَّكَ تَرَى
صَبِيًّا سَاجِداً، فَأْتِنِي بِهِ». قَالَ أَبُو سَهْلٍ: قَالَ عَقِيدٌ:
فَدَخَلْتُ أَتَحَرَّى، فَإِذَا أَنَا بِصَبِيٍّ
سَاجِدٍ رَافِعٍ
سَبَّابَتَهُ نَحْوَ اَلسَّمَاءِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَوْجَزَ فِي صَلَاتِهِ،
فَقُلْتُ: إِنَّ سَيِّدِي يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إِلَيْهِ، إِذَا جَاءَتْ أُمُّهُ
صَقِيلُ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَتْهُ إِلَى أَبِيهِ اَلحَسَنِ (عليه
السلام).
قَالَ أَبُو سَهْلٍ: فَلَمَّا مَثُلَ اَلصَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ، وَإِذَا
هُوَ دُرِّيُّ اَللَّوْنِ، وَفِي شَعْرِ رَأْسِهِ قَطَطٌ، مُفَلَّجُ اَلْأَسْنَانِ،
فَلَمَّا رَآهُ اَلحَسَنُ (عليه السلام) بَكَى وَقَالَ: «يَا سَيِّدَ أَهْلِ
بَيْتِهِ، اِسْقِنِي اَلمَاءَ فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي»، وَأَخَذَ
اَلصَّبِيُّ اَلْقَدَحَ اَلمَغْلِيَّ بِالمُصْطُكِيِّ بِيَدِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ
شَفَتَيْهِ، ثُمَّ سَقَاهُ، فَلَمَّا شَرِبَهُ قَالَ: «هَيِّئُونِي لِلصَّلَاةِ»،
فَطُرِحَ فِي حَجْرِهِ مِنْدِيلٌ، فَوَضَّأَهُ اَلصَّبِيُّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً،
وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدَمَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه
السلام): «أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ، فَأَنْتَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ، وَأَنْتَ
اَلمَهْدِيُّ، وَأَنْتَ حُجَّةُ اَلله عَلَى [في] أَرْضِهِ، وَأَنْتَ وَلَدِي
وَوَصِيِّي وَأَنَا وَلَدْتُكَ، وَأَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)،
وَلَدَكَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، وَأَنْتَ خَاتَمُ
[اَلْأَوْصِيَاءِ] اَلْأَئِمَّةِ اَلطَّاهِرِينَ، وَبَشَّرَ بِكَ رَسُولُ اَلله
(صلَّى الله عليه وآله)، وَسَمَّاكَ وَكَنَّاكَ، وَبِذَلِكَ عَهِدَ إِلَيَّ أَبِي
عَنْ آبَائِكَ اَلطَّاهِرِينَ، صَلَّى اَللهُ عَلَى أَهْلِ اَلْبَيْتِ رَبُّنَا
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَمَاتَ اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ وَقْتِهِ
(صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ).
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - محمّد بن عليٍّ: تقدَّمت ترجمته في الحديث (١٤٢).
٣ - عبد الله بن محمّد بن خاقان الدهقان: مهمل.
٤ - أبو سليمان داد بن
غسَّان: مهمل.
٥ - إسماعيل بن عليٍّ النوبختي: طبقته في الحديث العاشرة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
جلالة قدره، صاحب كُتُب، شيخ المتكلِّمين، توثيق شيخ الطائفة (قدّس سرّه) والشيخ
النجاشي (رحمه الله) له.
* * *
نتناول فيه: روايات
مَنِ التقى بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، وتقدَّم عدَّة روايات، ووصل الكلام
إلى:
رواية: دار خديجة (رضي الله
عنها) التي تُسمَّى دار الرضا (عليه السلام):
الحديث (٢٣٨): عَنْهُ، عَنْ أَبِي اَلحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ
اَلْأَسَدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي اَلحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ
اَلْأَشْعَرِيُّ اَلْقُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ
اَلضَّرَّابُ اَلْغَسَّانِيُّ - فِي مُنْصَرَفِهِ مِنْ أَصْفَهَانَ -، قَالَ:
حَجَجْتُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكُنْتُ مَعَ قَوْمٍ
مُخَالِفِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَقَدَّمَ
بَعْضُهُمْ، فَاكْتَرَى لَنَا دَاراً فِي زُقَاقٍ بَيْنَ سُوقِ اَللَّيْلِ، وَهِيَ
دَارُ خَدِيجَةَ (عليها السلام)، تُسَمَّى دَارَ اَلرِّضَا (عليه السلام)، وَفِيهَا
عَجُوزٌ سَمْرَاءُ، فَسَأَلْتُهَا - لَـمَّا وَقَفْتُ عَلَى أَنَّهَا دَارُ
اَلرِّضَا (عليه السلام) -: مَا تَكُونِينَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ اَلدَّارِ؟
وَلِمَ سُمِّيَتْ دَارَ اَلرِّضَا؟ فَقَالَتْ: أَنَا مِنْ مَوَالِيهِمْ، وَهَذِهِ
دَارُ اَلرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عليهما السلام)، أَسْكَنِيهَا [اسكننيها]
اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَإِنِّي كُنْتُ مِنْ خَدَمِهِ.
فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْهَا أَنِسْتُ بِهَا، وَأَسْرَرْتُ اَلْأَمْرَ عَنْ
رُفَقَائِيَ اَلمُخَالِفِينَ، فَكُنْتُ إِذَا اِنْصَرَفْتُ مِنَ اَلطَّوَافِ
بِاللَّيْلِ أَنَامُ مَعَهُمْ فِي رِوَاقٍ فِي اَلدَّارِ، وَنُغْلِقُ اَلْبَابَ
وَنُلْقِي خَلْفَ اَلْبَابِ حَجَراً كَبِيراً كُنَّا نُدِيرُ خَلْفَ اَلْبَابِ.
فَرَأَيْتُ غَيْرَ لَيْلَةٍ ضَوْءَ اَلسِّرَاجِ فِي اَلرِّوَاقِ اَلَّذِي كُنَّا
فِيهِ شَبِيهاً بِضَوْءِ اَلمَشْعَلِ، وَرَأَيْتُ اَلْبَابَ قَدِ اِنْفَتَحَ وَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠٢) (شوَّال/ ١٤٤٦هـ).
أَرَى أَحَداً فَتَحَهُ
مِنْ أَهْلِ اَلدَّارِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً رَبْعَةً، أَسْمَرَ إِلَى اَلصُّفْرَةِ،
مَا هُوَ قَلِيلَ اَللَّحْمِ، فِي وَجْهِهِ سَجَّادَةٌ، عَلَيْهِ قَمِيصَانِ،
وَإِزَارٌ رَقِيقٌ قَدْ تَقَنَّعَ بِهِ، وَفِي رِجْلِهِ نَعْلٌ طَاقٌ(٧٠٣)،
فَصَعِدَ إِلَى اَلْغُرْفَةِ فِي اَلدَّارِ حَيْثُ كَانَتِ اَلْعَجُوزُ تَسْكُنُ.
وَكَانَتْ تَقُولُ لَنَا: إِنَّ فِي اَلْغُرْفَةِ اِبْنَةً، لَا تَدَعُ أَحَداً
يَصْعَدُ إِلَيْهَا، فَكُنْتُ أَرَى اَلضَّوْءَ اَلَّذِي رَأَيْتُهُ يُضِيءُ فِي
اَلرِّوَاقِ عَلَى اَلدَّرَجَةِ عِنْدَ صُعُودِ اَلرَّجُلِ إِلَى اَلْغُرْفَةِ
اَلَّتِي يَصْعَدُهَا، ثُمَّ أَرَاهُ فِي اَلْغُرْفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَرَى
اَلسِّرَاجَ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ اَلَّذِينَ مَعِي يَرَوْنَ مِثْلَ مَا أَرَى،
فَتَوَهَّمُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا اَلرَّجُلُ يَخْتَلِفُ إِلَى اِبْنَةِ
اَلْعَجُوزِ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَتَّعَ بِهَا، فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ
اَلْعَلَوِيَّةُ يَرَوْنَ اَلمُتْعَةَ، وَهَذَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ فِيمَا
زَعَمُوا.
وَكُنَّا نَرَاهُ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ، وَنَجِيءُ(٧٠٤) إِلَى اَلْبَابِ وَإِذَا
اَلحَجَرُ عَلَى حَالِهِ اَلَّذِي تَرَكْنَاهُ، وَكُنَّا نُغْلِقُ هَذَا اَلْبَابَ
خَوْفاً عَلَى مَتَاعِنَا، وَكُنَّا لَا نَرَى أَحَداً يَفْتَحُهُ وَلَا
يُغْلِقُهُ، وَاَلرَّجُلُ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَاَلحَجَرُ خَلْفَ اَلْبَابِ إِلَى
وَقْتِ نُنَحِّيهِ إِذَا خَرَجْنَا.
فَلَمَّا رَأَيْتُ هَذِهِ اَلْأَسْبَابَ ضَرَبَ عَلَى قَلْبِي، وَوَقَعَتْ فِي
قَلْبِي فِتْنَةٌ، فَتَلَطَّفْتُ اَلْعَجُوزَ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَقِفَ عَلَى
خَبَرِ اَلرَّجُلِ، فَقُلْتُ لَـهَا: يَا فُلَانَةُ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ
أَسْأَلَكِ وَأُفَاوِضَكِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ مَنْ مَعِي فَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ،
فَأَنَا أُحِبُّ إِذَا رَأَيْتِنِي فِي اَلدَّارِ وَحْدِي أَنْ تَنْزِلِي إِلَيَّ
لِأَسْأَلَكِ عَنْ أَمْرٍ، فَقَالَتْ لِي مُسْرِعَةً: وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسِرَّ
إِلَيْكَ شَيْئاً فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مَنْ مَعَكَ،
فَقُلْتُ: مَا أَرَدْتِ أَنْ تَقُولِي؟ فَقَالَتْ: يَقُولُ لَكَ - وَلَمْ تَذْكُرْ
أَحَداً -: «لَا تُخَاشِنْ أَصْحَابَكَ وَشُرَكَاءَكَ وَلَا تُلَاحِهِمْ،
فَإِنَّهُمْ أَعْدَاؤُكَ، وَدَارِهِمْ»، فَقُلْتُ لَـهَا: مَنْ يَقُولُ؟ فَقَالَتْ:
أَنَا أَقُولُ، فَلَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠٣) قال العلَّامة
المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٢٣): (قوله: (فِي رِجْلِهِ نَعْلٌ
طَاقٌ) أي من غير أنْ يلبس تحته شيئاً من جورب).
(٧٠٤) في نُسَخ (أ، ف، م): (يجيء).
أَجْسُرْ لِمَا دَخَلَ
قَلْبِي مِنَ اَلهَيْبَةِ أَنْ أُرَاجِعَهَا، فَقُلْتُ: أَيَّ أَصْحَابِي
تَعْنِينَ؟ فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تَعْنِي رُفَقَائِيَ اَلَّذِينَ كَانُوا حُجَّاجاً
مَعِي، قَالَتْ: شُرَكَاؤُكَ اَلَّذِينَ فِي بَلَدِكَ وَفِي اَلدَّارِ مَعَكَ،
وَكَانَ جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ اَلَّذِينَ مَعِي فِي اَلدَّارِ عَنَتٌ فِي
اَلدِّينِ، فَسَعَوْا بِي حتَّى هَرَبْتُ وَاِسْتَتَرْتُ بِذَلِكَ اَلسَّبَبِ،
فَوَقَفْتُ عَلَى أَنَّهَا عَنَتْ أُولَئِكَ.
فَقُلْتُ لَـهَا: مَا تَكُونِينَ أَنْتِ مِنَ اَلرِّضَا؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ
خَادِمَةً لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَلَمَّا اِسْتَيْقَنْتُ
ذَلِكَ قُلْتُ: لَأَسْأَلَنَّهَا عَنِ اَلْغَائِبِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ: بِالله
عَلَيْكِ رَأَيْتِهِ بِعَيْنِكِ؟ فَقَالَتْ: يَا أَخِي، لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي،
فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأُخْتِي حُبْلَى وَبَشَّرَنِي اَلحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما
السلام) بِأَنِّي سَوْفَ أَرَاهُ فِي آخِرِ عُمُرِي، وَقَالَ لِي: «تَكُونِينَ لَهُ
كَمَا كُنْتِ لِي»، وَأَنَا اَلْيَوْمَ مُنْذُ كَذَا بِمِصْرَ، وَإِنَّمَا
قُدِّمْتُ اَلْآنَ بِكِتَابِةٍ وَنَفَقَةٍ وَجَّهَ بِهَا إِلَيَّ عَلَى يَدَيْ [يد]
رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَا يُفْصِحُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ
دِينَاراً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ سَنَتِي هَذِهِ، فَخَرَجْتُ رَغْبَةً مِنِّي
فِي أَنْ أَرَاهُ. فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّ اَلرَّجُلَ اَلَّذِي كُنْتُ أَرَاهُ
يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ هُوَ هُوَ.
فَأَخَذْتُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ صِحَاحاً فِيهَا سِتَّةٌ رَضَوِيَّةٌ مِنْ ضَرْبِ
اَلرِّضَا (عليه السلام) قَدْ كُنْتُ خَبَأْتُهَا لِأُلْقِيَهَا فِي مَقَامِ
إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، وَكُنْتُ نَذَرْتُ وَنَوَيْتُ ذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا
إِلَيْهَا وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَدْفَعُهَا إِلَى قَوْمٍ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ
(عليها السلام) أَفْضَلُ مِمَّا أُلْقِيهَا فِي اَلمَقَامِ وَأَعْظَمُ ثَوَاباً،
فَقُلْتُ لَـهَا: اِدْفَعِي هَذِهِ اَلدَّرَاهِمَ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ
وُلْدِ فَاطِمَةَ(عليها السلام)، وَكَانَ فِي نِيَّتِي أَنَّ اَلَّذِي رَأَيْتُهُ
هُوَ اَلرَّجُلُ، وَإِنَّمَا تَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَتِ اَلدَّرَاهِمَ
وَصَعِدَتْ، وَبَقِيَتْ سَاعَةً ثُمَّ نَزَلَتْ، فَقَالَتْ: يَقُولُ لَكَ: «لَيْسَ
لَنَا فِيهَا حَقٌّ، اِجْعَلْهَا فِي اَلمَوْضِعِ اَلَّذِي نَوَيْتَ، وَلَكِنْ
هَذِهِ اَلرَّضَوِيَّةُ خُذْ مِنَّا [مِنْهَا] بَدَلَـهَا وَأَلْقِهَا فِي
اَلمَوْضِعِ اَلَّذِي نَوَيْتَ»، فَفَعَلْتُ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اَلَّذِي
أُمِرْتُ بِهِ عَنِ اَلرَّجُلِ.
ثُمَّ كَانَ مَعِي نُسْخَةُ تَوْقِيعٍ خَرَجَ إِلَى اَلْقَاسِمِ بْنِ اَلْعَلَاءِ
بِآذَرْبِيجَانَ، فَقُلْتُ لَهَا: تَعْرِضِينَ هَذِهِ اَلنُّسْخَةَ عَلَى إِنْسَانٍ
قَدْ رَأَى تَوْقِيعَاتِ اَلْغَائِبِ، فَقَالَتْ: نَاوِلْنِي
فَإِنِّي أَعْرِفُهَا
[أعرفه]، فَأَرَيْتُهَا اَلنُّسْخَةَ، وَظَنَنْتُ أَنَّ اَلمَرْأَةَ تُحْسِنُ أَنْ
تَقْرَأَ، فَقَالَتْ: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَقْرَأَ فِي هَذَا اَلمَكَانِ،
فَصَعِدَتِ اَلْغُرْفَةَ ثُمَّ أَنْزَلَتْهُ، فَقَالَتْ: صَحِيحٌ، وَفِي
اَلتَّوْقِيعِ: «أُبَشِّرُكُمْ بِبُشْرَى مَا بَشَّرْتُ بِهِ [إِيَّاهُ]»،
وَغَيْرَهُ.
ثُمَّ قَالَتْ: يَقُولُ لَكَ: «إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى نَبِيِّكَ (صلَّى الله عليه
وآله) كَيْفَ تُصَلِّي عَلَيْهِ؟»، فَقُلْتُ: أَقُولُ: اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَأَفْضَلِ
مَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ،
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فَقَالَ: «لَا، إِذَا صَلَّيْتَ عَلَيْهِمْ فَصَلِّ
عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وَسَمِّهِمْ»، فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَلَمَّا كَانَتْ مِنَ اَلْغَدِ نَزَلَتْ وَمَعَهَا دَفْتَرٌ صَغِيرٌ، فَقَالَتْ:
يَقُولُ لَكَ: «إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى اَلنَّبِيِّ فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى
أَوْصِيَائِهِ عَلَى هَذِهِ اَلنُّسْخَةِ»، فَأَخَذْتُهَا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ
بِهَا.
وَرَأَيْتُ عِدَّةَ لَيَالٍ قَدْ نَزَلَ مِنَ اَلْغُرْفَةِ وَضَوْءُ اَلسِّرَاجِ
قَائِمٌ، وَكُنْتُ أَفْتَحُ اَلْبَابَ وَأَخْرُجُ عَلَى أَثَرِ اَلضَّوْءِ وَأَنَا
أَرَاهُ - أَعْنِي اَلضَّوْءَ - وَلَا أَرَى أَحَداً حتَّى يَدْخُلَ اَلمَسْجِدَ،
وَأَرَى جَمَاعَةً مِنَ اَلرِّجَالِ مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى يَأْتُونَ بَابَ هَذِهِ
اَلدَّارِ، فَبَعْضُهُمْ يَدْفَعُونَ إِلَى اَلْعَجُوزِ رِقَاعاً مَعَهُمْ،
وَرَأَيْتُ اَلْعَجُوزَ قَدْ دَفَعَتْ إِلَيْهِمْ كَذَلِكَ اَلرِّقَاعَ،
فَيُكَلِّمُونَهَا وَتُكَلِّمُهُمْ وَلَا أَفْهَمُ عَنْهُمْ [عينهم]، وَرَأَيْتُ
مِنْهُمْ فِي مُنْصَرَفِنَا جَمَاعَةً فِي طَرِيقِي إِلَى أَنْ قَدِمْتُ بَغْدَادَ.
نُسْخَةُ اَلدَّفْتَرِ اَلَّذِي خَرَجَ: «بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ،
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ اَلمُرْسَلِينَ، وَخَاتَمِ
اَلنَّبِيِّينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلمُنْتَجَبِ فِي اَلْمِيثَاقِ،
اَلمُصْطَفَى فِي اَلظِّلَالِ، اَلمُطَهَّرِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ، اَلْبَرِيءِ مِنْ
كُلِّ عَيْبٍ، اَلمُؤَمَّلِ لِلنَّجَاةِ، اَلمُرْتَجَى لِلشَّفَاعَةِ، اَلمُفَوَّضِ
إِلَيْهِ دِينُ اَلله، اَللَّهُمَّ شَرِّفْ بُنْيَانَهُ، وَعَظِّمْ بُرْهَانَهُ،
وَأَفْلِجْ حُجَّتَهُ، وَاِرْفَعْ دَرَجَتَهُ، وَأَضِئْ نُورَهُ، وَبَيِّضْ
وَجْهَهُ، وَأَعْطِهِ اَلْفَضْلَ وَاَلْفَضِيلَةَ، وَاَلدَّرَجَةَ وَاَلْوَسِيلَةَ
اَلرَّفِيعَةَ، وَاِبْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً، يَغْبِطُهُ بِهِ اَلْأَوَّلُونَ
وَاَلْآخِرُونَ.
وَصَلِّ عَلَى أَمِيرِ
اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ اَلْغُرِّ اَلمُحَجَّلِينَ،
وَسَيِّدِ اَلْوَصِيِّينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى
اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ،
وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى اَلحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، إِمَامِ
اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ
اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ
عَلِيٍّ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ
اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ،
وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى مُوسَى
بْنِ جَعْفَرٍ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ
اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ،
وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ،
وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، إِمَامِ
اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ
اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ. وَصَلِّ عَلَى اَلخَلَفِ
اَلصَّالِحِ اَلهَادِي اَلمَهْدِيِّ، إِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ
اَلمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، اَلْأَئِمَّةِ اَلهَادِينَ
اَلمَهْدِيِّينَ، اَلْعُلَمَاءِ اَلصَّادِقِينَ، اَلْأَبْرَارِ اَلمُتَّقِينَ،
دَعَائِمِ دِينِكَ، وَأَرْكَانِ تَوْحِيدِكَ، وَتَرَاجِمَةِ وَحْيِكَ، وَحُجَجِكَ
عَلَى خَلْقِكَ، وَخُلَفَائِكَ فِي أَرْضِكَ، اَلَّذِينَ اِخْتَرْتَهُمْ
لِنَفْسِكَ، وَاِصْطَفَيْتَهُمْ عَلَى عِبَادِكَ، وَاِرْتَضَيْتَهُمْ لِدِينِكَ،
وَخَصَصْتَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ، وَجَلَّلْتَهُمْ بِكَرَامَتِكَ، وَغَشَّيْتَهُمْ
بِرَحْمَتِكَ، وَرَبَّيْتَهُمْ بِنِعْمَتِكَ، وَغَذَّيْتَهُمْ بِحِكْمَتِكَ،
وَأَلْبَسْتَهُمْ نُورَكَ، وَرَفَعْتَهُمْ فِي مَلَكُوتِكَ، وَحَفَفْتَهُمْ
بِمَلَائِكَتِكَ، وَشَرَّفْتَهُمْ بِنَبِيِّكَ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِمْ صَلَاةً كَثِيرَةً دَائِمَةً
طَيِّبَةً، لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَسَعُهَا إِلَّا عِلْمُكَ،
وَلَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى وَلِيِّكَ، اَلمُحْيِي سُنَّتَكَ، اَلْقَائِمِ بِأَمْرِكَ،
اَلدَّاعِي إِلَيْكَ، اَلدَّلِيلِ عَلَيْكَ، وَحُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ،
وَخَلِيفَتِكَ فِي أَرْضِكَ، وَشَاهِدِكَ عَلَى عِبَادِكَ.
اَللَّهُمَّ أَعِزَّ
نَصْرَهُ، وَمُدَّ فِي عُمُرِهِ، وَزَيِّنِ اَلْأَرْضَ بِطُولِ بَقَائِهِ.
اَللَّهُمَّ اِكْفِهِ بَغْيَ اَلحَاسِدِينَ، وَأَعِذْهُ مِنْ شَرِّ اَلْكَائِدِينَ،
وَاِدْحَرْ عَنْهُ إِرَادَةَ اَلظَّالِمِينَ، وَتَخَلَّصْهُ مِنْ أَيْدِي
اَلجَبَّارِينَ.
اَللَّهُمَّ أَعْطِهِ فِي نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ
وَخَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ وَعَدُوِّهِ وَجَمِيعِ أَهْلِ اَلدُّنْيَا مَا تُقِرُّ
بِهِ عَيْنَهُ، وَتَسُرُّ بِهِ نَفْسَهُ، وَبَلِّغْهُ أَفْضَلَ أَمَلِهِ فِي
اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اَللَّهُمَّ جَدِّدْ بِهِ مَا مُحِيَ مِنْ دِينِكَ، وَأَحْيِ بِهِ مَا بُدِّلَ مِنْ
كِتَابِكَ، وَأَظْهِرْ بِهِ مَا غُيِّرَ مِنْ حُكْمِكَ، حتَّى يَعُودَ دِينُكَ بِهِ
وَعَلَى يَدَيْهِ غَضًّا جَدِيداً، خَالِصاً مُخْلَصاً لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا
شُبْهَةَ مَعَهُ، وَلَا بَاطِلَ عِنْدَهُ، وَلَا بِدْعَةَ لَدَيْهِ.
اَللَّهُمَّ نَوِّرْ بِنُورِهِ كُلَّ ظُلْمَةٍ، وَهُدَّ بِرُكْنِهِ كُلَّ بِدْعَةٍ،
وَاهْدِمْ بِعِزَّتِهِ كُلَّ ضَلَالَةٍ، وَاِقْصِمْ [أقصر] بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ،
وَأَخْمِدْ بِسَيْفِهِ [بنوره] كُلَّ نَارٍ، وَأَهْلِكْ بِعَدْلِهِ كُلَّ جَبَّارٍ،
وَأَجْرِ حُكْمَهُ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ، وَأَذِلَّ لِسُلْطَانِهِ [بسلطانه] كُلَّ
سُلْطَانٍ.
اَللَّهُمَّ أَذِلَّ كُلَّ مَنْ نَاوَاهُ، وَأَهْلِكْ كُلَّ مَنْ عَادَاهُ،
وَاُمْكُرْ بِمَنْ كَادَهُ، وَاِسْتَأْصِلْ [كُلَّ] مَنْ جَحَدَ حَقَّهُ،
وَاِسْتَهَانَ بِأَمْرِهِ، وَسَعَى فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ، وَأَرَادَ إِخْمَادَ
ذِكْرِهِ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ اَلمُصْطَفَى، وَعَلِيٍّ اَلمُرْتَضَى،
وَفَاطِمَةَ اَلزَّهْرَاءِ، وَاَلحَسَنِ اَلرِّضَا، وَاَلحُسَيْنِ اَلمُصْطَفَى،
وَجَمِيعِ اَلْأَوْصِيَاءِ، مَصَابِيحِ اَلدُّجَى، وَأَعْلَامِ اَلهُدَى، وَمَنَارِ
اَلتُّقَى، وَاَلْعُرْوَةِ اَلْوُثْقَى، وَاَلحَبْلِ اَلمَتِينِ، وَاَلصِّرَاطِ
اَلمُسْتَقِيمِ، وَصَلِّ عَلَى وَلِيِّكَ، وَوُلَاةِ عَهْدِهِ، وَاَلْأَئِمَّةِ
مِنْ وُلْدِهِ، وَمُدَّ فِي أَعْمَارِهِمْ، وَأَزِدْ فِي آجَالِهِمْ، وَبَلِّغْهُمْ
أَقْصَى آمَالِهِمْ [دِيناً]، دُنْيَا وَآخِرَةً، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ».
تخريج الحديث:
قد تتبَّعنا المصادر التي روت الحديث، فلم نجد - في مصادرنا - مَنْ رواه أسبق من
شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في (الغيبة).
البحث السندي:
١ - أحمد بن عليٍّ الرازي: تقدَّمت ترجمته في الحديث (٩٨).
٢ - أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي: تقدَّمت ترجمته الحديث (٢٠).
٣ - الحسين بن محمّد بن عامر: طبقته في الحديث التاسعة، وجوه توثيقه عديدة، منها:
كثير الرواية، من رواة (كامل الزيارات)، من رواة (تفسير القمِّي)، رواية الأجلَّاء
عنه.
٤ - يعقوب بن يوسف الضرَّاب: مهمل.
* * *
وبه تمام الجزء الثاني
من هذا الشرح، ولله تعالى الحمد والمنَّة.
تمَّت مراجعة هذا الجزء في عدَّة مواضع في مكَّة المكرَّمة، وكان آخرها في صعيد
عرفات من عام (١٤٤٦هـ) بعد الانتهاء من قراءة دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في
يوم عرفة بمعيَّة ثُلَّة من أهل الفضل والعلم.
* * *
