العدد ٢ / ذو الحجة / ١٤٣٧ هـ

 

مجلة الموعود

 

العدد (٢)

 

ذو الحجة ١٤٣٧هـ / أيلول ٢٠١٦م

 

 

الفهرس

تمهيدنا...................٥

التفقّه المهدوي

رئيس التحرير

---

الثابت والمتغيّر المهدوي (الحلقة الأولى)...................١١

السيّد أحمد الإشكوري

ضابط الدين السماوي:..................١٢
النقطة الأولى: القضيّة المهدوية في العقل الديني وآلية التعامل مع الغيب:..................١٢
الأُولى: مدرسة التعطيل:..................١٣
الثانية: مدرسة التعجيز:..................١٤
الثالثة: المدرسة المنفلتة:..................١٤
الرابعة: المدرسة الالتقاطية:..................١٥
الخامسة: مدرسة الهامشية:..................١٥
السادسة: مدرسة الغيب المحسوس:..................١٦
السابعة: مدرسة الغيب الاستقبالي:..................١٦
الثامنة: المدرسة التجريدية:..................١٧
النقطة الثانية: غياب البحث الثبوتي في قضيّة الإمام المهدي (عليه السلام) وعدم التركيز عليه:..................١٧
النقطة الثالثة: مداخل وقوع الإخفاق في القضيَّة المهدوية:..................٢٠
١ - المنظومة العقائدية:..................٢١
أ) صفات الباري الذاتية:..................٢١
ب) النبوة: ..................٢٢
ج) الغيب:..................٢٢
٢ - المنظومة الفكرية:..................٢٣
العامل الأوَّل: العلَّة الفاعليَّة:..................٢٣
العامل الثاني: العلَّة الغائيَّة:..................٢٦
العامل الثالث: العلَّة الصوريَّة:..................٢٧
العامل الرابع: العلَّة المادّية:..................٢٩
النظرية الأُولى:..................٢٩
النظرية الثانية:..................٢٩
النظرية الثالثة:..................٣٠

مشروعية قيام الرايات والدول قبل ظهور القائم (عليه السلام)...................٣٥

الشيخ مشتاق الساعدي

توطئة:..................٣٥
المحور الأوَّل: عرض روايات المنع ونقدها:..................٣٦
المحور الثاني: شبهة العجز عن إقامة دولة وجوابها:..................٤٦

الصيحة (قراءة في أعماق الصوت)...................٥٣

الشيخ حسين الأسدي

مقدّمة:..................٥٣
التفسير الأوَّل: نظرية ذاتية دلالة الألفاظ على معانيها:..................٥٥
الرأي الأوَّل: نظرية ذاتية الدلالة:..................٥٥
الرأي الثاني: نظرية الوضع والاعتبار:..................٥٦
تطبيق نظرية ذاتية الدلالة على لغة الصيحة:..................٥٧
التفسير الثاني:..................٥٧
استخلاص النتائج:..................٧٧

رمزية علامات الظهور ودلالتها...................٨١

الشيخ عدنان الحسّاني الرميثي

مقدّمة:..................٨١
العلامة في اللغة:..................٨٢
العلامة في المصطلح الفلسفي:..................٨٢
أهمّية العلامة في حياة الإنسان دينياً وفكرياً:..................٨٣
ما هي السيميائية؟ وماذا نقصد بالعلامة؟..................٨٦
وتُدرَس السيميائية وفقاً لأبعاد ثلاثة:..................٨٦
العلامة في الفكر السيموطيقي:..................٨٩
أمَّا العلامة على مستوى فهمنا لعلامات الظهور، فعلى الشكل التالي:..................٨٩
أمَّا الخصائص الأساسية للعلامة، فهي:..................٨٩
فلسفة علامات الظهور:..................٩٠
الرمزية الثلاثية في علامات الظهور:..................٩٥
الأنظمة الإشارية في الصراع الثلاثي:..................٩٦
١ - نظام الخرز(التمحور)... دورة متَّصلة:..................٩٦
٢ - نظام المسابقة الرهانية (التجاذب والتقاطع):..................٩٦
الأنظمة التاريخية:..................٩٧
١ - الأمر المحتوم (المنعكس الشرطي):..................٩٧
٢ - البداء (المحو والإثبات)...................٩٧
٣ - نظام الخرز (التعاقب)...................٩٧
علامات الظهور وجدلية اللغة والتاريخ:..................٩٩
المائز المنهجي بين تفسير المدرسة المادّية للتاريخ والتفسير الإسلامي:..................١٠١
أوَّلاً: القياس الاستقرائي:..................١٠٣
ثانياً: ملاحظة المعايير الاعتبارية:..................١٠٣
ومن المعايير التي تنسجم مع مقولة الاعتبار، هي:..................١٠٣
الاعتباط والقصدية في علامات الظهور:..................١٠٥
علامات الظهور والتراكم الدلالي:..................١٠٧
١ - الدلالات اللفظية (نصّية، سياقية، خبرية):..................١٠٧
عقيدة البداء وتأثيرها في تطويع البعدين السيميائي والتاريخي للعلامة:..................١١٠
١ - إذاعة السرِّ والتعجّل، سُنَّة التأجيل، تطويع التاريخ:..................١١٠
٢ - الانعكاس السلوكي، سنة التبديل، تطويع الأشخاص والصور:..................١١٢
أنواع العلاقة السيميائية والتاريخية بين العلامات:..................١١٣
أ - العلاقات النظمية السياقية:..................١١٣
ب - العلاقات الاستبدالية:..................١١٣
الإشارة إلى المدلول بين العلامية والإعجاز:..................١١٤

الحتمية البشرية ومشروع الدولة العادلة...................١٢١

الشيخ محمّد السند

تعميق مفردة الانتظار:..................١٢٣
تعميق مفردة العدالة:..................١٢٥
أثر الأمل في بناء الفرد والمجتمع:..................١٢٥
الانتظار ساعٍ لتوسّع العلم وساعٍ لتكامل الأخلاق:..................١٢٨
علوّ الهمَّة في المشروع الإلهي:..................١٣٠

كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة...................١٣٧
للشيخ أبي العبّاس أحمد بن علي الرازي الإيادي
(من أعلام القرن الرابع الهجري)

الشيخ عامر الجابري

تقديم:..................١٣٧
القسم الأوّل: ترجمة أحمد بن علي الرازي الإيادي..................١٣٩
١ - اسمه وكنيته ونسبه ولقبه وسكناه:..................١٣٩
٢ - عصره:..................١٤١
٣ - من أهمّ مشايخه:..................١٤٣
٤ - مصنَّفاته:..................١٤٦
٥ - معتقده ووثاقته:..................١٤٨
أ - محاولة رفع تهمة الغلوِّ عنه:..................١٤٨
ب - محاولة توثيقه أو تحسينه كحدٍّ أدنى:..................١٥٢
وعلى أيِّ حال، فمن تلك القرائن والشواهد:..................١٥٣
٦ - وقفة مع كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة:..................١٥٦
القسم الثاني: متن كتاب الشفاء والجلاء المستخرج من كتاب الغيبة..................١٦١

المنقذ العالمي في المسيحية...................١٩٥

د.علي الشيخ

النقطة الأولى: الأدلّة على مجيء المنجي في المسيحية...................١٩٦
النقطة الثانية: العلامات قبل مجيء المسيح (عليه السلام)...................١٩٧
أوَّلاً: كثرة الحروب والمجاعة والزلازل...................١٩٧
ثانياً: خراب الهيكل...................١٩٨
ثالثاً: معركة هَرْمَجِدُّون...................١٩٨
رابعاً: يكون ظهوره مفاجئاً...................٢٠٠
النقطة الثالثة: أعمال المسيح بعد مجيئه الثاني...................٢٠١
الألفية السعيدة...................٢٠٢
المصادر والمراجع...................٢٠٥

ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) حقيقة لا تقبل التشكيك/ القسم الأوَّل...................٢٠٧

الشيخ حميد الوائلي

مقدّمة:..................٢٠٨
الفصل الأوَّل..................٢٠٩
البحث الأوَّل: بحث الإثبات التاريخي التراثي..................٢٠٩
القسم الأوَّل: منهج الإثبات التاريخي:..................٢٠٩
أوَّلاً: تعريف المنهج التاريخي:..................٢١٠
تعريف التاريخ:..................٢١٠
التعريف الاصطلاحي للتاريخ:..................٢١١
من معاني كلمة التاريخ:..................٢١١
آليات المنهج التاريخي:..................٢١٢
مادَّة المنهج التاريخي:..................٢١٢
ثانياً: الظروف القاهرة التي عاشتها العترة الطاهرة:..................٢١٢
التقيَّة وخفاء الكثير من النصوص:..................٢١٣
الوضع والتحريف للنصوص مع عدم إمكان الردع عنه خارجاً:..................٢١٩
ظاهرة الانحراف وأثرها السلبي على التراث العقائدي والتاريخي:..................٢٢١
ومن تلك النصوص:..................٢٢٥
ثالثاً: بحث الروايات الدالّة على الولادة:..................٢٢٧
روايات الولادة في كتاب الكافي للشيخ الكليني:..................٢٢٧
باب مولد الصاحب (عليه السلام):..................٢٢٧
روايات الولادة وذكر من شاهد الحجَّة القائم (عليه السلام) من كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق:..................٢٢٨
روايات الولادة ومن تشرَّف برؤيته (عليه السلام) من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي:..................٢٢٩
في ذكر جملة من عدَّتهم الأخبار فيمن رأوا الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) وعايشوه، ونحن نذكر بعضاً منهم روماً للاختصار:..................٢٣٠
رابعاً: بحث الروايات المعارضة:..................٢٣٢
خامساً: بحث التواتر:..................٢٣٣
هذا فيما يخصُّ جملة ممَّن قال بتواتر غيبته من علمائنا المتقدِّمين، أمَّا من قال بتواتر ولادته:..................٢٣٦

الإيمان والإلحاد بين الانتظار واليأس...................٢٤٥

الشيخ حسن الكاشاني

من أين تأتي الأفكار الإلحادية؟..................٢٤٥
ولنذكر بعض النماذج من دعاوي الملحدين:..................٢٤٦
فوائد التبشير الإلهي:..................٢٤٧
التبشير الإلهي في الأمم السابقة:..................٢٤٨
يعقوب (عليه السلام) سنَّ سُنَّة الانتظار:..................٢٥٠
بداية قصَّة موسى وهارون (عليهما السلام) بالتبشير والوعد بالتمكين:..................٢٥٠
بشارة الفتح والنصر لسيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم) على يد ابنه الإمام المهدي (عليه السلام):..................٢٥٢
بشارة الله تعالى نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالرجعة:..................٢٥٦
البشارة بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في خطبة الغدير:..................٢٥٨
فوائد الانتظار والاطمئنان بتحقّق النصر الإلهي:..................٢٥٩
الانتظار حافظ للتوحيد وقوّة في الإيمان:..................٢٦٠
محاولات العدوّ لبثّ روح اليأس:..................٢٦٣
الانتظار سرّ قوّة المذهب:..................٢٦٥
الحذر قبل وقوع البلاء:..................٢٦٥

القول الصريح في الردّ على من أنكر أحاديث المهدي (عليه السلام) في الصحيح...................٢٦٩

السيّد علي الموسوي الناصري

البخاري وصحيحه:..................٢٧٠
مسلم وصحيحه:..................٢٧٣
نفي ذكر المهدي (عليه السلام) في الصحيح:..................٢٧٥
ويلاحظ عليه:..................٢٧٥
إثبات ذكر المهدي (عليه السلام) في الصحيح:..................٢٧٨
فائدة:..................٢٨٣
على شرطهما ولم يُخرّجاه:..................٢٨٥
تواتر أحاديث المهدي (عليه السلام):..................٢٨٧

الهزات الفكرية في زمان الغيبة...................٢٩٥
(أسباب وعلاج)

الشيخ ماهر الحجّاج

المقدمة:..................٢٩٥
المبحث الأوّل: الهزّات الفكرية..................٢٩٧
الجانب الأوَّل: التشكيك في أصل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام):..................٢٩٨
الجانب الثاني: الشكّ في بقائه (عليه السلام) حيّاً:..................٣٠١
الجانب الثالث: الشكُّ في فائدة الإمام المهدي (عليه السلام) عند غيبته:..................٣٠٤
الجانب الرابع: التشكيك في التوسّع في بعض العناوين وانتحالها:..................٣٠٦
المبحث الثاني: أسباب الهزّات الفكرية..................٣٠٨
الأسباب الداخلية:..................٣٠٨
الأسباب الخارجية:..................٣١٢
أوَّلاً: البيئة والمحيط:..................٣١٢
ثانياً: ظهور الكذّابين:..................٣١٣
ثالثاً: سياسات الدولة والترويج للمنحرفين:..................٣١٣
رابعاً: انعدام الناصح:..................٣١٤
المبحث الثالث: علاج النتائج السلبية للهزّات الفكرية..................٣١٥
المرحلة الأولى: إنَّ العقل البشـري فيه نوع أوامر يمكن أن نطلق عليها أوامر فطرية:..................٣١٦
المرحلة الثانية:..................٣١٨
النتيجة:..................٣٢٣
مصادر البحث:..................٣٢٥

 

تمهيدنا

التفقّه المهدوي

 

رئيس التحرير

 

يُمثِّل الفقه بمعناه المصطلح لوناً من ألوان الضبط القانوني للوقائع الحياتية من خلال الرؤية السماوية وما عبَّر عنه لسان الوحي، ويخضع هذا الضبط لجملة كبيرة من العناصر والقواعد والأُصول التي تنتج المادَّة القانونية بعد بذل وسع وافر يؤهِّل القانوني - الفقيه - لاستخراج هذه الموادّ من أُصولها المقرَّرة بعد أن ملك الأهلية لذلك، ليقوم كنتيجة لهذا الجهد بإخراجها كخطاب قانوني يراعي حالة الفرد والمجتمع في الارتباطات الفردية والثنائية وبينها وبين الله تعلى.
وفي الحقيقة فإنَّ هذه العملية لا يخلو منها علم من العلوم، كما تحتاجها كلّ واقعة من وقائع الحياة، فبدون التخصّص وبدون بذل الوسع وتحصيل الأهلية للتصدّي تصبح العلوم أُلعوبة بيد التسطيحيين والانتهازيين، وتتعرَّض حياة الناس وشؤونهم الآنية والمستقبلية إلى خطر محقَّق، فيما لو فُسِحَ المجال لتسلّط النماذج الفاقدة للقدرة والتخصّص في أيِّ مجال من المجالات.
وهذا النظم والضبط من روائع ما جادت به يد الإبداع الإلهية، إذ فطرت عوالمها على نظام التخصّص، وبثِّ روح الهمَّة في المخلوقات جمعاء على بذل الوسع في الارتقاء.

(٥)

فالمتخصِّص بمقتضى سُنَّة التكوين وإبداع عالم الإمكان هو المتحكِّم في زمام أُمور شتّى الميادين ومختلف العلوم.
والعلوم الشرعية بمختلف مجالاتها وتنوّع مقدَّماتها وسموِّ أهدافها لم تخرج عن هذه السُّنَّة ولم تحد عنها.
فمن أهَّلته قدرته للوقوف على تفصيلات عقائد الدين، وفلسفات الوجود، وعرف الحقيقة وشاهدها، وغاص في بحار المعرفة وأخرج دررها، وسار في الأقطار ليجمع الأخبار، ودوَّن المصنَّفات ونظر في الآراء والأقوال، واستخرج منها صافي المقال. فهو الذي يُقتفى أثره، ويُقدَّس ويُحتَرم نظره.
وأمَّا من لم يقف على الأحكام ويعرف المسائل ويتخصَّص في العلوم ويُنقِّب في الآثار فيجب عليه أن يرجع إلى أهل التخصُّص والأخذ عنهم والاتِّباع فيما يقولون والالتزام بما يرشدون. هكذا يحكم العقل.
والعلوم الشرعيَّة تتداخل في أغلبها وتترابط عضوياً مع بعضها البعض، وكلُّها يرتبط بالمنظومة الدينيَّة، فالفقيه المتخصِّص وصاحب القدرة على الاستنباط في الأحكام الفقهية، والذي طوى مقدَّمات طويلة في علوم شتَّى، ونقَّب في الآثار والأخبار والقواعد والأُسس والأُصول والدساتير لسنين طويلة، تأهَّل بها لأن يملك قدرة استخراج القوانين والأحكام من محلِّها، صار مقتدراً على استنباط الأحكام بمقتضى هذا الترابط العضوي مع بذل جهد إضافي في فنون الدين الخرى ومعارفه وأفكار أُصوله وقواعده، فهو وإن تلبَّس بجلباب الفقاهة والأحكام وبيان مواطن الحلال والحرام إلَّا أنَّ قدرته على غيرها غير مقيَّدة وملكاته غير مجمَّدة، فله أن يستخرج في علم الرجال والدراية مصنَّفات تخصُّصية فيها للمسترشدين كفاية، وكذلك في علم التفسير وأُصول قواعد التوحيد فضلاً عن الحديث والتأريخ والاجتماع والسياسة والمال والاقتصاد والفضيلة والأخلاق، فكلُّ هذه الصنوف من معارف الدين

(٦)

فروع، وهو بقدرته وأهليته وتخصّصه قد قَدِرَ على الأُصول وملك أهليَّة الفحص والاستنباط.
وهذا ليس تنظيراً بعيداً عن أجواء الواقع، ومحاولة للقفز على التخصّص، أو دعوة للتعميم والتسطيح، بل الواقع خير شاهد عليه، بل ودليل على إمكان ما قيل، إذ قد برع الكثير من فقهائنا العلماء بعد أن ملكوا شَمَّة الفقاهة، وتخصُّص الاستنباط، وقدرة الاستخراج، وصفة الاجتهاد، برعوا في علوم وفنون شتَّى كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والطبِّ والفلك والفلسفة والتأريخ والاجتماع والجغرافية والهندسة والأخلاق والرجال والحديث.
بل لم يقتصر على ذلك جهدهم، وإنَّما برعوا في وضع مناهج العلوم وآليّات الخطاب وكيفيَّة إيصال جهدهم إلى الناس، سواء من معهم في المذهب أو الدين أو كانوا من المخالفين، فبرعوا إلى جنب تخصّصاتهم في أدب الحوار والخطاب والجدل والمناظرة والسلوك والعمل، فأضحى فكرهم ميزاناً للإقناع وسلوكهم منهجاً للتأثير.
وحتَّى نخرج من جادَّة التنظير إلى رحاب العمل والواقع، نُسطِر أسماء نزر يسير من أكابر فقهاء الطائفة وعلمائها ممَّن برعوا في العلوم والفنون الخرى، فهذا ابن بابويه القمي المتوفّى سنة (٣٢٩هـ) وهو الفقيه النحرير والأُسطوانة العظمى في الفقه يكتب في الإمامة والتبصرة حينما وجد لذلك حاجة، وقد سبقه إلى ذلك كثيرون، ومن تأخَّر عنه أكثر. ومن بين تلك الأسماء اللامعة الشيخ النجاشي الذي كتب في (علم الرجال)، والشيخ الطوسي الذي كتب في (علم التفسير)، والسيِّد المرتضى الذي كتب في (غيبة الإمام المهدي عليه السلام)، والشريف الرضي الذي كتب (حقائق التأويل في تفسير القرآن)، وعلي بن إبراهيم القمِّي الذي كتب تفسيره المعروف ب (تفسير القمّي)، وأحمد بن عيسى الذي كتب (النوادر)، وابن السكّيت الأهوازي الذي كتب في (ترتيب إصلاح

(٧)

المنطق). وهكذا سار على نهجهم علماؤنا الذين تأخَّروا عنهم، فكتب العلَّامة (منهاج الكرامة)، فيما كتب الكفعمي (مصباح الدعاء)، ليكتب الشهيد الثاني (منية المريد)، وابن فهد الحلّي (عُدَّة الداعي)، والسيِّد ابن طاووس (جمال الأُسبوع). ولم تنقطع المسيرة، فاستمرَّ من تأخَّر عنهم في التدوين في مختلف العلوم، فكتب الشيخ مهدي النراقي (الجامع لجوامع العلوم)، وكتب الشيخ الأنصاري والميرزا القمّي (فرائد وقوانين الأُصول)، فيما كتب الوحيد البهبهاني (الفوائد الرجاليَّة)، والطهراني (الذريعة)، والأمين (أعيان الشيعة). واستمرَّت المسيرة، وبرز إنتاج الفقهاء الكبار في المصنَّفات والعلوم المختلفة، فكتب الشيخ الأصفهاني (الأنوار القدسية في سيرة أهل البيت)، وكتب الحرُّ العاملي (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة)، وانبرى الشيخ كاشف الغطاء ليُدوِّن (منهاج الرشاد لمن أراد السَّداد)، وكتب الشيخ القمِّي - عبّاس - (بيت الأحزان)، فيما كتب المظفَّر (منطقه)، والطباطبائي (نهاية حكمته)، والبلاغي (عقائده)، وليبدع كاشف الغطاء في (نقضه على الوهّابية) دعاواهم، ليُبيِّن مغنية في مؤلَّفه (حقيقتهم)، فيحاور شرف الدِّين ب (مراجعاته) المخالفين، ليُبيِّن الأمين في (غديره) حقائق الولاية للمؤمنين.
هذا نزر يسير لمدوَّنات ومؤلَّفات علمائنا في مختلف العلوم وصنوفها.
أمَّا ما يخصُّ القضيَّة المهدوية بالتحديد، فقد أكثر علماؤنا الفقهاء في التأليف فيها وفي تفاصيلها، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، إذ المراجعات اليسيرة تكشف للمتخصِّص حجم تلك المدوَّنات الكثيرة، وإليك بعض النماذج:
(أخبار المهدي) لعبّاد بن يعقوب العصفوري الأسدي الكوفي المتوفّى سنة (٢٥٠هـ)، وكتاب (الغيبة) للحسن بن محمّد الصيرفي توفّي (٢٦٣هـ)، وكتاب (الغيبة) لمحمّد الفضل بن شاذان توفّي (٢٦٠هـ)، وله أيضاً (إثبات الرجعة)، وكتاب (حكم إبّان الغيبة) لعليِّ بن أحمد الكوفي (٣٥٢هـ)، و(أخبار المهدي)

(٨)

لعبد العزيز يحيى بن أحمد الأسدي البصري (٣٣٢هـ)، و(أخبار الوكلاء الأربعة) لأحمد بن عليّ بن نوح السيرافي، و(إزالة الران عن قلوب الإخوان في غيبة القائم) لمحمّد بن أحمد بن الجنيد المعروف بأبي عليّ الإسكافي، و(دلائل خروج القائم) للحسن بن محمّد بن أحمد الصفّار، و(كتاب الغيبة) لأحمد بن محمّد المعروف بابن الجندي، و(كتاب الغيبة) لعليِّ بن الحسن الطاطري، وكذلك (الغيبة) للشيخ النعماني والطوسي ومحمّد بن عليّ بن بابويه القمّي، و(الغيبة والحيرة) لعبد الله بن جعفر صاحب (قرب الإسناد)، و(الفرج الكبير في الغيبة) لتلميذ شيخ الطائفة محمّد بن هبة الله الورّاق، و(الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ المفيد، وكتاب (القائم) لعلي بن مهزيار الأهوازي، وغيرهم العشرات من كبار الفقهاء الذين دوَّنوا في هذه القضيَّة العقائدية، والتي تُمثِّل العصب الرئيس والعمود الفقري الذي يتَّكئ عليه جميع أجزاء البدن العقائدي، إذ بدونها لا تُسمّى الطائفة الإماميَّة بالاثني عشرية، والسهام موجَّهة لها، فاستشعار الفقهاء لأهمّيتها والحرص عليها والدفاع عن حياضها هو الذي أوجب التشمير عن سواعد الجدِّ عندهم، واستفراغ الوسع في التحقيق والتنقيب فيها لديهم.
نسأل الله تعلى أن يديم نعمة الفقهاء على مذهب الحقِّ والعلم والاستقامة.

(٩)

 

الثابت والمتغيّر المهدوي

الحلقة الأولى

 

 

السيّد أحمد الإشكوري

 

عند المرور على الواقع المعاصر نرى ضياعاً على جميع الأصعدة، ضياعاً نفسياً واجتماعياً ومنهجياً، ضياعاً فلسفياً فكرياً، ولا نرى في مقابل ذلك شيئاً مقدَّماً على أنَّه مشروع بُنيوي في العالم البشري.
نعم ربَّما تقدَّمت البشـرية على بعض الأصعدة وهيَّأتْ سُبُلاً للراحة، لكنَّنا نراها أخفقت في جوانب أُخرى، بل وأفلست فيها كجانب الروح والفكر والعقيدة، ومن هنا نرى أنَّ مدارسهم الفلسفية التي قُدِّمت كمحاولات لنظم الفكر البشـري في الحقيقة زعزعت البنية التحتية الفكرية بدلاً من أن تخطو خطوة في بنائها، فأنتجت عدم الوثوق، وجعلت السفسطة تعجُّ في عالمنا، حتَّى غدا الناس يسيرون في مفازات ملؤها التزلزل وعدم الاطمئنان، على مستوى المنهج والفكر والعقيدة.
وفي هذا البحث نريد أن نتناول البعد العقائدي وإن كان للحديث جانب آخر - البعد التشريعي والأخلاقي لهما سهم وافر من هذه الدراسات والمشاريع، إذ أنَّنا نرى أنَّها أخفقت في هذه الأبعاد، وبرز إخفاقها جليّاً في البُعد الأخلاقي -، فخضع كلُّ شيء للتشكيك والإنكار بزعم الحداثة وما وراءها، على أمل أن تكون معالجات لمشاكل الإنسان المستعصية، لاّ أنَّها زادت الطين بلَّة.

(١)

ضابط الدين السماوي:
يثار سؤال مفاده - بعد علمنا بوقوع التزييف والتزوير (١) وامتزاج الأديان بشريها بسماويها - ما هو ضابط الدين السماوي البحت؟.
وكيف يمكن أن نتعرَّف على هذا الدين الذي لم تمسّه يد التحريف؟
ولا بدَّ أن يُعلَم مسبقاً أنَّ كلَّ الخوف على الدين هو أن يمسَّ من قِبَل يد التحريف في أُفُقِهِ الثابت، إذ لا أثر كبير للمساس به في أُفُق المتغيِّر، إذ أنَّ نفس الدين هو الذي فرض مساحة للمتغيِّر والتطوّر وجعل الكثير من الموضوعات المتبدِّلة والمتغيِّرة حسب البيئات والأعراف موضوعات لأحكامه.
وبذلك أمكن لنا أن نقول: إنَّ الهوية الدينية ذات المسحة الربّانية المحافظة على جوهرها هي التي حفظت هوية الثابت كمقوِّم للدين ولم تسمح للمساس به في هذا الأُفق، وليُعلَم أنَّه ليس المقصود من الثابت هنا بمعنى الراكد وغير المتغيِّر، بل هو الذي لا يستوجب التبدُّل فيه تغيُّره الماهوي وإنَّما إن حصل فيه تغيّر وتبدّل فهو على سبيل تكامل الماهيَّة سواء على صعيد الخطاب أو غيره، فلا بدَّ أن تكون ثوابت الدين معلومة، ومستوى معلوميتها محفوظة وغير قابلة للرأي والرأي الآخر، ومن هنا ينفتح مجال آخر للمحترم الديني، ولا بدَّ أن نُحدِّد ذلك في إطار التراث الواضح الذي نمتلكه عن الدين، ونغربل منه ما يناسب المنظومة التي نعتقدها، وعلى هذا يسير منوال تحديد قيم المنظومات العقائدية، ومن بينها المنظومة المهدوية.
وفي حديثنا عن هذا العنوان (الثابت والمتغيِّر المهدوي) خمس نقاط:
النقطة الأولى: القضيّة المهدوية في العقل الديني وآلية التعامل مع الغيب:
لا بدَّ أن نبحث عن الغيب مطلقاً كان ذلك الغيب أم مقروناً بالمادَّة على سبيل التركيب الاتِّحادي(٢)، وكيف تعامل العقل الديني معه، ولعلَّنا في دراسة سريعة يمكن أن نلقي نظرة إجمالية على المدارس التي تعاملت معه لنستخلص من ذلك ما هي الآلية الأنسب للتعامل معه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦)، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ (المائدة: ٤١)، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ (الفتح: ١٥).
(٢) التركيب الاتِّحادي هو أن يتحوَّل شيء في ذاته إلى أن يصير شيئاً آخر ويُكمِّل به ذاتاً واحدة، فيكون هناك أمر واحد، وهو عين كلّ واحد منهما وعين المركَّب، كالجنين إذا صار حكيماً. (الأسفار الأربعة ٦: ٢٨٣).

(١)

الأُولى: مدرسة التعطيل:
وتتمتَّع بأنَّها تُصدِّر خطاباتها على نحو تُغيِّب فيه المنظومة الدينية ولدواعٍ مختلفة، فمن مواكبة العصـر إلى المجاملة ولغة الوسطية إلى الحفاظ على المشتركات مع الحضارات المادّية، وغير ذلك.
ونتيجة ذلك أنَّ مقدار الغيب في هذه المدرسة يكون خجولاً جدّاً، ويُخفَّف على مستوى الماهيَّة والفكر والخطاب، بل ويُخفَّف حتَّى على مستوى التسويق، مع ذلك كلّه يتلقّاه البعض على أنَّه خطاب ديني اعتدالي، لاّ أنَّ واقعه هو خطاب ديني تعطيلي، بل وابتذالي.
ولسنا الآن في صدد الحديث عن هذه المدرسة ومبادئها، ومبدأ نشوئها، وما نجم عنها من آثار سلوكية على الواقع الديني، إنَّما حديثنا كما أكَّدنا هو في دائرة تعطيل العقل النظري.
وكحاجة ضرورية وإن كان استطراداً وخروجاً عن محلِّ بحثنا لاّ أنَّنا لا بدَّ أن نلتفت إلى أنَّ ما تعيشه مجتمعاتنا الدينيَّة حتَّى في الدائرة الخاصَّة لا تحتفظ بقوَّة ارتباط بعالم الغيب، ولا بدَّ من إيجاد معالجات ناجعة في دائرة العمل وكيفية تقوية ارتباطها بعالم الغيب.
وفيما يرتبط بالمنظومة المهدوية وتأثير هذه المدرسة السلبي عليها فإنَّها حاولت أن تجعل هذه المنظومة في الظلِّ ولا تُخرِجها في سياق بعدها الاستراتيجي في الفقه، بل وَسَعَتْ إلى تضييق الاهتمام بها وإذا ما اضطرَّت لطرحها وتقديمها لجمهورها، فإنَّها تُقدِّمها بخطاب خجول، على أنَّها موروث ديني مضطرّين لقبوله وإن كنّا لا نقدر على التعامل معه أو فهمه، فكانت أقرب إلى المدرسة الظاهرية في تعاملها مع النصِّ الديني من غيرها من المدارس الأُخرى.
وما وقعت فيه هذه المدرسة إنَّما هو أثر واضح لتعطيل البعد الثبوتي في الغيب.

(١)

الثانية: مدرسة التعجيز:
وهي مدرسة سعت إلى أن تفرض قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) بمعزل عن أدواتها، بادِّعاء أنَّنا لا نملك في هذه القضيَّة أدوات فكرية ننفذ من خلالها للوقوف على منظومتها، فالحجم المتاح لنا لولوج القضيَّة المهدوية إن كان فهو متواضع ومعطياته بسيطة، ونتج عنها الدوران غالباً في أبحاث مهدوية ذات حديث مكرَّر ومعاد، ودراسات اجتزائية، وغير ذلك.
فجعل القضيَّة المهدوية أقرب إلى الخطِّ الأحمر منها إلى الأخضـر كان ثمرة سلبية ونتاجاً عقيماً لأفكار هذه المدرسة، فبدلاً من أن يكون العقل الوحياني مفعَّلاً بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه يشاطر ويشارك القضايا الدينية الأُخرى حتَّى نتمكَّن من سحب هذه القضيَّة من مدار إلى مدار آخر، ونقوم بعملية التوظيف والتوليف والتوسعة لنأتي بنتاج أشمل ورؤية أوضح من خلال نظرة واسعة في الروايات الخاصَّة ورؤيتها للروايات العامَّة. بدلاً من ذلك قد عزلت القضيَّة المهدوية في وادٍ لا علاقة له بكلِّ ذلك.
هذه المدرسة اتَّجهت إلى تحجيم القدرة في دائرة الموروث المهدوي الخاصّ، ولم تتمكَّن من خلال نظرتها التعجيزية من الانتقال من زاوية إلى زاوية أُخرى في نفس الموروث، فكيف بك وجميع المنظومة الدينيَّة!
الثالثة: المدرسة المنفلتة:
وهي التي تعاملت مع المنظومة المهدوية على أساس منهجي منفلت وليس بموفَّق، فأدخلت المسالك الباطنية، وقدَّمت أُطروحة الإمام المهدي (عليه السلام) بعقل باطني على نمط من الكشف والاستشراق، فتعدَّت حدودها، فابتليت بأزمة الغلوِّ من حيث إنَّها انتخبت منهجاً لا محالة يجرّها إليه إذ تعدَّت المفردات التي رسمها العقل الوحياني والتراث الديني للسير في طرقات هذه المنظومة، بل إنَّ بعض صفوف هذه المدرسة لم يحتفظ لنفسه بمنهج معيَّن، بل تخبَّط ولم يخرج بشـيء يمكن أن يُعتَمد عليه.

(١)

الرابعة: المدرسة الالتقاطية:
وهي التي بحثت عن جذور القضيَّة المهدوية في الدائرة غير الإسلاميَّة، فراجعت العقل المسيحي وما قدَّمه من مشـروع المنقذ البشـري، وسعت إلى تنزيله على المنظومة المهدوية إسلاميّاً، حتَّى أنَّ البعض بدأ يتعامل مع قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) على أنَّها ظاهرة نوعية تُسمَّى بالإنقاذ أو الإنجاء ولم تتعامل معها على أنَّها قضيَّة شخص معيَّن.
وسعت هذه المدرسة إلى جمع المشتركات بين الديانات السماوية على أساس من الاستيراد والانتقاء وفق الظاهرة الالتقاطية، فنشأ من جرّاء ذلك عقلية غيبية التقاطية أساسها موروث الديانات السماوية الأُخرى، بل لم يكتفِ ويقف عند هذا الحدّ إنَّما وسَّع دائرة الالتقاط والاستيراد الانتقائي إلى دائرة الموروثات الدينية غير السماوية، فأوجد توليفة بين المنقذية ونهاية العالم على أساس من سنن التأريخ والمدارس الاجتماعية الحديثة التي فسَّـر بعضها ظاهرة الخاتمية بأنَّها خاتمية الكون على أساس نظم وقوانين ليس لها أدنى ارتباط بالبنى الفكرية الدينية، بل وسعى شطر ثالث من هذه المدرسة إلى التوليف بين هذا المجموع وبين ما يحصل بين الحين والآخر من قفزات علمية وتطوّر تكنولوجي.
الخامسة: مدرسة الهامشية:
وهي من المدارس الخطيرة حيث صرفت الجهود الفكرية على مفردات تُعَدُّ من المتغيِّر الغيبي فضلاً عن المتغيِّر الفكري مبتعدة بذلك عن الثابت المهدوي، بل إنَّ بعضاً منها أقرب إلى الترف العلمي، فتكلَّمت فيما هو على هامش وطرف الجادَّة، وابتعدت عن المتن، فنشأ من ذلك فكر مهدوي هشّ لا يمتلك الأصالة والرصانة. وكثيراً ما تسعى هذه المدرسة لإسقاط المنظومة المهدوية على الواقع الخارجي بتكلّف، وليس ذلك لاّ لابتعادها عن العقل الديني والثابت المهدوي.
وعلى سبيل المثال: إنَّ هذه المنظومة عندما تتحدَّث عن أشراط الساعة

(١)

نجدها تتخبَّط في حسابها، بينما نجد العقل الوحياني عندما يُصوِّرها لنا وكأنَّنا نراها في حين أنَّه قد يكون بيننا وبينها آلاف من السنين، وهنا يجدر بنا أن نسأل وللتنبيه لا أكثر: كيف ساغ لعاقل ترك عقل - أي العقل الديني - قادر على الجمع بين هاتين الظاهرتين، فعندما يُخبِر النبيُّ الأكرم أو القرآن عنها - أشراط الساعة - تترائى وكأنَّها أمام السامع، بينما واقعها يفصله بحساب الزمان المئات بل الآلاف من السنين؟ ويكفي بهذا المنبِّه أن يشير إلى عجز غير العقل الوحياني عن إدراك الوقائع على ما هي عليه، وبيانها بخطاب يناسب ذلك.
السادسة: مدرسة الغيب المحسوس:
وهي المدرسة التي تسعى إلى تقديم القضيَّة المهدوية وفق غيب محسوس من خلال تنزيله على مفاصل النظام المادّي لتُقدِّم غيب المادَّة لا غيب الغيب والمعنى، وفي بعض الأحيان نعيش في أواسطنا الفكرية ودون شعور وتبنٍ بعض مؤشِّرات هذه المدرسة، فلا بدَّ من الالتفات إلى ذلك. وهذه المدرسة تمدُّ ظلالها لتلتقي في بعض الأحايين بالمدرسة الالتقاطية من خلال تبنّيها لدور العلم وتغليبه على الغيب، فهي تدعو إلى قداسة العلم، وإن كانت تلك القداسة ملبسة بلباس الغيب فهو غيب علمي يخضع للمنهج العلمي حتَّى فُسِّـرت بعض النظريات في إطار هذه المدرسة بأنَّ العقل الإنساني مرَّ بمحطّات ثلاثة على نحو التكامل: الأُولى محطَّة الغيب، والثانية محطَّة الفلسفة، والثالثة وهي الأرقى محطَّة الغيب العلمي.
السابعة: مدرسة الغيب الاستقبالي:
وفي هذه المدرسة تُقدَّم القضيَّة المهدوية على أنَّها قضيَّة استقبالية بمعزل عن ماضٍ عاشته وحاضر تعيشه، وتقتصـر على مستقبل سيُعاش، ووفق هذه الرؤية فإنَّ القضيَّة المهدوية تدخل في سلك التنبّؤات المستقبلية وكجملة ممَّا صَدَر عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) من قبيل أشراط الساعة ومصاديقها قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)(٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) عن عامر بن واثلة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (عشر قبل الساعة لا بدَّ منها: السفياني، والدجّال، والدخان، والدابَّة، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (عليه السلام)، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر). (الغيبة للطوسي: ٤٣٦/ ح ٤٢٦).

(١)

فهي بمعزل عن الوقت المعاصر وخاضعة لمقوِّمات الأمر المستقبلي.
الثامنة: المدرسة التجريدية:
وهي التي قدَّمت القضيَّة المهدوية على أساس من البعد الفلسفي التجريدي المجرَّد عن أيِّ لمسة في دائرة العمل والسلوك، وهذا النحو من التقديم فيه تجفيف للقضيَّة المهدوية، وهو أقرب إلى التعطيل، إذ سلب منها أركان طراوتها ولطافتها ووجدانيتها ولم يُعطِها أدنى مسحة في التأثير.
هذه إطلالة سريعة على جملة من المدارس التي تعاملت مع الغيب، ورأينا أنَّها ابتعدت عنه أكثر عندما جنَّبت نفسها الخوض في حديث الثبوت، فقادها ذلك إلى الابتعاد رغم ادِّعاء كلّ واحدة منها أنَّها الأقرب في تفسير الغيب المهدوي.
النقطة الثانية: غياب البحث الثبوتي في قضيّة الإمام المهدي (عليه السلام) وعدم التركيز عليه:
سجَّل غياب البحث الثبوتي آثاراً خطرة على القضيَّة المهدوية لا يقلُّ خطرها عن تفسير الغيب بصورة خاطئة كما في النقطة الأُولى، فالعقل الذي لمس القضيَّة المهدوية لم يكن عقلاً متخصِّصاً، فغياب البحث الثبوتي في قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) وعدم التركيز عليه فيها كلَّفنا كثيراً من الضـرائب في البعد العقدي فضلاً عن السلوكي، وما نعيشه اليوم في أجواء هي أقرب إلى الثقافية منها إلى التخصّصية إنَّما هو نتيجة هذا الابتعاد، والدخول في البحث الإثباتي الذي سيكون حتماً منفلتاً وبلا ضوابط إذا فصل عن الثبوتي منه، فينتج عن ذلك تخبطّات كثيرة وخطيرة فيما يرتبط بهذه العقيدة وبالإمام المهدي (عليه السلام) إلى حدٍّ يمكن أن نقول: إنَّ العقل الثقافي على وفق هذا السير لم يلمس القضيَّة المهدوية لاّ على مستوى القشور، والذبذبات الواصلة لنا عنها ضعيفة جدّاً، ممَّا يمكننا أن ندَّعي أنَّ القضيَّة المهدوية تعيش اليوم بمعزل شبه كامل عن المنظومة المعرفية المهدوية، والسبب في ذلك هي خطورة المنهج والابتعاد عنه،

(١)

ممَّا يوجب اللجوء إلى البحث الإثباتي ابتداءً. وعلينا هنا أن نعيد وفي ضمن عملنا التخصّصي كيفية التعامل مع قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام).
ويحقُّ لنا هنا أن نسأل: هل الذي لمس القضيَّة المهدوية عقل شيعي قائم على أساس نظرية (لا جبر ولا تفويض)(٤)، أم أنَّه عقل أشعري أو معتزلي - وليس المقصود هنا من العقل الاعتزالي أو الأشعري هو التنظير إنَّما هو الواقع -، فعندما نمرُّ على بعض الدراسات في القضيَّة المهدوية نراها حوكمت بمحاكمات عقل اعتزالي تبرز على أثر هذه المحاكمات جملة من التساؤلات التي لو بني في المحاكمة على العقل القائم على أساس (لا جبر ولا تفويض) لما برز منها شيء مطلقاً.
وعلى هذا الأساس يُقدَّم لنا مشـروع مهدوي باسمٍ شيعي، ولكنَّه بواقع اعتزالي.
وكذلك إن قدَّمنا القضيَّة المهدوية بعقلية أشعرية على مستوى الواقع وإن سمَّيناها شيعية، فإنَّنا لا محالة نبتعد عن معادلة الإمامة وكونها معادلة إلهيَّة ربّانيَّة إلى الحدِّ الذي تتأثَّر لتقترب من معادلة السقيفة وما يترتَّب عليها من فهم الإمامة، وأنَّ أفعالنا بمعزل عن دور الإمام (عليه السلام) ورقابته.
وهكذا ينفتح الباب لأسئلة أُخرى تنتج عن واقع العقل الاعتزالي أو الأشعري، من قبيل: هل أنَّ الإمام يُخلَق ساعة ظهوره أم أنَّه موجود وسيظهر؟ وهل هو وجود معطَّل مجمَّد أم وجود مفعَّل؟ وهكذا تُسجَّل العشرات، بل المئات من الإشكالات المضمرة التي قد لا يبرزها الاستحياء، هي وليدة الواقع الأشعري أو الاعتزالي وإن أُلبست ظاهراً العقل الشيعي.
ومن هنا ينفتح المجال للحديث عن النقطة الثالثة وسبب الإخفاقات الكثيرة، ومن أين تأتَّت للقضيَّة المهدوية، ولماذا مسَّتها.
ولكن قبل البدء في حديثنا عن النقطة الثالثة نودُّ أن نُنبِّه إلى أنَّنا نسعى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) عن بريد عمير بن معاوية الشامي، قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا بمرو، فقلت له: يا بن رسول الله، روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال: (إنَّه لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين)، فما معناه؟ قال: (من زعم أنَّ الله يفعل أفعالنا ثمّ يُعذِّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) فوَّض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك)، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: (وجود السبيل إلى إتيان ما أُمروا به، وترك ما نُهوا عنه)، فقلت له: فهل لله (عزَّ وجلَّ) مشيَّه وإرادة في ذلك؟ فقال: (فأمَّا الطاعات فإرادة الله ومشيَّته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيَّته في المعاصي النهى عنها والسخط لها والخذلان عليه)، قلت: فهل لله فيها القضاء؟ قال: (نعم [ما] من فعل يفعله العباد من خير أو شرٍّ لاّ ولله فيه قضاء)، قلت: ما معنى هذا القضاء؟ قال: (الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة). (عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ١١٤/ ح ١٧).

(١)

لتقديم دراسة منهجية عن القضيَّة المهدوية، وأنَّ الدارس لهذه القضيَّة لا يمكنه أن يحصل على النتائج المطلوبة إذا دخل من منتصف الطريق فإنَّه سيُضيِّع القضيَّة، نظير ما إذا أردنا أن نُقدِّم شابّاً للدراسة ونأمل أن يكون طبيباً، فلا يمكن لنا أن نُقدِّمه ابتداءً إلى الجامعة ما لم يمرّ بكلِّ المراحل الدراسية التي تسبقها لتهيأه للدراسة الجامعية، فإنَّنا نعتقد أنَّ الظواهر البادية من النصوص الدينية لا بدَّ أن تُفتَح على يد عقل تخصّصـي يملك مجموعة من مقوِّمات العلوم تُؤهِّله لمسِّ الخطاب الديني بما في ذلك الخطاب المهدوي، وفي نفس الوقت لا نسمح لشخص يندفع ليمسَّ الخطاب الروائي لمحض تولِّده في الحوزة ومروره على دراساته التخصّصية سنين معدودة دون أن يمتلك التخصّص والإتقان ويخلق في نفسه المؤهَّل الكامل للتعامل مع الخطاب الديني من خلال الملكات العلمية التي يكتسبها طيلة فترته الدراسية في هذا الباب، وهذا ما يُعبَّر عنه أُصولياً بآليات الفحص في النصِّ الديني التي لا تتمُّ ما لم تسبقها مستلزمات كثيرة علمية وتخصّصية تؤهِّل الفاحص لدراسة النصِّ. ومن بين أبرز تلك الثوابت هي الثوابت الدينية العقلائية فضلاً عن الشرعية التي يتلقّاها الساعي لتحصيلها من خلال الدراسة وبمدى ليس بالقصير، إذ ربَّما هناك نصٌّ يتراءى بعده عن القضيَّة المهدوية ويقع في باب أبعد ما يكون عنها لكن مَسيس ارتباطه وامتداد ظلاله على هذه العقيدة يراه المتخصِّص ممَّا لا يمكن المحيص عنه، بل وفي بعض الأحيان من الضـرورات التي يلزم الوقوف عندها لتأثيره المباشر على نتائج النصِّ الديني المهدوي.
فإذن لا يمكن أن تَمُسَّ القضيَّة المهدوية ما لم تكن هناك دراسة شمولية للنصِّ الديني، فلا يمكن أن نسمح لأنفسنا فضلاً عن غيرنا أن نُقدِّم دراسة على أساس نصٍّ مهدويٍّ وصل إلينا من غير إخضاعه لغربلة من متخصِّص وصاحب باع في هذا المضمار، ولا نسمح أن تكون القضيَّة المهدوية مسرحاً

(١)

لحديث العقل الجمعي وغير التخصّصي أو تكون مسرحاً لمن لديه أزمات في مكانٍ ما وزاويةٍ معيَّنة، ويحثّه عقله على اتِّخاذ رمزية معيَّنة فيندفع باتِّجاه القضيَّة المهدوية ساعياً خلق ذلك منها إشباعاً لتلك الرغبات.
كيف يمكن أن يُسوِّغ ذلك وأن يرتضيه شخص يحترم عقيدته في قضيَّة أُريد لها أن تكون عصارة المشروع الإلهي السماوي وتمام غاية الخلق، ولا يرتضي هذا في مسألة جزئية - فقهية - محدودة التأثير.
النقطة الثالثة: مداخل وقوع الإخفاق في القضيَّة المهدوية:
في أنَّ الثابت هل هو ثابت فكر أم دين أم خطاب؟ وهل يمكن الاستعاضة عنه بغيره إذا أردنا أن لا نسير وفقه؟ بل نعني منه الاستكشاف الناتج عن بذل الوسع التخصّصـي المستلزم للغوص في أعماق القضيَّة المهدوية، والكشف عن ارتباطاتها بالمنظومة الدينية.
وذلك من خلال بعض المفردات ذات العلاقة بالقضيَّة المهدوية لتنظيم القضيَّة المهدوية من أجل استكشاف ما فيها، ولا نعني بالاستكشاف هنا استكشاف الاسم والآثار البسيطة التي لا تحتاج لاّ إلى أدنى جهد وفحص ولو من غير المتخصِّص.
فالعبودية لله تعالى يفهمها الناس على بساطتهم بمقدار ما يُركِّب أذهانهم لهم من معبود، وفي الحقيقة هم يعبدون مصنوعاً صنعته لهم أذهانهم ولا يعبدون الله بما هو، قال تعالى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (التوبة: ٢٩)، وجاء في الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): (كلُّ ما ميَّزتموه بأوهامكم في أدقِّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم)(٥).
فهم متديِّنون ولكن لا يشعرون أنَّهم يدينون دين الباطل، لأنَّ المنظومة الساذجة البسيطة المسترسلة المقلوبة المنفلتة التي لم تحفظ الموازين وتراعِ الثوابت خلقت لهم إلهاً وفق رؤيتهم وليس وفق الحقيقة الواقعية.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ١: ١١٠؛ بحار الأنوار ٦٦: ٢٩٢ و٢٩٣.

(٢)

فلكي نُقدِّم مشروعاً مهدوياً متكاملاً لا بدَّ أن نتحدَّث في بعض المفردات التي إن أصاب أيّ منها الغموض والتشويش والضبابية وعدم الوضوح نتج عنها مشروع مشوَّش ومربك ومنهار.
ومن هذه المفردات:
١ - المنظومة العقائدية:
وضرورة أن تأخذ نصيبها من الوضوح والصفاء، لأنَّ التشويش فيها ينعكس سلباً على رسم القضيَّة المهدوية وضبطها، ونذكر لذلك نماذج:
أ) صفات الباري الذاتية:
فإنَّنا ندَّعي أنَّ من المحال فهم الإمام المهدي (عليه السلام) ما لم تُفهَم الصفات الذاتية الإلهيَّة ولا يُتأمَّل منّا أن نُقدِّم شخصاً إلى دراسة جامعية دون أن يمرَّ بمراحل الابتدائية والمتوسِّطة والإعدادية، وأيضاً لا يمكن أن نُقدِّم مشـروعاً يتحدَّث عن تكامل الأديان، وفي نفس الوقت لا نرتضيه في القضيَّة المهدوية، فقد نُفاجَؤ بسؤال في دائرة الحديث عن القدرة وأنَّ الله تعالى لِـمَ لمْ يأتِ بالدين الإسلامي منذ خلق آدم؟ فهل هو عجز في قدرته تعالى الله عن ذلك؟ فيأتي الجواب منَّا وبلا تردّد وعلى نحو الإجمال أنَّ السير التكاملي للدين اقتضى هذا التأخير ولآلاف من السنين.
ومن هذا الجواب يمكن أن نقول:
لم نرتض هذا السير التكاملي في دائرة الأديان، وفي نفس الوقت نمنعه في قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، مع أنَّ الداعي فيهما واحد، ومُدَّعانا أنَّ التكامل يحصل في الدين الواحد وهو دين الإسلام ولا يعني هذا التكثُّر، فالكثرة هنا عينها الوحدة، فتكامل في دائرة غير الثابت على ما بيَّناه سابقاً.
فما لم نفهم حقيقة القدرة والعلم والإرادة الإلهية وأثرها في الدين ثمّ أثر التكامل في الدين من جهة أُخرى وحدود دائرته وسعة حركته لا يمكن لنا أن

(٢)

نفهم القضيَّة المهدوية بشكل واضح، وكثيراً ما نقع في التخبّطات ونترجَّل عن الصعود في الفهم والاعتقاد فضلاً عن السلوك، ليس ذلك لاّ لابتعادنا عن الثابت وأثره وركوننا إلى المتغيِّر والاستئناس به.
ب) النبوة:
وهكذا يجري الكلام في دائرة اعتقادنا بالنبوَّة وحدودها ومقدار ارتباطها بصفات الباري من جهة، وبالإمامة من جهة أُخرى، فمن يعتقد بأنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) يملك قوى متعدِّدة تشريعية إفتائية وقضائية حكمية وتنفيذية إجرائية فضلاً عن ولايته التكوينية التي يقودنا إليها التحقيق كما يقودنا إلى القوى الثلاث المتقدِّمة فضلاً عن أنَّه يملك ولاية خاصَّة على أموال الناس، بل على أنفسهم يختلف من يعتقد ذلك عمَّن يعتقد بأنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) مشروع ربّاني لكن دائرة قداسته ضيِّقة، وهذا يختلف جذراً عمَّن يعتقد أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) مشـروع بشـري فيُغيِّب فيه البعد السماوي بالمرَّة ويُقدِّمه كإنسان من سائر البشر ليُدخِل المنظومة النبوية في إطار الفكر الديني على أساس تمييع مقولة المُقدَّس بنحو يفرض لها مستوىً هابطاً من الفهم.
فهذا الفهم لهذه المنظومة بأنحائها المتقدِّمة يؤثِّر على المنظومة المهدوية وينتج منظومات وأفكاراً وعقائد مختلفة بعضها عن بعض بالمرَّة.
ج) الغيب:
أمَّا فيما يرتبط بعلاقة المنظومة بالغيب والعوالم المجرَّدة وعلاقتها - أي المنظومة الغيبية - مع الله من جهة وعلاقتها مع الإنسان من جهة أُخرى، فلا بدَّ أن نُقدِّم مشروعاً منسجماً مع هذه البنية حتَّى نترك الحركة في الدائرة الفارغة، ونتحوَّل من خلال هذه الرؤية إلى دائرة ممتلئة ينتهي مفادها إلى أنَّ خطاب الله تعالى بالسجود للملائكة أمام محراب آدم ليس ذاك منها سجوداً حدوثياً قد انبرم وانقضـى، وبقيت دائرة قصصيته فقط، وإنَّما هو خطاب

(٢)

بقائي إبقائي كما كان حدوثياً، فلا بدَّ للبشرية على هذا الفهم والرؤية أن تؤدّي سجودها - المعنوي - أمام الإنسان الكامل وتتقرَّب إليه بفرض الطاعة ليرتقي بها في سُلَّم كمالاتها، وهذه القضيَّة لا بدَّ أن نقرأها في ضمن ملاكاتها الحكمية، وما لم نُقدِّم في هذه الدوائر الثلاثة: دائرة الصفات، ودائرة النبوَّة، ودائرة الغيب، وما يرتبط بها ويتفرَّع عليها، دراسة موفقة وبحثاً دقيقاً، فإنَّنا بمقدار بعدنا عن ذلك نبتعد عن القضيَّة المهدوية.
٢ - المنظومة الفكرية:
فإنَّ كلَّ ممكنٍ سواءٌ كان إمكانه على الصعيد الذهني أو الخارجي، فإنَّ هناك عوامل تُحدِّد قيمته، نمرُّ عليها سريعاً:
العامل الأوَّل: العلَّة الفاعليَّة:
وهنا نسأل من خلال هذا العامل عن أيِّ فكرة تواجهنا: هل أنَّها ربّانية سماوية أم من مخترعات الذهن البشري على اختلاف في سبب اختراعه؟ ألأِزمة تخيلية أم تعثُّر نظري أو عملي في حركة العقل أم تعصّب أم هوى نفسي؟ فضلاً عن الدعوات التي تنشأ من شهوات تجرُّ إلى تأسيس ديانات بشرية أو مذاهب. وينبغي أن لا يغفل هنا تأثير عناصر أُخرى من قبيل المُعِدِّ والشرط، فإنَّ كلَّ ذلك يدخل في تحديد هوية المشروع. وينبغي أن يكون أوَّل ما يُسئَل عنه إذا تمَّت مواجهتنا من قِبَل البعض بالدعوة إلى مشروع ما أن نسأل عن علَّته الفاعلية ثمّ عن حجم الارتباط بالذات الإلهية.
وينبغي أن لا يُغفَل هنا أنَّ هناك انحرافاً ينشأ من خلق فكرة ومحاولة جرّ انتسابها إلى الله تعالى.
وأنَّ هذا الحديث تارةً يكون في سياق البعد الثبوتي في الانتماءات، وأُخرى يكون في البعد الإثباتي، وبمجموع الأسئلة التي تُطرَح في كلِّ زاوية من هذه

(٢)

الزوايا يتَّضح لنا حجم البدعة عن حجم الحقيقة، ونتمكَّن من ضبط موضوع محلّ السؤال، وأنَّه هل ابتلي بابتداع ما وفي أيِّ زاوية منه؟
ولنأخذ قضيَّتنا محلّ البحث فكرة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإنَّه بلحاظ بعض أبعادها يتمُّ تأمينها على أساس منظومة عقلية صـرفة دون الخوض في أجواء النصّ الديني، وإذا ما احتيج إليه يكون وفق موازين محدَّدة ومنضبطة كما أشرنا، وفي جانب البعد الإثباتي منها، ويتفرَّع على هذا الفهم أنَّ عندنا مهدويَّتين: عامَّةً يتكفَّل العقل بإثباتها، وخاصَّةً ولا تختلف عن العامَّة في شـيء لاّ في تنزيل ذلك الفكر العامّ وتطبيقه على الفرد المعيَّن ذي الخصوصيات والصفات المحدَّدة، وهذا التطبيق له آلياته ومعاييره، ويكشف عن ما ورائيات الانتماء إلى الفكرة، ومصادر الأخذ في تأمينها، ومقدار توفّر تلك الخصوصيات المؤمِّنة لاستجلائها.
فالعلَّة الفاعلية تؤمِّن لنا الارتباط بالمصدر، وتكشف عن الارتباطات الخفيَّة للقضايا المدَّعاة، وعن حجم تلك الارتباطات، فهل عِلَل القضيَّة الله تعالى وذاته المقدَّسة أم غيرها؟ وبعد تحديد تلك العلَّة الفاعلية وجهتها نبحث عن حجم الارتباط، وهذا كما قلنا معيار مهمٌّ جدّاً في تحديد الانتماء والانتساب، ومقدار الانحراف في نفس الوقت.
ونتيجة هذا نؤكِّد على ضرورة الاطمئنان في التلقّي، فعلى وفق الميزان المتقدِّم نعرف من أين نأخذ، ولمن نسمع، على أنَّ مستلزمات المنظومة الثبوتية فضلاً عن الإثباتية للفاحص المتخصِّص موفَّرة بمقدار فحصه وجدّه واشتغاله.
ويمكن أن نلحظ الترابط بين كون العلَّة فاعلة مستشعرة، وبين ما تقدَّم منّا من تأثير البحث التوحيدي الثبوتي كصفات الباري على الفكرة المهدوية، وأنَّ هذا البحث الثبوتي وهو بطبيعته بحث في الثابت يمدُّ بضلاله ويؤثِّر على الفكرة المهدوية وبناء أُسسها، فنظرك إلى الفكرة وأنَّها مرتبطة مع الله تعالى

(٢)

الكامل في كلِّ صفاته تعطيك انتقالات منظَّمة في زوايا البحث، ولا تُبتلى ببعثرة الفكرة، فترى فيها الحكمية والقادرية واللطفية وهكذا. وقد يُعبَّر عن هذا النظم على لسان بعض الباحثين بالأُصول الموضوعة قبل الدخول في البحث المهدوي.
أمَّا إذا افترضنا الفكرة بعيدة عن هذا المقاس، ونازلة في هذه الساحة، فسنعيش حتماً نتيجةً لهذا التحديد والتضييق مع فكرة فاقدة لجمالها ورونقها وجاذبيتها وتأثيرها وعالميتها وقدرتها، ويزداد اقترابنا من أفكار العقل التخيّلي كلَّما زاد ابتعادنا عن أفكار العقل الإلهي ذي الأفكار السماوية المنظَّمة المنضبطة المتكاملة البعيدة عن التولّد الزماني الظرفي المتغيِّر.
إذ ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ عنصري الزمان والمكان لا يقدران على خلق فكرة ثابتة.
فإذا سألنا شخص عن تأريخ تأسيس الفكرة المهدوية نقول بلا تردّد بتأريخ تأسيس الفكر الديني، وعن خطاب الفكرة المهدوية نقول بخطاب: (من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه)(٦).
إنَّ ذلك الخطاب هو من أسَّس لها وبنى منظومتها، فهناك تولَّدت لا بعد قرنين أو ثلاثة من الزمن(٧).
ففي ذلك اليوم تولَّدت الفكرتان معاً، وتلازمتا تلازماً لا انفكاك معه، فكرة الإمامة وفكرة المهدوية، فلا يمكن لك أن تَفرِض إمامة بلا مهدوية، والعكس بالعكس.
فتوقُّف الفكرة المهدوية على فكرة الإمامة بحث ثبوتي ينبغي استجلاؤه بشكل واضح ضمن الموازين والأُطُر المحدَّدة في الأبحاث الثبوتية، ثمّ الاستدلال على هذا الترابط الثبوتي في الإمامة بالأدلَّة الإثباتية التي منها حديث الغدير، وهكذا تتنزَّل الأبحاث الثبوتية على الأبحاث الإثباتية لتقوم بعملية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) حديث متواتر عند الشيعة والسُّنَّة، راجع: الغدير للأميني ١: ١٢.
(٧) كما يدَّعي أحمد الكاتب من أنَّ الفكرة المهدوية إنَّما نشأت في أوائل غيبة الإمام (عليه السلام). (راجع: متاهات في مدينة الضباب: ٢٠).

(٢)

الضبط والحماية في نفس الوقت من الاختراق البدعي من قبيل الالتقاطات السُّنّية المؤثِّرة على فكرة الإمامة وتضييقها في دائرة معيَّنة، ولاّ فبحسب المنطق الشيعي فإنَّ القول بالإمامة يجرُّ بلا محالة إلى القول بالفكرة المهدوية. ثمّ إنَّ القول بالإمامة لا يمكن ضبطه لاّ بضبط فكرة النبوَّة، وهي لا تُضبَط إلاّ بالتوحيد، هذا هو الذي ندَّعيه من أنَّ هذه الأبحاث سلسلة مترابطة متكاملة إذا سارت في إطارها الثبوتي الصحيح استحال إيجاد فراغ فيها، كما استحال انفصال بعضها عن بعض.
إنْ قيل: إذا كان الأمر كما تقولون من هذا الترابط المنطقي الثبوتي فلماذا نجد إنكاراً للمهدوية من قِبَل بعض المذاهب الأُخرى أو إنكاراً للإمامة؟
فإنَّا نقول: إنَّ إنكارهم لم يبدأ من المهدوية أو الإمامة، وإنَّما إنكارهم نشأ عن إنكار بعض الصفات الإلهية أو عدم استيضاحها لديهم بشكل يُؤمِّن لهم الانتقال المنطقي المتسلسل منها إلى غيرها، فلو كانت مستوضحة بالشكل الذي هو موجود لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لما ساغ لهم الإنكار لاّ جحوداً.
ومن هنا ينكشف لنا أيضاً أنَّ المهدوية في هذا الإطار لا يمكن القبول بها لاّ بتنزيلها على فرد، نعم هذا التنزيل ليس تنزيلاً عقلياً ثبوتياً، بمعنى أنَّ العقل هو الدالّ عليه، لأنَّه لا ينال الجزئيات، وإنَّما بعد أن نظَّم العقل القضايا العامَّة وأمَّنها بشكل يفسح المجال للإثبات والدليل أن يأخذ دوره، فيأتي النصُّ الديني ليُرشِد إلى الإمام، ومن هو، ويُبيِّن خصائصه وصفاته وما إلى ذلك ممَّا يعتمد على الأبحاث الإثباتية الدليلية.
العامل الثاني: العلَّة الغائيَّة:
نحن نعتقد أنَّ هناك عللاً دانية وأُخرى عالية، كما أنَّ هناك توسّطاً في العلل، ومنها أيضاً القريبة والبعيدة، ولا نرى تصادماً بين العلل البعيدة أو القريبة. ويمكن أن نقول: إنَّ أيَّ فكرة دينية لا بدَّ أن تتوفَّر فيها الغايات القريبة وكذلك

(٢)

البعيدة، والغايات القريبة كالعدل والحقِّ المنبثقة من منظومة العقل العملي، وهو ما يُعبَّر عنه بإنبغاء الفعل، فلا بدَّ أن ترسو قيم العقل العملي لتُشكِّل منظومة أُمَّهات الأخلاق والتشريع، إذ التشريع له مرتبتان: ثبوتية، إثباتية.
وتوجَد في البين نظريات متعدِّدة عن دور الاجتهاد ومحلِّه في تأمين مسائل هذه المراتب، وهل يوجد في البين منطقة فراغ التي هي تُعَدُّ في دائرة المتغيِّرات، على أن لا تُفرَض دائرتها - المتغيِّرات - معاكسة ومشاكسة للثوابت، بل تتَّسق فيما بينها فينشأ تمام الصلح والأُلفة والوءام، وأنَّ هذا المتغيِّر ينال تغيّره من الثابت، إذ لو لم ينل تغيّره من الثابت لم يكن للمتغيِّر أدنى قيمة. وعبَّر بعض العلماء عن هذه المنطقة بنظرية الزمان والمكان(٨).
إنَّ الغاية القصوى تتمثَّل بلقاء الله تعالى، إذ الغاية من كلِّ مفردة في المنظومة الدينيَّة لا بدَّ أن تصبَّ في هذا المصبِّ، وعلى هذا فكلُّ فكرة دينيَّة دانية أو متوسِّطة لا بدَّ أن نستنطقها لنجد أيتوفَّر فيها القابلية لتأمين لقاء الله تعالى؟ وكلُّ فكرة لا تُؤمِّن لنا ذلك فإنَّها فاقدة لقيمتها. وهذا هو الذي نُعبِّر عنه بالسير التكاملي بالمنظومة الدينيَّة، وأنَّ العبد لا بدَّ أن يتخلَّق بأخلاق السماء ليرتقي للقاء الله ويدنو - لا دنواً مكانياً أو زمانياً - منه تعالى، وهذا ما يفتح لنا الباب للعامل الثالث، فنقول:
العامل الثالث: العلَّة الصوريَّة:
ونعتبرها ذات أهمّية بالغة، لأنَّها تُنظِّم لنا منهاج التفكير، ويمكن لنا أن نُسمّيها بحسب المصطلح العلمي: (نظرية المعرفة الدينية) التي من خلالها نستكشف المجاهيل ونتعرَّف على آليات الوصول إلى الغايات، إذ لا يمكن للإنسان في زماننا أن يحاكم مفردة دينية دون أن يملك منظومة معرفية، فدونها يقع في التخبّط لعدم امتلاكه الميزان الذي يوزن به المفردات، وبالتالي لا يمكن اعطاء المفردات قيمها الذاتية، فالقيمة إنَّما تُعطى إذا وجدت آلية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) منطقة الفراغ اصطلاح درج في أبحاث السيِّد الشهيد (قدّس سرّه) تعبيراً عن المتغيِّر، فيما درج تعبير الزمان والمكان عنه - أي المتغيِّر - عند السيِّد الخميني (قدّس سرّه).

(٢)

وزنها، فمتى ما كان هناك تنظيم ومنهجة ونظرية معرفة سـرنا باتِّجاه معرفة قيم المفردات وضبطها لتأمين حصول نتائجها بشكل دقيق، وفي هذا المضمار لا بدَّ أن نقف على ما نحصل به قيمة العقل والوحي والعلم. وعلى سبيل المثال: نظرية العلية والمعلولية هل نقول بها أو لا؟ وهل تؤثِّر على المنظومة الدينية وعلاقات مفرداتها مع بعضها البعض؟ وما هي معايير الصدق والكذب في المعلومات؟
البعض يتَّجه باتِّجاه حماسية القضيَّة الدينية، وتفريغها عن ضابطة الصدق والكذب، وبإدخالها في دائرة الحماس والعاطفة إخراج لها عن محتواها وعن آثارها، إذ ستبقى حبيسة النفس وتأثيرها ضمن حدود هذه الدائرة لا أكثر، بل ستوصَف بأنَّها مفردات خيالية لا واقع لها وإن أثَّرت في وجدان الأشخاص، نظير متابعة مشهد سينمائي يؤمِّن العاطفة الهيّاجة إلى حدِّ البكاء، ولكن سرعان ما تخبو هذه الشحنات الداخلية العاطفية، ويصف نفس ذلك المتأثِّر الباكي المشهد بأنَّه خرافة وخيال ولا واقع له.
ونحن لا نُعطِّل العاطفة المنضبطة، بل نسعى لضبط معيار صور المفردات، لأنَّها مصباح الطريق، فمن لا يملك المصباح لا يستطيع سلوك الطريق، وإن سلكه فربَّما يسير بالاتِّجاه المعاكس(٩).
فقد نملك طريقاً ولا نملك المصباح - والمصباح هو العلَّة الصوريَّة -، ومن لا يملكه سيُضيِّع طريقه حتماً.
فالطريق شيء والمنهج المعرفي شيء آخر.
فلا بدَّ من أن نملك منهجاً معرفياً يُمكِّننا من غربلة النظريات الموجودة، لنرى هل تُؤمِّن لنا هذه المفردات المدَّعاة ما تحدَّثنا عنه في العامل الثاني من لقاء الله التكاملي أم لا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) عن طلحة بن زيد، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، فلا تزيده سرعة السير من الطريق لاّ بعد). (من لا يحضره الفقيه ٤: ٤٠١ و٤٠٢/ ح ٥٨٦٤).

(٢)

العامل الرابع: العلَّة المادّية:
نعتقد أنَّ الدين إنَّما جيء به لأجل الإنسان، فالعلَّة المادّية لهذا الدِّين هو هذا المخلوق - الإنسان -، فتعريف الإنسان بأنَّه حيوان ناطق غير تامٍّ، بل هو حيٌّ مختار مُتَألِّه.
ونؤكِّد لاستيضاح الصورة أنْ لابديَّة حضور جميع العوامل الأربعة فضلاً عن الموانع والشرائط حتَّى يتحقَّق الدِّين الوحياني، إذ بتخلّف واحدة منها سنُبتلى حتماً بدين بشري، فالمنظومة الدينيَّة إنَّما تؤمَّن وتؤمِّن نتائجها بلحاظ العوامل، وما معها بعنوانها المجموعي لا الانحلالي، وفي العامل الرابع الإنسان - العلَّة المادّية - توجَد نظريات:
النظرية الأُولى:
وهي نظرية تقديس الإنسان، حيث تحمل شعار: (لا يُسئَل عمَّا يفعل)، وإن كان الحامل لهذا الشعار على مستوى الحمل الذاتي الأوَّلي لا يقول بهذه النظرية، وإنَّما يقول بها على مستوى حملها الشائع الصناعي، فينتج عن ذلك تخبّطات فكريَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة تمدُّ بظلالها على المنظومة الدينيَّة لتُشوِّهها فتُدخِل في الدين منظومات العادات والتقاليد والنفعيَّة، فتخلق بذلك ديناً بشرياً لا يُمثِّل الدِّين السماوي إلاّ ببعض المشتركات اللفظية، لأنَّ ملاك هذا الدِّين هو النفع، بينما تقدَّم في العلَّة الغائيَّة أنَّ ملاك الدِّين الوحياني هو لقاء الله.
النظرية الثانية:
وهي نظريَّة العرفاء التي طُرِحَت من قِبَلهم في مسألة القطب، ونحن لا نرتضيها، لأنَّها نظريَّة مخلوطة، إذ تدور مدار القطب، بينما نظريَّتنا المختارة هي نظريَّة الإمامة.
وهنا يأتي دور العقل التخصّصي ليمنع المساواة بين النظريتين، ويُجلي النظرية الثالثة، وهي نظرية الإمام المهدي (عليه السلام).

(٢)

النظرية الثالثة:
نظرية الإمامة، وأنَّ الإمام (عليه السلام) هو العلَّة المادّية الآخذ بجميع أفراد البشـرية إلى ما يُحقِّق لهم علَّتهم المادّية من خلال العلَّة الصوريَّة، ليُحقِّق علتهم الغائيَّة بلقاء الله التكاملي، دونما أن نقول: إنَّ العلَّة الفاعليَّة هنا هي نفس الإمام بمعزل عن الله تعالى، وإنَّما تبقى العلَّة الفاعليَّة هو الله تعالى دون غيره.
ولكي نستجلي الصورة أكثر نذكر خصائص نظريَّة العرفاء، وخصائص نظريَّة الإمامة.
فالعرفاء يقولون: إنَّ القطب هو قلب العالم، كما أنَّ قلب الإنسان هو قطبه، وهو الذي يُحرِّكه، ووجوده مرهون بالقلب، والقطب عندهم هو الإنسان الكامل.
نظريَّة العرفاء مفردتها الرئيسيَّة الحاجة، فالإنسان عندما يعترف بإرادته للحاجة - إنَّ تمام الكمال لا أن نطلب الماء بل أن نطلب العطش - فالإنسان إن ملك إرادة العطش فقد وصل، وأمَّا من يملك الماء فلا يصل، فإرادة العطش هي العنصر النافع دون إرادة الماء، وإرادة العطش تعني الارتباط بالقطب، فلا يمكن على وفق نظريَّتهم نيل السير التكاملي للإنسان لاّ أن يعيش هذه الإرادة.
أمَّا نظريَّة الإمامة فهي نظريَّة فيّاضية وفيّاضيتها للجميع، غاية الأمر أنَّ كلٌّ منّا يأخذ منها حسب إنائه(١٠)، فمن ليس لديه إناء أو ضاق إناؤه فيحرم بمقدار ذلك.
فعطاء الإمام عامٌّ، ولا يمكن الوصول إليه لاّ بهدايته، فلا مجال لوصولنا لأيِّ كمال لاّ عن طريق الارتباط بالإمام المهدي (عليه السلام).
إن قيل: لماذا لا نرتبط بالله تعالى مباشرةً وهو يفيض علينا، مع اعتقادنا بأنَّ الله تعالى هو الفيّاض في الخلق؟
قلنا: إنَّ الله تعالى فيض لا متناهي، فلا بدَّ من وجود محلٍّ أوَّل يستقطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (الرعد: ١٧).

(٣)

من الله تعالى هذا الفيض، ويكون مؤهَّلاً من هذا النمط من الفيّاضية من خلال السعة الوجودية والعلمية المؤهِّلة له لذلك، ليستقطب بها ذلك الفيض اللامتناهي، أمَّا عامَّة الناس التي تمسّهم الخطيئة فلا يمكن لهم تلقّي الفيض المباشر، فيتلقّونه من الإمام (عليه السلام) بقدر آنيتهم.
ثمّ إنَّ نظريَّة الإمامة تعني العصمة بخلاف القطب، فالإمام معصوم منصوب من قِبَل الله تعالى ظاهر معلن منه (عزَّ وجلَّ)، بخلاف القطب مضمر لا يُعرَف، فمستورية القطب ومعلومية الإمام وعصمته فارق جوهري بين هذا وذاك.
الأمر الثالث المفرَّق والأهمّ: أنَّ الإمام (عليه السلام) يملك مشروعاً، وليس مشروعه هداية فرد فحسب وإنَّما هداية كون، فهو يدفع بالكون باتِّجاه لقاء الله تعالى.
ومن هنا نشير إشارة نجعلها نافذة للبحث القادم إن شاء الله تعالى، فحيث إنَّنا انتهينا إلى أنَّ الإيمان بالغيب ضرورة، ووجود المعصوم ضرورة، ووجود المنهج ضرورة، وأنَّ المعصوم هو نظام خير لا شرَّ فيه وتكامل لا محيص عنه، لا بدَّ أن نؤمن بنظام الغيب بعد أن قبلنا أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّ هذه السلسلة تبدأ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنَّها تستمرُّ بعده من دون انقطاع، فلا بدَّ أن يفضي هذا الإيمان لا محالة إلى نظرية الغيب والإيمان به.

(٣)

 

مشروعية قيام الرايات والدول قبل ظهور القائم (عليه السلام)

 

الشيخ مشتاق الساعدي

 

توطئة:
هناك إشكالية تُثار في بعض الأوساط العامَّة، بل والخاصَّة أحياناً، مفادها: أنَّ كلَّ راية تُرفَع قبل قيام القائم (عليه السلام) هي راية ضلالة وانحراف، ممَّا يُحتِّم علينا عدم نصرة هذه الرايات، وعدم القيام بالثورات، ولا دعمها، بل وتقويضها أحياناً، لأنَّها راية انحراف وفساد، وكذلك عدم إقامة نظام حكم ودولة في عصر الغيبة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنَّ هذا قد يُصادم بعض الثوابت الإسلاميَّة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حكم الله في الأرض، وقاعدة الإرشاد، ووجوب إحقاق الحقِّ، ودفع الباطل، ونصرة المظلومين، والقضاء على الظالمين، أو منعهم من الظلم، وتطبيق أحكام الله الإجرائية، كالقضاء والقصاص والحدود. وهذا لا يتمُّ بأعلى مراتبه أو لا يتمُّ أساساً عادةً إلاّ من خلال قيام سلطة شرعية على رأس الدولة أو الحكم قبل قيام القائم (عجَّل الله فرجه الشريف).
فكيف نحلُّ هكذا إشكالية؟ وما هو المراد من الراية والقيام؟ وهل ذلك ينافي إقامة دولة دينية في عصر الغيبة الكبرى؟ وما هي وظيفتنا تجاه تلك الدول الدينية سلباً أو إيجاباً؟

(٣)

والبحث في المقام يقع في محورين:
المحور الأوَّل: عرض روايات المنع ونقدها.
المحور الثاني: شبهة العجز عن إقامة دولة.
المحور الأوَّل: عرض روايات المنع ونقدها:
وردت عدَّة روايات تدلُّ على أنَّ كلَّ راية تُرفَع قبل قيام الإمام القائم (عليه السلام) هي راية انحراف، فهي بظاهرها تدعم فكرة عدم إقامة نظام حكم قبل قيام القائم (عجَّل الله قيامه).
وهناك روايات تدعم هذه الفكرة غير تلك الروايات المصرِّحة بذلك المعنى، لذا نعرض هذه الروايات بطائفتين:
الطائفة الأُولى: روايات منع قيام راية قبل قيام القائم (عليه السلام)، وهي ما ورد فيها لفظ (كلُّ راية تُرفَع...).
الطائفة الثانية: روايات ظاهرها منع القيام بالسيف أو إقامة نظام حكم قبل القائم (عليه السلام)، وهي على ألسن مختلفة.
أمَّا الطائفة الأُولى، ففيها روايات، أهمّها:
الرواية الأُولى:
(وهي العمدة في الاستدلال) ما رواه الشيخ الكلينيّ في (روضة الكافي)(١): عنه - أي محمّد بن يحيى -، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)؛ قَالَ: (كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي ٨: ٢٩٥/ ح ٤٥٢.

(٣)

الكلام في الرواية سنداً ودلالةً:
أمَّا سنداً:
فلا إشكال في وثاقة الكليني، ومحمّد بن يحيى العطّار، وأحمد بن محمّد الأشعري، والحسين بن سعيد الأهوازي، وحمّاد بن عيسى، وأبي بصير. وإنَّما الكلام في الحسين بن المختار.
الأقوال فيه:
١ - النجاشي في رجاله(٢): (الحسين بن المختار أبو عبد الله القلانسي، كوفي، مولى أحمس...، له كتاب يرويه عنه حمّاد بن عيسى وغيره...)، ثمّ ذكر طريقه الصحيح إلى كتاب الحسين بن حمّاد برواية حمّاد بن عيسى.
٢ - الشيخ في الفهرست(٣): (له كتاب)، ويذكر طرقه إلى كتاب حسين بن المختار، منها عن طريق محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن الحسين بن المختار.
٣ - الشيخ في الرجال(٤): عدَّه في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام)، ووصفه بالكوفي؛ وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام)، وصفه: (واقفي، له كتاب).
٤ - عدَّه البرقي في أصحاب الصادق (عليه السلام)(٥).
٥ - عدَّه الشيخ المفيد في الإرشاد - في فصل من روى النصَّ على الرضا علي بن موسى (عليه السلام) بالإمامة من أبيه، والإشارة إليه منه بذلك -، من خاصَّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته(٦).
٦ - حكى العلَّامة في الخلاصة(٧)، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسين: (إنَّه كوفي، ثقة)، لكن العلَّامة ذكره في فصل الحاء من الباب الثاني من القسم الثاني، وترك العمل بروايته من جهة بنائه على أنَّه واقفي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) رجال النجاشي: ٥٤/ الرقم ١٢٣.
(٣) الفهرست: ١٠٧/ الرقم (٢٠٥/٢).
(٤) رجال الطوسي: ١٨٣/ الرقم (٢٢١١/٦٨)، ٣٣٤/ الرقم (٤٩٧٢/٣).
(٥) رجال البرقي: ٢٦.
(٦) الإرشاد ٢: ٢٤٨.
(٧) خلاصة الأقوال: ٣٣٧ و٣٣٨/ قسم ٢/ باب ٢/ الرقم ١.

(٣)

والصحيح وثاقة الرجل لأُمور:
١ - ما قاله الشيخ المفيد من أنَّه من خواصِّ الإمام الكاظم (عليه السلام)، وثقاته، ومن أهل الورع والفقه من شيعته.
٢ - روى عنه محمّد بن أبي عمير الذي لا يروي إلاَّ عن ثقة كما هو الصحيح.
٣ - ورد في كامل الزيارات بناءً على كبرى وثاقة من ورد فيه، وإن كنّا لا نرى إلاّ وثاقة المشايخ المباشرين كما بحثنا في محلِّه(٨).
قد يقال: إنَّه واقفي، فلا يُوثَّق.
ويردّه: أوَّلاً: أنَّ الوقف لا يمنع العمل بالرواية بعد كون راويها ثقة، والحسين بن المختار ثقة كما عرفت من النقاط أعلاه.
ثانياً: أنَّه لم يثبت وقفه الذي ادَّعاه الشيخ، وذلك لشهادة المفيد بأنَّه من أهل الورع من الشيعة.
وممَّا يُؤيِّد ذلك أنَّه روى الكليني في الكافي (ج ١/ كتاب الحجَّة ٤/ باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٩) بسند صحيح عن الحسين بن المختار وصيَّة الكاظم (عليه السلام) إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)؛ ورواه الصدوق بسندين صحيحين مثله في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)/ باب نصّ أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) على ابنه الرضا علي بن موسى بن جعفر (عليه السلام) بالإمامة والوصيَّة ٤/ ح ٢٣ و٢٤)، وهذا لا يجتمع مع وقفه.
فالصحيح أنَّه إمامي ثقة، فروايته صحيحة.
أمَّا دلالة الرواية:
فيمكن المناقشة في دلالة الرواية على حرمة كلّ راية قبل قيام القائم (عليه السلام) بعدَّة أُمور، أهمّها:
الأوَّل: أنَّ التعبير بالطاغوت، وأنَّه يُعبَد من دون الله يُعطي معنى الصنمية والطغيان والحالة الفرعونية، وهذا يناسب فرض كون خروجه لنفسه، لا بنيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) من كتابنا المخطوط (تطبيقات رجالية).

(٣)

تسليم الأمر إلى الإمام المعصوم (عليه السلام)؛ فمن الطبيعي أن يكون خروجه حراماً، فلا تكون الرواية مطلقة، بل خاصَّة بالخروج السلبي، أو الراية السلبية، أو الدولة الجائرة.
الثاني: من المحتمل أن تكون الرواية لبيان حكم قضيَّة خارجية، فيكون الذمُّ والمنع خاصَّاً بمن رفع رايات خاصَّة وبأوصاف خاصَّة، ممَّا دفع بالإمام إلى إطلاق هكذا رواية، فلا تشمل كلّ الرايات.
الثالث: أنَّ كثيراً من الأعلام وخصوصاً المتقدِّمين، كالنعماني في غيبته، أورد هذا المعنى من الروايات في باب ادِّعاء الإمامة من الله تعالى، أي ادِّعاء أنَّه من الأئمَّة المعصومين المنصوصين من النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا ادِّعاء لا إشكال في بطلانه، أمَّا لو لم تكن الدعوى بهكذا أمر فلا تشملها الرواية.
الرابع: أنَّ هذه الصحيحة معارضه أو مخصصة بصحيحة العيص بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: (عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَوَ اللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ فِيهَا الرَّاعِي، فَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ بِغَنَمِهِ مِنَ الَّذِي هُوَ فِيهَا، يُخْرِجُهُ ويَجِيءُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ بِغَنَمِهِ مِنَ الَّذِي كَانَ فِيهَا، وَاللهِ لَوْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ نَفْسَانِ يُقَاتِلُ بِوَاحِدَةٍ يُجَرِّبُ بِهَا، ثُمَّ كَانَتِ الْأُخْرَى بَاقِيَةً تَعْمَلُ عَلَى مَا قَدِ اسْتَبَانَ لَهَا، وَلَكِنْ لَهُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، إِذَا ذَهَبَتْ فَقَدْ وَاللهِ ذَهَبَتِ التَّوْبَةُ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ، إِنْ أَتَاكُمْ آتٍ مِنَّا فَانْظُرُوا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَخْرُجُونَ، وَلَا تَقُولُوا: خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً، وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعٍ لَيَنْقُضَهُ، فَالْخَارِجُ مِنَّا الْيَوْمَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَدْعُوكُمْ، إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَنَحْنُ نُشْهِدُكُمْ أَنَّا لَسْنَا نَرْضَى بِهِ، وَهُوَ يَعْصِينَا الْيَوْمَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَهُوَ إِذَا كَانَتِ الرَّايَاتُ وَالأَلْوِيَةُ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُسْمَعَ مِنَّا، إِلاّ مَنِ اجْتَمَعَتْ بَنُو فَاطِمَةَ

(٣)

مَعَهُ، فَوَاللهِ مَا صَاحِبُكُمْ إِلاّ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ رَجَبٌ فَأَقْبِلُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَتَأَخَّرُوا إِلَى شَعْبَانَ فَلَا ضَيْرَ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَصُومُوا فِي أَهَالِيكُمْ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَقْوَى لَكُمْ، وكَفَاكُمْ بِالسُّفْيَانِيِّ عَلامَةً)(٩).
فإنَّ التعليل الوارد في مشروعية ثورة زيد (عليه السلام) هو عامٌّ، ودالٌّ على المشروعية مع توفّر صفات خاصَّة بالثورة، (فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً، وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلم))، فتُخصِّص إطلاق تلك الرواية، أو تعارضها وتُسقِطها.
وَفِي عُيُونِ الأَخْبَارِ: عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى المُكَتِّبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّوْلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ النَّحْوِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُبْدُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَأْمُونِ: (لا تَقِسْ أَخِي زَيْداً إِلَى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، غَضِبَ للهِ، فَجَاهَدَ أَعْدَاءَهُ حَتَّى قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ عَمِّي زَيْداً، إِنَّهُ دَعَا إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ ظَفِرَ لَوَفَى بِمَا دَعَا إِلَيْهِ، لَقَدِ اسْتَشَارَنِي فِي خُرُوجِهِ فَقُلْتُ: إِنْ رَضِيتَ أَنْ تَكُونَ المَقْتُولَ المَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ فَشَأْنَكَ...)، إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالَ الرِّضَا (عليه السلام): (إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ كَانَ أَتْقَى للهِ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ قَالَ: أَدْعُوكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلم))(١٠).
و غيرهما، ممَّا دلَّ على تقديس قيام زيد وأمثاله من الثوار، ممَّن كانت دعوتهم إلى الحقِّ، ومنها قيام الحسين بن علي شهيد فخّ، ولم يُعرَف من أئمَّتنا (عليهم السلام) رواية تدلُّ على قدحه، بل وردت روايات مستفيضة ظاهرة في تقديسه وتقديس قيامه، ذكرها في مقاتل الطالبيين(١١).
الخامس: أنَّ هناك روايات تدلُّ على أنَّ هناك رايات حقٍّ قبل القائم (عليه السلام)، منها هذه الروايات:
١ - في غيبة النعماني بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في خبر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) الكافي ٨: ٢٦٤/ ح ٣٨١.
(١٠) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ٢٢٥ و٢٢٦/ باب ٢٥/ ح ١.
(١١) مقاتل الطالبيين: ٢٨٨.

(٤)

طويل في علامات الظهور: (وليس في الرايات راية أهدى من اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكلِّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنَّ رايته راية هدى، ولا يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلى الحقِّ وإلى طريق مستقيم)(١٢).
فظاهر الخبر أنَّ هذه الراية راية حقٍّ، وأنَّها قبل قيام الإمام القائم (عليه السلام)، فلا يبقى إطلاق في الخبر المانع، فكلُّ راية داعية إليه وممهِّدة لظهوره، لا مانع منها، ويجب إسنادها.
٢ - في كتاب الغيبة أيضاً بسنده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: (كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطَونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطَون ما سألوه فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلاّ إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)(١٣).
والخبر واضح الدلالة على أنَّ هذا القيام قيام حقٍّ، وهو قبل قيام القائم (عليه السلام)، فلا يبقى إطلاق للرواية.
٣ - في سنن ابن ماجة في حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتَّى يأتي قوم من قِبَل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يُعطَونه، فيقاتلون فيُنصَرون، فيُعطَون ما سألوا، فلا يقبلونه حتَّى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج)(١٤).
٤ - وفي سنن ابن ماجه أيضاً: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يخرج ناس من المشرق، فيُوطِّئون للمهدي) يعني سلطانه(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(١٣) الغيبة للنعماني: ٢٨١/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(١٤) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦/ ح ٤٠٨٢.
(١٥) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٨.

(٤)

٥ - وفي البحار عن تاريخ قم بسنده عن أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام)، قال: (رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحقِّ، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، ولا يملّون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكَّلون، والعاقبة للمتَّقين)(١٦).
٦ - وفيه أيضاً عن تاريخ قم: روى بعض أصحابنا، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً، إذ قرأ هذه الآية: (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً) [الإسراء: ٥]، فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء؟ فقال - ثلاث مرّات -: (هم والله أهل قم)(١٧).
٧ - وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة)(١٨).
٨ - وفيه أيضاً بسنده عن جابر بن سمرة، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: (لن يبرح هذا الدين قائماً، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتَّى تقوم الساعة)(١٩).
إلى غير ذلك من الأخبار.
السادس: أنَّ الصحيحة لو قيل بإطلاقها فإنَّ طرحها واجب، لأنَّها معارضة لمحكمات الكتاب والسُّنَّة الواردة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإنَّ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا إشكال في وجوبه إلى يوم القيامة، والقول بإطلاق الرواية يمنع من القيام بهذه الوظائف في بعض مراتبها.
وسيأتي بعض بيان لهذه النقطة في المحور الثاني.
بل قد يظهر وجوبها ـ عند البعض من العلماء ـ وذلك حتَّى لو فُرِضَ عدم القدرة على العمل إلاّ في ظلِّ راية الباطل، بشرط عدم تأييد الباطل أو نصرته، بل الدفاع عن الحقِّ فقط، ولو في ظلِّ دولة الانحراف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) بحار الأنوار ٥٧: ٢١٦/ ح ٣٧.
(١٧) بحار الأنوار ٥٧: ٢١٦/ ح ٤٠.
(١٨) صحيح مسلم ١: ٩٥.
(١٩) صحيح مسلم ٦: ٥٣.

(٤)

ففي خبر يونس، قال: سأل أبا الحسن (عليه السلام) رجل وأنا حاضر، فقال له: جُعلت فداك، إنَّ رجلاً من مواليك بلغه أنَّ رجلاً يُعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله، فأتاه فأخذهما منه، وهو جاهل بوجه السبيل، ثمّ لقيه أصحابه فأخبروه أنَّ السبيل مع هؤلاء لا يجوز، وأمروه بردِّهما، قال: (فليفعل)، قال: قد طلب الرجل فلم يجده، وقيل له: قد قضى الرجل؟ قال: (فليرابط ولا يقاتل)، قال: مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ فقال: (نعم)، قال: فإن جاء العدوُّ إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: (يقاتل عن بيضة الإسلام)، قال: يجاهد؟ قال: (لا، إلاّ أن يخاف على دار المسلمين، أرأيتك لو أنَّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟)، قال: (يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان، لأنَّ في دروس الإسلام دروس دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم))(٢٠).
السابع: إنَّ إطلاق الرواية إلغاءٌ لصلاحيات الفقيه في عصر الغيبة، بناءً على أدلَّة النيابة العامَّة عن المعصوم أو القيام بالجهاد - خصوصاً الابتدائي لمن يرى ذلك -، ووجوب القضاء، ووجوب إقامة الحدود والقصاص، وإقامة العدل بين الناس، والحال أنَّ بعض تلك الواجبات لا تُقام إلاّ إذا كان هناك دولة على رأسها الفقيه أو يشرف عليها الفقيه .
الثامن: أنَّه خلاف ضرورة الانتظار الإيجابي، والتمهيد لدولة الامام القائم (عليه السلام)، من خلال تقوية البنى العامَّة لأهل الحقِّ، وتقليص وتحجيم دول الباطل، والقيام بالوظائف الشرعية.
التاسع: أنَّ إطلاق الرواية خلاف سيادة دين الإسلام، وهو دعوى إلى الانزواء، وأنَّ الدين ليس نظام دولة، وإنَّما نظام مسجد وعبادة، ممَّا يقوّي شوكة اللادينيين، ويُضعِّف شوكة المؤمنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) الكافي ٥: ٢١/ ح ٢، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٤)

الرواية الثانية:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبَاحٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى الْحُسَيْنِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ رَايَةِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ)(٢١).
الرواية الثالثة:
وأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ بِقُمّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ الرَّازِيُ،‏ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: (كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ)(٢٢).
الرواية الرابعة:
وأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبَنْدَنِيجِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: (كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ - أَوْ قَالَ: تَخْرُجُ - قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (عليه السلام) صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ)(٢٣).
وهذه الروايات الثلاث يرد على دلالتها ما ورد على الرواية الأُولى، فلا نُكرِّر. بالاضافة إلى النقاش في بعض أسانيدها ورجالها لم نذكرهم دفعاً للإطالة من جهة، ولتطابق مضمونها الذي يوجب الاطمئنان بصدورها من جهة أُخرى، وهذه الروايات الثلاث كلّها من غيبة النعماني (رحمه الله).
الطائفة الثانية:
روايات ظاهرها منع إقامة نظام حكم قبل القائم (عليه السلام)، ولكنَّها روايات غير تامَّة دلالةً، لأنَّ الخطاب فيها عادةً إمَّا إلى شخص معيَّن أو أشخاص بنحو القضيَّة الخارجية لا الحقيقية، فلا خطاب عامّ بها، فيحتمل فيها أنَّ الخروج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الغيبة للنعماني: ١١٤ و١١٥/ باب ٥/ ح ٩.
(٢٢) الغيبة للنعماني: ١١٥/ باب ٥/ ح ١١.
(٢٣) الغيبة للنعماني: ١١٥/ باب ٥/ ح ١٢.

(٤)

كرأس وإمام أصل كإمامة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، فلا إطلاق بها للمنع، بالإضافة إلى ضعف سند بعضها.
وذلك من قبيل:
١ - الرواية التامَّة سنداً عن سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا سدير، الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك)(٢٤).
٢ - رواية جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (يا جابر، الزم الأرض، ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العبّاس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عنّي، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق...).
وظاهر هذه الرواية ارادة القضية الحقيقية، وهذا لا يضر بأصل المطلب.
ولهذه الرواية سند تامٌّ - على الأصحّ - في (غيبة النعماني) كالتالي: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي(٢٥).
والكلام في ابن أبي المقدام وجابر الجعفي، وقد روى عنهما بعض المشايخ الثلاثة، فهما تامّان، ولقرائن أُخرى.
وكون جابر (مخلطاً) كما عبَّر النجاشي لا يضرُّ، إذ المقصود بالاختلاط الوارد في كلام النجاشي هو الجنون على الأرجح، وهو الذي تظاهر به فترة من الزمن، كما ورد في الكافي(٢٦).
٣ - رواية عمر بن حنظلة التامَّة سنداً، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني)، فقلت: جُعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا...)(٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الكافي ٨: ٢٦٤/ ح ٣٨٣.
(٢٥) الغيبة للنعماني: ٢٨٨ و٢٨٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(٢٦) الكافي ١: ٣٩٦/ ح ٧.
(٢٧) الكافي ٨: ٣١٠/ ح ٤٨٣.

(٤)

٤ - رواية عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن الفضل بن سليمان الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: (ليس لكتابك جواب، اخرج عنّا...)، إلى أن قال: (إنَّ الله لا يعجل لعجلة العباد، ولَإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة ملك لم ينقضِ أجله...)، إلى أن قال: قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك، جُعلت فداك؟ قال: (لا تبرح الأرض يا فضل، حتَّى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثاً -، وهو من المحتوم)(٢٨).
وغيرها.
المحور الثاني: شبهة العجز عن إقامة دولة وجوابها:
هناك شبهة تقول: إنَّه لا يمكن أن نُقيم دولةً في زمن الغيبة قبل قيام القائم (عليه السلام)؛ وذلك لأنَّ المعصوم غير حاضر، والدولة تحتاج إلى حضور المعصوم.
فهل عدم وجود المعصوم مانع من قيام دولة دينية؟
هل هذا صحيح حتَّى مع وجود مرجعية مبسوطة اليد؟
وهذا كلامنا على مستوى التنظير، ولا ننظر إلى الدول القائمة خارجاً، سواء الآن أو ماضياً أو مستقبلاً.
الجواب:
إنَّ قيام نظام ودولة أمرٌ لا بدَّ منه، وإلاّ لاختلَّ النظام العامّ، وهذا أمر ممنوع عقلاً وعقلائياً وشرعاً، بل وفطرةً.
فإنَّ لابدّية إقامة نظام حكم لا بدَّ منه، سواء كان القائمون به ملتزمون أو غير ملتزمين، فلا خصوصية لهؤلاء أو هؤلاء لإقامة نظام حكم من حيثية أصل الإقامة، وإنَّما الخلاف في نظام الحكم وأسالبيه فحسب.
وبما أنَّ فرصة إقامة النظام متوفِّرة للجميع، فلا يُفرَّق بين المؤمنين وغير المؤمنين من حيث إقامة النظام، وتوفير فرصة لحياة نظامية.
فليس من الصحيح إذن أن نقول: إنَّ نظام الحكم يمكن أن يقيمه العلماني أو اللاديني، ولا يمكن أن يقيمه الديني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الكافي ٨: ٢٧٤/ ح ٤١٢، عنه وسائل الشيعة ١٥: ٥٢/ باب ١٣/ ح ١٩٩٦٨.

(٤)

فأصل القدرة على التشكيل لنظام حكم متوفِّرة بلا إشكال، فلا خصوصية للكافر أو المسلم من هذه الناحية، إذ أنَّ أسباب النجاح متوفِّرة وموزَّعة بعدالة على البشر، كما قال تعالى: ﴿كُلاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (الإسراء: ٢٠)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ (غافر: ٧)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ...﴾ (الزخرف: ٣٣).
فلا انحصار للنعم بيد الكفّار، كما هو ظاهر الآيات الكريمة.
بل لعلَّ هناك امتيازاً للمؤمنين أحياناً بالنعم المادّية والمعنوية، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٢).
وغيرها من الآيات.
فلا انفراد لفئة دون فئة بالإمكانيات المادّية والمعنوية، التي تكون أساساً لإقامة الحكم، فما يقوله اللادينيون بأنَّ الدينيين لا يصحُّ أن يُقيموا حكماً غير صحيح، فلا مدخلية للمعتقد في ذلك، وإنَّما يقولونه لكي يستفردوا بالسلطة، ويعيثوا في الأرض فساداً، مادّياً ومعنوياً.
فإنَّ الإيمان ليس سبباً لخلق العجز عند الإنسان، بل على العكس من ذلك، فهو يخلق في الإنسان روح التحدّي والصمود والصبر وقوَّة التحمّل، ويدعوه الى العمل الجادِّ، ويُجنِّبه من كلِّ لهو وعبث، بل إنَّ إيمانه يدعوه إلى إتقان العمل، وتقديمه بإخلاص وتفاني، لأنَّه يرجو أجراً آخراً يوم القيامة.
وكون الإمام المعصوم غائباً لا يكون مانعاً عن إقامة النظام، ولو من باب (ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك كُلّه).

(٤)

بل إنَّ إقامة النظام الديني قد يكون واجباً، من باب إقامة أحكام الله (عزَّ وجلَّ)، ولو بنحو الموجبة الجزئية، إذا امتنع إيجادها بنحو الإيجاب الكلّي، وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاهدة على ذلك، كما أنَّ إقامة الحدود والقصاص والانتصاف للمظلوم بالقضاء شاهد آخر، وهذه الأُمور يصعب إقامتها بلا نظام ديني عملي.
كما أنَّ منع إقامة نظام ديني، يؤدّي إلى هيمنة الخطّ اللاديني على المقدّرات العامَّة للبلاد والعباد، ممَّا يؤدّي إلى دخول الناس أفواجاً في حزب الشيطان لا في حزب الرحمن.
فالظروف وإن لم تكن مؤاتية لإقامة النظام الأكبر والأتمّ، إلاّ أنَّ الظروف مؤاتية لإقامة ما هو أقلّ، تحت قيادة نائبة كما نصَّت الروايات، وهذه القيادة تُمهِّد لظهور القيادة التامَّة، تحت لواء صاحب العصر والزمان (عليه السلام).
فليس من الصحيح أن نحصر إقامة الحكم في صورة قيام القائم (عليه السلام) فقط، بل نتوسَّع إلى ما هو أكثر تمهيداً للقائم (عليه السلام).
فيجب بذلك القيام بالوظيفة الشرعية تجاه إقامة أحكام الدين وحماية المؤمنين والثروات وغيرها، من خلال تأمين نظام يقوده الفقهاء العدول، مع الخبرات في كلِّ مجال، كما هو حاصل في بعض الدول المعاصرة.
فالوظيفة الشرعية تُحتِّم القيام بالمسؤولية الدينية تجاه الأُمور الواقعة، التي هي مسؤولية القائد، والنخب، والرعيَّة.
فيجب حينئذٍ على المؤمنين العمل على تشكيل الحكومة الإسلاميَّة، والقيام بها على الكفاية، حين تتحقَّق ظروفها، في أيَّة بقعة من بقاع الأرض.
وبعبارة ثانية:
ما هو موقفنا من تأسيس دولة دينية في زمن غياب المعصوم (عليه السلام)؟
إنَّ الجواب لا يخلو من وجوه ثلاثة:
الوجه الأوَّل:
أن تُترَك إقامة الحكومات إلى اللادينيين من علمانيين، أو ليبراليين، أو ملحدين،

(٤)

من ظلمة وفاسقين وكافرين، فيحكموا البلاد والعباد، بلا تدخّل من الدين والدينيين.
وهذا القول خلاف خاتمية الشريعة، بل خلاف كلِّ الأديان السماوية، التي هي لصلاح الدارين، كما أنَّه تسويغ لنشر الأفكار الضالَّة والمنحرفة، وسيادة القوانين الوضعية واللادينية، وتقوية الاتِّجاه اللاديني.
فلا يمكن الالتزام بذلك إطلاقاً.
فكيف نقبل لدين جاء لإنقاذ البشرية، أن يُسلِّم بلاد الإسلام والمسلمين بيد الفاسق والظالم والكافر؟
الوجه الثاني:
أن نفترض أنَّ موقف الدين هو رفض وجود دولة وحكومة ونظام بلا وجود المعصوم (عليه السلام)، وهذا كلام لا يصحُّ ولا يُقبَل من إنسان عاقل كما بيَّنا، فهذا الاحتمال واضح البطلان.
الوجه الثالث:
وبه ينحصر الأمر، وهو أنَّه لا بدَّ من إقامة دولة الإسلام في كلِّ آنٍ ولو تعذَّر وجود المعصوم (عليه السلام)، فالأمر ينحصر في أفضل الموجودين، وهي المرجعية النائبة، كما نصَّت الروايات التي بُحثت في محلِّها، الدالَّة إمَّا على الولاية المطلقة، أو الولاية الحسبية، أو غيرها من النظريات.
فالشريعة فيها جوانب فردية، كأكثر العبادات.
وفيها جوانب جمعية، كبعض العبادات، وأكثر المعاملات.
وفيها جوانب تطبيقية وإجرائية، أي جنبة تنفيذية، لا بدَّ من وليٍّ يقيمها، وهذا هو نظام الدولة، والذي يُعبَّر عنه بالسياسات، كالنظام القضائي، ونظام الحدود والقصاص، ونظام الحرب والسلم، وغيرها.
وهذه الجنبة الأخيرة هي نظام دولة أكثر من غيرها، وإن كان غيرها بالنظرة الدقّية قد يدخل في فقه الدولة أيضاً، كالنظام الاقتصادي - الخمس والزكاة وغيرها -، والاجتماعي كالزواج والطلاق وغيرها، والسياسي كصلاة الجمعة

(٤)

وخطبتيها السياسية وغيرها، والعسكري والأمني كالجهاد والمرابطة وغيرها.
وأبواب الفقه أكثرها فيها نظام دولة، ولا بدَّ من وليِّ يديرها.
فمثلاً الجهاد، فهو عمل جماعي لا يمكن أن يتحقَّق إلاّ أن يكون وليّ الأمر على رأسه غالباً، ولا شكَّ في وجوب الجهاد في الجملة في زمن حضور المعصوم (عليه السلام) وفي غيبته، كما هو رأي الفقهاء وإن كان هناك خلاف في الجهاد الابتدائي والهجومي.
فكثير من الموارد يُحتاج إلى إقامتها إلى نظام وسلطة ودولة، على رأسها سلطة شرعية، تملك السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، بغضِّ النظر عن النظرية بالحكم، ومدى تلك الصلاحيات، فإنَّ تفصيل ذلك ليس من البحث.
وكذلك إقامة نظام القضاء والحدود والقصاص، يحتاج إلى نظام ودولة وسلطة إجرائية تُنفِّذه.
وكذلك الحفاظ على معالم الدين وشعائره، كالحجِّ مثلاً، فإنَّ هناك روايات تدلُّ دلالة واضحة على ارتباط أداء هذه الفريضة بوجود حكومة قائمة ووليِّ أمر.
فعن الصادق (عليه السلام): (لو عطَّل الناسُ الحجَّ، لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجِّ...)(٢٩).
وعن الصادق (عليه السلام) أيضاً: (لو أنَّ الناس تركوا الحجَّ، لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين)(٣٠).
إنَّ إجبار الناس والإنفاق عليهم من بيت مال المسلمين، يستدعي وجود إمام مبسوط اليد، وله ولاية فعلية.
فهذه نماذج من ضرورة الدولة والحاكم الشرعي في زمن الغيبة، بحسب الضوابط الشرعية، وبما توصلنا الأدلَّة من حدود وصلاحيات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الكافي ٤: ٢٧٢/ ح ٢.
(٣٠) الكافي ٤: ٢٧٢/ ح ١.

(٥)

 

الصيحة (قراءة في أعماق الصوت)

 

الشيخ حسين الأسدي

 

مقدّمة:
حدث عالمي، ديني، ينتظره الجميع، على اختلاف بينهم في الصغرى بعد تسليم الكبرى، أو قل: على اختلاف بينهم في المصداق الذي سيتحقَّق ذلك الحدث على يديه.
فالمسلمون جميعاً، بل والموحِّدون، ومن يدين لله تعالى بدين سماوي، إن لم نأخذ بعين الاعتبار الديانات الوضعية التي آمنت به، كلّها تنتظر ذلك اليوم الذي تتحقَّق فيه المدينة الفاضلة، نعم، قد اختلفوا في شخص الذي سيبني تلك المدينة الفاضلة والجنَّة الأرضية.
إنَّه اليوم الموعود، يوم انتصار العدل وسيادته على الظلم والجور.
هيامٌ نجده عند الكثير ممَّن اهتمّوا بذلك الحدث، وعشقٌ جعل منهم لا يفترون يذكرونه ويتمنَّونه.
جهود كثيرة، بُذِلَت، ليعرف الشخص متى سيقع ذلك الحدث.
وهل هناك من طريقة لمعرفة قرب حدوثه؟
إنَّه البحث عن علامات الظهور و مؤشِّراته، تلك العلامات التي لم يهملها التراث الديني، وأعطاها من صفحاته قدراً معتدّاً به.

(٥٣)

وهي مختلفة فيما بينها من حيث دلالتها على الظهور أو تشخيص المنقذ. وفي قربها أو بعدها نسبياً عن يوم الظهور الرسمي المنتظَر.
ومهما اختلفت تلك العلامات في درجة دلالاتها، فإنَّه يمكن القول: إنَّ هناك علامة بارزة من حيث المضمون والإشارات والدلالة على قرب الظهور، إنَّها علامة (الصيحة).
هذا البحث لا يُراد له أن يبحث في أسانيد روايات الصيحة، ولا الخوض في كلِّ دلالاتها، وإنَّما هو بحث علمي بحت، حول زاوية من زواياها، والتي تعتبر من مميّزات الصيحة ومن المفاصل الفارقة فيها، والتي يمكن أن تجعلها أهمّ علامات الظهور على الإطلاق، وهي كذلك.
إنَّها تلك اللغة، التي سيصيح بها جبرائيل من السماء: أنَّ الحقَّ مع علي (عليه السلام)، تلك اللهجة التي تُخرِج الفتاة من خدرها وتوقظ النائم، وتدخل البيوت عنوة.
إنَّها تلك الجملة التي يفهمها الجميع، على اختلاف مشاربهم ولغاتهم التي ربَّما تتجاوز الآلاف، الكلُّ يفهمها في اللحظة التي تطرق أسماعهم. يفهمونها، ويعونها، فتخبت قلوب العارفين إليها.
وهذا هو مركز البحث.
فإنَّه يحقُّ لباحث أن يسأل:
كيف يفهم الجميع - على اختلاف لغاتهم - معنى واحداً من جملة واحدة بلفظ واحد؟
ما هي الطريقة التي يتمُّ من خلالها إفهام الجميع لمضمون تلك الجملة؟
ما هي ماهية تلك الألفاظ التي ستطرق أفهام الجميع في لحظة واحدة؟
يمكن في هذا المجال تقديم تصوّرات ثبوتية، قد يساعد بعضها الدليل الإثباتي، وقد يبقى بعضها في حيِّز الإمكان، وقد يُستَدلُّ على بطلان بعضها الثالث.

(٥)

والذي يمكن تصوّره في هذا المجال هو التالي:
التصوّر الأوّل:
أن تكون تلك الألفاظ الصادرة حين الصيحة، سنخ ألفاظ من شأن الجميع أن يفهموا معانيها بمجرَّد سماعها، أي إنَّها ألفاظ من النوع الذي يدلُّ على معناه بمجرَّد سماعه.
ويمكن تفسير هذا التصوّر بأحد تفسيرين:
التفسير الأوَّل: نظرية ذاتية دلالة الألفاظ على معانيها:
هناك بحث في علم الأُصول حول الكيفية التي تدلُّ وفقها الألفاظ على معانيها؛ فإنَّ ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الألفاظ تدلُّ على معانٍ معيَّنة، ووفق تلك الدلالة حصل التفاهم وتبادل الأفكار بين أبناء البشر، والبحث المهمّ هنا، هو السؤال عن كيفية دلالة الألفاظ المخصوصة على معانٍ معيَّنة.
وقد اختلف الأُصوليون في نوع تلك الدلالة وحقيقتها، وقد يُعنْوَِن الأُصوليون هذا البحث بـ (حقيقة الوضع)، والمهمُّ في نوع تلك الدلالة رأيان:
الرأي الأوَّل: نظرية ذاتية الدلالة:
نُسِبَ إلى عبّاد بن سليمان الصيمري وأصحاب التكسير القول بأنَّ دلالة اللفظ على المعنى إنَّما نشأت من مناسبة ذاتية(١)؛ أي إنَّ دلالة اللفظ على المعنى هي كدلالة الدخان على وجود النار(٢).
وحالها يكون حال من يحسُّ بالبرودة عندما يضع يده على الثلج، أو بالحرارة عندما يضع يده على النار.
وهذا يعني أنَّ دلالة الألفاظ على معانيها أو السببية القائمة بين الوجودين الذهنيين للفظ والمعنى، هي دلالة وسببية ذاتية، بحيث لا تحتاج إلى جَعْل جاعل أو وَضْع واضع، أي إنَّها لا تحتاج إلى سبب خارج عن حاقِّ اللفظ، فاللفظ بذاته هو سبب لانتقاش المعنى في ذهن السامع، من دون حاجة لأن ينضمَّ إليه شيء خارجي(٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) قوانين الأُصول للميرزا القمّي: ١٩٤.
(٢) أُصول الفقه للمظفَّر ١: ٩.
(٣) بحوث في علم الأُصول/ أبحاث السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه)/ تقرير الشيخ حسن عبد الستّار (مج ١/ ج ٢/ ص ١٥٣)، بتصرّف.

(٥)

الرأي الثاني: نظرية الوضع والاعتبار:
تقوم هذه النظرية على أساس أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست ناشئة من مناسبة ذاتية، وهي لا يكفي فيها اللفظ وحده، بل لا بدَّ من إدخال عنصر خارجي ومؤثِّر آخر غير نفس اللفظ في تكوين تلك الدلالة، وذلك العنصر الخارجي هو ما يُطلَق عليه أُصولياً بـ (الوضع)، فدلالة اللفظ على المعنى (ناشئة من الوضع الذي يمارسه الواضع، الذي يعتبر هذا اللفظ لذاك المعنى).
وقد اختلف الأُصوليون بعد ذلك في الكيفية التي بواسطتها تمَّت عملية الوضع ودلالة اللفظ على المعنى على ثلاث نظريات، هي:
١ - نظرية أو مسلك التعهّد: وهو مختار السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) وجماعة من المحقِّقين قبله، وخلاصتها: (أنَّ هذا الأمر الخارجي الذي نُسمّيه بالوضع، والذي ببركته وبسببه صار اللفظ سبباً لانتقاش المعنى، وللدلالة على المعنى، هذا الوضع، هو عبارة عن تعهّد من قِبَل الإنسان اللغوي، بأنَّه متى ما قصد تفهيم المعنى الفلاني، أتى باللفظ الفلاني من أجل تفهيمه)(٤).
٢ - نظرية أو مسلك الاعتبار: وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في بيان وتصوير هذا الاعتبار على ثلاثة اتِّجاهات، ولا يهمّنا التعرّض لتفاصيلها الآن(٥).
٣ - نظرية أو مسلك الجعل الواقعي: فالوضع هنا عبارة عن جعل السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى، أي جعل اللفظ سبباً للمعنى(٦).
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ من اختار النظرية الثانية في نوع دلالة اللفظ على المعنى، كان قبلاً قد استدلَّ على بطلان نظرية ذاتية دلالة اللفظ على المعنى، وقد ذكروا لبطلانها التالي:
إنَّ لازم كون الدلالة تلك ذاتية، هو أنَّ كلَّ من يسمع اللفظ المعيَّن فإنَّه سيفهم المعنى المراد منه، والوجدان قاضٍ بأنَّ من لا يعلم بالوضع فإنَّه لا يستطيع أن يفهم معاني الألفاظ التي يسمعها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) المصدر السابق: ١٥٥.
(٥) للتفاصيل راجع المصدر السابق (ص ١٧٦) وما بعدها.
(٦) المصدر السابق: ١٩٠.

(٥)

وبعبارة أُخرى: إنَّ لازم ذاتية الدلالة هي أن يفهم أصحاب كلِّ لسان لغة أيِّ قوم آخرين، فكما يحسُّ الجميع بالبرودة عند وضع اليد على الثلج، كذلك يفترض أن يفهم جميع البشر معنى أيّ لفظ بمجرَّد سماعه، والوجدان قاضٍ ببطلان هذا اللازم.
فلو كانت الدلالة ذاتية (لما اختلف الناس باختلاف علمهم بالوضع، وجهلهم بالوضع، فلو كان اللفظ بنفسه سبباً لانتقاش المعنى في الذهن، إذن لما اختلف العالم بالوضع عن الجاهل بالوضع بشيء)(٧).
تطبيق نظرية ذاتية الدلالة على لغة الصيحة:
حيث إنَّ البحث هنا ثبوتي - أي إنَّنا غضضنا النظر عن مثبتات النظرية المدَّعاة -، فيمكن أن نتصوَّر فهم جميع البشر للغة الصيحة في آنٍ واحدٍ وفق نظرية ذاتية دلالة اللفظ على المعنى.
فإنَّه لو كانت دلالة الألفاظ على معانيها من هذا القبيل، أي دلالة ذاتية، بحيث ينتقل الذهن من حاقِّ الألفاظ إلى تلك المعاني المقصودة منها والموضوعة لها. فحينئذٍ، يكون تعقّل فهم الجميع للصيحة واضحاً جدّاً.
التفسير الثاني:
أن تكون تلك الألفاظ الصادرة حين الصيحة، هي سنخ ألفاظ يشترك جميع بني البشر في فهم معانيها، بحيث تكون مستعملة لدى جميع الناس بمعنى واحد على اختلاف لغاتهم.
فهذه الألفاظ لها صورة لفظية معيَّنة، لكن جميع البشر يفهمون منها معنىً واحداً على اختلاف لغاتهم وثقافتهم ومشاربهم العلمية.
وهذا التصوّر لا مانع منه ثبوتاً، بل قد يُؤيَّد بوجود بعض الألفاظ التي يفهم جميع البشر معانيها بمجرَّد سماعها، وقد يقال: إنَّ منها كلمة (ماما) وما شابه، وبالنسبة لكلمة (ok) أو (yes) التي يفهمها اليوم أغلب الناس في العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) المصدر السابق: ١٥٣ و١٥٤، نقلاً عن محاضرات في أُصول الفقه للفيّاض ١: ٤٢ و٤٣.

(٥)

وقد يساعد على هذا التفسير ما نراه اليوم من القفزات العلمية والتطوّر الحضاري، فيمكن أن نتصوَّر أنَّه ستوجد على مرِّ الأزمنة وتطاول الأيّام لغةٌ خاصَّةٌ، تكون مشتركة الاستعمال بين جميع أفراد البشر، كما هو اليوم شأن الكثير من المفاهيم المشتركة المستعملة في الأجهزة الحديثة.
إلاّ أنَّه تصوّر ثبوتي ولا مثبت له.
على أنَّ تصوّر هذا الأمر ممكن وقريب في لفظ واحد مثلاً أو لفظين كما تقدَّم التمثيل له، أمَّا أن يكون ذلك في جملة كاملة متكوِّنة من ألفاظ عديدة، وتشير إلى معانٍ مستوحاة من عمق التاريخ، ومعانٍ عقائدية على أساسها انقسم الناس إلى فِرَق ومذاهب، فهذا أمر بعيد حسب المعطيات التي نراها اليوم.
لكنَّه على أيَّة حالٍ، تصوّر ممكن في حدٍّ نفسه.
التصوّر الثاني:
أن نفترض أنَّ البشرية جمعاء ترتقي في ثقافتها العامَّة، وتتطوَّر إدراكاتها العقلية، بحيث يصبح كلُّ فرد من أفرادها قادراً على فهم جميع لغات العالم بمجرَّد سماع ألفاظها، فتنعدم آنذاك الحاجة إلى المترجمين، لأنَّ كلَّ واحدٍ من البشر يفهم لغات العالم أجمع.
ويكون كلُّ فرد آنذاك أشبه بما يُسمّى اليوم بـ (المترجم الفوري) الذي سبق وأَنْ جُهِّز بجميع اللغات وما يقابلها من اللغات الأُخرى، والذي يمكنه بكبسة زر واحدة أن يترجم أيَّة لغة إلى أيَّة لغة أُخرى.
وآنذاك، فبأيَّة لغة صدرت ألفاظ الصيحة، فإنَّ كلَّ فردٍ فردٍ سيترجمها مباشرةً، وسيعرف المعنى الذي ترمي إليه.
إنَّ هذا التصوّر ممكن في حدِّ نفسه، وقد يُؤيَّد بما انتهى إليه العلم اليوم من أنَّ للعقل البشري قدرات عجيبة، وإمكانيات مذهلة، وأنَّ الناس اليوم لم

(٥)

يستعملوا من عقولهم إلاّ الأقلّ من القليل. فإنَّ له قدرات عجيبة، لو فُعِّلت فإنَّها تصنع المعجزات.
إنَّ العقل البشري يحتوي على أكثر من (١٥٠) مليار خليَّة عقلية، وقد كتب أحد الباحثين الأمريكيين في كتابه ((s) (f) (The sixe)) أنَّنا نستخدم فقط (١/٠%) من قدرة عقولنا(٨).
وقال الدكتور هربت من جامعة (هارفارد) بالولايات المتَّحدة الأمريكية في بحثه عن العقل البشري: إنَّ العقل البشري له القدرة على التركيز على سبعة معلومات، تزيد معلومتين أو تنقص. وإنَّ العقل اللاواعي عنده القدرة على استقبال أكثر من مليوني معلومة في الثانية الواحدة، وإنَّ سرعة تفكير الإنسان تزيد على سرعة الضوء التي هي (١٨٦) ميلاً في الثانية الواحدة. وأمَّا عن مخزون ذاكرة الإنسان، ففي كلِّ خليَّة عقلية يوجد مليون خليَّة أصغر منها تُدعى (سنابزس)، وإنَّ بداخل كلِّ (سنابزس) مليون خليَّة ذاكرة. ولحساب الذاكرة تحتاج أن تضرب مليون في مليون في (١٥٠) مليار(٩).
وكمثال عملي وواقعي على القدرة الهائلة للعقل البشري، هو ما يفعله الدماغ الخارق للألماني (روديغر غام)، فإنَّه يستطيع أن يجري عمليات حسابية رياضية تتكوَّن من (٤٠) رقماً بثواني عديدة، ليست أرقاماً عديدة وحسب، بل أرقاماً مع (أُس) رياضي يصل (٢٠)، بل وإلى (٤٠)! فمثلاً سُئِلَ عن (١٧٥٤)، فأعطى الجواب المتكوِّن من (٣٠) رقماً خلال ثوانٍ قليلة.
ولكن، يمكن استبعاد هذا التصوّر من جهة ما نراه اليوم من حدود الإدراك البشري، ومن جهة تكثّر لغات العالم، حتَّى قيل: إنَّها بلغت أكثر من (٦٠٠٠) لغة، فقد كشفت(١٠) منظَّمة الأُمم المتَّحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، أنَّ عدد اللغات التي يتحدَّث بها البشر في كافَّة أنحاء الأرض، تبلغ نحو ستَّة آلاف لغة، من بينها حوالي (٢٥٠٠) لغة مهدَّدة بالاندثار...،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) أُنظر: أيقظ قدراتك لإبراهيم الفقهي: ١١.
(٩) المصدر السابق: ١١ و١٢.
(١٠) أُنظر: موقع (www.archive.arabic.cn.com).

(٥)

فمن أصل ستَّة آلاف لغة متداولة في العالم انقرضت نحو (٢٠٠) لغة على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة، في حين تُعتَبر (٥٧٣) لغة أُخرى من اللغات المحتضرة، و(٥٠٢) لغة من اللغات المعرَّضة للخطر الشديد، و(٦٣٢) لغة من اللغات المعرَّضة للخطر، و(٦٠٧) لغات من اللغات الهشَّة...، وعلى سبيل المثال حسبما جاء في بيان نشرته منظَّمة اليونسكو ضمن موقعها على شبكة الانترنت، فإنَّ الأطلس الجديد يتضمَّن (٩٩) لغة ينطق بها أقلّ من عشرة أشخاص في العالم، و(١٧٨) لغة أُخرى ينطق بها ما بين (١٠) و(٥٠) شخصاً...، ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث يتداول الناس نحو (٢٠٠٠) لغة مختلفة، أي ثلث المجموع العالمي تقريباً...
بل إنَّ هناك لغات لا يتكلَّم بها إلَّا القليل، وعلى سبيل المثال: الكورو هي لغة يتحدَّث بها عدد قليل من الشعب الهندي، ويعيش المتكلِّمون بها في إقليم أروناشال براديش، في الشمال الشرقي من شبه القارَّة الهندية، على الحدود مع مرتفعات التيبت.
(كورو)، كانت حتَّى وقت قريب من اللغات المنسيَّة، التي لم يعد يهتمُّ لها أحد من علماء اللغات والألسنيات في العالم، إلى أن اكتشف بالصدفة عالما ألسنيات أميركيان أنَّ هذه اللغة ما زالت حيَّة، ولم تنضمّ بعد إلى عداد اللغات التي تُصنَّف (ميِّتة). وبالتالي، بات عدد اللغات المعروفة حول العالم (٦٩١٠).
والعالمان هما ديفيد هاريسون وغريغوري أندرسون، كانا في رحلة دراسية إلى المنطقة عندما لفتهما أنَّ قسماً من الشعب هناك يتحدَّث بالكورو، ولاحظا أنَّ الناطقين بهذه اللغة لا يتجاوزون الـ (١٢٠٠) من كبار السنِّ بين السكّان، فيما الشبّان يتحدَّثون إمَّا بالـ (هندي) وإمَّا بالإنگليزية، وهما اللغتان المشتركتان بين معظم شعوب الهند.

(٦)

وقد ظنَّ هاريسون وأندرسون، في البداية، أنَّ ما سمعاه لا يعدو كونه لهجة محلّية لإحدى اللغات غير المتداولة كثيراً، كلغة الآكا (Aka) التي يتحدَّث بها أفراد لا يتجاوز عددهم الـ (٦٠٠) من أبناء شعب صغير آخر في المنطقة، لكنَّه من التيبت المجاورة، رغم ما بين الشعبين من علاقات يومية وتزاوج.
فقد تبيَّن للعالمين أنَّ في (كورو) ألفاظاً ومرادفات وتراكيب جمل خاصَّة بها، ممَّا يجعلها لغة قائمة بذاتها، تضاف إلى الـ (٦٩٠٩) لغات التي كانت معروفة قبل اكتشاف أنَّ الأخيرة ما زالت (حيَّة)(١١).
فمن جهة هذين الأمرين فإنَّ هذا التصوّر ـ الثاني ـ يكون بعيداً عن الوقوع.
والاستشهاد بحالة ذلك الألماني وأمثاله، هي من الندرة بمكان، بل إنَّ التقارير العلمية حول أُولئك (الخارقين) تشير إلى أنَّهم خارجون عن الطبيعة البشرية، وأنَّ تلك الحالات الخارقة التي تحصل لديهم تكون إثر صدمة ما، قد تكون صدمة نفسية، أو ضربة في الدماغ، وما شابه.
نعم، حسب المعطيات العلمية، فإنَّ العقل مهيَّأ لأنْ يكون خارقاً - فيه القابلية، والقابلية شيء والعقلية شيء آخر -، ولكن هذه الحالة بالتالي نادرة الوقوع، وتحتاج إلى مقدّمات ربَّما لا نجدها اليوم في متناول اليد لدى الجميع.
نعم، يمكن أن نُقرِّب هذا التصوّر باحتمال انقراض هذه اللغات الكثيرة، فقد نُقِلَ أنَّه توجد لغات اليوم لا يتكلَّم بها إلَّا قبيلة واحدة، وربَّما بعضها لا يتكلَّم بها إلَّا أهل بيت واحد.
وحينئذٍ يمكن تصوّر انقراض جميع اللغات إلَّا لغات معدودة يمكن للبشر أن يتعلَّموها ويتقنوها، بحيث يستطيع كلُّ البشر أن يفهموا لغات كلِّ العالم آنذاك!
وحينئذٍ يكون هذا التصوّر قريباً من الفهم.
لكنَّه أيضاً بحاجة إلى إثبات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) أُنظر: موقع (www.ankawa.com).

(٦)

التصوّر الثالث:
أن نفترض أنَّ هناك لغة معيَّنة، ستكون في يوم قريب من الظهور لغة عالمية، تفرض نفسها على جميع لغات العالم، بحيث يكون كلُّ البشر يعرفونها ويعرفون المعاني التي تدلُّ عليها ألفاظها.
ويمكن أن نتصوَّر حصول هذا الأمر بأحد نحوين:
النحو الأوَّل:
أن يكون أهل تلك اللغة متسلِّطين على جميع دول العالم عسكرياً، أو بنحوٍ آخر من أنحاء التسلّط، بحيث يفرضون على الناس أن يتكلَّموا بتلك اللغة، بالقوَّة.
وبالتدريج، سيتعلَّم الناس تلك اللغة ويتقنونها وسيعرفون معاني ألفاظها بيسر وسهولة.
ويمكن تصوّر هذا المعنى وإن كان بصورة مصغَّرة بما حصل إبّان سيطرة الدولة العثمانية التركية على البلدان العربية، حيث اتَّبعت الدولة العثمانية التركية (سياسة التتريك) بفرض اللغة التركية على الوطن العربي (الولايات العربية والمتصرّفيات آنذاك التابعة لحكم السلطان العثماني)، بحيث أصبحت الطبقة المتعلِّمة والبرجوازيون من أصدقاء الدولة العثمانية يعرفون اللغة التركية ويتقنونها تماماً. وإن كانت نسبة أُولئك في ذلك الوقت لا تتجاوز الـ (٥%) من السكّان آنذاك.
وكما حصل هذا الأمر أيضاً في الجزائر، حينما فرض الفرنسيون (سياسة الفرنسة) بفرض لغتهم على مدارس الجزائر، ممَّا أدّى إلى أن يتناسى كثير من عرب الجزائر لغتهم العربية، وحتَّى أُولئك الذين حافظوا على عربيتهم، فقد اندسَّت الكلمات الفرنسية فيها بصورة كبيرة جدّاً، وإلى اليوم نشاهد أثر تلك اللغة على الجزائريين.

(٦)

وهكذا ما حصل في شمال العراق عندما فرض النظام المقبور اللغة العربية على الأكراد، بحيث تجد اليوم كثيراً من الأكراد يفهمون اللغة العربية.
فلنفترض أنَّ هناك قوَّة عالمية قبيل الظهور المبارك، تسيطر على العالم، وتفرض لغتها على كلِّ مواطني الدول، وبالتدريج سيفهم كلُّ أبناء العالم لغة تلك القوَّة المتسلِّطة.
وهذا التصوّر ممكن في حدِّ نفسه.
ولكن هذا التصوّر قد يواجه مشكلة، وهي أنَّ الصيحة كما هو المفترض إنَّما تصدر للتبشير بقرب ظهور الحقِّ المطلق، فكيف يتناسب هذا مع فرض اللغة على الجميع، الأمر الذي يستلزم الظلم والاضطهاد؟
ويمكن الجواب بالتالي:
١ - لا ملازمة عقلية بين فرض اللغة وبين الظلم والاضطهاد، وإنَّما هي ملازمة مستخرجة ممَّا وقع من أحداث، ومعه فلا مانع من افتراض فرض لغة نفسها على الجميع من دون ظلم واضطهاد.
٢ - ولو تنزَّلنا فنقول: إنَّ صدور الصوت بتلك اللغة التي فُرِضَت على العالم بالقوَّة والظلم لا ضير فيه، فإنَّ الصوت والصيحة إنَّما تصدر بتلك اللغة لإيصال الرسالة السماوية للبشر بقرب ظهور الحقِّ المطلق، ولا يعني هذا تأييداً لتلك اللغة، ولا للظلم الذي تفرَّعت هي عنه. ومن الواضح أنَّ هذا المعنى لا يعني أنَّ الصوت هو من سبَّب ذلك التسلّط والظلم على أبناء العالم.
النحو الثاني:
أن نتصوَّر هذا الأمر في لغة تفرض نفسها لأجل كونها لغة يحتاج إليها الناس من جهة ثقافية علمية ونحوها، كما لو فرضنا وجود دولة ستتزعَّم العالم ثقافياً قبيل الظهور، بحيث يحتاج الجميع أن يتعلَّم ويفهم لغتها ليتمكَّن من الاستفادة من ثقافتها.

(٦)

وعلى أيَّة حالٍ، وبأيِّ تصوّر أمكن أن نتصوَّر تلك اللغة، فإنَّه لو حصل ذلك، لأمكن القول وفق هذا التصوّر الثالث: إنَّ الصيحة ستكون بواسطة ألفاظ هذه اللغة، ممَّا يؤدّي إلى أن يفهمها الجميع من دون حاجة إلى مترجم.
وهذا التصوّر ممكن في حدِّ نفسه، بل يمكن تقريبه إلى الواقع بالاستشهاد ببعض لغات اليوم التي تعتبر لغات عالمية تُدرَّس في جميع جامعات العالم، ويتكلَّم بها كثير من غير أبنائها الأصليين.
لكن، يبقى هذا التصوّر بحاجة إلى إثبات، كما هو حال أخويه السابقين.
ملاحظة عامَّة حول التصوّرات الثلاثة المتقدّمة:
وفق هذه التصوّرات الثلاثة، فإنَّ فهم ومعرفة معنى ألفاظ ذلك الصوت سوف يكون وفق القوانين الطبيعية المعروفة، حتَّى فيما يتعلَّق بإسماع جميع العالم لها في وقت واحد، بأن يصدر ذلك الصوت باستعمال التقنية العالية في إيصال الصوت، بل والصورة إلى العالم أجمع خلال ثوانٍ معدودة.
وهذا الأمر سيُمكِّننا من تصوّر وفهم أمرين ذكرتهما روايات الصيحة:
الأوَّل: استمرار مقاومة ومعارضة البعض للإمام المهدي (عليه السلام) رغم صدور الصيحة.
الثاني: إصدار إبليس لصيحة مقابلة لصيحة الحقِّ ومناوئة لها وعلى طرف النقيض منها، بحيث تكون لها القدرة على الإضلال.
فإنَّ القضيَّة ما دامت وفق القوانين الطبيعية، فيمكن لكلِّ من يمتلك قدرات علمية وإمكانات مادّية على مستوى عالٍ جدّاً أن يقوم بما يشابه تلك الصيحة الحقّ إلى حدٍّ كبير، الأمر الذي يتسبَّب في إضلال بعض من كان على الحقِّ، وفي نفس الوقت يتسبَّب في تبرير استمرار مقاومة ومعارضة المهدي (عليه السلام) من قِبَل البعض الآخر.

(٦)

التصوّر الرابع: المعجزة:
المعجزة: هو ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد، مع خرق العادة، ومطابقة الدعوى(١٣).
أو هي أمر خارق للعادة، مقرون بالدعوى، والتحدّي، مع عدم المعارضة، ومطابقته للدعوى(١٤).
وهي تختلف في تجلّياتها، فقد تكون فعلاً يعجز عنه البشر، أو قولاً لا يستطيع أُمراء البلاغة أن يجاروه، أو إخباراً بأمر غيبي ماضوي أو حاضر أو مستقبلي، أو غيرها.
والمعجزة لا تخرج عن قانون ونظام الأسباب والمسبَّبات العامّ، لكنَّها تخرج عن القوانين المعروفة والمتاحة للجميع(١٥)، لذلك كانت المعجزة من أقوى الأدلَّة على صدق مدَّعي النبوَّة، وهكذا هي أقوى أدلَّة من يدَّعي الارتباط بالغيب، ولذلك أيضاً كانت واحدة من أهمّ الطرق المفيدة في تشخيص الإمام المهدي (عليه السلام) فجريان بعض المعجزات على يديه، ممَّا ذكرته بعض روايات الملاحم يجري في هذا المجرى.
فقد ورد: (ويلحقه الحسني في اثني عشر ألفاً، فيقول له: أنا أحقُّ منك بهذا الأمر، فيقول له: هات علامة، هات دلالة، فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب الذي بيده فيخضرّ ويعشوشب، فيُسلِّم إليه الحسني الجيش، ويكون الحسني على مقدَّمته...) (١٦).
ومن نفس هذا المنطلق، أثبت السفير الثالث الحسين بن روح حقّانية ارتباطه بالإمام المهدي (عليه السلام) من خلال إقامته لمعجزة ذكرها التأريخ، فقد ورد عن الحسين بن علي بن محمّد المعروف بأبي علي البغدادي، قال: رأيت في تلك السنة بمدينة السلام امرأة، تسأل عن وكيل مولانا (عليه السلام) من هو؟ فأخبرها بعض القمّيين أنَّه أبو القاسم الحسين بن روح، وأشار لها إليه وأنا عنده،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣)  كشف المراد للمحقِّق الطوسي: ٢١٨/ ط ١٣٥٣هـ/ صيدا.
(١٤) الإلهيات للسبحاني ٣: ٢٢٩/ ط اعتماد/ ١٤١٧هـ/ قم.
(١٥) المصدر السابق: ٧٣ و٧٤، بتصرّف.
(١٦) الغيبة للنعماني: ٢٠٧ و٢٠٨.

(٦)

فقالت له: أيّها الشيخ أيّ شيء معي؟ فقال: ما معك اذهبي فألقيه في دجلة، ثمّ ائتيني حتَّى أُخبرك. قال: فذهبت المرأة، وحملت ما كان معها، فألقته في دجلة، ثمّ رجعت، ودخلت إلى أبي القاسم الروحي، وأنا عنده. فقال أبو القاسم لمملوكته: أخرجي إليَّ الحقَّة، فأخرجت إليه الحقَّة، فقال للمرأة: هذه الحقَّة التي كانت معكِ، ورميت بها في دجلة، أُخبرك بما فيها أم تخبريني؟ قالت: بل تخبرني أنت. قال: في هذه الحقَّة زوج سوار ذهب، وحلقة كبيرة فيها جواهر وخاتمان أحدهما فيروزج، والآخر عقيق. وكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً. ثمّ فتح الحقَّة، فعرض عليَّ ما فيها، ونظرت المرأة إليه فقالت: هذه التي حملتها بعينها، ورميت بها في دجلة. فغشي عليَّ وعلى المرأة لما شاهدناه من صدق الدلالة والعلامة(١٧).
وكون المعجزة كذلك، يعني أنَّ الحكمة الإلهية واللطف الإلهي يقتضيان عدم جريانهما إلَّا على يدي الصادق في دعوى النبوَّة أو الإمامة أو أي ارتباط مع السماء، وإلَّا فلو جرت على يدي الكاذب والمدَّعي زوراً، لكان هذا تضليلاً من الله تعالى، وهو خلف اللطف الواجب عليه (جلَّ وعلا) بحسب الحكمة الإلهية.
إنَّ المعجزة تتميَّز بأنَّها فعل يصدر من مدَّعي الارتباط بالغيب من دون سابق تعليم، وبنحو التحدّي الذي لا تنقضه المعارضة، والمعجزة لا تتحدَّد بحدود خاصَّة، فيمكنها أن تصل إلى حدِّ شقِّ القمر، وتجاوز القوانين الطبيعية في قطع المسافات، وبذلك تتميَّز المعجزة بكلِّ وضوح عن السحر الذي يأتي به المشعوذون.
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ التصوّر الرابع في كيفية فهم لغة الصيحة من جميع البشر يقوم على هذا الأساس.
فبالمعجزة - أي بالأمر الخارج عن الحدود الطبيعية المعروفة لدى البشر -،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) الخراج والجرائح للراوندي ٣: ١١٢٥ و١١٢٦.

(٦)

سيكون صدور ذلك الصوت، وبه نفسه سيُتاح لجميع البشر أن يفهموا تلك اللهجة حالة صدورها.
وهذا هو التصوّر السائد والمعروف، وقد يُستَشهد له بعدَّة شواهد من داخل الروايات التي ذكرت علامة الصيحة، ككونها من السماء، وكون المنادي بها جبرئيل، وكونها تدخل البيوت وتُفزع النائم، وممَّا يُستَشهد به لذلك هو فهم الجميع لها، كلٌّ حسب لغته.
وهذا التصوّر ممكن جدّاً في حدِّ نفسه، لكن مع ذلك هناك العديد من الإثارات التي يمكن أن تُثار من أجل إكمال معالم هذا التصوّر، ومن تلك الإثارات التالي:
الإثارة الأولى:
قد يقال: إنَّ جريان المعجزة له شرط، وهو أن يتوقَّف إثبات الحقِّ على جريانها، وإلَّا أي لو أمكن إثبات الحقِّ من خلال طريق طبيعي، فلا يبقى مجال لجريان المعجزة، وسيكون صدور المعجزة آنذاك نوعاً من اللغو المنزَّه عنه الحكيم (جلَّ وعلا).
قال السيِّد الصدر في تاريخ الغيبة الكبرى (ص ٣٦): (... إنَّ المعجزة إنَّما تحدث عند توقّف إقامة الحقِّ عليها، وأمَّا مع عدم هذا التوقّف وإمكان إنجاز الأمر بدون معجزة، فإنَّها لا تحدث بحال...).
ويمكن أن يجاب عن هذا بالتالي:
أوَّلاً: إنَّ صدور المعجزة أمر خارج عن قدراتنا العادية، وبالتالي فتحديدها وتقييدها يتبع في ذلك الأدلَّة الروائية والعقلية، ومعه فيمكن القول: إنَّ تقييد الإتيان بالمعجزة بذلك أوَّل الكلام، إذ لا دليل عليه لا من رواية ولا من عقل.
اللّهمّ إلَّا أن يقال: إنَّ إجراءها من دون ذلك لغوٌ منزَّهٌ عنه الحكيم!
ولكن يمكن الجواب: أنَّ إجراءها آنذاك يمكن أن تكون له حكمة ولو

(٦)

كانت هي التأييد والتأكيد أو حكمة مجهولة لنا تبين بعد حدوث المعجزة.
وبعبارة أُخرى: نُسلِّم تقييد إجراء المعجزة بتوفّرها على حكمة ترفع اللغو عن فِعْل الحكيم (جلَّ وعلا)، ولكن لا نُسلِّم تقييد إجرائها بتوقّف إثبات الحقِّ عليها، أي لا نُسلِّم انحصار تلك الحكمة بتوقّف إثبات الحقِّ على إجرائها، بحيث ينسدُّ إثباته من الطريق الطبيعي، كلَّا بل يكفي أن يكون إجراؤها لحكمة معيَّنة أُخرى، ولا يُشتَرط أن تكون تلك الحكمة هي إثبات الحقِّ، كأنْ يقال: إنَّها جرت لتأييد من جرت لأجله، أو لتأكيد دعواه رغم إمكان إثباتها بالطريق الطبيعي، وهذه الحكمة كافية لرفع اللغو عن فعل الحكيم.
وحيث إنَّنا نعلم يقيناً أنَّ أفعال الله تعالى لا بدَّ أن تكون وفق الحكمة، فهذا يكفي لجريان معجزة ما وإن لم نعلم وجه الحكمة فيه.
تماماً كما قيل ذلك في مسألة غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث إنَّه يكفي أنَّها موافقة للحكمة وإن لم نعلم بها الآن، وهو ما عبَّر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: (إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما) (١٨).
وممَّا يُؤيِّد هذا المعنى، أنَّه لو كان إجراء المعجزة مقيَّداً بتوقّف إثبات الحقِّ عليها، فما هو الداعي إلى أن يكون للنبيِّ موسى (عليه السلام) تسع معجزات(١٩)، والحال أنَّه ومن المعجزة الأُولى يثبت أنَّ دعواه حقٌّ!؟
وهكذا بالنسبة للنبيِّ عيسى (عليه السلام)، فكان له أن يُحيي ميِّتاً واحداً لتثبت حقّانية دعوته، من دون حاجة إلى أن يُخبِرهم بما في بيوتهم أو أن يُبرِءَ مرضاهم(٢٠).
وهكذا في معجزات النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) التي قيل عنها: إنَّها تجاوزت الأربعة آلاف معجزة(٢١)، والتي كانت واحدة منها كافية لإثبات أنَّه متَّصل بالسماء(٢٢)!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(١٩) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (الإسراء: ١٠١)، وقال تعالى: ﴿أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (الأعراف: ١٣٣ و١٣٤).
(٢٠) قال تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٤٩).
(٢١) قال ابن شهر آشوب في كتابه مناقب آل أبي طالب ١: ١٢٥: (... وكان له معجزات لم يكن لغيره، وذُكِرَ أنَّ له أربعة آلاف وأربعمائة وأربعين معجزة).
(٢٢) في روضة الواعظين للفتّال النيسابوري: ٦٣ و٦٤: (ومن معجزاته (صلّى الله عليه وآله وسلم) انشقاق القمر لمَّا التمسوا منه، والقرآن قد نطق به. قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ١ - ٥]، فالنبيُّ أشار إلى القمر بإصبعه، فانشقَّ القمر، فعانده كفّار قريش، وقالوا: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ...[ إلى قوله:] ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [، قد أخبر عنهم تعالى. ومنها: أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يخطب إلى بعض الأجذاع، فلمَّا عمل المنبر وتحوَّل إليه حنَّ كما تحنُّ الناقة، فلمَّا جاء إليه والتزمه سكن...].

(٦)

بل ورد أنَّه عندما نزلت بعض سور القرآن الكريم، فإنَّ قريش استحيوا من القصائد المعلَّقات التي كانت على جدار الكعبة، والتي كانوا يعتبرونها القمَّة في البلاغة والفصاحة وأداء المعنى وجزالة الأُسلوب. فأنزلوها لما رأوا من بلاغة تلك السور، وخوفاً من الفضيحة(٢٣)، فكانت بعض سور القرآن كافية لإثبات الإعجاز في القرآن، فلماذا نزل باقي القرآن إذن؟
إنَّه ليس إلَّا لحكمة أُخرى غير إثبات الحقِّ، وإن كان إثبات الحقِّ يحصل أيضاً بها، ولكنَّه ليس هو الهدف الوحيد من صدور كل تلك المعجزات.
ثانياً: صحيح أنَّ كثيراً من الناس ملتفتون لقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) ومسألة الظهور، ولكن هناك كثيراً من الناس يعيشون الغفلة عن هذه القضيَّة تماماً.
وبالتالي يحتاجون إلى منبِّه من نوع خاصٍّ ليُنبهِّهم من غفلتهم وليُذكِّرهم بقضيَّة المنقذ العالمي.
وهذا الأمر وإن لم يكن منحصراً بالصيحة، لكن وبلا شكٍّ أنَّها أفضل المنبِّهات وأكثرها صدىً وأقواها تأثيراً في النفوس، خصوصاً مع تلك الخصوصيات المرافقة لها ممَّا ذكرته الروايات الشريفة.
وبالتالي، لِنقُلْ: إنَّ الحكمة من الصيحة والحاجة إليها تكمن في تنبيه الناس على قرب ذلك الحدث، وبالتالي ليستعدّوا أو ليتهيَّؤوا للظهور المبارك.
الإثارة الثانية:
حسب المعطيات العلمية الواردة في الآثار الروائية، فإنَّ هناك العديد من العلامات القريبة للظهور، والدالّة عليه، فقد ورد عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء)(٢٤).
وكونها حتمية يعني أنَّ الظهور لا يكون إلَّا مع سبق وقوعها، وهي وإن لم تكن العلَّة التامَّة للظهور، ولكن حتمية وقوعها تنبع من أنَّ الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) أخبروا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) نُقِلَ هذا المعنى عن السيِّد عبد الله شبَّر في كتابه حقُّ اليقين ١: ١١٣؛ وذكره السيِّد حسن الشيرازي في كتابه الإمام المهدي نظرة وجيزة شاملة، وهو مقدّمة كتابه كلمة الإمام المهدي (عليه السلام): ٣٢.
(٢٤) كمال الدين: ٦٥٠.

(٦)

بضرورة وقوعها، ولأنَّهم معصومون، فتكون إخباراتهم غير قابلة للتكذيب، ومن هنا قيل بأنَّ الظهور لا يكون إلَّا مع سبقها عليه.
ولكن مع وجود الصيحة الإعجازية، ما هو الداعي لقيام بقيَّة تلك العلامات؟
وبعباره أُخرى: مع قيام الصيحة الإعجازية، ما هو الداعي لقيام تلك العلامات الأُخرى، وهي أقلُّ علاميةً في الدلالة على قرب الظهور، باعتبار أنَّها خالية من الإعجاز؟
والجواب:
إنَّ تلك العلامات الأُخرى بعضها يقع قبل الصيحة، وبعضها بعدها.
أمَّا ما بعدها فالقدر المتيقَّن منه هو قتل النفس الزكية، لأنَّ الوارد فيه هو أن يقع القتل قبيل الظهور بخمس عشرة ليلة فقط.
فعن صالح مولى بني العذراء، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكية إلَّا خمسة عشر ليلة)(٢٥).
وحينئذٍ يمكن أن نجد حكمة أو أكثر في وقوع هذا القتل ممَّا لا يتنافى مع وقوع الصيحة الإعجازية قبله. كأن يقال: إنَّ ذهاب ذلك الشاب (النفس الزكية) لدعوة أهل مكّة هو لخصوصية في الزمان والمكان.
أمَّا الزمان، فلأنَّ إرساله يكون قبيل الظهور العلني والرسمي للإمام المهدي (عليه السلام) بأُسبوعين فقط.
وأمَّا المكان، فهو حرم الله الآمن، وعند البيت الحرام، حيث يكون المسلمون مجتمعين من شتّى أصقاع الأرض، لأداء مناسك الحجِّ، وهم أكملوا حجَّهم قبيل أيّام معدودة فقط، ممَّا يعني وجود الكثير منهم ومن مختلف الأعراق والجنسيات. وهم قد اجتمعوا في مكان يُمثِّل الرمز المعنوي لجميع المسلمين.
وبضمِّ هاتين الخصوصيتين تتبيَّن أهمّية هذه الدعوة، وما يترتَّب على قتله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) كمال الدين: ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٢.

(٧)

في هذا الزمان والمكان من ردِّ فعلٍ عالمي على المستوى الإعلامي، ممَّا يلفت الأنظار أكثر لقضيَّة المنقذ الموعود.
وأمَّا ما يقع قبلها، وهي الحركات أو الرايات الثلاث (السفياني والخراساني واليماني)، فهي وإن كانت من العلامات القريبة نسبياً للظهور، ولكن دلالتها وعلاميتها لا تصل إلى درجة الدلالة العلامية في الصيحة، وذلك لأجل التالي:
أوَّلاً: أنَّها تقوم بحركة طبيعية بعيدة عن المعجزة، ولا شكَّ أنَّ علامية المعجزة أقوى وأوقع في النفوس.
ثانياً: أنَّها حركات عسكرية في واقعها، كلُّ واحدة تريد أن تُثبِت وجودها في بقعة معيَّنة، نعم كلّها ستحاول السيطرة على الكوفة بالخصوص لخصوصية فيها، وهي كونها المكان الذي سيقصده المهدي (عليه السلام) لاتِّخاذه عاصمة لدولته المباركة(٢٦).
وبالتالي فإنَّ إمكان اتِّهام تلك الحركات وارد جدّاً، بالإضافة إلى إمكان الاشتباه فيها، وبالتالي تطبيقها على حركات ليست هي العلامات الواقعية ممكن جدّاً أيضاً.
بل هذا ما وقع اليوم حيث يحاول البعض تطبيق السفياني على داعش واليماني على حركة الحوثيين والخراساني على تحرّك إيران ضد داعش وما شابه.
وبالتالي فإنَّ إمكان الاشتباه وارد.
وهذا الاشتباه لا يرد في علامة تقوم على الإعجاز.
ثالثاً: أنَّ الدعاوى الباطلة قد كثرت، وبالتالي فُقِدَت الثقة لدى الكثير من المنتظرين من تلك الدعاوى، فاليماني الذي وصفت الروايات رايته بأنَّها أهدى الرايات، وبأنَّ الملتوي عليه في النار، وأنَّه لا يجوز مقاومته وتضعيف حركته (بغضِّ النظر هنا عن معنى كونها أهدى الرايات، وعن ضرورة أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال للمفضَّل بن عمر في رواية طويلة: (... دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين). (بحار الأنوار ٥٣: ١١).

(٧)

عدم ضرورة الالتحاق به، فإنَّ هذه القضايا هي من المسائل التي أخذت حيِّزاً واسعاً من البحث والتنقيب)، نجد اليوم بعض الناس قد اشتبه عليه الأمر لكثرة المدَّعين لها.
وبالتالي، فإمكان عدم إلفات هذه الحركات أنظار الناس لقرب الظهور وارد أيضاً، باعتبار أنَّ تتابع الدعاوى الباطلة قد يؤدّي إلى تقليل تأثيرها، وعدم أخذ الناس لها بعين الاعتبار.
فتتبقّى للصيحة قيمتها العلامية والدلالية، ولا تُؤثِّر عليها علامية تلك الحركات.
رابعاً: فضلاً عمَّا تقدَّم فإنَّه يمكن القول: إنَّ كلَّ علامة من العلامات لها دورها العلامي والإعلامي الخاصّ الذي تقوم به، وإن كانت تشترك كلّها في الدلالة على قرب الظهور، فيمكن القول: إنَّ تلك الحركات الثلاث مهمَّتها التمهيد العسكري واللوجستي للظهور المبارك ، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط.
أمَّا الصيحة، فمهمَّتها التنبيه على قرب الظهور لا في منطقة معيَّنة، بل في العالم أجمع ولجميع الناس.
ويمكن أن يقال نفس الكلام في علامية قتل النفس الزكية.
يبقى الكلام في الخسف، فإنَّه يقع أيضاً عن معجزة، فإنَّ الخسف إنَّما يقع بقانون خارج القوى الطبيعية وبأمر الله تعالى، فضلاً عن ذكر بعض الروايات لقيام جبرئيل بذلك الخسف، ففي رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (... ثمّ يخرجون متوجِّهين إلى مكّة، حتَّى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبرئيل فيقول: يا جبرئيل! اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم عندها...)(٢٧).
ولكن مع ذلك، فإنَّ الخسف يقع في منطقة خاصَّة في البيداء بين مكّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) بحار الأنوار ٥٢: ١٨٦ و١٨٧.

(٧)

والمدينة، وهو وإن كان يمكن أن ينتشر خبره في أصقاع الأرض، لكن انتشاره يحتاج إلى وقت، وربَّما تعمل القوى العالمية على التكتّم على هذا الخبر.
أمَّا الصيحة، فلا يمكن لقوَّة بشرية أن تمنع من وصول أثرها إلى جميع الناس وبلحظة واحدة.
ومعه فالفرق بينهما في العلامية، والحاجة إلى الصيحة، ما زالت موجودة، ولا يُغني عنها الخسف.
طبعاً هذا لا ينفي الحكمة والحاجة للخسف، إذ لا شكَّ أنَّ إهلاك جيش السفياني الذي كان قاصداً لقتل الإمام المهدي (عليه السلام) له أهمّية لا يُستهان بها في التخطيط العامّ لظهوره (عليه السلام) في الزمان والمكان المناسب.
الإثارة الثالثة:
مع قيام الصيحة على الإعجاز، كيف نُفسِّر إغواء إبليس بصيحته بعد تلك الصيحة، والفرض أنَّ صيحة إبليس ليست إعجازية، وقد وصفتها الروايات بأنَّها تصدر من الأرض في إشارة لذلك؟
إنَّ الروايات التي ذكرت قيام الصيحة، ذكرت إلى جنبها أنَّ إبليس سيقوم بصيحة مناوئة ومخالفة للصيحة الجبرائيلية، ممَّا يُؤدّي إلى انحراف البعض رغم سماعهم الصيحة الإعجازية، فقد ورد عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (ينادي منادٍ من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون)، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: (إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلانا وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أُميَّة - ...)(٢٨).
وعن زرارة بن أعين، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عجبت أصلحك الله! وإنّي لأعجب من القائم كيف يقاتل مع ما يرون من العجائب، من خسف البيداء بالجيش، ومن النداء الذي يكون من السماء؟ فقال: (إنَّ الشيطان لا يدعهم حتَّى ينادي كما نادى برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يوم العقبة...)(٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٧٢ و٢٧٣/ باب ١٤/ ح ٢٨.
(٢٩) المصدر السابق/ ح ٢٩.

(٧)

ومن هنا، قد يتساءل البعض عن السبب الذي يعدم تأثير إعجاز الصيحة في بعض النفوس؟
الجواب:
إنَّ إعجازها إنَّما هو في صدورها لا في هدايتها، فتبقى الهداية تابعة لإرادة الإنسان نفسه.
فهي لا تجبرهم على الهداية، فتبقى هدايتها فرع المعرفة المسبقة، وفرع إرادة الإنسان.
وحتَّى مع المعرفة المسبقة، يبقى الإنسان معرَّضاً للضلال، بل وحتَّى الجحود.
وبعبارة أوضح: إنَّ قيام المعجزة لا يجبر الناس على الهداية، فإنَّ الجبر خلاف نظام التشريع، الذي يقوم على أن يكون للإنسان الدور الفعّال والمؤثِّر في عملية الهداية أو الضلال، فالإنسان هو صاحب القرار الأخير، وهو الذي يقوم بأفعال الخير أو الشرِّ، وهو المسؤول الأوَّل والأخير عنها، قال تعالى: ﴿أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ (النجم: ٣٩ - ٤١).
فقيام المعجزات لا يعني أكثر من دليل إثباتي على صدق الدعوة، ولا يعني بحالٍ جبر الأفراد وجرّهم لطريق الهداية رغماً عنهم، فقيامها لا يسلب الاختيار، وبالتالي تبقى الخطوة الأخيرة بعد قيامها من شأن الإنسان نفسه، فيمكن تصوّر انحراف البعض رغم صدور الصيحة، تماماً كما انحرف الكثيرون ممَّن عاصروا وعايشوا ورأوا بأُمِّ أعينهم آلاف المعجزات تصدر من النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولكن قيامها لم يمنعهم من الانحراف، إلى الحدِّ الذي سيُذاد العديد منهم عن الحوض، لما أحدثوه بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)(٣٠).
الإثارة الرابعة:
تقدَّمت الإشارة إلى أنَّ صدور المعجزة ليس خرقاً لنظام الأسباب والمسبَّبات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) في مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٠٠: (ألا ليُذادنَّ رجال منكم عن حوضي كما يُذاد البعير الضالّ، أُناديهم: ألا هلمَّ، فيقال: إنَّهم بدلّوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً...)، وورد هذا المعنى أيضاً وبألفاظ قريبة جدّاً من هذا اللفظ في العديد من المصادر العامّية الأُخرى، منها: صحيح مسلم ١: ١٥٠ و١٥١؛ سنن ابن ماجة ٢: ١٤٤٠.

(٧)

الذي يحكم العالم، وإنَّما هو خرق للقوانين الطبيعية المتاحة لعامَّة أفراد البشر، وممَّا يعني أنَّ للمعجزة قانوناً وإن كان غير متاح للجميع.
والصيحة حالها في ذلك حال بقيَّة المعجزات، تقوم وفق قانون خارج عن الطبيعة، وليس ضرورياً أن نعرف ماهية هذا القانون، وإلَّا لأمكن قيام من يعرف ذلك القانون بصيحة بل بصيحات.
ومن هنا، فيمكن القول بأن إبليس، ولأنَّه يمتلك الكثير من المعارف والعلوم حسب خبرته الطويلة على مرِّ العصور، فقد يُتصوَّر بأنَّه قد تعرَّف على بعض القوانين الطبيعية، تتيح له أن يقوم بصيحة خارجة عن المألوف البشري، وإن كانت لا تصل إلى حدِّ الإعجاز، وهي بالتالي غير معروفة لدى عامَّة البشر، ممَّا يتيح لصيحته الأرضية أن تعمل عملها في الإغواء والإضلال.
وهذا ما قد يُفسِّر لنا الروايات الواردة في ضلال بعض الناس رغم صدور الصيحة الإعجازية.
الإثارة الخامسة:
في مقام بيان صدور ذلك الصوت الإعجازي، ذكرت بعض الروايات الشريفة تصويرين:
ففي أحدهما أنَّ الذي يقوم بهذا الدور هو جبرئيل (عليه السلام).
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟ فقال: (يا أبا محمّد... لا يخرج القائم حتَّى يُنادى باسمه من جوف السماء في ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان ليلة جمعة...، وهي صيحة جبرئيل (عليه السلام))(٣١).
ولكن بعضها الآخر ذكرت أنَّ الذي يقوم به هم ملائكة موكَّلون في كلِّ بقعة من بقاع الأرض.
فعن كتاب العلل لمحمّد بن علي بن إبراهيم(٣٢): سُئِلَ أبو عبد الله (عليه السلام) عن العلَّة في الصيحة من السماء كيف يعلمها أهل الدنيا والصيحة هي بلسان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) الغيبة للنعماني: ٣٠١ و٣٠٢/ باب ١٦/ ح ٦.
(٣٢) حسب نقل بحار الأنوار ٥٦: ١٩٣.

(٧)

 واحد ولغات الناس تختلف؟ فقال: إنَّ في كلِّ بلد ملائكة موكَّلون، فينادي في كلِّ بلد ملك بلسانهم، وكذلك لإبليس شياطين موكَّلون بكلِّ بلدة ينادون فيهم بلسانهم ولغاتهم: (ألَا إنَّ الأمر لعثمان بن عفّان).
وبغض النظر عن سند الروايات - كما هو المفترض في هذا البحث - يمكن أن نتساءل عن كيفية التوفيق بين هذين التصورين؟
والجواب:
يمكن تصوّر الجمع بينهما بأحد الوجوه التالية:
أوَّلاً:
إنَّ جبرئيل (عليه السلام) أُخِذَ على نحو الطريقية لا الموضوعية، بمعنى أنَّ جبرئيل (عليه السلام) أُخِذَ في بعض الروايات للإشارة إلى أنَّ الذي يقوم بإصدار صوت الصيحة هم الملائكة، لا غيرهم.
أو أنَّ جبرئيل أُخِذَ في بعض تلك الروايات للإشارة إلى أنَّ صدور هذا الصوت سيكون بطريقة إعجازية، وللإشارة إلى هذا المعنى جيء باسم جبرئيل للدلالة على ذلك.
وطبعاً هذا لا يمنع أن يكون أحد أُولئك الملائكة في كلا التقريبين هو جبرئيل نفسه.
ثانياً: أن يكون جبرئيل (عليه السلام) هو الآمر للملائكة بإصدار ذلك الصوت، فتكون نسبة إصدار الصوت إليه نسبة مجازية، كما يقال: جاء الأمير، إذا جاء جيشه. وتكون نسبة الصوت للملائكة نسبة حقيقية.
ثالثاً: أن يصدر الصوت من جبرئيل (عليه السلام) أوَّلاً، ثمّ يتبعه صدور الصوت من بقيَّة الملائكة الموكَّلين بهذه المهمَّة من دون فاصلة زمنية طويلة، فتكون نسبة الصوت إلى جبرئيل وإلى بقيَّة الملائكة نسبة حقيقية.
ملاحظة مهمّة:
طبقاً لرواية نداء الملائكة في كلِّ بلد بلسان أهله، يمكن أن نوجد تصوّراً

(٧)

خامساً لفهم الناس للغة الصيحة، وهذا التصوّر يخلو من أيِّ إشكال، وتكون المعجزة حاصلة في صدور الصوت من الملائكة، لا في فهم الناس، إذ الفرض أنَّ الملائكة تنادي أهل كلِّ لسان بلغتهم.
استخلاص النتائج:
أوَّلاً:
إنَّ أهمّ علامات الظهور على الإطلاق هي علامة الصيحة، لما تحويه من عناصر تُبعِدها عن الاشتباه بغيرها، وتجعل منها علامة واضحة لجميع البشر في لحظة واحدة.
ثانياً: ثبوتاً، يمكن تصوّر اللغة التي تصدر بها تلك الصيحة بعدة أنحاء: ذاتية دلالة اللفظ على المعنى، وتصوّر لغة موحَّدة للعالم إبّان الظهور، وتصوّر تطوّر الإدراك البشري ليصل إلى مرحلة يفهم كلُّ واحد من البشر جميع لغات البشر الموجودة آنذاك، وتصوّر المعجزة في إفهام البشر له.
ثالثاً: إثباتاً، يمكن إيجاد تقريبات إثباتية للتصوّرات الثلاثة الأخيرة، والتفسير الثاني من التصوّر الأوَّل، لكن أقربها للوجدان اليوم هو التصوّر الرابع، وهو تصوّر المعجزة.
رابعاً: إنَّ أيَّ تصوّر يُفتَرض للغة الصيحة، فإنَّه لا يسلب الاختيار البشري، فيبقى تأثير الصيحة بأيِّ نحوٍ فُرِضَ، مقتصراً على اللطف المقرِّب، ولا يتجاوزه إلى سلب الاختيار، ولا يجعل هدايتها من نحو الهداية التكوينية الخارجة عن الإرادة البشرية.
خامساً: إنَّ الإعجاز وإن كان أقرب التصوّرات اليوم، ولكنَّه لا يمنع من افتراض التصوّرات الأُخرى، كما أنَّه ليس معصوماً عن الإثارات التي يمكن أن تُقلِّل من تأثير الإعجاز، ولكنَّه على كلِّ حالٍ تصوّر قريب، وموافق للأُطر العامَّة لهداية البشر.

(٧)

 

رمزية علامات الظهور ودلالتها

 

الشيخ عدنان الحسّاني الرميثي

 

هذا البحث يقع في مسائل فكرية تجريدية تحاول أن تُقدِّم الأبحاث المهدوية بلغة الفكر الحداثي لتصل إلى النخب الأكاديمية..، كما أنَّ البحث مبنيٌّ على رؤية الكاتب البحثية واستنتاجاته واستنطاقه للنصوص وفق أدوات فلسفة التاريخ من جهة، وسيمولوجيا التواصل من جهة أُخرى، ولا ربط للبحث بمقولة الفهم الأُصولي والكلامي إلَّا قليلاً.
مقدّمة:
يغلب على الإنسان بمفهومه المطلق وفي بعده التكويني انشغاله بعالم الشعور المباشر، أعمّ من كون هذا الشعور ناتجاً عن اقتضاء الحسّ الظاهر أو الحسّ الباطن..، في حين أنَّ مسافات شاسعة في عالم اللاشعور متاحة أمام القدرة التكوينية التي أودعها الله في الإنسان للتحليق في فضاءاتها، سواء عن طريق الحدس - وهو الطريق الطبيعي أمام أيّ إنسان قادر على تحصين مداركه أمام الملوِّثات المادّية بغضِّ النظر عن انتمائه الإيدلوجي -، أو عن طريق الإلهام الخاصّ بفئة ونخبة من الناس ممَّن ينتمون إلى دائرة قريبة من منابع الغيب.
ولأنَّ الأمر على هذه السجيَّة، فإنَّ الله تعالى شاء أن يُقدِّر الأشياء بحسب المناسيب والاستعدادات، ووضع لكلِّ منسوب نسبة، ولكلِّ مضيف إضافة،

(٨)

اللّهمّ إلَّا الإنسان الكامل الذي غابت في حقيقته كلُّ النسب والإضافات..، ومع تراكم النسب والإضافات بسبب ابتعاد الإنسان عن جوهره الحقيقي، وانقطاعه عن مديات العالم اللاشعوري، وفقدانه لأدوات الحدس والإلهام..، تواردت الحجب الذهنية، وأُغشيت البصائر، ورانت القلوب والخواطر..، ولم يتبقَّ للإنسان سوى التحليق المنخفض في مديات القياسات الشكلية المترتِّبة على أدوات الحسِّ الظاهر أو الباطن، والاستعانة بالمطابقات واللوازم..، وواحدة من أدواته في هذا التحليق هي رمزية العلامة والإشارة ..، ومهما بالغنا في توصيف المسوِّغات التكوينية للحاجة الإنسانية في التمسّك بمثل هذه الأدوات، والتي ترتبط بفلسفة العلوم ونظرية المعرفة، فإنَّنا غير جديرين بالإحاطة الكلّية بهذه الحاجة، وذلك لارتباطها بسُلَّم الأنماط الأنطولوجية(١) لمراتب الإنسان.
العلامة في اللغة:
وصف ابن منظور العلامة في كلام طويل بأنَّها: (.. العَلَمُ والعَلَمة والعُلْمة: الشَّقُّ في الشَّفة العُلْيا، وقيل: في أحد جانبيها، وقيل: هو أَن تنشقَّ فتَبينَ...، والعَلامة والعَلَمُ شـيء يُنْصَب في الفَلَوات تهتدي به الضالَّةُ...، وأَعلامُ القومِ ساداتهم على المثل الوحدُ كالواحد، ومَعْلَمُ الطريق دَلالتُه، وكذلك مَعْلَم الدِّين على المثل، ومَعْلَم كلِّ شيء مظِنَّتُه، وفلان مَعلَمٌ للخير كذلك، وكلّه راجع إلى الوَسْم والعِلْم، وأَعلَمْتُ على موضع كذا من الكتاب عَلامةً، والمَعْلَمُ الأثرُ يُستَدَلُّ به على الطريق، وجمعه المَعالِمُ والعالمُون أصناف الخَلْق...)(٢) إلى آخر كلامه.
العلامة في المصطلح الفلسفي:
العلامة عند أُرسطو (هي الشـي الذي يؤدّي وجوده أو إنتاجه إلى وجود أو إنتاج شـيء آخر، سواء كان سابقاً أو تالياً)(٣).
نفهم من ذلك أنَّ العلامة من منظور فلسفي لا تندرج ضمن المقولات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الأنطولوجيا: مصطلح يُطلَق عادةً على ما يرتبط بعلم الوجود، وهو أحد بحوث الفلسفة الثلاث، وهو يشمل النظر في الوجود بإطلاق مجرَّد من كلِّ تعيين وتحديد. اُنظر: المعجم الفلسفي: ٢٦/ إعداد ونشـر مجمع اللغة العربية/ جمهورية مصـر العربية.
(٢) لسان العرب ١٢: ٤١٦.
(٣) اُنظر: سيميائيات التأويل لطائع الحداوي: ٣٣٦/ ط (٢٠٠٦م)/ المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ المغرب.

(٨)

وإنَّما على الأغلب هي عبارة عن ماهيَّة جعلية تأسيسية (تسنين ثقافي)، وأقول: على الأغلب، لخروج الدلالة الطبعية عن هذا التعريف، باعتبارها تقتضيها طبيعة الأشياء من دون أن يكون ثَمَّة جعل اعتباري أو تأسيسـي لأجل ذلك، فإنَّ العلامة لا تأتي إلَّا مضافة إلى شـيء أو إلى قضيَّة، كما لو قلنا: علامة المؤمن أو علامة الظهور أو علامة الرضا، ولعلَّ جميع أنواع الدلالات المنطقية سواء الطبعية أو الوضعية أو العقلية (لفظية أو غير لفظية) هي تُعبِّر عن حقيقة العلامة بشكلها المعرفي..، أمَّا العلامة بشكلها التواصلي التداولي فإنَّ قيم الاتِّصال والانفصال فيها تختلف عمَّا في البعد المعرفي، باعتبار أنَّ التواصل والتداول هو فعل الاجتماع، وظرف الاجتماع مادَّة تاريخية ترتبط بقيم التاريخ وحركته وسننه، في حين أنَّ الأبعاد المعرفية الدلالية ذات قيم تجريدية تتَّصل وتنفصل مع المعاني المجرَّدة في أُفق اللاتعلّق الخارجي.
يقول ابن سينا: (إنَّ الإنسان قد أُوتي قوَّة حسّية، ترتسم فيها صور الأُمور الخارجية، وتتأتّى عنها إلى النفس، فترتسم فيها ارتساماً ثانياً ثابتاً وإن غابت عن الحسِّ...، ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أنَّ هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلَّما أورده الحسُّ على النفس التفتت إلى معناه)(٤).
فالعلامة في نظر ابن سينا هي ثنائية المبنى، تتكوَّن من مسموع اسم ومعنى. ملغياً بذلك من مفهوم العلامة الواقع الخارجي أو المرجع الذي تستند إليه العلامة، وذلك ما فعله (دوسوسير)(٥) أيضاً، على عكس ما هو عند بعض الدارسين الأقدمين، حين يكون المرجع طرفاً أساسياً في العلامة.
أهمّية العلامة في حياة الإنسان دينياً وفكرياً:
لا أعتقد أنَّ مقولة بيرس: (لا نملك القدرة على التفكير بلا علامات)(٦) هي مقولة صحيحة على إطلاقها، فيمكن أن نقول: إنَّنا نمتلك القدرة على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) العبارة لابن سينا: ٤/ تحقيق محمّد الخضيري/ ١٩٧٠م/ القاهرة.
(٥) فرديناند دي سوسير (١٨٥٧ - ١٩١٣م)، عالم لغوي سويسـري، ورائد علم اللغة الحديث، وُلِدَ سوسير في جنيف، وهو ينتمي لعائلة عُرِفَت بعطائها العلمي في مجال العلوم الطبيعية، يعود لسوسير الفضل في إرساء علم اللغة على دعائم علمية ثابتة، عندما أشار إلى أنَّ علم اللغة يعنى بصورة أساسية بدراسة عمل اللغة، وليس دراسة تطوّرها. واعتبر الدراسات اللغوية التاريخية ثانوية إذا قورنت بالدراسة اللغوية الوصفية التي دعا بصورة واضحة إلى إقرارها. وبهذا يُعَدُّ سوسير رائد الدراسات اللغوية الوصفية الحديثة، ومؤسِّساً للتفكير البنيوي أو البنيوية في اللسانيات الحديثة. اُنظر: الموسوعة العربية العالمية ٧٨: ١٣٣ حسب برنامج المكتبة الشاملة.
(٦) نظرية النصِّ من بنية المعنى إلى السيميائية الدالّ/ د. حسين خمري: ١٦٢/ منشورات الاختلاف/ الدار العربية للعلوم ناشرون.

(٨)

التفكير المجرَّد حتَّى عن اللغة..، فاللغة ليست إلَّا قالب لإبراز الفكرة، هذا فيما إذا قلنا بأنَّ العلامة أعمّ من اللغة، أمَّا إذا كانت أخصّ فإنَّ التفكير في غنى واضح عن العلامات، ولذلك يمكن توجيه هذه المقولة على النحو التالي: (لا نملك القدرة على التمييز بلا علامات)، فالعلامة بمثابة الحدِّ الأوسط في التمييز بين الأفكار والأشياء، وليست هي حدودا وسطى لإثبات الأفكار المجرَّدة، ففائدتها التمييز لا الإثبات.
وقد أكَّد ابن سينا على أهمّية وجود العلامات في حياة الإنسان، من أجل تحقيق التواصل. و يتبيَّن ذلك من خلال قوله: (لـمَّا كانت الطبيعة الإنسانية محتاجة إلى المشاركة والمحاورة، فانبعثت إلى اختراع شيء يتواصل به..، فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت، ووُفِّقت من عند الخالق بآلات تقطيع الحروف وتركيبها معاً، لتدلَّ على ما في النفس من أثر. ثمّ وقع اضطرار ثانٍ إلى إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان، أو المستقبلين إعلامياً بتدوين ما عُلِمَ، فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام فاختُرِعَت أشكال الكتابة)(٧).
إنَّ أهمَّ عنصـر من عناصر التواصل الاجتماعي هو عنصـر اللغة، وبات هذا العنصـر هو الشغل الشاغل للمدارس الفكرية العالمية، بل ذهب بعضها إلى اعتبار اللغة الانتقالة الأهمّ في أدوار التفكير الإنساني، لأنَّها تُعَدُّ التعبير الأتمّ عن منبِّهات شـرطية سابقة تفترض الانسياق مع فكرة أثَّرت في إيجاد النظام الإشاري السيميائي من ناحية سلوكية صرفة.
ومن الواضح أنَّ هذا التفسير للعلاقات اللغوية قائم على أساس أنَّ اللغة هي الأداة الأكثر تحكّماً بمناسيب الإدراك وقنواته، في حين أنَّ اللغة في الفكر الديني لا تُمثِّل سوى انعكاس تبعي لا شرطي للأفكار، بل إنَّ اللغة ذاتها ليست سوى فكرة اجتماعية متَّفق عليها بين المجتمعات من أجل التواصل وتبادل الأفكار والأخبار والانطباعات الشعورية، سواء قلنا بأنَّ هذه الفكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) العبارة لابن سينا: ٥/ تحقيق محمّد الخضيري/ ١٩٧٠م/ القاهرة.

(٨)

الاجتماعية جاءت نتيجة اقتران متكرِّر بين بعض الأصوات وبعض المنبِّهات الطبيعية، وهي نظرية السيِّد الشهيد الصدر (قدّس سـرّه)، أو جاءت نتيجة تعهّد لا شعوري خلقته عملية التعاطي اللغوي وفق ما تعارف عليه بين المجتمعات، وهي نظرية السيِّد الخوئي (قدّس سرّه).
ولكن يبقى التعامل مع النصِّ الديني كأحد أبرز القنوات الموصلة إلى الواقع مثاراً للجدل في ظلِّ التشابك المحتدم بين النظريات اللغوية واللسانية المنبثقة هنا وهناك، ولا تُعَدُّ هذه الإثارة نقطة ضعف في التعاطي مع معطيات النصِّ الديني بقدر ما تعطيه من زخم تطاولي يظهر مدى قوَّته وارتكازه على أُسس واقعية، ليس من حيث الاكتناه الهوهوي(٨) فحسب، بل من حيث التحكّم بجميع عناصـر المثاقفة والتدليل، لأنَّها أكثر العناصـر انسجاماً مع الميول الغريزية والذوق الفطري عند القارئ، ونحن نتحدَّث عن القارئ دون السامع، لأنَّ النصَّ المقروء هو الذي يساير أكثر عناصـر التحكّم النصّـي بعكس المسموع، والذي قد يفتقد بعض العناصر التي تُحقِّق أعلى مستويات الرائزية(٩) في البحث النصّـي، ولكي نقف على بيان المستويات المفروضة لحاكمية النصِّ الديني لا بدَّ أوَّلاً من معرفة وظيفة النصِّ الديني، ودراسة هذه الوظيفة تاريخياً وبشرياً وتحليلياً.
وحينما نتحدَّث عن علامات الظهور فإنَّنا وبحكم ثنائية البعد العلامي السيميائي في هذا المجال فنحن جديرون بتناولها من جانبين: الجانب الوقائعي الخارجي والمرتبط بفلسفة التاريخ، وبالجانب النصّـي المرتبط بفلسفة اللغة، حيث إنَّ البعد السيميائي له مجالان من البحث: العلامة من حيث هي واقعة أُشير إليها بمصطلح سيميائي واضح، والعلامة من حيث هي نصوص تُمثِّل سياقاتها الجملية أو الفردية رموز وعلامات سيميائية دلالية محدَّدة.
وإذا كانت العلامة من منظور سيمياء التواصل، لا تخرج عن كونها وسيطاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) تارةً تُطلَق على مطابق الشـيء وما يشبهه من كلِّ وجه وإن تميَّز عنه، وتارةً على ما يبقى ثابتاً دائماً بالرغم ممَّا يطرأ عليه من تغيّرات، فالجوهر هو هو وإن تغيَّرت أعراضه. اُنظر: المعجم الفلسفي: ٢٠٧/ إعداد مجمع اللغة العربية/ القاهرة.
(٩) رزت فلاناً، ورزت ما عنده: جرَّبته وقدَّرته، وكم رزته روزاً، فلم أرَ عنده فوزاً. وروَّز رأيه وكلامه في نفسه إذا روَّأ في تقديره وترتيبه. ورزت ضيعتي: قمت عليها وأصلحتها. وهو راز البنائين: رأسهم، وكذلك راز أهل كلّ صناعة. وكان راز سفينة نوح جبريل صلوات الله تعالى وسلامه عليهما، لأنَّه يروز ما يصنعه، ولأنَّه راز الصناعة حتَّى أتقنها. كما يقال للعالم: خبير من الخبر، وأصله رائز كشاكّ في شائك، ولذلك جُمِعَ على رازة كسائس في ساسة. اُنظر: أساس البلاغة ١: ١٩٠/ مادَّة (روز).

(٨)

 تواصلياً، يُستَخدم بغرض التبليغ والتأثير في الغير. كما أنَّ الفعل التواصلي يتحدَّد بناءً على استعمال العلامات، والبعد التواصلي هو الذي يُشكِّل موضوع السيميولوجيا(١٠)، مع العلم أنَّ هذا البعد تؤسِّسه العلامات القائمة على الغاية التواصلية أو الإخبارية، فإنَّنا حين الكلام عن علامات الظهور سوف نتعامل مع هذه الخاصّية بشكل وظيفي يعتمد على التواصل والتداول.
ولكي يكون البحث أكثر تحديداً فسأُحاول تسليط الضوء على بعض العلامات التي ترتبط بخارطة الظهور المقدَّس في سياق ما هو حتمي نصّـي، وما هو حتمي تاريخي، وأقصد بالحتمية النصّية تلك العلامات التي وردت في النصوص على أنَّها حتمية..، وأقصد بالحتمية التاريخية هي تلك العلامات التي لها مقتضـى تاريخي لوجودها وحتميتها بسبب قوانين العلل والمسبَّبات التاريخية حتَّى وإن كانت غير واردة على أنَّها حتمية في النصوص، وسوف نتحدَّث عن ذلك تفصيلاً في ما يأتي من البحث.
ما هي السيميائية؟ وماذا نقصد بالعلامة؟
يُعرِّفها (بيارغيرو) بأنَّها (العلم الذي يهتمُّ بدراسة أنظمة العلامات: اللغات، وأنظمة الإشارات والتعليمات)(١١).
وهذا التحديد يدخل اللغة تحت مفهوم السيميوطيقا، وهو الفهم الجديد لعلم السيمياء بحسب ما توصَّل إليه عالم اللسانيات الشهير (فيردناند دي سوسير) الذي يقول عن السيمياء في كتابه محاضرات في علــم اللسان العامّ: (إنَّها العلم الذي يدرس حياة العلامات من داخل الحياة الاجتماعية)(١٢).
وتُدرَس السيميائية وفقاً لأبعاد ثلاثة:
أ - البعد النظمي السياقي:
وهو يدرس الخصائص الداخلية في منظومة العلامات دون أن ينظر في تفسيرها، أي ينظر في بنية العلامات داخل المنظومة.
ب - البعد الدلالي: يهتمُّ بالعلاقة بين العلامة وبين مدلولاتها، فهو يدرس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) الكلمة من أصل يوناني، وتعني العلامة (logo) أي الخطاب، وأشار في قاموس اللسانيات إلى أنَّ أوَّل من استعمل مصطلح السيميائية في العصـر الحديث هو (ش، س، بيرس)، وهي في عرفه علم العلامات الذي يدرس مختلف خصائص العلامات التي يستعملها وينتجها العقل الإنساني عبر مسيرته العلمية. اُنظر: المصطلحات الأساسية في لسانيات النصِّ وتحليل الخطاب/ د. نعمان بو قرة: ١١٩.
(١١) السيمياء/ بيبر غيرور: ٥٠/ ترجمة أنطون بن زيد/ ط ١/ ١٩٨٤م/ منشورات عويدات/ لبنان/ بيروت.
(١٢) محاضرات في علم اللسان العامّ/ فيردناند دي سوسير: ٨٨/ ترجمة عبد القادر قنيني/ ط ١/ ١٩٨٧م/ دار البيضاء/ أفريقيا الشرق.

(٨)

محتوى العلامات والعلاقة القائمة بين العلامة وتفسيرها وتأويلها من دون النظر إلى من يتداولها.
ج - البعد التداولي: يدرس الصلة بين العلامة ومن يتداولها، وتُحدِّد قيمة هذه العلامة من خلال مصلحة من يتداولونها.
ومن خلال هذا البعد سيتبيَّن أنَّنا من حيث النظرية قد نميل إلى ما أسَّسه (بورس)، وذلك لأنَّها (نظرية بيرس)(١٣) أقرب النظريات إلى الواقع التداولي، حيث إنَّها من وجهة نظر (بيرس): (علاقة ثلاثية بين ثلاث علامات فرعية تنتمي على التوالي إلى الأبعاد الثلاثية للممثل والموضوع والمؤول)(١٤).
كما في المصفوفة التالية(١٥):

@١

ونحن إذ نتحدَّث عن علامات الظهور فلا يخفى من أنَّ البعدين الأوَّل والثاني ينتميان إلى عالم ما وراء التداول، سواء كان التداول بمقتضـى المثاقفة أو بمقتضـى التفتيش عن مطابقات تاريخية، وهذا العالم تارةً يُشار إلى مدلولاته من خلال النصِّ بالمباشرة، وأُخرى من خلال الرمز في سياق نصّـي، وعلى أيِّ حالٍ فهو يتماهى مع عوالم الدلالات بمستوياتها المختلفة. أمَّا البعد الثالث فهو ينتمي إلى عالم التداول والتواصل، بمعنى أنَّه أقرب إلى العناصر التاريخية منه إلى العناصر اللغوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) مناهج النقد الأدبي المعاصر/ د. بشير كاوربريت: ١٣٦.
(١٤) تشارلز ساندرز بيرس (١٨٣٩ - ١٩١٤م)، فيلسوف أمريكي، كان له دور في نشـر الفلسفة الذرائعية، وكان من الروّاد الذين طوَّروا المنطق الرياضي، كما ساعد في تطوير دراسات الرموز أو السيميائية، وهي تُعنى بالدلالات الرمزية للعلامات، بالإضافة إلىّ الكلمات. اُنظر: الموسوعة العربية العالمية ٦٦: ٢٧٦/ حسب برنامج المكتبة الشاملة الإصدار الثاني.
(١٥) مصدر المصفوفة: السيميائيات أو نظرية العلامات/ جيرار دلولودال: ٣٥/ ط (٢٠٠٤م).

(٨)

من هنا نفهم أهمّية البعد التاريخي في التعامل مع علامات الظهور، وذلك لأنَّ هذا البعد له كامل الأثر في إضفاء أهمّية وجودية على علامات الظهور، وإلَّا فلو تعاملنا معها بالتجرّد عن عناصرها التاريخية، أي إنَّنا لو تعاملنا معها في سياق سيميائي صرف، فإنَّها ستفتقد فعّاليتها من حيث التأثير في سياق التداول والتواصل، وذلك لأنَّ (العلامة في تكوينها السيميوطيقي(١٦) لا تُعرِّفنا على الشـيء، ولا تزيد معرفة به، بل إنَّ وظيفتها الأساسية هو التمثيل لشـيء آخر، أي إنَّ العلامة تُمكِّن الموضوع من الخروج من دائرة الوجود الطبيعي المادّي (الفيزيقي) إلى ما يُشكِّل جوهر الوجود المعنوي الدلالي في حياة الأشياء، فنحن لا نُدرك العالم بشكل مباشر في غياب العلامات، وهذا يعني أنَّ الإنسان يخترع ويتَّفق مع أخيه الإنسان على علامات وإشارات معيَّنة يُدركون شفراتها ويفهمون معانيها فيما بينهم كاللغات الإنسانية، وإشارات المرور التي اخترعها البعض واتَّفق الكلُّ على معانيها ومضامينها، وهذه علامات اصطناعية. أمَّا العلامات الطبيعية فلا دخل للإنسان فيها، ولكن الطبيعة هي من أفرزتها عفوياً، كأصوات الحيوانات والطيور، فمثلاً نباح الكلب هو علامة سيميوطيقية، ودلالة على وجود كلب في الجوار وإن لم ترَه، وهناك أيضاً علامات لا إرادية ينتجها الإنسان عفوياً، كالتوجّع والصـراخ أو التعجّب. وأخيراً فلا وجود للفكر الإنساني بدون علامات، ولا يمكن أن نُفكِّر خارج ما تُقدِّمه هذه العلامات)(١٧).
وهذا التفسير السيموطيقي للعلامة لا يتأتّى في نطاق الحديث عن علامات الظهور، لأنَّ هذه العلامات لها مناشئ انتزاع ميتافيزيقية أبعد من الوجود الدلالي للعلامة، ويمكن توضيح المفارقة بين التفسير السيموطيقي للعلامة وبين فهمنا لعلامات الظهور على الشكل التالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) السيميوطيقا مرادفة للسيميولوجيا، وموضوعهما دراسة أنظمة العلامات أيّاً كان مصدرها لغوياً أو سننياً أو مؤشِّرياً. اُنظر: مدخل إلى المنهج السيميائي/ جميل حمداوي/ مجلَّة عالم الفكر الإلكترونية/ العدد الثالث.
(١٧) اُنظر: تباين الفكر السيميوطيقي للعلامة والرمز عند تصميم الصيغ البصـرية للفنِّ التشكيلي/ بحث من إعداد أحمد مصطفي محمّد عبد الكريم عابد/مدرِّس مساعد بقسم التربية الفنّية كلّية التربية النوعية، جامعة الفيوم/ (ص ١٤).

(٨)

العلامة في الفكر السيموطيقي:

@٢

أمَّا العلامة على مستوى فهمنا لعلامات الظهور، فعلى الشكل التالي:

@٣

أمَّا الخصائص الأساسية للعلامة، فهي:
١ - إنَّ العلامة شيء يشير إلى شيء آخر ويُنبئ به.
٢ - إنَّ العلامة غالباً ما تُنبئ بمدرَكات حسّية.

(٨)

٣ - إنَّ العلامة تقتضـي حدوث سلوك معيَّن أساسه الواقع.
٤ - إنَّ العلامة هي الأساس في سلوك الحيوان، ويستخدمها الإنسان في تعاملاته.
٥ - إنَّ العلامة جزء يشير إلى بقيَّة الكلِّ.
٦ - الارتباط بين العلامة والشيء الذي تشير إليه ارتباط شرطي في أغلب الأحيان.
فلسفة علامات الظهور:
في البدء أُشير إلى بعض القواعد العامَّة التي أنطلق منها في تفسير فلسفة العلامة، ومعنى العلامية.
القاعدة الأوَّلية في فلسفة العلامات أنَّها موجَّهة (لخصوص المؤمنين المنتظرين)(١٨)، لا لجميع الناس، بمعنى أنَّ النصَّ المرتبط بالعلامات موجَّه على نحو القضيَّة المهملة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْـرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْـرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصـر: ١ - ٣). والقضيَّة المهملة بقوَّة الجزئية وإن لم تكن لها مواصفات القضيَّة الجزئية، خصوصاً المحصورة منها، بمعنى أنَّ دائرة المؤمنين مفتوحة لا مغلقة.
ويدلُّ على هذه الخصوصية ما نستوحيه من بعض الروايات، منها على سبيل المثال أنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) يقول لجابر بن يزيد الجعفي: (ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك ذلك)(١٩).
بمعنى أنَّ هذه العلامات خاصَّة بنخب تاريخية معيَّنة بمقتضـى ضرورة تحصيل التوفيقات الخاصَّة من جهة، وضرورة تحديد الفترة الزمنية المحتفَّة بساعة الصفر من جهة أُخرى.
وعليه فإنَّ فلسفة العلامة تنسجم مع موجبات التمهيد والممهِّدين، نعم من حيث الحجّية فإنَّ العلامات حجَّة على جميع الناس، وتتأكَّد حجّية العلامات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) أقصد من الخصوصية هنا مؤدّى التكليف الخاصّ الذي يتضمَّن مقتضيات التشفير، فالنصُّ الديني له مقتضيات عامَّة تشمل جميع طبقات الناس حتَّى الكفّار، وله مقتضيات خاصَّة نظير النصّ القرآني، فهو على طبقات: (العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق)، العبارة للعوامِّ، والإشارة للخواصِّ، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء. فهناك مقتضـى خاصّ في النصِّ القرآني لا يفهمه إلَّا الأولياء والأنبياء، فهو موجَّه إليهم بشكل خاصٍّ، كذلك الأمر هنا، فخطاب العلامة له مقتضيات عامَّة تشمل جميع البشـر من أجل إلزامهم بالحجَّة، وله مقتضيات خاصَّة لفئة معيَّنة (الممهِّدين)، لذلك جاءت العلامات مشفَّرة ورمزية، وهذا ما ألجئنا إلى استنطاق النظريات السيميائية الحديثة.
(١٩) الغيبة للنعماني: ٢٧٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.

(٩)

 بالنسبة إلى الأشخاص المطَّلعين والمثقَّفين، نعم المستضعفون والقاصرون معذورون من هذه الجهة.
إذن فمع تجرّدنا عن هذه الخصوصية فإنَّ الحكمة بشكل عامّ من وجود العلامة هو تحصيل التالي:
١ - قطع الطريق أمام المدَّعين والأفّاكين.
٢ - إبراز الدليل أمام المستضعفين والقاصرين والتائهين.
٣ - تأكيد الحجَّة على صدق الإمام أمام أنصاره من جهة، وأعدائه من جهة أُخرى.
القاعدة الثانية: أعتقد أنَّ العلامات المرتبطة بمسمّيات أشخاص الظهور خاضعة لحسابات التناظر المثلي(٢٠)، أو ما أُسميه مماثلة النظائر السننية، في قبال (تماثل التجربة عند كانط)(٢١). بعبارة أوضح أنا أعتقد أنَّ العلامات المعنونة بالحتمية، وهي خمسة، اكتسبت حتميتها بسبب التصاقها بأيّام الظهور الأخيرة، وانفصالها عن السياق التاريخي للأحداث المتسلسلة، لذلك أعتقد أنَّ عدم اتِّصاف علامة الخراساني بالحتمية هو لأنَّ الخراساني سيُشكِّل حالة لها ما يناظرها في الواقع، أي إنَّه موجود منذ زمن، وحالة معاشة، بمعنى أدقّ إنَّها وليدة سياق تاريخي طبيعي وواضح اكتسب وجوده من معطيات التوجّه العامّ للمدرسة الشيعية كمدرسة تاريخية متجذِّرة، فحتميتها تاريخية طبيعية. أمَّا علامة اليماني فإنَّ حتميتها منفصلة عن الطبيعة التاريخية للمدرسة، وكأنَّها انبثاقة عفوية خاضعة لإرادة ربّانية خاصَّة، في مقابل هذه الانبثاقة الموجبة هناك انبثاقة قطبية سالبة يُعبِّر عنها عنوان (السفياني).
واستطيع أن أُشبِّه القياس بين الخراساني واليماني كالقياس بين موسى (عليه السلام) والعبد الصالح..، فكما أنَّ وظيفة موسى (عليه السلام) متَّصلة بالسياق الترتيبي لفلسفة النبوَّة العامَّة، كذلك الخراساني وظيفته متَّصلة بالسياق الترتيبي لفلسفة القيادة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) التناظر: هو علاقة منطقية أساسية تقوم على أنَّه إذا عُيِّن حدٌّ أو أكثر تعيَّن تبعاً لذلك حدٌّ أو حدود أُخرى. المعجم الفلسفي: ٥٥/ إعداد ونشر مجمع اللغة العربية/ القاهرة.
(٢١) يعتقد كانط أنَّ التجربة ليست ممكنة إلَّا بتمثيل رابطة ضرورية بين المدرَكات الحسّية، وتحته ثلاثة تمثيلات أو قوانين متميِّزة: ١- قانون بقاء الجوهر. ٢- قانون تعاقب الظاهرات. ٣- قانون تزامن الجوهر وتبادلها في الفعل. اُنظر: المصدر السابق.
 

(٩)

وكما أنَّ العبد الصالح حالة إلهية منفصلة جاءت كعلامة دلالية لتعميق معرفة النبيِّ بالدلالات الغائبة لظواهر الأُمور، فكانت حتميته ضرورية لا سياقية، كذلك اليماني هو حالة إلهية منفصلة لتعميق معرفة الممهِّدين بحقيقة الإمام الغائب. الفرق أنَّ العبد الصالح كان عالماً بوظيفته، أمَّا اليماني يُعبِّر عن حالة لا شعورية، بمعنى أنَّه لا يعلم بأنَّه اليماني الموعود، لا أقلّ عند خروجه الأوَّل، والدليل على ذلك هو:
١ - إنَّ معرفته لنفسه تتوقَّف على التصـريح أو التوقيع من قِبَل الإمام، وهذا يتوقَّف على الرؤية والمشاهدة، والرؤية والمشاهدة ممنوعة قبل السفياني والصيحة، وبما أنَّ خروج اليماني قبل السفياني أو هو مقارن لخروج السفياني، فلا معنى لتحقّق المشاهدة.
قد يقال: إنَّ اليماني يمكن أن يكون من الأبدال السابقين، أي ممَّن يظفر برؤية الإمام ومشاهدته، وفق تكليف خاصّ يشمل بعض الموفَّقين، وهو ما دلَّت عليه بعض الروايات.
أقول: مع ذلك فإنَّ الرواية التي تمنع الرؤية والمشاهدة مطلقة من حيث الادِّعاء، فإنَّ هولاء الموفَّقين ممنوعون من التصـريح برؤيتهم للإمام إلَّا بعد الصيحة والسفياني، وإلَّا فهم مشمولون للمنع، فحتَّى لو كان اليماني منهم فمن غير المتاح له الدعوة إلى الإمام قبل السفياني والصيحة.
٢ - إنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد، بمعنى إذا قلنا: إنَّ اليماني يعلم بنفسه أنَّه اليماني بمقتضـى تكليفه الخاصّ السابق على ظهوره من جهة، وبمقتضـى حتميته النصّية من جهة أُخرى، نلتزم أنَّ السفياني كذلك، أي إنَّه يعلم بأنَّه السفياني الموعود قبل خروجه، وهذا ممَّا لا طائل منه، لأنَّ شرف المعلومة بشـرف الدور، كما أنَّ مثل هذا العلم يقتضـي أنَّ السفياني يتمتَّع بتوفيقات، لأنَّ علم المنايا والبلايا وما هو كائن ويكون لا يُوفَّق له إلَّا المخلصون.

(٩)

وعليه وكأُطروحة احتمالية يمكن أن تكون وظيفة اليماني علامية اهتدائية، لذلك هو أهدى الرايات، بمعنى أنَّ علامته أوضح العلامات في الإيصال إلى المطلوب..، ومعسكر الخراساني وظيفته تعبوية قتالية حين الظهور، أمَّا قبل الظهور فكانت وظيفته العلامية هي إراءة المطلوب بمقتضـى سياقه التثقيفي العامّ.
بمعنى آخر أنَّ اليماني إمَّا أنَّه أهدى الرايات باعتبار أنَّ المراد من الهداية هنا هي الهداية الإعلامية الإشارية لا السلوكية، فإنَّه قد يكون على حدٍّ سواء مع الخراساني من هذه الجهة، وهناك من الروايات ما يؤيِّد هذا المعنى كما ورد عن الباقر (عليه السلام): (إنَّ المهدي إنَّما سُمّي مهديا لأنَّه يهدي لأمر خفي)، أي إنَّه سيعلن ويشير إلى أمر خفي. نعم هو معنيٌّ بإقامة الدين واستئصال الانحراف والهداية إلى الحقِّ، لكن كلَّ تلك المعاني يشترك بها مع سائر المعصومين، ولا تستدعي أن ينفرد بتسمية المهدي، لأنَّ هذه التسمية تقتضـي أن تكون عنصـراً مميَّزاً في بينونة اتِّصافه بهداية من نوع خاصّ لا ترتبط بالانحراف العقائدي والتأكيد على الاستقامة، وإنَّما بالإشارة إلى أُسس جديدة، ولذلك فهو يشير إلى أمر جديد.
كذلك نفس المعنى ينسحب على اليماني، خصوصاً وأنَّ الروايات عبَّرت عنه بأنَّ رايته راية حقٍّ، ولم تُعبِّر عنها: أحقُّ الرايات، بل أهدى الرايات. ومن جانب آخر فإنَّ الرواية ذكرت في سياق الرايات راية السفياني، فليس من الأجدى أن تُعبِّر بصياغة أفعل التفضيل، لأنَّ ذلك سيعني - ولو على نحو الاحتمال - بأنَّ راية السفياني هي راية هدى أيضاً فضلاً عن راية الخراساني التي هي القدر المتيقَّن في حدِّ الهداية الأدنى..، وهذا يعني أنَّ المقصود من الهدى هنا ليس هو من جنس الهدى العقائدي السلوكي وإنَّما الهدى الإشاري الإعلامي، فتكون راية اليماني أقرب الرايات والعلامات إلى الحقِّ إمَّا

(٩)

مكانياً أو زمانياً، ومن يتخلَّف عن راية اليماني ويلتوي عليها فهو متخلِّف عن الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك لمباشرتها الجغرافية والزمانية لظهور الإمام (عليه السلام)، نظير ما حدث بين الخضـر وموسى (عليهما السلام)، فالخضـر (عليه السلام) قد يكون (أقرب)(٢٢) من موسى (عليه السلام) إلى علل الأفعال والأشياء والأُمور التي اعترض عليها موسى، وذلك بحكم العناصر الغيبية التي سُلط عليها، وعاشر بموجبها الأنبياء الذين سبقوه، وعايش تجاربهم المعرفية..، ويمكن أن يكون المعنى بأنَّ الهدى في راية الخراساني إجمالي، أمَّا في راية اليماني فهو تفصيلي، والتفصيل أهدى من الإجمال بطبيعة الحال، كما في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدى لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ (البقرة: ١٨٥)، فذكر القرآن بأنَّه هدى للناس على نحو الإجمال، ثمّ ذكر بيِّناته وفرقانه بأنَّها الهدى، والمعرَّف أبلغ وأصرح من التنكير، وهو أقرب للتفصيل.
هذا كلّه من حيث القواعد العامَّة لفلسفة العلامة بحسب ما أوردته من أُطروحات احتمالية، ويمكن تصويره سيميائياً على الشكل المثلَّث التالي:

@٤

لكن قد يقال: إنَّ هذه الأُطروحات تحكّم وتحميل للنصِّ بما لا يحتمل، وتبقى مجرَّد أُطروحة ثانوية قابلة للنقاش في مقابل الفهم الأوَّل للرواية، وهي أنَّ راية اليماني تُعبِّر عن كونها أهدى الرايات عقائدياً وولائياً وسلوكياً، وهذا ما عبَّرت عنه الرواية في ذيلها حيث قالت: (لأنَّه يدعو إلى الحقِّ، وإلى طريق مستقيم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) ليس المقصود من الهداية هنا بمعناها العقائدي، وإنَّما بمعناها اللغوي، أي بمعنى رؤية علل الأُمور بما هي عليه في نفس الأمر لا بما هي مشاهدة للعيان، وقد ذهب إلى ذلك جمع من المفسِّـرين منهم الطبرسي في بيانه يقول: (قلنا يجوز أن يكون الخضر خُصَّ بعلم ما لا يتعلَّق بالأداء، فاستعلم موسى من جهته ذلك العلم فقط، وإن كان موسى أعلم منه في العلوم التي يؤدّيها من قِبَل الله تعالى ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ يعني النبوَّة، وقيل: طول الحياة، ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ أي علماً من علم الغيب، عن ابن عبّاس. وقال الصادق (عليه السلام): (كان عنده علم لم يُكتَب لموسى (عليه السلام) في الألواح، وكان موسى يظنُّ أنَّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته، وأنَّ جميع العلم قد كُتِبَ له في الألواح)، ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾، أي علماً ذا رشد، قال قتادة: لو كان أحد مكتفياً من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنَّه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ...﴾ الآية، عظَّمه (عليه السلام) بهذا القول غاية التعظيم، حيث أضاف العلم إليه، ورضي باتِّباعه، وخاطبه بمثل هذا الخطاب. والرشد العلوم الدينية التي ترشد إلى الحقِّ، وقيل: هو علوم الألطاف الدينية التي تخفى على الناس). اُنظر: تفسير مجمع البيان ٦: ٣٢٩.

(٩)

الرمزية الثلاثية في علامات الظهور:
كثيراً ما أُحاول في هذه الأبحاث التركيز على الثلاثي المعروف بنظام الخرز، وذلك لما يُمثِّله هذا الثلاثي من رمزية أساسية في تصعيد وتيرة الأحداث بسبب ما تكتنزه هذه الشخصيات من طاقات متنافرة، وسوف يأتي توصيف هذا النظام وتحليله علمياً ونصّياً في الأبحاث القادمة.
ويمكننا الإشارة إليها وفق البيانات التالية:

@٥

أي إنَّ السفياني يلعب دورين، ويتَّجه على نحوين كما ورد في الروايات، تارةً يقابل الخراساني ويتسابق معه إلى الكوفة كفرسي رهان: (لا بدَّ لبني فلان من أن يملكوا، فإذا ملكوا ثمّ اختلفوا تفرَّق ملكهم، وتشتَّت أمرهم، حتَّى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشـرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان، هذا من هنا وهذا من هنا، حتَّى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أمَا إنَّهم لا يبقون منهم أحداً)(٢٣)، وأُخرى يقابل اليماني ويتسابق معه كفرسي رهان في نفس الوقت، فلقد جاء عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: (اليماني والسفياني كفرسي رهان)(٢٤).
ويمكن التعبير عنه بالشكل التالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) الغيبة للنعماني: ٢٥٦.
(٢٤) بحار الأنوار ٥٢: ٢٥٣.

@٦

(٩)

فلقد أخرج النعماني في الغيبة عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: (لا بدَّ لبني فلان من أن يملكوا، فإذا ملكوا ثمّ اختلفوا تفرَّق ملكهم، وتشتَّت أمرهم، حتَّى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشـرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان، هذا من هنا وهذا من هنا، حتَّى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أمَا إنَّهم لا يبقون منهم أحداً)، ثمّ قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً)(٢٥).
ومن خلال تحليل هذه الرواية نستطيع أن نستنتج عدَّة أنظمة معرفية، تارةً تنتمي إلى عالم اللغة، وأُخرى إلى عالم التاريخ وفلسفته.
الأنظمة الإشارية في الصراع الثلاثي:
١ - نظام الخرز(التمحور)... دورة متَّصلة:

@٧

٢ - نظام المسابقة الرهانية (التجاذب والتقاطع):

@٨

(٩)

الأنظمة التاريخية:
١ - الأمر المحتوم (المنعكس الشرطي):
بمعنى أنَّ ثَمَّة اقتراناً وثيقاً بين وجود العلامة المحتومة كمشير، وبين المدلول المشار إليه، هذا من جهة الرابطة الإشارية، أمَّا من جهة السنن التكوينية والتاريخية فإنَّ فلسفة وجود قطبية الشـرِّ لا تنفصل عن مقتضيات الحركة الاجتماعية والتاريخية والسنن الامتحانية، وإلَّا تخلَّفت الأغراض الإلهية من الامتحان والابتلاء، وهو محال. من هنا يمكن أن نتفهَّم الحتمية النصّية والتاريخية لوجود السفياني كمتطرِّف قطبي سلبي، والضدّ النوعي لرايات أهل الحقِّ والخير في الطرف المقابل.
٢ - البداء (المحو والإثبات).
٣ - نظام الخرز (التعاقب).
أخرج النعماني في غيبته بإسناده عن محمّد بن الصامت، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: (بلى)، قلت: وما هي؟ قال: (هلاك العبّاسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء)، فقلت: جُعلت فداك، أخاف أن يطول هذا الأمر؟ فقال: (لا إنَّما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً)(٢٦).
وأخرج أيضاً في رواية طويلة بإسناده عن أبي بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام) جاء فيها: ثمّ قال (عليه السلام): (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلِّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكلِّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنَّ رايته راية هدى، ولا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الغيبة للنعماني: ٢٦٣.

(٩)

يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلى الحقِّ وإلى طريق مستقيم...) الحديث(٢٧).
وهذا النظام بحسب فلسفة التاريخ، وبمقتضـى الأسباب والمسبَّبات يعطينا مسوِّغاً معرفياً على اعتباره نظاماً حتمياً لا يقبل التخلّف في أحد أجزائه، وهذا يعني أن تنبسط الضـرورة التاريخية على كلِّ مفاصله، ومنها (الخراساني)، فعلى الرغم من أنَّ الخراساني خارج عن دائرة الحتمية النصّية فلم يرد في الروايات أنَّه من المحتوم، على عكس السفياني واليماني، إلَّا أنَّه بحسب ما تقتضيه القوانين النظامية يدخل في نطاق الحتمية التاريخية، باعتبار أنَّ نظام الخرز عنصـر أساس من عناصر حركة التاريخ وترابط سننه الوجودية.
وهناك جملة من الروايات تشير إلى هذا المعنى، وتؤصِّل عدَّة قواعد وأُصول وسنن تاريخية ترتبط بمقولة النظام، حيث جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية طويلة يُوجِّه فيها أخاه الثائر زيد الشهيد (رضوان الله عليه)، نأخذ منها محلّ الشاهد، حيث يقول (عليه السلام): (... لم يجعل الإمام القائم بأمره في شبهة فيما فرض له من الطاعة، أن يسبقه بأمر قبل محلّه، أو يجاهد فيه قبل حلوله، وقد قال الله (عزَّ وجلَّ) في الصيد: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس التي حرَّم الله؟ وجعل لكلِّ شـيء محلًّا وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]، فجعل الشهور عدَّة معلومة، فجعل فيها أربعة حرماً، وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ [التوبة: ٢]، ثمّ قال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْـرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فجعل لذلك محلًّا وقال: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فجعل لكلِّ شـيء محلًّا، ولكلِّ أجلٍ كتاباً. فإن كنت على بيِّنة من ربِّك، ويقين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) الغيبة للنعماني: ٢٥٦ و٢٥٧.

(٩)

من أمرك، وتبيان من شأنك فشأنك، وإلَّا فلا ترومنَّ أمراً أنت منه في شكٍّ وشبهةٍ، ولا تتعاطَ زوال ملك لم ينقضِ أكله، ولم ينقطع مداه، ولم يبلغ الكتاب أجله، فلو قد بلغ مداه وانقطع أكله وبلغ الكتاب أجله لانقطع الفصل وتتابع النظام، ولأعقب الله في التابع والمتبوع الذلَّ والصغار...) الحديث(٢٨).
نفهم من هذه الرواية الشـريفة أنَّ لكلِّ حقبة تاريخية نظاماً يخصّها يرتبط بقيام الدول وانحدارها، وهي قاعدة لا تختصُّ بالدول بما هي دول، بل تعمُّ الحركات والثورات، وتشمل الحركة الاجتماعية بكافَّة تجلّياتها.
ومن هنا فإنَّ إطلاق مقولة النظام على التتابع التاريخي لأحداث السفياني واليماني والخراساني يضيف إليها قيماً تأصيلية، ممَّا يقتضـي وجود مستوى من الحتمية يتناسب مع ذلك النظام التتابعي (الخرز).
علامات الظهور وجدلية اللغة والتاريخ:
في نطاق علامات الظهور توجد ثَمَّة علاقة بين فلسفة التاريخ وفلسفة اللغة أوجدتها مسوِّغات معرفية في سياق النظام الكوني الأحسن والسنن التاريخية للإنسان والعالم. فعلامات الظهور باعتبارها حوادث تاريخية ترتبط بأسباب وعلل ومسبَّبات تقتضيها منظومة العلاقات السننية بين المجتمع والدين والطبيعة في ظروف زمانية ومكانية محدَّدة تعالج في إطار معرفي يُطلَق عليه (فلسفة التاريخ)، وهذا الإطار له قواعد وأُصول ومزايا قد تكون أجنبية تماماً عن مزايا وقواعد الظواهر اللغوية والنصّية، ولكن باعتبار أنَّ هذه الظواهر حاكية عن تلك الحوادث في قوالب نصّية معبّرة فإنَّها ستُشكِّل من هذه الناحية عقبة بحثية مهمَّة يجب تخطّيها أوَّلاً ومن ثَمَّ إيجاد المسوِّغات المعرفية التي شكَّلت هذه الحوادث رمزية أساسية في مجرياتها التداولية.
ولا يخفى أنَّ فلسفة التاريخ تُفسِّـر علاقة السلوك الفردي والاجتماعي بخارطة الأحداث والوقائع ضمن تخطيط توفيقي بين الاضطرار والاختيار وصولاً إلى الغاية المطلوبة في سياق عملية امتحان بشري كبرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الكافي ١: ٣٥٦.

(٩)

وإنَّ الأبحاث التاريخية وخصوصاً التحليلية منها بحكم انتمائها لمناطق الفراغ العقلية أوَّلاً وبالذات - وإن كان لها نحو انتماء إلى مناطق الشغل العقلية إلَّا أنَّ ذلك ثانياً وبالعرض، لأنَّ القوانين العقلية بمقتضـى كلّيتها من جهة وثباتها من جهة أُخرى لا يمكنها أن تتسلَّط على كثير من القضايا المعرفية السيالة والمتغيّرة -، المهمّ أنَّها بحكم انتمائها إلى هذه المناطق فهي غير مضطردة بطبيعة الحال، وتتأثَّر بالنزعة الذاتية للباحث أكثر من تأثّرها بالعوامل الموضوعية التي من المفترض أنَّها تُحقِّق ملاكات المسألة المبحوثة.
المهمُّ أنَّنا نتسائل: هل هناك قاعدة أوَّلية نستطيع أن نُفسِّـر من خلالها علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وعلاقتها بحركة التاريخ على ضوء فلسفة التاريخ؟ بمعنى آخر: ما هو المسوِّغ التاريخي الذي يجعل من هذه العلامات تؤثِّر وتتأثَّر في حركة المجتمع والتاريخ؟
وللجواب عن ذلك نقول: إنَّ الزمان والمكان وإن كانا ينتميان إلى مقولتين مختلفتين، بل نستطيع أن نقول: إنَّهما متنافيتان، لكنَّنا نستطيع أن نقول من جهة أُخرى: إنَّ بينهما تمام الوفاق والاتِّفاق. وقبل الاسترسال في هذه النقطة التي جعلتني أتطرَّق إلى هذه المسألة هي المناسبة المستحكمة بين الإمام (عليه السلام) وبين فلسفة الزمان، حتَّى أنَّ واحدة من أشهر صفاته (عليه السلام) هو (صاحب الزمان)، ولكن ما هو الرابط؟ وما هو مقدار قيّومية الإمام (عليه السلام) على الزمان؟ إنَّ الإمام (عليه السلام) هو قيّم على الزمان، فالصحبة هنا ليست بمعنى الزمالة والصداقة، وإنَّما بمعنى التصـرّف والقيّومية..، المهمّ التساؤل هنا: ما هي المحدِّدات الفارقة بين الزمان والمكان؟
طبعاً لا بدَّ أن نعرف أوَّلاً أنَّ الزمان متسيِّد على المكان، لأنَّ الزمان لباس الوجود، وحيثيته إطلاقية، بينما المكان حيثيته تقييدية، وهي نقطة ثبوتية في حركة الزمان، وأهمّ المحدِّدات بينهما:

(١٠)

١ - إنَّ المكان قائم على النقطة، والزمان على الآن.
٢ - إنَّ المفهوم التعميقي للمكان هو الامتداد، والمفهوم التعميقي للزمان هو الديمومة.
٣ - إنَّ علاقة المكان بنفسه قائمة على التجاور، وعلاقة الزمان بنفسه قائمة على التعاقب.
٤ - إنَّ ارتباط أجزاء المكان من خلال التتالي، وارتباط أجزاء الزمان من خلال التوالي.
٥ - إنَّ ملاك تحقّق المكان هو السكون، وملاك تحقّق الزمان هي الحركة.
٦ - إنَّ المعطى المتحقّق من المكان هو عنصـر الثبات، بينما المعطى المتحقّق من الزمان هو عنصـر التغيّر.
٧ - إنَّ كمال المكان يرتبط بتحقّق الكينونة، وكمال الزمان يرتبط بتحقّق السيرورة.
ولأنَّ الزمان هو أحد محدِّدات الصفة التاريخية للأشياء، فلا بدَّ أن نفهم ما هو المنهج الذي يعطينا الحقَّ في تفسير التاريخ وفق مقاربات إيديولوجية؟ في حين أنَّ المطلوب من كلِّ بحث تاريخي الالتزام بالطابع الموضوعي المجرَّد. وحتَّى يتَّضح المسوِّغ الحقيقي لمثل هذا التفسير لا بدَّ أن نقارن بين المناهج المدرسية المتنوّعة التي تناولت البحث التاريخي بصفته التحليلية والفلسفية.
المائز المنهجي بين تفسير المدرسة المادّية للتاريخ والتفسير الإسلامي:
تعتمد المدارس الغربية في تفسير التاريخ - وخصوصاً المدرسة التشاؤمية، والتي تتبنّى نظريات نهاية التاريخ - على مناهج متباينة بحسب تباين المآخذ، فهناك من يُفسِّـر التاريخ وفق المأخذ الفلسفي، أي بالارتكاز على القواعد في ذاتها بغضِّ النظر عن التعيّنات والمبرزات الإيديولوجية لحضارة بعينها كما هو هيجل، وهناك من يُفسِّـره وفق المأخذ الإيديولوجي الثابت ولو في نظره،

(١٠)

حيث يدرس عناصر مجتمعية بعينها ويُحوِّلها إلى قاعدة في ذاتها كما فعل ماركس، وهناك من يُفسِّـره وفق المأخذ الإيديولوجي المتحرِّك، حيث يدرس مبرزات حضارة معيَّنة بالقياس إلى حضارات أُخرى ويبني عليها نتائج وتحوّلات كما فعل (فوكوياما)(٢٩) ومن قبله (هنتغتون)(٣٠).
وحيث إنَّ القواعد الفلسفية المفترض بها أنَّها تحاكي طبائع الأشياء في ذاتها وفق قواعد تجريدية، ولا تعنى بتعيّناتها الخارجية، بينما الأيديولوجيا تُمثِّل قناعات ترتكز إلى قواعد علمية إمَّا تجريبية أو استنتاجية استقرائية تلاحق تعيّنات الأشياء وتجلّياتها الحسّية.
بالمحصَّلة فإنَّ تفسير التاريخ وفق هذا التباين المنهجي للمدارس الغربية، والذي من المفترض أن يتوخّى وجوداً رابطياً بين الموضوع الفلسفي والموضوع الإيديولوجي، أو على الأقلّ بينه وبين المحمول يجعل منه تفسيراً عبثياً، أو لا أقلّ يفتقد للكثير من حلقات الوصل والاتِّصال بين أبعاده المعرفية: (المنطق، الأنطولوجيا، نظرية المعرفة).
أمَّا تفسير التاريخ وفق المنهج الإسلامي فإنَّه بعد التفصّـي عن عدم اعترافه بالمنطق الهيجلي(٣١) والقواعد الفلسفية للمدارس الغربية إلَّا أنَّ مقتضيات اللياقة في ممارسة الجدل تلزمه بالتنزّل ولو مؤقَّتاً، وعليه فلو سلَّمنا بصحَّة القواعد الهيجلية فإنَّها غير مناسبة لتقديم التعميمات السليمة لفلسفة التاريخ، والدليل هو لجوء الفلاسفة والمفكّرين إلى وضع مناهج أُخرى أخصّ منطقياً من الأُصول التي وضعها هيجل، خصوصاً وأنَّ أغلب المدارس الفلسفية الغربية هجرت المنطق الأُرسطي واشتغلت وفق المنطق الهيجلي الحديث.
ولعلَّ الأُطر العامَّة لقوانين التاريخ على ضوء الكتاب الكريم يمكن أن تُقرأ على الشكل التالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) فرانسيس فوكوياما الأمريكي ياباني الأصل، يعمل مستشاراً استراتيجياً في الخارجية الأمريكية، وهو الذي طرح نظريته عن نهاية التاريخ، وهو صاحب كتاب (نهاية التاريخ وخاتم البشـر)، وملخَّص النظرية بأنَّ العالم سينتهي بسيطرة حضارة واحدة ذات منظومة قيمية واحدة، هي الحضارة الرأسمالية.
 (٣٠) صامويل هانتنجتون الأمريكي صاحب كتاب (صراع الحضارات)، والذي طرح نظرية صراع الحضارات الذي يرى فيها أنَّ الحضارات تتصارع فيما بينها، وأنَّ صراعها في جوهره صراع قيمي ثقافي، لاختلاف المنظومات القيمية بين كلِّ حضارة وأُخرى.
 (٣١) هيجل، ج. و. ف. (١٧٧٠ - ١٨٣١م)، فيلسوف ألماني يُعتَبر أحد أكثر الفلاسفة الألمان تأثيراً في المذاهب الفلسفية الحديثة. جادل هيجل في المقولة التي تفيد بأنَّه لكي نفهم أيّ ثقافة من الثقافات الإنسانية، يجب أن نعيد تتبّع وفهم تاريخها. وقد ركَّز هيجل كثيراً على أهمّية الفهم التاريخي لتطوير الدراسة التاريخية للفلسفة، والفنِّ، والدين، والعلم، والسياسة. وانتشـر المنهج التاريخي للثقافة الإنسانية الذي أشاعه هيجل حتَّى خارج حدود ألمانيا. اُنظر: الموسوعة العربية العالمية ٩٥: ٩٤/ حسب برنامج المكتبة الشاملة الإصدار الثاني.

(١٠)

أوَّلاً: القياس الاستقرائي:
ويتحدَّد هذا القانون من خلال رؤية القرآن الكريم للحركة التاريخية للبشـرية من حيث ربط الأسباب بالمسبَّبات، وقياس النتائج إلى الأفعال عن طريق المسير الاستقرائي العقلي، والنظر بتأمّل إلى النتيجة الموحّدة لكلِّ تلك النتائج، والذي أشارت إليه العديد من الآيات، كما قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٧).
ويقول تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: ١١).
ثانياً: ملاحظة المعايير الاعتبارية:
من أهمّ القيم التاريخية التي أكَّد عليها الكتاب الكريم كمعايير تصلح أن تكون قانوناً اجتماعياً عامّاً للسلوك السليم الذي ينسجم مع السنن التكوينية والاجتماعية السليمة هو قيمة العبرة والاعتبار كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١)، فإنَّ قصص الأنبياء مع مجتمعاتهم تصلح لأن تكون قانوناً عامّاً ينبغي أن ينتفع منه المجتمع من خلال استقراء النتائج التي خرجت بها تلك القصص، والركون إلى نتيجة موحّدة، ومن ثَمَّة التزام طريق الحميَّة السلوكية والاعتقادية مع النبيِّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والتصديق بما جاء به، والإيمان به، وإلَّا سيصيبهم ما أصاب الأُمم السابقة.
ومن المعايير التي تنسجم مع مقولة الاعتبار، هي:
أ - معيار التأمّل، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩).

(١٠)

ب - معيار المقابلة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (النمل: ٦٩)، وكما يقول تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْـرِكِينَ﴾ (الروم: ٤٢)، ويقول تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: ١١)، وكما يقول عزَّ من قائل: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٧).
ت - معيار الأمكنية، والملاحظ في هذا المعيار أنَّ فيه تحشيداً واضحاً للنصوص القرآنية، وما ذلك إلَّا لأنَّ البشـرية على طول خطِّ التاريخ مستغرقة في قيم المادَّة والقوَّة، بحيث شكَّلت هذه القيم عند البشـرية مقياساً أساسياً في الانحراف عن طريق الحقِّ والسلوك السويِّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الروم: ٩)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ (فاطر: ٤٤)، وقوله عزَّ من قائل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ (غافر: ٢١)، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: ٨٢).

(١٠)

ث - معيار المماثلة، وهذا المعيار جاء للتأكيد على أنَّ سنن التاريخ تتكرَّر في حقِّ المنحرفين عن القانون التكويني السويِّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (محمّد: ١٠).
الاعتباط والقصدية في علامات الظهور:
حينما نتكلَّم عن علامات الظهور فإنَّنا بالضـرورة سوف نتحدَّث عن نوعين من الإحالات: تارةً نتحدَّث عن إحالات تقتضيها شؤون النصِّ، من قبيل: الإحالة على المعاني المدلولة لألفاظ الروايات، وتارةً أُخرى نتحدَّث عن إحالات تقتضيها شؤون الحركة التاريخية في نطاق التوقّع، وهذا النوع من الإحالات قد يفرز العديد من نقاط الصعوبة في تفسير مداليله الحقيقية، فعلى العكس من النوع الأوَّل - أقصد الإحالة على المعاني - فهو بلا أدنى شكٍّ منسجم إلى حدٍّ كبير مع البعد المقاصدي للنصِّ، كما أنَّ ارتباطه بقصدية المتكلِّم الذي هو المعصوم (عليه السلام) واضح وجليّ، لكن ربَّما نفتقد إلى المشير القصدي حينما يدور الحديث عن النوع الثاني من الإحالات..، وتتركز الصعوبة أكثر في نطاق هذا النوع من الإحالات في سياق ما يقتضية من أنظمة تكوينية وتاريخية تتدخَّل في أكثفة أنماطه الوجودية من قبيل:
١ - نظام البداء.
٢ - نظام العلل والأسباب.
٣ - نظام الامتحان والتمحيص.
ولعلَّ الإحالات على مضامين التوقّع التاريخي ليست واحدة، وتختلف من علامة إلى أُخرى، ومن رمز إلى رمز آخر، فعلى الرغم من أنَّ الذوات التاريخية المنفصلة عن الشهود الآني لا تشترط شكلاً خاصّاً لها، فإنَّ أشكال وجود هذه الرموز والمعاني لا يمكن أن تكون مفصولة عن السيرورة التاريخية المولِّدة لها،

(١٠)

فالصيغ البشـرية لعلامات الظهور من قبيل السفياني واليماني والخراساني أو أيِّ شخصية أُخرى كأيقونات رمزية لا بدَّ أنَّها تستند إلى إجراء استدلالي يتَّخذ من التجاور الزماني أو المكاني والتشابه والتناظر منطقاً له. وأعتقد أنَّ ذلك يُشكِّل تحديداً وتمييزاً معقولاً للقصدية التاريخية، في حين تحيل العلامة السيميوطيقية كما يذهب السيميائيون على مدلولها عن طريق الاعتباط، فلا رابط عقلي بين المتوالية الصوتية للنصِّ في خصوص المشافهين وبين المدلول الذهني الذي يملكه المستمع عن شيء ما ممَّا يعطيها دلالات لا متناهية ليس على مستوى المعاني فحسب، بل حتَّى على مستوى الرموز الوجودية والأيقونات المعبّرة عنها.
ولكن من الممكن أن نتصوَّر لعلامات الظهور في بعدها التداولي، وفي نطاق التوقّع التاريخي دلالات مفتوحة، لكن لا على إطلاقها، وإنَّما بشـرط شـيء وهو اتِّصالها الضمني بعصـر الظهور من جهة وبثقافة الفرد المنتظر من جهة أُخرى في نطاق تداوله لمدلولات العلامة، فيكون انفتاحها محدوداً ثقافياً خصوصاً في عصـر الغيبة، فحينما نتحدَّث عن اليماني مثلاً فمن حيث الإحالة النصّية فثَمَّة بعدان فقط في نطاق المقاصد الدلالية منها: بعد رمزي، وآخر جغرافي. أمَّا من حيث الرمزية فإنَّ هذا العنوان يشير إلى شخص يتحمَّل في سياق مضمونه الداخلي عنصـراً مهمّاً من عناصر الحكمة المتعالية، وبما أنَّ الحكمة لها ما بإزاء نصّـي ورد عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) حينما قال: (إنَّ الحكمة يمانية)، أُشير إليها ترميزاً من هذه الجهة، وذلك من أجل التعمية على قيامه ومشـروعه العلائمي. وأمَّا من حيث الجغرافية فهذه الحيثية أقرب الحيثتين إلى الدلالة المطابقية للنصِّ، وهي لا تتحمَّل أكثر من مستوى واحد من مستويات الدلالة السيميائية، بينما لو أخذنا بحيثية الانتزاع الرمزي فثَمَّة ثلاثة مستويات للدلالة السيميائية، وهي: مستوى الشخصية التاريخية المحيلة إلى (القطب)، ومستوى

(١٠)

الرمزية الخوارزمية في سياق التعمية التاريخية، والتي تحيل إلى معنى من معاني الحكمة، ومستوى الإحالة إلى هذه الرمزية بإزاء ما ورد من النصِّ النبوي من أنَّ (الحكمة يمانية)(٣٢). وفهم هذه المستويات على الرغم من مقتضاه إلَّا أنَّ مؤونته قد تكون زائدة على المدلول، وبالتالي قد تكون أقرب إلى الاعتباطية منها إلى القصدية..، أمَّا لماذا نتهرَّب من هذه المؤنة في التعبير عن رمزية اليماني وفق ما يقتضيه من مستويات متعدِّدة؟ أعتقد أنَّ ذلك يعود إلى المسوِّغ المنهجي الذي نتبنّاه، وذلك تارةً هروباً من الاعتباطية، وأُخرى تزلّفاً للنظرية السيميائية التي انتخبناها على شرط (شارل سندرس بيرس)، وهذا التزلّف له ما يقتضيه علمياً.
فالعلامة لو جرَّدناها عن البعد الرمزي يمكن فهمها بدقَّة إذا نجحت في أن تجعل المرء يستوعب عن طريق الحواسِّ الشـيء أو الموقف الذي تشير إليه، وذلك بعكس (الرمز) الذي يتمُّ فهمه حينما ندرك الفكرة التي يرمز إليها، وكما يقول أوسكار وايلد: (الشـيء المشار إليه بعلامة أبسط بكثير من الفكرة أو المعنى أو التصوّر المشار إليه برمز)(٣٣).
علامات الظهور والتراكم الدلالي:
نستطيع أن نستوحي عدَّة أنواع من الدلالات في سياق التأمّل في نصوص علامات الظهور، منها:
١ - الدلالات اللفظية (نصّية، سياقية، خبرية):
لعلَّ السياق هو ذلك العنصـر المتحرِّك بين معظم الوظائف النصّية السالفة في خصوص النصِّ الديني، ونحن حينما نتحدَّث عن النصِّ الديني فيجب أن لا يغيب عنّا ما يلعبه السياق من أدوار تتدخَّل في جميع مفاصل الدلالة النصّية، والذي يُميِّز النصَّ الديني من حيث الحركة السياقية هو تأثّره بنمطين من هذه الحركة: الأوَّل ما يرتبط بداخل النصِّ من قرائن مقالية، والثاني ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) الكافي ٨: ٧١/ ح ٢٧.
(٣٣) الرمز والأُسطورة في البناء الاجتماعي/ أوسكار وايلد: ٥.

(١٠)

يرتبط بخارج النصِّ من مواقف وقرائن حالية، إلَّا أنَّ النمط الداخل نصّـي هو الأكثر حركةً مع معطيات القراءة والتحليل، خصوصاً وأنَّ النصَّ الديني يتضمَّن بعداً ثالثاً من أبعاد الحركة الدلالية ألا وهو البعد التاريخي، وهو البعد الذي تتجسَّد دلالاته وفق منظومة العلاقات بين الإنسان والمكان والزمان، ولأنَّ الزمان محكوم بظاهرة التعاقب فوقائعه ستكون عرضة للاختفاء والغياب خلف أستار التاريخ ومجرياته..، ولا يمكن أن تتحوَّل القضايا الغائبة (كقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) وعلامات ظهوره) إلى قضايا حاضرة من دون توسّط مقولة المعرفة، ولا يمكن أن تتولَّد مقولة المعرفة من دون توسّط أدوات التفهيم، وأقصد بها الرموز والإشارات والأصوات والحروف.
لذا كان الإنسان مضطرًّا إلى التواصل اللفظي من أجل تكوين رؤيته الشمولية للحياة والوجود، إلَّا أنَّ جملة من المعطيات الوجودية التي حدَّدتها مقتضيات السنن التكوينية أدَّت بالإنسان إلى تقحّم أزمة التعقيد في مجال التواصل المعرفي، وأهمّ هذه المعطيات:
١ - اختلاف الألسنة.
٢ - أنماط الذكاء.
٣ - أنماط السلوك.
٤ - أنماط الرؤى الكونية.
ولعلَّ الأنماط من الطائفة الرابعة هي المعطى الأساس في تكوين دائرة الاختلاف والتعقيد في التعاطي بين اللغة والفكر من جهة، وبين خيال فاعل الفهم (القارئ) والواقع ونفس الأمر من جهة أُخرى.
والمحدِّد الأساس في تمييز هذه الأنماط هو في بلورة النظرية المعرفية وتنقيحها ابستمولوجيا عن طريق عملية الفرز المعرفية التي تتضمَّن التأشير على مصادر المعرفة ومعايرة قيمتها ومعرفة أدواتها وتحديد مراحلها، وإلَّا فمن دون هذه

(١٠)

العملية لا يمكن ملامسة ملاك الحقيقة، وكذلك لا يمكن التمييز بين الأوهام والحقائق.
ولا يخفى أنَّ النصَّ - أيَّ نصٍّ - يلعب دوراً محورياً في معادلة التكافؤ بين المتلقي والواقع، لذا فإنَّ من الضروري أن يخضع النصُّ إلى عملية تشريح معرفية.
ويمكن أن نقول بأنَّ الانفجار التطوّري الذي أحدثه المنهج التجريبي الغربي في مجال التقنية والتكنلوجيا والعلوم التطبيقية أدّى إلى بروز اتِّجاهات متعدِّدة في تفسير علاقة الإنسان بالفكر والمعرفة بناءً على مبدأ النسبية الذي تؤمن به هذه المدارس، وبالتبع من هذا التطوّر حيث تكثَّفت المصطلحات العلمية وتكاثرت الرموز والإشارات، ممَّا أدّى إلى نشوء المدارس اللسانية الحديثة التي باتت هي الأُخرى تعيش ذروة تطوّرها النظري، ولعلَّ أهمّ مسلك شغل مساحة واسعة من الجدل بين هذه المدارس هو المسلك التأويلي الهيرمونطيقي(٣٤) بجميع مدارسه البنيوية والتفكيكية.
ولعلَّ واحدة من انبثاقات هذه المدارس هو الاهتمام بالقيم العلامية وما يُسمّونه بـ (السيمولوجيا) أو (السيمياء).
وعلى الرغم من التباين والاختلاف الواضح في سياق الرؤى الكونية بين هذه المدارس وبين ما نؤمن به من منظومات معارفية إلَّا أنَّ نقاط التلاقي ليست قليلة بمناسبة وحدة المناسيب الإدراكية على شرط الاعتبار العقلائي. ولعلَّ هذا التلاقي ملحوظ إلى حدٍّ ما في خصوص بعض المبادئ والمقدَّمات، إلَّا أنَّ نقاط الافتراق جوهرية على مستوى النتائج والاستنباطات، فعلى صعيد فلسفة اللغة مثلاً فإنَّ هذه المدارس تؤمن بالدلالات المفتوحة والاعتباطية في فهم العلاقات اللغوية، في حين أنَّ الفكر الإسلامي يركن غالباً إلى المقاصد والثوابت خصوصاً فيما يرتبط بمحلِّ كلامنا حول علامات الظهور والبعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) يرد مصطلح الهيرمينويطيقا بشكل ملحوظ في الدوائر اللاهوتية والفلسفية، وكذلك االدبية وسادت الهيرمينويطيا كمذهب في اللاهوت الأُوربي البروتستانتي بوصفه محوراً للدراسات اللاهوتية الراهنة. والهيرمينيطيقا هي دراسة المبادئ المنهجية للتفسير والتوضيح، وهي بوجه خاصّ دراسة المبادئ العامَّة لتفسير الكتاب المقدَّس (الإنجيل). اُنظر: كتاب هيرمينوطيقا.. تفسير الأصل في العمل الفنّي.. دراسة في الانطولوجيا المعاصرة/ د. صفاء عبد السلام علي جعفر: هامش (ص ٢٣).

(١٠)

الرمزي والإشاري فيها، فليس من المعقول أن يُراد من اليماني مثلاً تصوّرات لا متناهية من الأشخاص، فإنَّ ذلك سيجعل من العلامة غير قارَّة، في حين أنَّ بعد المعنى للعلامة في حدِّ علاميَّتها هو القرار على شكل محدَّد بحدود تلك العلامة خصوصاً إذا كانت مادّية مجسَّدة بأبعاد المادَّة.
وهناك ثَمَّة أنواع أُخرى من الدلالات نترك الحديث عنها إلى مناسبات أُخرى رعايةً للاختصار، منها:
٢ - الدلالات الحسّية (شخصية، حدثية، تاريخية).
٣ - الدلالات السلوكية (الهدى، الإيمان، التوسّم، الاتِّباع).
٤ - الدلالات النفسية (الانتظار، الأمل، الفرج).
٥ - الدلالات الحدّية (معسكر الحقِّ، معسكر الباطل).
٦ - الدلالات الغيبية (المستقبل، المنايا والبلايا، التنبّؤ).
عقيدة البداء وتأثيرها في تطويع البعدين السيميائي والتاريخي للعلامة:
يدخل البداء عاملاً مؤثِّراً بالدرجة الأساس في تغيير أنماط العلامة، بناءً على التغيير في أنماط السلوك الإنساني والمجتمعي، ومن هذه الأنماط:
١ - إذاعة السرِّ والتعجّل، سُنَّة التأجيل، تطويع التاريخ:
جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): (فحدَّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر)، فإذاعة السـرِّ وإفشاءه يكشف عن خلل فكري، فإذا لم يحفظ الشخصُ السـرَّ وقام بكشفه، هذا يدللُّ على وجود خلل في وعيه وفكره، ثمّ يقول الإمام الباقر (عليه السلام): (ولم يجعل الله له بعد ذلك عندنا وقتاً)(٣٥).
من هنا نفهم أنَّ للعلامة مستويات: منها ما هو قابل للتغير والتبدّل بحسب مدى التقيّد بالشـروط وارتفاع الموانع، والآخر ثابت وحتمي، وترتبط هذه الحتمية بمقاس اللياقة الامتحانية للجماعة المؤمنة المنتظرة، وبمستوى النضوج الفكري والسلوكي الذي يتمتَّعون به، فمتى ما توصَّلت هذه الجماعة إلى حدود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الكافي ١: ٣٦٨/ ح ١.

(١١)

النجاح واللياقة حينها ستكتسب صلاحية الحفاظ على السـرِّ، وبالتالي اقتضاء التدبير السليم للأحداث في ظرف التوقّع، ومن ثَمَّ استجلاء الحقائق من خلف العلامات والإشارات. وهذا ما تشير إليه الرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: (إنَّ أصحاب محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وُعِدُوا سنة السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) غضب اللهُ (عزَّ وجلَّ) على أهل الأرض، فأضعف عليهم العذابَ، وإنَّ أمرنا كان قد دنا فأذعتموه فأخَّره اللهُ (عزَّ وجلَّ)، ليس لكم سرٌّ وليس لكم حديثٌ إلَّا وهو في يد عدوِّكم، إنَّ شيعة بني فلان طلبوا أمراً فكتموه حتَّى نالوه، وأمَّا أنتم فليس لكم سرٌّ)(٣٦).
هذه إشارة من الإمام المعصوم (عليه السلام) يُبيِّن أنَّ (شيعة بني فلان) قد حكموا لأنَّهم حافظوا على سرِّهم، سواء كان المراد بــ (شيعة بني فلان) هم العبّاسيّون أو الأُمويون أو غيرهم، أنّى كانوا فلقد حافظوا على نشاطهم السرّي حتَّى نالوا ما يصبون إليه.
في حين كان من المتوقَّع بالحسابات التاريخية غير الحتمية والمشـروطة بالكتمان وتوفّر الأنصار أن يكون الإمام الحسين (عليه السلام) هو المهدي، إلَّا أن اختلال الشـروط ووجود الموانع أدّى إلى التأجيل، وتغيَّرت تبعاً لذلك الرموز والإشارات وفقا لقانون البداء والتبدّل.
ويقول أبو بصير: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما لنا من يخبرنا بما يكون، كما كان عليّ (عليه السلام) يُخبِر أصحابَه؟ فقال: (بلى والله، ولكن هات حديثاً واحداً حدثتُكه فكتمتَه)، فقال: فوَالله ما وجدت حديثاً واحداً كتمتُه)(٣٧).
إنَّ القرآن الكريم ذمَّ الأقوامَ الذين يذيعون السـرَّ، لذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) عيَّر أقواماً بالإذاعة في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]، فإيّاكم والإذاعة)(٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) مختصر بصائر الدرجات: ١٠٢.
(٣٧) المحاسن للبرقي ١: ٢٥٨/ ح ٣٠٥.
(٣٨) الكافي ٢: ٣٦٩ و٣٧٠/ ح ١.

(١١)

٢ - الانعكاس السلوكي، سنة التبديل، تطويع الأشخاص والصور:
كما أنَّ هناك افرازاً سلبياً آخراً يُؤثِّر في مجريات السنن التاريخية، ممَّا يدع مجالاً للبداء في التدخّل في قوانين الحركة التاريخية للمجتمع الرسالي، وهذا الافراز يُعبِّر عن التداعي السلبي للسلوك الاجتماعي من خلال التجافي مع قيم الجهاد والمدافعة أو قيم الإنفاق في سبيل الله أو غيرها من القيم ذات البعد السلوكي الإيجابي، يقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٩).
ويقول تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ (محمّد: ٣٨).
فإنَّ الحمولة السلبية لهذا الإفراز قد تتجاوز حدود الإنذار وتصل إلى مرحلة الاستبدال، وهي من سنن الله في التاريخ، فالذين لم يُوفَّقوا في نصـرة الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً عرَّضوا أنفسهم إلى مقتضيات البداء، ومن ثَمَّ كانت الأُمَّة تستحقُّ سُنَّة الإبدال والتبديل، وهذا الأمر بنفسه يمكن أن يقع في مجريات عصـر الظهور وعلاماته أيضاً، وهذا ما عبَّرت عنه بعض الروايات كالرواية التي تتحدَّث عن يوم الأبدال، وأنَّ أشخاصاً كانوا في معسكر السفياني يتحوَّلون إلى معسكر الإمام المهدي (عليه السلام) وبالعكس، فلقد جاء عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رواية طويلة جامعة ترسم خريطة الظهور نأخذ منها محلَّ الشاهد، يقول: (... ثمّ يسير حتَّى يأتي العذرا هو ومن معه، وقد ألحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة. حتَّى إذا التقوا وهم يوم الأبدال يخرج أُناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمّد (عليهم السلام)، ويخرج ناس كانوا مع آل محمّد إلى السفياني، فهم من شيعته حتَّى يلحقوا بهم، ويخرج كلُّ ناس إلى

(١١)

رايتهم، وهو يوم الأبدال)(٣٩)، وهذا التحوّل ليس وليد مزاجات آنية، وما ذلك إلَّا لوجود هذه العلاقة والترابط بين السنن والسلوك.
أنواع العلاقة السيميائية والتاريخية بين العلامات:
تتآلف العلامات فيما بينها وفقاً لنوعين من العلاقات:
أ - العلاقات النظمية السياقية:
وتنبع قدرة العلامات على التآلف من محور ذي بعد واحد يجعل العلامات ترتبط بعضها بالبعض الآخر في متتالية من العلامات تنتمي إلى السياق نفسه(٤٠).
وهو ما نطلق عليه في دائرة أدبيات الظهور بنظام الخرز، وهذه العلاقة مشتركة بين البعدين الرئيسيين للعلامة: البعد اللغوي والبعد التاريخي، فمن حيث البعد اللغوي فإنَّ ثَمَّة علاقة سياقية ودلالية واضحة بين الرموز اللغوية التي تشير إليها الروايات في خصوص الحديث عن الشخصيات الثلاث. والحاجة إلى مثل هذا السياق تقتضيها قصديتين أساسيتين:
القصدية الأُولى: ربط فهم المتلقي بمنظومة الرموز والإشارات بالاستفادة من السياقات النصّية والخطابية من خلال المثاقفة والتداول.
القصدية الثانية: توجيه المتلقي إلى تلمّس الحدود الزمانية والمكانية للأحداث من خلال ربطه بمجريات السنن التاريخية التي ستُفضي بالنتيجة إلى بروز هذه الرموز والعلامات.
ب - العلاقات الاستبدالية:
وهي تنبع من قدرة العلامات على تشكيل جداول ترتبط وحدات كلّ جدول فيما بينها، ويمكن للواحدة أن تحلَّ محلَّ الأُخرى إذا تبدَّل السياق(٤١).
كما إذا تدخَّل نظام البداء في عملية التبديل والتحوّل..، فالسياق تارةً سياق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) بحار الأنوار ٥٢: ٢٢٤.
(٤٠) المنهج السيميائي/ فريد امعض شو ١٢: ١٨.
(٤١) المصدر السابق.

(١١)

نصّـي وأُخرى سياق تاريخي، والتبديل في السياق النصّـي يستند إلى فلسفة اللغة، وفي الأحداث التاريخية يستند إلى فلسفة التاريخ.
الإشارة إلى المدلول بين العلامية والإعجاز:
هناك مستوى من العلامات يتداعى مع دلالات الأحداث بشكل تطابقي كالخسف والصيحة وغيرها، وهناك مستوى آخر لم يُذكر أنَّ له علاقة بالظهور بشكل مطابقي، إلَّا أنَّه ينسجم مع العلامية تضمّناً، كما هو الحال بغرس القضيب واخضـراره الذي يدلُّ على صدق مدَّعى المهدي بأنَّه هو الموعود المنتظر أمام معسكر الحسني أو الخراساني..، وهذه الإشارات هي أقرب إلى المعجزة منها إلى العلامة، تقول الرواية:
(... ويلحقه هناك ابن عمّه الحسني في اثني عشـر ألف فارس، فيقول: يا ابن عمِّ، أنا أحقُّ بهذا الجيش منك، أنا ابن الحسن وأنا المهدي. فيقول المهدي (عليه السلام): بل أنا المهدي. فيقول الحسني: هل لك من آية فنبايعك؟ فيومئ المهدي (عليه السلام) إلى الطير فتسقط على يده، ويغرس قضيباً في بقعة من الأرض فيخضرّ ويورق، فيقول له الحسني: يا ابن عمِّ، هي لك، ويُسلِّم إليه جيشه، ويكون على مقدمته، واسمه على اسمه)(٤٢).
ونفهم من سياق هذا الحديث أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيحظى بميزة من ميزات النبوَّة، وهي الحاجة إلى تصديق إمامته من خلال الإعجاز والمعجزة، وحينما ترد الإشارة إلى المعجزة في روايات الظهور فهذا يعني أنَّها ليست مختصَّة بتصديق الحسني، وإنَّما المقصود منها هو البعد التداولي للمتلقّي، فتكون في حدِّ كونها معجزة، فهي علامة في الوقت ذاته، أي إنَّ لها مقتضيات البعد السيميائي، ومقتضيات البعد التاريخي، بالإضافة إلى بعد جديد، وهو البعد الإعجازي ومدلولاته النفسية والكلامية والرسالية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) عقد الدرر: ٩٠ - ٩٩/ باب ٤/ فصل ٢، مرسلاً عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

(١١)

أمَّا البعد السيميائي لدالّة سقوط الطير على يده فهو إشارة إلى سلطته في توجيه منطق الطير وسلوكه، وأمَّا فيما يخصُّ غرس القضيب اليابس واخضراره فله ثلاثة أبعاد:
الأوَّل: تأكيدي..، باعتبار أنَّ الذي يشاهد الواقعة قد يصيبه الشكّ من أنَّ حادثة الطير إذ قد تكون مرهونة بالتدريب والتطويع مسبقاً، فتأتي حادثة القضيب لتقطع الشكَّ باليقين.
الثاني: معنوي..، وهو أنَّ رسالة الإمام المهدي (عليه السلام) هي رسالة الحياة والنموّ والتطوّر والرفاه.
الثالث: مناقبي..، وهو أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) له مقامات الأنبياء باعتباره مؤيَّد بالمعجزة.
هذا وإنَّ للكلام عن البعد السيميائي والتاريخي لعلامات الظهور مجالاً واسعاً قد يحتاج إلى تصنيف كتاب كامل نتركه إلى مناسبات أُخرى إن شاء الله تعالى.

(١١)

 

الحتمية البشرية ومشروع الدولة العادلة

 

الشيخ محمّد السند

 

لم يقتصـر الحديث عن الدولة المهدوية وانتشار مشـروع الدولة العادلة على الكُتّاب المسلمين أو بعض المترفين من المستشـرقين الذين حاولوا ملأ الفراغ في الحديث عن المهدوية، وإنَّما سجَّل أبرز المحلِّلين الاستراتيجيين بصمات واضحة في حديثهم عن المشـروع المهدوي، وانتهوا إلى أنَّ البشـرية تسير قهراً باتِّجاه هذا المشـروع. ومن بين أُولئك المحلِّل الاستراتيجي (فرانسو توال)(١) (عضو مجلس الشيوخ الفرنسـي) الذي لديه مركز بحثي من أكبر المراكز التي تعنى بالدراسات الاستراتيجية. وقد كتب كثيراً عن التشيّع والشيعة. وهناك شخص آخر وهو بروفيسور ألماني يُسمّى (يوخن روكا)(٢)، ولعلَّه يختلف عن الأوَّل، حيث إنَّ هذا الأخير مملوء حقداً، ويُقدِّم دراساته مشفوعة بنصائح القضاء على الشيعة والتشيّع، ويدقُّ أجراس الخطر عند نهاية كلّ تقرير ودراسة يُقدِّمها.
المهمُّ أنَّ كليهما يلتقي ويدقُّ على نفس الوتر بأنَّ المشـروع المهدوي وشعاراته تتصاعد في أُوروبا وأمريكا، وأنَّ البشرية شئنا أم أبينا هي في مسير تدشين شعارات أُطروحة المشروع المهدوي.
إنَّ عموم الشعوب يهفو فكرها فضلاً عن روحها إلى معرفة المهدي (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الباحث الاستراتيجي الخطير والمُنظِّر الدولي فرانسوا توال الفرنسـي في كتاب كتبه حول الجغرافيا السياسية للشيعة، وهذا الكتاب خطير جدّاً، وقد نُسِخَ وتُرجِم للوقوف بدقَّة على أبحاثه، لأنَّ البحوث الاستراتيجية أشبه بالسـرّية، وقد ذكر هذا الباحث في كتابه أنَّ معنى غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) عند الشيعة بمعنى الخفاء والسـرّية، ليكون الإمام المهدي (عليه السلام) أنشط في حركته وحيويته في تدبير الأُمور في العلوم الاستراتيجية والأمنية، فإنَّ السـرّية رمز القدرة، والدول ترى في السرّية قدرةً وقوّةً.
(٢) رئيس جامعة قسم الاقتصاد في جامعة مالبورن الاسترالية.

(١٢)

ومن اللطيف أنَّ هذه المعرفة الروحية والفكرية لعموم الناس تنسجم مع بيان لأمير المؤمنين (عليه السلام)(٣) بأنَّ معرفة أهل البيت (عليهم السلام) بالنورانية أعظم من معرفتهم بالجسد أو البدن كما يشير إليه النصُّ، وهذا لا يعني إقصاءً لمعرفتهم (عليهم السلام) بأبدانهم وأجسادهم من خلال معاشرتهم أو الاعتقاد بهم، إذ إنَّ هذه المعرفة لا بدَّ منها، ولا نقول بإقصائها البتَّة، وأنَّها - أي معرفة البدن - ضرورة لا محيص عنها لمن يعتقد بهم (عليهم السلام)، إلَّا أنَّ تلك المعرفة النورانية أعظم من هذه المعرفة.
فالبشـرية تسيرُ نحو أُفق إبصار قلوبها، نحو هذه الحقيقة، وتنجذب إلى هذا الهيكل المهدوي النوراني، ذلك الذي هدأت به الملائكة(٤) عندما عرفوا أنَّه صاحب هذا المشروع الإلهي العظيم.
إذن فممَّا لا شكَّ فيه - ليس روائياً فقط كما أشارت إلى ذلك الأخبار الكثيرة المتحدِّثة عن مضمون (لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لبعث الله فيه رجلاً اسمه اسمي)(٥)، وإنَّما على مستوى ما يُقدَّم من دراسات استراتيجية غربية - أنَّ البشـرية مرغمةً تسيرُ باتِّجاه معرفة المشـروع المهدوي، ومن ثَمَّ الاضطلاع به.
بل إنَّنا ندَّعي أنَّ ما يحصل في هذا الكوكب من طرح شعارات، كالتي ترفعها منظَّمة الأُمم المتَّحدة، ووضع بنود قوانين كما في مجلس الأمن الدولي، ورفع شعارات ضدّ العنصـرية والقومية والمذهبية والطائفية، وتجريم سفك الدماء وإزهاق الأرواح وتعبيد الناس، كلُّ تلك القوانين التي تهدف للارتقاء هي تتوافق مع المشـروع المهدوي، فهي تقصـي الملل والنحل، وتُوحِّد وتضمُّ المتفرِّق، وتمزج المختلف لتشكّل العالم في نواة إدارية كونفيدرالية(٦) أو فيدرالية(٧) إلى أن تصير البشـرية تألف القانون العدلي الواحد والمحكمة الدولية الواحدة التي يتساوى فيها الجميع ثقافياً واجتماعياً، والذي تذوب فيه جميع التقاليد، وتنصهر لتبني مجتمعاً عالمياً في الإدارة والسياسة والحكم والعدل، مجتمعاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) عن محمّد بن صدقة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: (... إنَّه لا يستكمل أحد الإيمان حتَّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للإيمان، وشرح صدره للإسلام، وصار عارفاً مستبصـراً، ومن قصَّـر عن معرفة ذلك فهو شاكٌّ ومرتاب...). (بحار الأنوار ٢٦: ١ و٢/ باب ١٣/ ح ١).
(٤) في علل الشـرائع (ص ١٣٧): عن أبي جعفر، قال: (لـمَّا قُتِلَ جدّي الحسين ضجَّت الملائكة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيِّدنا أتغفل عمَّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم: قرّوا ملائكتي، فوَعزَّتي وجلالي لأنتقمنَّ منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمَّة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يُصلّي، فقال الله (عزَّ وجلَّ): بذلك القائم أنتقم منهم).
(٥) بحار الأنوار ٥١: ٨١.
(٦) مجموعة من الولايات أو الدول تتَّحد للقيام ببعض وظائف الحكم بصفة موحَّدة كالدفاع والسياسة الخارجية وغيرها.
(٧) خاصٌّ باتِّحاد ولايات تعترف بسيادة سلطة مركزيَّة وتحتفظ ببعض القوى الحكوميَّة الباقية.

(١٢)

يتساوى فيه الصغير والكبير، مجتمعاً يُعطي العلم للجميع ويكافئ الفرص بين الجميع.
إنَّ هذا كلّه يسير بالناس ويأخذ بأيدهم إلى المشروع المهدوي.
إنَّ الاستفتاءات التي تجريها الأنظمة الغربية عن كلِّ ما قدَّمته للبشـرية تُؤشِّـر إلى حالة من القلق والتردّد، وتُؤشِّر إلى وجود لغطٍ من أنَّ هناك شيئاً ما لم يُقَدَّم إلى الآن، أنَّ هناك عدالة وراء هذه العدالة، أنَّ هناك محرومية، وهي تُشكِّل رقعة جغرافية واسعة ما زالت تؤرق الجميع، ومفادها أنَّ هناك تزايداً في الطبقات المسحوقة(٨)، أنَّ هناك تهالكاً على المادَّة، كلُّ ذلك والدول الأُوروبية والأمريكية من خلال أنظمتها وإمكانيتها الإعلامية العملاقة وتغطيتها على إخفاقات شعاراتها وتلاعب الكبار بمصير الصغار، كلُّ ذلك يُؤشِّـر إلى حالة ينشدها الجميع، حالةٍ تتطلَّع إليها شعوب العالم بأسره، وهي حالة خطورة تؤشِّرها الدراسات لدى المراكز السلطوية في هذه الدول، أنَّ هذا المشـروع يبقى يؤرقهم، فإنَّنا مهما قدَّمنا من عدالة فإنَّ هناك عدالة منشودة تسمع عنها الشعوب وتنشدها وتطلب تحقيقها، أنَّه مهما قُدِّم من رفاه، وأنَّه مهما حصل تطوّر في الثقافة، وأنَّه مهما حصل تفتّقٌ في العلم، فإنَّهم ينشدون ما لم يلمسوه، إنَّهم ينشدون ما سمعوه عن عدالة مطلقة ومساواة لا نظير لها.
تعميق مفردة الانتظار:
إنَّ من أبرز معالم هوية الإمام المهدي (عليه السلام) أنَّه الأمل، وأنَّ الفرج المهدوي يساوي الأمل(٩)، لذلك عبَّرت بعض الروايات أنَّ الانتظار من أفضل العبادة(١٠).
وفي العلوم العصـرية نلاحظ أنَّ الأمل يتدخَّل في الحياة الإنسانية ويعطيها الحيوية، بل إنَّ البدن ونشاطهُ معقود بالأمل، فأيّ إنسانٍ ينسدُّ لديه باب الأمل فإنَّ ذلك يكون بداية انهياره، ولا حبل نجاة وإنقاذ لمثل هكذا إنسان إلَّا الأمل المرتبط بالمستقبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) في آخر تقرير لمنظَّمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة للأُمم المتَّحدة: عدد الجياع في العالم يُقدَّر بحوالي (٨٠٠) مليون شخص.
(٩) عن الحسن بن الجهم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شـيء من الفرج، فقال: (أوَلست تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟)، قلت: لا أدري إلَّا أن تُعلِّمني. فقال: (نعم، انتظار الفرج من الفرج). (الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧١).
(١٠) عن موسى بن بكر الواسطي، عن أبي الحسن، عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (أفضل أعمال أُمَّتي انتظار الفرج من الله (عزَّ وجلَّ)). (كمال الدين: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٣).

(١٢)

وإنَّ أحد المعاني الماهوية العقلية لمعنى الإمام والإمامة الإلهية أنَّها الأمل، أي غاية تأملها وتقصدها وتنحو إليها، فـ (أَمَمَ)(١١) يعني قصدَ وتبعَ، فهو منطوٍ على غاية، والغاية منطويةٌ على شيءٍ يريده، فأنت تلاحظ أنَّ الأمل مقرَّر بالمعنى الماهوي للإمامة، والأُمَّة لا تُسمّى أُمَّةً(١٢) ما لم تُؤَم وتقصد وتنحو وتتَّجه، فالإمامة أملُ القاصدين والأُمَّةُ سيرٌ باتِّجاه المقصودين، فإذا كانت الحضارات التي شكَّلتها الأُمم هي شاخصها وبارزها فإنَّه لم تكن تلك الحضارات إلَّا من أُمم كانت لها أهدافٌ ومقاصد قمميةٌ تطلَّعت إليها فبنت وأسَّست ما صار بعد ذلك حضارةً لها، فدور الأُمَّة في بناء الحضارة دورٌ ريادي أساسي، ولا بدَّ أن يكون على نظام (لا جبر ولا تفويض)(١٣)، وعلى نظام ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، فالأُمَّة عليها مسؤوليات في بناء حضارتها واتِّجاه نظام الخالق، وهو نظام الدولة الإلهية ونظام الأمل، فالأُمَّة مسؤولةٌ عن الأمل والفرج، وعليها السعي لتعبيد طريقه.
من هنا ينفتحُ مجال الحديث عن مسؤوليات الأُمَّة تجاه إمامها، وما هي الطرق التي ينبغي أن تصلها لتعبيد الطريق من خلال الأمل للوصول إلى الظهور.
من هنا تكمن خطورة عقيدة الإمامة - والإمام المهدي (عليه السلام) بالخصوص - على المناوئين وأهمّيتها للموالين، فهذه الشخصية الإلهية التي تفتح للأُمم تطلّعاً فوق مستوى غايات إدراكها وفوق مستوى قمم ما تصبو إليه، فكلُّ ما تنتج، بل وما تُفكِّر أمام ما يمكن التطلّع إليه في هذه العقيدة هو قليل، وتكمن خطورته عند الأعداء في أنَّه يُمثِّل تهديداً لكلِّ واقعهم، إذ عند شعوبهم لا يكون ما حقَّقوه أو ما سيريدون تحقيقه هو الهدف القممي، إذا عرفت تلك الشعوب أنَّ هناك أملاً أعظم لتحقيق أهدافها على كلِّ المستويات والصعد.
وهو في نفس الوقت فيه أهمّية للموالين في شحذ الهمم، لأنَّ كلَّ ما أنتجه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) أُمَّمَ، يؤمِّم، تأميماً، فهو مؤمِّم، والمفعول مؤمَّم.
(١٢) معنى مفردة (الأُمَّة): جماعة من الناس تجمعهم روابط تاريخية مشتركة، قد يكون فيما ما هو لغوي أو ديني أو اقتصادي، ولهم أهداف مشتركة في العقيدة أو السياسة أو الاقتصاد، الأُمَّة العربية، الأُمَّة الإسلاميَّة.
(١٣) اُنظر: الكافي ١: ١٦٠/ ح ١٣.

(١٢)

المؤمنون، بل وكلَّ ما يُفكِّرون فيه ويخطر في أذهانهم هو مراتب دنيا ممَّا يُحقِّقه الفرج المطلق والأُطروحة الكبرى، فالانتظار شيء ولا يُقاس به أيّ أُطروحة أُخرى.
الانتظار هو: أنَّ كلَّ ما يُطرَح عليك تقول: هل من مزيد؟ لا يقف أمام القمَّة المهدوية والانتظار المهدوي في هذه البورصة شيء، وكلُّ ذلك أعطته الروايات في كبسولةٍ عبَّرت عنها بانتظار الفرج، فالرؤية العقائدية، والسعادة، والأُفق المفتوح، والسياسة، والمال والاقتصاد، وكلُّ شيء تجده صغيراً متضعضعاً أمام الأمل والفرج، لذلك عبَّرت الروايات بأنَّ (أعظم الفرج انتظار الفرج).
تعميق مفردة العدالة:
إنَّ ما تتمتَّع به العقيدة المهدوية من تحقيق للعدالة، وما يُسلِّط عليه الضوء من قبل الخبراء الاستراتيجيين، يُمثِّل نوعاً من الخطورة عند هؤلاء ونوعاً من التعميق لمفردة العدالة عندنا، ووجه كونه يُمثِّل خطورة عندهم أنَّه يلاشي ويُصغِّر العدالة التي ينادون بها، فإنَّ هذه العقيدة تبرمج للأفراد وللأُمم استراتيجية حضارية عليا، ويقول بأنَّ كلَّ ما تُقدِّمه البشـرية من أُطروحات هو مُهَيمَن عليه من قِبَل الانتظار، ومن قِبَل العدالة المهدوية، لأنَّ الانتظار شيء أعظم وأعلى وأشمخ، فعلى سبيل المثال لو أنَّ أيَّة دولة أقامت نظاماً عادلاً، فإنَّ الانتظار يقول بأنَّ هناك ما هو أكثر عدلاً، حتَّى لو كانت تلك الدولة شيعية وترفع شعار الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ العدالة التي تُقدِّمها مهما كانت سامية فهناك عدالة أسمى منها.
أثر الأمل في بناء الفرد والمجتمع:
تُعتَبر العقيدة وما تُعطيه للنفس من ثقة وضمان واطمئنان أعظم من الفروع في الدين، وإن كانت الفروع من الأهمّية بمكان في الشـريعة، ولكن طبيعة الرؤية العقائدية في أنَّها رؤية واسعة أشبه بالفضاء الواسع بالنسبة إلى الأرض، وهذه

(١٢)

الحقيقة لمن يمتلكها يتمكَّن من خلالها أن يتنقَّل دون اضطراب أو حيرة، فإذا كانت العقيدة بالنسبة لصاحبها كالخريطة المنضبطة المنظَّمة وواضحة المعالم فإنَّ الإنسان تهون عليه الأهوال ولا يقع في الخطر مهما كان عظيماً.
إنَّ الخريطة العقائدية إذا كانت مكشوفة معلومة فإنَّها تُمثِّل لصاحبها الصـراط في قراءة متقدِّمة للمستقبل والعوالم، ولا يقع معها في بلبلات ولا يقف عند مفاجآت، بل تراه يسير في طريقه سريعاً لأنَّه متبصِّـر. بخلاف من لا يملك العقيدة والرؤية، فإنَّه يهوي عند أوَّل مفاجأة، وعند أوَّل قراءة يُقدِّمها له غيره على أنَّها قراءة عقائدية، وكلَّما كانت العقيدة واسعة وذات رؤية شمولية كلَّما كانت حالة الاتِّزان والثبوت والاستقرار في نفس الإنسان وروحه أكبر، فلا ينخدعُ بالصور البرّاقة والعقائد المصطنعة والمفاجآت المهلكة.
وعندما نُسئَل من أين جاءتكم هذه القوَّة والصلابة والاستقامة يا من تحملون هذه العقيدة الانتظارية؟
نقول: إنَّها وليدة لهذا المشـروع العملاق، مشـروع الأمل، لأنَّنا إذا أُصبنا بأيِّ محنة أو ابتلاء فإنَّنا نلاحظ أنَّ هناك فرجاً أكبر من هذا البلاء والامتحان، وإذا جاء الفرج فإنَّنا نأمل بفرج أكبر منه، هذا ما يصنعه انتظار الفرج لمستقبلنا المُشـرق الذي يضخُّ في أرواح المؤمنين طاقة جبّارة من النشاط والصبر، تُولِّد الفضائل، وتنبع منها الكمالات، وتدعو صاحبها إلى التكامل وعدم الوقوف والخمول، تدعوه إلى الإخلاص، فلا يغويه أحد مهما كانت المبيعات في الأسواق أخّاذة بالأبصار، فإنَّما يأمله وينتظره أعلى وأثمن وآخذ للنفس والروح.
إنَّ الأمل لا يجذب المؤمنين فقط، إنَّه يجذب الجميع، فهو يدعو العلماء للتعلّم أكثر وأكثر، ويدعو الحوزات لمزيد من الغور في الدين والفحص في العلوم أكثر وأكثر، وهذا لا يعني القفز على الثوابت بأيَّة حال، فإنَّ هذا وهم

(١٢)

وظنّ لا ينبغي أن يقع فيه سامع، فالأمل يدفع العالم باتِّجاه العلم مهما كان يحمل من علم فإنَّ هناك علماً أكبر فيدفعه الأمل ليحصل عليه.
إنَّ هذه العقيدة تصيحُ في الباحث وتخاطبهُ، تصيح في العالم، في المفكِّر: استيقظ، انتبه، التفت، فإنَّ هناك أُفقاً، بل آفاقاً أكبر وأكبر، وعليك بمواصلة السعي والمسير العلمي فلا تقف عند حدٍّ، الأمل يحدو بك، الانتظار يسعى بك، فلا يأخذ بك بريق ما اكتشفته من نظريات وما حصلت عليه من معلومات، في كلِّ الفنون، وعلى مختلف الصُعُد والميادين، في الفقه والأُصول، في السياسة، في الرياضيات، في الهندسة.
يصيح هذا الصوت عالياً: لا للوقوف، إنَّك تنتظر ما هو أعلى، ما هو أغلى، ما هو أثمن.
إنَّ هذا كلّه لا يعني التفسير الخاطئ لمعنى الحديث (يأتي بدين جديد)(١٤)، لا يعني ذلك والعياذ بالله أنَّ هناك بدعاً في الدين وخروجاً عن الأُصول، إنَّ هذا ينطوي على السُّذَّج فقط، ويستفيد منه المتلاعبون لإغواء من يستمع لهم، إنَّ معنى ذلك هو أنَّ العلوم لا تقف عند حدٍّ، وهي كلّ يوم في اكتشاف جديد وفي مسألة جديدة، فالفيزياء الموجودة اليوم لو عُرِضَت انجازاتها على العلماء قبل خمسين أو قبل مئة سنة فإنَّهم سيذهلون، إذا لم يصابوا بالجنون من عظمة ما اكتشفه علماء الفيزياء المتأخِّرون، ولا يعني ذلك أنَّ هناك تناقضاً في بديهيات الفيزياء القديمة، إنَّ ما جيء به ليس بدين جديد في الفيزياء أو هو فيزياء غير الفيزياء، بل على العكس تماماً إنَّ الفيزياء القديمة والجديدة مترابطة أيّما ترابط، وإنَّ الجديد إنَّما بني على القديم وانطلق منه وتفرَّع وتوسَّع، وكذلك في كلِّ العلوم الأُخرى من كيمياء، وبايلوجيا، وفسيولوجيا، ورياضيات، وهندسة، هذا كلّه توسّع في العلوم، لا تناقض فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) (بالجملة) ظاهر هذا النوع من الأخبار أنَّ المصلحة الإلهية قد اقتضت إخفاء عدَّة من الأحكام إلى زمان ظهور المهدي (عليه السلام)، ولعلَّ هذا المعنى هو المراد ممَّا ورد في بعض الروايات من أنَّه (عليه السلام) يأتي بدين جديد. وعليه فلا يرتبط هذا الحديث بالمقام من الأحكام التي لم يحجب الله تعالى علمه عن العباد، بل بيَّنها بلسان نبيِّه وأخفاها الظالمون. وهذا الإشكال أيضاً مدفوع بأنَّ الموجب لخفاء الأحكام التي بيَّنها الله تعالى بلسان رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأوصيائه (عليهم السلام) وإن كان هو الظالمين إلَّا أنَّه تعالى قادر على بيانها بأن يأمر المهدي (عليه السلام) بالظهور وبيان تلك الأحكام، فحيث لم يأمره بالبيان لحكمة لا يعلمها إلَّا هو، صحَّ إسناد الحجب إليه تعالى. (مصباح الأُصول ٢: ٢٧١).

(١٢)

ألم نسمع الحديث القائل: إنَّ العلم إلى الآن حرفان، وسيُخرج المهدي (عليه السلام) الخمس والعشرين الأُخريات من حروف العلم(١٥)، كلُّ ذلك ليس في علوم المادَّة أو الطبيعة أو البدن فقط، بل إنَّه في كلِّ العلوم، في علوم العقيدة والدين والفلسفة والتفسير، كلّها ستُكتَشف وكلّها ننتظر اكتشافها، ويدفعنا الأمل لرؤيتها، فهل معنى ذلك أنَّ ما يأتي به (عليه السلام) لا ينسجم مع ما كان؟
وهل معنى ذلك أنَّ الخمسة والعشـرين حرفاً ستناقض الحرفين؟ معاذ الله إنَّه التلاؤم، الانسجام، كلُّ ذلك صادر من واحد.
لاحظ انتظار الفرج كيف هو أكبر الفرج، ولاحظ بنفسك كيف هو باعث لمزيد من السعي لدى العلماء فضلاً عن غيرهم، وليس هو ساع لنسف العلم وتدميره وإبادته، ليس هناك سعي لقتل العلماء ولا اغتيال العلم، إنَّما هو سعي توسّعي حثيث يدفعنا له انتظار الفرج على كلِّ الصعد.
الانتظار ساعٍ لتوسّع العلم وساعٍ لتكامل الأخلاق:
إذا تحدَّثنا بلغة أرقام، وأنَّه كيف يستطيع أحدنا أن يلتمس معنى العقيدة في هذه اللغة؟ سيجد أنَّها تشبه إلى حدٍّ ما ملفّاً كبيراً وبرنامجاً فعّالاً، يدخل ويخترق عوالم عديدة، تبقى فاعليته دائمة مستمرَّة ليس لها حدٌّ ولا زمان تنتهي فيه الفاعلية ويتلف فيه البرنامج وتنتهي الصلاحية.
فالمدَّة ليس لها تحديد، والمساحة واسعة جدّاً ومنفتحة على العوالم بأسرها، وهذا ما نلاحظه في قضيَّة أنَّ انتظار الفرج أكبر وأعظم الفرج(١٦)، فالذي يحصل عنده شدَّة وإحباط بسبب محنة، ربَّما يعيشها كفرد أو أُسرة أو أُمَّة، يخرج وهو حامل لهذا البرنامج الفعّال أشدّ ممَّا كان قبل تلك المحنة والابتلاء، وهذا ما سار عليه أتباع أهل البيت (عليهم السلام) طيلة قرون طويلة، يمكن استقراء حالهم من خلال ما عكسه التأريخ عن واقعهم الذي عاشوه وشدَّة المحن التي ابتلوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (العلم سبعة وعشـرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشـرين حرفاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الحرفين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً). (بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٦/ ح ٧٣).
(١٦) عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن شيء في الفرج، فقال: (أوَليس تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟ إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١]). (تفسير العيّاشي ٢: ١٣٨/ ح ٥٠).

(١٢)

بها والتي أخرجتهم في كلِّ مرَّة أقوى وأشدّ وأبصر وأصلب وأيقن وأخلص ممَّا كانوا عليه قبلها.
إنَّ هذا الملف الضخم والبرنامج الفعّال يُوجِد في نفوسهم إخلاصاً في النيَّة، في السياسة، في الاجتماع، في الفكر، في العقيدة. إنَّ هذه الرؤية الأشمل التي يُولِّدها انتظار الفرج، والتي تُمثِّل في أنفسهم المنبع والمخزن العقائدي لكلِّ الكمالات الاجتماعية والأُسرية والفردية، هي إحدى سياسات الإسلام ونظره للمستقبل، وإذا لاحظت على سبيل المثال هذا البرنامج، وما يجذب العلماء للتعلّم، فإنَّهم كلَّما غاصوا في بحور العلم واستخرجوا من أعماقها الدرر، فإنَّهم يُحدِّثون أنفسهم بأنَّ ما ينتظرهم أكثر، لأنَّ انتظار الفرج أكبر، والمستقبل يحمل لهم ما لم يروه ويعرفوه، بل ولم يتصوَّره ذهنهم أو تناله أحلامهم.
وهذا ليس من الباطل في شيء، بل هو انطلاق من الثوابت التي لا تزول ولا تتزلزل، بخطى رصينة توصل العالم إلى هذه التحقيقات في أعماق الدين والفكر والسياسة، ليجدها متناغمةً متلائمةً مع ظواهر الدين وثوابته.
إنَّ انتظار الفرج كما هو ذلك الملف العملاق، والبرنامج الفعّال الذي يفتح الآفاق، ويُولِّد المعلومات، ويُرسِّخ الأفكار، ويبني الكمالات، هو كذلك في عين الوقت، العاصم من الانحراف، فيعصم المؤمنين من أن تأخذ بهم الرياح ذات الشمال وذات اليمين، إذ إنَّه يقول لهم: لا تميلوا إلى أُطروحة الحزب الفلاني، والجماعة الفلانية، فلستم وُعِدتم بهذا، إنَّما وُعِدتم بما هو أكبر، فما يُقدِّمه هؤلاء، سلفيّون كانوا أو وهّابيّون أو غيرهم، ليسوا آخر المطاف، وما يُقدِّمه الأدعياء لكم، سُذَّجاً كانوا، أو صنيعة لدوائر غربية، أو غير غربية، هو أيضاً ليس نهاية المطاف، وليس البديل الحقيقي، إنَّ كلَّ ذلك صناعة مزيَّفة، تحاول أن تختطف ا لأذهان وتُحرِّفها عن البوصلة الحقيقة، فهذه العقيدة المهدوية، عقيدة انتظار الفرج، تُمثِّل أعظم واقية ووقاية للمؤمنين من الاغترار بأيِّ أُطروحة ناقصة قاصرة زائفة، فلا العرفان ولا التصوّف

(١٢)

ولا الوهّابية ولا الإخوانية ولا الحزبية هي الموعودة بها، نحن موعودون على لسان النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم)(١٧)، وفي الروايات الشـريفة بانتظار فرج الإمام المهدي (عليه السلام).
إنَّ الانتظار يُقدِّم هندسة وحيانية في هذا الزمان والأوان، الانتظار يعني أنَّ استراتيجيتك لا يمكن التلاعب فيها حتَّى ولو أتت أيُّ دولة عظمى تريد أن تحتال عليك، فإنَّها لن تستطيع، لأنَّ البرمجة التي أودعها الوحي من خلال آياته ورواياته لا تدع مجالاً لأن يُستحمَر الشعب أو يستغفل، لاحظ أنَّ بني اسرائيل عندما كانوا ينتظرون فرج الله موسى (عليه السلام) لم يغرّهم حضارة فرعون، ولا هولها، ولا عظمة ما يملك، ولا سطوة ما تحت يده، ولا جبروت جنده، لكنَّهم عندما تركوا(١٨) المشروع ولم ينهضوا به ولم يعطوه استحقاقه؛ انتكسوا وأُلبس عليهم، وتيه بهم، فضلّوا سواء السبيل، وابتعدوا عن الصراط المستقيم. ونحن الآن كذلك فإنَّنا نملك ما هو الأعظم من كلِّ ما هو موجود، إنَّه انتظار الفرج، فلا بدَّ أن نعمل فيه كما أراد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) له.
علوّ الهمَّة في المشروع الإلهي:
إنَّ خريطة كلّ فرد منّا و جماعة لا بدَّ أن تكون هي المشـروع الإلهي، وأن يكون همّنا هو مشـروع المنجي، فإذا وجدت أنَّ المؤمنين أخذوا دوراً معيَّناً شغلوا الفراغ فيه، لا تقف وتقول: إنَّ المؤمنين كفوني المؤنة، بل لا بدَّ أن تأخذ دوراً آخر في موقع آخر، إذ لا بدَّ من السعي وعلوّ الهمَّة.
يستعرض لنا القرآن الكريم في سورة البقرة علوّ الهمَّة في قصَّة جالوت وطالوت، فطالوت كان إماماً معصوماً: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: ٢٤٧)، بعثه الله بعثة إمامة وليست بعثة نبوَّة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (أُبشِّـركم بالمهدي يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلزال، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض). (الغيبة للطوسي: ١٧٨/ ح ١٣٦).
(١٨) ممَّا لا شكَّ ولا ريب فيه أنَّ الله تعالي ميَّز الإنسان عن بقيَّة المخلوقات بنطقه العقلي، أي بعقله الذي هو أعظم شيء في وجود الإنسان، قال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤). إنَّ استبيان المعلومات والإدراك من أعظم الميزات التي أتحف الله (عزَّ وجلَّ) بها الإنسان عن بقيَّة المخلوقات، ومن ثَمَّ تكون أعظم الامتحانات هي من نصيب العقل الإنساني، وهو امتحان المعرفة وامتحان البصيرة، فهذه ميزة مهمَّة. فيجب أن يُفَعِّل الإنسان قوَّة عقله وقوَّة دركه وقوَّة تمييزه، ويكون في يقظة تامَّة دوماً وبشكل مستمرّ، كي لا تجذبه الفتن يميناً ويساراً ويقع في الزيغ والضلال. فالعقل أعظم تحفة أنالها اللهُ (عزَّ وجلَّ) الإنسانَ، فلا يمكن أن تظلَّ معطَّلة راكدة، بل يجب أن تكون دوماً مُفَعَّلة كبرج مراقبةٍ. ولذلك فالامتحانات كثيرةٌ لهذه القوَّة، وهي قوَّة العقل في الإنسان وبأشكال وألوان وتلوينات وصور قد لا يكون الإنسان عهدها من قبل. وإنَّما يتمُّ النجاح في الامتحان والافتتان مثمراً وناجحاً إذا كان الإنسان دوماً في حالة إعداد لنفسه، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠)، وحتَّى الشعوب تفتتن وتضلّل وتُعَوم، وذلك من خلال الهجوم الثقافي أي التضليل الثقافي والغسيل الثقافي، يعني أنَّ الشعوب تستقوي أو تستضعف من خلال الثقافة والمعرفة. والمنهج القرآني والإسلامي ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مفعمة بمحورية البيان والبرهان والدلائل والتعقّل، فهي حكمة مهمَّة، وهذا ما لم يُعهَد عند بني إسرائيل، ومع ذلك امتحنهم الله به، ألم يخاطبهم الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ (طه: ٨٩)، إنَّ هذا لا يُرجِع لكم قولاً أي جواباً، وإن سمعتم منه صوتاً ولكن بقيَّة كمالات الأُلوهية غير موجودة فيه. كيف إذاً استجبتم مع أنَّه نوع من الطلسم الملكوتي ونوع من المسحة الخلّابة ونوع من التشويش في الإدراك. ولذا انتابت بني إسرائيل الفتنة، مع أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أعطى كلَّ بني البشـر قدرة تمييز، فلماذا لم يُميِّزوا؟ فهو امتحان في أصعب وأحلك بحوث الإدراك.

(١٣)

أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٦)، فبعد أن فُعِّل الخذلان من بني إسرائيل، وبسبب عدم تحمّل مسؤولياتهم تأخَّر إنجاز المشـروع، فلم يُنجَز في زمن هارون ولا في زمن موسى (عليهما السلام) إلى أن وصلت القضيَّة لداود، حيث تحدَّث القرآن عنه وعن رجوع بني إسرائيل بعد زمن طويل إلى تحمّل مسؤولياتهم، فبعثه الله إليهم، ولكنَّهم زهدوا فيه لأنَّه وحسب بعض الروايات(١٩) لم يكن صاحب مقام ومكانة ومال إذ تذكر بعضها أنَّه راعي غنم، وهو في مقامه هذا سيكون بطبيعة الحال مزهوداً فيه، حتَّى أنَّه لم يكن يملك آلة حرب من درع أو سيف وفرس أو غيرها، بل جاء ولا يملك من آلات الحرب ومعدّاتها سوى (مصيدة صغيرة)، فراعي غنم ولا يملك سوى مصيدة صغيرة ويريد أن يكون قائداً على بني إسرائيل، إنَّ هذا لم يُعجِبْ بني إسرائيل ولم يرق لهم، فاعترضوا: ﴿لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾(٢٠)، بل وصل حدُّ اعتراضهم إلى الاستهزاء به، لكنَّه صاحب همَّة عالية، كِبرُ همَّته لم تقعسه ولم تيئسه الإقدام، حتَّى فتح الله تعالى بهذه الهمَّة العالية على يديه ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ﴾(٢١)، اُنظر ماذا يفعل علوّ الهِمَّة وامتلاكها، فلا تقل أيّها المنتظر المؤمن: إنَّه ليس بيدك شيء، وإنَّه كيف أُحارب هذه القوى العظمى، لتكن همَّتك مع هذا المشـروع الإلهي بهمَّة داود، ولا تستهن بقدرتك، الله تعالى يريد منك الإرادة الصادقة، والهمَّة العالية، يريد منك عندما تقرأ القرآن أن تقرأه لكي تُجسِّده، لا أن تقرأه قراءة قصص وتأريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) اُنظر: تفسير الطبري ٢: ٨٥٢/ ح ٤٤٨٤.
(٢٠) ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧).
(٢١) ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١).

(١٣)

 

كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة
للشيخ أبي العبّاس أحمد بن علي الرازي الإيادي
(من أعلام القرن الرابع الهجري)

 

 

الشيخ عامر الجابري

 

تقديم:
يُعَدُّ موضوع الغيبة من أهمّ المواضيع العقائدية التي شغلت بال العلماء في القرنين الرابع والخامس الهجريين وما زالت، وقد كانت نتيجة الجدل المشتعل حول هذا الموضوع هو تلك الثروة الضخمة من الكتب التي أُلِّفت حول الغيبة في تلك الفترة، والتي ضاع الكثير منها بسبب الأيادي الجائرة والعابثة.
ولا يخفى ما للبويهيين - الذين سيطروا على مقاليد الحكم في إيران والعراق من عام (٣٣٤هـ) إلى (٤٤٧هـ) - من دور كبير في إنعاش وازدهار حركة التصنيف والتأليف حول المذهب الشيعي وفي مختلف الحقول من: حديث وفقه وكلام وتاريخ و...؛ وذلك بفضل الحرّية التي نالها الشيعة في عصرهم، وما قدَّموه من دعم وتسهيل وتشجيع لأهل العلم والمعرفة كافَّة، وما بذلوه من دعم خاصٍّ في سبيل تقوية المذهب الشيعي وتطوير مؤسَّساته العلمية والثقافية.
ومن بين العلماء الذين عاصروا تلك الفترة الزمنية هو الشيخ أبو العبّاس أحمد بن علي الرازي الإيادي، وهو من أهل الري على ما يظهر من لقبه ومن بعض المؤشِّرات، وقد كانت الري في ذلك الزمان من أعظم مدن الإسلام،

(١٣٧)

وقد اتِّخذها ركن الدولة البويهي عاصمة للإقليم الذي كان يقع تحت سيطرته.
وكان هذا الشيخ من أوائل المبادرين للتصنيف حول الغيبة، حيث كتب لنا كتاب (الشفاء والجلاء في الغيبة)، وهذا الكتاب وإن فُقِدَ فيما بعد إلَّا أنَّ الشيخ الطوسي قد حفظ لنا الكثير من رواياته في غيبته.
وقد فكَّرت بأن أقوم باستخراج تلك الروايات واستلالها من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي في محاولة لإحياء ما تبقّى من الكتاب، ونفخ الروح فيه من جديد.
وكان لا بدَّ لي قبل ذلك من القيام بترجمة وافية للمصنِّف، وهو ما واجهتني فيه مشكلة بحثية حقيقية، فإنَّ المصنِّف قد أُلصقت به تهمة الغلوّ والارتفاع من قِبَل بعض الرجاليين، وهو ممَّا قد يُقلِّل من قيمة الكتاب العلمية، وممَّا زاد في تعقيد المشكلة هو أنَّ المادَّة التاريخية المرتبطة بترجمة المصنِّف وسيرته لا تتجاوز بضعة أسطر في فهرستي الشيخ الطوسي والنجاشي.
ومن هنا فقد اضطررت إلى التوجّه إلى ما وصلَنا من روايات كتاب الشفاء والجلاء المودعة في غيبة الطوسي، ومحاولة الإستفادة منها قدر الإمكان لتذليل هذه المشكلة، فهذه الروايات هي النافذة الوحيدة التي نستطيع أن نطل من خلالها على جوانب من حياة المصنِّف، كمعرفة عصـره، وشيوخه، وتلامذته، وعقيدته، وفكره، وهو ما فتح لنا الطريق بعد ذلك إلى محاولة ردّ تهمة الغلوّ والارتفاع التي أُلصقت به ونفيها عنه، بل هو ما يسَّـر لنا بعد ذلك محاولة جمع القرائن والشواهد المورثة للإطمئنان بوثاقته أو حسنه على الأقلّ.
وعلى هذا الأساس انقسم بحثنا إلى قسمين:
القسم الأوَّل: ترجمة أحمد بن علي الرازي الإيادي.
القسم الثاني: متن كتاب الشفاء والجلاء المستخرج من غيبة الطوسي.

(١٣)

القسم الأوّل: ترجمة أحمد بن علي الرازي الإيادي

١ - اسمه وكنيته ونسبه ولقبه وسكناه:
قال الشيخ الطوسي في الفهرست: (أحمد بن علي الخضيب الإيادي، يُكنّى أبا العبّاس، وقيل: أبا علي الرازي...)(١).
وقال في الرجال: (أحمد بن علي أبو العبّاس الرازي الخضيب الإيادي...)(٢).
وقال النجاشي: (أحمد بن علي أبو العبّاس الرازي الخضيب الإيادي...)(٣).
تتَّفق النصوص السابقة على اسمه واسم أبيه، كما أنَّ المشهور أنَّ كنيته (أبو العبّاس)؛ ولذا قال الطوسي: (وقيل: أبا علي)، ممَّا يدلُّ على ضعف هذا الرأي.
ولم ينصّ علماء الرجال على اسم جدِّه، كما أنَّنا لا نعرف شيئاً عن أُسرته وأولاده.
(الإيادي): أمَّا الإيادي بكسر الهمزة فهذه النسبة ربَّما تكون:
ألف - إلى إياد بن نزار بن معد بن عدنان(٤)، فهم من العدنانية، وقد هاجرتْ هذه القبيلة إلى العراق في القرن الثالث الهجري ونزلوا سنداد بناحية سواد الكوفة فأقاموا بها دهراً، ثمّ انتشـروا فيما بين سنداد وكاظمة وإلى بارق والخورنق وما يليها، واستطالوا على الفرات حتَّى خالطوا أرض الجزيرة(٥).
باء - وقد تكون هذه النسبة إلى إياد بن سود بن الحجر بن عمران بن مزيقيا، بطن من الأزد من القحطانية(٦).
وقد وُصِفَ صاحب الترجمة بـ (الإيادي) في فهرست الطوسي ورجاله ورجال النجاشي كما مرَّ في النصوص السابقة، ولكنَّنا لا نعلم إلى أيِّ القبيلتين المشار إليهما ينتسب.
و(الخضيب): صيغة مبالغة من الخضاب، ومعنى الخضاب تغيير اللون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الفهرست: ٣٠.
(٢) رجال الطوسي: ٤٥٥.
(٣) رجال النجاشي: ٩٧.
(٤) الأنساب للسمعاني: ٣٩٧.
(٥) أُنظر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة لعمر كحالة ١: ٥٣.
(٦) أُنظر: نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي: ٩٤ و٩٥.

(١٣)

بالحناء، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره، ولا يقال: خضبه(٧)، وعلى هذا الأساس يكون قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عهد إليَّ أن لا أموت حتَّى تخضب هذه من هذه)(٨) مشيراً إلى لحيته وهامته - من التعابير المجازية -، وكذلك ما ورد في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): (السلام على الشيب الخضيب)(٩).
ويدَّعي السمعاني أنَّ (الخضيب) لقب لمن يخضب لحيته بالحمرة على وجه السُّنَّة، ثمّ ذكر عدداً من رجال العامَّة ممَّن اشتهروا بهذا اللقب كأبي الحسن محمّد بن أبي سليمان الزجّاج الخضيب، ومحمّد بن شاذان بن درست الخضيب، ومحمّد بن عبد الله بن سفيان الخضيب، وغيرهم(١٠).
وعلى أيِّ حالٍ، فنحن لا نعلم إن كان (الخضيب) لقباً للمترجَم له أو لأبيه أو لأحد أجداده.
و(الرازي): ... هذه النسبة إلى الري... وألحقوا الزاي في النسبة تخفيفاً، لأنَّ النسبة على الياء ممَّا يشكل ويثقل على اللسان، والألف لفتحة الراء(١١).
والري مدينة تاريخية قديمة تعود بجذورها إلى ما قبل الإسلام، وقد أصبحت في العهد الإسلامي من أعظم المدن، فقد جاء في وصفها (والرَّي مدينة ليس بعد بغداد في المشـرق أعمر منها وإن كانت نيسابور أكبر عرصة منها، وأمَّا اشتباك البناءِ واليسار والخصب والعمارة فهي أعمر...)(١٢).
وكانت في العصر البويهي - وهو العصـر الذي عاش فيه المترجَم له - عاصمة للجزء الذي كان يحكمه ركن الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه، وسيأتي - بعد سطور - حديث عن الحياة العلمية في هذه المدينة في عصر المترجَم له.
وممَّا ينبغي أن يُشار إليه: هو أنَّ الري في الوقت الحاضر اسم لمنطقة صغيرة تقع جنوب طهران، وهي تحتضن قبر السيِّد عبد العظيم الحسني الذي يُعَدُّ من أبرز معالمها في الوقت الحاضر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) تاج العروس ٢: ٣٦٥ و٣٦٦/ مادَّة (خضب).
(٨) بحار الأنوار ٤٢: ١٩٦.
(٩) المزار لابن المشهدي: ٥٠٠.
(١٠) أُنظر: الأنساب: ١٥٦.
(١١) الأنساب: ٢٣.
(١٢) أُنظر: معجم البلدان: ١١٧.

(١٤)

٢ - عصره:
المعطيات المتوفّرة لدينا لا تساعدنا على تحديد دقيق لتاريخ ولادة أو وفاة المترجَم له، ولكنَّنا نستطيع تحديد عصره بكلِّ يسر من خلال بعض المعطيات.
فقد روى المترجَم له عن أبي علي أحمد بن إدريس الأشعري القمّي المتوفّى سنة (٣٠٦هـ)(١٣)، وروى أيضاً عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي الكوفي وكيل الناحية المقدَّسة المتوفّى سنة (٣١٢هـ)(١٤).
فإذا ضممنا إلى ذلك: رواية هارون بن موسى التلعكبري عنه وإدراكه له، وقد توفّي التلعكبري سنة (٣٨٥هـ) كما نصَّ الطوسي على ذلك(١٥)، نستطيع أن نقول: إنَّ ولادة المترجَم له ربَّما كانت في نهايات القرن الثالث الهجري، وأنَّه قد بدأ نشاطه العلمي مع بدايات القرن الرابع الهجري، وقد عاصر نهايات الغيبة الصغرى وبدايات الغيبة الكبرى، وعاش في هذه الفترة الانتقالية الحرجة من تاريخ التشيّع.
والمترجَم له من سكنة الري كما أشرنا، و(في هذه الفترة انتقلت حركة التدريس والكتابة والبحث إلى مدينتي (قم والري)، وظهر في هذه الفترة شيوخ كبار من أساتذة فقه أهل البيت في هاتين المدينتين، كان لهم أكبر الأثر في تطوير الفقه الإمامي، فقد كانت قم منذ أيّام الأئمَّة (عليهم السلام) مدينة معروفة بولائها وانتمائها لأهل البيت ومن أُمَّهات المدن الشيعية، وكانت حصناً من حصون الشيعة، وعشّاً لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وموضع عناية خاصَّة من أهل البيت (عليهم السلام)...، وكانت الري في هذا التاريخ بلدة عامرة بالمدارس والمكاتب، وحافلة بالعلماء والفقهاء والمحدِّثين...، فقد حفلت قم والري في هذه الفترة - القرن الرابع الهجري - بشيوخ كبار في الفقه والحديث أمثال: الشيخ الكليني المتوفّى سنة (٣٢٩هـ)، وابن بابويه والد الصدوق المتوفّى سنة (٣٢٩هـ)، وابن قولويه أُستاذ الشيخ المفيد المتوفّى سنة (٣٦٩ هجرية)، وابن الجنيد المتوفّى سنة (٣٨١ هجرية)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) أُنظر: الفهرست للطوسي: ٢٦.
(١٤) أُنظر: رجال النجاشي: ٣٤٧.
(١٥) أُنظر: رجال الطوسي: ٥١٦.

(١٤)

بالري، والشيخ الصدوق المتوفّى سنة (٣٨١هـ) والمدفون بالري، وغيرهم من كبار مشايخ الشيعة في الفقه والحديث. ونشطت في هذه الفترة حركة التأليف والبحث الفقهي وتدوين المجاميع الحديثية الموسَّعة كالكافي ومن لا يحضره الفقيه، وغيرهما من المجاميع الحديثية والكتب الفقهية)(١٦).
وقد كان للبويهيين أكبر الأثر في تطوير الحياة العلمية والثقافية في قم والري، فالمعروف تاريخياً أنَّهم قد بدؤوا سنة (٣٢٢هـ) في شيراز قلب بلاد فارس نواة دولتهم(١٧)، والتي بدأت تتَّسع يوماً بعد يوم حتَّى شملت أراضي شاسعة من إيران والعراق، والتي وصفها ابن خلدون بقوله: (وكانت لهم الدولة العظيمة التي باهى الإسلام بها سائر الأُمم)(١٨).
وفي سنة (٣٣٤هـ) سيطر البويهيون على مقاليد الحكم في إيران والعراق، وأصبحوا هم الحكّام الحقيقيين في هذين البلدين، وقد جرَّدوا الخليفة العبّاسي المستكفي بالله من أغلب سلطاته الدينية والدنيوية، ولُقِّب علي بن بويه بعماد الدولة، والحسن بن بويه بركن الدولة، وأحمد بن بويه بمعزِّ الدولة(١٩).
وقد كان ركن الدولة البويهي (٢٨٤ - ٣٦٦هـ) حاكماً على الري وأصفهان وهمدان، وكان على صلة طيِّبة مع الشيخ الصدوق، فلمَّا نزل الشيخ الصدوق الري أكرمه ركن الدولة وأدناه، وقد كان يعقد المناظرات المذهبية والدينية في دار إمارته وبمحضره ومشاركته(٢٠).
وممَّا يشير إلى المكانة العلمية لقم والري في تلك الحقبة وعلاقة الدولة البويهية في تطوير الحياة العلمية في تلك الفترة ما ذكره الحسن بن محمّد بن الحسن القمّي في كتابه (تاريخ قم) الذي ألَّفه سنة (٣٧٨هـ) للصاحب بن عباد وزير البويهيّين، فقد خصَّص الباب السادس عشـر لذكر علماء قم وذكر شيء من تراجمهم، وعدد الشيعة منهم (٢٦٦) شخصاً، وعدد العامَّة (١٤) شخصاً، وهذا الكتاب وإن كان مفقوداً في عصـرنا، ولكن لحسن الحظِّ أنَّ الأيّام قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) تاريخ فقه أهل البيت (عليهم السلام) للآصفي/ المطبوع في رياض المسائل ١: ٢٧ - ٢٩.
(١٧) نظر: تاريخ ابن الأثير ٧: ١٤.
(١٨) تاريخ ابن خلدون ٤: ٤٢٠.
(١٩) أُنظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم لابن الجوزي ١٤: ٤٢ و٤٣.
(٢٠) أُنظر: مجلَّة فقه أهل البيت (عليهم السلام)/ العدد المزدوج ٥ و٦: ٢٩٩ و٣٠٠/ مقال الصدوق الثاني/ القسام الثاني لصفاء الخزرجي.

(١٤)

حفظت لنا بعض أبوابه وفصوله ممَّا يلقي بعض الضوء على تاريخ قم والري في تلك الفترة(٢١).
هذا هو العصـر الذي كان يعيش فيه أحمد بن علي الرازي، والذي كان له أكبر الأثر في بناء شخصيته العلمية، فقد عُرفت مدرسة قم والري في تلك الفترة باهتمامها البالغ بشأن الحديث كما أشرنا، وهذا ما انعكس بشكل واضح على توجّهات الرازي وميوله العلمية، فقد شجَّعته الأجواء العلمية التي كانت سائدة آنذاك، ووفرة المحدِّثين في قم والري على اقتفاء أثر حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) والانتهال من مناهلهم العذبة، وقد أثمرت جهوده في آخر المطاف وتمخَّضت عن ثلاثة مصنَّفات سنشير إليها لاحقاً إن شاء الله.
٣ - من أهمّ مشايخه:
ألف - أبو الحسين محمّد بن علي بن الفضل بن تمام الدهقان الكوفي، من وجوه الطائفة وأجلَّائها.
قال الطوسي بعد أن عنونه في الفهرست: (... كثير الرواية، له كتب، منها: كتاب الفرج في الغيبة كبير حسن...)(٢٢).
وقال عنه النجاشي بعد أن ذكر نسبه: (وكان لُقِّب بسكين بسبب إعظامهم له. وكان ثقةً، عيناً، صحيح الاعتقاد، جيِّد التصنيف)، ثمّ عدَّ كتبه وعدَّ منها (كتاب الفرج)(٢٣)، يعني (كتاب الفرج في الغيبة) الذي ذكره الطوسي.
واعتماد الرازي على هذا الشيخ الجليل في تصنيف (كتاب الشفاء والجلاء) - كما سيأتي - إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على دقَّة الرازي وتحرّيه عن الرجال الثقاة الأثبات المختصّين والمهتمّين بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام).
باء - أبو الحسين محمّد بن جعفر بن الأسدي (ت ٣١٢هـ) وكيل الناحية المقدَّسة في الري، (كان ثقةً، صحيح الحديث) بحسب تعبير النجاشي(٢٤).
وقد عدَّه الطوسي في غيبته من الوكلاء الثقاة الذين ترد عليهم التوقيعات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) أُنظر: مقدّمة حسن الخرسان على من لا يحضره الفقيه: (د).
(٢٢) الفهرست: ١٥٩.
(٢٣) رجال النجاشي: ٣٨٥.
(٢٤) رجال النجاشي: ٣٧٣.

(١٤)

من قِبَل المنصوبين للسفارة، ثمّ قال - بعد أن أورد عدَّة روايات -: (ومات الأسدي على ظاهر العدالة لم يتغيَّر ولم يُطعَن عليه في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة)(٢٥).
وقد ذكره الشيخ الصدوق في (من لا يحضـره الفقيه) بما يُؤكِّد وثاقته وجلالته، إذ قال: (وأمَّا الخبر الذي روي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمِّداً أنَّ عليه ثلاث كفارات، فإنّي أُفتي به فيمن أفطر بجماع محرَّم عليه أو بطعام محرَّم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي (رضي الله عنه)، فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري قدَّس الله روحه)(٢٦).
ولا ريب أنَّ وكيل الناحية يكون من أشدّ المهتمّين بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، وممَّن يتحرّون الدقَّة في نقل أحواله وأخباره (عليه السلام)، ومن هنا نجد الرازي قد جعل هذا الشيخ الموثوق مصدراً من مصادره في تصنيفه لكتاب (الشفاء والجلاء)، فكان يروي عنه أحياناً بالواسطة وأحياناً بدونها كما سيأتي.
جيم - أبو عبد الله الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان البزوفري، من أجلَّاء الإماميَّة، كان حيّاً سنة (٣٥٢هـ) على ما يظهر من بعض النقول(٢٧).
و(البَزَوْفَري) بفتح الباء والزاي وسكون الواو وفتح الفاء نسبة إلى قرية كبيرة من أعمال قوسان قرب واسط وبغداد على النهر الموفّقي في غربيِّ دجلة(٢٨).
قال عنه النجاشي بعد أن عنونه: (شيخ، ثقة، جليل من أصحابنا. له كتب، منها: كتاب الحجِّ، وكتاب ثواب الأعمال، وكتاب أحكام العبيد، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله رحمه اله، كتاب الردِّ على الواقفة، كتاب سيرة النبيِّ والأئمَّة (عليهم السلام) في المشركين)(٢٩).
وذكره الشيخ في الرجال بقوله: (الحسين بن علي بن سفيان البزوفري خاصّي، يُكنّى أبا عبد الله، له كتب ذكرناها في الفهرست، روى عنه التلعكبري،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الغيبة: ٤١٥ - ٤١٧.
(٢٦) من لا يحضره الفقيه ٢: ١١٨.
(٢٧) رجال النجاشي: ٥٩، جاء فيه عن أحمد بن علي بن نوح السيرافي: (أخبرنا الشيخ الفاضل أبو عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري فيما كتب إليَّ في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة...).
(٢٨) معجم البلدان ١: ٤١٢.
(٢٩) رجال النجاشي: ٦٨.

(١٤)

وأخبرنا عنه جماعة منهم: محمّد بن محمّد بن النعمان، والحسين بن عبيد الله، وأحمد بن عبدون)(٣٠).
ولكن ممَّا يُؤسَف له أنَّ ترجمة الرجل قد سقطت من كتاب الفهرست كما يظهر من خلال التتبّع.
وعلى أيِّ حالٍ، فهذا الشيخ الفاضل هو أحد المصادر والمنابع المهمَّة التي اعتمدها الرازي في كتابه (الشفاء والجلاء) كما سيأتي.
دال - أبو علي أحمد بن إدريس الأشعري القمّي (ت ٣٠٦هـ)، من فقهاء الإماميَّة ووجوهها.
قال الطوسي في الفهرست: (كان ثقةً في أصحابنا فقيهاً، كثير الحديث صحيحه، وله كتاب النوادر كتاب كبير كثير الفائدة، أخبرنا بسائر رواياته الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن جعفر بن سفيان البزوفري عن أحمد بن إدريس، ومات أحمد بن إدريس بالقرعاء في طريق مكّة سنة ستّ وثلاثمائة)(٣١).
وذكره في الرجال قائلاً: (أحمد بن إدريس القمّي الأشعري، يُكنّى أبا علي، وكان من القوّاد، روى عنه التلعكبري، قال: سمعت منه أحاديث يسيرة في دار ابن همّام، وليس لي منه إجازة)(٣٢).
وذكره النجاشي بما يوافق قول الطوسي في الفهرست(٣٣).
ويظهر من بعض الروايات - كما سيأتي في القسم الثاني من البحث - أنَّ صاحب الشفاء والجلاء قد أدرك أحمد بن إدريس وروى عنه، وهذا ليس بمستبعد، فقد أدرك محمّد بن جعفر الأسدي وكيل الناحية المقدَّسة، وقد توفّي الأسدي سنة (٣١٢هـ) كما مرَّ، وقد قرأنا في نصِّ الطوسي السابق أنَّ التلعكبري - وهو تلميذ المترجَم له - قد روى عنه، وقال: (سمعت منه أحاديث يسيرة في دار ابن همّام، وليس لي منه إجازة)، والتلعكبري هو هارون بن موسى التلعكبري من تلاميذ المترجَم له كما سيأتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) رجال الطوسي: ٤٦٦.
(٣١) الفهرست: ٢٦.
(٣٢) رجال الطوسي: ٤٤٤.
(٣٣) أُنظر: رجال النجاشي: ٩٢.

(١٤)

٤ - مصنَّفاته:
لأحمد بن علي الرازي ثلاثة كتب نصَّ عليها أصحاب الفهارس(٣٤)، هي:
١ - كتاب (الفرائض): والمقصود بالفرائض عند القدماء (المواريث)، ففي الحديث النبوي الشـريف: (تعلَّموا الفرائض وعلِّموها الناس، فإنّي امرؤ مقبوض، وإنَّ العلم سيُقبَض، وتظهر الفتن حتَّى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما)(٣٥)، وأيضاً: (تعلَّموا الفرائض وعلِّموها الناس، فإنَّها نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أوَّل شيء يُنتَزع من أُمَّتي)(٣٦).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (لا يستقيم الناس على الفرائض والطلاق إلَّا بالسيف)(٣٧).
وقد اهتمَّ المحدِّثون والفقهاء اهتماماً بالغاً بهذا الحقل من حقول الفقه، وألَّفت العديد من الكتب الحديثية والفقهية المستقلَّة في هذا المضمار، والتي حملت عنوان (الفرائض).
ومن خلال تتبّع كتب الفهارس، يظهر لنا أنَّ الابتداء بالتصنيف تحت هذا العنوان قد بدأ منذ عصـر الأئمَّة (عليهم السلام)، كرفاعة بن موسى الأسدي النخّاس من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) الذي كان له كتاب مبوَّب في الفرائض كما ذكر النجاشي(٣٨)، وصفوان بن يحيى (ت ٢١٠هـ) من أصحاب الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) الذي عُدَّ من كتبه (كتاب الفرائض)(٣٩)، وغيرهما من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام).
٢ - كتاب (الآداب): والآداب مصطلح فقهي يشير إلى ما يشمل مستحبّات ومكروهات العمل، فآداب المائدة تشمل مستحبّات المائدة ومكروهاتها، وآداب السفر تشمل مستحبّات السفر ومكروهاته، وآداب القضاء تشمل مستحبّات القضاء ومكروهاته، وهكذا...، قال المحقِّق الحلّي في كتاب القضاء: (النظر الثاني: في الآداب، وهي قسمان: مستحبَّة ومكروهة)(٤٠)، فجعل الآداب عنواناً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) أُنظر: الفهرست للطوسي: ٣٠؛ رجال النجاشي: ٣٦٧؛ معالم العلماء: ٥٤.
(٣٥) مستدرك الحاكم ٤: ٣٣٣ عن ابن مسعود؛ وكذا سنن البيهقي ٦: ٢٠٨.
(٣٦) المهذَّب البارع لابن فهد الحلّي ٤: ٣٢٧ و٣٢٩؛ ورواه الشيخ في المبسوط مرسلاً بلفظ (روي عن النبيِّ...) ٤: ٦٧.
(٣٧) وسائل الشيعة ٢٦: ٦٩/ باب وجوب جبر الوالي الناس على الفرائض الصحيحة/ ح ٣٢٥٠٤.
(٣٨) أُنظر: رجال النجاشي: ١٦٦.
(٣٩) رجال النجاشي: ١٩٧.
(٤٠) شرائع الإسلام ٤: ٨٦٤.

(١٤)

شاملاً للمكروهات أيضاً، وهو لا يخلو من مسامحة؛ لأنَّ الأدب في الحقيقة هو اجتناب المكروه.
٣ - الشفاء والجلاء في الغيبة: وهو موضوع بحثنا.
وممَّا يُؤسَف له أنَّ هذه الكتب مفقودة في عصـرنا، ولم تحفظ لنا الأيّام منها سوى ما نقله الطوسي في غيبته عن كتاب الشفاء والجلاء كما سيأتي.
ولعلَّ هذه الكتب قد أُتلفت فيما أُتلف من التراث الشيعي في الحملة السلجوقية التي أتلفت جزءاً كبيراً من هذا التراث، وهو ما أكَّدنا عليه مراراً في كتابنا (أُصول المقتل الحسيني)(٤١).
والسبب في هذا التأكيد أنَّنا من خلال التتبّع والتأمّل في الفهرست ورجال النجاشي نجد أنَّ أكثر الأُصول التالفة كانت موجودة في وقت تأليف هذين الكتابين ثمّ اختفت بعد ذلك، ومن المعلوم أنَّ أوَّل وأهمّ حادثة وقعت بعد ذلك هي الحملة السلجوقية، وهو ما يُؤكِّد مسؤولية هذه الحملة عن ضياع هذا التراث.
أمَّا عن حجم ما تسبَّبت به هذه الحملة من تدمير متعمِّد للتراث الشيعي، فيُحدِّثنا الحموي عن ذلك بقوله - وهو يتحدَّث عن محلَّة بين السورين -: (اسم لمحلَّة كبيرة كانت بكرخ بغداد، وكانت من أحسن محالّها وأعمرها، وبها كانت خزانة الكتب التي وقفها الوزير أبو نصـر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلّها بخطوط الأئمَّة المعتبرة وأُصولهم المحرَّرة، واحترقت فيما أُحرق من محالِّ الكرخ عند ورود طغرل بك أوَّل ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة ٤٤٧هـ)(٤٢).
بل إنَّ الفتنة قد توسَّعت بعد ذلك، ففي عام (٤٤٩هـ) - على ما ذكر ابن الجوزي - دخلوا إلى دار شيخ الطائفة الطوسي، وأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للتدريس(٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١)
(٤٢) معجم البلدان ١: ٥٣٤.
(٤٣) المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك ١٦: ١٦.

(١٤)

٥ - معتقده ووثاقته:
كان أحمد بن علي الرازي إماميّاً اثني عشـرياً، وهذه حقيقة واضحة لا تحتاج إلى جهد في إثباتها، ويكفي أن نذكر هنا تصنيفه لكتاب (الشفاء والجلاء) الذي تدور أحاديثه حول غيبة الإمام الثاني عشـر (عليه السلام).
كما يُمكننا أن نلمس هذه الحقيقة بوضوح من خلال التأمّل في مضامين ما بقي من روايات هذا الكتاب في غيبة الشيخ الطوسي، فإنَّ هذه الروايات قد تضمَّنت ما يُؤكِّد إماميَّته، بل اثني عشـريته بشكل قاطع لا لبس فيه.
وإنَّما نحن بحاجة إلى أن نبذل جهداً من أجل إثبات وثاقته أو تحسينه أو رفع التهمة عنه كحدٍّ أدنى، وذلك لكونه من المتَّهمين بالغلوِّ، على الرغم من أنَّ الطوسي قد استحسن كتابه (الشفاء والجلاء) واعتمده في غيبته.
فنحن إذن أمام معركة رجالية شرسة لا بدَّ لنا من خوضها، وستكون لنا محاولتان في هذا المجال:
أ - محاولة رفع تهمة الغلوِّ عنه.
ب - محاولة توثيقه أو تحسينه كحدٍّ أدنى.
أ - محاولة رفع تهمة الغلوِّ عنه:
قال فيه الطوسي: (لم يكن بذلك الثقة في الحديث، ومتَّهم بالغلوِّ)(٤٤).
وقال النجاشي: (قال أصحابنا: لم يكن بذاك، وقيل: فيه غلوّ وترفّع)(٤٥).
وبناءً على كون فهرست الطوسي أسبق من رجال النجاشي من حيث زمن التأليف، فيمكن القول أنَّ النجاشي قد اقتبس هذا الرأي من الطوسي، بل يمكن القول: أنَّ هذا الرأي في الأصل هو رأي الحسين بن عبيد الله الغضائري، فقد قال أحمد بن الحسين الغضائري بشأن المترجَم له: (حدَّثني أبي أنَّه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه يُعرَف تارةً ويُنكَر أُخرى)(٤٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) الفهرست: ٣٠.
(٤٥) رجال النجاشي: ٩٧.
(٤٦) أُنظر: خلاصة الأقوال للعلَّامة الحلّي: ٣٢٢.

(١٤)

فالحسين بن عبيد الله الغضائري هو أوَّل من صـرَّح بنسبة الارتفاع في المذهب إلى المترجَم له، وهو تعبير آخر عن الغلوِّ في الأئمَّة (عليهم السلام)، فقد جاء في نهاية الدراية: (وفي مذهبه ارتفاع، ومرتفع القول، وكان من الطيّارة، يريدون بذلك كلّه التجاوز بالأئمَّة (عليهم السلام) إلى ما لا يسوغ)(٤٧).
والغضائري هو أُستاذ الطوسي والنجاشي في الرجال، وأغلب الظنّ أنَّهما قد نقلا هذه التهمة عنه، فكونهما مجرَّد ناقلين واضح في نصّيهما: (متَّهم بالغلو)، (قال أصحابنا)، (وقيل: فيه).
قال السيِّد الجلالي: (لا ريب أنَّ ابن الغضائري - وهو زميل النجاشي والشيخ الطوسي - هو مثلهما في عدم المعاصرة لأكثر الرواة الذين ذكروهم في كتبهم، وإنَّما اعتمدوا في ما ذكروه من أحوالهم على ما أخذوه من المشهور بين علماء الرجال عند الطائفة، وأقربهم إليهم أبوه الحسين الغضائري الذي اشتهر بالمعرفة بالرجال)(٤٨).
وممَّا يُهوِّن الخطب ويفتح لنا طريقاً باتِّجاه نفي هذه التهمة ونزعها عن المترجَم له، هو أنَّ تضعيفات وطعون الغضائري والمتشدِّدين من القمّيين غير معتبرة عند كثير من المحقِّقين في الرجال؛ لأنَّهم لا يستندون في ذلك إلى الشهادة والحسّ، بل يعتمدون على النظر في محتويات الروايات، فإذا وجدوا ما ينطبق عليه مفهوم الغلوِّ أو الارتفاع من وجهة نظرهم الخاصَّة نسبوا الراوي إلى الغلوِّ أو الارتفاع، بل نسبوه إلى الكذب؛ لأنَّهم سيتَّهمونه بوضع تلك الروايات، وما ذلك إلَّا لاشتمالها على بعض المفاهيم التي لا تنسجم مع فهمهم الخاصّ لمقام الإمامة.
قال العلَّامة المجلسـي: (ولكن أفرط بعض المتكلِّمين والمحدِّثين في الغلوِّ لقصورهم عن معرفة الأئمَّة (عليهم السلام)، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) نهاية الدراية لحسن الصدر: ٤٣٣.
(٤٨) رجال ابن الغضائري: ٢٨/ مقدّمة المحقِّق.

(١٤)

المعجزات، حتَّى قال بعضهم: من الغلوِّ نفي السهو عنهم، أو القول بأنَّهم يعلمون ما كان وما يكون)(٤٩).
وللوحيد البهبهاني كلام مهمٌّ في المقام حيث يقول: (اعلم أنَّ الظاهر أنَّ كثيراً من القدماء سيّما القميّين منهم (والغضائري منهم) كانوا يعتقدون للأئمَّة (عليهم السلام) منزلة خاصَّة من الرفعة والجلالة ومرتبة معيَّنة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يُجوِّزون التعدّي عنها، وكانوا يَعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً حسب معتقدهم، حتَّى أنَّهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربَّما جعلوا مطلق التفويض إليهم أو التفويض الذي اختُلِفَ فيه كما سنذكر، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض، ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيّما بجهة أنَّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين. (وبالجملة) الظاهر أنَّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأُصولية أيضاً، فربَّما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً غلوّاً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً أو غير ذلك، وكان عند آخر ممَّا يجب اعتقاده أو لا هذا ولا ذاك، وربَّما كان منشأ جرحهم بالأُمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم كما أشرنا آنفاً وادَّعاه أرباب المذاهب كونه منهم أو روايتهم عنه، وربَّما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربَّما يحصل التأمّل في جرحهم بأمثال الأُمور المذكورة).
إلى أن قال: (ثمّ اعلم أنَّه - يعني أحمد بن محمّد بن عيسى - والغضائري ربَّما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلوِّ، وكأنَّه لروايته ما يدلُّ عليه، ولا يخفى ما فيه، وربَّما كان غيرهما أيضاً كذلك، فتأمَّل)(٥٠).
ويقول الشيخ جعفر السبحاني: (وعلى ذلك، فليس من البعيد أنَّ الغضائري ونظراءه الذين ينسبون كثيراً من الرواة إلى الضعف والجعل، كانوا يعتقدون في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) بحار الأنوار ٢٥: ٣٤٧.
(٥٠) الفوائد الرجالية: ٣٨ و٣٩.

(١٥)

حقِّ النبيِّ والأئمَّة (عليهم السلام) عقيدة أُولئك المشايخ، فإذا وجدوا أنَّ الرواية لا توافق معتقدهم اتَّهموه بالكذب ووضع الحديث. والآفة كلُّ الآفة هو أن يكون ملاك تصحيح الرواية عقيدة الشخص وسليقته الخاصَّة، فإنَّ ذلك يوجب طرح كثير من الروايات الصحيحة، واتِّهام كثير من المشايخ. والظاهر أنَّ الغضائري كان له مذاق خاصّ في تصحيح الروايات وتوثيق الرواة، فقد جعل إتقان الروايات في المضمون، حسب مذاقه، دليلاً على وثاقة الراوي، ولأجل ذلك صحَّح روايات عدَّة من القمّيين، ممَّن ضعَّفهم غيره، لأجل أنَّه رأى كتبهم وأحاديثهم صحيحة. كما أنَّه جعل ضعف الرواية في المضمون، ومخالفته مع معتقده في ما يرجع إلى الأئمَّة، دليلاً على ضعف الرواية، وكون الراوي جاعلاً للحديث)(٥١).
وممَّا يدلُّ على كون الغضائري قد استند في طعنه على النظر والاجتهاد دون الحسِّ والشهادة، قوله: (وحديثه يُعرَف تارةً ويُنكَر أُخرى)، يعني يُؤخَذ به تارةً ويُرَدُّ أُخرى كما ذكر علماء الدراية(٥٢)، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضائري قد استند في حكمه على ما تضمَّنته أحاديث المترجَم له من مفاهيم تُعَدُّ منكرة في نظره الخاصّ، وهذه مسألة ذوقية نسبية غير خاضعة لضابطة متَّفق عليها بين أعلام الطائفة، فما كان في نظر الغضائري غلوّ وارتفاع قد لا يكون كذلك في نظر غيره، ولذا نجد الطوسي يستحسن كتاب (الشفاء والجلاء) وينقل عنه رغم تهمة الغلوّ التي أُلصقت بمصنِّفه؛ لأنَّه لم يجد فيه ما يتعارض مع ذوقه الخاصّ في فهم العقيدة الاثني عشرية.
وبهذا نخلص إلى عدم ثبوت تهمة الغلوّ والارتفاع بحقِّ المترجَم له، وأنَّها ربَّما كانت نتيجة للجدل الفكري الذي كان محتدماً في ذلك العصر حول فهم مقامات الإمامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) كلّيات في علم الرجال: ٩٨.
(٥٢) أُنظر: نهاية الدراية: ٤٣٧.

(١٥)

ب - محاولة توثيقه أو تحسينه كحدٍّ أدنى:
بقي علينا أن نستأنف رحلة البحث من جديد، ونتلمس ما يمكننا من خلاله إثبات وثاقة الرازي أو حسنه على أقلّ تقدير؛ فإنَّ مجرَّد ردِّ التهمة ونفيها عن الراوي لا ينفع إلَّا على القول بأصالة العدالة لكلِّ إمامي لم يثبت فسقه، وهو ما يظهر من العلَّامة الحلّي في ترجمة (أحمد بن إسماعيل بن سمكة)(٥٣)، أمَّا من يعتبر وثاقة الراوي أو حسنه في حجّية خبره، فلا بدَّ له من مباشرة البحث بشأن كلّ راوٍ لم يثبت بحقِّه تضعيف ولا توثيق.
وليس أمامنا سوى إعادة النظر في وثاقة المترجَم له من خلال منهج جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان، وهو أحد الطرق المتَّبعة في تحصيل وثاقة الراوي.
قال الشيخ جعفر السبحاني: (إنَّ سعي المستنبط على جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان على وثاقة الراوي أو خلافها، من أوثق الطرق وأسدِّها، ولكن سلوك ذاك الطريق يتوقَّف على وجود قابليات في السالك وصلاحيات فيه، ألزمُها التسلّط على طبقات الرواة والإحاطة على خصوصيات الراوي، من حيث المشايخ والتلاميذ، وكمّية رواياته من حيث القلَّة والكثرة، ومدى ضبطه، إلى غير ذلك من الأُمور التي لا تندرج تحت ضابط معيَّن، ولكنها تورث الاطمئنان الذي هو علم عرفاً ولا شكَّ في حجّيته)(٥٤).
ونحن لا نريد هنا استيعاب جميع القرائن والشواهد التي تورث الاطمئنان بوثاقة المترجَم له أو حسنه، وإنَّما هي مجرَّد محاولة متواضعة لتوثيق هذا الرجل أو تحسينه بحسب ما توفَّر لدينا من معطيات ومؤشِّرات، وربَّما يتمكَّن المختصّون وذوو الشأن من إضافة قرائن وشواهد أُخرى لا تقلُّ أهمّيةً عمَّا سنذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) أُنظر: خلاصة الأقوال: ٦٧، قال في ترجمته: (ولم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل، ولم يروَ فيه جرح، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض).
(٥٤) نهاية الدراية: ١٥٧.

(١٥)

وعلى أيِّ حال، فمن تلك القرائن والشواهد:
١ - روايته عن الثقاة: فقد ذكر أهل الفنِّ أنَّ الرواية عن الثقاة (مدح وأمارة للاعتماد)(٥٥)، بل لا يُستَبعد البعض إشعارها بالوثاقة، (إذ الغالب في من يروي عن الثقاة كونه متَّصفاً بحالهم)(٥٦).
ولا شكَّ أنَّ أقلَّ ما يمكن أن يستفاد من هذه المسألة هو أن نتَّخذها ولو قرينة تضاف إلى غيرها من القرائن، لنصل من خلال المجموع إلى الاطمئنان بالوثاقة أو الحسن.
وقد أشرنا فيما مضـى إلى اهتمام المترجَم له وحرصه على الاعتماد على مصادر موثوقة في تصنيفه لكتاب الشفاء والجلاء، كاعتماده على روايات أبي الحسين محمّد بن علي بن الفضل بن تمام الدهقان الكوفي الملقَّب بسكين الذي كان من الأجلَّاء والثقاة، وروايات أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي (ت ٣١٢هـ) وكيل الناحية المقدَّسة الذي كان (ثقةً، صحيح الحديث) بحسب تعبير النجاشي، والذي (مات على ظاهر العدالة لم يتغيَّر ولم يُطعَن عليه) بحسب ما ذكر الشيخ الطوسي، وروايات الشيخ الثقة الجليل أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان البزوفري، وروايات الشيخ الفقيه الثقة أبي علي أحمد بن إدريس الأشعري القمّي (ت ٣٠٦هـ).
٢ - قال البهبهاني - في الفائدة الثالثة في سائر أمارات الوثاقة والمدح والقوَّة من فوائده -: (ومنها رواية الجليل عنه، وهو أمارة الجلالة والقوَّة)، إلى أن قال: (وإذا كان الجليل ممَّن يطعن على الرجال في الرواية عن المجاهيل ونظائرها فربَّما يشير روايته عنه إلى الوثاقة)(٥٧).
فرواية الثقة الجليل عن الراوي مفيدة للمدح على أقلِّ تقدير، وكلَّما ارتفع مؤشِّر الوثاقة والجلالة في الراوي كلَّما ارتفع مؤشِّر الإشعار بالمدح في المروي عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) الفوائد الرجالية: ٤٨.
(٥٦) طرائف المقال للبروجردي: ٢٦٢.
(٥٧) الفوائد الرجالية: ٤٧.

(١٥)

وقد روى عن المترجَم له - كما سيأتي - اثنان من ثقاة الطائفة ووجوهها وأجلَّائها، وهما: شيخ القمّيين ووجههم أبو الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي (ت ٣٦٨هـ)، وأُستاذ النجاشي ووجه الطائفة في بغداد أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري الشيباني (ت ٣٨٥هـ).
ولا ريب أنَّ اتِّصال هذين الجليلين بالرازي وروايتهما لكتبه - كما سيأتي - هو من أمارات المدح على أقلِّ تقدير، فإذا أضفنا إلى ذلك (روايته عن الثقاة) - كما مرَّ - كان نوراً على نور.
٣ - بل يمكن أن نعتبر رواية أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود - من حيث كونه قمّياً - بحدِّ ذاتها قرينة مستقلَّة كاشفة عن المدح والقوَّة على الأقلِّ، وذلك بعد ملاحظة ما ذكره أهل الاختصاص من كون رواية القمّيين عن شخص أمارة على الوثاقة أو المدح والقوَّة كحدٍّ أدنى، وذلك لما عُرفوا به من التشدِّد في اعتماد الحديث، ولذلك نجد المحقِّقين في الرجال يعتمدون على توثيقات القمّيين لتشدّدهم، ويتركون طعونهم لتسـرّعهم، (لأنَّهم يجرحون الرجال بأدنى كلمة، فلو ترضّوا على أحد صار توثيقاً له، ودليلاً على سلامة معتقده، وعليه يكون توثيقهم قد جاء بعد الفحص الشديد والتنقيب العالي، فمن اعتمده القمّيون فقد جاوز القنطرة)(٥٨).
قال الوحيد البهبهاني: (ومنها اعتماد القمّيين عليه أو روايتهم عنه، فإنَّه أمارة الاعتماد، بل الوثاقة)(٥٩).
وقال التستري - عن محمّد بن عبد الله الهاشمي -: عنونه النجاشي قائلاً: (له كتاب يرويه القمّيون يدلُّ على حسنه، لأنَّ مسلكهم التدقيق...)(٦٠).
٤ - بل يمكن القول إنَّ ما وصفه به الشيخ من كونه (ليس بذاك الثقة في الحديث) أو ما وصفه به النجاشي من أنَّه (لم يكن بذاك) هو نوع مدح له.
قال الوحيد البهبهاني: (ومنها: قولهم: ليس بذاك، وقد أخذه خالي (رحمه الله) ذمّاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) أشهد أنَّ عليّاً وليّ الله في الأذان بين الشرعية والابتداع للشهرستاني: ٨٨.
(٥٩) الفوائد الرجالية: ٤٩.
(٦٠) قاموس الرجال ٩: ٣٣٩/ الرقم ٦٩٦٠.

(١٥)

ولا يخلو من تأمّل، لاحتمال أن يُراد أنَّه ليس بحيث يوثق به وثوقاً تامّاً، وإن كان فيه نوع وثوق من قبيل قولهم: ليس بذاك الثقة، ولعلَّ هذا هو الظاهر، فيُشعِر على نوع مدح، فتأمَّل)(٦١).
وواضح أنَّ ما دعانا الوحيد البهبهاني للتأمّل فيه هو قولهم: (ليس بذاك)، أمَّا قولهم: (ليس بذاك الثقة) أو (ليس بذاك الثقة في الحديث)، فالظاهر أنَّه من ألفاظ المدح عنده، إذ لعلَّ: (لاحتمال أن يُراد أنَّه ليس بحيث يُوثَق به وثوقاً تامّاً وإن كان فيه نوع وثوق من قبيل قولهم: ليس بذاك الثقة)، أي لاحتمال أن يستفاد من قولهم: (ليس بذاك) ما يستفاد من قولهم: (ليس بذاك الثقة) في الدلالة على المدح والحسن.
قال السيِّد الأعرجي: (وكذلك قولهم: ليس بذاك، فإنَّه ربَّما عُدَّ قدحاً، وأنت تعلم أنَّه أكثر ما يُستَعمل في نفي المرتبة العليا، كما يقال: ليس بذلك الثقة، وليس بذلك الوجه، وليس بذلك البعيد، فكان فيه نوع من المدح)(٦٢).
وقال المازندراني بعد أن نقل أقوال علماء الرجال في حقِّ الرازي: (ودلالة قولهم: لم يكن بذاك الثقة، أو: لم يكن بذاك، على المدح أقرب منه إلى الذمِّ)(٦٣).
٥ - لو تأمَّلنا فيما نقله الشيخ الطوسي من روايات عن المترجَم له، لا نجد فيها ما يخالف الخطوط العريضة الثابتة لمذهب الاثني عشـرية، ولو فتَّشنا في تلك الروايات رواية رواية فإنَّنا لن نعثر فيها على شـيء ممَّا تعارف الغلاة على تناقله في رواياتهم، مع أنَّها روايات كثيرة نسبياً، وهي ذات طابع عقائدي على الأغلب، ومشحونة بالمفاهيم العقائدية.
بل إنَّ بعض تلك الروايات تضمَّنت الردّ على عقيدة أهل التفويض وإبطالها، والتفويض - كما هو معروف - أحد معاني الغلوّ(٦٤).
ونحن وإن لم يصلنا كتاب الشفاء والجلاء كاملاً، ولكنَّنا نستطيع أن نُعمِّم هذا الحكم على سائر رواياته بدليل استحسان الشيخ الطوسي له، فإنَّه يدلُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) الفوائد الرجالية: ٤٣.
(٦٢) عدَّة الرجال ١: ١٦٤.
(٦٣) منتهى المقال: ٢٨٦.
(٦٤) أُنظر: الغيبة للطوسي: ٢٤٦ - ٢٤٨/ ح ٢١٦.

(١٥)

على سلامة المفاهيم العقائدية التي اشتملت عليها روايات الكتاب، وانسجامها مع الخطوط العامَّة للمذهب الإمامي الاثني عشري.
والخلاصة: أنَّ تهمة الغلوِّ والارتفاع لم تثبت بحقِّ المترجَم له، بل هناك من القرائن ما يدلُّ على حسنه وقوَّته، بل قد يتشكَّل من ضمِّ تلك القرائن إلى بعضها ما يجعلنا نقترب من الاطمئنان بوثاقته.
وممَّن سلك هذا المنهج في توثيقه من المتأخِّرين: السيِّد محسن الأمين في أعيان الشيعة - معتمداً على بعض ما أشرنا إليه من قرائن وشواهد -، حيث قال: (أقول: يُؤيِّد وثاقته رواية الأجلَّاء كتبه، واستحسان الشيخ كتابه، وروى الشيخ عنه في كتاب الغيبة كثيراً، والنجاشي نسب غلوَّه إلى القيل إشارةً إلى عدم ثبوته عنده، وكثيراً ما كانوا يرون ما ليس بغلوّ غلوّاً، والله أعلم)(٦٥).
٦ - وقفة مع كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة:
فيما يرتبط بكتاب الشفاء والجلاء في الغيبة توجد عدَّة نقاط ينبغي التنبيه عليها:
ألف - لعلَّ أقدم نصّ تاريخي نسب كتاب (الشفاء والجلاء في الغيبة) لأحمد بن علي الرازي هو الفهرست للشيخ الطوسي(٦٦)، قال - بعد عنونته ونقل تهمة الغلوّ في حقِّه -: (وله كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة حسن)(٦٧).
ثمّ أكَّد عليه النجاشي ونصَّ على وجوده في رجاله(٦٨)، ثمّ نصَّ عليه بعد ذلك ابن شهر آشوب في المعالم(٦٩).
ثمّ أكَّد عليه كلُّ من ترجم للمصنِّف من أصحاب الفهارس المتأخِّرين كالشيخ الطهراني في الذريعة(٧٠)، والسيِّد الأمين في الأعيان(٧١)، وعمر كحالة في معجم المؤلِّفين(٧٢).
وهذا الكتاب يُعتَبر من أقدم الكتب في موضوعه، فهو من الأُصول التاريخية القديمة التي اغترف منها الشيخ الطوسي في غيبته، وربَّما يستفاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) أعيان الشيعة ٣: ٤٢.
(٦٦) بناءً على أسبقية الفهرست على رجال النجاشي.
(٦٧) أُنظر: رجال النجاشي: ٩٧.
(٦٨) منتهى المقال: ٢٨٦.
(٦٩) أُنظر: معالم العلماء: ٥٤.
(٧٠) أُنظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١٤: ٢٠٢.
(٧١) أُنظر: أعيان الشيعة ٢: ٤٢.
(٧٢) أُنظر: معجم المؤلِّفين ٢: ٧.

(١٥)

من بعض القرائن أنَّ المصنِّف قد بدأ بجمع روايات هذا الكتاب مع بدايات القرن الرابع الهجري(٧٣)، وفي هذه الفترة كان الجدل مشتعلاً حول موضوع الغيبة، ولو تأمَّلنا في كثرة الكتب المصنَّفة في الغيبة في هذه الفترة لعرفنا أنَّ هذا الموضوع كان من أهمّ المحاور العقائدية التي شغلت بال العلماء آنذاك.
باء - إنَّ النصَّ الوحيد الذي اشتمل على روايات الشفاء والجلاء هو كتاب الغيبة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ).
وأعتقد أنَّنا لسنا بحاجة إلى تعريف القارئ الكريم بالشيخ الطوسي، وبيان مكانته الروحية ومنزلته العلمية بين علماء الإماميَّة، فهو - بحسب تعبير الشيخ عبّاس القمّي -: (عماد الشيعة، ورافع اعلام الشـريعة، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تُلوى إليه الأعناق، صنَّف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام، وقد ملأت تصانيفه الأسماع، ووقع على قدمه وفضله الإجماع، من أكبر جهابذة الإسلام)(٧٤).
وأمَّا كتابه في الغيبة فهو من أقدم وأبرز المصادر التي تحدَّثت عن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، وتكمن أهمّية هذا الكتاب - بالإضافة إلى انتسابه إلى شيخ الطائفة ورئيسها - في اشتماله على روايات جملة من الأُصول التاريخية المفقودة، مثل كتاب (الضياء في الردِّ على المحمّدية والجعفرية) لسعد بن عبد الله الأشعري القمّي (ت ٣٠١هـ)، وكتاب (أخبار الوكلاء الأربعة) لأحمد بن علي بن نوح السيرافي، وكتاب (الشفاء والجلاء في الغيبة) لأحمد بن علي الرازي، وغيرها من الأُصول التاريخية.
وقد نقل الشيخ الطوسي عن كتاب الشفاء والجلاء - بحسب تتبّعنا وتحقيقنا - (٣٠) رواية، وهي موزَّعة ومفرَّقة على ستَّة فصول من فصول الكتاب الثمانية وكالتالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) من القرائن على ذلك: روايته عن أحمد بن إدريس الأشعري القمّي المتوفّى سنة (٣٠٦هـ)، وكذلك روايته عن محمّد بن جعفر الأسدي وكيل الناحية المقدَّسة المتوفّى (٣١٢هـ).
(٧٤) الكنى والألقاب ٢: ٣٩٤.

(١٥)

١ - فصل في الكلام في الغيبة: تسعة أحاديث: (١٠٩)، (١٤٨)، ( ١٥٠)، (١٥١)، (١٥٢)، (١٥٣)، (١٥٤)، (١٧٤)، (١٨٠).
٢ - فصل فأمَّا الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها فأشياء اعتبارية وأشياء إخبارية: خمسة أحاديث: (١٩٥)، (٢٠٦)، (بدون ترقيم)، (٢٠٨)، (٢١٦).
٣ - فصل وأمَّا ما روي من الأخبار المتضمِّنة لمن رآه (عليه السلام): تسعة أحاديث: (٢٢٣)، (٢٢٤)، (٢٢٦)، (٢٢٧)، (٢٢٨)، (٢٣٤)، (٢٣٥)، (٢٣٧)، (٢٣٨).
٤ - فصل وأمَّا ظهور المعجزات الدالّة على صحَّة إمامته في زمان الغيبة: حديثان: (٢٤٥)، (٢٤٦).
٦ - فصل في ذكر طرف من أخبار السفراء الذين كانوا في حال الغيبة: حديثان: (٣٠٦)، (٣٠٨).
٧ - فصل فيما ذُكِرَ في بيان عمره (عليه السلام): ثلاثة أحاديث: (٤٢٤)، (٤٣٥)، (٤٥٦).
وأمَّا الفصل الخامس الذي عقده المصنِّف (في ذكر العلَّة المانعة لصاحب الأمر (عليه السلام) من الظهور)، وكذلك الفصل الثامن الذي عقده (في ذكر طرف من صفاته ومنازله وسيرته (عليه السلام)) فقد خليا تماماً من روايات كتاب الشفاء والجلاء.
وقد قمنا باستخراج هذه الروايات واستلالها من كتاب الغيبة، ثمّ قمنا بترتيبها بحسب تسلسلها في الكتاب المذكور، ولم نغفل عن الإشارة إلى تسلسل الحديث في الهامش لنُسهِّل الأمر على من أراد التتبّع والرجوع إلى المصدر، علماً أنَّنا قد اعتمدنا في عملنا هذا على الطبعة المحقَّقة بتحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح.
جيم - أمَّا بخصوص سند الكتاب، فقد قال الشيخ في الفهرست: (وله كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة حسن، كتاب الفرائض، كتاب الآداب، أخبرنا بهما(٧٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) كذا في المطبوع، ولعلَّ الصحيح (بها).

(١٥)

الحسين بن عبيد الله، عن محمّد بن أحمد بن داود وهارون بن موسى التلعكبري جميعاً، عنه)(٧٦).
يظهر من خلال هذا النصّ أنَّ كتب المترجّم له - وبضمنها كتاب الشفاء والجلاء - قد وصلت إلى يد شيخ الطائفة عن طريق شيخه الحسين بن عبيد الله الغضائري الذي يروي هذا الكتاب عن المترجَم له عن طريقين، وهما: محمّد بن أحمد بن داود، وهارون بن موسى التلعكبري، وبالتالي يمكن أن نستنتج: أنَّ الغضائري كان يمتلك نسختين من هذا الكتاب، وأنَّ كلتا النسختين قد وصلتا إلى يد شيخ الطائفة.
ومع ذلك فالذي يظهر من التأمّل في أسانيد الروايات التي رواها الشيخ عن هذا الكتاب - كما سيأتي - هو أنَّ الشيخ قد اعتمد على نسخة التلعكبري، وأنَّ هذه النسخة لم تصله عن طريق شيخه الغضائري حصرياً، بل رواها عن جماعة من المشايخ - بضمنهم الغضائري - عن التلعكبري، وهذا ما نستظهره من قوله في صدر السند: (وأخبرنا جماعة، عن التلعكبري)، والذي كرَّره إحدى عشـرة مرَّة كما ستلاحظ.
وعلى أيِّ حالٍ، فينبغي لنا أن نقف وقفة قصيرة على كلِّ واحدٍ من هؤلاء الأعلام المذكورين في سند الكتاب.
١ - الحسين بن عبيد الله: هذا هو أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن إبراهيم الغضائري الأسدي الواسطي البغدادي (ت ٤١١هـ)، من شيوخ الطوسي والنجاشي.
كما أنَّه والد أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله صاحب كتاب (رجال ابن الغضائري) المشهور، وقد تتلمذ أحمد على يدي والده، وأخذ هذا العلم عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) الفهرست: ٣٠.

(١٥)

وقد ذكره الشيخ الطوسي في الرجال في (من لم يروِ عن واحد من الأئمَّة)، فقال: (الحسين بن عبيد الله الغضائري، يُكنّى أبا عبد الله، كثير السماع، عارفٌ بالرجال، وله تصانيف ذكرناها في الفهرست. سمعنا منه، وأجاز لنا بجميع رواياته، مات سنة إحدى عشرة وأربعمائة)(٧٧).
ويبدو أنَّ ترجمة الغضائري قد سقطت من كتاب الفهرست، إذ أنَّ نسخ الفهرست المتوفِّرة خالية منها كما يُؤكِّد المحقِّقون.
أمَّا النجاشي فيقول فيه: (الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري، أبو عبد الله، شيخنا (رحمه الله)، له كتب... أجازنا جميعها، وجميع رواياته عن شيوخه. ومات (رحمه الله) نصف شهر صفر سنة إحدى عشرة وأربعمائة)(٧٨).
٢ - محمّد بن أحمد بن داود: هو أبو الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي (ت ٣٦٨هـ)، شيخ القمّيين وفقيههم، بل شيخ الطائفة في وقته.
قال النجاشي في حقِّه: (محمّد بن أحمد بن داود بن علي، أبو الحسن، شيخ هذه الطائفة وعالمها، وشيخ القمّيين في وقته وفقيههم...، ومات أبو الحسن بن داود سنة ثمان وستّين وثلاثمائة، ودُفِنَ بمقابر قريش)(٧٩).
وترجم له الشيخ الطوسي في الفهرست، فقال: (محمّد بن أحمد بن داود القمّي، يُكنّى أبا الحسن، له كتب منها كتاب المزار كبير حسن، وكتاب الذخائر الذي جمعه كتاب حسن، وكتاب الممدوحين والمذمومين، وغير ذلك، أخبرنا بكتبه ورواياته جماعة منهم الشيخ المفيد (رحمه الله) والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلّهم عنه)(٨٠).
٣ - هارون بن موسى التلعكبري: هذا هو أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري الشيباني (ت ٣٨٥هـ).
و(التلعكبري) بفتح التاء واللام المشدَّدة وضمِّ العين المهملة وسكون الكاف وفتح الموحَّدة، نسبة إلى تل عكبرا، وعكبرا اسم بلدة من نواحى دُجيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ(٨١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) رجال الطوسي: ٤٧٠.
(٧٨) رجال النجاشي: ٧٠.
(٧٩) رجال النجاشي: ٣٨٤ و٣٨٥.
(٨٠) الفهرست: ١٣٦.
(٨١) الكنى والألقاب ٢: ١٢٢.

(١٦)

قال عنه النجاشي: (كان وجهاً في أصحابنا، ثقةً، معتمداً، لا يُطعَن عليه. له كتب، منها كتاب الجوامع في علوم الدين. كنت أحضر في داره مع ابنه أبي جعفر، والناس يقرؤون عليه)(٨٢).
وقال عنه الشيخ الطوسي في الرجال: (هارون بن موسى التلعكبري، يُكنّى أبا محمّد، جليل القدر، عظيم المنزلة، واسع الرواية، عديم النظير، ثقة، روى جميع الأُصول والمصنَّفات، مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، أخبرنا عنه جماعة من أصحابنا)(٨٣).

القسم الثاني: متن كتاب الشفاء والجلاء المستخرج من كتاب الغيبة

١ - وأخبرنا جماعة، عن التلعكبري، عن أبي علي أحمد بن علي الرازي الإيادي، قال: أخبرني الحسين بن علي، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن أحمد بن محمّد الخليلي، عن محمّد بن صالح الهمداني، عن سليمان بن أحمد، عن زياد بن مسلم وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سلام، قال: سمعت أبا سلمى راعي النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (سمعت ليلة أُسري بي إلى السماء، قال العزيز جلَّ ثناؤه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾، قلت: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، قال: صدقت. يا محمّد، من خلَّفت لأُمَّتك؟ قلت: خيرها. قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قلت: نعم، يا ربِّ. قال: يا محمّد، إنّي اطَّلعت على الأرض اطِّلاعة فاخترتك منها، فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا أُذكر في موضع إلَّا وذُكِرْتَ معي، فأنا المحمود وأنت محمّد. ثمّ اطَّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليٌّ. يا محمّد، إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من شبح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرضين فمن قَبِلَها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) رجال النجاشي: ٤٣٩.
(٨٣) رجال الطوسي: ٥١٦.

(١٦)

الكافرين. يا محمّد، لو أنَّ عبداً من عبادي عبدني حتَّى ينقطع ويصير مثل الشنِّ البالي ثمّ أتاني جاحداً بولايتكم ما غفرت له حتَّى يقرَّ بولايتكم. يا محمّد، أتُحِبُّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربِّ، فقال: التَفِتْ عن يمين العرش، فالتفت فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن والمهدي (عليهم السلام) في ضحضاح من نور، قيام يُصلّون، والمهدي في وسطهم كأنَّه كوكب درّي. فقال: يا محمّد، هؤلاء الحجج، وهذا الثائر من عترتك. يا محمّد، وعزَّتي وجلالي إنَّه الحجَّة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي)(٨٤).
٢ - أخبرنا جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن عثمان بن أحمد السمّاك، عن إبراهيم بن العلاء الهاشمي، عن أبي المليح، عن زياد بن بيان، عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيّب، عن أُمِّ سَلَمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٨٥).
٣ - ما أخبرني به جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن إسحاق المقرئ، عن علي بن العبّاس المقانعي، عن بكار بن أحمد، عن الحسن بن الحسين، عن سفيان الجريري، عن الفضيل بن الزبير، قال: سمعت زيد بن علي (عليه السلام) يقول: (هذا المنتظر من ولد الحسين بن علي في ذرّية الحسين وفي عقب الحسين (عليه السلام)، وهو المظلوم الذي قال الله تعالى: ﴿مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ [الإسراء: ٣٣])، قال: (وليُّه رجل من ذرّيته من عقبه، ثمّ قرأ: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، ﴿سُلْطاناً فَلا يُسْـرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣])، قال: (سلطانه حجَّته على جميع من خلق الله تعالى حتَّى يكون له الحجَّة على الناس ولا يكون لأحد عليه حجَّة)(٨٦).
٤ - وبهذا الإسناد، عن سفيان الجريري، قال: سمعت محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: (والله لا يكون المهدي أبداً إلَّا من ولد الحسين (عليه السلام))(٨٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) الغيبة: ١٤٧ و١٤٨/ ح ١٠٩.
(٨٥) الغيبة: ١٨٧ و١٨٨/ ح ١٤٨.
(٨٦) الغيبة: ١٨٨ و١٨٩/ ح ١٥٠.
(٨٧) الغيبة: ١٨٩/ ح ١٥١.

(١٦)

٥ - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن علي الرازي، عن أحمد بن إدريس، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن إسماعيل بن عيّاش، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى إبنه الحسين (عليه السلام)، فقال: (إنَّ ابني هذا سيِّد كما سمّاه رسول الله سيِّداً، وسيُخرج الله تعالى من صلبه رجلاً باسم نبيِّكم، فيشبهه في الخَلْق والخُلُق، يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة من الحقِّ، وإظهار من الجور، والله لو لم يخرج لضُـرِبَت عنقه، يفرح لخروجه أهل السماء وسكّانها، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...) تمام الخبر(٨٨).
٦ - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن إدريس، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن عذافر، عن عقبة بن يونس، عن عبد الله بن شريك، في حديث له اختصـرناه، قال: مرَّ الحسين (عليه السلام) على حلقة من بني أُميَّة وهم جلوس في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقال: (أمَا والله لا تذهب الدنيا حتَّى يبعث الله منّي رجلاً يقتل منكم ألفاً ومع الألف ألفاً ومع الألف ألفاً). فقلت: جُعلت فداك، إنَّ هؤلاء أولاد كذا وكذا لا يبلغون هذا. فقال: (ويحك إنَّ في ذلك الزمان يكون للرجل من صلبه كذا وكذا رجلاً، وإنَّ مولى القوم من أنفسهم)(٨٩).
٧ - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد الأهوازي، عن الحسين بن علوان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري في حديث له طويل اختصـرناه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (عليها السلام): (يا بنيَّة! إنّا أُعطينا أهل البيت سبعاً لم يُعطَها أحد قبلنا، نبيُّنا خير الأنبياء وهو أبوكِ، ووصيُّنا خير الأوصياء وهو بعلكِ، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمُّ أبيكِ حمزة، ومنّا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنَّة وهو ابن عمِّكِ جعفر، ومنّا سبطا هذه الأُمَّة وهما ابناكِ الحسن والحسين، ومنّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) الغيبة: ١٨٩ و١٩٠/ ح ١٥٢.
(٨٩) الغيبة: ١٩٠ و١٩١/ ح ١٥٣.

(١٦)

والله الذي لا إله إلَّا هو مهدي هذه الأُمَّة الذي يُصلّي خلفه عيسى بن مريم)، ثمّ ضرب بيده على منكب الحسين (عليه السلام)، فقال: (من هذا) ثلاثاً(٩٠).
٨ - وأخبرني جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن الحسين بن علي، عن محمّد بن الحسن بن رزين، قال: حدَّثني أبو الحسن الموسوي الخيبري، قال: حدَّثني أبي أنَّه كان يغشى أبا محمّد (عليه السلام) بسُـرَّ من رأى كثيراً، وأنَّه أتاه يوماً فوجده وقد قدَّمت إليه دابَّته ليركب إلى دار السلطان، وهو متغيِّر اللون من الغضب، وكان يجيئه رجل من العامَّة، فإذا ركب دعا له وجاء بأشياء يشيع بها عليه، فكان (عليه السلام) يكره ذلك. فلمَّا كان ذلك اليوم زاد الرجل في الكلام وألحَّ، فسار حتَّى انتهى إلى مفرق الطريقين، وضاق على الرجل أحدهما من الدواب، فعدل إلى طريق يخرج منه ويلقاه فيه، فدعا (عليه السلام) ببعض خدمه وقال له: (امض فكفِّن هذا)، فتبعه الخادم. فلمَّا انتهى (عليه السلام) إلى السوق ونحن معه، خرج الرجل من الدرب ليعارضه، وكان في الموضع بغل واقف، فضربه البغل فقتله، ووقف الغلام فكفَّنه كما أمره، وسار (عليه السلام) وسرنا معه(٩١).
٩ - أخبرني جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن الحسين بن علي، عن أبي الحسن الإيادي، قال: حدَّثني أبو جعفر العمري (رضـي الله عنه) أنَّ أبا طاهر بن بلال حجَّ، فنظر علي بن جعفر الهماني وهو يُنفِق النفقات العظيمة، فلمَّا انصـرف كتب بذلك إلى أبي محمّد (عليه السلام) فوقَّع في رقعته: (قد كنّا أمرنا له بمائة ألف دينار، ثمّ أمرنا له بمثلها فأبى قبولها إبقاءً علينا، ما للناس والدخول في أمرنا فيما لم نُدخِلهم فيه؟)(٩٢).
١٠ - أخبرنا جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، قال: حدَّثني محمّد بن علي، عن حنظلة بن زكريا، عن الثقة، قال: حدَّثني عبد الله بن العبّاس العلوي - وما رأيت أصدق لهجةً منه، وكان خالفنا في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٠) الغيبة: ١٩١/ ح ١٥٤.
(٩١) الغيبة: ٢٠٦/ ح ١٧٤.
(٩٢) الغيبة: ٢١٨/ ح ١٨٠.

(١٦)

أشياء كثيرة -، قال: حدَّثني أبو الفضل الحسين بن الحسن العلوي، قال: دخلت على أبي محمّد (عليه السلام) بسُـرَّ من رأى، فهنَّأته بسيِّدنا صاحب الزمان (عليه السلام) لـمَّا وُلِدَ(٩٣).
١١ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن علي بن سميع بن بنان، عن محمّد بن علي بن أبي الداري، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن روح الأهوازي، عن محمّد بن إبراهيم، عن حكيمة بمثل معنى الحديث الأوَّل(٩٤) إلَّا أنَّه قال: قالت: بعث إليَّ أبو محمّد (عليه السلام) ليلة النصف من شهر رمضان سنه خمس وخمسين ومائتين، قالت: وقلت له: يا بن رسول الله، من أُمُّه؟ قال: (نرجس)، قالت: فلمَّا كان في اليوم الثالث اشتدَّ شوقي إلى وليِّ الله، فأتيتهم عائدة، فبدأت بالحجرة التي فيها الجارية، فإذا أنا بها جالسة في مجلس المرأة النفساء وعليها أثواب صفر، وهي معصَّبة الرأس، فسلَّمت عليها والتفتُّ إلى جانب البيت، وإذا بمهد عليه أثواب خضـر، فعدلت إلى المهد ورفعت عنه الأثواب فإذا أنا بوليِّ الله نائم على قفاه غير محزوم ولا مقموط، ففتح عينيه وجعل يضحك ويناجيني بإصبعه، فتناولته وأدنيته إلى فمي لأُقبِّله، فشممت منه رائحة ما شممت قطّ أطيب منها، وناداني أبو محمّد (عليه السلام): (يا عمَّتي، هلمّي فتاي إليَّ)، فتناوله، وقال: (يا بنيَّ، أنطق)، وذكر الحديث. قالت: ثمّ تناولته منه وهو يقول: (يا بني، أستودعك الذي استودعته أُمُّ موسى، كن في دعة الله وستره وكنفه وجواره)، وقال: (ردّيه إلى أُمِّه يا عمَّة، واكتمي خبر هذا المولود علينا، ولا تُخبري به أحداً حتَّى يبلغ الكتاب أجله)، فأتيت أُمَّه وودَّعتهم... وذكر الحديث إلى آخره(٩٥).
١٢ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن حنظلة بن زكريا، قال: حدَّثني الثقة، عن محمّد بن علي بن بلال، عن حكيمة، بمثل ذلك(٩٦).
١٣ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن حنظلة بن زكريا، قال: حدَّثني أحمد بن بلال بن داود الكاتب، وكان عامّياً بمحلٍّ من النصب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٣) الغيبة: ٢٢٩/ ح ١٩٥.
(٩٤) أقول: قوله: (بمثل الحديث الأوَّل) إشارة إلى ما رواه قبل حديث الرازي بحديثين بتسلسل (٢٠٤): (وأخبرني ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفّار محمّد بن الحسن القمّي، عن أبي عبد الله المطهَّري، عن حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا، قالت: بعث إليَّ أبو محمّد (عليه السلام) سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان...).
(٩٥) الغيبة: ١٩١/ ح ٢٠٦.
(٩٦) الغيبة: ٢٣٩، لم يُرقِّم المحقِّق هذا الحديث الذي جاء بعد الحديث السابق بلا فصل، لاعتبارهما حديثاً واحداً كما أشار الشيخ بقوله: (بمثل ذلك).

(١٦)

لأهل البيت (عليهم السلام)، يُظهِر ذلك ولا يكتمه، وكان صديقاً لي يُظهِر مودَّة بما فيه من طبع أهل العراق، فيقول - كلَّما لقيني -: لك عندي خبر تفرح به ولا أُخبرك به، فأتغافل عنه، إلى أن جمعني وإيّاه موضع خلوة، فاستقصيت عنه وسألته أن يُخبِرني به، فقال: كانت دورنا بسُـرَّ من رأى مقابل دار ابن الرضا - يعني أبا محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) -، فغبت عنها دهراً طويلاً إلى قزوين وغيرها، ثمّ قضـي لي الرجوع إليها، فلمَّا وافيتها وقد كنت فقدت جميع من خلَّفته من أهلي وقراباتي إلَّا عجوزاً كانت ربَّتني، ولها بنت معها، وكانت من طبع الأُوَل مستورة صائنة لا تُحسِن الكذب، وكذلك مواليات لنا بقين في الدار، فأقمت عندهنَّ أيّاماً، ثمّ عزمت الخروج، فقالت العجوزة: كيف تستعجل الانصـراف وقد غبت زماناً؟ فأقم عندنا لنفرح بمكانك، فقلت لها على جهة الهزء: أُريد أن أصير إلى كربلاء، وكان الناس للخروج في النصف من شعبان أو ليوم عرفة، فقالت: يا بنيَّ، أُعيذك بالله أن تستهين ما ذكرت أو تقوله على وجه الهزء، فإنّي أُحدِّثك بما رأيته - يعني بعد خروجك من عندنا بسنتين -. كنت في هذا البيت نائمة بالقرب من الدهليز، ومعي ابنتي، وأنا بين النائمة واليقظانة إذ دخل رجل حسن الوجه نظيف الثياب طيِّب الرائحة، فقال: يا فلانة، يجيئك الساعة من يدعوك في الجيران، فلا تمتنعي من الذهاب معه ولا تخافي، ففزعت، فناديت ابنتي، وقلت لها: هل شعرت بأحد دخل البيت؟ فقالت: لا، فذكرت الله وقرأت ونمت، فجاء الرجل بعينه وقال لي مثل قوله، ففزعت، وصحت بابنتي، فقالت: لم يدخل البيت [أحد]، فاذكري الله ولا تفزعي، فقرأت، ونمت. فلمَّا كان في [الليلة] الثالثة جاء الرجل وقال: يا فلانة، قد جاءك من يدعوك ويقرع الباب فاذهبي معه، وسمعت دقَّ الباب فقمت وراء الباب وقلت: من هذا؟ فقال: افتحي ولا تخافي، فعرفت كلامه، وفتحت الباب فإذا خادم معه إزار، فقال: يحتاج إليك بعض الجيران لحاجة

(١٦)

مهمَّة، فادخلي، ولفَّ رأسـي بالملاءة وأدخلني الدار وأنا أعرفها، فإذا بشقاق مشدودة وسط الدار ورجل قاعد بجنب الشقاق، فرفع الخادم طرفه، فدخلت وإذا امرأة قد أخذها الطلق وامرأة قاعدة خلفها كأنَّها تُقبِّلها. فقالت المرأة: تعيننا فيما نحن فيه، فعالجتها بما يُعالَج به مثلها، فما كان إلَّا قليلاً حتَّى سقط غلام، فأخذته على كفّي وصحت: غلام غلام، وأخرجت رأسي من طرف الشقاق أبشـر الرجل القاعد، فقيل لي: لا تصيحي، فلمَّا رددت وجهي إلى الغلام قد كنت فقدته من كفّي، فقالت لي المرأة القاعدة: لا تصيحي، وأخذ الخادم بيدي ولفَّ رأسـي بالملاء ة وأخرجني من الدار، وردَّني إلى داري، وناولني صرَّة، وقال لي: لا تُخبري بما رأيتِ أحداً. فدخلت الدار ورجعت إلى فراشي في هذا البيت وابنتي نائمة [بعد]، فأنبهتها وسألتها: هل علمت بخروجي ورجوعي؟ فقالت: لا، وفتحت الصـرَّة في ذلك الوقت، وإذا فيها عشـرة دنانير عدداً، وما أخبرت بهذا أحداً إلَّا في هذا الوقت لـمَّا تكلَّمت بهذا الكلام على حدِّ الهزء، فحدَّثتك إشفاقاً عليك، فإنَّ لهؤلاء القوم عند الله (عزَّ وجلَّ) شأناً ومنزلةً، وكلُّ ما يدعونه حقٌّ، قال: فعجبت من قولها، وصرفته إلى السخرية والهزء، ولم أسألها عن الوقت، غير أنّي أعلم يقيناً أنّي غبت عنهم في سنة نيف وخمسين ومائتين ورجعت إلى سُـرَّ من رأى في وقت أخبرتني العجوزة بهذا الخبر في سنة إحدى وثمانين ومائتين في وزارة عبيد الله بن سليمان لـمَّا قصدته. قال حنظلة: فدعوت بأبي الفرج المظفَّر بن أحمد حتَّى سمع معي [منه] هذا الخبر(٩٧).
١٤ - جعفر بن محمّد بن مالك، قال: حدَّثني محمّد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري، قال: وجَّه قوم من المفوّضة والمقصّـرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمّد (عليه السلام)، قال كامل: فقلت في نفسـي: أسأله: لا يدخل الجنَّة إلَّا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلمَّا دخلت على سيِّدي أبي محمّد (عليه السلام) نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) الغيبة: ٢٤٠ - ٢٤٢/ ح ٢٠٨.

(١٦)

الله وحجَّته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله. فقال متبسِّماً: (يا كامل)، وحسـر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: (هذا لله، وهذا لكم)، فسلَّمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الريح فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنَّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها. فقال لي: (يا كامل بن إبراهيم)، فاقشعررت من ذلك وأُلهمت أن قلت: لبّيك يا سيِّدي، فقال: (جئت إلى وليِّ الله وحجَّته وبابه تسأله: هل يدخل الجنَّة إلَّا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟)، فقلت: إي والله، قال: (إذن والله يقلُّ داخلها، والله إنَّه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقّية)، قلت: يا سيِّدي، ومن هم؟ قال: (قوم من حبِّهم لعلي يحلفون بحقِّه ولا يدرون ما حقَّه وفضله). ثمّ سكت صلوات الله عليه عنّي ساعة، ثمّ قال: (وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيَّة الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول: ﴿وَما تَشاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]). ثمّ رجع الستر إلى حالته، فلم أستطع كشفه، فنظر إليَّ أبو محمّد (عليه السلام) متبسِّماً، فقال: (يا كامل، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجَّة من بعدي؟)، فقمت وخرجت ولم أُعاينه بعد ذلك.
قال أبو نعيم: فلقيت كاملاً، فسألته عن هذا الحديث، فحدَّثني به.
وروى هذا الخبر أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن علي بن عبد الله بن عائذ الرازي، عن الحسن بن وجناء النصيبي، قال: سمعت أبا نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري، وذكر مثله(٩٨).
١٥ - أخبرنا جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، قال: حدَّثني شيخ ورد الري على أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي، فروى له حديثين في صاحب الزمان (عليه السلام) وسمعتهما منه كما سمع، وأظنُّ ذلك قبل سنة ثلاثمائة أو قريباً منها، قال: حدَّثني علي بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) الغيبة: ٢٤٦ - ٢٤٨/ ح ٢١٦.

(١٦)

إبراهيم الفدكي، قال: قال الأودي: بينا أنا في الطواف قد طفت ستَّة وأُريد أن أطوف السابعة، فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة، وشاب حسن الوجه، طيِّب الرائحة، هيوب، ومع هيبته متقرِّب إلى الناس، فتكلَّم فلم أرَ أحسن من كلامه، ولا أعذب من منطقه في حسن جلوسه، فذهبت أُكلِّمه، فزبرني الناس، فسألت بعضهم: من هذا؟ فقال: ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يظهر للناس في كلِّ سنة يوماً لخواصِّه، فيُحدِّثهم ويُحدِّثونه، فقلت: مسترشد أتاك فأرشدني هداك الله. قال: فناولني حصاة، فحوَّلت وجهي، فقال لي بعض جلسائه: ما الذي دفع إليك ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فقلت: حصاة، فكشفت عن يدي، فإذا أنا بسبيكة من ذهب، [فذهبت] وإذا أنا به قد لحقني فقال: (ثبتت عليك الحجَّة، وظهر لك الحقُّ، وذهب عنك العمى؟ أتعرفني؟)، فقلت: اللّهمّ لا. فقال: ((أنا) المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملأها عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، إنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهر أيّام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك، فحدِّث بها إخوانك من أهل الحقِّ)(٩٩).
١٦ - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن علي الرازي، قال: حدَّثني محمّد بن علي، عن محمّد بن أحمد بن خلف، قال: نزلنا مسجداً في المنزل المعروف بالعبّاسية - على مرحلتين من فسطاط مصـر -، وتفرَّق غلماني في النزول، وبقي معي في المسجد غلام أعجمي، فرأيت في زاويته شيخاً كثير التسبيح، فلمَّا زالت الشمس ركعت وسجدت وصلَّيت الظهر في أوَّل وقتها، ودعوت بالطعام، وسألت الشيخ أن يأكل معي، فأجابني. فلمَّا طعمنا سألت عن اسمه واسم أبيه وعن بلده وحرفته ومقصده، فذكر أنَّ اسمه محمّد بن عبد الله، وأنَّه من أهل قم، وذكر أنَّه يسيح منذ ثلاثين سنة في طلب الحقِّ ويتنقل في البلدان والسواحل، وأنَّه أوطن مكّة والمدينة نحو عشـرين سنة يبحث عن الأخبار ويتبع الآثار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) الغيبة: ٢٥٣ و٢٥٤/ ح ٢٢٣.

(١٦)

فلمَّا كان في سنة ثلاث وتسعين ومائتين طاف بالبيت، ثمّ صار إلى مقام إبراهيم (عليه السلام)، فركع فيه، وغلبته عينه، فأنبهه صوت دعاء لم يجر في سمعه مثله، قال: فتأمَّلت الداعي فإذا هو شاب أسمر لم أرَ قطّ في حسن صورته واعتدال قامته، ثمّ صلّى فخرج وسعى، فاتَّبعته وأوقع الله (عزَّ وجلَّ) في نفسـي أنَّه صاحب الزمان (عليه السلام). فلمَّا فرغ من سعيه قصد بعض الشعاب، فقصدت أثره، فلمَّا قربت منه إذ أنا بأسود مثل الفنيق قد اعترضني فصاح بي بصوت لم أسمع أهول منه: ما تريد عافاك الله؟ فأرعدت ووقفت، وزال الشخص عن بصـري وبقيت متحيِّراً. فلمَّا طال بي الوقوف والحيرة انصـرفت ألوم نفسـي وأعذلها بانصـرافي بزجرة الأسود، فخلوت بربِّي (عزَّ وجلَّ) أدعوه وأسأله بحقِّ رسوله وآله (عليهم السلام) أن لا يخيب سعيي، وأن يُظهِر لي ما يُثبِّت به قلبي ويزيد في بصـري. فلمَّا كان بعد سنين زرت قبر المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فبينا أنا (أُصلّي) في الروضة التي بين القبر والمنبر إذ غلبتني عيني، فإذا محرِّك يُحرِّكني، فاستيقظت فإذا أنا بالأسود، فقال: ما خبرك؟ وكيف كنت؟ فقلت: أحمد الله وأُذمِّك، فقال: لا تفعل فإنّي أُمرت بما خاطبتك به، وقد أدركت خيراً كثيراً، فطب نفساً وازدد من الشكر لله (عزَّ وجلَّ) ما أدركت وعاينت، ما فعل فلان؟ وسمّى بعض إخواني المستبصـرين، فقلت: ببرقة، فقال: صدقت، ففلان؟ وسمّى رفيقاً لي مجتهداً في العبادة، مستبصـراً في الديانة، فقلت: بالإسكندرية، حتَّى سمّى لي عدَّة من إخواني. ثمّ ذكر اسماً غريباً فقال: ما فعل نقفور؟ قلت: لا أعرفه، فقال: كيف تعرفه وهو رومي؟ فيهديه الله فيخرج ناصـراً من قسطنطينية. ثمّ سألني عن رجل آخر فقلت: لا أعرفه، فقال: هذا رجل من أهل هيت من أنصار مولاي (عليه السلام)، امض إلى أصحابك فقل لهم: نرجو أن يكون قد أذن الله في الانتصار للمستضعفين وفي الانتقام من الظالمين، ولقد لقيت جماعة من أصحابي وأدَّيت إليهم وأبلغتهم ما حُمِّلت وأنا منصـرف، وأُشير عليك أن لا تتلبَّس بما يثقل

(١٧)

به ظهرك، ويتعب به جسمك، وأن تُحبس نفسك على طاعة ربِّك، فإنَّ الأمر قريب إن شاء الله تعالى. فأمرت خازني فأحضر لي خمسين ديناراً، وسألته قبولها، فقال: يا أخي، قد حرَّم الله عليَّ أن آخذ منك ما أنا مستغنٍ عنه، كما أحلَّ لي أن آخذ منك الشـيء إذا احتجت إليه، فقلت له: هل سمع هذا الكلام منك أحد غيري من أصحاب السلطان؟ فقال: نعم (أخوك) أحمد بن الحسين الهمداني المدفوع عن نعمته بآذربيجان، وقد استأذن للحجِّ تأميلاً أن يلقى من لقيت، فحجَّ أحمد بن الحسين الهمداني (رحمه الله) في تلك السنة فقتله ذكرويه بن مهرويه، وافترقنا وانصـرفت إلى الثغر. ثمّ حججت فلقيت بالمدينة رجلاً اسمه طاهر من ولد الحسين الأصغر، يقال: إنَّه يعلم من هذا الأمر شيئاً، فثابرت عليه حتَّى أنس بي، وسكن لي ووقف على صحَّة عقيدتي، فقلت له: يا بن رسول الله، بحقِّ آبائك الطاهرين (عليهم السلام) لما جعلتني مثلك في العلم بهذا الأمر، فقد شهد عندي من توثِّقه بقصد القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب إيّاي لمذهبي واعتقادي، وأنَّه أغرى بدمي مراراً، فسلَّمني الله منه. فقال: يا أخي، أُكتم ما تسمع منّي الخبر في هذه الجبال، وإنَّما يرى العجائب الذين يحملون الزاد في الليل ويقصدون به مواضع يعرفونها، وقد نهينا عن الفحص والتفتيش، فودَّعته وانصرفت عنه(١٠٠).
١٧ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن عبد ربِّه الأنصاري الهمداني، عن أحمد بن عبد الله الهاشمي من ولد العبّاس، قال: حضـرت دار أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) بسُـرَّ من رأى يوم توفّي، وأُخرجت جنازته ووُضِعَت، ونحن تسعة وثلاثون رجلاً قعود ننتظر، حتَّى خرج إلينا غلام عشاري حافٍ، عليه رداء قد تقنَّع به. فلمَّا أن خرج قمنا هيبةً له من غير أن نعرفه، فتقدَّم وقام الناس فاصطفّوا خلفه، فصلّى عليه ومشى، فدخل بيتاً غير الذي خرج منه. قال أبو عبد الله الهمداني: فلقيت بالمراغة رجلاً من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) الغيبة: ٢٥٣ - ٢٥٧/ ح ٢٢٤.

(١٧)

أهل تبريز يُعرَف بإبراهيم بن محمّد التبريزي، فحدَّثني بمثل حديث الهاشمي لم يخرم منه شيء، قال: فسألت الهمداني فقلت: غلام عشاري القدّ أو عشاري السنّ؟ لأنَّه روي أنَّ الولادة كانت سنة ستّ وخمسين ومائتين، وكانت غيبة أبي محمّد (عليه السلام) سنة ستَّة ومائتين بعد الولادة بأربع سنين. فقال: لا أدري، هكذا سمعت، فقال لي شيخ معه حسن الفهم من أهل بلده له رواية وعلم: عشاري القدّ(١٠١).
١٨ - عنه(١٠٢)، عن علي بن عائذ الرازي، عن الحسن بن وجناء النصيبي، عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري، قال: كنت حاضراً عند المستجار بمكّة وجماعة زهاء ثلاثين رجلاً لم يكن منهم مخلص غير محمّد بن القاسم العلوي، فبينا نحن كذلك في اليوم السادس من ذي الحجَّة سنة ثلاث وتسعين ومائتين، إذ خرج علينا شاب من الطواف عليه إزاران فاحتجَّ محرم بهما، وفي يده نعلان. فلمَّا رأيناه قمنا جميعاً هيبةً له، ولم يبقَ منّا أحد إلَّا قام، فسلَّم علينا وجلس متوسِّطاً ونحن حوله، ثمّ التفت يميناً وشمالاً، ثمّ قال: (أتدرون ما كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول في دعاء الإلحاح؟)، قلنا: وما كان يقول؟ قال: (كان يقول: اللّهمّ إنّي أسألك باسمك الذي به تقوم السماء، وبه تقوم الأرض، وبه تُفرِّق بين الحقِّ والباطل، وبه تجمع بين المتفرِّق، وبه تُفرِّق بين المجتمع، وبه أحصيت عدد الرمال، وزنة الجبال، وكَيْلِ البحار، أن تُصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل لي من أمري فرجاً). ثمّ نهض ودخل الطواف، فقمنا لقيامه حتَّى انصرف، وأنسينا أن نذكر أمره، وأن نقول: من هو؟ وأيّ شـيء هو؟ إلى الغد في ذلك الوقت، فخرج علينا من الطواف، فقمنا له كقيامنا بالأمس، وجلس في مجلسه متوسِّطاً، فنظر يميناً وشمالاً وقال: (أتدرون ما كان يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد صلاة الفريضة؟)، فقلنا: وما كان يقول؟ قال: (كان يقول: إليك رُفِعَت الأصوات، [ودُعِيَت الدعوات، ولك] عنت الوجوه، ولك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) الغيبة: ٢٥٨ و٢٥٩/ ح ٢٢٦.
(١٠٢) جاء هذا الحديث في غيبة الطوسي بعد الحديث السابق مباشرةٌ وبلا فصل، ويظهر أنَّ الضمير في (عنه) يعود على (أحمد بن علي الرازي).

(١٧)

وُضِعَت الرقاب، وإليك التحاكم في الأعمال، يا خير من سُئِلَ، ويا خير من أعطي، يا صادق يا بارئ، يا من لا يخلف الميعاد، يا من أمر بالدعاء ووعد بالإجابة، يا من قال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠]، يا من قال: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويا من قال: (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [الزمر: ٥٣]، لبّيك وسعديك، ها أنا ذا بين يديك المسـرف، وأنت القائل: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾). ثمّ نظر يميناً وشمالاً - بعد هذا الدعاء -، فقال: (أتدرون ما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في سجدة الشكر؟)، فقلنا: وما كان يقول؟ قال: (كان يقول: يا من لا يزيده كثرة الدعاء إلَّا سعةً وعطاءً، يا من لا تنفد خزائنه، يا من له خزائن السماوات والأرض، يا من له خزائن ما دقَّ وجلَّ، لا تمنعك إساءتي من إحسانك، أنت تفعل بي الذي أنت أهله، (فإنَّك) أنت أهل الكرم والجود، والعفو والتجاوز، يا ربِّ، يا الله، لا تفعل بي الذي أنا أهله، فإنّي أهل العقوبة وقد استحققتها، لا حجَّة (لي) ولا عذر لي عندك، أبوء لك بذنوبي كلّها، وأعترف بها كي تعفو عنّي، وأنت أعلم بها منّي، أبوء لك بكلِّ ذنب أذنبته، وكلِّ خطيئة احتملتها، وكلِّ سيِّئة عملتها، ربِّ اغفر وارحم، وتجاوز عمَّا تعلم، إنَّك أنت الأعزّ الأكرم). وقام ودخل الطواف فقمنا لقيامه، وعاد من الغد في ذلك الوقت، فقمنا لإقباله كفعلنا فيما مضـى، فجلس متوسِّطاً، ونظر يميناً وشمالاً فقال: (كان عليُّ بن الحسين سيِّد العابدين (عليه السلام) يقول في سجوده في هذا الموضع - وأشار بيده إلى الحجر تحت الميزاب -: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك، يسألك ما لا يقدر عليه غيرك). ثمّ نظر يميناً وشمالاً، ونظر إلى محمّد بن القاسم من بيننا، فقال: (يا محمّد بن

(١٧)

القاسم أنت على خير إن شاء الله تعالى)، وكان محمّد بن القاسم يقول بهذا الأمر. ثمّ قام ودخل الطواف فما بقي منّا أحد إلَّا وقد أُلهم ما ذكره من الدعاء وأنسينا أن نتذاكر أمر إلَّا في آخر يوم. فقال لنا أبو عليّ المحمودي: يا قوم، أتعرفون هذا؟ هذا والله صاحب زمانكم، فقلنا: وكيف علمت يا أبا عليّ؟ فذكر أنَّه مكث سبع سنين يدعو ربَّه ويسأله معاينة صاحب الزمان (عليه السلام). قال: فبينا نحن يوماً عشية عرفة وإذا بالرجل بعينه يدعو بدعاء وعيته، فسألته ممَّن هو؟ فقال: (من الناس)، قلت: من أيِّ الناس؟ قال: (من عربها)، قلت: من أيِّ عربها؟ قال: (من أشرفها)، قلت : ومن هم؟ قال: (بنو هاشم)، قلت: [و]من أيِّ بنو هاشم؟ فقال: (من أعلاها ذروةً وأسناها)، قلت: ممَّن؟ قال: (ممَّن فلق الهام، وأطعم الطعام، وصلّى والناس نيام). قال: فعلمت أنَّه علوي، فأحببته على العلوية. ثمّ افتقدته من بين يدي، فلم أدر كيف مضـى، فسألت القوم الذين كانوا حوله: تعرفون هذا العلوي؟ قالوا: نعم، يحجُّ معنا في كلِّ سنة ماشياً، فقلت: سبحان الله، (والله) ما أرى به أثر مشـي، قال: فانصـرفت إلى المزدلفة كئيباً حزيناً على فراقه، ونمت من ليلتي تلك، فإذا أنا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقال: (يا أحمد، رأيت طلبتك؟)، فقلت: ومن ذاك يا سيِّدي؟ فقال: (الذي رأيته في عشيَّتك، (و)هو صاحب زمانك). قال: فلمَّا سمعنا ذلك منه عاتبناه أن لا يكون أعلمنا ذلك، فذكر أنَّه كان ينسى أمره إلى وقت ما حدَّثنا به(١٠٣).
١٩ - وأخبرنا جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن علي بن الحسين، عن رجل - ذكر أنَّه من أهل قزوين لم يذكر اسمه -، عن حبيب بن محمّد بن يونس بن شاذان الصنعاني، قال: دخلت إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، فسألته عن آل أبي محمّد (عليه السلام)، فقال: يا أخي، لقد سألت عن أمر عظيم، حججت عشـرين حجَّة كلًّا أطلب به عيان الإمام، فلم أجد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) الغيبة: ٢٥٩ - ٢٦٢/ ح ٢٢٧.

(١٧)

إلى ذلك سبيلاً، فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلاً يقول: يا عليّ بن إبراهيم، قد أذن الله لك في الحجِّ، فلم أعقل ليلتي حتَّى أصبحت، فأنا مفكِّر في أمري أرقب الموسم ليلي ونهاري. فلمَّا كان وقت الموسم أصلحت أمري، وخرجت متوجِّهاً نحو المدينة، فما زلت كذلك حتَّى دخلت يثرب فسألت عن آل أبي محمّد (عليه السلام)، فلم أجد له أثراً، ولا سمعت له خبراً، فأقمت مفكِّراً في أمري حتَّى خرجت من المدينة أُريد مكّة، فدخلت الجحفة، وأقمت بها يوماً، وخرجت منها متوجِّهاً نحو الغدير، وهو على أربعة أميال من الجحفة، فلمَّا أن دخلت المسجد صلَّيت وعفَّرت واجتهدت في الدعاء، وابتهلت إلى الله لهم، وخرجت أُريد عسفان، فما زلت كذلك حتَّى دخلت مكّة، فأقمت بها أيّاماً أطوف البيت واعتكفت. فبينا أنا ليلة في الطواف، إذا أنا بفتى حسن الوجه، طيِّب الرائحة، يتبختر في مشيته، طائف حول البيت، فحسَّ قلبي به، فقمت نحوه، فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟ فقلت: من أهل [العراق، فقال: من أيِّ] العراق؟ قلت: من الأهواز. فقال لي: تعرف بها الخصيب؟ فقلت: (رحمه الله)، دعي فأجاب، فقال: (رحمه الله)، فما كان أطول ليلته وأكثر تبتّله وأغزر دمعته، أفتعرف عليّ بن إبراهيم بن المازيار؟ فقلت: أنا عليّ بن إبراهيم. فقال: حيّاك الله أبا الحسن، ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)؟ فقلت: معي، قال: أخرجها، فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلمَّا أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه (بالدموع) وبكى منتحباً حتَّى بل أطماره، ثمّ قال: أُذِنَ لك الآن يا بن مازيار، صر إلى رحلك وكن على أُهبَّة من أمرك، حتَّى إذا لبس الليل جلبابه، وغمر الناس ظلامه، سر إلى شعب بني عامر، فإنَّك ستلقاني هناك. فسـرت إلى منزلي، فلمَّا أن أحسست بالوقت أصلحت رحلي، وقدمت راحلتي وعكمته شديداً، وحملت وصرت في متنه، وأقبلت مجدَّاً في السير حتَّى وردت الشعب، فإذا أنا بالفتى قائم ينادي: يا

(١٧)

أبا الحسن إليَّ. فما زلت نحوه، فلمَّا قربت بدأني بالسلام، وقال لي: سر بنا يا أخ، فما زال يُحدِّثني وأُحدِّثه حتَّى تخرَّقنا جبال عرفات، وسرنا إلى جبال منى، وانفجر الفجر الأوَّل، ونحن قد توسَّطنا جبال الطائف. فلمَّا أن كان هناك أمرني بالنزول، وقال لي: انزل فصل صلاة الليل، فصليت، وأمرني بالوتر فأوترت، وكانت فائدة منه، ثمّ أمرني بالسجود والتعقيب، ثمّ فرغ من صلاته وركب، وأمرني بالركوب وسار وسـرت معه حتَّى علا ذروة الطائف، فقال: هل ترى شيئاً؟ قلت: نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقَّد البيت نوراً. فلمَّا أن رأيته طابت نفسـي، فقال لي: هناك الأمل والرجاء، ثمّ قال: سـر بنا يا أخ، فسار وسـرت بمسيره، إلى أن انحدر من الذروة وسار في أسفله، فقال: انزل فهاهنا يذلُّ كلُّ صعب، ويخضع كلّ جبّار، ثمّ قال: خل عن زمام الناقة، قلت: فعلى من أخلفها؟ فقال: حرم القائم (عليه السلام)، لا يدخله إلَّا مؤمن، ولا يخرج منه إلَّا مؤمن، فخلَّيت من زمام راحلتي، وسار وسرت معه إلى أن دنا من باب الخباء، فسبقني بالدخول وأمرني أن أقف حتَّى يخرج إليَّ. ثمّ قال لي: أُدخل هنَّأك السلامة، فدخلت فإذا أنا به جالس قد اتَّشح ببردة واتَّزر بأُخرى، وقد كسـر بردته على عاتقه، وهو كأُقحوانة أرجوان قد تكاثف عليها الندى، وأصابها ألم الهوى، وإذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان، سمح سخي تقي نقي، ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدوِّر الهامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدَّين، على خدِّه الأيمن خال كأنَّه فتات مسك على رضراضة عنبر. فلمَّا أن رأيته بدرته بالسلام، فردَّ عليَّ أحسن ما سلَّمت عليه، وشافهني وسألني عن أهل العراق، فقلت: سيِّدي قد ألبسوا جلباب الذلَّة، وهم بين القوم أذلّاء، فقال لي: (يا بن المازيار، لتملكونهم كما ملكوكم، وهم يومئذٍ أذلّاء)، فقلت: سيِّدي لقد بعد الوطن وطال المطلب، فقال: (يا بن المازيار، (أبي) أبو محمّد عهد إليَّ أن لا أُجاور

(١٧)

قوماً غضب الله عليهم (ولعنهم) ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم، وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلَّا وعرها، ومن البلاد إلى عفرها، والله مولاكم أظهر التقيَّة فوكَّلها بي، فأنا في التقيَّة إلى يوم يُؤذَن لي فأخرج)، فقلت: يا سيِّدي، متى يكون هذا الأمر؟ فقال: (إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، واجتمع الشمس والقمر، واستدار بهما الكواكب والنجوم)، فقلت: متى يا بن رسول الله؟ فقال لي: (في سنة كذا وكذا تخرج دابَّة الأرض (من) بين الصفا والمروة، ومعه عصا موسى وخاتم سليمان، يسوق الناس إلى المحشـر)، قال: فأقمت عنده أيّاماً، وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسـي، وخرجت نحو منزلي، والله لقد سرت من مكّة إلى الكوفة ومعي غلام يخدمني فلم أرَ إلَّا خيراً، وصلّى الله على محمّد وآله وسلَّم تسليماً(١٠٤).
٢٠ - أحمد بن علي الرازي، عن أبي ذر أحمد بن أبي سورة - وهو محمّد بن الحسن بن عبد الله التميمي، وكان زيدياً -، قال: سمعت هذه الحكاية عن جماعة يروونها عن أبي (رحمه الله)، أنَّه خرج إلى الحير قال: فلمَّا صرت إلى الحير إذا شاب حسن الوجه يُصلّي، ثمّ إنَّه ودَّع وودَّعت وخرجنا، فجئنا إلى المشرعة، فقال لي: (يابا سورة أين تريد؟)، فقلت: الكوفة، فقال لي: (مع من؟)، قلت: مع الناس، قال لي: (لا تريد نحن جميعاً نمضـي)، قلت: ومن معنا؟ فقال: (ليس نريد معنا أحداً)، قال: فمشينا ليلتنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة، فقال لي: (هو ذا منزلك، فإن شئت فامض)، ثمّ قال لي: (تمر إلى ابن الزراري عليّ بن يحيى فتقول له يعطيك المال الذي عنده)، فقلت له: لا يدفعه إليَّ، فقال لي: (قل له: بعلامة أنَّه كذا وكذا ديناراً وكذا وكذا درهماً، وهو في موضع كذا وكذا، وعليه كذا وكذا مغطّى)، فقلت له: ومن أنت؟ قال: (أنا محمّد بن الحسن)، قلت: فإن لم يقبل منّي وطولبت بالدلالة؟ فقال: (أنا وراك)، قال: فجئت إلى ابن الزراري، فقلت له فدفعني، فقلت له [العلامات التي قال لي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) الغيبة: ٢٦٣ - ٢٦٧/ ح ٢٢٨.

(١٧)

وقلت له]: قد قال لي: أنا وراك، فقال: ليس بعد هذا شـيء، وقال: لم يعلم بهذا إلَّا الله تعالى. ودفع إليَّ المال(١٠٥).
٢١ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن عبد الله بن محمّد بن خاقان الدهقان، عن أبي سليمان داد بن غسّان البحراني، قال: قرأت على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، قال: مولد محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين. وُلِدَ (عليه السلام) بسامراء سنة ستّ وخمسين ومائتين، أُمُّه صقيل، ويُكنّى أبا القاسم، بهذه الكنية أوصى النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: (اسمه كاسمي وكنيته كنيتي)، لقبه المهدي، وهو الحجَّة، وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان (عليه السلام)، قال إسماعيل بن عليّ: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد - وكان الخادم أسود نوبياً قد خدم من قبله عليّ بن محمّد وهو ربّى الحسن (عليه السلام) -، فقال [له]: (يا عقيد، اغل لي ماءً بمصطكي)، فأغلى له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية أُمّ الخلف (عليه السلام)، فلمَّا صار القدح في يديه، وهمَّ بشـربه، فجعلت يده ترتعد حتَّى ضرب القدح ثنايا الحسن (عليه السلام)، فتركه من يده ، وقال لعقيد: (أُدخل البيت فإنَّك ترى صبيّاً ساجداً فأتني به). قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى، فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبّابته نحو السماء، فسلَّمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت: إنَّ سيِّدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أُمُّه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السلام). قال أبو سهل: فلمَّا مثل الصبي بين يديه سلَّم، وإذا هو درّي اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلمَّا رآه الحسن (عليه السلام) بكى وقال: (يا سيِّد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهب إلى ربّي)، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثمّ حرَّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمَّا شربه قال: (هيِّئوني للصلاة)، فطرح في حجره منديل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) الغيبة: ٢٦٩/ ح ٢٣٤.

(١٧)

فوَّضأه الصبي واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه. فقال له أبو محمّد (عليه السلام): (أبشـر يا بنيَّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجَّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي، وأنا ولدتك، وأنت محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام). ولدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنت خاتم [الأوصياء] الأئمَّة الطاهرين، وبشَّـر بك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إليَّ أبي عن آبائك الطاهرين، صلّى الله على أهل البيت ربّنا، إنَّه حميد مجيد)، ومات الحسن بن عليّ من وقته صلوات الله عليهم أجمعين(١٠٦).
٢٢ - عنه(١٠٧)، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي، قال: حدَّثني الحسين بن محمّد بن عامر الأشعري القمّي، قال: حدَّثني يعقوب بن يوسف الضـرّاب الغسّاني - في منصـرفه من أصفهان -، قال: حججت في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وكنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا. فلمَّا قدمنا مكّة تقدَّم بعضهم فاكترى لنا داراً في زقاق بين سوق الليل، وهي دار خديجة (عليها السلام) تُسمّى دار الرضا (عليه السلام)، وفيها عجوز سمراء، فسألتها - لـمَّا وقفت على أنَّها دار الرضا (عليه السلام)-: ما تكونين من أصحاب هذه الدار؟ ولِـمَ سُمّيت دار الرضا؟ فقالت: أنا من مواليهم، وهذه دار الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)، أسكنيها الحسن بن علي (عليهما السلام)، فإنّي كنت من خدمه. فلمَّا سمعت ذلك منها آنست بها، وأسررت الأمر عن رفقائي المخالفين، فكنت إذا انصـرفت من الطواف بالليل أنام معهم في رواق في الدار، ونُغلِق الباب ونُلقي خلف الباب حجراً كبيراً كنّا ندير خلف الباب. فرأيت غير ليلة ضوء السـراج في الرواق الذي كنّا فيه شبيهاً بضوء المشعل، ورأيت الباب قد انفتح، ولا أرى أحداً فتحه من أهل الدار، ورأيت رجلاً ربعة أسمر إلى الصفرة ما هو قليل اللحم، في وجهه سجادة، عليه قميصان وإزار رقيق قد تقنَّع به، وفي رجله نعل طاق، فصعد إلى الغرفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٦) الغيبة: ٢٧١ - ٢٧٣/ ح ٢٣٧.
(١٠٧) أي عن (أحمد بن علي الرازي) كما يظهر من الحديث السابق عليه.

(١٧)

في الدار حيث كانت العجوز تسكن، وكانت تقول لنا: إنَّ في الغرفة ابنة لا تدع أحداً يصعد إليها، فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضـيء في الرواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها، ثمّ أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه، وكان الذين معي يرون مثل ما أرى، فتوهَّموا أن يكون هذا الرجل يختلف إلى ابنة العجوز، وأن يكون قد تمتَّع بها، فقالوا: هؤلاء العلوية يرون المتعة، وهذا حرام لا يحلُّ، فيما زعموا. وكنّا نراه يدخل ويخرج ونجيء إلى الباب وإذا الحجر على حاله الذي تركناه، وكنّا نُغلِق هذا الباب خوفاً على متاعنا، وكنّا لا نرى أحداً يفتحه ولا يغلقه، والرجل يدخل ويخرج والحجر خلف الباب إلى وقت نُنحّيه إذا خرجنا. فلمَّا رأيت هذه الأسباب ضـرب على قلبي، ووقعت في قلبي فتنة، فتلطَّفت العجوز، وأحببت أن أقف على خبر الرجل، فقلت لها: يا فلانة، إنّي أُحِبُّ أن أسألكِ وأُفاوضكِ من غير حضور من معي فلا أقدر عليه، فأنا أُحِبُّ إذا رأيتني في الدار وحدي أن تنزلي إليَّ لأسألكِ عن أمر، فقالت لي مسرعة: وأنا أُريد أن أسـرَّ إليك شيئاً فلم يتهيَّأ لي ذلك من أجل من معك، فقلت: ما أردت أن تقولي؟ فقالت: يقول لك - ولم تذكر أحداً -: (لا تخاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاحهم، فإنَّهم أعداؤك ودارهم)، فقلت لها: من يقول؟ فقالت: أنا أقول ، فلم أجسـر لما دخل قلبي من الهيبة أن أُراجعها، فقلت: أيّ أصحابي تعنين؟ فظننت أنَّها تعني رفقائي الذين كانوا حجّاجاً معي، قالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك. وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدار عنت في الدين، فسعوا بي حتَّى هربت واستترت بذلك السبب فوقفت على أنَّها عنت أُولئك، فقلت لها: ما تكونين أنت من الرضا؟ فقالت: كنت خادمة للحسن بن عليّ (عليهما السلام)، فلمَّا استيقنت ذلك قلت: لأسألنَّها عن الغائب (عليه السلام)، فقلت: بالله عليكِ رأيته بعينك؟ فقالت: يا أخي، لم أرَه بعيني، فإنّي خرجت وأُختي حبلى وبشَّـرني الحسن بن

(١٨)

عليّ (عليهما السلام) بأنّي سوف أراه في آخر عمري، وقال لي: (تكونين له كما كنت لي)، وأنا اليوم منذ كذا بمصـر، وإنَّما قدمت الآن بكتابة ونفقة وجَّه بها إليَّ على يدي رجل من أهل خراسان لا يفصح بالعربية، وهي ثلاثون ديناراً، وأمرني أن أحجَّ سُنَّتي هذه، فخرجت رغبةً منّي في أن أراه، فوقع في قلبي أنَّ الرجل الذي كنت أراه يدخل ويخرج هو هو. فأخذت عشرة دراهم صحاحاً، فيها ستَّة رضوية من ضرب الرضا (عليه السلام) قد كنت خبَّأتها لألقيها في مقام إبراهيم (عليه السلام)، وكنت نذرت ونويت ذلك، فدفعتها إليها، وقلت في نفسـي أدفعها إلى قوم من ولد فاطمة (عليها السلام) أفضل ممَّا ألقيها في المقام وأعظم ثواباً، فقلت لها: ادفعي هذه الدراهم إلى من يستحقّها من ولد فاطمة (عليها السلام)، وكان في نيَّتي أنَّ الذي رأيته هو الرجل، وإنَّما تدفعها إليه، فأخذت الدراهم وصعدت وبقيت ساعة ثمّ نزلت، فقالت: يقول لك: (ليس لنا فيها حقّ، اجعلها في الموضع الذي نويت، ولكن هذه الرضوية خذ منّا بدلها وألقها في الموضع الذي نويت)، ففعلت، وقلت في نفسـي: الذي أُمرت به عن الرجل. ثمّ كان معي نسخة توقيع خرج إلى القاسم بن العلاء بآذربيجان، فقلت لها: تعرضين هذه النسخة على إنسان قد رأى توقيعات الغائب، فقالت: ناولني فإنّي أعرفها، فأريتها النسخة، وظننت أنَّ المرأة تُحسِن أن تقرأ، فقالت: لا يمكنني أن أقرأ في هذا المكان، فصعدت الغرفة ثمّ أنزلته، فقالت: صحيح، وفي التوقيع: (أُبشِّـركم ببشـرى ما بشَّـرت به (إيّاه))، وغيره. ثمّ قالت: يقول لك: (إذا صلَّيت على نبيِّك (صلّى الله عليه وآله وسلم) كيف تُصلّي (عليه)؟)، فقلت: أقول: اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وآل محمّد، كأفضل ما صلَّيت وباركت وترحَّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميد مجيد. فقال: (لا، إذا صلَّيت عليهم فصلِّ عليهم كلّهم وسمِّهم)، فقلت: نعم، فلمَّا كانت من الغد نزلت ومعها دفتر صغير، فقالت: يقول لك: (إذا صلَّيت على النبيِّ فصلِّ عليه وعلى أوصيائه على هذه النسخة)، فأخذتها وكنت

(١٨)

أعمل بها، ورأيت عدَّة ليال قد نزل من الغرفة وضوء السـراج قائم. وكنت أفتح الباب وأخرج على أثر الضوء وأنا أراه - أعني الضوء - ولا أرى أحد حتَّى يدخل المسجد، وأرى جماعة من الرجال من بلدان شتّى يأتون باب هذه الدار، فبعضهم يدفعون إلى العجوز رقاعاً معهم، ورأيت العجوز قد دفعت إليهم كذلك الرقاع فيُكلِّمونها وتُكلِّمهم ولا أفهم عنهم، ورأيت منهم في منصـرفنا جماعة في طريقي إلى أن قدمت بغداد.
نسخة الدفتر الذي خرج: (بسم الله الرحمن الرحيم ، اللّهمّ صلِّ على محمّد سيِّد المرسلين، وخاتم النبيّين، وحجَّة ربِّ العالمين، المنتجب في الميثاق، المصطفى في الظلال، المطهَّر من كلِّ آفة، البريء من كلِّ عيب، المؤمَّل للنجاة، المرتجى للشفاعة، المفوَّض إليه دين الله. اللّهمّ شـرِّف بنيانه، وعظِّم برهانه، وأفلج حجَّته، وارفع درجته، وأضئ نوره، وبيِّض وجهه، وأعطه الفضل والفضيلة، والدرجة والوسيلة الرفيعة، وابعثه مقاماً محموداً، يغبطه به الأوَّلون والآخرون. وصلِّ على أمير المؤمنين، ووارث المرسلين، وقائد الغرِّ المحجَّلين، وسيِّد الوصيّين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على الحسين بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على عليّ بن الحسين إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على جعفر بن محمّد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ

(١٨)

العالمين. وصلِّ على موسى بن جعفر إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على عليّ بن موسى إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على عليّ بن محمّد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. وصلِّ على الخلف الصالح الهادي المهدي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجَّة ربِّ العالمين. اللّهمّ صلِّ على محمّد وأهل بيته الأئمَّة الهادين المهديين، العلماء الصادقين، الأبرار المتَّقين، دعائم دينك، وأركان توحيدك، وتراجمة وحيك، وحججك على خلقك، وخلفائك في أرضك، الذين اخترتهم لنفسك، واصطفيتهم على عبادك، وارتضيتهم لدينك، وخصصتهم بمعرفتك، وجلَّلتهم بكرامتك، وغشيتهم برحمتك، وربَّيتهم بنعمتك، وغذَّيتهم بحكمتك، وألبستهم نورك، ورفعتهم في ملكوتك، وحففتهم بملائكتك، وشرَّفتهم بنبيِّك. اللّهمّ صلِّ على محمّد وعليهم صلاةً كثيرةً دائمةً طيِّبةً، لا يحيط بها إلَّا أنت، ولا يسعها إلَّا علمك، ولا يحصيها أحد غيرك. اللّهمّ صلِّ على وليِّك المحيي سُنَّتك، القائم بأمرك، الداعي إليك، الدليل عليك، وحجَّتك على خلقك، وخليفتك في أرضك، وشاهدك على عبادك. اللّهمّ أعزّ نصـره، ومُدَّ في عمره، وزيِّن الأرض بطول بقائه. اللّهمّ اكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شـرِّ الكائدين، وادحر عنه إرادة الظالمين. وتخلَّصه من أيدي الجبّارين. اللّهمّ أعطه في نفسه وذرّيته وشيعته ورعيَّته وخاصَّته وعامَّته وعدوِّه وجميع أهل الدنيا ما تقرُّ به عينه، وتسـرُّ به نفسه، وبلِّغه أفضل أمله في الدنيا والآخرة، إنَّك على كلِّ شـيء قدير. اللّهمّ جدِّد به ما محي من دينك، وأحي به ما بُدِّل من كتابك، وأظهر به ما غُيِّر من حكمك، حتَّى يعود دينك به وعلى يديه غضّاً جديداً خالصاً مخلصاً لا شكَّ فيه ولا شبهة معه، ولا باطل عنده، ولا بدعة لديه. اللّهمّ نوِّر بنوره كلَّ ظلمة، وهدَّ بركنه كلَّ بدعة، وأهدم بعزَّته كلَّ ضلالة، وأقصم به كلَّ جبّار، وأخمد بسيفه كلَّ نار، وأهلك بعدله كلَّ جبّار، وأجر حكمه على كلِّ حكم، وأذل لسلطانه كلَّ سلطان. اللّهمّ أذل كلَّ من ناواه، وأهلك كلَّ من عاداه، وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقَّه، واستهان بأمره، وسعى في

(١٨)

إطفاء نوره، وأراد إخماد ذكره. اللّهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضـى، وفاطمة الزهراء، (و)الحسن الرضا، والحسين المصطفى، وجميع الأوصياء، مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، ومنار التقى، والعروة الوثقى، والحبل المتين، والصـراط المستقيم، وصلِّ على وليِّك وولاة عهده، والأئمَّة من ولده، ومُدَّ في أعمارهم، وأزد في آجالهم، وبلِّغهم أقصـى آمالهم [ديناً] دنياً وآخرةً، إنَّك على كلِّ شـيء قدير)(١٠٨).
٢٣ - أخبرني جماعة، عن أبي محمّد التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن الحسين بن علي القمّي، قال: حدَّثني محمّد بن علي بن بنان الطلحي الآبي، عن علي بن محمّد بن عبدة النيسابوري، قال: حدَّثني علي بن إبراهيم الرازي، قال: حدَّثني الشيخ الموثوق به بمدينة السلام، قال: تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في الخلف، فذكر ابن أبي غانم أنَّ أبا محمّد (عليه السلام) مضـى ولا خلف له، ثمّ إنَّهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطِّه عليه وعلى آبائه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإيّاكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب. إنَّه أُنهي إليَّ ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشكِّ والحيرة في ولاة أُمورهم، فغمَّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنَّ الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنائع ربّنا، والخلق بعد صنائعنا. يا هؤلاء! ما لكم في الريب تتردَّدون، وفي الحيرة تنعكسون؟ أوَما سمعتم الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ أوَما علمتم ما جاء ت به الآثار ممَّا يكون ويحدث في أئمَّتكم عن الماضين والباقين منهم (عليهم السلام)؟ أوَما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن ظهر الماضـي (عليه السلام)، كلَّما غاب علم بداً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) الغيبة: ٢٧٣ - ٢٨١/ ح ٢٣٨.

(١٨)

علم، وإذا أفل نجم طلع نجم؟ فلمَّا قبضه الله إليه ظننتم أنَّ الله تعالى أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلَّا ما كان ذلك ولا يكون حتَّى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله سبحانه وهم كارهون. وإنَّ الماضـي (عليه السلام) مضـى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه (عليهم السلام) حذو النعل بالنعل، وفينا وصيَّته وعلمه، ومن هو خلفه ومن هو يسدُّ مسدَّه، لا ينازعنا موضعه إلَّا ظالم آثم، ولا يدَّعيه دوننا إلَّا جاحد كافر، ولولا أنَّ أمر الله تعالى لا يُغلَب، وسـرُّه لا يظهر ولا يُعلَن، لظهر لكم من حقّنا ما تبين منه عقولكم، ويزيل شكوككم، لكنَّه ما شاء الله كان، ولكلِّ أجل كتاب. فاتَّقوا الله وسلِّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غُطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى الشمال، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودَّة على السُّنَّة الواضحة، فقد نصحت لكم، والله شاهد عليَّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبَّة صلاحكم ورحمتكم، والإشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغل فيما قد امتحنّا به من منازعة الظالم العتل الضالّ المتتابع في غيِّه، المضادّ لربِّه، الداعي ما ليس له، الجاحد حقَّ من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب. وفي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لي أُسوة حسنة، وسيردي الجاهل رداءة عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، عصمنا الله وإيّاكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلّها برحمته، فإنَّه وليُّ ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على محمّد وآله وسلَّم تسليماً)(١٠٩).
٢٤ - وبهذا الإسناد، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله الأشعري، قال: حدَّثنا الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري (رحمه الله)، أنَّه جاءه بعض أصحابنا يُعلِمه أنَّ جعفر بن علي كتب إليه كتاباً يُعرِّفه فيه نفسه، ويُعلِمه أنَّه القيّم بعد أخيه، وأنَّ عنده

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) الغيبة: ٢٨٥ - ٢٨٧/ ح ٢٤٥.

(١٨)

من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلّها. قال أحمد بن إسحاق: فلمَّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، وصيَّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إليَّ في ذلك: (بسم الله الرحمن الرحيم، أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذته درجه وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمَّنه على اختلاف ألفاظه، وتكرّر الخطأ فيه، ولو تدبَّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله ربِّ العالمين، حمداً لا شريك له على إحسانه إلينا، وفضله علينا، أبى الله (عزَّ وجلَّ) للحقِّ إلَّا إتماماً، وللباطل إلَّا زهوقاً، وهو شاهد عليَّ بما أذكره، وليٌّ عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه ويسألنا عمَّا نحن فيه مختلفون، إنَّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمَّة، وسأُبيِّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله تعالى. يا هذا، يرحمك الله، إنَّ الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً، ثمّ بعث إليهم النبيّين (عليهم السلام) مبشِّـرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتاباً، وبعث إليهم ملائكة يأتين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة. فمنهم من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتَّخذه خليلاً، ومنهم من كلَّمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، ومنهم من علَّمه منطق الطير وأُوتي من كلِّ شـيء، ثمّ بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلم) رحمةً للعالمين، وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافَّة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن من آياته وعلاماته ما بيَّن. ثمّ قبضه (صلّى الله عليه وآله وسلم) حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر [من] بعده إلى أخيه وابن عمِّه ووصيِّه ووارثه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ إلى الأوصياء

(١٨)

من ولده واحداً واحداً، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاناً بيِّناً يُعرَف به الحجَّة من المحجوج، والإمام من المأموم. بأن عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من العيوب، وطهَّرهم من الدنس، ونزَّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سـرِّه، وأيَّدهم بالدلائل، ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادَّعى أمر الله (عزَّ وجلَّ) كلُّ أحد، ولما عُرِفَ الحقُّ من الباطل، ولا العالم من الجاهل. وقد ادَّعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادَّعاه، فلا أدري بأيَّة حالة هي له رجاء أن يتمَّ دعواه، أبفقه في دين الله، فوَالله ما يعرف حلالاً من حرام، ولا يُفرِّق بين خطأ وصواب، أم بعلم فما يعلم حقَّاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حدَّ الصلاة ووقتها، أم بورع فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعلَّ خبره قد تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله (عزَّ وجلَّ) مشهورة قائمة، أم بآية فليأتِ بها، أم بحجَّة فليقمها، أو بدلالة فليذكرها. قال الله (عزَّ وجلَّ) في كتابه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١ - ٦]، فالتمس تولّى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه وسله عن آية من كتاب الله يُفسِّـرها،

(١٨)

أو صلاة فريضة يُبيِّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه. حفظ الله الحقَّ على أهله، وأقرَّه في مستقرِّه، وقد أبى الله (عزَّ وجلَّ) أن تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحقُّ، واضمحلَّ الباطل، وانحسـر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد)(١١٠).
٢٥ - أخبرني جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن الحسين بن علي، عن أبي الحسن البلخي، عن أحمد بن مابندار الإسكافي، عن العلاء النداري، عن الحسن بن شمون، قال: قرأت هذه الرسالة على علي بن مهزيار، عن أبي جعفر الثاني بخطِّه: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي أحسن الله جزاك، وأسكنك جنَّته، ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة، وحشـرك الله معنا. يا علي، قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة، والتوقير والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: إنّي لم أرَ مثلك لرجوت أن أكون صادقاً، فجزاك الله جنّات الفردوس نزلاً، فما خفي عليَّ مقامك ولا خدمتك في الحرِّ والبرد، في الليل والنهار، فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تُغتَبط بها، إنَّه سميع الدعاء)(١١١).
٢٦ - روى أحمد بن علي الرازي، عن علي بن مخلد الإيادي، قال: حدَّثني أبو جعفر العمري (رضي الله عنه) قال: حجَّ أبو طاهر بن بلال، فنظر إلى عليّ بن جعفر، وهو ينفق النفقات العظيمة، فلمَّا انصرف كتب بذلك إلى أبي محمّد (عليه السلام) فوقَّع في رقعته: (قد كنّا أمرنا له بمائة ألف دينار، ثمّ أمرنا له بمثلها، فأبى قبوله إبقاءً علينا، ما للناس والدخول في أمرنا فيما لم نُدخِلهم فيه؟)، قال: ودخل على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فأمر له بثلاثين ألف دينار(١١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) الغيبة: ٢٨٧ - ٢٩٠/ ح ٢٤٦.
(١١١) الغيبة: ٣٤٩/ ح ٣٠٦.
(١١٢) الغيبة: ٣٥٠/ ح ٣٠٨.

(١٨)

٢٧ - وأخبرني جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن عثمان بن أحمد السمّاك، عن إبراهيم بن عبد الله الهاشمي، عن يحيى بن أبي طالب، عن علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا تقوم الساعة حتَّى يخرج نحو من ستّين كذّاباً كلّهم يقول: أنا نبيٌّ)(١١٣).
٢٨ - أحمد بن علي الرازي، عن المقانعي، عن بكار بن أحمد، عن حسن بن حسين، عن عبد الله بن بكير، عن عبد الملك بن إسماعيل الأسدي، عن أبيه، قال: حدَّثني سعيد بن جبير، قال: السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر أربعاً وعشرين مطرة يُرى أثرها وبركتها(١١٤).
٢٩ - أحمد بن علي الرازي، عن محمّد بن إسحاق المقرئ، عن المقانعي، عن بكار، عن إبراهيم بن محمّد، عن جعفر بن سعيد الأسدي، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (عام أو سنة الفتح ينشقُّ الفرات حتَّى يدخل أزقَّة الكوفة)(١١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) الغيبة: ٤٣٤/ ح ٤٢٤.
(١١٤) الغيبة: ٤٤٣/ ح ٤٣٥.
(١١٥) الغيبة: ٤٥١/ ح ٤٥٦.

(١٨)

 

 

المنقذ العالمي في المسيحية

 

 

د.علي الشيخ

 

تُعتَبر عقيدة مجيء المصلح العالمي في آخر الزمان من العقائد المشتركة بين الأديان السماوية، حيث يُعتَبر هذا المنجي أمل المؤمنين في هذه الأديان، وسيقوم عند ظهوره بنشـر المحبَّة والعدل في أرجاء الأرض، ويُطهِّرها من براثن الشرك والظلم والعدوان.
ومع أنَّ هذه العقيدة يتَّفق عليها أصحاب الديانات التوحيدية الثلاث، إلَّا أنَّ هناك اختلافاً في تفاصيل وجزئيات هذه العقيدة من دين لآخر، فكلُّ دين يذكر له علامات وأمارات وما سيفعله أثناء مجيئه، وكيفية محاربته للظالمين والكفرة وتحقيق رجاء وأمل أتباعه.
وعقيدة الرجاء المبارك أو عقيدة المجيء الثاني في المسيحية قريبة من عقيدة انتظار الموعود في الإسلام، وهي تعني ترقّب ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان يقود الشعوب والأُمم نحو الإيمان والصلاح والعدل، فالمسيحيون ينتظرون بشوق كبير المجيء الثاني للمسيح (عليه السلام) الذي تناقلت أخباره أسفار العهد الجديد، وستكون بعد مجيئه الدينونة(١) والقيامة، وفي هذا البحث سنُسلِّط الضوء باختصار على عقيدة الرجاء المبارك وفق الرؤية المسيحية، ومع أنَّه لا يمكن تناول هذه العقيدة في المسيحية بكلِّ جوانبها ببحث مختصر كهذا، لذا سأُشير إلى أهمّ المرتكزات الأساسية لهذه العقيدة عبر نقاط ثلاث:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الدينونة: هو يوم الربّ، ويشار به إلى الأزمنة الأخيرة، وهو اليوم الذي يعلن فيه يهوه ذاته.

(١٩)

النقطة الأولى: الأدلّة على مجيء المنجي في المسيحية:
يعتقد المسيحيون أنَّ المسيح (عليه السلام) سيعود في آخر الزمان، وتُسمّى هذه العقيدة في المسيحية (الرجاء المبارك)(٢)، ويستدلُّ عليها النصارى بنصوص كثيرة من الكتاب المقدَّس وبالخصوص أسفار العهد الجديد، ولهم آراء ونظريات وفقاً للتفاسير المختلفة بين علماء الكتاب المقدَّس حول تلك النصوص، ومن تلك الآيات:
١ - تحدَّث سفر أعمال الرسل عن كيفية صعود المسيح (عليه السلام) إلى السماء، وذكر البشارة بمجيئه ثانيةً في آخر الزمان، يقول كاتب السفر: (وَلَـمَّا قَالَ هَذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ وَقَالاَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الجَلِيلِيُّونَ مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ)(٣).
٢ - ويتحدَّث المسيح عن مجيئه أيضاً مع تلاميذه وحواريه في إنجيل متّى حيث يقول: (وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هَذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ: انْظُرُوا لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ المَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ...، وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلَامَةُ ابِنِ الْإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ، وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرِضِ وَيَبْصُرُونَ ابِنَ الْإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ)(٤).
٣ - يذكر مرقس في إنجيله حول مجيء المسيح الثاني في حواره مع تلاميذه وهو قريب ممَّا نقله متّى في إنجيله، فيقول نقلاً عن عيسى (عليه السلام): (وَأَمَّا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ الضِّيقِ فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَنُجُومُ السَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ، وَالْقُوَّاتُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ)(٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) الرجاء المبارك ورد في رسالة بولس الرسول إلى تيطس: ٢ - ١٣: (منتظرين الرجاء المبارك لظهور مجد الله العظيم ومخلِّصنا يسوع المسيح).
(٣) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر أعمال الرسل ١: ٩ - ١١.
(٤) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل متّى ٢٤: ٣٠.
(٥) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل مرقس ١٣: ٢٤ - ٢٦.

(١٩)

٤ - وفي سفر رؤيا يوحنّا يذكر: (هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، نَعَمْ آمِينَ)(٦).
وقد جاء في تفسير إنجيل مرقس ما نصّه: (في أعظم الضيق، عندما يزداد الشـرّ ويصل إلى ذروته، يقترب المسيح من العالم، وتراه كلُّ عين، وكما ارتفع سابقاً من الأرض سيرجع مكشوفاً لكلِّ أعين البشـر، فهو سيرجع بذات الطريقة الشخصية التي فارقهم بها، أي أكثر من مجرَّد رجوع روحي)(٧).
وإنَّ تاريخ البشـرية لا ينتهي إلَّا بعد مجيء المسيح (عليه السلام)، فيُصـرِّحون بأنَّ: (تاريخ العالم سينتهي بمجيئه الثاني في مجد وجلال ليعلن قوَّته الإلهية وسلطانه فوق كلّ قوات الظلمة)(٨).
وقد ورد في الروايات الإسلاميَّة أيضاً حقيقة مجيء المسيح (عليه السلام) بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ومنها ما ورد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)(٩)، وأيضاً يصف النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) نزول عيسى (عليه السلام) بقوله: (فبينما هو كذلك، إذ هبط عيسى بن مريم (عليه السلام) بشـرقي دمشق، عند المنارة البيضاء، بين مهرودتين(١٠)، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمال كاللؤلؤ...، فيطلبه - أي الدجّال - حتَّى يدركه بباب لِدٍّ فيقتله)(١١).
النقطة الثانية: العلامات قبل مجيء المسيح (عليه السلام):
أشارت أسفار العهد الجديد إلى علامات وآيات كثيرة تدلُّ على قرب مجيء المسيح (عليه السلام)، وقد أخبر كما تنقل الأناجيل عن بعض تلك الأحداث والعلامات، التي هي مقدَّمات لمجيئه، ومن تلك العلامات:
أوَّلاً: كثرة الحروب والمجاعة والزلازل:
يقول لوقا في إنجيله نقلاً عن المسيح (عليه السلام) حول هذه العلامة: (فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِلٍ فَلاَ تَجْزَعُوا لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلاً، وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر رؤيا يوحنّا ١: ٧.
(٧) تفسير إنجيل مرقس: ١٥٨.
(٨) قاموس الكتاب المقدَّس: ٨٦٩.
(٩) صحيح البخاري ٤: ٢٠٥.
(١٠) أي غيمتين ملوَّنتين.
(١١) يوم الخلاص: ٢٨٩.

(١٩)

 المُنْتَهَى سَرِيعاً، ثُمَّ قَالَ لَهمْ: تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ، وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ)(١٢).
ثانياً: خراب الهيكل (١٣):
وهي أيضاً من العلامات التي أشار إليها المسيح (عليه السلام) قبل مجيئه، حيث يقول متّى في إنجيله: (ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَـى مِنَ الهَيْكَلِ فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الهَيْكَلِ. فَقَالَ لهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هَذِهِ؟ اَلحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ هَهُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ)(١٤).
ثالثاً: معركة هَرْمَجِدُّون:
وهي من أهمّ وأخطر العلامات التي تسبق المجيء الثاني للمسيح (عليه السلام)، كما يعتقد النصارى، وقد أشار سفر رؤيا يوحنّا إلى هذه المعركة، بقوله: (وَسَمِعْتُ صَوْتاً عَظِيماً مِنَ الهَيْكَلِ قَائِلاً لِلسَّبْعَةِ المَلاَئِكَةِ: امْضُوا وَاسْكُبُوا جَامَاتِ غَضَبِ اللهِ عَلَى الأَرْضِ...، ثُمَّ سَكَبَ المَلاَكُ السَّادِسُ جَامَهُ عَلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ الْفُرَاتِ، فَنَشِفَ مَاؤُهُ لِكَيْ يُعَدَّ طَرِيقُ المُلُوكِ الَّذِينَ مِنْ مَشْـرِقِ الشَّمْسِ. وَرَأَيْتُ مِنْ فَمِ التِّنِّينِ، وَمِنْ فَمِ الْوَحْشِ، وَمِنْ فَمِ النَّبِيِّ الْكَذَّابِ، ثَلاَثَةَ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ شِبْهَ ضَفَادِعَ، فَإِنَّهُمْ أَرْوَاحُ شَيَاطِينَ صَانِعَةٌ آيَاتٍ، تَخْرُجُ عَلَى مُلُوكِ الْعَالَمِ وَكُلِّ المَسْكُونَةِ لِتَجْمَعَهُمْ لِقِتَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، يَوْمِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ...، فَجَمَعَهُمْ إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ (هَرْمَجِدُّونَ))(١٥).
ويعتقد النصارى أنَّ هناك معركة مصيرية تجري بين معسكر الخير ومعسكر الشـرِّ، وممثِّل الخير في هذه المعركة هو المسيح والملائكة والمؤمنون، وممثِّل الشـرِّ هم ملوك الأرض والكفّار، وهذه المعركة تدور رحاها على أرض فلسطين وبالتحديد في هرمجدّون، وينقل سفر الرؤيا أيضاً عن هذه الحرب الأخيرة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل لوقا ٢١: ٨ - ١١.
(١٣) الهيكل أو هيكل سليمان أو معبد القدس حسب التسمية اليهودية المعروف باسم الهيكل الأوَّل.
(١٤) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل متّى ٢٤: ١ - ٢.
(١٥) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر رؤيا يوحنّا ١٦: ١٢ - ١٦.

(١٩)

(ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِيناً وَصَادِقاً، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مُتَسَـرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ (كَلِمَةَ اللهِ). وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزّاً أَبْيَضَ وَنَقِيّاً. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْـرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصاً مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَـرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: (مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ) وَرَأَيْتُ مَلاَكاً وَاحِداً وَاقِفاً فِي الشَّمْسِ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً لِجَمِيعِ الطُّيُورِ الطَّائِرَةِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ: هَلُمَّ اجْتَمِعِي إِلَى عَشَاءِ الْإِلَهِ الْعَظِيمِ، لِكَيْ تَأْكُلِي لُحُومَ مُلُوكٍ، وَلُحُومَ قُوَّادٍ، وَلُحُومَ أَقْوِيَاءَ، وَلُحُومَ خَيْلٍ وَالجَالِسِينَ عَلَيْهَا، وَلُحُومَ الْكُلِّ حُرّاً وَعَبْداً صَغِيراً وَكَبِيراً. وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ وَمُلُوكَ الأَرْضِ وَأَجْنَادَهُمْ مُجْتَمِعِينَ لِيَصْنَعُوا حَرْباً مَعَ الجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ وَمَعَ جُنْدِهِ، فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعُ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ، وَطُرِحَ الاِثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ المُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ، وَالْبَاقُونَ قُتِلُوا بِسَيْفِ الجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ الخَارِجِ مِنْ فَمِهِ، وَجَمِيعُ الطُّيُورِ شَبِعَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ)(١٦).
وهرمجدّون كلمة عبرية مكوَّنة من مقطعين أو لفظين (هَرْ) ومعناه تل أو جبل، و(مجدّو) وهو اسم وادٍ أو سهل صغير يقع شمال فلسطين(١٧)، وقال بعضهم: (هرمجدّون تل في فلسطين يشـرف على وادي يزرعيل المشهور في التاريخ بموقعه الاستراتيجي الحربي، وقيل: إنَّ هرمجدّون تبعد (٢٠) ميلاً جنوب شرق حيفا)(١٨).
وقد تمَّ تأليف كتب كثيرة حول هذه المعركة العظيمة وأحداثها، وقد اتَّفقت المصادر المسيحية والإسلاميَّة على عنف هذه المعركة، فالمسيح يُصـرِّح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر رؤيا يوحنّا: ١٩.
(١٧) المسيح المنتظر ونهاية العالم لعبد الوهّاب طويلة: ٢٦٥.
(١٨) عقيدة المسيح الدجّال في الأديان لسعيد أيّوب: ٢١٨.

(١٩)

 بأنَّها معركة لا مثيل لها في التاريخ، ويُطلَق عليها سفر الرؤيا: (وليمة الله الكبرى)، وينقل مسلم في صحيحه عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حول هذه المعركة، قوله: (لا يُرى مثلها) أو (لم يُرَ مثلها)(١٩)، وأيضاً ينقل عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قوله: (فيقتلون شهراً لا يكلُّ لهم سلاح ولا لكم، ويقذف الطير عليكم وعليهم، فإذا كان رأس الشهر، قال ربّكم: اليوم أسلُّ سيفي فأنتقم من أعدائي، وأنصـر أوليائي، فيقتتلون مقتلة ما رئي مثلها قطّ، متى ما تسير الخيل إلَّا على الخيل، وما يسير الرجل إلَّا على الرجل)(٢٠).
وتقول الكاتبة الأمريكية هاليسل في كتابها (النبوءة والسياسة): (إنَّنا نحن المسيحيين نؤمن أنَّ تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تُدعى هرمجدّون، وأنَّ هذه المعركة سوف تُتوَّج بعودة المسيح...)، وتضيف: (اقتناعاً منّا بأنَّ هرمجدّون نووية لا مفرَّ منها، بموجب خطَّة إلهية، فإنَّ العديد من الإنجيليين المؤمنين بالتدبيرية، ألزموا أنفسهم سلوك طريق مع إسرائيل، يؤدّي بصورة مباشرة إلى محرقة أشدّ وحشيةً وأوسع انتشاراً من أيَّة مجزرة يمكن أن يتصوَّرها عقل هتلر)(٢١).
رابعاً: يكون ظهوره مفاجئاً:
من الأُمور التي أكَّد عليها المسيح مراراً حسب الأناجيل أنَّ هذا الظهور والمجيء الثاني سيكون مفاجئاً وغير معلوم زمانه، فعندما سأله التلاميذ (الحواريّون) عن ذلك التاريخ لمجيئه، قال المسيح (عليه السلام): (وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ المَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الأبُ. اُنْظُرُوا، اسْهَرُوا وَصَلُّوا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ، كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ مُسَافِرٌ تَرَكَ بَيْتَهُ وَأَعْطَى عَبِيدَهُ السُّلْطَانَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ وَأَوْصَى الْبَوَّابَ أَنْ يَسْهَرَ. اسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ أَمَسَاءً أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ أَمْ صَبَاحاً. لِئَلَّا يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَاماً، وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا)(٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) صحيح مسلم ٢٥: ١٨.
(٢٠) كنز العمّال/ الحديث (٣٩٦٥٢).
(٢١) عمر أُمَّة محمّد لأمين محمّد جمال: ٣٠.
(٢٢) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل مرقس ١٣: ٣٢.

(٢٠)

فالمسيح لم يعطِ لتلاميذه تاريخاً محدَّداً لمجيئه، بل أمرهم أن يكونوا على استعداد دائم لهذا المجيء.
النقطة الثالثة: أعمال المسيح بعد مجيئه الثاني:
الظاهر من آيات أسفار العهد الجديد أنَّ المسيح (عليه السلام) عند مجيئه الثاني يأتي بسلطان عظيم ومجد بهي، ومعه الملائكة الأطهار، وأنَّه سيجازي كلَّ واحد بأعماله، فقد جاء في سفر رؤيا يوحنّا: (وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ)(٢٣)، وأيضاً تكون نهاية الدجّال على يديه، وكذلك كلّ الذين يكونون مع الدجّال.
وقد ورد في أحاديث عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ عيسى (عليه السلام) سينزل في نهاية الأيّام ليقتل الدجّال، والروايات بهذا الخصوص كثيرة، وتقدَّم نقل بعضها في النقطة الأُولى.
وأيضاً فإنَّ المسيح بعد مجيئه وقتله الكذّاب الدجّال، سيقوم بإنقاذ المؤمنين من هذه الأحداث والمعارك المهلكة، وهو ما يُعرَف بعقيدة (الاختطاف)، بل وحتَّى الموتى سيُبعَثون من قبورهم أحياءً ويصعدون لمقابلة المسيح على السحاب، بل الأحياء ليبتعدوا عن الدجّال، ويستدلّون على هذه الواقعة بنصوص من العهد الجديد، منها ما جاء في رسالة بولس الى أهل تسالونيكي حيث يقول: (إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ سَيُحْضِـرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي المَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ، لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِهَذَا الْكَلاَمِ)(٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر رؤيا يوحنّا ٢٢: ١٢.
(٢٤) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ رسالة بولس إلى أهل تساولنيكي الأُولى ٤: ١٤ - ١٧.

(٢٠)

الألفية السعيدة:
هذه من أهمّ الأماني التي ينتظر المسيحيون تحقّقها بعد مجيء المسيح الثاني، وقضائه على الأشرار، ومعناها أنَّ العالم سيعيش فترة عدل وسلام ورفاهية، تستمرُّ مدَّة ألف عام، ويستدلّون على ذلك بالنصِّ الوارد في سفر رؤيا يوحنّا، وهو: (وَرَأَيْتُ عُرُوشاً فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْماً، وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ المَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ، هَذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى)(٢٥).
ويعيش المؤمنون فترة الألف عام من السلم والخير الكثير، أي الجنَّة الأرضية، ويعتقد البعض بأنَّها القيامة الأُولى وهي قيامة لأجساد المؤمنين الذين ماتوا قبل مجيء المسيح (عليه السلام)، ليملكوا وكذلك معهم المؤمنون الأحياء، وأمَّا عن هذه الفترة فقد ذكر سفر أشعيا بعض أوصافها، والتي تشبه إلى حدٍّ كبير ما ذُكِرَ في التراث الإسلامي من روايات تتحدَّث عن فترة ما بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث يقول أشعيا: (وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ المَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ المَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِـي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِـي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِـي الأَرْضِ، وَيَضْـرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ المُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ سفر رؤيا يوحنّا ٢٠: ٤.

(٢٠)

وَالمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ(٢٦). لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ)(٢٧).
وقد وردت روايات كثيرة تتطابق مع هذه الأوصاف للشـيء الذي ذكرته الأسفار، منها ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث قال: (يملك المهدي مشارق الأرض ومغاربها، وترعى الشاة والذئب في مكان واحد، ويلعب الصبيان بالحيّات والعقارب ولا تضـرّهم شيء، ويذهب الشرُّ ويبقى الخير)(٢٨).
وقد ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام): (تصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك مابين الخافقين، فطوبى لمن أدرك أيّامه وسمع كلامه)(٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الأُفعوان: ذكر الأفعى، وهي حيَّة رقشاء طويلة العنق عريضة الرأس، لا ينفع منها رقية ولا ترياق، وربَّما كانت ذات قرنين. (العين للفراهيدي ٢: ٢٦٠/ مادَّة فعو).
(٢٧) الكتاب المقدَّس/ العهد القديم/ سفر أشعيا ١١: ١ - ٩.
(٢٨) يوم الخلاص: ٣١٧.
(٢٩) بحار الأنوار ٥٢: ٢٨٠.

(٢٠)

المصادر والمراجع

(١) الكتاب المقدَّس.
(٢) عمر أُمَّة الإسلام: أمين محمّد جمال/ المكتبة التوفيقية للنشر والتوزيع/ ١٩٩٦م.
(٣) صحيح البخاري: البخاري/ طبعة عام ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
(٤) عقيدة المسيح الدجّال في الأديان: سعيد أيّوب/ دار البيان/ ١٤١٣هـ/ قم.
(٥) المسيح المنتظر ونهاية العالم: عبد الوهّاب عبد السلام طويلة/ دار السلام للطباعة والنشـر/ ٢٠١٣م.
(٦) يوم الخلاص: كامل سليمان/ ط ١٩٩٣م/ الأعلمي للمطبوعات/ بيروت.
(٧) كنز العمّال: المتَّقي الهندي/ ط ٥/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
(٨) بحار الأنوار: العلَّامة المجلسـي/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ دار إحياء التراث العربي.
(٩) قاموس الكتاب المقدَّس: نخبة من المؤلِّفين/ دار الکتاب المقدَّس/ ١٩٩٦م.
(١٠) صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ ت محمّد فؤاد عبد الباقي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
(١١) العين: خليل الفراهيدي/ ط ٢/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة دار الهجرة/ قم.

(٢٠)

 

 

ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) حقيقة لا تقبل التشكيك/ القسم الأوَّل

 

 

الشيخ حميد الوائلي

 

منهج البحث حول هذا الموضوع: يقع في مقدّمة وفصلين:
مقدّمة: في بيان ضرورية ومفروغية ولادته (عليه السلام).
الفصل الأوَّل: وفيه أربعة بحوث:
البحث الأوَّل: الإثبات التاريخي التراثي، وينقسم البحث فيه إلى قسمين:
القسم الأوَّل: ونبحث فيه منهج الإثبات التاريخي.
والبحث ضمن المحاور الآتية:
أوَّلاً:
تعريف المنهج التاريخي.
ثانياً: الظروف القاهرة التي عاشتها العترة الطاهرة، وتتضمَّن تسليط الضوء على:
١ - نشوء الأحكام الثانوية، وتوسيع دائرة العمل بالاضطرار.
٢ - التقيَّة.
٣ - خفاء الكثير من النصوص.
٤ - الوضع والتحريف للنصوص مع عدم إمكان الردع عنه خارجاً.
٥ - بروز ظاهرة الانحراف في عصر كلِّ إمام، بدفع خارجي ودافع مصلحي.
فإنَّه لا يخفى تأثير هذه الظروف على خفاء الولادة المباركة.

(٢٠)

ثالثاً: بحث الروايات الدالّة على الولادة.
رابعاً: بحث الروايات المعارضة.
خامساً: بحث التواتر.
القسم الثاني: ونبحث فيه أقوال العلماء في الولادة، وهو على نحوين:
النحو الأوَّل من القسم الثاني: أقوال علماء العامّة (الجمهور)، وفيه أقوال عشر منهم سيأتي تفصيلها:
النحو الثاني من القسم الثاني: أقوال علماء الإماميَّة، وفيه أقوال نخبة منهم سيأتي تفصيلها:
البحث الثاني: المنهج العقلي (الدليل الفلسفي، دليل تراكم الاحتمال) وضرورة الوجود المبارك له (عليه السلام).
البحث الثالث: المنهج الكلامي من خلال البحث في حديث الثقلين وحديث الاثني عشر.
البحث الرابع: المنهج الكشفي، ونظرية الإنسان الكامل.
الفصل الثاني: الإشكالات وأجوبتها:
مقدّمة:
إنَّه لمن المؤسف حقّاً أن نشتغل بالبحث في قضيَّة غدت من الضـرورات المذهبية بل الدينية، هي تلك القضيَّة التي ما انفكَّ البعض بإيراد الإشكالات والتشكيكات حولها، وليس بمستغرب أن يقوم بعض السفهاء ممَّن يزجّون أنفسهم ويحشـرونها في نوادي العلم وساحة العلماء بالتشكيك في أبده البديهيات، كما شكَّك من قبلهم من هم أسفه منهم في نبوَّة الأنبياء، بل وفي وجود الذات المقدَّسة للباري (جلَّ شأنه)، ليس بمستغرب من أمثال هؤلاء الذين درسوا على مائدة النصب والعداء، وارتووا بماء بغض دين الله وأهله الذابّين عنه، أن ينكروا ولادة الإمام الذي قامت الدنيا بوجوده، وبشَّـر الأنبياء بظهوره، وتتيّم

(٢٠)

الخلق أوَّلهم وآخرهم بلقائه، حتَّى تمنّى أن يتشـرَّف بعض أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بخدمته.
عن خلَّاد بن الصفّار، قال: سُئِلَ أبو عبد الله (عليه السلام): هل وُلِدَ القائم؟ فقال: (لا، ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي)(١)، ليس بمستغرب من أمثال هؤلاء أن ينكروا هذه الولادة التي وضوحها كوضوح الشمس في رابعة النهار بل أشدّ.
إنَّ هذه المصيبة لها نظير في التأريخ، فحديث الغدير الوارد في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والذي شهده آلاف من الصحابة، ومع ذلك ينكره أمثال هؤلاء، لا لشـيء إلَّا لأنَّهم، جُبلوا على بغض أهل البيت (عليهم السلام)، ولم ينجع معهم دواء الدليل.
وإنَّما هنا نُبرز الدلائل التي تُؤكِّد وتُوضِّح ولادة الإمام (عليه السلام) إلى من يذعن بالدليل إذا ساقته مقدّماته إلى نتيجته، لننتهي بذلك إلى رفع تلبيسات هؤلاء وتدليساتهم وقصّهم ولصقهم للأحاديث.
فإنَّ مثل هؤلاء مثل الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، وقد أكَّد الذكر الحكيم على أنَّ كثيراً من الناس يقومون بإيراد موارد الشبهة لإيقاع الناس فيها وإيهامهم أنَّها الحقّ، وفي الحقيقة إنَّها ليست من الحقِّ في شيء، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧).
الفصل الأوَّل
البحث الأوَّل: بحث الإثبات التاريخي التراثي

القسم الأوَّل: منهج الإثبات التاريخي:
والبحث فيه يقع ضمن النقاط الآتية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للنعماني: ٢٥٢/ باب ١٣/ ح ٤٦.

(٢٠)

أوَّلاً: تعريف المنهج التاريخي:
يُعرَّف المنهج لغةً: الطريق الواضح المستقيم.
ويُعرَّف اصطلاحاً بأنَّه الطريق أو السبيل الذي يسلكه الباحث للوصول إلى النتائج(٢).
ويُعرِّفه آخرون بأنَّه التمشّـي المنطقي للوصول إلى الحقيقة المبتغاة، أو أنَّه عبارة عن خطوات منظَّمة تكفل لمن يسير عليها الوصول إلى نتيجة محدَّدة، أو هو عبارة عن سلوك الفرد أو الجماعة لطريقة معيَّنة في تحقيق ما يصبون إليه.
وقد أُطلقت مفردة منهج على:
١ - الدين الإسلامي على اعتبار أنَّه منهج منزَّل من الله تعالى يكفل لمن يؤمن به الوصول إلى الغاية المرجوَّة والمطلوبة.
٢ - المنهج المرادف للعقيدة بمعناها العامّ.
٣ - المنهج يُراد به مشرب خاصّ، وطريقة معيَّنة، كما نقول: منهج أهل البيت (عليهم السلام).
٤ - يُطلَق على سلوك فئة معيَّنة طريقة خاصَّة في تحصيل النتائج، كما نقول: منهج المتكلِّمين، أو منهج الفلاسفة، أو منهج العرفاء، أو منهج الفقهاء، وهكذا.
ملاحظة: ممَّا يجدر التنبيه عليه أنَّ كلمة (المنهج) لا تُعطي معنىً محصَّلاً إلَّا إذا أُضيفت.
تعريف التاريخ:
ذكر أهل اللغة في تعريف التاريخ معانٍ عدَّة، فمن قائل: إنَّ التاريخ هو الإعلام بالوقت(٣)، أو التعريف بالوقت(٤).
فيقال: أرَّخت المولود أو الحدث في يوم كذا، أو أرَّخت الحادثة الواقعة في بلد كذا، أي: عرَّفتها بالوقت أو حدَّدتها بالوقت أو أعلمت بوقتها.
وقيل فيه: إنَّ التاريخ هو تعيين حدث بوقت يُنسَب إليه(٥)، وقيل فيه أيضاً:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) مجلَّة البحوث الإسلاميَّة ٥٨: ٣٠٠ و٣٠١.
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ لشمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاوي.
(٤) مختصر في علم التاريخ لمحي الدين الكافجي.
(٥) مختصر في علم التاريخ: ٥٣.

(٢١)

إنَّه تعريف الوقت بإسناده إلى أوَّل حدوث أمر شائع(٦)، من ظهور ملَّة أو دولة أو أمر هائل ممَّا يندر وقوعه(٧).
التعريف الاصطلاحي للتاريخ:
عرفوا التاريخ بأنَّه معرفة أحوال الأُمم وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم(٨).
وعرَّفه آخرون بأنَّه إخبار عن الأيّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل(٩)، أو هو التعريف بالوقت الذي تُضبَط به الأحوال من مولد الرواة والأئمَّة ووفاتهم(١٠).
وخلاصة التعريف هو أنَّ التاريخ يتعلَّق بجمع المعلومات والأخبار عن البلدان، وعن الأشخاص، وعن الزمن وما يتعلَّق به من هذه الأحداث والأشخاص، فنقول مثلاً: وُلِدَ فلان سنة كذا، أو توفّي في سنة كذا، وحصل العمران الفلاني في سنة كذا، والهدم الفلاني في سنة كذا، وهكذا.
من معاني كلمة التاريخ:
١ - سير الزمن والأحداث، كالتاريخ الإسلامي، والتاريخ اليوناني، و... الخ.
٢ - تاريخ الرجال وأحوالهم.
٣ - تحديد زمن الواقعة أو الحادثة، باليوم والشهر والسنة إن أمكن.
وبمزج المفردتين قد نحصل على تعريفات المنهج التاريخي:
الذي قيل: هو ما ينشغل بدراسة قضايا المجتمع في الحاضر مبتدئاً بمعرفة الواقع الاجتماعي بغرض تغييره، ومنشغلاً بالتعرّف على تاريخ العملية الاجتماعية، أي تاريخ المجتمع في حركته.
كما عُرِّف المنهج التاريخي أيضاً بأنَّه أداة البحث في المشكلات أو الظاهرات الإعلامية في بعدها التاريخي، أو هو سياق الوقائع والأحداث (وصف الماضي)، ووصف الظاهرة الإعلامية وتسجيلها كما حدثت في الماضي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة.
(٧) كشف الظنون ١: ٢٧١.
(٨) المصدر السابق.
(٩) تاريخ ابن خلدون ١: ٣ و٤.
(١٠) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ.

(٢١)

وهو - المنهج التاريخي - منهج علمي، لأنَّه يتبع خطوات المنهج العلمي في تحديد الحادثة وتجميع المعلومات الأساسية عنها، ثمّ صياغة الفروض كلَّما أمكن، ثمّ تجميع الأدلَّة التي نختبر بها الفروض.
تعريف آخر: عُرِّف المنهج التاريخي أو المنهج الوثائقي بأنَّه هو دراسة الوثائق التاريخية.
آليات المنهج التاريخي:
يعتمد هذا المنهج على استرداد التاريخ أو الماضي، واكتشاف حلول للمشاكل الجارية على ضوء ما تمَّ في الماضي، ويعتمد كثيراً على جمع المعلومات التاريخية ونقدها وتحليلها، وهذا النوع من البحث - البحث التاريخي - يعتمد في الأساس على مصادر كُتِبَت من قبل، لأنَّ موضوع دراسته هو البحث عن وقائع حدثت في الماضي، وبالتالي يصعب علينا اختبارها في الوقت الحاضر، وهو فنٌّ يبحث عن وقائع الزمان من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله المفصَّلة للجزيئات تحت دائرة الأحوال العارضة للإنسان في الزمان.
مادَّة المنهج التاريخي:
يتَّخذ ويعتمد المنهج التاريخي الحوادث التاريخية والاجتماعية والسياسية وسيلةً لتفسير وتعليل ظواهر وخصائص ما، ويُركِّز على تحقيق النصوص وتوثيقها.
ثانياً: الظروف القاهرة التي عاشتها العترة الطاهرة:
والتي كانت سبباً لنشوء الكثير من الأحكام الاستثنائية، والقواعد الشـرعية والاجتماعية الاضطرارية، وخفاء الكثير من النصوص، وتمكّن أصحاب النفوس الضعيفة والمآرب الدنيئة من وضع وتزوير ودسِّ أحاديث لم تصدر عن أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم.

(٢١)

فالمتتبِّع لسير أحداث التاريخ الذي عاش فيه أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) من حيث بعده الديني والسياسي وأثر ذلك على التراث الديني المنقول إلى الأجيال اللاحقة، يجد أنَّ هناك توسعة كبيرة في الأحكام الثانوية والأحكام الاضطرارية(١١)، غير التي جعلها الشارع المقدَّس للتسهيل على المكلَّفين، وإنَّما نشأت هذه الأحكام لخصوص ما عاناه أهل البيت (عليهم السلام) من حكّام الجور وتسلّط الظالمين، ولولا ذلك - أي لو فُرِضَ أنَّ الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) مارسوا دورهم الطبيعي وتكليفهم الإلهي دون عوائق من حكّام الجور وسلاطين الظلم والاستبداد والقهر - لما شهدنا لتلك الأحكام من وجود أو أثر في التراث المنقول إلينا عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما سنقف على بعض منه حتَّى نتعايش الحالة، أو نكون في الأجواء التي اكتنفت النصوص الواصلة لنا والتي تحكي الظرف الذي نشأ فيه الإمام المهدي (عليه السلام) ووُلِدَ، وصعوبة ذلك الظرف والأجواء، وما تعكسه هذه الصعوبة على وصول أخبار ولادته (عليه السلام) أو من شاهده وتشـرَّف بلقائه وما شاكل ذلك ممَّا سوف نحاول الوقوف عليه بشـيء من التفصيل أو الإشارة إليه على نحو الإجمال وذكر موارد تفصيله.
التقيَّة وخفاء الكثير من النصوص:
كثيراً ما يقف من لم ينتمِ إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فكراً وعقيدةً مع هذا المصطلح موقف الاستهجان والريب والشكّ والتردّد، ولكن لو نظرنا إلى هذا المصطلح وهذه المفردة بعيداً عن التشنّجات التي مرَّت بها الساحة الإسلاميَّة لرأينا أنَّ هذه المفردة تُعبِّر عن مبدأ إسلامي أصيل، بل إنَّنا نجد أنَّ هذه المفردة تُعبِّر عن مبدأ إنساني جُبل عليه البشـر عند اضطراره إلى اللجوء إليه، فمبدأ التقيَّة يُعبِّر عن حالة إنسانية تسكن أعماق البشـرية منذ أن وُجِدَت ووُجِدَ الاجتماع والنظام والتكاثر البشـري، فكثير منّا يستخدم التقيَّة عشـرات المرّات عندما يتعرَّض إلى مواقف معيَّنة يمرُّ بها أثناء مسيرة حياته الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الدينية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) كلُّ من له خلفية معرفية بواقع التشـريعات يعرف أنَّ هناك قوانين تُشـرَّع لتلافي حالات الاضطرار أو عدم قدرة الفرد على تحمّل التشـريع، وهذه الفسحة التشـريعية إنَّما أُوجدت لأجل مصلحة هي في غاية الأهمّية، وهي إلباس التشـريع الشمولية والديمومية، وليس الشارع المقدَّس ببعيد عن هذه المتعارفات العقلائية، فهو خالق العقل وسيِّد العقلاء، من هنا نجد أنَّ الأحكام الاضطرارية في التشـريعات الإلهية وخصوصاً ما شُـرِّع في الدين الإسلامي وفق منهج أهل البيت (عليهم السلام) إنَّما هي بدائل أُوجدت للمكلَّفين نتيجةً للاضطرار الحاصل عندهم بسبب العوامل الخارجية، حتَّى يبقوا في دائرة التكليف الشرعي، ولا يخرجوا عنه بسبب الاضطرار.
وهذه التشـريعات الاستثنائية تختلف سعةً وضيقاً بحسب تلك العوامل، ومن هنا ينبغي علينا دراسة كلَّ ما له مدخلية في إيجاد تلك العوامل، والتي من أهمّها الظروف السياسية التي عاشها عصر النصِّ.

(٢١)

وهذا أمر وجداني لا يمكن إنكاره وإن اختلفنا في التعبير عنه، فتارةً نُعبِّر عنه بالتقيَّة، وتارةً نُعبِّر عنه بالمداراة، وتارةً نُعبِّر عنه بموارد أجاز لنا الشارع فيها استخدام هذه القنوات التي وُضِعَت للتخفيف عن كاهل المكلَّفين دون أن نُسمّيها بتسمية معيَّنة، المهمّ الذي نخلص إليه من هذه الديباجة المقتضبة أنَّ التقيَّة فضلاً عن كونها مبدأ إسلامي(١٢)، فهي مبدأ انساني ابتداءً، ومن يشكُّ في ذلك فحاله حال من ينكر الضـرورات والبديهيات التي يتعامل معها، ويتعايش ويعيش في كنفها، ويتلبَّس بها في كلِّ آنات حياته، ومع ذلك فهو ينكرها. وقد شاهدت شخصياً أثناء الكثير من الحوارات مع المخالفين سواءً كانوا على صعيد الخلاف الديني أو الخلاف المذهبي من تلبَّس بالتقيَّة أثناء حديثه دون أن يشعر، وعندما نُنبِّه لذلك إمَّا أن يصمت ولا نجد له حراكاً، أو أنَّه يحاول أن يُخرج ما تلبَّس به عن عنوان التقيَّة وإن أقرَّ في داخله أنَّ ما صدر منه ليس إلَّا تقيةً أو مداراةً، المهمّ الذي لا بدَّ أن لا ننكره هو أنَّ مبدئية التقيَّة إنسانية.
أمَّا فيما يخصُّ التقيَّة كعلامة ومبدأ بارز في التشيّع الإمامي الاثني عشـري، فإنَّ هذا البروز له دوافعه وأسبابه التي لولاها لما وصل إلينا تراث يسطر لنا حياة الأئمَّة (عليهم السلام) وأصحابهم ومن سار على نهجهم وفق هذا المنهج.
ففي زمن العبّاسيين وهم كما لا يخفى من بني هاشم، وتحديداً في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) نلاحظ أنَّ حكّام الجور قد وضعوا حظـراً على الإمام الصادق (عليه السلام) ورقابةً شديدةً، بل وإنَّه استدعي عدَّة مرّات إلى بلاط الحكم نتيجةً لإيصال الوشاة أخباراً عنه وعن أتباعه بأنَّ لهم تحرّكات يريدون بها قلب النظام، وفي كلِّ مرَّة يُبرز الإمام (عليه السلام) لهم عكس ذلك، ولو لاحظنا بعض الروايات الشـريفة لوجدنا أنَّها تنقل لنا ذلك الواقع المؤلم في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، مع أن البعض يُصوِّر لنا أنَّ زمنه (عليه السلام) كان فيه انفراج وحرّية حركة(١٣) له (عليه السلام)، فإليك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) ففي سير أعلام النبلاء للذهبي ٧: ١٣٠ و١٣١، نجده ينقل لنا بعض قصص هذا المبدأ الإسلامي: أبو فروة ، يزيد بن محمّد الرهاوي: سمعت أبي يقول: قلت لعيسى بن يونس: أيّهما أفضل: الأوزاعي أو سفيان؟ فقال: وأين أنت من سفيان؟ قلت: يا أبا عمرو: ذهبت بك العراقية، الأوزاعي، فقهه، وفضله، وعلمه! فغضب، وقال: أتراني أُؤثِر على الحقِّ شيئاً، سمعت الأوزاعي يقول: ما أخذنا العطاء حتَّى شهدنا على علي بالنفاق، وتبرَّأنا منه، وأُخِذَ علينا بذلك الطلاق والعتاق وأيمان البيعة، قال: فلمَّا عقلت أمري، سألت مكحولاً، ويحيى بن أبي كثير، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عبيد بن عمير، فقال: ليس عليك شـيء، إنَّما أنت مكرَه، فلم تقرّ عيني حتَّى فارقت نسائي، وأعتقت رقيقي، وخرجت من مالي، وكفَّرت أيماني. فأخبرني: سفيان كان يفعل ذلك؟
وفي صحيح البخاري ١: ٣٨: حدَّثنا إسماعيل، قال: حدَّثني أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) وعاءين، فأمَّا أحدهما فبثثته، وأمَّا الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم.
وكذلك سير أعلام النبلاء للذهبي ١١: ٨٧: قال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصـر التمّار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممَّن امتُحِنَ فأجاب. قلت: هذا أمر ضيِّق ولاحرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أُكره على صريح الكفر عملاً بالآية. وهذا هو الحقُّ. وكان يحيى (رحمه الله) من أئمَّة السُّنَّة، فخاف من سطوة الدولة، وأجابة تقيَّةً.
(١٣) نعم هذا صحيح إذا قيس بعض الأئمَّة إلى بعضهم الآخر (عليهم السلام) أو في بعض الأحيان، أمَّا في حدِّ نفسه فالأمر يختلف تماماً كما تعكس النصوص التاريخية والروائية ذلك.

(٢١)

هذا النصّ الذي رواه الأشعري القمّي في المقالات والفِرَق حسب نقل كتاب (نشأة الشيعة الإماميَّة)(١٤)، حيث قال:
(وقد قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد (الصادق) وهو ظاهر الأمر، معروف المكان، مشهور الولادة والذكر، لا يُنكر نسبه، شائع اسمه وذكره في الخاصِّ والعامِّ: (من سمّاني باسمي فعليه لعنة الله)، وقد كان الرجل من أوليائه وشيعته يلقاه في الطريق ويحيد عنه ولا يُسلِّم عليه تقيَّة)، فالمتأمِّل المتدبِّر في هذا النصّ يجد أنَّ هناك ظروفاً حرجة كان يعيشها الإمام الصادق (عليه السلام) تستدعي منه أن يأمر أصحابه بعدم السلام عليه أثناء مسيره في الطريق، بل إنَّنا نجد في بعض الروايات أنَّه يذمُّ من يُسلِّم عليه في الطريق كما في هذا النصّ(١٥): عن حمّاد بن واقد اللحّام، قال: استقبلت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق، فأعرضت عنه بوجهي، ومضيت فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: جُعلت فداك، إنّي لألقاك فأصـرف وجهي كراهة أن أشقَّ عليك. فقال لي: (رحمك الله! ولكن رجلاً لقيني أمس في موضع كذا وكذا فقال: عليك السلام يا أبا عبد الله، ما أحسن ولا أجمل) انتهى، ومعنى قوله: (ما أحسن ولا أجمل)، أي لم يفعل حسناً ولا جميلاً.
فهذا النصُّ يعكس لنا ذلك الواقع المرّ والمؤلم من جهة، ويعكس لنا الشدَّة والتشدّد الذي يتبعه سلاطين الجور من جهة أُخرى، ومن كليهما نستنتج أنَّ ما سيصلنا من تراث يحكي لنا بعض الوقائع لا بدَّ أن تعتريه حالة الخفاء والغموض حتَّى لا يطَّلع عليه من يجعله سبباً لأخذ الشيعة وأئمَّتهم.
هذا حال إمام نعتقد نحن في أيّامنا هذه أنَّه كان له من حرّية الحركة والتحرّك مجال لم يُعطَ لإمام سبقه أو أتى بعده، فكيف بنا إذا نظرنا إلى الواقع السياسي أو الاجتماعي الذي عاشه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) مثلاً، حيث يروي لنا الكشّـي في رجاله(١٦) بإسناده عن هشام بن سالم، قال: كنّا في المدينة بعد وفاة أبي عبد الله (عليه السلام)، أنا ومؤمن الطاق وأبو جعفر، والناس مجتمعون على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) نشأة الشيعة الإماميَّة لنبيلة عبد المنعم داود.
(١٥) رواه الشيخ الكليني في الكافي ٢: ٢١٨ و٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ٩.
(١٦) اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٦٥ و٥٦٦/ ح ٥٠٢؛ ورواه في الكافي ١: ٣٥١/ باب ما يُفصَل به بين دعوى المحقِّ والمبطل في الإمامة/ ح ٧.

(٢١)

أنَّ عبد الله صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون عند عبد الله، وذلك أنَّهم رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ الأمر في الكبير ما لم يكن به عاهة، فدخلنا نسأله عمَّا كنّا نسأل أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة. قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف، قلنا: والله ما تقول المرجئة هذا! فرفع يده إلى السماء وقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة! قال: فخرجنا من عنده ضلَّالاً، (تصوَّر معي هذا الحال الذي يمرُّ به خيرة أصحاب أهل البيت (عليهم السلام)، وتصوَّر بعدها شدَّة الفتنة والامتحان، ولتنتقل بذهنك لتصوّر ذلك الواقع المؤلم والمرّ من خلال المقاطع التي سنتلوها عليك، فلنتابع).
قال: فخرجنا من عنده ضلَّالاً لا ندري إلى أين نتوجَّه أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقَّة المدينة باكين حيارى، لا ندري إلى من نقصد وإلى من نتوجَّه!
نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج...
قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً (جاسوساً) من عيون أبي جعفر (المنصور الدوانيقي)، وذلك أنَّه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتَّفق شيعة جعفر عليه الصلاة والسلام، فيضربون عنقه!
فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنحَّ فإنّي خائف على نفسـي وعليك، وإنَّما يريدني وليس يريدك، فتنحَّ عنّي لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّى غير بعيد، وتبعت الشيخ، وذلك إنّي ظننت أنّي لا أقدر على التخلّص منه!
فما زلت أتبعه حتَّى ورد بي على باب أبي الحسن موسى (عليه السلام)، ثمّ خلَّاني ومضـى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أُدخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن

(٢١)

(الكاظم (عليه السلام))، فقال لي ابتداءً: (لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ إليَّ إليَّ).
قال: فقلت له: جُعلت فداك، مضـى أبوك؟ قال: (نعم)، قلت: جُعلت فداك، من لنا بعده؟ فقال: (إن شاء الله أن يهديك هداك)، قلت: جُعلت فداك، إن عبد الله يزعم أنَّه من بعد أبيه، قال: (يريد عبد الله أن لا يعبد الله)، قال: قلت له: جُعلت فداك، فمن لنا بعده؟ فقال: (إن شاء الله أن يهديك هداك أيضاً)، قلت: جُعلت فداك، أنت هو؟ قال لي: (ما أقول ذلك)، (تأمَّل جيِّداً عبارة الإمام، ومن يخاطب، وتصوَّر الوضع الذي يعيشه الإمام وأصحابه في ذلك الزمان.
قلت في نفسـي: لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جُعلت فداك، عليك إمام؟ قال: (لا)، فدخلني شـيء لا يعلمه إلَّا الله إعظاماً له وهيبةً أكثر ممَّا كان يحلُّ بي من أبيه إذا دخلت عليه، قلت: جُعلت فداك، أسألك عمَّا كان يُسئَل أبوك؟ فقال: (سَلْ تُخبَر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح)، فسألته فإذا هو بحر، قال: قلت: جُعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضلَّالاً! فألقي إليهم وأدعوهم إليك؟ فقد أخذت عليَّ بالكتمان، قال: (من أنست منهم رشداً فألق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإذا أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه -).
قال: فخرجت من عنده، فلقيت أبا جعفر، فقال لي: ما وراءك؟ قال: قلت: الهدى، قال: فحدَّثته بالقصَّة، ثمّ لقيت المفضَّل بن عمر وأبا بصير، قال: فدخلوا عليه وسلَّموا وسمعوا كلامه وسألوه ثمّ قطعوا عليه، ثمّ قال: ثمّ لقيت الناس أفواجاً، فكان كلُّ من دخل عليه قطع عليه، (يعني قال: إنَّه الإمام).
ولننتقل إلى تصوير آخر يُصوِّر لنا نفس الفترة التي كان يعيشها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) والشيعة آنذاك، فقد روى داود بن كثير الرقّي، قال: وفد

(٢١)

من خراسان وفداً يُكنّى أبا جعفر، واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة، ونزل وزار أمير المؤمنين (عليه السلام)، ورأى في ناحية رجلاً حوله جماعة، فلمَّا فرغ من زيارته قصدهم، فوجدهم شيعةً فقهاء يسمعون من الشيخ، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي، قال: فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي فقال: جئت من المدينة، وقد مات جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فشهق أبو حمزة، ثمّ ضـرب بيده الأرض، ثمّ سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصيَّة، قال: أوصـى إلى ابنه عبد الله، وإلى ابنه موسى، وإلى المنصور، فقال: الحمد لله الذي لم يضلّنا، دلَّ على الصغير، وبيَّن على الكبير، وستر الأمر العظيم. ووثب إلى قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلّى وصلّينا، ثمّ أقبلت عليه، وقلت له: فسِّـر لي ما قلته.
قال: بيَّن أنَّ الكبير ذو عاهة، ودلَّ على الصغير إذ أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم بالمنصور، حتَّى إذا سأل المنصور: من وصيَّه؟ قيل: أنت. قال الخراساني: فلم أفهم جواب ما قاله(١٧).
إذن فحالة التقيَّة الشديدة التي نشأت نتيجةً لاستئثار الملوك بالسلطة، وخوفهم من القواعد الجماهيرية الموالية لأهل البيت (عليهم السلام)، كان لها أثر كبير في ضياع أو إجمال الكثير من الروايات والنصوص ذات الأثر المهمّ في سير الحركة الإسلاميَّة وتكاملها وفق منهج أهل البيت (عليهم السلام)، حتَّى أنَّ ممَّا كان يفعله الإمام (عليه السلام) حفاظاً على جمهوره وعلى المؤمنين المخلصين، هو إلقاء الخلاف بينهم، كي لا يُعرَفوا من خلال الرأي الواحد واتِّفاق الكلمة، وممَّا دل على ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إنَّه ليس شـيء أشدّ عليَّ من اختلاف أصحابنا، قال (عليه السلام): (ذلك من قِبَلي)، أي بما أخبرتهم به من جهة التقيَّة وأمرتهم به للمصلحة(١٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) بحار الأنوار ٤٧: ٢٥١ و٢٥٢/ ح ٣٠، عن الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ١: ٣٢٨ و٣٢٩/ ح ٢٢.
(١٨) بحار الأنوار ٢: ٢٣٦/ باب ٢٩/ ح ٢٢.

(٢١)

وعن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن مسألة فأجابني، قال: ثمّ جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلمَّا خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتك قدما يسألان، فأجبت كلَّ واحدٍ منهما بغير ما أجبت به الآخر، قال: فقال: (يا زرارة، إنَّ هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، لو اجتمعتم على أمر واحد لقصدكم الناس، ولكان أقلّ لبقائنا وبقائكم)، قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنَّة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فسكت، فأعدت عليه ثلاث مرّات، فأجابني بمثل جواب أبيه(١٩).
وعن معاذ، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي أجلس في المجلس، فيأتيني الرجل، فإذا عرفت أنَّه يخالفكم أخبرته بقول غيركم، وإن كان ممَّن يقول بقولكم أُخبره بقولكم، فإن كان ممَّن لا أدري أخبرته بقولكم وقول غيركم فيختار لنفسه، قال: (رحمك الله، هكذا فاصنع)(٢٠).
الوضع والتحريف للنصوص مع عدم إمكان الردع عنه خارجاً:
خلال تتبّعنا لمجموعة من النصوص وجدنا أنَّ هناك مجموعة عوامل أوجبت حالة الوضع والدسِّ في كلِّ التراث الإسلامي، ومكابر من ينكر ذلك(٢١)، نعم تختلف هذه الحالة شدَّةً وضعفاً من تيّار إلى آخر ومن منهج إلى آخر، نعم يمتاز أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أنَّهم دائماً يراقبون تراثهم الروائي، ويعرضونه على المعصوم في عصـره كما حصل ذلك أبان عهد الأئمَّة المتأخِّرين من أهل البيت (عليهم السلام) ، أو يحاولون إخضاع الواصل إليهم إلى مناهج وقوانين محدَّدة من قِبَل أهل العصمة (عليهم السلام) لتحديد الموضوع المحرَّف من غيره، أو لتحديد الصادر في ظروف استثنائية عن الصادر في الأجواء والظروف الطبيعية والذي يُمثِّل المراد الحقيقي والجدّي لأهل البيت (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) علل الشرائع للشيخ الصدوق ٢: ٣٩٥/ باب ١٣١/ ح ١٦.
(٢٠) بحار الأنوار ٢: ٢٣٧/ باب ٢٩/ ح ٢٦.
(٢١) أبي، عن أحمد بن إدريس، عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (أتدري لِـمَ أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامَّة؟)، فقلت: لا ندري. فقال: (إنَّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن يدين الله بدين إلَّا خالف عليه الأُمَّة إلى غيره إرادةً لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشـيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ليُلبِّسوا على الناس). (علل الشرائع ٢: ٥٣١/ باب ٣١٥/ ح ١).

(٢١)

وهذا لا يهمّنا كثيراً، وهو بحث أُشبع في محلِّه، المهمّ عندنا هنا أنَّ هناك ظروفاً أدَّت إلى وجود موضوعات في الحديث، وأنَّ هناك من كان يكذب على أهل البيت (عليهم السلام) بدوافع متعدِّدة، ولكي نعكس هذه الصورة للقارئ، ونجعله في أجواء ذلك العصـر نعرض مجموعة من النصوص نقف من خلالها على أجواء عصور الأئمَّة (عليهم السلام)، حتَّى نفهم ما هي الطريقة التي كان يوصل بها الأئمَّة (عليهم السلام) تراثهم إلى أتباعهم، وهذه نقطة جديرة بالاهتمام، لأنَّ الكثير ينتقدنا بكثرة تهافت النصوص - البدوي - في تراثنا، فمن يفهم طريقة أهل البيت (عليهم السلام) أعتقد أنَّ بإمكانه أن يجد الحلول الناجعة والموضوعية لكثير ممَّا يلتبس عليه، بخلاف من لم يكن في أجواء طريقة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم.
المهمّ أترك القارئ مع مجموعة من النصوص يعيش في أجوائها، وينتقل من خلالها لفهم المنهج الإلهي لهذه الفرقة المسدَّدة حرسها الله تعالى، وأُؤكِّد على أن تكون دراسة هذا المنهج المبارك من خلال المجموع لا من خلال التجزئة واقتطاع نصوص محدَّدة، أو مقطع زمني محدَّد، أو موقف محدَّد، بل الدراسة لكي تكون مفيدة وناجحة لا بدَّ أن تكون شاملة وشمولية لكلِّ التراث النبوي والولوي، حتَّى يتمكَّن الدارس من خلالها الوصول إلى مرادات أهل البيت (عليهم السلام)، ويقف على حقيقة هذا المنهج.
فعن يونس بن عبد الرحمن أنَّ بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمّد، ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردِّ الأحاديث؟ فقال: حدَّثني هشام بن الحكم أنَّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلَّا ما وافق القرآن والسُّنَّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدِّمة، فإنَّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا تعالى وسُنَّة نبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فإنّا إذا حدَّثنا قلنا: قال الله (عزَّ وجلَّ)، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم))، قال

(٢٢)

يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها بعدُ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: (إنَّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدَّثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السُّنَّة، إنّا عن الله وعن رسوله نُحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أوَّلنا، وكلام أوَّلنا مصداق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يُحدِّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإنَّ مع كلِّ قول منّا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان)(٢٢).
وعن يونس، عن هشام بن الحكم أنَّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي (عليه السلام)، ويأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي (عليه السلام)، ثمّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلُّ ما كان في كتب أصحاب أبي (عليه السلام) من الغلوِّ، فذاك ممَّا دسَّه المغيرة بن سعيد في كتبهم)(٢٣).
ظاهرة الانحراف وأثرها السلبي على التراث العقائدي والتاريخي:
ظاهرة الانحراف ظاهرة طبيعية لم ينفرد بها أتباع مذهب أو ملَّة عن بقيَّة المذاهب والملل، فأيّ مراجعة في هذا المجال تكشف عن أنَّ كل المذاهب والديانات سواء ما كان منها إلهية أو أرضية، بل وحتَّى المذاهب الاجتماعية قد أُوجدت فيها الظروف السياسية أو الاجتماعية، انحرافات عن المسار الذي وضعه مؤسِّسوا المذهب أو الدين أو الملَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) بحوث في الملل والنحل ٧: ٢١؛ بحار الأنوار ٢: ٢٤٩ و٢٥٠/ باب ٢٩/ ح ٦٢.
(٢٣) بحار الأنوار ٢: ٥٠/ باب ٢٩/ ح ٦٣.

(٢٢)

وأسباب الانحراف كثيرة جدّاً، ويمكن أن نحصـر عموماتها بالدوافع الخارجية والداخلية، فمثلاً من بين أهمّ دواعي الانحراف وجود مصالح فردية يقصدها من يقوم بالانحراف، وهذا ما يُعبَّر عنه كثيراً بالدافع المصلحي من وراء الانحراف، أما الدوافع الخارجية للانحراف فهي ما تأتي غالباً من سلطات متنفذة تهدف إلى زعزعة اجتماع فئة معينة أو مذهب معين أو دين معين.
وبحثنا هنا لا يُسلِّط الضوء على أسباب الانحراف بقدر ما نريد أن نُصوِّر للقارئ الكريم أنَّ مسألة الانحراف ليست كما يُصوِّرها لنا البعض(٢٤) من أنَّ هناك انحرافاً كبيراً في صفوف الشيعة بعد شهادة كلِّ إمام من أئمَّتهم، وأنَّ هذه الانحرافات إن صحَّ إطلاق الظاهرة عليها - وهو بعيد جدّاً - فهي إنَّما نشأت عن شرذمة طامعة تقصد من خلال إيجاد الفرقة في صفِّ المذهب الحصول على مكاسب ومنافع آنية، وهؤلاء المتشـرذمون لا يمكن أن يكونوا بحال من الأحوال في كفَّة تجعلهم مقابل من ثبت وتمسَّك بمنهج أهل البيت (عليهم السلام)، فمثلاً الكيسانية لا يمكن أن نعدّها مذهباً في مقابل من تمسَّك بأهل البيت (عليهم السلام) وثبت على إمامة الأئمَّة (عليهم السلام) من ولد الحسين (عليه السلام)، وهذا ما يحاول البعض أن يوحيه للقرّاء، إذ يُعدِّد الفِرَق الشيعية، ويحاول أن يُوسِّع دائرتها ويجعلها في قبال من ثبت على إمامة الأئمَّة المنصوص عليهم (عليهم السلام)، مع أنَّ الواقع يُصوِّر لنا عكس هذا الادِّعاء تماماً ومن كتب مخالفينا - الذين يحاولون من خلال كتاباتهم تسجيل ما من شأنه إبعاد القرّاء عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) -، فمراجعة كتب المخالفين تُثبت أنَّ هذه الشـرذمة المنحرفة عن خطِّ أهل البيت (عليهم السلام) هي على طول خطِّ الإمامة وليست حالة برزت بعد إمام واحد حتَّى تصحَّ مقابلتها مع من ثبت على إمامة الأئمَّة (عليهم السلام).
ولمزيد من الإنصاف، وحتَّى نُعطي للقارئ تصويراً موضوعياً منصفاً، فإنَّ حالات الانحراف التي وقعت فيمن ينتحلون مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) البعض هو أحمد الكاتب في بعض حواراته في كتاب متاهات في مدينة الضباب.

(٢٢)

إنَّما كانت مناشؤها محصورة بين الدوافع المصلحية الذاتية، والدافع الخارجي السلطوي - أي ترغيباً او ترهيبا - ليكونوا أداة للانحراف، وفي النصوص التي تحدَّثنا عنها فيما سبق ( تحت الهامش ١٢)، وبالخصوص ذلك النصّ الذي يقول: (إنَّنا ما أخذنا العطاء حتَّى شهدنا على علي بالنفاق وتبرَّأنا منه)، فإنَّ هذا النصّ يعكس لنا وضوح أنَّ هناك أيدٍ سلطوية ومنافع شخصية هي كانت المسبَّب الرئيس وراء وقوع بعض الشـرذمة في شباك الانحراف عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، اما مذاهب العامَّة، فهي بالاساس وليدة السلطة الحاكمة، ومع ذلك نجد العشـرات من الفِرَق التي تفرَّق إليها أبناء العامَّة إلى مذاهب وملل ونحل، ولست في صدد بيان تفاصيل ذلك وخصوصياته ومفرداته، وإنَّما هنا أُشير إشارة سريعة مقتضبة إلى عدد ما تفرَّق إليه أبناء العامَّة، وأعتمد فيما أذكر على كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني، ولمن طلب الازدياد والتوسعة والاستقصاء فعليه بمراجعة الكتاب المذكور والمصادر التالية:
كتاب (الفِرَق بين الفِرَق) لعبد القاهر البغدادي، وكتاب (مقالات الإسلاميّين) للأشعري، وكتاب (الفصل في الملل) لابن حزم، وكتاب (التحف في مذاهب السلف) للشوكاني، وكتاب (افتراق الأُمَّة) للصنعاني، وغيرها من المصادر الأُخرى. ومن بين هذه المذاهب: الواصلية، والهذيلية، والنظّامية، والخابطية، والحديثية، والبِشْـرية، والمعمّرية، والمردارية، والثمّامية، والهاشمية، والجاحظية، والجبائية، والبهشمية، والجهمية، والنجّارية، والضـرارية، والأشعرية، والمشبِّهة، والكرّامية، والمرجئة، والأزارقة، والعابرية، والبيهسية، والعجاردة، والصلتية، والخلفية، والحمزية، والثعالبة، والإباظية، والحفصية، والصفرية الزيادية، واليونسية، والعبدية، والغسّانية، والثوبانية، والتومنية، والصالحية، وغيرها من المذاهب التي تأسَّست حديثاً كالسلفية والوهّابية والعشـرات، بل المئات. وما عليك سوى مراجعة ما أشرنا عليك به من مصادر لتقف عليه مفصَّلاً.

(٢٢)

إذن فمسألة الافتراق والتعدّدية في داخل المذهب الواحد هي حالة عامَّة، ونشأت عند غيرنا بوضوح ودون دوافع موضوعية، بينما نشأت عند شرذمة من اتباع أهل البيت (عليهم السلام) لأسباب موضوعية، منها الظرف الذي كان يعيشه أتباع هذا المذهب المضطهَد، وخفاء النصوص عليهم - مع عدم سعيهم لتحصيل المؤمن منها - التي من خلالها يتوصَّلون إلى الإمام الحقِّ، وقد تحدَّثنا فيما سبق من حديث وحاولنا أن نُقرِّب ونُصوِّر تلك الأجواء التي كان يعيشها أتباع هذا المذهب حرسهم الله، وكيف كان حال التقيَّة شديداً، وحال الاتِّصال بالإمام حرجاً، فهذه العوامل والأسباب لها مدخلية كبيرة في التفرّق عند من التبس عليه الأمر.
هذا وإذا ضممنا إلى هذه العوامل عاملاً آخر، وهو وجود أُناس ذوي مصالح أو أُناس مندسّين من قِبَل السلطات الجائرة، الهدف منه هو تفريق الجمهور عن الإمام، فبمجموع هذه العوامل ينبغي لنا أن لا نستوحش ونستغرب ما حصل عند ذوي النفوس الضعيفة والمتريِّنة - تلك القلوب التي ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون -.
ومن الطبيعي أن توجد وتكون هذه الأُمور التي تحدَّثنا عنها بمجموعها حالة من الضبابية والغموض - عند هذا البعض - تجاه آخر أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وهو الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث إنَّ الظروف السياسية والظروف الاجتماعية والظروف النفسية التي كانت تعيشها الأُمَّة توجب أن تكون حالة الخفاء والكتمان والتقيَّة شديدة جدّاً وبارزة وواضحة، وهذا ما يُؤثِّر سلباً على المصادر التي ستصل إلينا لاحقاً، والتي بموجبها نتعرَّف على الأدلَّة والنصوص الشـرعية التي نصَّت على إمامة الإمام الثاني عشر (عليه السلام).
ورغم هذا الجوّ الموبوء، وهذه البيئة المتزلزلة، والأحوال الغامضة، والتشدّد والخوف، إلَّا أنَّه قد وصل إلينا من النصوص والأحاديث ما تواتر في دلالته

(٢٢)

على ولادته (عليه السلام)، سواء ما كان منها نصوصاً على صعيد الأدلَّة التاريخية، أو على صعيد الأدلَّة العامَّة، والتي سوف نقف عندها مفصَّلاً في ثنايا أبحاثنا الآتية.
بعد البيانات السابقة لتأثير الظروف السياسية التي عاشها النصّ يتَّضح جليّاً مدى مدخلية تلك الظروف في ضبابية وعدم وضوح الصورة في قضيَّة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، ولمزيد من التوضيح نقرأ مجموعة من النصوص التي أكَّدت على أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) تُخفى ولادته ويُخمَل ذكره، وهذه كلّها نصوص عن أئمَّة سبقوا عصـر الولادة، وتحدَّثوا عنها بخصوصيات معيَّنة وقعت كما هي.
ومن تلك النصوص:
ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ الشيعة قالت له يوماً: أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟ قال: (لست بصاحبكم، أُنظروا من خفيت ولادته، فيقول قوم: وُلِدَ، ويقول قوم: ما وُلِدَ، فهو صاحبكم)(٢٥).
وعن أيّوب بن نوح، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يردّه الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضُرِبَت الدراهم باسمك، فقال: (ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، وسُئِلَ عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحُمِلَت إليه الأموال إلَّا اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفيّ المولد والمنشأ غير خفيّ في نسبه)(٢٦).
وعن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إنَّ للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم)، فقلت: ولِـمَ؟ قال: (يخاف - وأومى بيده إلى بطنه -)، ثمّ قال: (يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، فمنهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: غائب، ومنهم من يقول: وُلِدَ قبل وفاة أبيه بسنين، وهو المنتظر (عليه السلام) غير أنَّ الله (جلَّ جلاله)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) رسائل في الغيبة للشيخ المفيد ٢: ١٣.
(٢٦) كمال الدين: ٣٧٠/ باب ٣٥/ ح ١.

(٢٢)

يُحِبُّ أن يمتحن قلوب الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة)، قال زرارة: قلت: جُعلت فداك، إن أدركت ذلك الزمان أيَّ شيء أعمل؟ قال (عليه السلام): (يا زرارة، متى أدركت ذلك الزمان فلتدعُ بهذا الدعاء: اللّهمّ عرِّفني نفسك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني نفسك لم أعرف نبيَّك، اللّهمّ عرِّفني رسولك فإنَّك إن لم تُعرِّفني رسولك لم أعرف حجَّتك، اللّهمّ عرِّفني حجَّتك فإنَّك إن لم تُعرِّفني حجَّتك ضللت عن ديني...)(٢٧).
ثمّ قال الشيخ النعماني معلِّقاً على جملة من النصوص التي رواها بهذا الصدد في (ص ١٨٩):
(اليس في هذه الأحاديث - يا معشـر الشيعة - ممَّن وهب الله تعالى له التمييز وشافي التأمّل والتدبّر لكلام الأئمَّة (عليهم السلام) بيان ظاهر، ونور زاهر؟
هل يوجد أحد من الأئمَّة الماضين (عليهم السلام) شُكَّ في ولادته، واختُلِفَ في عدمه ووجوده، ودانت طائفة من الأُمَّة به في غيبته، ووقعت الفتن في الدين في أيّامه، وتحيَّر من تحيَّر في أمره، وصـرَّح أبو عبد الله (عليه السلام) بالدلالة عليه بقوله: (إذا توالت ثلاثة أسماء: محمّد وعلي والحسن كان رابعهم قائمهم)، إلَّا هذا الإمام (عليه السلام) الذي جُعلَ كمال الدين به وعلى يديه، وتمحيص الخلق وامتحانهم وتمييزهم بغيبته، وتحصيل الخاصّ الخالص الصافي منهم على ولايته بالإقامة على نظام أمره والإقرار بإمامته، وإدانة الله بأنَّه حقٌّ، وأنَّه كائن، وأنَّ أرضه لا تخلو منه وإن غاب شخصه، تصديقاً وإيماناً وإيقاناً بكلِّ ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين والأئمَّة (عليهم السلام) وبشَّروا به من قيامه بعد غيبته بالسيف عند اليأس منه؟
فليتبيَّن متبيِّن ما قاله كلّ واحد من الأئمَّة (عليهم السلام) فيه، فإنَّه يعينه على الازدياد في البيان، ويلوح منه البرهان.
جعلنا الله وإخواننا جميعاً أبداً من أهل الإجابة والإقرار، ولا جعلنا من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) الغيبة للنعماني: ١٧٠ و١٧١/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٦.

(٢٢)

أهل الجحود والإنكار، وزادنا بصيرةً ويقيناً وثباتاً على الحقِّ وتمسّكاً به، فإنَّه الموفِّق المسدِّد المؤيِّد) انتهى.
وهنا قد تبيَّن لك جليَّاً تأثير هذه العوامل في خفاء الولادة للمخلِّص المنتظَر، فلو أنَّ عاقلاً نظر بتدبّر أنَّه لو كان شخص قد ابتلي بواحدة من هذه العوامل، هل يا تُرى نسمع عن ذكره أو نعرف مولده؟! مع أنَّنا نجد - ممَّا ستقف عليه مفصَّلاً - كلّ الأدلَّة المتنوِّعة التي تدلُّ على ولادته رغم كلّ هذه الظروف الحرجة، فأيُّ إعجاز هذا؟
ثالثاً: بحث الروايات الدالّة على الولادة:
وأعتمد هنا في إيراد روايات المصادر الأوَّلية من كتبنا المعتمدة كــ (كتاب الكافي للشيخ الكليني، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، وكتاب الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمّي).
وحيث سنذكر في بحث أقوال علماء الإماميَّة في الولادة قول الشيخ أبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٢٩هـ) في كتابه (الإمامة والتبصرة)، فنستغني بما سنذكر هناك عنه هنا.
روايات الولادة في كتاب الكافي للشيخ الكليني:
باب مولد الصاحب (عليه السلام):
وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وفي هذا الباب يُوجَد (٣١) رواية، نأخذ منها حسب الترقيم مجموعة ونترك الباقي روماً للاختصار، ومن يُحِبُّ التزوّد عليه مراجعة المصدر:
١ - الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قُتِلَ الزبيري وقال: (هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنَّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله؟)، ووُلِدَ له ولد سمّاه (م ح م د) سنة ستّ وخمسين ومائتين(٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الكافي ١: ٥١٤.

(٢٢)

٣٠ - الحسين بن الحسن العلوي، قال: كان رجل من ندماء روزحسني، وآخر معه، فقال له: هو ذا يجبي الأموال وله وكلاء، وسمّوا جميع الوكلاء في النواحي، وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: أُطلبوا أين هذا الرجل فإنَّ هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا، ولكن دسّوا لهم قوماً لا يُعرَفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبِضَ عليه، قال : فخرج بأن يتقدَّم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من أحد شيئاً، وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا الأمر ، فاندسَّ لمحمّد بن أحمد رجل لا يعرفه، وخلا به فقال: معي مال أُريد أن أُوصله، فقال له محمّد: غلطت، أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطَّفه ومحمّد يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس، وامتنع الوكلاء كلّهم لما كان تقدَّم إليهم(٢٩).
ذكر الشيخ المجلسـي في (مرآة العقول) - وهو كتاب يشـرح فيه روايات كتاب الكافي للشيخ الكليني - الجزء السادس باب مولد الصاحب (عليه السلام): (إنَّ الأحاديث الصحيحة في هذا الباب بلغت عشـرة أحاديث) انتهى، والانصاف يقتضـي أكثر من ذلك، لأنَّ المناهج في تصحيح الأحاديث مختلفة، وهذا الباب ليس باب تقليد كما هو غير خفي على أهل الفنِّ، بل سنُثبت فيما بعد أنَّ أخبار هذا الباب بلغت التواتر.

* * *

روايات الولادة وذكر من شاهد الحجَّة القائم (عليه السلام) من كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق:
قال ما نصّه: (باب ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم) انتهى.
ونتعامل مع رواياته كما تعاملنا مع كتاب الكافي لنفس السبب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الكافي ١: ٥٢٥.

(٢٢)

حدَّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، ومحمّد بن موسى بن المتوكّل، وأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار (رضي الله عنهم)، قالوا: حدَّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال: حدَّثني إسحاق بن رياح البصـري، عن أبي جعفر العمري، قال: لـمَّا وُلِدَ السيِّد (عليه السلام) قال أبو محمّد (عليه السلام): (ابعثوا إلى أبي عمرو)، فبُعِثَ إليه، فصار إليه، فقال له: (اشتر عشـرة آلاف رطل خبز، وعشـرة آلاف رطل لحم وفرِّقه - أحسبه قال: على بني هاشم -)، وعقَّ عنه بكذا وكذا شاة(٣٠).
وأحاديث الباب (١٦) حديثاً.
ثمّ ذكر الشيخ الصدوق باباً آخر بعنوان: باب ذكر من هنَّأ أبا محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) بولادة ابنه القائم (عليه السلام)، وذكر فيه حديثاً واحداً هو التالي:
حدَّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن الكرخي، قال: حدَّثنا عبد الله بن العبّاس العلوي، قال: حدَّثنا أبو الفضل الحسن بن الحسين العلوي، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) بسُـرَّ من رأى فهنَّأته بولادة ابنه القائم (عليه السلام).
ثمّ ذكر باباً آخر بعنوان: (باب ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) ورآه وكلَّمه)، وفيه من الأحاديث (٢٦) حديثاً(٣١).
هذا ما يتعلَّق بكتاب كمال الدين.
روايات الولادة ومن تشرَّف برؤيته (عليه السلام) من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي:
حيث قال في (ص ٢٢٨) ما نصّه: (فصل: فأمَّا الكلام في ولادة صاحب الزمان (عليه السلام) وصحَّتها فأشياء اعتبارية وأشياء إخبارية، فأمَّا الاعتبارية فهو أنَّه إذا ثبت إمامته بما دلَّلنا عليه من الأقسام - التي ذكرها في كتاب الغيبة -، وإفساد كلِّ قسم منها إلَّا القول بإمامته ثبت إمامته، وعلمنا بذلك صحَّة ولادته وإن لم يرد فيه خبر أصلاً. وأيضاً ما دلَّلنا عليه من أنَّ الأئمَّة اثنا عشـر يدلُّ على صحَّة ولادته، لأنَّ العدد لا يكون إلَّا لموجود. وما دلَّلنا على أنَّ صاحب الأمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) كمال الدين وتمام النعمة: ٤٣٠ و٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٦.
(٣١) كمال الدين وتمام النعمة: ٤٣٤ - ٤٧٩/ باب ٤٤.

(٢٢)

لا بدَّ له من غيبتين يُؤكِّد ذلك، لأنَّ كلَّ ذلك مبنيٌّ على صحة ولادته. وأمَّا تصحيح ولادته من جهة الأخبار، فسنذكر في هذا الكتاب طرفاً ممَّا روي فيه جملةً وتفصيلاً، ونذكر بعد ذلك جملة من أخبار من شاهده ورآه، لأنَّ استيفاء ما روي في هذا المعنى يطول به الكتاب) انتهت عبارة الكتاب.
وأنت تلاحظ أنَّها كافية وافية أغنتنا عن سرد الأخبار التي رواها إثباتاً لولادته ميلاً للاختصار، ومن أراد الازدياد فعليه بالرجوع إلى كتاب الغيبة لشيخ الطائفة أعلى الله مقامه.
فقط أكتفي بنقل هذا الخبر - تشرفاً - من هذا الكتاب الدالّ على الولادة، وعلى منهج قويم وضعه أهل البيت (عليهم السلام) في الظروف الصعبة، فعن محمّد بن جعفر الأسدي، قال: حدَّثني أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا (عليهما السلام) سنة اثنتين وستّين ومائتين، فكلَّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمَّت لي من تأتمُّ بهم، قالت: فلان ابن الحسن، فسمَّته. فقلت لها: جعلني الله فداكِ، معاينةً أو خبراً؟ فقالت: خبراً عن أبي محمّد (عليه السلام) كتب به إلى أُمِّه. قلت لها: فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدَّة أُمّ أبي محمّد (عليه السلام) ، فقلت: (أقتدي) بمن وصيَّته إلى امرأة؟ فقالت: اقتد بالحسين بن علي (عليهما السلام) أوصى إلى أُخته زينب بنت علي (عليهما السلام) في الظاهر، وكان ما يخرج من علي بن الحسين (عليهما السلام) من علم يُنسَب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين (عليهما السلام). ثمّ قالت: إنَّكم قوم أصحاب أخبار، أمَا رويتم أنَّ التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) يُقسَّم ميراثه وهو في الحياة(٣٢)؟
في ذكر جملة من عدَّتهم الأخبار فيمن رأوا الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) وعايشوه، ونحن نذكر بعضاً منهم روماً للاختصار:
١ - أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) الغيبة للطوسي: ٢٣٠/ ح ١٩٦.

(٢٣)

٢ - أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأزدي.
٣ - تسعة وثلاثون رجلاً من بينهم أحمد بن عبد الله الهاشمي.
٤ - ثلاثون رجلاً من بينهم إبراهيم بن محمّد بن أحمد الأنصاري.
٥ - ثلاثون رجلاً من بينهم أبو نعيم الأنصاري.
٦ - جعفر عمّ الإمام المهدي (عليه السلام).
٧ - جعفر بن محمّد بن عمرو، وجماعة.
٨ - الحسن بن وجناء النصيبي.
٩ - الحسين بن روح أبو القاسم.
١٠ - حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام).
١١ - علي بن إبراهيم بن مهزيار.
١٢ - علي بن بلال البغدادي، الراوي عن أبي الحسن الثالث، ومعه أحمد بن هلال العبرتائي، والحسن بن أيّوب بن نوح، والشيخ العمري.
١٣ - محمّد بن أحمد المحمودي أبو علي، ومعه جماعة.
١٤ - السيِّد العلوي الموسوي محمّد بن إسماعيل بن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام).
١٥ - محمّد بن أيّوب بن نوح، ومعه محمّد بن عثمان العمري، ومعاوية بن حكيم، إلى تمام أربعين رجلاً.
١٦ - محمّد بن جعفر أبو العبّاس الحميري، ومعه وفد من قم.
١٧ - أبو محمّد الدعلجي من خيار أصحاب الراوندي.
١٨ - محمّد بن شاذان الكابلي أبو عبد الله شاذان النيسابوري.
١٩ - محمّد بن القاسم.
٢٠ - محمّد بن معاوية بن حكيم، ومعه جماعة.

(٢٣)

وغيرهم كثير جدّاً، فقد ذكر الشيخ الصدوق أنَّ هناك الكثير من أهالي المدن قد رآه (عليه السلام) سواء من كانوا من الوكلاء أو من غيرهم، فقد رآه من أهل آذربيجان، ومن الأهواز، ومن بغداد، ومن الكوفة، ومن قم، ومن نيسابور، ومن همدان، ومن أهل أصفهان، ومن الدينور، ومن الري، ومن قزوين، ومن مصـر، ومن نصيبين، ومن همذان، ومن اليمن، ومن شهر زور، ومن الصيمرة، ومن فارس، وقابس، ومرو، وغيرها.
يراجع لذلك كمال الدين (ج ٢/ ص ٤٤٢/ باب ١٦ و٤٣)، وبحار الأنوار (ج ٥٢).
أنَّ هناك الكثير ممَّن كتبوا وصنَّفوا فيمن رآه، بحيث بلغت من الكثرة ما يصعب معها الإحصاء، ومن بين المصنَّفات التي كُتِبَت في هذا الباب:
١ - بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي.
٢ - تبصرة الوليّ فيمن رآى المهدي (عليه السلام) للبحراني.
٣ - النجم الثاقب وجنَّة المأوى للنوري.
٤ - دار السلام فيمن فاز بسلام الإمام للشيخ الميثمي العراقي.
٥ - بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام للسيِّد اليزدي الطباطبائي.
٦ - إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب للشيخ الحائري اليزدي.
٧ - البهجة فيمن فاز بلقاء الحجَّة (عليه السلام) للميرزا الألماسي.
٨ - العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان للشيخ النهاوندي.
٩ - اللقاء مع صاحب الزمان (عليه السلام) للسيِّد حسن الأبطحي.
وغيرها ممَّا صُنِّف في هذا الباب.
رابعاً: بحث الروايات المعارضة:
أثناء بحثنا في قضيَّة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) لم نجد هناك نصوصاً صريحة

(٢٣)

تدلُّ على عقم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من طرقنا أو من طرق غيرنا، ولم نجد كذلك روايات تُصـرِّح بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يُولَد في آخر الزمان، بل ولم نجد روايات تُصـرِّح وتُدلِّل على أنَّ الإمام لم يُولَد بعد.
نعم هناك أقوال لعلماء من أبناء العامَّة قالوا بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مات عقيماً، ولم يُقدِّموا لنا دلائل على ذلك لا من طرقهم ولا من طرقنا، بل إنَّ هذه الأقوال معارضة بأقوال أُخرى لكبار علماء أبناء العامَّة صـرَّحوا فيها بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وانتسابه وبنوَّته للإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، وهذا ما يُشكِّل بحدِّ ذاته رفضاً وإسقاطاً للأقوال التي تقول بعقم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
نعم هناك من خوارج العصـر من يريد أن يُشكِّك في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من خلال الطعن بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) اعتماداً على بعض المتشابهات في رواية واحدة فقط، يريد هذا البعض أن يوهم من خلالها أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يكن له ولد ظاهر، وأنَّه كُبِسَ على بيته أثناء مرضه وبعد وفاته ولم يُعثَر له على ولد، وأنَّ ميراثه قد قُسِّم بين عمِّه وأُمِّ الإمام الحسن العسكري، وجملة من هذه التوهّمات والتخرّصات سوف نقف عندها في بحث مفصَّل عنوناه بالفصل الثاني الذي يتحدَّث عن الإشكالات الدائرة موضوعاتها حول الولادة وأجوبتها، وهناك سوف نتحدَّث مفصَّلاً عن جملة هذه الإشكالات.
خامساً: بحث التواتر:
لا يخفى على من له أدنى معرفة أنَّ من قال بتواتر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) فهو قائل بتواتر ولادته (عليه السلام)، وذلك لوضوح التلازم بين القول بالغيبة وبين لزوم القول بالولادة، فإنَّه لا معنى لأن يقول عالم من علماء الإماميَّة بأنَّ غيبة الإمام (عليه السلام) قد تواترت أخبارها وفي نفس الوقت لا يقول بولادته (عليه السلام)، بل

(٢٣)

إنَّنا من خلال تتبّع كلمات علمائنا وجدنا أنَّ أغلبهم يُفرِّع بحث الغيبة على بحث الولادة، فهذا هو الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة، والشيخ الطوسي في غيبته، والشيخ الكليني في الكافي، يُفرِّعون الحديث عن الغيبة بعد أن يفرغوا من الحديث عن الولادة.
إذاً فكلُّ من قال من علمائنا الماضين رحمهم الله تعالى وأسكنهم فسيح جنّاته بتواتر الغيبة، فهم قائلون بتواتر الولادة بلا شكٍّ، فضلاً عن أنَّ هناك أقوالاً صريحة بالولادة، وبمجموع الأقوال كلّها يحصل عندنا تواتر بنقل التواتر.
وهنا لا بدَّ أن نذكر ونُنبِّه على أنَّ هناك عنصـراً آخرا لا بدَّ أن لا نغفله في تحصيل التواتر، هو روايات العلامات التي هي كثيرة جدّاً وتتحدَّث عن الظهور لا الولادة بعد حدوثها، وقد أشار إلى هذا العنصر جملة من علمائنا الماضين، فتنبَّه له ولا تغفله.
وإليك جملة من أقوال علمائنا القائلين بتواتر الغيبة، وأقوال علمائنا القائلين بتواتر الولادة:
وسيأتي الكلام في بيان أنَّ هذه الغيبة قد أشار لها بأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
١. ففي كتاب الغيبة للنعماني يقول: (هذه الروايات التي قد جاءت متواترة تشهد بصحَّة الغيبة...)(٣٣).
وفيه يقول: (وإلى قولهم: (وأخملنا ذكراً) يشيرون بخمول ذكره (عليه السلام) إلى غيبة شخصه واستتاره (عليه السلام)، وإذا جاءت الروايات متَّصلة متواترة بمثل هذه الأشياء قبل كونها، وبحدوث هذه الحوادث قبل حدوثها، ثمّ حقَّقها العيان والوجود، فوجب أن تزول الشكوك عمَّن فتح الله قلبه ونوره وهداه وأضاء له بصره)(٣٤).
وفيه يقول: (هذه العلامات التي ذكرها الأئمَّة (عليهم السلام) مع كثرتها واتِّصال الروايات بها وتواترها واتِّفاقها موجبة ألَّا يظهر القائم (عليه السلام) إلَّا بعد مجيئها...)(٣٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) الغيبة للنعماني: ١٦٣ و١٦٤.
(٣٤) الغيبة للنعماني: ٣٤٠ و٣٤١.
(٣٥) الغيبة للنعماني: ٢٩١ و٢٩٢.

(٢٣)

٢. وفي الغيبة للشيخ الطوسي يقول: (... والأخبار في هذا المعنى [الغيبة] أكثر من أن تُحصـى ذكرنا طرفاً منها لئلَّا يطول به الكتاب...، على أنَّ هذه الأخبار متواتر بها لفظاً ومعنىً. فأمَّا اللفظ فإنَّ الشيعة تواترت بكلِّ خبر منه، و(أمَّا) المعنى فإنَّ كثرة الأخبار واختلاف جهاتها وتباين طرقها وتباعد رواتها، يدلُّ على صحَّتها، لأنَّه لا يجوز أن يكون كلّها باطلة)(٣٦).
٣. وفي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق يقول: (فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت، وأنَّه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنَّها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقَّعها وتترجّاها كما ترجون بعد هذا من قيام القائم (عليه السلام) بالحقِّ وإظهار العدل. ونسأل الله (عزَّ وجلَّ) توفيقاً وصبراً جميلاً برحمته)(٣٩).
وفيه يقول: (وقد أخرجت ما حضـرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلِّفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة، فألَّفوا ذلك في كتبهم ودوَّنوه في مصنَّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللُّبِّ والتحصيل، أو أن يكونوا (قد) أسَّسوا في كتبهم الكذب فاتَّفق الأمر لهم كما ذكروا وتحقَّق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالّهم، وهذا أيضاً محال كسبيل الوجه الأوَّل، فلم يبقَ في ذلك إلَّا أنَّهم حفظوا عن أئمَّتهم المستحفظين للوصيَّة (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دوَّنوه في كتبهم وألَّفوه في أُصولهم، وبذلك وشبهه فلج الحقُّ وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً)(٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) الغيبة للطوسي: ١٦٧ - ١٧٤.
(٣٩) كمال الدين: ٩٤.
(٤٠) كمال الدين: ١٩.

(٢٣)

٤. وفي شرح إحقاق الحقِّ للسيِّد المرعشـي يقول:

من عمره وما رأى ولقيا            وربّنا أدرى بما قد بقيا
واشتهرت من قبلها آثارها        غيبته تواترت أخبارها
ينقله العدوّ والوليُّ(٤٢)          وطول عمره كذا مرويُّ

٥. وفي منتخب الأنوار المضيئة للسيِّد بهاء الدين النجفي يقول: (وقد تواترت الأخبار ورُويت الآثار عن الله تعالى والنبيِّ والأئمَّة الأحد عشـر الأطهار، بالنصِّ على إمامته وظهوره بعد غيبته، فلنذكر بعض ما ورد عن كلِّ واحد واحد منهم على الترتيب، على سبيل الاختصار دون الإطناب والإكثار) انتهى، ثمّ ذكر عدَّة روايات في هذا المجال(٤٣).
٦. وفي تاج المواليد (المجموعة) للشيخ الطبرسي يقول: (وأمَّا غيبته صلوات الله عليه فقد تواترت الأخبار بها قبل ولادته، واستفاضت بدولته قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمَّة الهدى (عليهم السلام)، والمنتظر لدولة الإيمان، والقائم بالحقِّ، وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأُخرى كما جاءت به الأخبار عن آبائه الصادقين (عليهم السلام))(٤٤).
هذا فيما يخصُّ جملة ممَّن قال بتواتر غيبته من علمائنا المتقدِّمين، أمَّا من قال بتواتر ولادته:
١. وفي منهاج الكرامة للعلَّامة الحلّي يقول: (وقد تواترت به الشيعة في البلاد المتباعدة خلفاً عن سلف من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أنَّه قال للحسين (عليه السلام): (هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمَّة تسعة، تاسعهم قائمهم، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملؤ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً)(٣٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) منهاج الكرامة: ١٧٧.
(٤٢) الأربعين: ٢١٦ و٢١٧.
(٤٣) منتخب الأنوار المضيئة: ٤٥.
(٤٤) تاج المواليد: ٦٥.

(٢٣)

٢. وفي شرح أصول الكافي للمولي محمّد صالح المازندراني يقول: (وهذا القيام كاين قطعاً لروايات متواترة من طريق العامَّة والخاصَّة، إلَّا أنَّ العامَّة يقولون: إنَّه يُولَد في آخر الزمان من نسل علي وفاطمة وجده الحسين (عليه السلام) كما صـرَّح به الآبي في كتاب إكمال الكمال، ونحن نقول: هو حي موجود قامت السماوات بوجوده، ولولا وجوده لساخت الأرض بأهلها طرفة عين)(٣٨).
٣. وفي كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي يقول: (والنصوص الواردة عليه من آبائه صلوات الله عليهم متواترة، ومن أرادها فليقف عليها في كتاب الكافي، وإرشاد المفيد (رحمهما الله)، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة في إثبات الغيبة ورفع الحيرة لرئيس المحدِّثين محمّد بن علي بن بابويه القمّي، وكتاب ملاء الغيبة في طول الغيبة للشيخ جمال الدين أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم الشهير بالنعماني، وكتاب الغيبة للشيخ أبي جعفر الطوسي وغيرها)(٤١).
٤. وفي الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف للسيِّد ابن طاووس، قال: (ونقل إلينا سلفنا نقلاً متواتراً أنَّ المهدي (عليه السلام) المشار إليه وُلِدَ ولادة مستورة...)(٤٥).
٥. وفي بحار الأنوار للعلَّامة المجلسـي يقول: (وأمَّا الذي ورد من طرق الشيعة فلا يسعه إلَّا مجلَّدات، ونقل إلينا سلفنا نقلاً متواتراً أنَّ المهدي المشار إليه وُلِدَ ولادة مستورة، لأنَّ حديث تملّكه ودولته وظهوره على كافَّة الممالك والعباد والبلاد كان قد ظهر للناس فخيف عليه، كما جرت الحال في ولادة إبراهيم وموسى (عليهما السلام) وغيرهما، وعرفت الشيعة ذلك لاختصاصها بآبائه (عليهم السلام) فإنَّ كلَّ من يلزم بقوم كان أعرف بأحوالهم وأسرارهم من الأجانب، كما أنَّ أصحاب الشافعي أعرف بحاله من أصحاب غيره)(٤٦).
٦. وفي كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي يقول: (... إجماع الشيعة رضوان الله عليهم، وتواتر أخبارهم بولادته صلوات الله عليه وعلى آبائه، على نحو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) شرح أُصول الكافي ١: ٣٠١ و٣٠٢.
(٤١) شرح إحقاق الحقِّ ١٣: هامش ص ٣٦٩.
(٤٥) الطرائف: ١٨٣.
(٤٦) بحار الأنوار ٥١: ١٠٧.

(٢٣)

ولادة إبراهيم وموسى (عليهما السلام)، وغيرهما ممَّن اقتضت المصلحة تستّر ولادته. وقد استفاضت الأخبار عنهم باسمه ونسبه...)(٤٧).
٧. وفي عقائد الإماميَّة للشيخ محمّد رضا المظفَّر يقول: (هذا المصلح المهدي هو شخص معيَّن معروف وُلِدَ سنة (٢٥٦ هجرية) ولا يزال حيّاً، هو ابن الحسن العسكري واسمه محمّد. وذلك بما ثبت عن النبيّ وآل البيت (عليهم السلام) من الوعد به، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه)(٤٨).
٨. وفي بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإماميَّة للسيِّد محسن الخزّازي يقول: (وثانيهما: هو ما أشار إليه في المتن حيث قال: وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه، ولا يجوز أن تنقطع الإمامة وتحول في عصر من العصور وإن كان الإمام مخفيّاً...)(٤٩).
وفي موضع آخر يقول: (قال المحقِّق القمّي (قدس سرّه): إنَّ كثيراً من جوامع الشيعة أُلِّفت قبل ولادة جنابه (عليه السلام)، فهذه الأخبار مضافاً إلى كونها متواترة ومفيدة لليقين، تكون مقرونة بالإعجاز)(٥٠).
٩. وفي محاضرات في الإلهيات للشيخ جعفر السبحاني يقول: (كلُّ من كان له إلمام بالحديث، يقف على تواتر البشارة عن النبيِّ وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم ونشـر العلم وإقامة العدل، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشـركون، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّى يخرج رجل من ولدي، فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً). ولو وُجِدَ هنا خلاف بين طوائف المسلمين فهو الاختلاف في ولادته، فإنَّ الأكثرية من أهل السُّنَّة يقولون بأنَّه سيولد في آخر الزمان، لكن معتقد الشيعة بفضل الروايات الكثيرة هو أنَّه وُلِدَ في سُـرَّ من رأى عام (٢٥٥) بعد الهجرة النبوية،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) الأربعين: ٢١١.
(٤٨) عقائد الإماميَّة: ٧٨ و٧٩.
(٤٩) بداية المعارف الإلهية ٢: ١٣٢.
(٥٠) بداية المعارف الإلهية ٢: ١٤٤.

(٢٣)

وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده عام (٢٦٠هـ)، وسوف يُظهره الله سبحانه ليتحقَّق عدله)(٥١).
١٠ . وفي منار الهدى في النصِّ على إمامة الاثني عشـر (عليهم السلام) للشيخ علي البحراني يقول: (وأمَّا بقاؤه حتَّى يُؤذَن له في الظهور فلوجوه: الأوَّل: اتِّفاق الإماميَّة عليه، وموافقة جملة من المخالفين لهم على صحَّته كما سمعت. الثاني: تواتر الأخبار عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة، بعد المفروغية من إثبات كون قولهم حجَّة بإثبات إمامتهم بما ذكرناه من النصوص المتقدِّمة، والوجوه المتعدِّدة)(٥٢).
١١. وفي مجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي يقول: (وهذا الفضل بن شاذان العالم المحدِّث المتوفّى قبل وفاة الإمام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، روى عنه في كتابه في الغيبة خبر ولادة ابنه المهدي، وكيفيتها وتاريخها، وكانت ولادته (عليه السلام) بين الشيعة وخواصّ أبيه من الأُمور المعلومة المعروفة، وقد أمر أبوه (عليه السلام) أن يُعقَّ عنه ثلاثمائة شاة، وعرضه على أصحابه يوم الثالث من ولادته، والأخبار الصحيحة الواردة بإسناد عالية في ذلك كثيرة متواترة جدّاً)(٥٣).
١٢. وفي الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال للشيخ محمّد باقر الإيرواني يقول: (وبعد هذا فليس من حقِّنا أن نناقش في روايات الإمام المهدي (عليه السلام) ونقول: هذه مختلفة في التفاصيل، واحدة تقول بأنَّ أُمَّ الإمام المهدي اسمها نرجس، والثانية تقول: إنَّ أُمَّ الإمام اسمها سوسن، والثالثة تقول: اسمها شـيء ثالث، أو أنَّ واحدة تقول: وُلِدَ في هذه الليلة، والثانية تقول: وُلِدَ في تلك الليلة، أو واحدة تقول: وُلِدَ في هذه السنة، والأُخرى تقول: في السنة الأُخرى، فعلى هذا الأساس هذه الروايات لا يمكن أن نأخذ بها، وليست متواترة وليست مقبولة، لأنَّها تختلف في التفاصيل، ولا تنفع في إثبات التواتر وفي تحصيل العلم بولادة الإمام سلام الله عليه، لأنَّها مختلفة ومتضاربة فيما بينها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) محاضرات في الإلهيات: ٣٨٩ و٣٩٠.
(٥٢) منار الهدى: ٦٢٨.
(٥٣) مجموعة الرسائل ٢: ٤٠٢.

(٢٣)

حيث اختلفت بهذا الشكل. إنَّه باطل، لأنَّ المفروض أنَّ كلَّ هذه الأخبار متَّفقة في جانب واحد، وهو الإخبار بولادة الإمام سلام الله عليه، ولئن اختلفت فهي مختلفة في تفاصيل وخصوصيات أُخرى، لكن في أصل ولادة الإمام هي متَّفقة، فالعلم يحصل والتواتر يثبت من هذه الناحية)(٥٤).
١٣. وفي تنزيه الشيعة الاثني عشـرية عن الشبهات الواهية لأبي طالب التجليلي التبريزي يقول: (إنَّه قد وردت نصوص متواترة على أنَّ المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً هو ابن الحسن العسكري (عليهما السلام)، فقد ورد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في التصـريح عليه ستّون نصّاً، وعن أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) في التصـريح على ولده المهدي اثنان وأربعون نصّاً، وعن سائر الأئمَّة (عليهم السلام) نصوص كثيرة، فراجع)(٥٥).
١٤. وفي مقالات تأسيسية للسيِّد الطباطبائي يقول: (إنَّ بين أيدينا أخباراً متواترة عن طريق العامَّة والخاصَّة وصلتنا عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) تُحدِّثنا عن حياة الإمام الغائب وسيرته، ومن معالم هذه السيرة يتبيَّن أنَّ هذا الإمام ابن الإمام الحسن بن علي العسكري... وُلِدَ بسامراء)(٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال: ١٩ و٢٠.
(٥٥) تنزيه الشيعة الاثني عشرية ٢: ٥٦١.
(٥٦) مقالات تأسيسية: ٢٧١.

(٢٤)

 

 

الإيمان والإلحاد بين الانتظار واليأس

 

 

الشيخ حسن الكاشاني

 

من أين تأتي الأفكار الإلحادية؟
انطلاقاً من مبدأ أنَّ الله تعالى لا يخاف الفوت، وأنَّه لا يعجل بالانتقام، ويُعطي فرصة للكلِّ ليمتحنهم ويبتليهم، فقد قدَّر في قضائه المحكم أن يملي للكافرين والظالمين ويمهلهم ولا يستأصلهم بأوَّل ما يهمّوا بالفساد والإفساد.
وهذا ممَّا صـرَّح الله تعالى به في عدَّة من آي الذكر الحكيم، كقوله تعالى:
﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (الإسراء: ٢٠).
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ (آل عمران: ١٧٨).
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف: ١٨٣).
﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٧ و٣٨).
فهو تعالى قد أنظر إبليس وجنده وأملا لهم وأمهلهم وأمدَّهم بالعطاء، وهذا واحدة من أهمّ أسباب الابتلاء وافتتان الناس بهم ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (الأنفال: ٣٧).
وهذا الإمهال والإملاء رغم كلّ ما فيه من الحِكَم الإلهية، فإنَّ له

(٢٤)

مضاعفات تُؤثِّر في حدوث حالة من التقهقر والانهزام لدى الفئة المؤمنة، ممَّا قد يؤدّي بها إلى تلك المخاطر، حيث يفقد الناسُ الأملَ بنجاح المشـروع الإلهي حينما يرون أنَّ الدور البارز والقوَّة الغالبة هي بيد إبليس وأتباعه من الطغاة والكافرين. ويظنون - لعدم حيطتهم بنظام الدنيا وعاقبة الأرض وقصـر مكوث الظالمين فيها - أنَّ الله تعالى قد غُلِبَ على أمره، وفشل في مشـروعه.
وهذا هو ما يريده إبليس منهم، ففي الحالات الخطيرة تؤدّي بالإنسان إلى الإلحاد المعلن، أو إيجاد الرؤية الخاطئة بأنَّ الدين من معوِّقات التقدّم والنهوض، حيث يرى المؤمنين مستضعفين، وبعض حالاتها المخفَّفة تؤدّي إلى مهالك أقلّ خطورةً.
فحينما يعلم الله أنَّ الفئة المؤمنة والمسلمة ستمرُّ عليهم حقبة من الزمن يتحمَّلون فيها الأذى والألم والمرارة من الفئة الكافرة والظالمة، وأنَّ معالم الخطّ الإلهي ستُقهَر في مقابل المدّ الشيطاني الإبليسـي، ويكون له الدور البارز والدولة المعلنة، فلكي لا يفقد المؤمنون الأمل ولا ييأسوا من النصـر الإلهي، يُنبؤهم الله بمستقبل أمرهم من النجاح والنصر.
ولنذكر بعض النماذج من دعاوي الملحدين:
قال أحدهم: (استوقفتني الآية التالية: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحجّ: ٣٨)، واقع الحال بأنَّ الله لم يعد يدافع عن الذين آمنوا، بل العكس، فهم من جنَّدوا أنفسهم للدفاع عنه، وهل نعقل أنَّ الله يدافع عن الذين آمنوا ولكنَّه محدود القدرة!؟ أين مظاهر الدفاع عنهم!؟)(١).
وعن آخر: (إنَّ الشـريعة الإسلاميَّة من أكبر معوِّقات التقدّم والنهوض، وإنَّ اتِّباعها يؤدّي إلى التخلّف عن ركب الحضارة)(٢).
وثالث يصف الله تعالى في روايته التي نشرتها وزارة الثقافة المصرية بالفنّان الفاشل(٣)!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) (brainuser) في مقال عنه/ مجلَّة الرصد، ملحق ظاهرة الإلحاد (ص ١١٧).
(٢) أحمد أبو زيد في دراسة عن الملحدين الجدد، وثائق خطيرة عن قضايا ازدراء الأديان في مصـر/ مجلَّة الرصد، ملحق ظاهرة الإلحاد (ص ٨٨).
(٣) المصدر السابق.

(٢٤)

قال أحد الكتّاب الباحثين عن أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد: (مسألة وجود الشـرِّ من أقدم المسائل التي تحدَّث حولها الفلاسفة المؤمنون، فالشـرُّ حاضر في عالمنا الذي يملؤه القتل والظلم، وتوجد فيه الأمراض والآفات وشتّى أنواع الشرور.
بعض شبابنا يترك الدين أو يشكُّ به لأجل الواقع السيّئ الذي يعيشه المسلمون، وبسبب ما نعانيه من تخلّف سياسي واقتصادي ونهضوي، فهذا الشاب المسكين يتساءل بحرقة وسذاجة: لو كان الدين الإسلامي هو الحقُّ، فلماذا نحن في ذيل الأُمم؟ ولماذا نحن الأكثر تخلّفاً(٤)؟
وقد يؤدّي بهم إلى تقديس شيطان باعتباره قوَّة منافسة لله تعالى، بل قد كان له نصيب الأسد في الدنيا، فقد جاء في تاريخ عبّاد الشيطان:
(هذا الفكر المنحرف فكر قديم، ولكن اختلف المؤرِّخون في نشأته وبداية ظهوره، فذهب بعضهم إلى أنَّه بدأ في القرن الأوَّل للميلاد، وهؤلاء كانوا ينظرون إلى الشيطان على أنَّه مساوٍ لله تعالى في القوَّة والسلطان. ثمّ تطوَّر هؤلاء إلى الذين كانوا يؤمنون بأنَّ الشيطان هو خالق هذا الكون! وأنَّ الله لم يقدر على أخذه منه، وبما أنَّهم يعيشون في هذا الكون فلا بدَّ لهم من عبادة خالقه (المزعوم) إبليس)(٥).
فوائد التبشير الإلهي:
وفي هذا التبشير الإلهي والإنباء بالنجاح المستقبلي عدَّة فوائد:
أوَّلاً:
إنَّه يحافظ على إيمان الفئة المؤمنة ويُثبِّت عزائمها في الاعتقاد بالله تبارك وتعالى ونجاح المشروع الإلهي، حيث إنَّ فقدان الأمل بالمستقبل يجعل الإنسان يُخيَّل إليه أنَّ المشـروع الإلهي قد أصابه الفشل في تخطيطه، وأنَّ المشـروع الناجح هو المشـروع الآخر الذي يرى فيه الغلبة الظاهرية فيكفر بالله ويؤمن بالطاغوت!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) البراء العوهلي في مقال عنه بعنوان (ظاهرة انتشار الإلحاد في صفوف شباب المسلمين)/ مجلَّة الرصد، ملحق ظاهرة الإلحاد (ص ٦٦).
(٥) محمّد الحمود النجدي، في مقال عنه في موقعه بعنوان (عبدة الشيطان اليزيدية)، بتصرّف.

(٢٤)

وثانياً: إنَّه يمانع المجتمعات المؤمنة من الذوبان في الهجوم الغاشم والمدّ الغالب من الخطِّ المعادي، وذلك أنَّ الناس بطبعهم يريدون النصـر والنجاح، فحينما يحصل لهم اليأس من نجاح مشـروعهم لغلبة الطرف الآخر وكونهم مقهورين مضطهدين، فإنَّهم سيرفعون اليد عن هويَّتهم الإيمانية ويصيرون على شاكلة الخطِّ الغالب الذي يرونه ناصراً وناجحاً.
وثالثاً: إنَّه يرسم أمامهم صفحة بيضاء عن المستقبل فيتحرَّكون نحوه، وذلك أنَّ وقود حركة المجتمع هو الأمل بالمستقبل، والأُمَّة التي فقدت الأمل بنجاحها في المستقبل تكون ميِّتة لا تتحرَّك قيد شبر، لأنَّها ترى نفسها تضمحلّ وتنتهي.
ورابعاً: إنَّه يُسهِّل على المؤمنين تحمّل كلّ هذا الأذى والجور والمصائب التي تصل إليهم من الفئة الظالمة الطاغوتية، فيما يرون أنَّ مستقبل الأمر يكون بيدهم، ومهما مدَّ الطاغي في الجور باعه إلَّا أنَّه لن يفوته المستقبل، فإنَّ العاقبة للمتَّقين.
وغيرها من الفوائد المهمَّة التي رأينا أنَّها تُشكِّل العمود الفقري للحفاظ على كيان المؤمنين وهويَّتهم الإيمانية وإيمانهم بالله وبرسله وبكتبه، وبخلاف ذلك لا يبقى لهم كون ولا كيان.
التبشير الإلهي في الأمم السابقة:
من هنا لا تجد فترة من الفترات وحقبة من الزمن الذي ابتلي فيه المؤمنون والصالحون إلَّا وقد بشَّـرهم الله بالنجاح، وأنَّ مع العسـر يسـراً، وأنَّ عاقبة الأمر تعود إليهم، فلا يحزنهم جور الجائرين، ولا يفقدون الأمل بالمستقبل. بل نرى أنَّه تعالى قبل مجيء أوان الابتلاء والتمحيص والمصيبة يبدأ بالتبشير، ليستحكم في نفوسهم، فلا يزلزل إيمانهم بعد ما لاح في الأُفق علامات المصيبة والشدَّة والبلاء والمحنة.

(٢٤)

بداية محنة يعقوب (عليه السلام) ببشارة الظفر وتمكين يوسف (عليه السلام) في الأرض:
حينما قدَّر الله تعالى ليعقوب ويوسف (عليهما السلام) المحنة والبلاء، هذا يُبتلى بفراق ذاك والآخر يُلقى في غيابات الجبّ ثمّ يؤسر فيباع فيُستَخدم ويُسجَن مع كلِّ ما فيها من هنات وهنات، حتَّى ابيضَّت عينا يعقوب (عليه السلام) من حزن فراق يوسف (عليه السلام)، فقبل نزول البلاء بآل يعقوب (عليه السلام) بشَّـرهم الله بالتمكين في الأرض والظفر ليوسف ويعقوب (عليهما السلام)، فكانت هذه البشارة الإلهية هي الباعثة للصبر والحركة.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَـرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤).
ففسَّـرها يعقوب (عليه السلام) بأنَّها بشارة بالاصطفاء والتمكين في الأرض، وأنَّ الله تعالى سيُمكِّن له في الأرض، وتذلُّ له أعناق الجبابرة، ليكون مصلحاً في الأرض، ويكون زوال جور الفراعين وبسط العدالة الاقتصادية على يديه.
هذه البشارة ولَّدت نقطة أمل بيضاء في قلب يعقوب (عليه السلام)، وكذلك في قلب يوسف (عليه السلام)، فاستعدّا لتحمّل الأذى والقساوة من الخطِّ المعادي المتمثِّل في إخوة يوسف (عليه السلام)، ولم ينفد صبرهما إلى نهاية المسير، فجدّا في السير والحراك رغم شدَّة المصائب.
في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (تأويل هذه الرؤيا أنَّه سيملك مصـر، ويدخل عليه أبواه وإخوته، أمَّا الشمس فأُمُّ يوسف راحيل، والقمر يعقوب، وأمَّا أحد عشـر كوكباً فإخوته، فلمَّا دخلوا عليه سجدوا شكراً لله وحده حين نظروا إليه، وكان ذلك السجود لله)(٦).
وهذه البشارة في الحقيقة بشارة ليعقوب (عليه السلام) بأنَّ الله تعالى سيصطفي ابنه يوسف (عليه السلام) ويُمكِّنه في الأرض ليكون مصلحاً في الناس، فشـرح الله تعالى صدر يعقوب (عليه السلام) بهذه البشارة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) تفسير القمّي ١: ٣٣٩.

(٢٤)

يعقوب (عليه السلام) سنَّ سُنَّة الانتظار:
ثمّ إنَّ يعقوب (عليه السلام) جعل هذه البشارة الإلهية نصب عينيه طول تلك السنين، فكانت الحافظ لإيمانه. وحينما عوتب على أمله بعودة ولده يوسف (عليه السلام) وتمكين الحكم الإلهي في الأرض على يديه ونسب إلى الغلوِّ في إظهار الحزن والبكاء والانتظار، أجابهم بصـرامة قاطعة أنَّه يعلم من الله ما لا يعلمون، وأنَّه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون، فأمرهم بالجدِّ في البحث عن يوسف (عليه السلام) والتحسّس منه.
قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٤ - ٨٧).
فصار الانتظار لمجيء المصلح السماوي في جميع الأزمنة أُسوة بيعقوب (عليه السلام)، بينما قد كان ضرب اليأس والخيبة أوتاده في قلوب كثيرين فأوقفهم عن الحركة وجعلهم ينقهرون أمام المدِّ الإبليسـي الغاشم.
وفي حكم القرآن بكفر الإياس عن روح الله تعالى دلالة واضحة على مدى أهمّية هذا التبشير الإلهي والإيمان بصدقه، وأنَّه لن يطول ظلام الليل حتَّى يلوح شعاع الشمس في الأُفق، فكان - الانتظار - المانع عن تورّطهم في الكفر بالرحمن (جلَّ جلاله).
بداية قصَّة موسى وهارون (عليهما السلام) بالتبشير والوعد بالتمكين:
ومن بعد يوسف (عليه السلام) حينما علم الله تعالى أنَّه ستغلب دولة الفراعنة وسيسوم المؤمنين سوء العذاب من البلاط الفرعوني يذلّونهم ويستضعفونهم، فقبل أن

(٢٥)

 يُنزِل عليهم سوط العذاب الفرعوني، برَّد قلوبهم وطمأنهم بالنصـرة والظفر ليطمأنّوا بأنَّ عاقبة الأرض لهم، وهم الوارثون - لقصور فرعون - على يد نبيِّ الله موسى وهارون (عليهما السلام)، كيلا يضمحلّوا في الخطِّ الفرعوني لما يرون من شدَّة طغيانه وبطشه، فكانت هذه البشارة هي الحافظة لإيمانهم بالله ورسله وملائكته وكتبه، وهي الباعثة على العمل بمقتضـى إيمانهم. ولولا ذلك لم يبقَ منهم أحد إلَّا وقد أقبل إلى فرعون وأقرَّ له بالربوبية وأدبر عن إله يوسف ويعقوب وإبراهيم ونوح وآدم (عليهم السلام)، حينما يظنُّ أنَّ المشـروع الإلهي قد أُصيب بالفشل والانقهار، بينما المشـروع الإبليسـي صار له صوت وصيت.
قال الله تعالى في مفتتح ذكره لقصَّة موسى وهارون (عليهما السلام):
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٥ و٦).
ومن قبل ذلك بشَّـرهم يوسف (عليه السلام) بمجيء موسى بن عمران (عليه السلام)، وأخبرهم بفوزهم ونجاتهم ونصـرهم، وأنَّ فتح الدين وبسط العدل يكون على يديه، فكانوا يترصَّدون ويترقَّبون خروج شخص اسمه موسى بن عمران (عليه السلام).
عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إنَّ يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضـرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلاً، فقال: إنَّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، ويسومونكم سوء العذاب، إنَّما ينجيكم الله برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران بن فاهث بن لاوي، غلام طوال، جعد الشعر، آدم اللون، فجعل الرجل من بني إسرائيل، يُسمّى ابنه عمران، ويُسمّى عمران ابنه موسى)(٧).
وقد كان لعمران والد موسى (عليه السلام) موقفاً شريفاً یُنبئ عن قوَّة إيمانه وعدم حصول أيِّ ضعف ولا خلل عن العمل بوظيفته إثر الطغيان الفرعوني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) قصص الأنبياء للراوندي: ١٥١/ ح ١٦٠.

(٢٥)

 الغاشم، حينما كان يشاهد في وجوه البعض ملامح الضعف والفتور فكأنَّما خلص رصيدهم من الإيمان فتوقَّفت مركبة إيمانهم عن المسير.
ذكر أبان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه أنَّه قال: (ما خرج موسى حتَّى خرج ثمانون كذّاباً من بني إسرائيل كلّهم يدَّعي أنَّه موسى بن عمران، فبلغ فرعون أنَّهم يُرجِفون به ويطلبون هذا الغلام، فقال له كهنته وسحرته: إنَّ هلاك دينك وقومك على يدي هذا الغلام الذي يُولَد العام من بني إسرائيل)، قال: (فوضع القوابل على النساء، فلمَّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: تعالَوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى: آتوهنَّ فإنَّ أمر الله واقع ولو كره المشركون)(٨).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: (... فلمَّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيى النساء هلكنا، فلم نبقَ، فتعالَوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى (عليه السلام): بل باشروهنَّ فإنَّ أمر الله واقع ولو كره المشـركون، اللّهمّ من حرَّمه فإنّي لا أُحرِّمه، ومن تركه فإنّي لا أتركه، ووقع على أُمِّ موسى فحملت)(٩).
وحينما بدأ موسى (عليه السلام) بالدعوة في قومه لم يبدأهم إلَّا بأن بشَّـرهم بالنصـر الإلهي، وأنَّ الوعد سيتحقَّق للمتَّقين، فكانت تلك البشارة بمنزلة وقود لحركتهم واتِّباعهم لنبيِّ الله موسى (عليه السلام) وتحمّل الأذى والمتاعب في سبيل نصرته.
قال الله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨).
بشارة الفتح والنصر لسيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم) على يد ابنه الإمام المهدي (عليه السلام):
كما أنَّ الله تعالى حينما أرسل رسوله الخاتم كان يعلم ما يتحمَّل من الأذى من قومه، وأنَّه سيتحمَّل منهم ما لم يتحمَّله أيّ نبيّ آخر، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم): (ما أُوذي نبيٌّ بمثل ما أُوذيت)(١٠)، وأنَّه يعلم بأنَّه سوف يتغلَّب أولياء الشيطان وحلفاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) المصدر السابق.
(٩) كمال الدين: ١٤٧ و١٤٨/ باب ٦/ ح ١٣.
(١٠) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٣: ٢٤٧.

(٢٥)

إبليس على منبر خلافته وينزون عليها نزو القردة، قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً﴾ (الإسراء: ٦٠).
وقد وردت الروايات الكثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) تُفسِّـر الآية برجال السلطة من أصحاب السقيفة وبني أُميَّة الذين ردّوا الأُمَّة على أعقابها القهقرى، ففي ما راسله أمير المؤمنين (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان أن كتب له:
(ونزل فيكم قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾، وذلك حين رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) اثني عشـر إماماً من أئمَّة الضلالة على منبره، يردّون الناس على أدبارهم القهقرى، رجلان من حيين مختلفين من قريش، وعشـرة من بني أُميَّة، أوَّل العشـرة صاحبك الذي تطلب بدمه، وأنت وابنك وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، أوَّلهم مروان، وقد لعنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وطرده)(١١).
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم، قال: نزلت (الآية) لـمَّا رأى النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في نومه كأنَّ قروداً تصعد منبره، فساءه ذلك وغمَّه غمّاً شديداً، فأنزل الله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ لهم ليعمهوا فيها، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ كذلك نزلت، وهم بنو أُميَّة)(١٢).
وهنا روايات أُخرى(١٣).
بل قد أقرَّ بذلك جملة من رجال العامَّة، فقد قال العيني في شرحه على الصحيح البخاري: (وقيل: رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتَّى مات، فأنزل الله‏ تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا...﴾ الآية...، وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله‏ بن عمرو أنَّ الشجرة الملعونة في القرآن الحكم بن أبي العاص وولده)(١٤).
ومن ذلك بدأ الله (جلَّ جلاله) رسالة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ببشارة الفتح والنصـر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) كتاب سُلَيم بن قيس: ٣٠٧.
(١٢) بحار الأنوار ٣١: ٥١٤.
(١٣) اُنظر: الهداية الكبرى للخصيبي: ٧٦؛ الاحتجاج للطبرسي ١: ٤١٦؛ العمدة لابن بطريق: ٤٥٣/ ح ٩٤٣؛ بحار الأنوار ٣٠: ١٦٥ و٥٢٥.
(١٤) عمدة القاري ١٩: ٣٠.

(٢٥)

والتمكين في الأرض، على يد ابنه الإمام المهدي (عليه السلام)، وهذه في الحقيقة بشارة لسيِّد الأنبياء وخاتمهم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، على حذو بشارة الله ليعقوب (عليه السلام).
وهذه البشارة الإلهية لسيِّد الرسل ذُكِرَت في عدَّة من آيات القرآن نذكرها تباعاً:
١ - قال تعالى في ثلاثة مواطن من كتابه المجيد: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(١٥).
عن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): (منّا اثنا عشـر مهديّاً، أوَّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقِّ، يُحيي الله به الأرض بعد موتها، ويُظهِر به دين الحقِّ على الدين كلّه ولو كره المشـركون، له غيبة يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أمَا إنَّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله)(١٦).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا

(٢٥)

الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضـى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْـرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربُّ تعالى ملكاً إلى سماء الدنيا، فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور، ونصب لمحمّد وعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) منابر من نور، فيصعدون عليها، وتُجمَع لهم الملائكة والنبيّون والمؤمنون، وتُفتَح أبواب السماء، فإذا زالت الشمس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): يا ربِّ، ميعادك الذي وعدت به في كتابك، وهو هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضـى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾، ثمّ يقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرُّ محمّد وعلي والحسن والحسين سُجَّداً، ثمّ يقولون: يا ربِّ، اغضب فإنَّه قد هُتِكَ حريمك، وقُتِلَ أصفياؤك، وأُذِلَّ عبادك الصالحون، فيفعل الله ما يشاء، وذلك يوم معلوم)(١٧).
٣ - نزلت سورة الفجر - وهي سورة الحسين (عليه السلام) - لتُعزّي سيِّد الرسل (صلّى الله عليه وآله وسلم) باستشهاد سبطه سيِّد الشهداء، وهو النفس المطمئنَّة التي خاطبها الله: ﴿ادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: ٢٩ و٣٠).
عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (اقرأوا سورة الفجر في فرايضكم ونوافلكم، فإنَّها سورة للحسين بن علي (عليهما السلام)، من قرأها كان مع الحسين (عليه السلام) يوم القيامة في درجته من الجنَّة، إنَّ الله عزيز حكيم)(١٨).
وحسب ما ورد من تفسير أهل البيت (عليهم السلام) للسورة المباركة أنَّها تذكر دولة الغاصبين وغلبتهم على الأمر، ومن ثَمَّ بيان حال بعض الطغاة البائدين فرعون ذي الأوتاد، وأنَّ الله لهم بالمرصاد ولايفوت منه شيء، ثمّ عرَّج على بيان حال بعض طغاة هذه الأُمَّة الذين يأكلون التراث أكلاً لـمّاً ويحبّون المال حبّاً جمّاً، إلى أن خُتِمَت السورة بذكر مقتل النفس المطمئنَّة ورجوعها إلى ربِّها راضيةً مرضيةً.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] يعني الحسين بن علي (عليهما السلام))(١٩).
من أجل ذلك بدء الله (جلَّ جلاله) بتبشير حبيبه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بفجر ظهور ولده الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث ورد في تفسير السورة المباركة أنَّ الفجر كناية عن دولة الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن ثَمَّ ذكر دولة السقيفة وامتدادها إلى فجر الظهور وشبهاً بالليل الذي يسير وينتهي أمده بمجيء الشمس فيرتفع الظلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصفّ: ٩.
(١٦) كمال الدين: ٣١٧/ باب ٣١/ ح ٣.
(١٧) الغيبة للنعماني: ٢٨٤/ باب ١٤/ ح ٥٦.
(١٨) ثواب الأعمال: ١٢٣.
(١٩) تفسير القمّي ٢: ٤٢٢.

(٢٥)

قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْـرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذا يَسْـرِ * هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: ١ - ٥).
عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْفَجْرِ﴾ هو القائم (عليه السلام)، -﴿وَلَيالٍ عَشْـرٍ﴾ الأئمَّة (عليهم السلام) من الحسن إلى الحسن، ﴿وَالشَّفْعِ﴾ أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام)،- ﴿وَالْوَتْرِ﴾ هو الله وحده لا شريك له، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْـرِ﴾ هي دولة حبتر، فهي تسـري إلى قيام القائم (عليه السلام))(٢٠)، ودولة حبتر كناية عن دولة الغاصبين لمقام الخلفاء الإلهيين(٢١).
قال العلَّامة المجلسی (رحمه الله): (لعلَّ التعبير بالليالي عنهم (عليهم السلام) لبيان مغلوبيتهم واختفائهم خوفاً من المخالفين)(٢٢).
ومن أمثال ذلك الكثير من الآيات التي نزلت لتُبشِّـر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حينما علم غلبة دولة الظالمين والغاصبين، فهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) أوَّل من بشَّـره الله بالنصـر والفتح المهدوي على يد ابنه التاسع من ولد الحسين (عليهم السلام)، وذلك لما عليه من مسؤولية إظهار الدين وتربية الخلق وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة، فلا ييأس حينما يرى غلبة الجهّال ودولة الضلال.
بشارة الله تعالى نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالرجعة:
وليُعلَم أنَّ هذه البشارة الإلهية ليست بشارة بظهور ومجيء الإمام الثاني عشـر فحسب، بل هي بشارة بنهاية دولة الظلم والظلام على يد الإمام المهدي (عليه السلام)، وبداية مسـرح جديد من دولة الأئمَّة والرسول (عليهم السلام) برجوعهم إلى الدنيا ليتمَّ تحقيق الوعد الإلهي بيدهم.
وذلك في عدَّة من الآيات:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (القصص: ٨٥).
عن المعلّى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾، قال: (نبيُّكم (صلّى الله عليه وآله وسلم) راجع إليكم)(٢٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) تأويل الآيات الظاهرة: ٧٦٦.
(٢١) بحار الأنوار ٢٢: ٢٢٣.
(٢٢) بحار الأنوار ٢٤: ٧٨.
(٢٣) مختصر البصائر: ١٢٠.

(٢٥)

قال عليّ بن إبراهيم: وحدَّثني أبي، عن أحمد بن النضـر، عن عمر بن شمر، قال: ذُكِرَ عند أبي جعفر (عليه السلام) جابر فقال: (رحم الله جابراً، لقد بلغ من علمه أنَّه كان يعرف تأويل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ يعني الرجعة)(٢٤).
عن أبي مروان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾، قال: فقال لي: (لا والله، لا تنقضـي الدنيا ولا تذهب حتَّى يجتمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعليّ (عليه السلام) بالثوية، فيلتقيان ويبنيان بالثوية مسجداً له اثنى عشـر ألف باب) يعني موضعاً بالكوفة(٢٥).
٢ - قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: ٢٨).
عن صالح بن ميثم(٢٦)، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: حدِّثني، قال: (أليس قد سمعت الحديث من أبيك)، قلت: هلك أبي وأنا صبي، قال: قلت: فأقول فإن أصبت قلتَ نعم، وإن أخطأت رددتني عن الخطأ، قال: (هذا أهون)، قلت: فإنّي أزعم أنَّ عليّاً (عليه السلام) دابَّة الأرض، قال: فسكت، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): (وأراك والله ستقول: إنَّ عليّا (عليه السلام) راجع إلينا)، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، قال: قلت: والله لقد جعلتها فيما أُريد أن أسألك عنها فنسيتها، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (أفلا أُخبرك بما هو أعظم من هذا؟ ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، لا تبقى أرض إلَّا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم))، وأشار بيده إلى آفاق الأرض(٢٧).
٣ - بل إنَّ النذارة الكبرى لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا تتمُّ إلَّا في رجعته، قال تعالى: ﴿يا أَيـُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدَّثِّر: ١ و٢).
عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيـُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: (يعني بذلك محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقيامه في الرجعة ينذر فيها)(٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) تفسير القمّي ١: ٢٥.
(٢٥) مختصر البصائر: ٤٩٠.
(٢٦) صالح بن ميثم الكوفي الأسدي، مولاهم، تابعي، عدَّه البرقي والشيخ من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام)، وقد روى عنهما (عليهما السلام). (رجال البرقي: ١٥ و١٦؛ رجال الطوسي: الرقم (١٢٦/٢) و(١٢٨/٢).
(٢٧) مختصر البصائر: ٤٨٩.
(٢٨) مختصر البصائر: ١١٣.

(٢٥)

البشارة بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في خطبة الغدير:
ثمّ إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد أن بلَّغ يوم الغدير ولاية أخيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعيَّن أوصياءه الاثني عشـر (عليهم السلام)، وأخذ من الناس العهد بذلك، بشَّـرهم بأنَّ الثاني عشـر (عليه السلام) هو الذي يُظهِر الله تعالى دينه على يديه، وأنَّه ينتقم من الظالمين، ليقوّي إيمان المؤمنين ولا يُزلزلوا حينما يرون الغلبة الظاهرية لدولة الجور فيما بعده (صلّى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال (صلّى الله عليه وآله وسلم):
(معاشر الناس، إنّي نبيٌّ وعليٌّ وصيِّ، ألَا إنَّ خاتم الأئمَّة منّا القائم المهدي، ألَا إنَّه الظاهر على الدين، ألَا إنَّه المنتقم من الظالمين، ألَا إنَّه فاتح الحصون وهادمها، ألَا إنَّه فاتح كلَّ قبيلة من الشـرك، ألَا إنَّه مدرك بكلِّ ثار لأولياء الله (عزَّ وجلَّ)، ألَا إنَّه الناصـر لدين الله، ألَا إنَّه الغراف من بحر عميق، ألَا إنَّه يسم كلَّ ذي فضل بفضله وكلَّ ذي جهل بجهله، ألَا إنَّه خيرة الله ومختاره، ألَا إنَّه وارث كلَّ علم والمحيط بكلِّ فهم، ألَا إنَّه المخبر عنه ربّه تعالى والمشبه لأمر إيمانه، ألَا إنَّه الرشيد، ألَا إنَّه المفوَّض إليه، ألَا إنَّه الباقي حجَّة ولا حجَّة بعده ولا حقَّ معه إلَّا معه ولا نور إلَّا عنده، ألَا إنَّه لا غالب له ولا منصور عليه، ألَا إنَّه وليُّ الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في سره وعلانيته)(٢٩).
والظاهر أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) يشير في خطبته الشـريفة إلى تفسير جملة من آيات القرآن المبشِّـرة بظهور دينه على الدين كلّه، وأنَّ نور الله سيملؤ السماوات والأرض بيد خاتم الأئمَّة القائم المهدي (عليه السلام). وفي إصراره على أنَّه المنتقم من الظالمين والمدرك بثأرهم، وأنَّه فاتح الحصون وهادمها، إشارة واضحة إلى غلبة دولة الجور والظلم بعده، وأنَّ المؤمنين سيُهضَمون ويُضطَهدون تحت وطأة الجبّارين، لكنَّه طمأنهم ليتيقَّنوا بأنَّه لا تطولنَّ ظلمة ليل داج، وسيأتي من ينتقم لهم، وسيتحقَّق الوعد الإلهي، وينصر دين الله، ويملؤ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجوراً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) روضة الواعظين للفتّال النيسابوري: ٩٧.

(٢٥)

وهذه البشارة النبويَّة تحافظ على إيمان المؤمنين من أن يذوب في ظلمة الكفر الغالب، وتكون وقودهم للحركة في ظلمة الليل البهيم، كما أنَّه يُسهِّل عليهم تحمّل الصعاب والمشاقّ التي تصل إليهم من المتغلّبين على كرسي خلافة الله (عزَّ وجلَّ).
فوائد الانتظار والاطمئنان بتحقّق النصر الإلهي:
١ - الاطمئنان بالوعد الإلهي من قوَّة الإيمان بالله تعالى، فإنَّ الأمل والانتظار حالة توحيدية، ففي كبد الحدث والتصدّي موقن بأنَّ الله تعالى سيُظهِر أمره، وأنَّه تعالى لم يفلت من يده الأُمور.
٢ - إنَّ الله تعالى لم يُخلِق العالم كي يُباد، ويظهر الفساد في برِّه وبحره بظلم الطواغيت وفساد المفسدين، لو كان كذلك لكان التدبير الإلهي فاشلاً، وهذا هو الذي يريده الشيطان، إنَّه يريد منّا أن ننسب الفشل إلى التدبير الإلهي المتقن.
فالانتظار واليقين بأنَّ الله تعالى غالب على أمره، وأنَّ عاقبة الأمر في هذه الدنيا تكون للمتَّقين ويحافظ بها من الوقوع في الكفر.
٣ - الأمل والانتظار وقود الحركة، والحراك مع فقدان الأمل يجمّد الحركة.
ولولا إیمان یعقوب (عليه السلام) وأمره بالتحسّس عن یوسف (عليه السلام) ونهیه عن الیأس عن روح الله تعالى لما تحرَّك إخوة یوسف (عليه السلام) في طلبه، حينما خاطبهم قائلاً: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧).
٤ - جعل اليأس علامة الكفر لأنَّه ظنّ الإفشال في التخطيط الإلهي، وأنَّه ليس هو الغالب على أمره.
ومن أجل ذلك جعل يعقوب (عليه السلام) اليأس من نجاح المشـروع الإلهي علامة الكفر فقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾.

(٢٥)

٥ - كما أنَّه لولا إيمان عمران والد موسى (عليه السلام) بالوعد الإلهي في خضم الظلم الفرعوني المتشدِّد ويقينه لم يبقَ مؤمن من بني إسرائيل إلَّا وقد أصابه الكلل والملل، ولتوقَّفوا عن الحركة في سبيل الله تعالى، ولتجمَّدت طاقاتهم، ثمّ لم يكن ليُولَد موسى بن عمران (عليه السلام) لولا ذلك الأمل بالوعد الإلهي لينجيهم من الظلم الفرعوني، ويهديهم إلى صراط المستقيم.
وذلك أنَّ تقدير الله تعالى المحكم ليس بجبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين، فإذا توقَّفت البشرية عن الحراك والعمل سوف لن يصلهم المدد الإلهي.
٦ - عدم الأمل بزوال الطاغوت يوجب الذوبان في الباطل والطاغوت والظلم.
فإنَّ الحكمة الإلهية تقتضـي أن تكون للظالم جولة في الأرض ليتمَّ الابتلاء والافتتان، ولكنَّه لو لم يكن أمل وتبشير إلهي للمؤمنين سوف يذوب المجتمع الإيماني في ظلم الطاغوت وانحرافه. فإنَّه يرى نفسه ميِّتاً لا حراك له في هدفه المنشود، لأنَّه لا يأمل الوصول إليه، وهذا يوجب الشعور بالنقص والضعف في سبيل الله (عزَّ وجلَّ)، فيسعى ليُطبِّق نفسه على الواقع الموجود من غلبة المدِّ الإبليسـي الغاشم.
٧ - وفي مقابله - الأمل بالنصـر الإلهي - يوجب الصلابة في الإيمان وعدم التخلّي عن المسؤولية، فالمنتظر يرى نفسه ناجحاً حتَّى في أسوأ التقادير فإنَّ العاقبة للمتَّقين، فيرى نفسه حيّاً غالباً وناجحاً، وأنَّ ما اختاره من نهج الأنبياء (عليهم السلام) له الغلبة، فلا يتخلّى عن القيام بالمسؤولية قيد شبر حتَّى ولو بلغ الظلم ما بلغ.
الانتظار حافظ للتوحيد وقوّة في الإيمان:
كيف تتوقَّع من الأُمِّ أن تُلقي ولدها في البحر المتلاطم، ثمّ لا تفقد الأمل بتحقيق النصـر الإلهي لولا إيمانها ويقينها بأنَّ الله تعالى هو الغالب على أمره وأنَّ العاقبة للمتَّقين.

(٢٦)

فإنَّ أُمَّ موسى لم تكن لتُلقي ابنها في اليمِّ لو لم يكن ملأ قلبها الأمل واليقين بالوعد الإلهي، وهذا عمل صعب جدّاً، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٧).
حتَّى أنَّ إيمان الملائكة بالله وتوحيدهم له تعالى استحكم واستقرَّ بالانتظار واليقين بانتصار خليفة الله على أولياء الشيطان.
ففي يوم عاشوراء حينما مدَّ الجور باعه، وأسفر الظلم قناعه، ونادى الغيُّ أتباعه، فبلغ الظلم لأعلى مستواه مذ خلق الله الدنيا إلى يوم الانقضاء - مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيَّتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض -، حيث قد اهتزَّت أظلَّة العرش حزناً على تلك الدماء الطاهرة، واقشعرَّت لها أظلَّة الخلائق، وزلزلت الأرض زلزالها، رأت الملائكة ذاك الموقف، وأنَّ سيِّد شباب أهل الجنَّة طريح الأرض، قد سكنت حواسّه، وخفيت أنفاسه، ولم تتحمَّل ذلك، فضجت لله تعالى حيث ترى وكأنَّ مشروع الاستخلاف الإلهي قد أُهبط وخُذِلَ، فالله (جلَّ جلاله) حافظ على إيمان الملائكة في يوم عاشوراء بأن أراهم نور الإمام المهدي (عليه السلام) وقال: (بهذا أنتقم)، ليطمئنّوا بأنَّه لا يفوته هارب، وأنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
في الكافي بإسناده عن محمّد بن حمران، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لـمَّا كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، ضجَّت الملائكة إلى الله بالبكاء، وقالت: يُفعَل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟)، قال: (فأقام الله لهم ظلَّ القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا)(٣٠).
روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال لبعض أصحابه: (كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنَّ موسى بن عمران (عليه السلام) خرج ليقتبس لأهله ناراً، فرجع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) الكافي ١: ٤٦٥.

(٢٦)

إليهم وهو رسول نبيّ، فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيِّه موسى في ليلة، وكذا يفعل الله تعالى بالقائم الثاني عشـر من الأئمَّة (عليهم السلام)، يُصلِح الله أمره في ليلة كما أصلح الله أمر موسى (عليه السلام)، ويُخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور)(٣١).
فالرجاء هو قمَّة الإيمان بالله تعالى، وأنَّه لن يفلت الأُمور من يده، وأنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. ومن ذلك جعل تحقيق وعده من خلال أسباب لا يُتوقَّع منها النجاح ليُظهِر قدرته، فلا يطمئنُّ المؤمنون ولا يستريحوا إلى الطغاة. فالمؤمن لا يفقد الرجاء وحسن الظنِّ بالله تعالى حتَّى ولو كان في كبد الشدائد والظلمات، فإنَّ الله تعالى أراد أن يُظهِر للناس قدرته، وأنَّه غالب على أمره، ولا يُعجِزه شيء، كما أنَّه لا يخاف الفوت. فترى أنَّه تعالى حفظ نبيَّه موسى بن عمران (عليه السلام) المنقذ لبني إسرائيل من ظلم فرعون في أحضان فرعون، مع أنَّه كان بإمكانه أن يحفظه في مكان بعيد، لكنَّه فعل ذلك لكيلا يفقد المؤمنون الرجاء بالله تعالى وتحقّق النصـر الإلهي حتَّى من عمق وأعماق أحضان فرعون.
قال تعالی: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: ١٣).
زينب الكبرى (عليها السلام)، وما أدراك من هي! ما الذي جعلها تصـرخ في وجه يزيد وتتحدّاه في مجلس مُلِئَ بأجواء الرعب أمام أُناس لم يستنكفوا عن قتل الرضيع والصغير والكبير والرجال والنساء، وتقول مخاطبة إيّاه:
(كد كيدك، واجهد جهدك، فوَالله الذي شـرَّفنا بالوحي والكتاب، والنبوَّة والانتخاب، لا تُدرِك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يرحض عنك عارنا، وهل رأيك إلَّا فند، وأيّامك إلَّا عدد، وجمعك إلَّا بدد، يوم يناد المنادي: ألَا لعن اللهُ الظالمَ العادي)(٣٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) بحار الأنوار ١٣: ٤٢.
(٣٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٠٨.

(٢٦)

إنَّها قوَّة الإيمان واليقين بالله تعالى، وأنَّه هو الغالب على أمره، وأنَّ العاقبة تكون لأهل البيت (عليهم السلام) مهما بالغ يزيد في جدِّه وجهده لطمسهم، وهذا هو الإيمان والتوحيد الذي لا يمكن أن يتزلزل ويتزعزع رغم كلّ هذه المصائب والمشاكل والأحزان، وفي وسط معمعة حفل العدوِّ المعدِّ لإخافة الناس وإظهار قدرته وبطشه.
إلَّا أنَّ زينب (عليها السلام) أهانته وذلَّته بكلِّ صرامة وصراحة وشجاعة، وذكَّرته بإبادته وزوال حكمه، وهذا الموقف ينبئ عن إيمان وثقة بالله تعالى قلَّ نظيرها، بل لم يُرَ له نظير في تاريخ رجالات السماء في قبال أولياء الشياطين.
محاولات العدوّ لبثّ روح اليأس:
الأمر الأوَّل:
قال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٨).
من أكبر ما يسعى الشيطان والفِرَق الشيطانية والماسونية لبثِّه ونشـره هو نسبة الإفشال إلى المخطَّط الإلهي، وأنَّ الأنبياء (عليهم السلام) فشلوا وما استطاعوا أن يصنعوا شيئاً، فإذا ترسَّخ في عقلية الإنسان أنَّ التخطيط الإلهي فاشل فحتَّى لو يؤمن به لكنَّه سيتركه ويتَّبع من يراه غالباً على أمره وله القدرة على تطبيق مشروعه على أرض الواقع.
ومن هنا تنشأ فِرَق عبّاد الشيطان.
ولا نستغرب أنَّهم يدعون للشـرِّ والفحشاء وفعل المنكر والقبيح، لأنَّ الإنسان بطبعه ينجذب إلى القدرة، فإذا تعقلنَ عنده أنَّ الغلبة تكون لدولة إبليس لما يرى من ظهور الفساد في البرِّ والبحر وهو أمل إبليس، بينما هو لا أمل له في نجاح مشـروعه الإلهي، فييأس من قدرة الله ويُلقي بنفسه في أحضان إبليس يلتجئ إليه ويطلب من عنده السند والاستناد.

(٢٦)

والأمر الثاني:
أنَّ إبليس رأى أنَّ إبعاده عن ملكوت السماوات والقرب الإلهي إنَّما لأجل مشـروع إسكان خليفة الله تعالى في الأرض، فمذ خلق الله تعالى الخليفة أمره الله (عزَّ وجلَّ) بالسجود له، فآلت الأُمور إلى ما آلت من إبائه عن ذلك، ومن ثَمَّ طرده ولعنه إلى يوم الدين.
فمن أجل ذلك أضمر العداوة لخليفة الله تعالى ولمشـروع إسكانه في الأرض، فيبذل قصارى جهده ليُثبِت بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) فاشل في تقديره هذا، ويريد لينسب إلى الله (جلَّ اسمه) ارتكاب الخطأ في جعله الخليفة في الأرض. وهذا إنَّما يتمُّ له إذا فقد الناس الأمل باستقرار حكومة خليفة الله تعالى في الأرض، واطمأنّوا بأنَّ الغلبة تكون لجنود إبليس.
لكن الذي يُعرقِل هذه الخطَّة الإبليسية الخطيرة هو التبشير الإلهي والأمل بظهور أمر الله تعالى، وأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يخاف الفوت، ولا يفوته هارب، وإنَّما يستعجل من يخاف الفوت، قال تعالى لطمأنة أوليائه:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
ومن هنا يتبيَّن سرُّ هذا التبشير الإلهي، وحفظ حالة الانتظار والأمل.
اُنظر إلى إخوة يوسف (عليه السلام) وتعييرهم انتظار يعقوب (عليه السلام) لرجوع يوسف (عليه السلام)، كم أنت تنتظر هذا الغائب!؟
قال تعالى: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٨٥ و ٨٦).
وهذا ما نشاهده اليوم، بل في طول الغيبة الكبرى من تعيير المخالفين أنَّكم

(٢٦)

إلى متى سوف تنتظرون هذا الإمام الغائب؟ وما ذلك إلَّا لبثِّ روح اليأس عن روح الله تعالى، وفقد الأمل بنجاح مشـروع خليفة الله تعالى على الأرض، ولكن يعقوب (عليه السلام) لشدَّة إيمانه بالله (عزَّ وجلَّ)، وأنَّه لا يخلف الميعاد، أجابهم بكلِّ صرامة أنَّه يعلم من الله ما لا يعلمون، وأنَّه سوف يشكو بثّه وحزنه إلى الله العليّ القدير.
الانتظار سرّ قوّة المذهب:
قال (فرانسوا توال) الخبير الاستراتيجي الفرنسي:
(إنَّ المهدوية فكرة دينية ذات مصادر شرعية تتحدَّث عن مصير العالم أجمع، لا تتقيَّد ببقعة من الأرض ولا جماعة من البشـر، بل هي تتحدَّث عن العدالة التي ينشدها جميع البشـر على اختلاف معاناتهم ودرجات مظلوميتهم أيّاً كان بلدهم، وعن الحقِّ الذي يجب أن يسود العالم إتماماً للحجَّة على الخلق وإنفاذاً لوعده: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)).
ثمّ قال: (إنَّ الأحداث أثبتت أنَّه بالرغم من كلِّ الممارسات القمعية التي مورست ضدّ الشيعة، فإنَّ هذه الظاهرة - ظاهرة التشيّع - ليست بأيِّ حالٍ من الأحوال قابلة للخمود والوهن. وهي متماسكة إلى الحدِّ الذي يضمن حمايتها من الاضمحلال والتشتّت، كلُّ شخص سيُدرِك بيُسـر ووضوح أنَّ مذهب التشيّع بما يتمتَّع به من بناء عقيدي وفكري سيكون قادراً على تغيير الثوابت السياسية في العالم)(٣٣).
الحذر قبل وقوع البلاء:
لقد أنبأنا الوحي الإلهي بوقوع فتن وابتلاءات ومصائب شديدة في عصـر غيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، على حذو ما كان في بني إسرائيل حيث كان يُذبَح أبناؤهم وتُسبى نساؤهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) جيئوبولتيك الشيعة، الشيعة في العالم/ فرانسواتوال/ ترجمة: كتايون صابر.

(٢٦)

فقد ورد فی الحديث القدسي المعروف بحديث اللوح في وصف الإمام الثاني عشـر (عليه السلام) وغيبته:
(ثمّ أُكمل ذلك بابنه رحمةً للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب، ستذلُّ أوليائي في زمانه، ويتهادون رؤوسهم كما تهادى رؤوس الترك والديلم، فيُقتَلون ويُحرَقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تُصبَغ الأرض من دمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أُولئك أوليائي حقّاً، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع عنهم الآصار والأغلال، أُولئك عليهم صلوات من ربِّهم ورحمة، وأُولئك هم المهتدون)(٣٤).
وإنَّ من أهمّ فوائد هذا الإنباء الغيبي أنَّه يشدُّ أفئدة المؤمنين ويربط جأشهم حينما يقعون فريسة بأيدي الظالمين، وتعصف بهم عواصف الرزايا، فيأخذ بهم يميناً وشمالاً. وسوف لن تفاجأهم المشاكل والبلايا ليتوهَّموا أنَّ الله تعالى قد غلب على أمره وانتصـر حزب الشيطان على حزب الله، فتذهب بنور إيمانهم. بل سيواجهون المصائب بكلِّ قوَّة واطمئنان بالنصـر الموعود ولا تزلزلهم العواصف، ومن هنا صار المؤمن أشدُّ من الجبال الراسية، فإنَّها تزول عن مكانها لكنَّه لن يزول عن إيمانه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) كمال الدين ١: ٣١٠.

(٢٦)

 

القول الصريح في الردّ على من أنكر أحاديث المهدي (عليه السلام) في الصحيح

 

 

السيّد علي الموسوي الناصري

 

إنَّ ممَّا تمسَّك به بعض أهل العناد ممَّن أنكر فكرة المخلِّص الموعود (المهدي)، ومحاولة نسفها من أساس، بزعمهم هو عدم إخراج أحاديث (المهدي) في الصحيح، كما يظهر من كلمات المؤرِّخ عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون المغربي المتوفّى سنة (٨٠٨هـ)، الذي طعن في بعض أسانيد أحاديث (المهدي)، وحاول الاستدلال على ذلك بعدم تخريج البخاري ومسلم لها في صحيحيهما(١).
وتبعه بعض المنكرين لفكرة المخلِّص (المهدي).
إلَّا أنَّنا سنُثبِت خلاف ذلك من خلال دراسة نقدية لصحيحي البخاري ومسلم، وإثبات أنَّهما أخرجا أحاديث المهدي (عليه السلام) دون التصـريح باسم (المهدي)، وأنَّهما صرَّحا أنَّهما لم يستوفيا في كتابيهما جميع الأحاديث الصحيحة. وقد استدرك عليهما الحافظ الدارقطني والحاكم والمحقِّقون أحاديث صحيحة الإسناد وعلى شرطيهما ولم يُخرِّجاها. وعدم إخراجهما لأحاديث (المهدي) صريحاً أعطى دافعاً قويّاً لابن خلدون ومقلِّديه للقول بنكران فكرة المخلِّص الموعود، وعدّها خرافة أُسطورية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) تاريخ ابن خلدون ١: ٣٨٨.

(٢٦)

البخاري وصحيحه:
هو محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن بردزية البخاري، وبردزية مجوسي مات عليها، والمغيرة بن بردزية أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى(٢).
فجدُّه الثالث (بردزية) مجوسي مات ولم يُسلِم! وجدُّه الثاني (مغيرة) أسلم على يد والي بخارى (اليمان الجعفي)!
ويُذكر أنَّ ممَّا نُقِمَ على البخاري وكان السبب وراء طرده من بلده هو اعتقاده بخلق القرآن، فقال شيخه محمّد بن يحيى الذهلي: (من زعم لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع ولا يُجالَس ولا يُكلَّم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمّد بن إسماعيل فاتَّهموه، فإنَّه لا يحضـر مجلسه إلَّا من كان على مذهبه)، وقال الحاكم: (ولـمَّا وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ، انقطع الناس عن البخاري إلَّا مسلم بن الحجّاج وأحمد بن سَلَمة)(٣).
فترك الناس مجالسته سوى تلميذيه مسلم بن الحجّاج وأحمد بن سَلَمة، ولـمَّا قاما من مجلس الذهلي، قال الذهلي: (لا يساكنني هذا الرجل في البلد، فخشي البخاري وسافر)(٤).
قال ابن أبي حاتم: (قدم محمّد بن إسماعيل الريّ سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمّد بن يحيى أنَّه أظهر عندهم بنيسابور أنَّ لفظه بالقرآن مخلوق)(٥).
والأكثر من ذلك ما عند الحنابلة وأهل الحديث، فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ من يقول: إنَّ القرآن مخلوق فهو كافر(٦).
قال ابن حجر العسقلاني: (وقد أنصف مسلم فلم يُحدِّث في كتابه عن هذا ولا عن هذا)(٧)، أي ترك الحديث عن أُستاذه البخاري والذهلي!
وقد تناول جماعة من المحدِّثين من أهل الجرح والتعديل أكثر من ثلاثمائة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) التعديل والتجريح ١: ٢٨٢؛ تاريخ بغداد ١: ١٩٤؛ تاريخ دمشق ٥٢: ٥٣؛ شذرات الذهب ٢: ١٣٤.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٤٩١.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٢: ٤٦٠؛ فتح الباري شرح البخاري ١: ٤٩١.
(٥) الجرح والتعديل ٧: ١٩١.
(٦) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي (رحمه الله) يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر. (السُّنَّة ١: ١٠٢).
وعن سفيان الثوري، قال: من قال: إنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ و٢] مخلوق، فهو كافر. (السُّنَّة ١: ١٠٧، تعليق القحطاني: إسناده حسن).
وعن سفيان بن عيينة، يقول: القرآن كلام الله (عزَّ وجلَّ)، من قال: مخلوق، فهو كافر، ومن شكَّ في كفره فهو كافر. (السُّنَّة ١: ١١٠، تعليق القحطاني: إسناده حسن).
وعن وكيع بن الجراح أنَّه قال: من زعم أنَّ القرآن مخلوق فقد زعم أنَّه محدَث، ومن زعم أنَّه محدَث فقد كفر. (السُّنَّة ١: ١١٦، تعليق القحطاني: إسناده صحيح).
(٧) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٤٩٢.

(٢٧)

 من رجال البخاري فضعَّفوهم، وأشار ابن حجر العسقلاني بعد سرد أسمائهم إلى حكاية الطعن والتنقيب عن سبب ضعفهم(٨).
هذا هو حال الرجل، أمَّا حال كتابه فقد قال العلماء فيه:
يقول الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي: (انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمّد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتمّ، وأشياء مبيَّضة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يُترجِم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض)(٩).
ويقول أبو الوليد الباجي المالكي: (وممَّا يدلُّ على صحَّة هذا القول، أنَّ رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمّد السرخسـي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي، وقد نسخوا من أصل واحد فيها التقديم والتأخير)(١٠).
وأمَّا عن تدليس البخاري، وتلاعبه في الحديث، فقد اعترف أئمَّة الجرح والتعديل ـ كما قال الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٤٤٢ ـ بتدليس البخاري، وها نحن نعرض لجملة من تدليسه في سند الحديث ومتنه:
١ - البخاري يروي عن شيخه محمّد بن يحيى الذهلي الذي أمر بطرده من نيسابور، وترك الحديث عنه في مواضع، قاله أبو نصـر الكلاباذي. وقال المقدسي: تارةً يقول: حدَّثنا محمّد، ولا يزيد عليه، وتارةً ينسبه إلى جدِّه فيقول: محمّد بن عبد الله، وتارةً: محمّد بن خالد بن فارس، ولم يقل في موضع: حدَّثنا محمّد بن يحيى(١١).
ويروي عن أبي زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصـري، نسبه البخاري إلى جدِّه يُدلِّسه(١٢).
ويروي عن أبي صالح في (صحيحه) على الصحيح، ولكنَّه يُدلِّسه فيقول: حدَّثنا عبد الله، ولا ينسبه(١٣).
وعلى هذا فقس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٣٨٥.
(٩) التعديل والتجريح ١: ٣١١؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٦.
(١٠) التعديل والتجريح ١: ٣١١.
(١١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١: ٤٧.
(١٢) المصدر السابق.
(١٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١: ٥٠.

(٢٧)

والغريب منه أنَّه يروي عن شيخه، ولم يقل في موضع: حدَّثنا محمّد بن يحيى، فكيف يُرجى منه أن يروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) إمام الرافضة، أو يروي أحاديث المهدي (عليه السلام) مصرِّحاً؟ وسنُبيِّن بحول الله تعالى ذلك مفصَّلاً.
٢ - وأمَّا تدليسه في متن الحديث، فالبخاري يُقطِّع الأحاديث، ويرويها بالمعنى، ويُعبِّر عن الكلمة التي لا تروق له بـ (كذا)، أو يُبدِلها بكلمة أُخرى، وبيان ذلك من محورين:
الأوَّل: صـرَّح ابن حجر أنَّ البخاري يكتب الحديث من حفظه [يرويه بالمعنى]، ولم يراعِ اللفظ كما عُرِفَ من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنَّه يحافظ على اللفظ كثيراً(١٤).
ويؤيِّده ما نُقِلَ عن البخاري قوله: رُبَّ حديث سمعته بالبصـرة كتبته بالشام، ورُبَّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصـر، قال [والي بخارى]: فقلت له: يا أبا عبد الله، بكماله؟ قال: فسكت(١٥).
وكذا صرَّح ابن حجر العسقلاني : ما وقع في البخاري، أنَّه يُخرِّج الحديث تامّاً بإسناد واحد بلفظين(١٦).
و بالإضافة إلى رواية البخاري بالمعنى نجد صحيحه مملوءاً بالتقطيع والإسقاط والإبهام، ومن يقارن بين ما أخرجه وما روي في الصحاح والأسانيد يجد ذلك بوضوح، وقد أشار الشـرّاح إلى مواضع التقطيع والإسقاط والإبهام، منهم ابن حجر العسقلاني يقول: (وهو يقتضـي - أي تقطيعه - أنَّه لا يتعمَّد أن يُخرِّج في كتابه حديثاً معاداً بجميع إسناده ومتنه)(١٧).
ويُبرِّر له من أنَّ: اقتصاره على بعض المتن ثمّ لا يذكر الباقي في موضع آخر، فإنَّه لا يقع له ذلك في الغالب إلَّا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصـر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ويحذف الباقي، لأنَّه لا تعلّق له بموضوع كتابه(١٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٧: ٤٠٩.
(١٥) تاريخ بغداد ٢: ١١؛ تاريخ دمشق ٢٥: ٦٥؛ سير أعلام النبلاء ١٢: ٤١١؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٤٨٧.
(١٦) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠: ٢٢٧.
(١٧) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ١٥.
(١٨) المصدر السابق.

(٢٧)

مع أنَّ الواقع خلافه، فلمسات العمد في الحذف والتقطيع واضحة، وخصوصاً في فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
الثاني: الإبهام: فقد وقع الكثير في أحاديث البخاري، نذكر اعتراف ابن حجر العسقلاني، قال:
(واتَّفقت روايات البخاري كلّها على إبهام الثاني. ووقع عند مسلم: (إلى ثور)، فقيل: إنَّ البخاري أبهمه عمداً لما وقع عنده أنَّه وهم)(١٩).
وأبهم البخاري رأي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أبي بكر وعمر من أنَّهما: (كاذبان، آثمان، غادران، خائنان)(٢٠).
فقد جاء في رواية سعيد بن عُفَير: (وأقبل [عمر] على عليّ وعبّاس: تزعمان أنَّ أبا بكر كذا وكذا)(٢١).
وكذا في رواية عبد الله بن يوسف: (وأقبل على عليّ وعبّاس: تزعمان أنَّ أبا بكر فيها كذا)(٢٢).
قال ابن حجر العسقلاني: (وقوله: (تزعمان أنَّ أبا بكر فيها كذا)، هكذا هنا وقع بالإبهام، وقد بيَّنت في شرح الرواية الماضية في فرض الخمس أنَّ تفسير ذلك وقع في رواية مسلم، وخلت الرواية المذكورة عن ذلك إبهاماً وتفسيراً)(٢٣).
مسلم وصحيحه:
هو مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القُشَيري النيسابوري، صاحب (الصحيح)(٢٤).
لـمَّا استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم من الاختلاف إليه، فلمَّا وقع بين محمّد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه، حتَّى هُجِرَ وخرج من نيسابور في تلك المحنة، قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنَّه لم يتخلَّف عن زيارته، فأُنهي إلى محمّد بن يحيى أنَّ مسلم بن الحجّاج على مذهبه قديماً وحديثاً، وأنَّه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٤: ٨٢.
(٢٠) صحيح مسلم ٥: ١٥١.
(٢١) صحيح البخاري ٥: ٢٠٤٨.
(٢٢) صحيح البخاري ٦: ٢٦٦٣.
(٢٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٢٠: ٣٥٩.
(٢٤) سير أعلام النبلاء ٢٤: ٦٤.

(٢٧)

ولم يرجع عنه، فلمَّا كان يوم مجلس محمّد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألَا من قال باللفظ فلا يحلُّ له أن يحضـر مجلسنا، فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه(٢٥).
وعن سعيد بن عمرو البرذعي، قال: شهدت أبا زرعة الرازي ذكر كتاب الصحيح الذي ألَّفه مسلم بن الحجّاج، فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه، فعملوا شيئاً يتشوَّفون به، ألَّفوا كتاباً لم يُسبَقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها. وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصـر، فقال أبو زرعة: ما أبعد هذا من الصحيح، يُدخِل في كتابه أسباط بن نصـر. ثمّ رأى في كتابه قطن بن نسير، فقال لي: وهذا أطمُّ من الأوَّل(٢٦).
قال أبو عليّ الحسين بن عليّ النيسابوري: (ما تحت أديم السماء أصحُّ من كتاب مسلم).
وقال أبو مروان الطبني: (كان من شيوخي من يُفضِّل كتاب مسلم على كتاب البخاري).
وقال مسلمة بن قاسم في (تاريخه): (مسلم جليل القدر، ثقة، من أئمَّة المحدِّثين)، وذكر كتابه في الصحيح، فقال: (لم يضع أحد مثله)(٢٧).
قال النووي: (وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث)(٢٨).
قلت: إنَّ القوم بالغوا في تصحيح البخاري ومسلم، وفي المقابل أيضاً هناك من رفض ذلك وطعن فيهما، وهذا يطرد الاتِّفاق المزعوم على صحَّتهما، والمرجَّح صحيح مسلم كما عرفت من حيث ضبط الحديث وتبويبه عند مسلم من البخاري.
قال الألباني: (فأقول: هذا الشذوذ في هذا الحديث مثال من عشـرات الأمثلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) وفيات الأعيان ٥: ١٩٤.
(٢٦) تاريخ بغداد ٤: ٢٧٢.
(٢٧) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١: ٣.
(٢٨) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١: ١٤.

(٢٧)

التي تدلُّ على جهل بعض الناشئين الذي يتعصَّبون لـ (صحيح البخاري)، وكذا لـ (صحيح مسلم) تعصّباً أعمى، ويقطعون بأنَّ كلَّ ما فيهما صحيح! ويقابل هؤلاء بعض الكتّاب الذين لا يقيمون لـ (الصحيحين) وزناً، فيردّون من أحاديثهما ما لا يوافق عقولهم وأهواءهم)(٢٩).
نفي ذكر المهدي (عليه السلام) في الصحيح:
إنَّ ممَّا احتجَّ به المنكرون لفكرة المخلِّص الموعود (المهدي)، أنَّه لم يجئ ذكر للمخلِّص (المهدي) في الصحيحين: صحيح البخاري، وصحيح مسلم(٣٠).
قال أحمد أمين المصـري: (وممَّا يشهد بالفخار للبخاري ومسلم أنَّهما لم تتسـرَّب إليهما هذه الأحاديث وإن تسرَّبت إلى غيرهما من الكتب)(٣١).
وقال سعد محمّد الأزهري: (وأمثال هذه الأحاديث لم تروها الكتب الصحيحة المتشدِّدة في الرواية كصحيحي البخاري ومسلم، وإنَّما روتها الكتب الأقلّ تشدّداً كسنن أبي داود وابن ماجة والترمذي والنسائي ومسند أحمد)(٣٢).
ويلاحظ عليه:
١ - عدم إخراج الشيخين للحديث ليس مقياساً للصحَّة من عدمها، بل صرَّح النووي كون البخاري ومسلم لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحَّ عنهما تصـريحهما بأنَّهما لم يستوعباه، وإنَّما قصدا جمع جمل من الصحيح(٣٣).
وقد استدرك الحافظ أبو الحسن الدارقطني والحاكم النيسابوري وأبو ذرٍّ الهروي أحاديث تركها البخاري ومسلم مع أنَّ أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحيهما، وذكروا أحاديث على شرطهما ولم يُخرِّجاه - كما سيأتي بيان ذلك -، وهذا كافٍ لردِّ المنكرين.
وقد صرَّح البخاري قائلاً: (لم أُخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر)(٣٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) السلسلة الصحيحة ٦: ٣٩.
(٣٠) الإمام الصادق لأبي زهرة: ٢٣٨.
(٣١) المهدي والمهدوية: ٤١.
(٣٢) المهدية في الإسلام: ٦٩.
(٣٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١: ٢٤.
(٣٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١: ٧؛ سير أعلام النبلاء ١٢: ٤٧١.

(٢٧)

وكذا مسلم القشيري صاحب الصحيح، حينما سأله ابن سفيان عن حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم: (إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا)، قال: صحيح. فقال ابن سفيان : لِـمَ لم تضعْهُ في كتابك ؟ قال مسلم: ليس كلُّ صحيح وضعت هاهنا، إنَّما وضعتُ ما أجمعوا عليه(٣٥).
وقال ابن حبّان: (ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما)(٣٦).
ويظهر أنَّ ابن حبّان اعترض عليهما كونهما سمّيا كتابيهما (الجامع الصحيح)، إلَّا أنَّ البخاري صرَّح بقوله: (ما أدخلت في كتابي الجامع إلَّا ما صحَّ، وتركت من الصحيح خشية أن يطول الكتاب).
وكذا مسلم، قال: (إنَّما أخرجت هذا الكتاب وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إنَّه ما لم أُخرِّجه من الحديث فيه ضعيف)(٣٧).
ولا يخفى أنَّ البخاري سمّى كتابه: (الجامع المسند الصحيح المختصـر)، ومسلم أيضاً سمّى كتابه بـ (المسند الصحيح المختصـر من السنن)، وهذا يعني أنَّهما لم يستوفيا الصحيح في كتابيهما، لذا قال الحاكم النيسابوري في مقدَّمة مستدركه عن البخاري ومسلم: (ولم يحكما ولا واحد منهما أنَّه لم يصحّ من الحديث غير ما أُخرِّجه)(٣٨).
٢ - وردت أحاديث في الصحيحين مضامينها متَّصلة بالمهدي وإن لم يُصـرَّح فيها باسم (المهدي)، بيد أنَّ هناك أحاديث صحيحة وردت في غير الصحيحين بنفس المضامين ذُكِرَ فيها اسم (المهدي)، فتكون مفسِّـرة لما أُبهم في صحيح البخاري ومسلم، وهذا يطرد دعوى الدعاة، وسيأتي ذكرها مفصَّلاً.
٣ - وأمَّا زعم سعد الأزهري من أنَّه إنَّما روتها الكتب الأقلّ تشدّداً كسنن أبي داود وابن ماجة والترمذي والنسائي ومسند أحمد(٣٩).
فيُبطِله: أنَّ لأبي عبد الرحمن النسائي في الرجال شرطاً أشدّ من شرط البخاري ومسلم(٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ١: ٧٧.
(٣٦) فتح المغيث للسخاوي ١: ٣٠.
(٣٧) المصدر السابق.
(٣٨) المستدرك على الصحيحين ١: ٢.
(٣٩) المهدية في الإسلام: ٦٩.
(٤٠) تهذيب الكمال ١: ١٧٢؛ مختصر تاريخ دمشق ١: ٣٤٥.

(٢٧)

وجرى بين يدي عبد الله بن محمّد الأنصاري ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: (كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لأنَّ كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلَّا المتبحِّر العالم)(٤١).
فعدم إخراج البخاري ومسلم للحديث صريحاً لا يعني عدم صحَّته، ودعوى أن شروطهما أشدّ من غيرهم في غير محلِّ، وهل التزم البخاري ومسلم في شرطيهما كي تلزمني!؟ وسنُثبِت أنَّ هناك أحاديث تُبشِّر بالمخلِّص (المهدي) مصرِّحة باسمه وعلى شرطيهما ولم يُخرِّجاها.
وأمَّا ما طرحه المؤرِّخ عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون المغربي المتوفّى سنة (٨٠٨هـ) من تضعيفه لأحاديث المخلِّص الموعود (المهدي) واتَّبعه المنكرون، فقد أجاد العلماء من السُّنَّة والشيعة في ردِّه، ونكتفي في ذكر تعليقات بعض أهل السُّنَّة عليه:
قال أبو الفيض الغماري الشافعي: (ما ذكره ابن خلدون في بعض أحاديثه من العلل المزوَّرة المكذوبة، ولمز به ثقات رواتها من التجريحات الملفَّقة المقلوبة، مع أنَّ ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان، ولا ضرب له بنصيب ولا سهم في هذا الشان، ولا استوفى منه بمكيال ولا ميزان. فكيف يُعتَمد فيه عليه، ويرجع في تحقيق مسائله إليه!؟ فالواجب دخول البيت من بابه، والحقُّ الرجوع في كلِّ فنٍّ إلى أربابه، فلا يُقبَل تصحيح أو تضعيف إلَّا من حفّاظ الحديث ونقّاده)(٤٢).
قال محمّد جعفر الكتاني: (فنُّ ابن خلدون وتخصّصه هو علم التاريخ، دون الحديث الشـريف ورجاله، والحديث إنَّما طريقه النقل، والخبراء فيه إنَّما هم المحدِّثون الذين يقصدون طلبه، ويتحمَّلون المشاقَّ في سبيل تحصيله، وهم العارفون بقواعده وأُصوله)(٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) تهذيب الكمال ١: ١٧٢؛ سير أعلام النبلاء ١٣: ٢٧٧.
(٤٢) إبراز الوهم المكنون ١: ٤٤٣.
(٤٣) نظم المتناثر للكتاني: ١٤٦.

(٢٧)

قال عبد المحسن العبّاد: (إنَّ ابن خلدون مؤرِّخ وليس من رجال الحديث، فلا يُعتَدُّ به في التصحيح والتضعيف، وإنَّما الاعتداد بذلك بمثل البيهقي والعقيلي والخطّابي والذهبي وابن تيمية وابن القيّم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحَّة الكثير من أحاديث المهدي، فالذي يرجع في ذلك إلى ابن خلدون كالذي يقصد الساقية ويترك البحور الزاخرة، وعمل ابن خلدون في نقد الأحاديث أشبه ما يكون بعمل المتطبِّب إذا خالف الأطبّاء الحذّاق المهرة)(٤٤).
وقال أحمد شاكر: (ابن خلدون قد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها، إنَّه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدَّمته تهافتاً عجيباً، وغلط أغلاطاً واضحةً. إنَّ ابن خلدون لم يُحسِن فهم قول المحدِّثين، ولو اطَّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً ممَّا قال)(٤٥).
إثبات ذكر المهدي (عليه السلام) في الصحيح:
أوَّلاً:
روى مسلم بسنده عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة)، قال: (فينزل عيسى بن مريم (صلّى الله عليه وسلَّم) فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا إنَّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة الله هذه الأُمَّة)(٤٦).
قلت: هنا أُبهم في رواية مسلم وأحمد من هو (أميرهم)، إلَّا أنَّه جاء في مسند الحارث بن أبي أُسامة مصـرِّحاً أنَّه (المهدي) من رواية وهب بن منبه، عن جابر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأُمَّة).
قال عنه ابن القيّم المتوفّى سنة (٧٥١هـ)، والسيوطي المتوفّى سنة (٩١١هـ): (وهذا إسناد جيّد)(٤٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) الردّ على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي: ٢٢.
(٤٥) المصدر السابق.
(٤٦) صحيح مسلم ١: ١٣٧.
(٤٧) المنار المنيف في الصحيح والضعيف ١: ١٤٧؛ العرف الوردي في أخبار المهدي ١: ١٧٧.

(٢٧)

وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني المتوفّى سنة (٤٣٠هـ) في الأربعين(٤٨).
وقال ابن حجر الهيتمي المتوفّى سنة (٩٧٤هـ): (وصحَّ مرفوعاً: (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم أئمَّة على بعض تكرمة الله هذه الأُمَّة))(٤٩).
قال الألباني: (وأصل الحديث في صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٥) من طريق أُخرى عن جابر (رضي الله عنه)...، فالأمير في هذه الرواية هو المهدي في حديث الترجمة، وهو مفسِّـر لها، وبالله التوفيق)(٥٠).
ثانياً: روى البخارى ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)(٥١).
قلت: هنا وقع الإبهام في عجز الحديث: (وإمامكم منكم)، ولم يُبيَّن من هو الإمام، إلَّا أنَّ هناك أحاديث تُثبِت أنَّ الذي يؤمُّ عيسى بن مريم هو المهدي، وفسَّـر الحديثَ الشـراحُ من أنَّ المراد من الإمامة في الحديث الإمامة الكبرى، ومصداقه المهدي، أي ينزل ابن مريم فيكم حكماً وعدلاً في زمان يكون فيه إمامكم المهدي(٥٢).
وعن عبد الله بن عمرو، قال: (المهدي الذي ينزل عليه عيسى بن مريم، ويُصلّي خلفه عيسى (عليهما السلام))(٥٣).
وعن ابن سيرين، قال: (المهدي من هذه الأُمَّة، وهو الذي يؤمُّ عيسى بن مريم)(٥٤).
وقال أبو الحسن الخسعي الآبدي في (مناقب الشافعي): (تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأُمَّة، وأنَّ عيسى يُصلّي خلفه)، ذكر ذلك ردّاً للحديث الذي أخرجه ابن ماجة عن أنس، وفيه: (ولا مهدي إلَّا عيسى)(٥٥).
وقال الكشميري الديوبندي في (فيض الباري): (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)، قال: (الواو فيه حالية، والمتبادر منه الإمام المهدي، فسُمّي إماماً وعيسى حكماً عدلاً)(٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) الأربعون في المهدي ١: ٣٩.
(٤٩) الصواعق المحرقة ٢: ٤٧٥.
(٥٠) السلسلة الصحيحة ٥: ٢٣٥.
(٥١) صحيح البخاري ٨: ٥٥٧؛ صحيح مسلم ١: ١٣٥.
(٥٢) حاشية البدر الساري ٤: ٤٤.
(٥٣) الفتن للمروزي ١: ٣٧٣؛ عقد الدرر ١: ٥٠.
(٥٤) المصنَّف لابن أبي شيبة ٧: ٥١٣؛ الفتن للمروزي ١: ٣٧٣.
(٥٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠: ٢٥١.
(٥٦) فيض الباري على صحيح البخاري ٤: ٤٧.

(٢٧)

ثالثاً: روى مسلم بسنده عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله، قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يكون في آخر الزمان خليفة يُقسِّم المال ولا يعدُّه)(٥٧).
قلت: وقع الإبهام في لفظ (خليفة)، ولم يُبيَّن من هو الخليفة، وقد جاء موضَّحاً في رواية العلاء بن بشير أنَّه المهدي كما أخرجه أحمد، ولفظه: (أُبشِّـركم بالمهدي، يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملؤ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، يرضـى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يُقسِّم المال صحاحاً)، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: (بالسويَّة بين الناس)، قال: (ويملؤ الله قلوب أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) غنىً، ويسعهم عدله حتَّى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلَّا رجل، فيقول: ائت السدّان - يعني الخازن -، فقل له: إنَّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: احث، حتَّى إذا جعله في حجره...)(٥٨).
قال ابن أبي بكر الهيتمي: (رواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقاة)(٥٩).
وقال الألباني: (ورجاله ثقاة رجال مسلم، غير العلاء بن بشير، وهو مجهول، كما في التقريب، لكن قد توبع على بعضه عند الحاكم (ج ٤/ ص ٥٥٨))(٦٠).
قلت: ذكره ابن حبّان المتوفّى سنة (٣٥٤هـ) في كتابه (الثقاة)، فقال: (العلاء بن بشير المزني من أهل البصـرة، يروي عن أبي الصديق الناجي. روى عنه معلّى بن زياد)(٦١).
ويمكن القول: إنَّ هؤلاء الذين رموا العلاء بالجهالة اعتمدوا على قول عليّ بن المديني الذي قال عنه: مجهول(٦٢).
وعليّ بن المديني ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء الكبير، فقال: (جنح إلى ابن أبي دواد والجهمية)(٦٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) صحيح مسلم ٤: ٢٢٣٥.
(٥٨) مسند أحمد ٣: ٣٧.
(٥٩) مجمع الزوائد ٧: ٦١٠.
(٦٠) السلسلة الصحيحة ١٩: ٦٠.
(٦١) الثقاة ٧: ٢٦٨.
(٦٢) ميزان الاعتدال ٣: ٩٧؛ تهذيب التهذيب ٨: ١٥٧.
(٦٣) الضعفاء الكبير ٦: ١٧١.

(٢٨)

ويمكن معرفة سرّ عدم إخراج البخاري ومسلم لحديث العلاء بن بشير كون ابن المديني رماه بالجهالة، وحكى مسلمة أنَّ عليّ بن المديني ألَّف كتاب العلل، وكان ضنيناً به، فغاب يوماً في بعض ضياعه، فجاء البخاري إلى بعض بنيه وراغبه بالمال على أن يرى الكتاب يوماً واحداً، فأعطاه له، فدفعه إلى النسّاخ فكتبوه له، وردَّه إليه، فلمَّا حضـر عليّ تكلَّم بشـيء، فأجابه البخاري بنصِّ كلامه مراراً، ففهم القضيَّة، واغتمَّ لذلك، فلم يزل مغموماً حتَّى مات بعد يسير، واستغنى البخاري عنه بذلك الكتاب، وخرج إلى خراسان، ووضع كتابه الصحيح، فعظم(٦٤).
ولم يرتض بذلك ابن حجر العسقلاني، فقال عنه: (وأمَّا القصَّة التي حكاها فيما يتعلَّق بالعلل لابن المديني، فإنَّها غنيَّة عن الردِّ، لظهور فسادها، وحسبك أنَّها بلا إسناد، وأنَّ البخاري لـمَّا مات عليّ كان مقيماً ببلاده، وأنَّ العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري، فلو كان ضنيناً بها لم يُخرِجها)(٦٥).
فمع ذلك فإنَّ البخاري اعتمد على تضعيف شيخه عليّ بن المديني، ويكفينا أنَّه ذكره ابن حبّان في كتابه (الثقاة)، وتوثيق ابن أبي بكر الهيثمي.
وهناك أحاديث جاءت بنفس المضمون، من قبيل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (في أُمَّتي المهدي يخرج، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً - زيد الشاك -)، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: (سنين)، قال: (فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي اعطني اعطني)، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأعقبه الألباني: حسن(٦٦).
وقال ابن أبي بكر الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقاة)(٦٧).
ورواه ابن ماجة في صحيحه، وحسَّنه الألباني(٦٨).
قال أبو حفص القرطبي: (روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمّياه بالمهدي)(٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) تهذيب التهذيب ٩: ٤٦.
(٦٥) المصدر السابق.
(٦٦) سنن الترمذي ٤: ٥٠٦.
(٦٧) مجمع الزوائد ٧: ٦١٦.
(٦٨) صحيح ابن ماجة ٢: ٣٨٩.
(٦٩) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١٠: ١١٥.

(٢٨)

رابعاً: روى مسلم بسنده عن عبيد الله بن القبطيَّة، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أُمِّ سَلَمة أُمِّ المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف به، وكان ذلك في أيّام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعَث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم)، قال: فلقيت أبا جعفر، فقلت: إنَّها إنَّما قالت: ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر: كلَّا، والله إنَّها لبيداء المدينة(٧٠).
قلت: هذا الحديث أُبهم فيه عن معرفة ذلك الجيش الذي يُخسَف به، وجاء بطرق عدَّة في غير البخاري ومسلم موضَّحاً أنَّه السفياني، وهو من علامات ظهور (المهدي)، وقد صُرِّح ببعضها باسم (المهدي)، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يخرج رجل يقال له: السفياني في عمق دمشق، وعامَّة من يتبعه من كلب، فيقتل حتَّى يبقر بطون النساء، و يقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها، حتَّى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحَرَّة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتَّى إذا صار ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم، فلا ينجو منهم إلَّا المخبر عنهم). قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه)، وأعقبه الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم)(٧١).
وأخرج ابن حماد المروزي بسنده عن عبد الله بن عمرو يقول: (علامة خروج المهدي خسف يكون بالبيداء بجيش، فهو علامة خروجه)(٧٢).
خامساً: عن أُمِّ سَلَمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة).
قلت: هذا الحديث أشار ابن حجر الهيتمي والمتَّقي الهندي ومحمّد بن عليّ الصبّان وحسن الحمزاوي المالكي إلى إخراجه في صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وسنن البيهقي وآخرون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) صحيح مسلم ٤: ١٧٩.
(٧١) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي ٤: ٥٦٥.
(٧٢) الفتن ١: ٢٠٢؛ العرف الوردي في أخبار المهدي ١: ٨٣.

(٢٨)

قال ابن حجر الهيتمي المتوفّى سنة (٩٧٤هـ): (ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة))(٧٣).
وكذا المتَّقي الهندي المتوفّى سنة (٩٧٥هـ) في كنز العمّال: ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة). (د، م عن أُمِّ سَلَمة))(٧٤).
ولا يخفى أنَّ رمز (م) يرمز إلى صحيح مسلم، وقد بيَّنه المتَّقي في مقدَّمته، قال: (رمزت للبخاري (خ)، ولمسلم (م)...)(٧٥).
وكذا أشار محمّد بن عليّ الصبّان المتوفّى سنة (١٢٠٦هـ) إلى وجود الحديث في صحيح مسلم، فقال: (ومنها أنَّ منهم مهدي آخر الزمان، أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة))(٧٦).
وأيضاً حسن الحمزاوي المالكي المتوفّى سنة (١٣٠٣هـ)(٧٧).
فائدة:
لا يخفى على القارئ الكريم أنَّ منهج الدسِّ والحذف معروف عند أهل العناد في تحريف الحقائق الواردة في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، فتجد الكمَّ الهائل من الحقائق زُوِّرت وحُذِّفت.
وعملية حذف الأحاديث من المسانيد وكتب السنن أصبحت مشهورة، وخصوصاً الطبعات الحديثة التي لا تخلو من الحذف والنقص المتعمّد، ونخصُّ بالذكر صحيح البخاري ومسلم، فإنَّ الوهّابية طبعوها طبعات جديدة ومنقَّحة، وقد طالتها يد التحريف، فإذا احتجَّ الإمامي على خصومه بحديث في صحيح البخاري أو مسلم ردَّهم الخصوم بأن لا وجود لهذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم، وبالفعل يستنجد بنسخة تخلو من هذا الحديث.
وعند المراجعة يتبيَّن أنَّ هناك نسخاً محرَّفة موزَّعة في الأسواق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) الصواعق المحرقة ٢: ٤٧٢.
(٧٤) كنز العمّال ١٤: ٢٦٤.
(٧٥) كنز العمّال ١: ٦.
(٧٦) إسعاف الراغبين: ١٤٥.
(٧٧) مشارق الأنوار: ١١٢.

(٢٨)

وهناك طريقة أُخرى طُبِعَ فيها صحيح البخاري ومسلم على شكل كتب وأجزاء صغيرة، بدعوى التسهيل على القارئ، بعنوان (مختصـر صحيح البخاري لابن أبي جمرة الأندلسـي المتوفّى سنة ٦٩٥ هـجرية)، و(مختصـر صحيح مسلم لزكي الدين المنذري المتوفّى سنة ٦٥٦ هجرية)، إذ يقول محقِّق كتاب (مختصـر البخاري) عليّ بن نايف الشحود: (فهذا مختصـر صحيح الإمام البخاري لابن أبي جمرة الأندلسـي (رحمه الله) والمتوفّى سنة (٦٩٥هـ) أو (٦٩٩هـ)، وقد سارت شهرته في سائر الأقطار، وشرحه كثيرون، وقد طُبِعَ طبعات متعدِّدة)(٧٨).
ويمكن كشف هذا التلاعب بمقارنة النسخ الحديثة بالقديمة بعضها ببعض، وبما نقله الحفّاظ والمحدِّثون عن الصحيحين، كما هو الحديث المذكور حيث اعترف أربعة من العلماء بوجوده في صحيح مسلم.
وكذا الحديث المشهور: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
يقول ابن تيمية: (من روى هذا؟ وأين إسناده؟ بل والله ما قاله الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) هكذا، وإنَّما المعروف ما روى مسلم: (... من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجَّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية))(٧٩).
إنَّ الحديث مروي في صحيح مسلم، غير أنَّ أهل العناد حرَّفوا ألفاظه بألفاظ تُغيِّر معنى كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وتُفسِّـره بطاعة السلطان حتَّى لو كان فاسقاً جائراً.
وكذا الأحاديث الواردة في الكتب الأُخرى حيث جرى لها نفس التبديل.
واللطيف أنَّ الحديث مشهور بلفظ: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وذكره الحفّاظ والمحدِّثون في كتبهم، واعترفوا بأنَّه أخرجه مسلم في صحيحة.
قال ابن أبي الوفاء: (وقوله (عليه السلام) في صحيح مسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، معناه: لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه)(٨٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) مختصر صحيح البخاري ١: ١.
(٧٩) المنتقى من منهاج الاعتدال: ١٥.
(٨٠) الطبقات الحنفية ٢: ٤٥٧.

(٢٨)

وقال ملا عليّ القارئ: (ومن مات وليس في عنقه بيعة، أي لإمام، مات ميتة جاهلية، وهو معنى ما اشتهر على الألسنة. وذكره السعد في شرح العقائد من حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، رواه مسلم)(٨١).
وهذا حال الكثير من الأحاديث التي تلاعب بها أهل العناد وأذناب السلاطين، ومنها حديث الثقلين المتواتر فبدلوا في بعض ألفاظه كلمة (عترتي)، فوضعوا مكانها (سُنَّتي)، وهي خطَّة رسمها منافسوا عليّ وأهل بيته (عليهم السلام)، حيث منعوا كتابة الحديث بشدَّة، وعاقب عمر بن الخطّاب على من يروي حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهم يعترفون بذلك، بل يفتخرون كما في كتبهم، ويعدّونها منقبةً لعمر، واستمرَّت هذه الحالة سنوات طوال حتَّى نسـي الناس حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)(٨٢).
على شرطهما ولم يُخرّجاه:
بعدما تبيَّن من خلال ما تقدَّم أنَّ الصحيحين لم يستوفيا جميع الأحاديث الصحيحة وباعترافهما، نشرع بذكر الأحاديث الصحيحة وعلى شرطهما، أو شرط أحدهما، ولم يُخرِّجاه.
١ - أخرج الحاكم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يخرج رجل يقال له: السفياني في عمق دمشق، وعامَّة من يتبعه من كلب، فيقتل حتَّى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها، حتَّى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحَرَّة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه، حتَّى إذا صار ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم، فلا ينجو منهم إلَّا المخبر عنهم). قال الحاكم النيسابوري: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه)، وأعقبه الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم)(٨٣).
٢ - أخرج أحمد، عن عليّ، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم لبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منّا يملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١١: ٣١٢.
(٨٢) أخرج المتَّقي الهندي عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول لأبي هريرة: لتتركنَّ الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) أو لألحقنَّك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتركنَّ الحديث أو لألحقنَّك بأرض القردة. (كنز العمّال ٥: ٢٣٩).
وروى ابن عبد البرِّ: وعن أبي هريرة أنَّه قال: لقد حدَّثتكم بأحاديث لو حدَّثت بها زمن عمر بن الخطّاب لضـربني عمر بالدرَّة. (جامع بيان العلم ٢: ٢٤٠).
وروى الحاكم بسنده عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرٍّ: ما هذا الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم). وأحسبه حبسهم بالمدينة حتَّى أُصيب. (المستدرك على الصحيحين ١: ١٩٣)، تعليق الذهبي في التلخيص: (رواه عفّان وغيره عنه، يعني عن شعبة).
قال الحاكم النيسابوري: (وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) فيه سُنَّة ولم يُخرِّجاه). (المستدرك على الصحيحين (١/ ١٩٤)، أعقبه الذهبي في التلخيص: (على شرطهما).
(٨٣) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي ٤: ٥٦٥.

(٢٨)

تعليق شعيب الأرنؤوط: (رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير فطر بن خليفة، فله حديث واحد عند البخاري مقروناً بغيره، وروى له أصحاب السنن)(٨٤).
٣ - أخرج الحاكم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه): أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: (يخرج في آخر أُمَّتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتُخرِج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأُمَّة، يعيش سبعاً أو ثمانياً - يعني حججاً -). قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه)، وأعقبه الذهبي في التلخيص: (صحيح)(٨٥).
وقال الغماري: (رجاله كلّهم ثقاة على شرط مسلم)(٨٦).
٤ - أخرج الحاكم، عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود قِبَل المشـرق، فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم)، ثمّ ذكر شيئاً فقال: (إذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنَّه خليفة الله المهدي).
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وأعقبه الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم)(٨٧).
٥ - أخرج نعيم بن حمّاد بسنده عن الحارث بن يزيد، قال: سمعت عبد الله بن زرير الغافقي يقول: سمعت عليّاً (رضـي الله عنه) يقول: (الفتن أربع: فتنة السـرّاء، وفتنة الضـرّاء، وفتنة كذا)، فذكر معدن الذهب، (ثمّ يخرج رجل من عترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يُصلِح الله على يديه أمرهم)(٨٨).
قال السيوطي: (بسند صحيح على شرط مسلم)(٨٩).
٦ - أخرج أبو داود وأحمد عن عليّ (رضي الله عنه)، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: (لو لم يبقَ من الدهر إلَّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً)(٩٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) مسند أحمد ١: ٩٩.
(٨٥) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي ٤: ٦٠١.
(٨٦) إبراز الوهم المكنون: ٨٧.
(٨٧) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي ٤: ٥١٠.
(٨٨) الفتن ١: ٥٧.
(٨٩) العرف الوردي في أخبار المهدي ١: ٩٥.
(٩٠) سنن أبي داود ٢: ٥٠٦.

(٢٨)

قال أحمد الغماري فيه: (صحيح على شرط البخاري ومسلم)(٩١).
تتمة لابد منها:
فبعد اثبات كونها في الصحاح فهي كذلك متواترة عندهم:
تواتر أحاديث المهدي (عليه السلام):
إنَّ أحاديث المخلِّص الموعود (المهدي) أشهر من أن ندلَّ عليها، وقد بلغت حدَّ التواتر المعنوي، ومن طعن بها فليس له معرفة بالحديث صحيحه من سقيمه، وهاهنا نذكر جملة من العلماء والحفّاظ والمحدِّثين صرَّحوا بتواتر أحاديث (المهدي).
١ - قال أبو الحسن الآبري: (قد تواترت الأخبار، واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى بخروجه، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّه يملؤ الأرض عدلاً، وأنَّه يخرج مع عيسى على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده على قتل الدجّال بباب لدٍّ بأرض فلسطين، وأنَّه يؤمُّ هذه الأُمَّة، ويُصلّي عيسى خلفه)(٩٢).
٢ - قال محمّد رسول البرزنجي: (أحاديث وجود المهدي، وخروجه آخر الزمان، وأنَّه من عترة رسول الله، ومن ولد فاطمة، بلغت حدَّ التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها)(٩٣).
٣ - قال محمّد السفاريني: (قد كثرت الأقوال في المهدي حتَّى قيل: لا مهدي إلَّا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحقِّ أنَّ المهدي غير عيسى، وأنَّه يخرج قبل نزول عيسى، وقد كثرت بخروجه الروايات حتَّى بلغت حدَّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السُّنَّة حتَّى عُدَّ من معتقداتهم)(٩٤).
٤ - قال محمّد بن عليّ الصبّان: (وقد تواترت الأخبار عن النبيِّ بخروجه، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّه يملؤ الأرض عدلاً، وأنَّه يساعد عيسى على قتل الدجال بباب لدٍّ بأرض فلسطين، وأنَّه يؤمُّ هذه الأُمَّة، ويُصلّي عيسى خلفه)(٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) إبراز الوهم المكنون: ٦٠.
(٩٢) الصواعق المحرقة ٢: ٤٨٠؛ المنار المنيف ١: ٣٢٧؛ تهذيب التهذيب ٩: ١٢٥.
(٩٣) الإشاعة لأشراط الساعة ١: ٨٧.
(٩٤) الإمام المهدي عند أهل السُّنَّة ٢: ٢٠.
(٩٥) إسعاف الراغبين ١: ١٥٢.

(٢٨)

٥ - قال محمّد أمين السويدي: (والذي اتَّفق عليه العلماء أنَّ المهدي هو القائم في آخر الوقت، وأنَّه يملؤ الأرض عدلاً، والأحاديث في ظهوره كثيرة)(٩٦).
٦ - قال القاضـي الشوكاني: (والأحاديث الواردة في المهدي التي يمكن الوقوف عليها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شكٍّ ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها)(٩٧).
٧ - قال أحمد زيني دحلان: (والأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة ومتواترة، فيها ما هو الصحيح والحسن، وفيها ما هو ضعيف وهو الأكثر، لكنَّها لكثرتها وكثرة مخرجيها يقوّي بعضها بعضاً حتَّى صارت تفيد القطع، لكن المقطوع به أنَّه لا بدَّ من ظهوره، وأنَّه من ولد فاطمة، وأنَّه يملؤ الأرض عدلاً)(٩٨).
٨ - قال محمّد صدّيق القنوجي: (والأحاديث الواردة فيه [المهدي] على اختلاف رواتها كثيرة جدّاً تبلغ حدَّ التواتر، وهي في السنن وغيرها)(٩٩).
٩ - قال منصور عليّ ناصف: (اشتهر بين العلماء سلفاً وخلفاً أنَّه في آخر الزمان لا بدَّ من ظهور رجل من أهل البيت يُسمّى المهدي، يستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويتبعه المسلمون، ويعدل بينهم، ويؤيِّد الدين، وبعده يظهر الدجّال، وينزل عيسى (عليه السلام) فيقتله، أو يتعاون عيسى مع المهدي على قتله. وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة، وخرَّجها أكابر المحدِّثين كأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، و...، ولقد أخطأ من ضعَّف أحاديث المهدي كلّها كابن خلدون وغيره، وما روي من حديث (لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم) فضعيف كما قاله البيهقي والحاكم وغيرهما)(١٠٠).
١٠ - أبو الفيض الغماري الشافعي: (وقد كثر في الناس اليوم ممَّن يخفى عليه هذا التواتر ويجهله، ويُبعِده عن صراط العلم جهله، ويضلّه من ينكر ظهور المهدي وينفيه، ويقطع بضعف الأحاديث الواردة فيه، مع جهله بأسباب التضعيف، وعدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٦) سبائك الذهب ١: ٣٤٦.
(٩٧) تحفة الأحوذي ١: ٤٨٤.
(٩٨) الفتوحات الإسلاميَّة ٢: ٢١١.
(٩٩) الإذاعة ١: ١١٢.
(١٠٠) التاج الجامع الأُصول ٥: ٣٤١.

(٢٨)

إدراكه معنى الحديث الضعيف، وتصوّره مبادئ هذا العلم الشـريف، وفراغ جرابه من أحاديث المهدي الغنيَّة بتواترها عن البيان لحالها والتعريف)(١٠١).
١١ - قال صفاء الدين آل الشيخ: (وأمَّا المهدي المنتظر فقد بلغت الأحاديث الواردة فيه حدّاً من الكثرة يورث الطمأنينة بأنَّ هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للإسلام سلامته، وللإيمان قوَّته، وللدين نظارته...، وهي متواترة بلا شكٍّ ولا شبهة)(١٠٢).
١٢ - قال عبد المحسن العبّاد: (فإنَّ أحاديث المهدي على كثرتها، وتعدّد طرقها، وإثباتها في دواوين أهل السُّنَّة يصعب كثيراً القول بأنَّه لا حقيقة لمقتضاها إلَّا على جاهل أو مكابر، أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المعتدّ بهم فيها، والتصديق بها داخل في الإيمان بأنَّ محمّداً رسول الله)(١٠٣).
١٣ - قال عبد الوهّاب عبد اللطيف: (أحاديث المهدي متواترة، ألَّف فيها كثير من الحفّاظ منهم أبو نعيم. وقد جمع السيوطي ما ذكره أبو نعيم وزاد عليه في العرف الوردي في أخبار المهدي. وللمؤلِّف ابن حجر فيه: كتاب المختصر في علامات المهدي المنتظر)(١٠٤).
١٤ - قال محمّد المعتصم بالله البغدادي: (وقد صحَّح العلماء أحاديث المهدي، وأفردوها بالتأليف، بل إنَّ كثيراً من العلماء اعتبرها من قبيل المتواتر المعنوي)(١٠٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) إبراز الوهم المكنون ١: ٤٤٣.
(١٠٢) مجلَّة التربية الإسلاميَّة/ العدد ٧: ٣٠.
(١٠٣) عقيدة أهل السُّنَّة والأثر في المهدي المنتظر ١: ٥٥.
(١٠٤) هامش الصواعق المحرقة ١: ١٦٥.
(١٠٥) هامش فردوس الأخبار ٤: ٤٩٨.

(٢٨)

 

الهزات الفكرية في زمان الغيبة
(أسباب وعلاج)

 

الشيخ ماهر الحجّاج

 

المقدمة:
إنَّ الإنسان على مَرِّ العصور كان محفوفاً بحجج الله تعالى يدعونه إلى الرشاد والصـراط المستقيم، وما زال يعارضهم ويخالفهم ويسلك غير سبيلهم، ويمشـي في سبل متفرِّقة، بل في بعض الأحيان يرتكب ما يخالفهم عناداً وتعدّياً، كما يُحدِّثنا القرآن عن الأقوام السالفة، والقرى التي حلَّ عليها غضب الله تعالى، إلَّا أنَّ فعلهم هذا لم يقف أمام فيض الكريم لينقطع، ولا أمام حجَّة الله ليدحضها، بل ما زالت حجج الله قائمة على البشـر، وبراهينه تترا عليهم آناء الليل وأطراف النهار، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: (ما خلت الدنيا - منذ خلق الله السماوات والأرض - من إمام عدل، إلى أن تقوم الساعة حجَّة لله فيها على خلقه)(١)، وورد أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (لـمَّا انقضت نبوَّة آدم (عليه السلام) وانقطع أجله، أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: أن يا آدم قد انقضت نبوَّتك، وانقطع أجلك، فانظر إلى ما عندك من العلم والإيمان وميراث النبوَّة وأثرة العلم والاسم الأعظم، فاجعله في العقب من ذرّيتك، عند هبة الله، فإنّي لن أدع الأرض بغير عالم يُعرَف به طاعتي وديني، ويكون نجاة لمن أطاعه)(٢).
وهذا هو الحقُّ الثابت باليقين الذي لا يعتريه الريب، لما تظافرت عليه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الإمامة والتبصرة: ٢٥/ ح ٢.
(٢) الإمامة والتبصرة: ٢٥/ ح ٣.

(٢٩)

الروايات الكثيرة الفائقة حدَّ التواتر، الدالّة على استمرارية حجَّة الله على البشـر إلى القيامة، وهو ما تؤكِّده روايات الأئمَّة الاثني عشـر، الواردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وحديث الثقلين: (لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض)(٣)، وهذا الحديث المتواتر هو من النصوص الواضحة في إثبات استمرارية حجَّة الله تعالى على عباده إلى القيامة، ولا يستقيم إلَّا على ما تتبنّاه الإماميَّة من الاعتقاد بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) تبعاً لقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأيضاً نصوص وروايات الغيبة وتفاصيلها وما يجري في آخر الزمان قبل القيامة يدلُّ على ذلك.
إلَّا أنَّنا لسنا بصدد بيان ذلك، بعد اعتقادنا بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) وحجّيتهم، ووضوح هذه القضيَّة في النصوص الصادرة عنهم (عليهم السلام) في ذلك، إلَّا أنَّنا نأسف لما حلَّ بنا من الحيلولة دون إمامنا (عليه السلام)، فقد ابتلانا الله (عزَّ وجلَّ) بغيبة إمامنا (عليه السلام) اختبارا لإيماننا بالغيب.
وهذا الابتلاء في عقيدة الإنسان له دخل واضح في تحديد مصيره، بل وفي تحديد سلوكياته الاجتماعية أيضاً، وهو بلاء مبين عظيم الوقعة شديد المحنة، ولذا ورد في الزيارة الجامعة قوله (عليه السلام): (والباب المبتلى به الناس)(٤)، فهم (عليهم السلام) في حياتهم وحضورهم قد اختبر اللهُ الناسَ بقبول إمامتهم، فقبلها من قبلها ورفضها الأكثر لإعراضهم عن الحقِّ وكرههم له، ثمّ تطوَّر الاختبار وصار بنحو أشدّ، وهو أنَّ الناس مخاطبون بإمامتهم حتَّى في صورة غيبتهم (عليهم السلام)، فمن يقبلهم ويقرُّ بهم في غيبتهم يكون من السعداء وممَّن يفوز بأُخوَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما روى النسائي بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قوله: (... وددت أنّي قد رأيت إخواننا)، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: (بل أنتم أصحابي، إخواني الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض)(٦).
وقد تنفتح أسارير النفس عندما تمرُّ عليها مثل هذه الروايات الشـريفة، وأنَّنا في آخر الزمان ونؤمن بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام) ولم نرَهم، فنحن من الفائزين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) بصائر الدرجات: ٤٣٣/ ح ٣؛ مسند أحمد ٣: ١٤؛ كنز العمّال ١: ١٧٢/ ح ٨٧٢.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦٠٩ - ٦١٣/ ح ٣٢١٣.
(٦) سنن النسائي ١: ٩٣؛ وروى قريباً منه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٦٦، عن أنس.

(٢٩)

بأُخوَّته، نعم يتمُّ هذا السرور لمن استقام على الطريقة وآمن، وختم عاقبته بالحسنى وولاية آل محمّد (عليهم السلام)، ولكن من بقي ولا يعلم إلى أين المصير، وغربيل الزمان ما زال يهزُّ الناس ويغربلهم حتَّى لا يبقى (إلَّا الأندر فالأندر)(٧)، فالابتلاء ما زال قائماً، والامتحان ما زال نصب عيون الناس.
وكما أنَّ طبقات الأرض إذا تحرَّكت واصطدمت بعضها ببعض أحدثت هزَّة أرضية قد تؤدّي بحياة آلاف البشـر، فكذلك الأفكار والاعتقادات إذا تزلزلت أمكن أن تحدث انقلاباً سلبياً، وتؤدّي إلى نتائج وخيمة العاقبة.
وباعتبارنا في دائرة الاختبار التي أشار إليها أهل البيت (عليهم السلام) بقولهم عنها: (كالقابض على الجمر)(٨)، بل وأشاروا إلى بعض جوانب الهزّات التي سيتعرض لها أتباعهم خلال مسيرتهم، فلأجل ذلك سنحاول في هذا البحث وبنحو مختصـر أن نشير إلى بعض من هذه الهزّات، وما هي أسبابها، ثمّ بيان علاجها، ثمّ نخلص إلى النتيجة المهمَّة المترتِّبة على ذلك، فكلامنا يقع في أربعة مباحث رئيسية هي:
١ - الهزّات الفكرية.
٢ - أسباب الهزّات الفكرية.
٣ - علاج النتائج السلبية للهزّات الفكرية.
٤ - النتيجة.

المبحث الأوّل: الهزّات الفكرية

المؤمن عرضة للخطر من جوانب مختلفة، الدنيا من جهة ونفسه من جهة أُخرى وإبليس وجنوده من جهة ثالثة وهكذا، وأهمّ سلاح يمتلكه المؤمن في هذه المعركة هو الفكر المستقيم، والذهن اليقظ النبه، فإذا استطاع الإنسان أن يسيطر على ذهنه وفكره، بحيث يحفظ توازنه في كلِّ ما يمرُّ عليه، استطاع أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الغيبة للنعماني: ٢٠٨/ ح ١٥.

(٢٩)

ينجو من كلِّ تلك العقبات بسهولة، ولعلَّه إلى هذا يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: (وقوراً عند الهزاهز)(٩).
وهذا الكلام فيه بحث واسع ومترامي الأطراف، إلَّا أنَّنا نأخذ جانباً خاصّاً من جوانب الهزّات التي تعرض الفكر بخصوصه في عقيدته بالإمام المهدي (عليه السلام) كنموذج، فنقول:
لقد تعدَّدت جوانب التشكيك في قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) واختلفت أبعاده، فأراد المشكِّكون من خلال ذلك تلويث الفكر الصحيح، لينتج ما يوافقهم من الفكر المنحرف الضالّ، وبالتالي تكون السطوة لإبليس وجنوده كما هم يُفكِّرون، ومن تلك الجوانب:
الجانب الأوَّل: التشكيك في أصل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام):
كما تذهب إليه أغلب العامَّة، فإنَّهم تبعاً لسياسات الدولة شكَّكوا في أصل ولادة الإمام الثاني عشـر، ويرون أنَّه سيُولَد في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، قال الشيخ السبحاني: (إنَّ الأكثرية من أهل السُّنَّة يقولون بأنَّه سيُولَد في آخر الزمان)(١٠).
ومن العامَّة الذين أنكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ابن خلدون الذي ناقش في أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) وحاول إبطالها(١١)، ولازم إبطال الروايات وردّها هو إنكار الاعتقاد بالإمام المهدي من رأس فضلاً عن ولادته، مع أنَّ العامَّة أنفسهم قد اعترفوا بتواترها بل فاقت حدَّ التواتر، قال ابن حجر العسقلاني: (قال أبو الحسن الخسعي الآبدي في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأُمَّة، وأنَّ عيسى يُصلّي خلفه...)(١٢)، بل تجاوز ابن خلدون أُطر البحث العلمي وعدَّ من قال بالمهدي مغالياً حيث قال: (... وقال مثله غلاة الإماميَّة وخصوصاً الاثنا عشـرية منهم يزعمون أنَّ الثاني عشـر من أئمَّتهم وهو محمّد بن الحسن العسكري ويُلقِّبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) أمالي الطوسي: ٤٨٤ و٤٨٥/ ح (١٠٦٠/٢٩).
(٩) الكافي ٢: ٤٧/ ح ١.
(١٠) محاضرات في الإلهيات (المختصر): ٥٦٥؛ وأشار إليه المازندراني في شرح أُصول الكافي ١: ٣٠٦.
(١١) محاضرات في الإلهيات (المختصر): ٥٦٥؛ مقدَّمة ابن خلدون: ٣١١.
(١٢) فتح الباري ٦: ٣٥٨، وذكر المازندراني في شرح أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٠٦) أنَّ الروايات في الإمام المهدي (عليه السلام) متواترة من طريق العامَّة والخاصَّة.

(٢٩)

الحلَّة وتغيَّب حين اعتُقِلَ مع أُمِّه وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان فيملؤ الأرض عدلاً)(١٣).
إلَّا أنَّ ابن خلدون لم يصمد أمام الفطرة الناطقة بالحقِّ، حتَّى نطق بها ونقض كلامه من الأساس إذ قال: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيِّد الدين ويُظهِر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلاميَّة ويُسمّى بالمهدي)(١٤)، فبعد إقراره بأنَّ الجميع يقبلون عقيدة الإمام المهدي، النابعة من السُّنَّة النبويَّة والأحاديث الشـريفة التي أكَّد عليها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ببيانات مختلفة، فقد أقرَّ ضمناً بصحَّة تلك الروايات التي أبطلها.
والتشكيك في هذه القضيَّة ليس وليد الساعة، وإنَّما ابتدأ منذ زمان الغيبة الصغرى كما ينقل لنا ذلك الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه المسائل العشـر، حيث قال: (فما الذي ينكر خصوم الإماميَّة من قولهم في ستر الحسن (عليه السلام) ولادة ابنه المهدي عن أهله وبني عمّه وغيرهم من الناس؟)(١٥)، ويذكر لنا الشيخ المفيد (رحمه الله) بعض من انبرى للترويج وبقوَّة لقضيَّة إنكار ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بدافع دنيوي ودافع سياسي بعد أن غرَّته السلطات العبّاسية بذلك، فقال (رحمه الله): (... وأمَّا المتعلّق بإنكار جعفر بن عليّ شهادة الإماميَّة بولد لأخيه الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وُلِدَ في حياته بعده، والحوز لتركته بدعوى استحقاقها بميراثه مثلاً دون ولد له، وما كان منه من حمل أمير الوقت على حبس جواري الحسن (عليه السلام) واستبذالهنَّ بالاستبراء لهنَّ من الحمل ليتأكَّد بقيَّة لولد أخيه، إباحته دماء شيعة الحسن بدعواهم خلفاً من بعده كان أحقّ بمقامه من بعده من غيره وأولى بميراثه ممَّن حواه)(١٦).
وهذه النصوص تُبيِّن لنا المحنة التي كان يعيشها أهل ذلك الزمان، والاختبار ببلاء مبرم إبراماً، غياب شخص الإمام (عليه السلام) من جهة، وتشكيك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) مقدَّمة ابن خلدون: ١٩٩.
(١٤) مقدَّمة ابن خلدون: ٣١١.
(١٥) المسائل العشر في الغيبة: ٥٨.
(١٦) المسائل العشر في الغيبة: ٦١.

(٢٩)

الناس في أصل إمامته وولادته (عليه السلام) من جهة أُخرى، والسلطة العبّاسية ومحاربتها من قال بولادة الإمام (عليه السلام)، وعليه فمن الممكن أن يُؤثِّر ترويج مثل هذه الأفكار على الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) ويحدث نوع اهتزاز فكري عند المتأثِّر بها، خصوصاً إذا عمَّق إبليس المشكلة وجذَّرها في نفسه.
والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
الأوَّل:
من جهة فكرية اعتقادية، وما أفادته النصوص في هذا المعنى.
الثاني: من جهة تاريخية وواقع معاش من عصـر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى أواخر زمان الغيبة الصغرى.
أمَّا الوجه الأوَّل:
فإنَّه توجد عندنا نصوص كثيرة دلَّت على أُمور اعتقادية عديدة يمكن الاستفادة منها في المقام، ومنها:
أ - النصُّ الذي قرن بين الكتاب وأهل البيت (عليهم السلام) وأنَّهما لن يفترقا، المعروف بـ (حديث الثقلين)، وهو نصٌّ متواترٌ لا غبار عليه، حيث يستفاد منه وجود الإمام (عليه السلام) دائماً مع القرآن إلى يوم القيامة، وهذا يعني أنَّ الإمام لا بدَّ أن يكون مولوداً وله تحقّق في الخارج حتَّى يكون مع القرآن، فلو فُرِضَ - كما تدَّعيه العامَّة - عدم ولادته (عليه السلام) لحصل الانفكاك، وحديث الثقلين يُبطِله.
ب - النصوص التي تعرَّضت لعدم خلوِّ الأرض من حجَّة - وتقدَّمت الإشارة إلى بعضها في المقدَّمة - أيضاً تُثبِت بطلان القول بعدم ولادته (عليه السلام)، حيث يلزم من القول بعدم الولادة خلوّ الأرض من حجَّة، وهذه الروايات تُبطِله.
ج - النصوص المهدوية ونصوص الأئمَّة الاثني عشـر الكثيرة الوفيرة المتواترة، الدالّة على أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام من بعد أبيه الحسن

(٣٠)

العسكري (عليه السلام)، تُثبِت لابدّية ولادته (عليه السلام) في زمان أبيه (عليه السلام)، ولا يُوجَد عاقل يتصوَّر أنَّ الإمام المهدي سوف يُولَد من أبوين قد ماتا وتجاوز الفاصل الزمني بينهم الألف سنة.
وأمَّا الوجه الثاني:
حيث أكَّدت القرائن والدلائل التي ظهرت في ذلك الوقت أنَّه (عليه السلام) مولود بالقطع واليقين ولا ريب في ذلك، ومن تلك الأُمور التي ثبتت في تلك الحقبة:
أ - رواية السيِّدة حكيمة، وما شاهدته ليلة ولادته (عليه السلام) وبعدها، وكيف شاهدت الإمام المهدي (عليه السلام) بيد أبيه العسكري (عليه السلام)(١٧).
ب - مشاهدة بعض الرواة ووكلاء الإمام العسكري (عليه السلام) للإمام المهدي (عليه السلام) من خلال عرض الإمام العسكري (عليه السلام) عليهم ذلك، ومشاهدتهم إيّاه(١٨).
ج - قضيَّة تجهيز والده العسكري (عليه السلام) بعد موته، والصلاة عليه، وتنحيته لعمِّه جعفر الكذّاب عن ذلك المقام، والوقوف به للصلاة على جنازة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(١٩).
د - استقباله (عليه السلام) لبعض الوفود بعد وفاة أبيه (عليه السلام)، وإخباره بما في الهميان(٢٠).
هـ - والأهمّ من هذا كلّه ما حصل في الغيبة الصغرى من نصبه للسفراء الأربعة، وخروج التوقيعات من ناحيته المقدَّسة لمدَّة زمنية قاربت الـ (٧٠) عاماً.
الجانب الثاني: الشكّ في بقائه (عليه السلام) حيّاً:
إنَّ الإنسان الاعتيادي ليس له قابلية البقاء أكثر من السنِّ الطبيعي الذي أقصاه مائة سنة أو أكثر أو أقلّ، مع أنَّنا نجد عمر الإمام (عليه السلام) قد تجاوز اليوم الألف والمائة سنة، فقياساً بالإنسان الاعتيادي تكون مسألة بقاء الإمام (عليه السلام) على قيد الحياة أمراً غير معقول ممَّا يُسبِّب هزَّة فكرية سيقع فيها الناس، كما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) منتهى الآمال ٢: ٥٥٩ - ٥٦١؛ إلزام الناصب ١: ٢٨٦؛ منتخب الأنوار المضيئة: ٣١/ ح ٢٥٨.
(١٨) الفصول العشر: ٩ و١٠؛ الكافي ١: ٣٣٠ و٣٣١/ ح ٣.
(١٩) منتهى الآمال ٢: ٥٤٣.
(٢٠) منتهى الآمال ٢: ٥٤٢.

(٣٠)

أشار إليه الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) إذ قال: (... ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات [قُتِلَ]، أو هلك بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيَّده بروح منه)(٢١).
ولعلَّ هذا الأمر هو الذي دفع السائل أن يسأل من الشيخ الصدوق حيث قال له: (إنَّ الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدَّت، وقد رجع الكثير عن القول بالإمامة لطول الأمد، فكيف هذا؟)(٢٢)، وذكر السيِّد الميلاني: أنَّ هناك من العامَّة من قال بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ولم ينكرها، ولكنَّه أنكر بقاءه حيّاً، مثل التفتازاني، (فإنَّ التفتازاني لم يُكذِّب ولادة المهدي من الحسن العسكري (عليه السلام)، وإنَّما استبعد أن يكون الإمام باقياً هذه المدَّة من الزمان، ولذا نرى بعضهم يعترف بولادة الإمام (عليه السلام) ثمّ يقول: مات)(٢٣).
وهذه الفكرة لعلَّها أخطر من سابقتها على العقيدة المهدوية، لقرب مأخذها، حيث إنَّ الناس مأنوسون بالحسِّ وعالم المادَّة، وغافلون عن الغيب وعالمه، فيتعاملون مع كثير من قضاياهم بخلفيتهم الحسّية، فلذا نجدهم عندما يأتون إلى قضيَّة بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) حيّاً يُرزَق بعد اثني عشـر قرنا يجدونها صعبة التقبّل إن لم يرفضوها بناءً على ميزانهم الحسّـي، حيث لم يروا إلَّا الإنسان العادي الذي لا يُعمِّر أكثر من ثمانين سنة أو يزيد عليها بشـيء قليل، ولم يعهدوا حسّاً بأنَّ إنسانا عاش ثلاثة قرون، إلَّا أنَّ هؤلاء غاب عنهم أمر الله تعالى ومشيئته، فهو الذي ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢).
والجواب عن ذلك من ثلاث جهات:
الأولى:
وهي الجهة العقلية، فإنَّ العقل عندما تُعرَض عليه مسألة بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) على قيد الحياة، يجدها قضيَّة ممكنة وليست مستحيلة ولا ممتنعة، وعليه فإنَّ العقل لا يعارض طول عمر الإمام ولا ينكره، بل يقول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الكافي ١: ٣٣٦/ ح ٣؛ الإمامة والتبصرة: ١٢٥/ ح ١٢٥.
(٢٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٨.
(٢٣) الإمام المهدي: ٢٩.

(٣٠)

بإمكانه، فالذين يُشكِّكون في طول حياة الإمام (عليه السلام) لو رجعوا إلى عقولهم لوجدوا جوابهم فيها صريحاً(٢٤).
الثانية: وهي الجهة الروائية، فإنَّ الروايات قد نصَّت على غيبة الإمام الثاني عشـر (عليه السلام) من جهة، وعلى طول عمره من جهة ثانية، وعلى أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة من جهة ثالثة، وكلُّ واحد منها كافٍ في إثبات طول عمره (عليه السلام)، إلَّا أنَّ أصرح النصوص دلالةً في المقام هي النصوص التي دلَّت على طول عمره الشـريف، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق فقال: حدَّثنا محمّد بن عليّ بن بشّار القزويني، قال: حدَّثنا أبو الفرج المظفَّر بن أحمد، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي، قال: حدَّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمِّه الحسين بن يزيد، عن حمزة بن حمران، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيِّد العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) يقول: (في القائم سُنَّة من نوح، وهو طول العمر)(٢٥).
الثالثة: وهي الجهة التاريخية النصّية، حيث ورد في نصوص عديدة وجود نظائر لقضيَّة طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)، وليس هو الوحيد في العالم ممَّن مدَّ الله تعالى في عمره، ومن هؤلاء:
أ - العبد الصالح الخضـر، روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال لسدير الصيرفي: (... وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضـر (عليه السلام) - فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشـريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يُلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لـمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك، إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، لئلَّا يكون للناس على الله حجَّة)(٢٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الباب الحادي عشر: ٥٢.
(٢٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٢/ ح ٤؛ الخرائج والجرائح ٢: ٩٦٥.
(٢٦) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٥٧.

(٣٠)

ب - عيسى بن مريم (عليه السلام)، فإنَّه (عليه السلام) بنصِّ القرآن عليه لم يمت ولم يحرقه اليهود إنَّما شُبِّه لهم ذلك، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ﴾ (النساء: ١٥٨)، وقد ورد النصُّ من طرق الخاصَّة والعامَّة على أنَّ عيسى (عليه السلام) سوف يظهر مع القائم المهدي (عليه السلام) ويأتمُّ به، وهذا ما لم يستطع ابن خلدون إنكاره مع أنَّه قد أنكر روايات المهدي (عليه السلام) فقال: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيِّد الدين، ويُظهِر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويُسمّى بالمهدي، ويكون خروج الدجّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنَّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجّال أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتمُّ بالمهدي في صلاته، ويحتجّون في الشأن بأحاديث خرَّجها الأئمَّة، وتكلَّم فيها المنكرون لذلك)(٢٧).
ج - أبو الدنيا معمر المغربي، قال الشيخ الصدوق: (ومخالفونا رووا أنَّ أبا الدنيا المعروف بمعمر المغربي واسمه عليّ بن عثمان بن خطّاب بن مرَّة بن مؤيّد لـمَّا قُبِضَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان له قريباً من ثلاث مائة سنة، وأنَّه خدم بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنَّ الملوك أشخصوه إليهم وسألوه عن علَّة طول عمره واستخبروه عمَّا شاهد، فأخبر أنَّه شرب من ماء الحيوان، فلذلك طال عمره، وأنَّه بقي إلى أيّام المقتدر، وأنَّه لم يصح لهم موته إلى وقتنا هذا، ولا ينكرون أمره، فكيف ينكرون أمر القائم (عليه السلام) لطول عمره؟)(٢٨).
الجانب الثالث: الشكُّ في فائدة الإمام المهدي (عليه السلام) عند غيبته:
الإنسان الذي لم تتجاوز إدراكاته حدود الأُطر المادّية يحسب أنَّ الفائدة - من الأشياء بصورة عامَّة ومن البشر وأفعالهم بصورة خاصَّة - لا بدَّ أن تكون ملموسة ظاهرة، وذلك لأُنسه بالمادَّة وعالم الحسِّ، وهذا ما يبعثه على الوقوف أمام الأُمور غير المحسوسة موقفاً سلبياً، كما يُحدِّثنا القرآن الكريم عن أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) مقدَّمة ابن خلدون: ٣١١.
(٢٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٥٣٧.

(٣٠)

الدنيا والدهريين الذين قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ (الأنعام: ٢٩) وأنكروا الآخرة، ويُحدِّثنا أيضاً عن قوم موسى (عليه السلام) وكيف طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى جهرةً فقالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (النساء: ١٥٣)، ويُحدِّثنا القرآن الكريم عن كثير من أمثال هؤلاء الذين سحرت عيونهم الدنيا وخدعت قلوبهم المادَّة، وأركسهم الحسُّ في أعماق بحر الضلال.
وهذا الحسُّ والهاجس الذي بنى أغلب الناس عليه حياتهم جرّوه إلى قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإنَّهم بعد إقرارهم بولادته (عليه السلام) وحياته ضمناً، أنكروا وجود فائدة للإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته، وكأنَّهم يقولون: طالما كان الإمام (عليه السلام) غائباً مستتراً لم نرَه ولم نباشره بالسؤال ولا يتدخَّل بصورة علنية في أُمورنا فلا فائدة منه(٢٩).
والجواب عن هذا الإشكال بما يلي:
أوَّلاً:
لا يوجد عندنا قانون عقلي ولا شرعي ينصُّ على أنَّ كلَّ أمر غير محسوس فهو لا فائدة فيه، بل العقل قاض بعكس هذه القضيَّة، ويؤمن بأنَّ الفائدة كما تترتَّب على المحسوس كذلك تترتَّب على غير المحسوس، وعدم المحسوسية ليست مانعةً من ذلك.
ثانياً: إنَّ أصل المشكلة نابعة من الحسِّ والتعبّد به، إلَّا أنَّ الحسَّ ليس هو مدركاً لكلِّ شيء، حتَّى نقف عنده مبجّلين، بل هناك أُمور كثيرة جدّاً لا يمكن للحسِّ نيلها أبداً، ولا يمكن لعاقل أن ينكرها مثل: مثل الكهرباء التي لا نرى لها شخصاً ولا ظلًّا مع أنَّ الكلَّ ينتفع بها، ومثل ذبذبات اللاسلكي التي تلتقطها الأجهزة النقّالة كالراديو والتلفزيون والهاتف المحمول وأجهزة الاتِّصال العسكرية والانترنت، وما شاكل ذلك.
ثالثاً: إنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا ملتفتين إلى هذا الإشكال وغيره، فأجابوا بأنَّ للإمام الغائب (عليه السلام) فائدة عظيمة إلَّا أنَّنا لا نُدركها، كما هو الحال في الشمس التي تحجبها الغيوم، فإنَّها وإن كانت مستترة إلَّا أنَّ نفعها يصل إلى البشر(٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) أشار الشيخ المفيد (رحمه الله) إلى هذا الإشكال نقلاً عن العامَّة في كتابه (المسائل العشر: ١٠٥).
(٣٠) الخرائج والجرائح ٣: ١١١٣ - ١١١٥/ ح ٣٠.

(٣٠)

الجانب الرابع: التشكيك في التوسّع في بعض العناوين وانتحالها:
المتتبّع في القضيَّة المهدوية يجد في هذا الباب عناوين متعدِّدة ذكرتها الروايات الشـريفة، فقد ذكرت تفاصيل معالم الإمام الغائب (عليه السلام)، وتفاصيل زمان ظهوره، والعلامات السابقة عليه، وتفاصيل أنصاره وعددهم، كلُّ هذا من أجل بناء سدّ وحاجز لا يمكن خرقه من قِبَل بعض المموّهين للحقائق، ولكن ذلك مشـروط بالاطِّلاع والتصديق، إلَّا أنَّ المتصيّدين بالماء العكر حاولوا أن يخلطوا الأوراق بحيث يصعب على الناس تشخيص ما هو الصواب في ذلك.
ومن نماذج هذه الحقيقة (ابن گاطع) الذي انتحل لقب القائم وجعله لنفسه، مدَّعياً أنَّ هناك أكثر من قائم، وليس هذا اللقب للإمام وحده، وانتحل أيضاً لقب اليماني، وادَّعى أنَّ لقب اليماني ليس مختصّاً بشخص واحد، وهو الذي يخرج من صنعاء، بل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يماني، والإمام الحجَّة (عليه السلام) يماني، وأتباع الإمام وأنصاره يمانيون وهكذا، وادَّعى أيضاً أنَّه ابن الإمام ووصيّ الإمام وأنَّه معصوم وأوَّل الأنصار، وغيرها الكثير من الدعاوى(٣١).
وهذه المحاولة قد تبدو في بادئ الأمر لا قيمة لها ولا أثر، إلَّا أنَّ الأمر ليس كذلك، إذ من الممكن أن يُزلزل هذا التلاعبُ والادِّعاءاتُ الاعتقادَ والفكرَ الحقَّ عمَّا كان عليه، فإنَّ المعتقد عندما يأتي إلى قضيَّة (القائم) وما تعرَّضت له من الانتحال والتلاعب لا يبقى له اعتماد بأيِّ شخص هو القائم، حيث يدخل عليه الشكُّ في التطبيق القائم على شخص معيَّن، وكذلك قضيَّة اليماني وأوَّل الأنصار، فتكون النتيجة هي خواء الاعتقاد وتزلزله لسـريان الشكِّ فيه ، ومن الإمكان بمكان أن ينتهي أمثال هؤلاء إلى ترك الاعتقاد والتنفّر منه.
والجواب عن هذه الدعاوى بالتالي:
أوَّلاً:
أنَّ الحقائق الثابتة لا تُغيِّرها ادِّعاءات المنحرفين الضالّين وإن انتحل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) راجع: الردّ القاصم لدعوة المفتري على الإمام القائم: ٥٥.

(٣٠)

بعضهم شخصية معيَّنة، فإنَّ ذلك لا يُغيِّر من الواقع شيئاً، فبعد معرفة الحقِّ ومعرفة أهله نقطع بكذب هؤلاء المتحيّلين على الناس.
ثانياً: أنَّ العناوين المذكورة في القضيَّة المهدوية مبيَّنة بشكل واضح، كعنوان اليماني الذي أكَّدت الروايات أنَّه من أهل اليمن ومن صنعاء على الخصوص، وعليه فليس للعقل أن يقبل أنَّ اليماني يخرج من قريةٍ من نواحي قضاء المدينة في محافظة البصـرة، فأين صنعاء وأين البصـرة؟ مضافاً إلى أنَّ خروج اليماني مقرون بخروج السفياني والخراساني.
وكذلك تقمّصه لشخصية أوَّل الأنصار الذي من البصـرة، فإنَّ الروايات ذكرت اسمه وهو (أحمد بن مليح)(٣٢)، والمتقمّص هو أحمد بن گاطع، وهكذا باقي دعاواه الواهية التي حاول إضلال الناس بها.
وهذا وأمثاله قد تصدّى له الكثير ممَّن يهمّه أمر الدين من فضلاء الحوزة العلمية المباركة، وأوضحوا بالتفصيل زيف مدَّعياته الواهية.
وبعد أن عرضنا بعض الشبهات التي تطرأ على القضيَّة المهدوية، التي إذا تلوَّث الفكر بها أو بغيرها تزلزل كيانه، اتَّضح لنا أنَّ الهزَّة الفكرية التي قد تنوب البعض تترك خلفها آثاراً عظيمة إيجابية أو سلبية، فمن الممكن أن تقفز بالإنسان قفزات نوعية في سُلَّم الإيمان وقوس الصعود ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ (ص: ٢٤)، ومن الممكن أن تُخرجه من دائرة المعتقِد إلى دائرة الشاكّ المتحيِّر، وعليه فإنَّ ردّات فعل الهزات الفكرية ليست بالضـرورة أن تكون سلبية دائماً، بل من الممكن أن تكون إيجابية وتفتح آفاقاً جديدة أمام الباحث، لترسيخ اعتقاداته بنحو متقن ورصين.
هذا وإنَّ ردّات الفعل تكون مساوية لشدَّة أو ضعف الهزَّة، فكلَّما كانت الهزات شديدة كلَّما كانت ردّات فعلها أعنف وأشدّ، والعكس بالعكس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) دلائل الإمامة: ٥٧٤/ ح (٥٢٨/١٣٢).

(٣٠)

المبحث الثاني: أسباب الهزّات الفكرية

ما من شـيء في الوجود إلَّا وله سبب بعيد أو قريب، استطعنا إدراكه أو لم نستطع، فإنَّ نظام هذا العالم مبنيٌّ على أساس العلية والمعلولية ولم يُبنَ على أساس الصدفة والفجئة كما قيل، ونحن عندما نأتي للتأمّل في الأسباب الكامنة خلف الهزّات الفكرية نجدها تنقسم ابتداءً إلى قسمين رئيسين، هما: داخلية وخارجية، ثمّ إنَّ لكلٍّ منهما عوامله المساعدة عليه. وإليك بيان ذلك:
الأسباب الداخلية:
كلُّ من هو دون المعصوم فهو قابل للخطأ، ومتعرِّض لعواصف الفكر الخطرة، فليس لأحدٍ أن يدَّعي الكمال المطلق الفكري، ولو كنّا كاملين حقّاً فمن أين تصدر هذه الأخطاء التي نرتكبها في اليوم مرَّة أو مرّات؟ ومن هنا فعلينا أن نبحث ونتأمَّل جيّداً في منبع تلك الزلازل التي تدكُّ عروش الأفكار وما هو الباعث عليها؟ وهل لنفس الإنسان دخل ونصيب فيها أم لا؟
إنَّنا بعد التأمّل نجد أنَّ لنا قسطاً وافراً من التأثير في ذلك، وهذا ما نعنيه بالأسباب الداخلية، فإنَّ الإنسان ذاته له أثر في نفسه وفكره من دون دخالة أمر خارجي آخر، ومن العوامل المؤثِّرة في ذلك أُمور:
أوَّلاً: التعنجه الفكري، أي عدم الاعتراف بالنقص، بأن يرى الإنسان نفسه كاملاً، ولعلَّه بنحو مطلق ، وبعبارة أُخرى اتِّصاف الإنسان بالجهل المركَّب الذي يجرُّ الويلات على صاحبه، فهو يجهل ويجهل أنَّه يجهل، كما بُيِّنَ في محلِّه من المنطق(٣٣)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من ترك قول: لا أدري، أُصيبت مقاتله)(٣٤)، فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة صرعته أبسط الأُمور، وهذا ما وقع فيه الكثير من مفكري العامَّة، فإنَّهم بعد اطِّلاعهم على الدين وعلى السُّنَّة الشـريفة وما نصَّه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وأنَّهم خلفاؤه والأئمَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) المنطق للمظفر ١: ١٩.
(٣٤) نهج البلاغة: ١٥٧/ الحكمة ٨٥.

(٣٠)

من بعده، بل واعترفوا بتواتر الأحاديث التي تناولت القضيَّة المهدوية، بعد ذلك كلّه نجدهم باقين على ما هم عليه من الاعتقاد الفاسد مكابرةً وتعنّتاً.
ثانياً: عدم رسوخ العقيدة من أوَّل المشوار، فإنَّ الاعتقاد لا بدَّ أن تتوفَّر فيه ثلاث خصال: أن يكون جازماً بحيث لا تردّد فيه، وأن يكون مطابقاً للواقع، وليس أوهاماً أو خيالات وخرافات لا واقع لها ولا أساس، وأن لا يكون الاعتقاد عن تقليد، فمن قلَّد المؤدّبين من الآباء والمعلِّمين في اعتقاده من دون تحقيق ولا تأمّل ارتطم بما لا تُحمَد عقباه، فإذا فقد الاعتقاد أحد هذه الأركان الثلاثة كان معرَّضاً للزوال، وهذا ما نجده عند أحمد الكاتب وأتباع ابن گاطع بشكل واضح.
ثالثاً: عدم الاطِّلاع على تفاصيل العقيدة المهدوية، فإنَّ بحث الإمامة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قد أُشبِعَ بحثاً وتحقيقاً أكثر ممَّا هو في المدارس الأُخرى، وقد ورد التركيز على إمامة الإمام الثاني عشـر (عليه السلام) وتفاصيلها، لأنَّها الخاتمة والتي بها نجاة البشـر، ولأنَّها مشتملة على أُمور وعلامات كثيرة، فقد فصَّل أهل البيت (عليهم السلام) في قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) تفاصيل مختلفة بالاطِّلاع عليها تزول كلُّ شبهة وتُحَلُّ كلُّ عقدة، والحال بالعكس إذا قلَّ الاطِّلاع على تفاصيل العقيدة المهدوية فمن الممكن آنذاك قبول أيّ شبهة، ومن خلال هذا الممرّ يدخل الكذّابون الذين يظهرون قبل قيام الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، ليُضلّوا الناس عن سواء الطريق، كما أنبأ أهل البيت (عليهم السلام) بذلك، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا تقوم الساعة حتَّى يخرج نحو من ستّين كذّاباً كلّهم يقول: أنا نبيّ)(٣٥).
رابعاً: الميل إلى الدنيا وأهلها، فإنَّ الركون إلى الدنيا وأهلها هو من أخطر ما يُبتلى به الإنسان، حيث إنَّه يجرّه إلى أُمور قد لا تخطر على باله، فإنَّ أهل الدنيا بعيدون عن الاعتقاد في الجملة، وهذا الابتعاد يُقرِّبهم من أهل الأفكار المنحرفة حتَّى تتلوَّث أفكارهم بهما، وبذلك يبدأ صرح الاعتقاد بالتثلّم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الغيبة للطوسي: ٤٣٤/ ح ٤٢٤.

(٣٠)

والتزلزل، ومن هنا حذَّر أهل البيت (عليهم السلام) من حبِّ الدنيا والركون إليها، وبيَّنوا ما يترتَّب على ذلك، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبِّها، ومن عشق شيئاً أعشى بصـره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأُذُن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه، فهو عبد لها، ولمن في يده شيء منها، حيثما زالت زال إليها، وحيثما أقبلت أقبل عليها)(٣٦).
ومن الذين أرداهم حبُّ الدنيا في هوَّة الضلال مع التفاته إلى ما هو فيه، عمر بن سعد (لعنه الله) الذي قد غرَّته الدنيا ولم ينل شيئاً منها، إذ قال:

فو الله ما أدري وإني لواقف * * * أُفكِّر في أمري على خطرينِ
أأترك ملك الريِّ والريُّ منيتي * * * أم أرجع مأثوماً بقتل حسينِ
ففي مثله النار التي ليس دونها * * * حجاب وملك الريِّ قرَّة عيني(٣٧)

خامساً: التعامل مع قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) بالعاطفة الزائدة بعيداً عن التعقل، بحيث عندما يسمع أحدٌ منهم باسم الإمام المهدي (عليه السلام) وذكره يطير فرحاً وينسى كلّ حساباته ممَّا جعله عرضةً للآكل، فالتقمته أفواه الدجّالين وصرفته عن الصـراط المستقيم، بحجَّة الدعوى للإمام الحجَّة (عليه السلام)، ودونك البابية والگاطعية وغيرهم، فإنَّ حبَّ أهل البيت (عليهم السلام) أمر واجب ولازم، ولكنَّه لا يعني أن نتَّبع كلَّ من ادَّعى صلة بأهل البيت (عليهم السلام)، أي إنَّ الحبَّ والاتِّباع والطاعة هي مفاهيم لازمة لأهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم، لا لكلِّ من ادَّعى أنَّه متَّصل بهم ولو كذباً وزوراً.
سادساً: انطلاء بعض المغالطات الواهية عليهم من قِبَل بعض المضلِّيِّن، فإنَّ المغالطة من أخطر ما يتعرَّض له الاستدلال في الأوساط البسيطة فكرياً وثقافياً، حيث لا يمكنهم تشخيص مكامن الخطأ في تلك الأدلَّة، فقد تكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) نهج البلاغة: ٤٨ و٤٩/ الخطبة ١٠٩.
(٣٧) مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٤٨؛ كشف الغمّضة ٢: ٢٥٩؛ معجم البلدان ٣: ١١٨.

(٣١)

منزلقاً لكثير من الأقدام حتَّى لو لم يكن أهلها من أهل الدنيا أو كان الشخص معتقداً بنحو تامٍّ، بل حتَّى لو كان مطَّلعاً على بعض التفاصيل ، فمع هذا كلّه من الممكن أن تنطلي عليه مغالطات المغرضين فتصـرعه، وإذا سلَّم لتلك المغالطات تزلزل عرش فكره وأصابته الهزّات.
وهذا اللون من الاستدلال نجده عند أحمد بن گاطع وأتباعه بنحو جليٍّ، حيث جعلوه أُسّ فكرتهم، بل واهتمّوا به إيّما اهتمام، بحيث تجد كبارهم لقَّنوا صغارهم ذلك فصاروا ينهشون الناس بأفكارهم المنحرفة، ومن ذلك: استدلال أحمد بن گاطع على أنَّه رسول آخر الزمان حيث انطلق من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الجمعة: ٢ و٣)، فحاول أن يُفكِّك بين الآيتين ويُصوِّر للناس بأنَّ هناك بعثتين:
الأُولى: بعثة إلى الأُمّيين كما تُعبِّر الآية، وهم أهل مكّة التي هي أُمُّ القرى.
والثانية: بعثة إلى الآخرين الذين سيتلون هؤلاء المتقدِّمين ويأتون بعدهم بقرون.
ومن الطبيعي تكون نتيجة هذا الاستدلال هي: أنَّ أحمد بن گاطع هو نبيّ آخر الزمان بنصِّ الآية كما يدَّعيه(٣٨).
وهذا الكلام واضح البطلان من جهات مختلفة:
أوَّلاً:
من جهة أنَّ باب البعثة والرسالة قد ختمها الله تعالى بالنبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: ﴿رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠)، فتكون دعوى أحمد بن گاطع باطلة من رأس.
ثانياً: ومن جهة أُخرى أنَّ العطف في الآية الثانية وهي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ راجع على الأُمّيين وليس راجعاً على البعث أبداً، فإنَّ الآية تُقرِّر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) رسول الإمام في التوراة : ١٠.

(٣١)

سريان حجّية نبوَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على كلِّ من تلاه إلى يوم القيامة، وأنَّها ليست مختصَّة بأهل زمانه فقط.
الأسباب الخارجية:
بعد تجاوز مرحلة الذات وما احتوته من عوامل مساعدة على تخلخل الأفكار، ننتقل إلى مرحلة الأسباب الخارجية التي تؤثِّر في ذلك، وفي المقام عدَّة أسباب، منها:
أوَّلاً: البيئة والمحيط:
وجود البيئة المساعدة على التشكيك ونقد العقيدة المهدوية، من قبيل المجتمع والأُسرة المحيطة، كما يشير إليه الحديث الشـريف الوارد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (ما من مولود إلَّا يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّـرانه أو يُمجِّسانه)(٣٩)، فإنَّ دلالة هذا الكلام على أوَّل ركائز التأثير البيئي على فكر الإنسان وهي الأُسرة، واضحة لا غبار عليها.
ومن الركائز البيئية المؤثِّرة في الفرد هم الأصدقاء والأقران، الذين يعثر عليهم من خلال اختلاطه بالمجتمع، من قبيل أبناء الجيران الذين يلعب معهم، أو أقرانه في المدرسة، أو أصدقائه في محلِّ العمل، وقد وردت الإشارة إلى هذه الركيزة كثيراً في الكتاب العزيز والسُّنَّة الشـريفة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان: ٢٧ - ٢٩)، وقال تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ * قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَـرِينَ﴾ (الصافّات: ٥١ - ٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) الكافي ٢: ١٣؛ أمالي المرتضـى ٤: ٢؛ شرح الأخبار ١: ١٩٠؛ صحيح البخاري ٦: ٢٠.

(٣١)

وكذلك من المؤثِّرات البيئية التي تنعكس على الإنسان بإشعاعاتها السلبية هو ابتلاؤه ببعض المعلِّمين والأساتذة والمربّين المغرضين.
فإنَّ كلَّ هؤلاء لهم أثر - بنحو جمعي أو منفرد - على المعتقد إذا توجَّهت إلى عقيدته انتقادات لاذعة وهو لا يعرف المخرج منها، فمن الممكن آنذاك أن تُؤثِّر فيه خصوصاً إذا تكرَّرت عليه، وبالأخصّ إذا اختلف الطرح والجهة المروِّجة.
ثانياً: ظهور الكذّابين:
ظهور الكذّابين والدجّالين قديماً كالبابية والترويج لهم، وحديثاً كمدَّعي المهدوية المنحرفة (الهنبوشي السلمي) وأتباعه، الذين روَّجوا لأحمدهم بأنَّه ابن الإمام ووصيّه وخليفته واليماني الموعود وأنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) هو الذي بعثه إلى الناس، وكفاضل المرسومي الذي يُلقَّب بـ (الإمام الرباني)(٤٠)، وكحبيب الله (المختار) الماركسـي التوجّه، وكالگرعاوي صاحب (جند السماء) وغيرهم ممَّن ضلّوا وأضلّوا جميع من تبعهم من المغفَّلين بحجج واهية ومغالطات عظيمة، قد استهوتهم شعاراتهم البرّاقة.
وهؤلاء الكذّابون قد سبقهم جمع كثير ممَّن شاكلهم، وهو برهان واضح على صحَّة ما أخبر به أهل البيت (عليهم السلام) وحذَّروا شيعتهم من ظهور الكذّابين والدجّالين في زمان الغيبة الكبرى، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا تقوم الساعة حتَّى يخرج نحو من ستّين كذّابا كلّهم يقول: أنا نبيّ)(٤١)، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (... ويخرج دجّال من دجلة البصـرة، وليس منّي، وهو مقدَّمة الدجّالين كلّهم)(٤٢)، وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشـر من بني هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه)(٤٣).
ثالثاً: سياسات الدولة والترويج للمنحرفين:
الترويج من قِبَل الدولة والسياسة العامَّة، ففي بعض الأحيان تقتضـي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) التوظيف السياسي: ١٥٣ - ٢١٢.
(٤١) الغيبة للطوسي: ٤٣٤/ ح ٤٢٤.
(٤٢) الملاحم والفتن: ١٢٢ و١٢٣.
(٤٣) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨.

(٣١)

 سياسة الدول أن تلقي بين المجتمعات الإيمانية بعض الفتن لتصل إلى مآربها بسهولة، من قبيل تفتيت الوحدة الاجتماعية فيصبح لكلِّ شخصين أو أكثر حزب، وبالتالي يجتمعون تحت عنوان الكتل وما شاكل ذلك، بل حتَّى لو لم تروِّج الدولة له، ولكنَّها بمجرَّد فسح المجال وعدم الوقوف أمامه، تكون قد روَّجت له أو سمحت بالترويج له.
وهذا ما يلمسه المتصفّح لتاريخ جعفر الكذّاب وما لعبه من دورٍ مخزٍ في زمان الإمام العسكري (عليه السلام)، واشتدَّ دوره السلبي بعد رحيل الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث دعمته الحكومة العبّاسية بقوَّة وروَّجت لإمامته، بل تعرَّضت الدولة بسوء لكلِّ من قال بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام) وأنَّه حيٌّ(٤٤).
رابعاً: انعدام الناصح:
انعدام الوجود الفاعل للناصح الشفيق في المجتمع.
فإنَّ المجتمع كما فيه الجاهل فيه أيضاً العالم المتفهِّم العارف بأهل زمانه(٤٥)، فعندما تظهر البدع والخرافات في المجتمع، ويبدأ الهجوم على الدين من كلِّ جانب وبكلِّ وسيلة، والناس حيارى لا يقدرون على شـيء، والناصح الشفيق العالم لا يبدي أيّ وقفة جادَّة، لإرشاد من تسمَّمت أفكاره، أو هو في طريقه إلى الانجراف وراء الصيحات المقصودة، فإنَّ ذلك ممَّا يساعد على نموِّ التزلزل الفكري عند أبناء المجتمع، ومن هنا نجد أهل البيت (عليهم السلام) يُحرِّكون العلماء الناصحين للوقوف أمام البدع، كما ورد في رواية يونس بن عبد الرحمن الذي هو أحد أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، وما حدث بعد رحيل الإمام الكاظم من الوقف وإنكار إمامة ابنه عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال يونس بن عبد الرحمن: (مات أبو الحسن (عليه السلام) وليس من قوّامه أحد إلَّا وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار)، قال: (فلمَّا رأيت ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) المسائل العشر: ٦١.
(٤٥) أقول: هذا البند لم أقصد به أحداً ولم أُوجِّه كلامي لأحد أبداً، وإنَّما هو مجرَّد طرح لأحد أسباب التزلزل الفكري الخارجية فحسب.

(٣١)

وتبيَّن الحقُّ وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ما علمت، تكلَّمت ودعوت الناس إليه)، قال: (فبعثا إليَّ وقالا لي: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن نغنيك، وضمنا لي عشـرة آلاف دينار، وقالا لي: كف، فأبيت وقلت لهم: إنّا روينا عن الصادقين (عليهم السلام) أنَّهم قالوا: (إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهِر علمه، فإن لم يفعل سُلِبَ منه نور الإيمان)، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كلِّ حالٍ، فناصباني واضمرا لي العداوة)(٤٦).

المبحث الثالث: علاج النتائج السلبية للهزّات الفكرية

تقدَّمت الإشارة إلى أنَّ الهزّات الفكرية تُخلِّف وراءها ارتجاجات فكرية، وهذه الارتجاجات تارةً تكون إيجابية نافعة، فتكون الهزَّة كناقوس خطر قد أيقظ العقل من رقدته، فيبعثه ويُحرِّكه نحو البحث والتحقيق عن حلٍّ لما يطرأ عليه من الشبهات، وبعد مدَّة تجده يحلُّ كلَّ تلك الشبهات ويكتشف مكامن الخطأ فيها، فيقوى اعتقاده أكثر بالقضيَّة المهدوية ويشتدّ، فيكون مصداقاً لما يقال: (رُبَّ ضارَّة نافعة).
ومثل هذا المورد خارج عن إطار هذا المبحث، إذ من كان حاله كذلك لا يحتاج إلى علاج أبداً، بل لعلَّه حكيم نلجأ إليه في علاج بعض الأُمور.
وأُخرى تكون سلبية قد تؤدّي إلى الانحراف التامّ والتراجع عن العقيدة من الأساس، كما حصل لأحمد الكاتب والشيخ المؤيَّد الذي وصلت به الحال أن يترك الحقَّ الصـريح ويلجأ إلى مذهب اصطنعته يد الاستعمار لا يمتُّ إلى دين الله بصلة، وقد تؤدّي إلى انحراف جزئي لبعض الأُمور، وقد تؤدّي إلى قبوله بدعة من البدع، وغير ذلك، فعلينا أن نقف أمام كلَّ النتائج السلبية التي تفرزها الزلازل الفكرية، وأن نجعل لها حلولاً يُنتَفع بها، حتَّى نكون قد أسهمنا في إنقاذ من ضعف عن مقارعة تلك الهجمة التي أردته صريعاً، وهذا هو محلُّ بحثنا هنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) علل الشرائع ١: ٢٣٥/ ح ١.

(٣١)

وعليه نقول: إنَّ العلاج لمن ابتلي بالفيروس الفكري يتمُّ على مرحلتين:
الأُولى: اكتشافية تشخيصية.
والثانية: ترخيصه باستعمال ما يناسبه من العلاج.
المرحلة الأولى: إنَّ العقل البشـري فيه نوع أوامر يمكن أن نطلق عليها أوامر فطرية:
مثلاً إذا جاع الإنسان فإنَّ عقله وإحساسه يُحرِّكه نحو طلب الطعام، وليس المحرِّك هو الجوع وحده، وإلَّا لتحرَّك النائم الجائع لطلب الطعام أيضاً، أو لأكل كلّ ما يجده أمامه ولو كان من علف الحيوان، لعدم تمييز الجوع، إذن للعقل دخل في طلب الحاجة الملائمة له، وكذلك في العطشان وطلبه للماء، وكذلك في تحريك الإنسان نحو مأواه بعد الخروج عنه، والمرض كذلك يُحتِّم على الإنسان مراجعة من هو عارف به، ومن هذا الباب فإنَّ العقل يُحتِّم على من أُصيب بسهام التشكيك أن يراجع المتخصِّص بذلك، وهذه أوَّل خطوة يجب عليه القيام بها.
والمراد بالمتخصِّص هنا هو: العالم العامل المتخصِّص في العقيدة وأُصول الدين بنحو عامٍّ، أو المتخصِّص بالقضيَّة المهدوية بنحو خاصٍّ، ذو الصدر الرحب الذي له قابلية استيعاب المصابين بالهزَّة دون ملل ولا كلل، والذي يؤمن بقول أهل البيت (عليهم السلام): (زكاة العلم أن تُعلِّمه عباد الله)(٤٧)، وقول الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): (قرأت في كتاب عليّ (عليه السلام): إنَّ الله لم يأخذ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتَّى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال، لأنَّ العلم كان قبل الجهل)(٤٨).
وعليه فالمتخصِّص الذي نريده في المقام ليس طالباً مبتدءاً في الدراسة الحوزوية، بل هو من يكون على أقلّ التقادير قد أنهى دراسة السطوح العليا من سُلَّم دروس الحوزة العلمية المباركة وتخصَّص بالقضيَّة المهدوية، وإذا كان مجتهداً عالماً فاضلاً ومتخصِّصاً كانت النتائج أدقّ والعلاج أنجع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) الكافي ١: ٤١/ ح ٣.
(٤٨) الكافي ١: ٤١/ ح ١.

(٣١)

فالعقل إذن يُحتِّم على الإنسان أن يرجع إلى متخصِّص ليعالجه ويُخلِّصه ممَّا هو فيه، ومن الواضح أنَّ هذا يكون في حالة توجّه الإنسان لما حلَّ به بعد تلك الهزَّة فيراجع ليعالج نفسه، وأمَّا من لم يتوجَّه إلى تلك الآثار فلم يراجع، أو توجَّه إليها ولكنَّه حسبها أُموراً صحيحة لا ضير فيها فلم يراجع، أو غير ذلك من الأسباب التي منعته، فلا نتصوَّر منه حركة نحو العلاج، وعلى كلِّ حالٍ فلا بدَّ على المتخصِّصين(٤٩) من إبراز المشكلة وتشخيص الحالة وطرح العلاج، من خلال الطرق التالية:
أوَّلاً: عقد الندوات العامَّة، وبيان الموضوع بشكله الجليّ، ومن جميع اتِّجاهاته وأبعاده، وفسح المجال للسؤال والجواب بشكل واسع، ولا بدَّ من تكرار تلك الندوات وفي مناطق مختلفة وخصوصاً في المناطق التي شُخِّصت فيها الإصابة أو المناطق المشكوك بإصابتها، ومحاولة استقطاب أكبر عدد ممكن من سكّان تلك المناطق، وعلى الخصوص الطبقة المثقَّفة منهم وعلى الأخصّ طلّاب الحوزة في تلك المناطق إن وُجدوا، وتشويقهم لحضور مثل هذه الندوات وبذل بعض المرغّبات، مثل إكرام الحاضرين بمنتهى الأخلاق الحسنة، وبذل الطعام، وحسن ضيافة الحضور، وإعطاء بعض الهدايا، وتوزيع بعض الكتب المتعلّقة بالموضوع، وغير ذلك.
ثانياً: إجراء المسابقات العامَّة حول القضيَّة التي نريد علاجها على مستويات مختلفة ولطبقات مختلفة، وفي مناسبات مختلفة كليالي شهر رمضان، أو أيّام المناسبات الدينية، ولا يُشتَرط في المسابقة لابدّية الحضور أو الكون في مكانٍ خاصٍّ الأمر الذي يؤدّي إلى قلَّة عدد المشاركين أو يتحدَّد بهم ، بل من الممكن إجراؤها عبر كتابة أسئلة المسابقة وعناوينها في أوراق وتكثيرها ونشـرها بين الناس، وأيضاً يمكن استخدام الانترنت وكذلك يمكن استخدام الراديو والتلفزيون، فضلاً عن إعطاء جوائز للفائزين ترغيباً لهم وشحذاً لهممهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) انطلاقاً من وجوب تعليم الجاهل، ومن وجوب الأمر بالمعروف، ومن وجوب الدفاع عن الدين وأهله والوقوف أمام البدع.

(٣١)

ولا يفوتني ذكر ما للندوة والمسابقة من فوائد عظيمة جدّاً، كالاحتكاك المباشر مع مشاكل الناس، ومحاولة النفوذ إلى قلوبهم، والأهمّ من ذلك الذي يعنينا في المقام هو: تشخيص المصابين بمرض الهزَّة المراد علاجها، وتشخيص ذوي الخبرة المنتشـرين في المناطق المختلفة والاستفادة منهم بنحو من الأنحاء، وهذا أمر مهمّ للغاية.
ثالثاً: التثقيف لبيان الهزّات التي يتعرَّض لها الناس، وبيانها وما يتعلَّق بها من حلول عبر قناة المنبر الحسيني المبارك، الذي ما زال يُربّي الأجيال ويُغذّيهم ببركة علم آل محمّد (عليهم السلام)، ولا يخفى ما للمنبر والخطابة من أثر سريع وواسع بين الأوساط الإيمانية، فمن الممكن اختصار الزمن والكلفة من خلال إقامة المجالس وطرح مقتضيات الساعة فيها.
رابعاً: الكتابة في الصحف والمجلّات، فإنَّ من الطرق المهمَّة جدّاً في التوعية هي المكتوبات الصحفية والمجلّاتية، فمن الممكن أن يُستَخدم هذا الطريق في الكشف عن مشكلات الهزّات والمبتلين بها كي يتسنّى لهم المراجعة والعلاج.

* * *

ثمّ إنَّ أوَّل مهمَّة يقوم بها المتخصِّص هي: تشخيص الشبهة والسبب الذي أدّى بمن يعالج إلى هذه النتيجة، وهذه المهمَّة قد تكون صعبة شيئاً ما إلَّا أنَّها تسهم في اختصار وقت العلاج ونوعه، وقد بيَّنا جملة من الشبهات وعدَّة من الأسباب الداخلية والخارجية التي تُؤثِّر سلباً على بعض الناس.
والمهمَّة الثانية أن يكتشف هذا الحكيم أهمّ الثوابت الاعتقادية عند المصاب الذي يراجع أو من ابتلى بالهزة، وبعد أن يُشخِّص ذلك يُفهِم مريضه تلك الثوابت بشكل هادئ وسلس ليصل معه من خلالها إلى العلاج التامّ.
المرحلة الثانية:
ثمّ بعد تشخيص أساس المشكلة التي وقع فيها المصاب، وفي أيِّ الشبهات

(٣١)

 أو الأسباب المتقدِّمة أو غيرها ارتطم حتَّى وصل إلى التشكيك، فإنَّه يمكن طرح علاج خاصّ لكلِّ سبب وشبهة على حدة، وهو كالتالي:
أوَّلاً: فإن كانت مشكلته في أصل الشبهات والتشكيكات المتقدِّمة في المبحث الأوَّل، فقد أجبنا عنها، فعند المراجعة يتَّضح حال تلك الشبهات وترتفع بأدنى تأمّل.
ثانياً: وإن كانت مشكلته في الأسباب الداخلية، فعلاجها كالتالي:
١ - إن كان مبتلى بالتعنجه الفكري والجهل المركَّب، فإنَّه يُرشَد إلى قضيَّة لا شكَّ فيها، وهي أنَّه (ليس لأحدٍ أن يدَّعي العلم والفكر الصائب دائماً إلَّا المعصوم)، وكما ورد في قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦)، ثمّ يُنبَّه على قضايا مهمَّة جدّاً من الممكن أن تسهم في تهشيم أساس العنجهية المهلكة، ومنها:
أ - التواضع، وكفى بالتواضع منقبة تقود صاحبها إلى جنان الخلد، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرضِ وَلا فَساداً﴾ (القصص: ٨٣)، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (التواضع لا يزيد العبد إلَّا رفعةً، فتواضعوا يرفعكم الله)(٥٠).
وقد يتصوَّر القارئ في بادئ الأمر أنَّ التواضع لا يقع إلَّا في المعاملة مع الناس فقط، ولكن هذا التصوّر غير تامٍّ، إذ نجد مواضع عديدة يلزم فيها التواضع وهي ليست من المعاملة، مثل التواضع في المشـي(٥١)، والتواضع في الأكل(٥٢) فباب التواضع واسع لا تحدّه المعاملة، فهو شامل للفكر أيضاً، فعلى الإنسان أن يُدرك قدره وأنَّه فقير إلى الله أوَّلاً وبالذات، وفقير لما حوله ثانياً وبالعرض، فعلينا أن نعترف بالنقص حتَّى في أفكارنا، لأنَّ الكمال المطلق هو لله تعالى وحده.
ب - قبول النقد، فإنَّ الاستبداد بالرأي هو أحد عوامل الهلاك والاصطدام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) الأُصول الستَّة عشر: ٧٦ و٧٧.
(٥١) نهج البلاغة: ٩٥/ الخطبة ١٩٣.
(٥٢) المحاسن ٢: ٤٠٩/ ح ١٣٣.

(٣١)

 بما لا تُحمَد عقباه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من استبدَّ برأيه هلك)(٥٣)، فواحدة من الأُمور التي تبني كيان التعنجه هو الاستبداد والتفرّد بالرأي ولو كان خاطئاً، فعلى الإنسان أن لا يستبدَّ برأيه، بل عليه أن يقبل النصيحة والمشورة، وما من فكرة تجول في خاطر الإنسان إلَّا وهي معرَّضة للنقد، فقد تكون الفكرة صائبة والنقد خطأً، وقد تكون الفكرة خطأً والنقد صواباً.
ج - عرض قضايا خاطئة تشابه ما وقع به من الخطأ وإقراره بها، ثمّ يبدأ معه بصورة غير مباشرة لإيقافه على أخطائه، ثمّ اعترافه بها، ثمّ تصحيح أفكاره الخاطئة.
ومثل هذا الشخص لا يُترَك من خلال جلسة واحدة، بل لا بدَّ من التركيز عليه والارتباط به كصديق، حتَّى يخرج من تلك الحالة وإرجاع حالة الثبات إلى فكره.
ثالثاً: وإن كانت المشكلة تكمن في عدم رسوخ العقيدة من أوَّل المشوار، فلابدَّ أن نقف عند العقيدة المتزلزلة، لنرى أنَّ المشكلة هل هي في أصل الإمامة بحيث لم تثبت عنده بنحو قطعي وثابت، أم هي في إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) فقط، أم لا في هذا ولا في ذلك وإنَّما في شيء ثالث وهو أحد تفاصيل القضيَّة المهدوية وأخذ يسرّيه على البقيَّة، فلكلِّ واحدٍ من هذه الأُمور جوابه الخاصّ به:
أ - إن كان أصل الإمامة غير ثابت بنحو الرسوخ القطعي الجازم، فنقول له: إنَّ الأدلَّة على الإمامة كثيرة جدّاً عقلية ونقلية، فهي لطف كالنبوَّة، وقد نصَّ عليها الكتاب في عدَّة آيات، منها: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾ (البقرة: ١٢٤)، ومنها: ﴿يا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧)، ومنها: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة: ٥٥)، ونصَّت السُّنَّة على ذلك بروايات كثيرة وفيرة متواترة بألسنةٍ مختلفة وفي مواقف متفرِّقة ذكرها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) نهج البلاغة: ١٦٦/ الحكمة ١٦١.

(٣٢)

ونقلها الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام)، مثل حديث الدار، وحديث الثقلين، وحديث الغدير، بل والتصـريح في النصِّ على أنَّ الأئمَّة اثنا عشـر وذكرهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأسمائهم، وهذه النصوص لا توجد إلَّا على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
ب - وإن كان اعتقاده بالإمام المهدي (عليه السلام) غير ثابت، فإنَّ الجواب المتقدِّم كافٍ للجواب هنا، بالإضافة إلى ما ورد في الإمام المهدي (عليه السلام) عن الخاصَّة والعامَّة من النصوص التي فاقت وتجاوزت حدَّ التواتر، ثمّ إنَّ ما أُلِّفَ وكُتِبَ في الإمام المهدي (عليه السلام) من الكتب التي تناولت قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) من جهات متعدِّدة، فإنَّها كافية في إرشاد القارئ إلى ما يحصل له منه القطع باعتقاده بالإمام المهدي (عليه السلام).
ج - وإن كان سرُّه كامناً في القضايا الأُخرى ومتعلّقات وتفاصيل القضيَّة المهدوية، من قبيل الدجّال، أو السفياني، أو الصيحة، أو بعض علامات الظهور الأُخرى، أو ما يتعلَّق بأنصار الإمام (عليه السلام)، أو غير ذلك، فإنَّ علاجه يكون في فهم القضيَّة التالية: وهي أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) وما يتعلَّق بها هي من الإيمان بالغيب، وليس لنا رفض كلَّ النصوص الكثيرة جدّاً الواردة في ذكر تلك التفاصيل، لأنَّ الطريق الوحيد لنا في قراءة الماضي والمستقبل هو من خلال هذه النصوص، ومن خلال البحث والتنقيب عن تفصيلات القضيَّة المهدوية يرتفع كلُّ ريب.
رابعاً: وإن كانت مشكلته في عدم الاطِّلاع على التفاصيل المهدوية، فيكفيه التوجّه إلى الجواب المتقدِّم في النقطة الثالثة، والتي تحدَّثنا فيها عن آلية إزالة عدم رسوخ العقيدة أو بعض تفاصيلها.
خامساً: وإن كان هو الميل إلى الدنيا وأهلها، فعلاجه أن يُرشَد إلى أنَّ القرآن ذمَّ الدنيا في آيات كثيرة، وأنَّها ﴿مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، وفي الروايات: (حبُّ الدنيا رأس كلّ خطيئة)(٥٤)، ثمّ يُستَدرج شيئاً فشيئاً بجلسات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) الكافي ٢: ١٣٠ و١٣١/ ح ١١.

(٣٢)

متعدِّدة حتَّى يتمكَّن من خلع ربقة عبوديته للدنيا والرجوع إلى الله تعالى، وعليه بزيارة القبور والاتِّعاض بالموت وكفى به زاجراً.
سادساً: وإن كان هو انطلاء بعض المغالطات الواهية عليه ممَّا لم يستطع الوقوف أمامها، فعليه بالرجوع إلى أصحاب الاختصاص، فإنَّ أهل مكّة أدرى بشعابها، وليكثر السؤال عنها حتَّى يصل إلى نتائج قطعية، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (حسن السؤال نصف العلم)(٥٥).
سابعاً: وإن كانت مشكلته في الأسباب الخارجية فإنَّ أهمّ ما يمكن أن يُعالَج به الواقع الخارجي هو: العالم والناصح الشفيق، المتمثِّل بمقام مبلغ الإسلام وعلمائه، والتأكيد على نشـر الناصح الشفيق، الذي يعكس صورة ناصعة عن الإسلام وعن حوزة أهل البيت (عليهم السلام)، بين الناس بإقامة المجالس والندوات والمحاضرات الخاصَّة، وتحريك الشباب بالسؤال والجواب وما شاكل ذلك، فإنَّنا لو وفقنا في نشـر المخلصين في بيئات مختلفة لاستطعنا ضـرب عدَّة أهداف بسهم واحد، فمن خلالهم نستطيع أن نوقف المبتدعين عند حدِّهم، بل ويمكننا قلع العثَّة التي تريد نخر العقيدة، وهم المغرضون والمنحرفون أمثال الهنبوشي، ومن خلالهم يمكننا بيان زيف كثير من السياسات الباطلة، وهكذا.
ولا بدَّ أن نلتفت إلى أنَّ هذا الأمر وهو الحفاظ على أبناء المجتمع والتصدّي للمبتدعين والوقوف أمام الهزّات الفكرية وظيفة إلهية مقدَّسة ومهمَّة جدّاً وخطرة في نفس الوقت، لا بدَّ فيها من تظافر الجهود ومن الأخلاص في العمل وجعل الهدف هو الله تعالى، ولا بدَّ أن يُدار من خلال مؤسَّسة نزيهة تُدار من خلال أشخاص نزيهين، وأن نؤسِّس مؤسَّسة متحرِّكة متنقّلة نبعثها في المناطق الساخنة فكرياً، ولا بدَّ أن تكون مسندة بالمال والحصانة الأمنية، تعمل على إرجاع الناس إلى الله تعالى وربطهم بمدبِّر الأُمور، واللجوء إليه بالدعاء الخاصّ في الغيبة الكبرى كما علَّمنا الأئمَّة (عليهم السلام)، وتعزيز الارتباط بالإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) بحار الأنوار ١: ٢٢٤/ ح ١٤.

(٣٢)

صاحب الزمان (عليه السلام)، بنشـر الثقافة المهدوية بين أفراد المجتمع، من قبيل نشـر الكتب المتعلّقة بحياة الإمام الحجَّة (عليه السلام) وتفاصيل نهضته المباركة، وإقامة الأدعية والتوسّلات به (عليه السلام) إلى الله تعالى، وما شاكل ذلك.
النتيجة:
إنَّ الله تعالى قد ابتلانا بغيبة إمامنا الذي حُرِمنا من الاستفادة منه جهاراً كما تمتَّع الذين سبقونا بحضور الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) وباقي الأئمَّة (عليهم السلام)، وبعد هذا كلّه أمامنا أعداء يتربَّصون بنا الدوائر، ويحوكون لنا المصائد، ليصدّونا عمَّا نحن عليه، محاولين إلقاء الشبهات حول القضيَّة المهدوية من قبيل التشكيك في ولادته أصلاً، أو عدم بقائه على قيد الحياة، أو صنعهم لبعض الكذّابين ودعمهم بالمال، وغير ذلك، فلا بدَّ أن نكون واعين، وأن ننظر في أنفسنا فترة بعد أُخرى لئلَّا ننزلق في مزالق المبطلين، ونبتلي بالهزّات الفكرية التي لها مناشئ داخلية كـ (التعنجه الفكري، أو عدم رسوخ العقيدة، أو عدم الاطِّلاع على تفاصيلها، أو بساطة الشخصية وسذاجتها، أو الميل إلى الدنيا وأهلها)، ولها مناشئ خارجية كـ (وجود البيئة الملوَّثة، أو ظهور الكذّابين، أو سياسة تقتضـي ذلك، بالإضافة إلى انعدام الناصح)، فعلينا أن نُحوِّل هذه الأُمور من خلال علاجها إلى نتائج إيجابية ونصـرعها قبل أن تصـرعنا وتتحوَّل إلى نتائج سلبية، ولو صرعتنا فنحاول جهد الإمكان أن لا نستسلم لها، بمراجعة أهل الاختصاص والدين لحلِّ ما ألمَّ بنا من الشكوك.

(٣٢)

مصادر البحث

١ - القرآن الكريم.
٢ - الإمامة والتبصـرة: ابن بابويه القمّي/ ت مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/ قم المقدَّسة.
٣ - الأمالي: الشيخ المفيد/ ت حسين استادولي، وعليّ أكبر الغفاري/ مط إسلاميَّة/ جامعة المدرِّسين في الحوزة العلمية بقم المقدَّسة.
٤ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ ت مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثاقفة/ قم المقدَّسة.
٥ - بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت ميرزا محسن كوجه باغي/ ط ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ مؤسَّسة الأعلمي/ طهران.
٦ - بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسـي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٧ - الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ ت مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/ قم المقدَّسة.
٨ - دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
٩ - روضة الواعظين: محمّد بن الفتال النيسابوري/ ت محمّد مهدي الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم المقدَّسة.
١٠ - سنن النسائي: أحمد بن شعبة النسائي/ ط ١/ ١٣٤٨هـ/نشر دار الفكر/ بيروت.
١١ - علل الشـرائع: الشيخ الصدوق/ ط ١٣٨٦هـ/ المطبعة الحيدرية في النجف.
١٢ - الغيبة: النعماني/ تحقيق عليّ أكبر الغفاري/ طبع ونشر مكتبة الصدوق/ طهران.
١٤ - كنز العمّال: المتَّقي الهندي/ ت بكري حيّاني والشيخ صفوة السقّا/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت لبنان.
١٥ - الكافي: الكليني/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة.
١٦ - المسائل العشـر في الغيبة: الشيخ المفيد/ ت فارس الحسّون/ مركز الأبحاث العقائدية/ قم.
١٧ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ طبع ونشر دار صادر/ بيروت.
١٨ - من لا يحضـره الفقيه: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ جامعة المدرِّسين بقم المقدَّسة.
١٩ - مجمع الزوائد: الهيثمي/ ط ١٤٠٨هـ/ نشر دار الكتب العلمية/ بيروت.
٢٠ - المنطق: محمّد رضا المظفَّر/ ط ١٤٠٠هـ/ نشر دار التعارف/ بيروت.
٢١ - نهج البلاغة: الشـريف الرضي/ نسخة المعجم المفهرس/ مؤسَّسة النشـر الإسلامي التابعة لجامعة المدرِّسين بقم المقدَّسة.

(٣٢)