مجلة الموعود
العدد (٦)
ذو القعدة ١٤٣٩هـ / تموز ٢٠١٨م
الفهرس
تمهيدنا - القيادة المبكّرة في الفكر الإنساني...................٥
رئيس التحرير
البحث الثبوتي:...................٧
البحث الإثباتي:...................٩
فإذا كانت هذه المؤهِّلات، فمن يقدر على
التشخيص؟...................١٠
نماذج ممَّن تولُّوا الحكم وهم صغار
السنّ:...................١٠
الأئمَّة (عليهم السلام) صغار
السنّ:...................١١
الأنبياء صغار السن:...................١١
رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة...................١٣
الشيخ كاظم القره غولي
وجوه المنع:...................١٣
القرآن الكريم:...................١٤
الإجماع:...................١٦
العقل:...................٢١
السُّنَّة:...................٢٦
المقوّمات البنيوية للدولة المهدوية المرتقبة والمتطلّبات الواقعية...................٤٧
الباحث مرتضى علي الحلي
مدخل
تمهيدي:...................٤٧
المقوّمات البنيوية العقدية
والسلوكية والمعرفية:...................٥٢
المحور الأوَّل: إيمان
الفرد والناس بالدولة العادلة (الأهمّية والثمرات):...................٥٣
المحور الثاني: تمكين
القواعد العقدية والكونية في السلوك الإنساني:...................٥٩
المحور الثالث: المقوم
المعرفي العقلي والسلوك العقلائي، وضرورة التعريف بالإمام المهدي (عليه السلام)
حاجةً وخياراً:...................٦٦
الأوَّل: مرتكز الحكمة
النظرية:...................٧٠
الثاني: مرتكز الحكمة
العملية:...................٧٠
الغيبة المهدوية مصداق للعدالة
الإلهية...................٨١
(دراسة في ضوء المنهج اللساني الحديث)
هيجاء عبد الحسن كريم
المقدّمة:...................٨١
التمهيد: الغيبة لغةً واصطلاحاً:...................٨٢
بين الجملة والنصِّ:...................٨٣
ولقد قسَّم بعضهم النصَّ وفقاً للدراسات الحديثة إلى
نوعين:...................٨٤
مفهوم الخطاب:...................٨٦
الفرق بين النصِّ والخطاب:...................٨٧
الفصل الأوَّل: الاتِّساق النصّي في أحاديث
الغيبة:...................٨٨
الاتِّساق لغةً:...................٨٨
الاتِّساق في الاصطلاح:...................٨٩
إشكالية المصطلح:...................٨٩
أدوات الاتِّساق:...................٩٠
الانسجام:...................٩٠
وسائل انسجام النصِّ عند دي بو
جراند:...................٩١
أدوات الاتِّساق في نصوص الغيبة:...................٩١
ومن أهمّ وسائل الاتِّساق الإحالية:...................٩٢
النصُّ من الله تعالى على القائم وأنَّه الثاني عشر من
الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام):...................٩٣
تتجلّى ظاهرة الإحالة في المقطع الأوَّل من هذا النصِّ
من خلال:...................٩٤
الحذف:...................٩٥
والحذف على أنواع:...................٩٥
الوصل:...................٩٥
الفصل:...................٩٦
التكرار:...................٩٧
نصُّ النبيِّ الأطهر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على غيبة
الإمام المنتظر (عليه السلام):...................٩٧
نصُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن
الغيبة:...................٩٩
نصُّ الإمام الحسن (عليه السلام) عن
الغيبة:...................١٠٠
نصُّ الإمام الحسين (عليه السلام) عن
الغيبة:...................١٠١
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام السجّاد (عليه
السلام):...................١٠١
نصُّ الغيبة في حديث الإمام الباقر (عليه
السلام):...................١٠٢
الغيبة في حديث الإمام الصادق (عليه
السلام):...................١٠٥
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام الكاظم (عليه
السلام):...................١٠٦
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام الرضا (عليه
السلام):...................١٠٧
الغيبة في حديث الإمام الجواد (عليه
السلام):...................١٠٩
الغيبة في حديث الإمام الهادي (عليه
السلام):...................١١٠
الغيبة في حديث الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام):...................١١١
حديث الغيبة على لسان الإمام المنتظر (عليه
السلام):...................١١١
خاتمة البحث:...................١١٤
المصادر:...................١١٧
أسباب استمرار غيبة الإمام (عليه
السلام) في عصر ازدهار الحكومات الشيعية...................١١٩
تحقيق إجمالي حول الحكومات الشيعية
منذ النصف الثاني من القرن الهجري الثالث إلى نهاية القرن الهجري الرابع
نعمة الله صفري فروشاني
ومجيد أحمدي كجائي
ترجمة: حسن علي مطر
١- حكومة العلويين في طبرستان (٢٥٠ - ٣١٦ هـ):...................١١٩
٢- الإسماعيلية (الفاطميون):...................١٢٢
٣- القرامطة (٢٨٦ - ٤٣٩ هـ):...................١٢٣
٤- الحمدانيون (٢٩٣ - ٣٩٤ هـ):...................١٢٤
وبعد ذلك انقسم الحمدانيون إلى قسمين رئيسين:...................١٢٥
أ- الحمدانيون في الموصل:...................١٢٥
ب- الحمدانيون في حلب:...................١٢٥
٥- آل بويه:...................١٢٦
جولة على الأوضاع السياسية والاجتماعية للشيعة:...................١٢٩
١- الكيسانية:...................١٢٩
٢- الزيدية:...................١٢٩
٣- الإسماعيلية:...................١٣١
٤- الإماميَّة:...................١٣٢
دراسة الأسباب الدينية والسياسية للحُكّام
الشيعة:...................١٣٣
١- العلويون في طبرستان:...................١٣٣
٢- الفاطميون (الإسماعيلية):...................١٣٥
الخصائص الدينية لقادة الإسماعيلية:...................١٣٥
الاستنتاج:...................١٣٨
إشكالية الثأر وقتل الذراري في العقيدة المهدوية...................١٤٩
الشيخ محمد رضا الساعدي
أسباب أخذ الثأر من المهدي (عليه السلام) دون
غيره:..................١٥٠
السبب الأوَّل: ولاية الدم:..................١٥٠
السبب الثاني: حاكميته الشرعية:..................١٥١
السبب الثالث: محقِّق العدل العامّ:..................١٥١
السبب الرابع: محقِّق أهداف الثورة:..................١٥٢
السبب الخامس: رفع مظلومية آل البيت (عليهم
السلام):..................١٥٢
السبب السادس: أنَّه وفاء للحسين (عليه السلام):..................١٥٣
عرض صلب الموضوع: ..................١٥٣
الروايات الخاصَّة الدالَّة على أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام)
يأخذ الثأر:..................١٥٣
إشكال ودفعه: ..................١٥٤
المستوى الأوَّل: الرضا بالأفعال - مجرَّد الرضا
-:..................١٥٥
المستوى الثاني: العلم الإلهي بالسير العملي
للذراري:..................١٥٥
المستوى الثالث: المداهنة:..................١٥٦
المستوى الرابع: القصاص الاجتماعي - الجماعي:..................١٥٦
المستوى الخامس: خاصٌّ بالإمام (عليه السلام):..................١٥٦
المستوى السادس: خاصٌّ بقتلة الإمام الحسين (عليه
السلام):..................١٥٦
المستوى السابع: قضيَّة غيبية:..................١٥٧
تحليل حول أحاديث الغيبة...................١٦٧
في كتاب (الغيبة) للنعماني
الدكتور كاظم قاضي زاده
الدكتور علي رضا المختاري
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:...................١٦٧
فكرة الإمام الغائب:...................١٦٨
رؤية البعض أنَّ بحث الغيبة من مختلقات فقهاء
الشيعة:...................١٦٩
نقد الفرضية:...................١٧٠
دور الحيرة:...................١٧٠
بدايات طرح البحوث المهدويَّة في الإسلام:...................١٧٢
الغيبة مقولة معروفة ومعرَّفة:...................١٧٤
التواتر المعنوي لغيبة إمام العصر (عليه
السلام):...................١٧٧
الغيبة إحدى خصائص القائم (عليه السلام):...................١٧٩
التعريف بغيبة صاحب الأمر (عليه السلام) لرفع
اللبس العقائدي:...................١٨٠
التعريف بالغيبة ومعناها في بيان السُّنَّة الإلهيَّة بعدم خلوِّ
الأرض من حجَّة:...................١٨٢
التعريف بالغيبة عند الحديث عن عدم الفصل
الزماني بين الأئمَّة:...................١٨٢
التعريف بالغيبة من خلال تشبيه الإمام القائم (عليه السلام)
بالأنبياء:...................١٨٣
التعريف بالغيبة من خلال غيبة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلّم):...................١٨٤
التعريف بالغيبة من خلال نهي الشيعة عن إشاعة اسم وأمر القائم (عليه
السلام):...................١٨٤
التعريف بالغيبة وأنَّها غيبتان:...................١٨٥
التعريف بالغيبة بعد التنبُّؤ باستشهاد ثلاثة
أئمَّة:...................١٨٦
التعريف بالغيبة في البحث التفسيري لبعض الآيات:...................١٨٦
التعريف بالغيبة والتحذير من الفتن:...................١٨٧
التعريف بالغيبة وحراجة الاحتفاظ بالدين
وكيفيته:...................١٨٨
التعريف بالغيبة في بيان أقرب حالات الشيعة إلى الله
تعالى:...................١٨٩
التعريف بالغيبة وذكر كلام صاحب الأمر فيها:...................١٩٠
التعريف بالغيبة في أحاديث حضور صاحب الأمر (عليه السلام) في موسم
الحجِّ:...................١٩٠
التعريف بالغيبة في الإخبار عن زمان ظهور إمام العصر (عليه
السلام):...................١٩١
التعريف بالغيبة في أحاديث ظهوره (عليه السلام) بصورة
شابٍّ:...................١٩١
التعريف بالغيبة في أحاديث الترغيب بالإنفاق قبل فقدان
المحتاج:...................١٩١
النتيجة:...................١٩٢
المصادر:...................١٩٨
السيّد علي الحسيني
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:...................٢٠١
١- كتاب المقنع في الإمامة:...................٢٠٢
٢- كتاب الاحتجاج:...................٢٠٤
٣- كتاب المنقذ من التقليد:...................٢٠٩
٤- تفسير روض الجِنان وروح الجَنان:...................٢١٤
٤/١- تشكيل حكومة المستضعفين العالمية:...................٢١٧
٤/٢- عصر غلبة الإسلام:...................٢١٧
٤/٣- إرجاع حُليّ بيت المقدس:...................٢١٨
٤/٤- الرجعة:...................٢١٨
٤/٥- عيسى (عليه السلام) في آخر الزمان:...................٢١٨
٥- تفسير مجمع البيان:...................٢١٩
الإيمان بالغيب:...................٢١٩
ظهور السفياني قبل ظهور صاحب الأمر (عليه
السلام):...................٢١٩
الرجعة في زمان قيام المهديِّ (عليه السلام):...................٢٢٠
ظهور الدِّين الإسلامي:...................٢٢٠
حكومة المؤمنين والصالحين:...................٢٢٠
٦- كتاب بعض مثالب النواصب في نقض فضائح
الروافض:...................٢٢١
٧- رسالة عجالة المعرفة في أصول الدين:...................٢٢٣
٨- رسالة الخلاصة في علم الكلام:...................٢٢٤
المصادر:...................٢٢٧
النفس الزكية...................٢٢٩
السيّد مسعود بور سيّد آقائي
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:...................٢٢٩
قتل النفس الزكية من العلامات الحتمية الخمس:...................٢٢٩
حتمية علامة قتل النفس الزكية:...................٢٣٠
في معنى النفس الزكية:...................٢٣١
خصائص النفس الزكية:...................٢٣٣
أ- اسم النفس الزكية:...................٢٣٣
ب- لقب النفس الزكية:...................٢٣٣
١- النفس:...................٢٣٤
٢- نفس حرام:...................٢٣٤
٣- النفس الطيبة الزكية:...................٢٣٤
٤- غلام آل محمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):...................٢٣٤
٥- الدم الحرام:...................٢٣٥
ج- نَسَبُ (النفس الزكية):...................٢٣٥
١- أنَّه من قريش:...................٢٣٥
٢- من آل محمّد، وهو ابنُ الحسن:...................٢٣٥
٣- أنَّه من وُلد الحسين (عليه السلام):...................٢٣٦
هدف النفس الزكيَّة:...................٢٣٧
زمان استشهاد النفس الزكيَّة:...................٢٣٨
فائدة: علائم الظهور لا تلازم علائم معرفة الإمام (عليه
السلام):...................٢٤٠
مكان استشهاد النفس الزكيَّة:...................٢٤٢
روايات الطائفة الأُولى:...................٢٤٢
الطائفة الثانية:...................٢٤٣
النفس الزكيَّة ومحمّد بن عبد الله:...................٢٤٤
والقرائن التي يرى أنَّها دالّة على عدم تطابق (النفس الزكية) مع
محمّد بن عبد الله بن الحسن، فيحاول إبطالها ونقدها، هي:...................٢٤٥
القرينة الأُولى:...................٢٤٥
نقد وتحليل:...................٢٤٦
القرينة الثانية:...................٢٤٨
نقد وتحليل:...................٢٤٩
القرينة الثالثة:...................٢٤٩
نقد وتحليل:...................٢٥٠
القرينة الرابعة:...................٢٥١
نقد وتحليل:...................٢٥٢
القرينة الخامسة:...................٢٥٢
نقد وتحليل:...................٢٥٣
القرينة السادسة:...................٢٥٣
نقد وتحليل:...................٢٥٤
نقد ودراسة نظريَّة التطابق:...................٢٥٤
نقد وتحليل:...................٢٥٥
أوَّلاً: النقد السندي:...................٢٥٥
ثانياً: النقد الدلالي:...................٢٥٦
الإمام المهدي (عليه السلام) في
أحاديثِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسين (عليه السلام)...................٢٦٣
قراءةٌ تأويليةٌ
الدكتور حاكم حبيب الكريطي
الغيبةُ الأولى والغيبةُ الثانية:...................٢٦٤
فضلُ أهلِ زمانِ الغيبةِ:...................٢٧٠
علامات الظهور:...................٢٧٢
سُنَنُ الأنبياءِ السابقين في الإمام المهدي (عليه
السلام):...................٢٧٥
أصحابُ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام):...................٢٨١
من مشاهدِ ظهورِ الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام):...................٢٨٣
الدعاء للإمام المهدي (عليه السلام):...................٢٨٦
والدعاءُ للإمامِ (عليه السلام) هنا عبادةٌ من
وجوهٍ:...................٢٨٧
كلماتٌ قصارٌ في الإمام المهدي (عليه السلام):...................٣٠٠
أوّلاً: ذهابُ العاهةِ عن شيعةِ أهلِ البيتِ (عليهم
السلام):...................٣٠٣
ثانياً: تكونُ قلوبُ الشيعةِ كزبر الحديد:...................٣٠٤
ثالثاً: يجعل اللهُ تعالى قوةَ الّرجلِ منهم قوةَ أربعين
رجلاً:...................٣٠٤
رابعاً: يكونُ أصحابُ الإمامِ (عليه السلام) حكّامَ الأرضِ
وسنامَها:...................٣٠٥
الخاتمة:...................٣٠٥
تمهيدنا
القيادة المبكّرة في الفكر الإنساني
رئيس التحرير
قال تعالى: ﴿لَقَدْ
كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الممتحنة: ٦).
وقال تعالى: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ
مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٢٧-٣٠).
القدوة أو الإمامة أو النبوَّة أو القيادة..
اعتبارات ضرورية تقوم بها الحياة النظامية الإنسانية.
يتفرَّع على اعتبار القائد عقلياً أو عقلائياً، إلهاً كان المعتبِر أم بشراً،
يتفرَّع عليه أن يملك سلطةً تكوينيةً واعتبارية كذلك..
كما ويتفرَّع على الاعتبارية منها الامتثال في حدود دائرة الاعتبار الممنوح من
قِبَل المانح لذلك القائد أو الإمام..
ولازمه الاتِّباع الاختياري الذي ينتج عنه تحصيل الغرض.
إنَّ من الضرورات التي لا ينبغي الخوض فيها ولا محيص عنها هي ضرورة الاجتماع، وينتج
عن الاجتماع تصارع الإرادات بلا شكٍّ..
نشأ من هذين الأمرين (ضرورة الاجتماع، تصارع الإرادات) ضرورة ثالثة تترتَّب على
الجاعل أو الخالق للاجتماع ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً
وَقَبائِلَ﴾
(الحجرات: ١٣)، وهي أن يوجد ما به
الحدُّ من ذلك التنازع وأن يضبطه ويُنظِّمه.
وهذا من مفاتح القول بالإمامة الإلهيَّة، وأحد الأدلَّة عليها.
ومن الطبيعي أن تكون لهذا المجعول (القدوة، القائد، الأُسوة، الإمام، الرئيس) شروطٌ
وقيودٌ ومَلَكات بها يتمكَّن من ممارسة دوره والقيام بوظيفته. وان كان لكل واحدة من
هذه المعاني جهات اشتراك واختلاف، يصفها منها القدر المتيقن مما هو متفق بينهما
جميعاً.
وهنا نسأل:
هل جُعِلَ العُمُر (سنٌّ محدَّد للقيام بهذه المهمَّة) ابتداءً أو انتهاءً كشرطٍ في
القائد أم لم يُجعل شيءٌ من ذلك فيه؟
وينبغي أن ينحلَّ السؤال إلى اثنين:
أوَّلاً: هل جُعِلَ على مستوى الاعتبار الاجتماعي العقلائي شرطٌ من هذا القبيل؟
ثانياً: هل جُعِلَ على مستوى الاعتبار الإلهي السماوي شرطٌ من هذا القبيل؟
وبعبارة أُخرى: هل القيادة مشروطة أم مطلقة من حيث العُمُر؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال نتحدَّث عمَّا ينبغي عليه البحث في مثل هكذا شروط:
كشرطية العلم والتخصُّص في الأشياء، أشياء دينية كانت أم دنيوية، وكشرطية الذكورة
مثلاً لتسنُّم بعض المناصب، أو كشرطية الحياة فيها، أو كشرطية الحضور والظهور أمام
المرؤوسين والمأمومين أم لا..
وحديثنا عن شرطية العُمُر المحدَّد.
والحديث على مستوى الأفكار والتصوّرات كما على مستوى الأدلَّة والإثبات، وسنعرض في
آخر البحث نماذج تطبيقية نستدلُّ بها على مدَّعانا من عدم الشرطية. فلا بدَّ
أوَّلاً أن نُحدِّد دائرة القيادة ومراتبها، فنحن نعلم أنَّ للقيادة رُتَباً عديدة
من حيث عدد الأفراد، فقد يكون الشخص قائداً لأُسرة
أو عشيرة أو قرية أو بلدٍ، وقد يكون
قائداً للأرض كلِّها، بل قد يكون قائداً للكون، فلا بدَّ هنا أن يحمل مؤهِّلاتٍ
خاصَّة.
وفي حديثنا عن المؤهِّلات وعن دائرة القيادة فإنَّها ستتنوَّع بتنوُّع تلك الدائرة
وما يحتاجه القائد من لوازم لنجاح قيادته، فمثلاً من يدير الكون يحتاج إلى قدرات
تكوينية بالإضافة إلى قدراته التنفيذية والتشريعية والقضائية والمالية والسياسية
وغيرها، فيما قد لا يحتاج من يدير أُسرةً أو عشيرةً إلى كثير من تلك المؤهِّلات.
وفي دائرة الحديث عن المؤهِّلات، فمثلاً بعض القيادات تحتاج إلى مؤهِّلات فكرية،
وأُخرى تحتاج إلى مؤهِّلات جسدية، وأُخرى سلوكية وعملية، وفي بعضها إلى مؤهِّلات
غيبية.
وهذه المؤهِّلات قد تُشتَرط ابتداءً ولا تُشتَرط استمراراً، وبعضها قد يُشتَرط
ابتداءً واستمراراً، وهكذا.
البحث الثبوتي:
وفي مقامه نذكر نقطتين:
النقطة الأُولى: حيث إنَّ حديثنا عن شرطية العُمُر في الإمامة، فلا بدَّ أن نطلَّ
إطلالة سريعة على معنى الإمام والقدوة والأُسوة والقائد، لكي نستعين بهذه الإطلالة
على تسهيل تحصيل النتائج.
فالإمام يُراد به مقدَّم القوم ومثالهم الذي يأتمُّون به، سواءً كان رئيساً أو
قائداً، وعبَّرت عنه بعض المعاجم بهذه العبارة: (من يُقتدى أو يُؤتمَّ به من رئيس
أو غيره).
فيما عرَّفت القائد بعض المعاجم بأنَّه ما برز من الجبل، وهو القدوة والمرشد، وعلى
هذا التعريف يكون المعنى الذي نريده في محلِّ بحثنا هو (الشخص البارز الذي يُنظَر
إليه ويُقتدى به).
أمَّا الأُسوة التي وردت في الآية المتقدِّمة، فهي بمعنى القدوة، وقد ذُكِرَت لها
عدَّة
معانٍ، منها: (ما يُتَّخذ مثالاً
يُقتدى به ويُتَّبع)، وهذا المعنى الأخير هو الأنسب بما نريد نعم ان اتباع كل شيء
بحسب ما يشترط فيه من مؤهلات كما تقدم.
فيما ذكرت جملة من الأخبار التي تحدَّثت عن معنى الإمامة بأنَّ الإمام إنَّما سُمّي
إماماً لأنَّه قدوة للناس منصوب من قِبَل الله تعالى.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (وجعله -أي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)-
قدوةً للمتَّقين).
وها أنت تلاحظ أنَّ الإمامة والقدوة لغةً بمعنى واحد، كما أنَّ الأُسوة لها نفس
المعنى، ولذلك عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «أنا قدوة أهل الكساء»،
والإطلاق مقيَّدٌ بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للضرورة.
ونقرأ في زيارته (عليه السلام): «السلام عليك يا قدوة الصدِّيقين».
وفي توقيع للإمام المهدي (عليه السلام): «وفي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) لي أُسوة حسنة».
يظهر من خلال هذه النصوص أنَّ معنى الإمامة والقدوة والأُسوة والقائد والرئيس
كلَّها تأتي بمعنى واحد وإن اختلفت متعلَّقاتها، فكون الشخص قدوة في الجانب العلمي
يختلف عنه في الجانب المعنوي الروحي وكذا يختلف عنه في الجانب الإداري أو الاجتماعي
وهكذا.
النقطة الثانية: إذا ما رجعنا إلى الهدف من جعل القائد، وهو ما يُقرِّره أمير
المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «لا بدَّ للناس من أمير برٍّ أو فاجرٍ...»، إلى أن
يقول: «يقاتل فيها العدوَّ، وتأمن بها السُّبُل».
فإنَّنا نجد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير إلى أنَّ الغاية من القيادة هي
حفظ النظام.
فمتى حُفِظَ النظام تحقَّق الهدف من القيادة، والقائد في هذا الجانب قدوة وان لم
يكن كذلك في غيره.
نعم القيادة الإلهيَّة مع حفظها للنظام الاجتماعي تُقَدِّمُ للبشرية - بل وغيرهم -
سُبُل التكامل والارتقاء الروحي وتحصيل الآخرة من خلال تطبيق النظام الشرعي.
هنا نقول: فأيُّ شخص يُحقِّق حفظ
النظام يكون هو القائد بالبيان المتقدِّم.
ولا بدَّ أن نسأل هنا: هل يُشتَرط فيمن يحفظ النظام، الحياةَ؟
فإنَّنا نجيب وبالضرورة: نعم، إذ لا بدَّ من كونه حيّاً كي يمارس دوره.
ثمّ نسأل أُخرى: هل يُشتَرط فيه الحضور؟ بمعنى أن يُرى من قِبَل الناس عندما يمارسُ
مهامّ عمله؟ فيه كلام، والصحيح أنَّه لا يُشتَرط حضوره، لأنَّ الشواهد القرآنية -
بل وحتَّى العقلائية - عكست لنا أنَّ هناك من مارس الوظيفة القيادية وهو مختفٍ وغير
ظاهر، بل حتَّى الظاهر منهم ليس ظاهراً للكلِّ.
ثمّ نسأل ثالثةً: هل يُشتَرط في القائد علمٌ خاصٌّ (العصمة)؟ وهل يُشتَرط فيه
الذكورة؟ تفصيله في محلِّه.
البحث الإثباتي:
هل يُشتَرط في القائد عُمُر محدَّد؟ هاهنا محلُّ بحثنا، ومقتضى إطلاقات الأدلَّة -
والتي منها ما تقدَّم إجمالاً - عدم الاشتراط.
بل إنَّ سيرة العقلاء قائمةٌ على عدم الاشتراط، هذا في اختيار العقلاء لمنصب ليس
فيه حيثية غيبية، فكيف بمن فيه هذه الحيثية، وإليك شواهد هذا:
روى الكليني في الكافي (ج ١/ ص ٣٨٣): عن أبي جعفر (عليه السلام): ... يكون الإمام
ابن أقلّ من سبع سنين؟ قال (عليه السلام): «نعم، وأقلّ من خمس سنين...».
وفيه أيضاً (ج ١/ ص ١٩٩) حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) يذكر فيه الإمامة،
فيقول (عليه السلام): «هل يعرفون قدر الإمامة ومحلِّها من الأُمَّة فيجوز فيها
اختيارهم؟» أي شروطهم.
ثمّ يقول (عليه السلام): «إنَّ الإمامة أجلُّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً،
وأمنع جناباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم».
فإذا لا يبلغونها بعقولهم فلا يبلغون شروطها، ثمّ قال (عليه السلام): «أو ينالوها
بآرائهم...».
ثمّ ذكر الإمام (عليه السلام) شروط
الإمامة، فقال: «فجعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة...، فصارت في ذرّيته
الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان...، الإمام المطهَّر من الذنوب، المبرَّأ
من العيوب، المخصوص بالعلم...».
فترى الإمام (عليه السلام) يذكر الشروط الجعلية من العلم والعمل، ثمّ يأتي ليُحدِّد
الوظيفة، فيقول (عليه السلام): «إنَّ الإمامة زمام الدين...، ونظام المسلمين، وصلاح
الدنيا...».
ثمّ ذكر (عليه السلام) المانع منها، فقال: «فأبطلت إمامة كلِّ ظالم إلى يوم
القيامة...»، أي آية إبراهيم (عليه السلام).
ثمّ قال (عليه السلام): «فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟ ...
راموا إقامة الإمام بعقولٍ حائرة وآراء مضلَّة، فلم يزدادوا منه إلَّا بُعداً...».
فإذا كانت هذه المؤهِّلات، فمن يقدر على
التشخيص؟
وها أنت تلاحظ بوضوحٍ رغم كون الإمام (عليه السلام) في مقام البيان من جهة الشروط
لمنصب الإمامة لم يذكر شرط العُمُر، بل قد دريت بما تقدَّم أنَّ الأدلَّة دلت على
عدم الاشتراط، لا بل نَصَّبَ الشارع المقدَّس الوليد الصغير لأيّام - بل ساعات -
لأخطر منصب إلهي - النبوَّة - وهو قيادة بلا شك.
وعليه فلا الثبوت يسعف من يشترط سنّاً معيَّناً في الإمامة، ولا الإثبات.
نعم نؤكد ان المؤهل لكل منصب - روحي - إداري - هو الرشد، ورشد كل شيء بحسبه كما
تقدمت الإشارة إليه.
ولمزيد من الاستئناس نذكر بعض النماذج التي كانت قدوة أو قادة في مجتمعاتها ولم
يشترط فيها النظام الاجتماعي عُمُراً محدَّداً وسنّاً مقيَّداً.
نماذج ممَّن تولُّوا الحكم وهم صغار السنّ:
١- (توت عنخ آمون)، وهو ابن (أمنحوتب الرابع) (أخناتون)، أصبح مَلِكاً وهو طفل عمره
(٩) سنوات تقريباً، وتوفّي وعمره (١٩) سنة.
٢- السلطان محمّد الرابع العثماني (١٦٤٨م)، عمره (٧) سنوات.
٣- مَلِكة إسكوتلندا (ماري استيوآرت)،
أصبحت مَلِكة وعمرها (٦) سنوات.
٤- المَلِك الإسباني (الفونسو) الثالث عشر، حيث تمَّ إعلانه مَلِكاً حال ولادته عام
(١٨٦٨م)، إذ توفّي والده وهو حملٌ له ستَّة أشهر.
٥- المَلِك فيصل الثاني مَلِك العراق، أصبح مَلِكاً وعمره (٤) سنوات، وُلِدَ
(١٩٣٥م) وأصبح مَلِكاً (١٩٣٩م).
٦- المَلِك (أُويو)، عمره (٣) سنوات، وهو مَلِك مملكة (توورو)، تقع في (أُوغندا)،
يسكنها نحو (٢) مليون، ولا زال حيّاً وهو مَلِك.
الأئمَّة (عليهم السلام) صغار السنّ:
١- الإمام الجواد (عليه السلام)، تولّى الإمامة - على بعض الروايات - وعمره (٩)
سنوات.
٢- الإمام الهادي (عليه السلام)، تولّى الإمامة وعمره (٨) سنوات.
٣- الإمام المهدي (عليه السلام)، تولّى الإمامة وعمره (٥) سنوات.
الأنبياء صغار السن:
١- النبيُّ عيسى (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَأَشارَتْ
إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي
عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٢٧-٣٠).
٢- النبيُّ يحيى (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ
الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
إذن لا شرطية للعُمُر في القيادة وإن كان شرطاً في أشياء أُخرى.
رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة
الشيخ كاظم القره غولي
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله
وصلّى الله على خير الورى نبيِّه الكريم وآله الطيِّبين الطاهرين.
وبعد، فما زالت قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته الغريبة كلُّ الغرابة
لخروجها عن المألوف مثاراً للبحث والتدقيق واختلاف الآراء والأنظار. ومن الجزئيات
التي وقعت محلّاً للاختلاف ما نسمعه من لقاء أُناس به في زمان غيبته ومشاهدة تلك
الطلعة وذلك الوجود المقدَّس.
ومثل هذا الادِّعاء وإن كثر من أُناس لم يُعرَف لهم سابقة في دين ولا منزلة في علم
أو معرفة ممَّا يعني قوَّة احتمال كذب مثل هذا الادِّعاء أو نشوئه من توهُّم، إلَّا
أنَّ ذلك ليس مسوِّغاً للإنكار ما دام لم يقم دليل نافٍ لها على نحو البتِّ والجزم.
وقد يتحدَّث البعض بضرس قاطع عن عدم صحَّة هذه الدعاوى جملةً وتفصيلاً، ونحن في
مقام ما تقتضيه الموضوعية نضع ما يصلح أن يكون دليلاً للنفي على ميزان البحث،
فنقول:
وجوه المنع:
إنَّ الأدلَّة التي يمكن الاستناد إليها لا تخرج عن أربعة: القرآن، والسُّنَّة،
والعقل، والإجماع.
القرآن الكريم:
لم يرد في القرآن بيان يمكن الاستناد إليه للقول بعدم إمكان رؤية الإمام (عليه
السلام) في غيبته، بل لا يوجد فيه دليل مستقلٌّ عن أصل الغيبة فضلاً عن وجود آية
تدلُّ على بعض أحكامها التي منها إمكان اللقاء بالإمام (عليه السلام) في زمن
الغيبة.
نعم وردت روايات في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ
إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك:
٣٠) بغيبة الإمام (عليه السلام)، وقد نقل صاحب نور الثقلين في تفسيره روايات في
ذلك.
ففي صحيحة عليِّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)، قال: قلت له: ما تأويل قول الله
(عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ
غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾؟ فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم
تروه فماذا تصنعون؟»(١).
ونقل عن الصدوق بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ
وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾، قال: «هذه نزلت في الإمام القائم:
يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم
بأخبار السماوات والأرض وحلال الله وحرامه؟»، ثمّ قال: «والله ما جاء تأويل هذه
الآية، ولا بدَّ أن يجيء تأويلها»(٢).
وفي ثالثة عن عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ... قال: «أرأيتم
إن أصبح إمامكم غائباً فمن يأتيكم بإمام مثله»(٣)،
وفي سندها سهل بن زياد.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾
(التكوير: ١٥).
فقد روى الصدوق في (كمال الدين) عن أبيه وابن الوليد معاً، عن سعد والحميري معاً،
عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن الربيع، عن محمّد بن إسحاق، عن أسد
بن ثعلبة، عن أُمِّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ
بن أبي طالب (عليهم السلام) فسألته عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) نور الثقلين ٥: ٣٨٦
و٣٨٧.
(٢) نور الثقلين ٥: ٣٨٧.
(٣) نور الثقلين ٥: ٣٨٦.
هذه الآية: ﴿فَلا
أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]، فقال:
«إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب
الوقّاد في ظلمة الليل. فإن أدركتِ ذلك قرَّت عيناكِ»(٤).
وهذا الوارد وإن لم يكن في معنى التفسير، إذ هو نوع تأويل، لكن الآية كيف كان قد
أُوِّلت به.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾
(البقرة: ٣).
الدقّاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن عليِّ بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي
القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الم
* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ١ - ٣)، فقال: «المتَّقون شيعة عليٍّ، وأمَّا الغيب
فهو الحجَّة الغائب، وشاهد ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ
فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]»(٥).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾
(المدَّثِّر: ٨).
الكليني، عن أبي عليٍّ الأشعري، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليٍّ، عن عبد الله
بن القاسم، عن المفضَّل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن قول الله
(عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، قال:
«إنَّ منّا إماماً مستتراً، فإذا أراد الله (عزَّ وجلَّ) إظهار أمره نكت في قلبه
نكتة، فظهر فقام بأمر الله (عزَّ وجلَّ)»(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً
وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠).
ففي الرواية عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «النعمة الظاهرة الإمام الظاهر،
والباطنة الإمام الغائب، يغيب عن أبصار الناس شخصه، ويُظهر له كنوز الأرض ويُقرِّب
عليه كلَّ بعيد»(٧).
لكن هذه الروايات لم تتعرَّض لإمكان الرؤية في زمن الغيبة من عدمه.
نعم يمكن أن يقال: إنَّ آيات سورة الكهف الواردة في قصَّة الخضر (عليه السلام)
ولقاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) كمال الدين ١: ٣٤٢.
(٥) كمال الدين ٢: ٣٤٠/ ح
٢٠.
(٦) الغيبة للنعماني: ١٩٣/
باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٠.
(٧) بحار الأنوار ٥١: ٦٤.
موسى (عليه السلام) به فيه دلالة
على أنَّ الغيبة ليست مانعة من اللقاء بالغائب، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا
يجوز واحد.
وبناءً على ذلك تكون هذه الآيات بضميمة المماثلة في حيثية الغيبة دالَّة على أنَّ
الغائب يمكن أن يُرى، فأدلّ دليل على الإمكان الوقوع.
الإجماع:
ليس من الممكن الاستناد للإجماع في مسألتنا، لأنَّه لا يتحقَّق عادةً في المسائل
الاعتقادية، إذ ليس لكلِّ فقيه رأي في المسائل الكلامية، نعم قد يتحقَّق ذلك في
المسائل التي لا بدَّ من تحقيقها لانعكاسها على استنباط الحكم الشرعي، كالبحث في
أنَّ المعصوم هل يصدر منه المكروه أو لا، فإذا قيل بالنفي أمكن الاستدلال على أنَّ
فعل المعصوم لشيء دليل على عدم كراهته. وإذا قيل بإمكان صدور المكروه منه فهل يواظب
المعصوم على فعله؟ فإن قيل: لا، أمكن إثبات عدم كراهة الفعل إذا واظب المعصوم على
تركه. هذا إذا لم يأخذها الفقيه من علم الكلام كأصل موضوع.
وكيف كان فليس من السهل اتِّفاق الفقهاء على مسألة خارج دائرة الاستنباط أو قواعدها
العامَّة. والذي يمكن أن يتحقَّق هو عدم الخلاف. ولا حجّية له في الفروع فضلاً عن
غيرها. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ أيًّا من مباني حجّية الإجماع لا يجري في المسائل الاعتقادية.
أمَّا الإجماع الدخولي الذي يعني العلم بدخول المعصوم في الفقهاء الذين أفتوا في
هذه المسألة أو تلك بفتوى واحدة، فهو واضح البطلان، إذ من أين لنا أن نجزم بدخول
المعصوم في هؤلاء الفقهاء؟
وأمَّا الإجماع التشرُّفي الذي يعني أنَّ فقيهاً تشرَّف بلقاء المعصوم (عليه
السلام) وأخذ منه الحكم في مسألةٍ ما، ولمَّا أراد أن ينقل ذلك لم يرد أن يُصرِّح
بأنَّه أخذها من المعصوم (عليه السلام) فنسبها إلى اتِّفاق الفقهاء أو إجماعهم. ففي
حمل إجماعه المدَّعى
على التشرُّفي مخالفة واضحة لظاهر
كلامه، وهذا بعيد في نفسه ويبقى في حدود الإمكان، بل الإمكان على بعد، على أنَّ
ثبوت الإجماع التشرُّفي ينفي عدم إمكان التشرُّف بلقاء الإمام (عليه السلام) كما هو
واضح.
وأمَّا الإجماع الحجَّة عقلاً من باب قاعدة اللطف الذي يعني أنَّ لطف الله تعالى -
وهو الذي يقتضي فعل كلِّ ما يمكن أن يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد من المعصية - يمنع
أن يترك الله تعالى علماء الأعصار والأمصار يتَّفقون على رأي واحد مخالف للواقع.
فيردُّ الاستدلال به أنَّ المورد ليس ممَّا فيه إطاعة أو معصية أوَّلاً.
ولم يتعرَّض فيه الفقهاء جميعاً للقول في المسألة، بل إنَّ أكثرهم لا يتحدَّثون في
هذه المسألة ثانياً.
وثالثاً: مع عدم العلم بالمخالفة للحكم الواقعي أين المعصية التي يقتضي اللطف فعل
ما يُبعِّد عنها؟
ورابعاً: لو قلنا بتمامية قاعدة اللطف وتمامية تطبيقها على دلالة الإجماع، فإنَّها
ستكون أخصُّ من المدَّعى، فإنَّه إذا كان الحكم الواقعي هو الإباحة أو الكراهة وقام
الإجماع على الوجوب، فهل يقتضي اللطف الذي هو بمعنى فعل كلِّ ما يُقرِّب من الطاعة
ويُبعِّد عن المعصية منع تحقُّقه؟ فهل للإباحة إطاعة في الواقع ليكون إتيان ما قام
الإجماع على وجوبه مبعِّداً عن الإطاعة؟ وكذا الكلام في الكراهة.
ومثل هذا الكلام يجري إذا كان الحكم الواقعي هو الاستحباب وقام الإجماع على الوجوب،
فإبقاء الإجماع على حاله يعني إتيان الناس المطيعين للحكم الثابت بالإجماع
وامتثاله، وهذا بالنسبة للواقع إتيان المستحبِّ فيتحقَّق ملاك المستحبِّ ولو بإتيان
متعلَّقه بداعي الوجوب.
وبنفس الطريقة يخرج ما لو قام الإجماع على الحرمة وكان الحكم في الواقع هو الإباحة
أو الكراهة أو الاستحباب حتَّى.
نعم يبقى تحته ما لو كان الحكم
الواقعي إلزامياً - أي وجوب أو حرمة - وقام الإجماع على حكم غير إلزامي. أو قام
الإجماع على حكم إلزامي مقابل له، أي كان الحكم الواقعي هو الحرمة وقام الإجماع على
الوجوب أو بالعكس.
وخامساً: لِمَ اختصَّت قاعدة اللطف بالإجماع؟ فلو جرت في الإجماع فلِمَ لا تجري إذا
كان المتَّفقون على الفتوى يُشكِّلون نسبة (٩٠%) من الفقهاء، بل حتَّى (٩٩%) منهم
مع أنَّهم لا يذهبون إلى حجّية اتِّفاق مثل هذه النسبة؟ ولو كان اللطف هو المدار
على الحجّية لما وجد فرق في جريانه بين الإجماع وبين اتِّفاق الغالبية المطلقة.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس كاشفيته عن دليل لو وصل إلينا لقلنا بنفس ما قال
به المجمعون، فلا ينفع أيضاً إلَّا إذا كانت المسألة قابلة للتعبُّد، وسيأتي أنَّه
لا مجال للتعبُّد في مثل هذه المسألة. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ الإجماع الكاشف قطعاً عن الحكم الشرعي لم يتحقَّق في مسألتنا هذه، أي
لم تتحقَّق صغرى الإجماع الكاشف عن الحكم الواقعي، بل هو اتِّفاق في الفتوى يكشف
بنحو القطع عن وجود دليل على الحكم.
فإن قيل: كيف قال الفقهاء بهذه المقالة اعتماداً على ذلك الدليل؟ فإنَّ نفس ذهابهم
لهذا الرأي اعتماداً على ذلك الدليل المفترض الوجود يكشف عن إمكان الاستناد إليه لو
وصل إلينا، وهذا يعني أنَّنا سنوافقهم في الرأي.
قلنا: إنَّهم أو على الأقلّ بعضهم المعتدّ يقول بالتعبُّد في تفاصيل الاعتقاد
وجزئياته، أي بالإمكان الاستناد إلى خبر ثقة دلالته بنحو الظهور، فيحصل التعبُّد في
سنده وفي دلالته بحكم الأدلَّة الدالَّة على حجّية خبر الثقة وحجّية الظهور، ونحن
لا نلتزم بأيٍّ من الحجَّيتين في مسائل الاعتقاد.
وثالثاً: إنَّ مثل هذه المسائل لم تُبحَث بالنحو الذي بُحِثَت فيه مسائل الفروع
بحيث تستوعب جميع وجوه الدلالة الممكنة وتُوضَع في ميزان التحقيق
والتدقيق. إنَّ من الطبيعي أن
يتَّبع فقيه فيها رأي غيره. وهذا يعني عدم الاطمئنان بأنَّ إجماعهم سيكون كاشفاً عن
دليل لو وصل إلينا لوافقناهم في الرأي. فلا يكون الإجماع حينها من وسائل الإثبات
الوجداني للدليل.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس الملازمة العادية أو الاتِّفاقية والذي يكون
كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) حدساً، وقد مثَّلوا للملازمة العادية بما لو
اتَّفق فقهاء جميع العصور دون القول بقاعدة اللطف، ومثَّلوا للملازمة الاتِّفاقية
باتِّفاق فقهاء عصر واحد، فإنَّه بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذا الاتِّفاق في
مسألتنا، لا يوجد ما يدلُّ على هذه الملازمة على فرض وجود اتِّفاق، والشاهد على ذلك
أنَّه قد يتَّفق الفقهاء في بعض الموارد على إجراء البراءة على اختلاف أزمنتهم،
وعند إجرائها نحتمل أنَّ الحكم الواقعي هو الحرمة، ولو كانت الحرمة ثابتة كحكم
واقعي على مرِّ العصور ومع ذلك جرت البراءة، فهذا يعني إمكان اتِّفاق الفقهاء على
حكم مخالف للواقع في جميع الأعصار فضلاً عن فقهاء عصر واحد. بل يمكن أن يكون قوله
تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١) شاهداً على إمكان مخالفة الحكم الذي لم يظهر على
مرِّ العصور.
ببيان: أنَّ بعض الأحكام واصلة إلى كلِّ ما تقتضيه فعليَّتها، نعم هي لم تبد للناس
وتظهر لهم، فإذا لم يسأل عنها فإنَّ ذلك يعني احتمال أن تكون ممَّا يسوؤنا إبداؤها.
والشارع نهانا عن السؤال عنها لكي لا تظهر، فيترتَّب على ذلك لزوم الالتزام بها،
فبواسطة ترك السؤال عنها نتخلَّص من تبعة لزوم الالتزام بها وهو الذي يسوؤنا. وهذا
يعني إمكان وجود أحكام يتطلَّب دخولها في العهدة السؤال عنها الذي نهينا عنه، وبترك
السؤال عن المعصوم (عليه السلام) عنها تكون الفتوى على خلافها على مرِّ العصور. ولا
يأتي هنا احتمال اختلاف الفتوى، لأنَّها لم تُبيِّن، فلا مجال للاختلاف في فهم ذلك
البيان لتختلف الفتوى.
على أنَّ في دعوى الملازمة
الاتِّفاقية إشكال إثباتي، حاصله: أنَّه وإن أمكن عدم الانفكاك بين اتِّفاق فقهاء
عصر واحد على فتوى وموافقة رأي المعصوم (عليه السلام) لهم، لكن الأشياء الاتِّفاقية
لا يمكن إقامة البرهان عليها، بل يمكن الاطِّلاع عليها وإدراكها لا بتوسُّط برهان،
اللّهمّ إلَّا إذا كان ذلك بملاحظة مفردات مشابهة تكون فيها الموافقة بين الطرفين
الذين نحتمل اتِّفاق تواجدهما معاً، دون أن نقف على برهان يثبت أنَّ ما وقع ضروري
وغير قابل للانفكاك، ثمّ نُعمِّم ذلك كلٌّ إلى مفردة مشكوكة.
ومثل هذا الطريق غير متيسِّر في محلِّ كلامنا، إذ من أين لنا أن نطَّلع على أنَّه
في كلِّ المرّات التي حصل فيها اتِّفاق من الفقهاء على حكم كان رأي المعصوم موافقاً
لهم؟
وهكذا نصل إلى أنَّ القول بحجّية الإجماع عند هؤلاء بعد عدم وجود دليل عليه ناشئ من
السعي لفذلكة هذا القول بعد أن قال به فقهاء العامَّة، وربَّما الخاصَّة
المتقدِّمين القائلين بأنَّ حجّيته من جهة دخول المعصوم (عليه السلام) في المجمعين،
وأتباع الشيخ الطوسي القائلين: إنَّ حجّيته قد ثبتت بالملازمة العقلية المستفادة من
قاعدة اللطف. وحين لم ينهض عندهم هذان الوجهان حاولوا توجيهها من خلال الملازمة
العادية أو الاتِّفاقية، والكلام الأخير خاصٌّ بالملازمة الاتِّفاقية.
نعم يمكن أن توجد ملازمة اتِّفاقية، ولكن لا يمكن البناء عليها ما لم يقم دليل
بيِّنٌ يُثبِتها، ومجرَّد الإمكان غير مُجدٍ.
ولو أغمضنا النظر عن كلِّ ذلك، فإنَّ الإجماع هنا محتمل المدركية إن لم يكن مدركياً،
حيث إنّا نكاد نجزم أنَّ مستند المجمعين لو وُجِدَ الإجماع هو الرواية الآتية أو
نظائرها. ولو لم نجزم فمن المحتمل جدًّا أن يكونوا استندوا في رأيهم لمثل هذه
الرواية. وقد ثبت في محلِّه أنَّ الإجماع المحتمل المدركية فضلاً عن المدركي ليس
حجَّة، إذ في مثله يُرجَع إلى نفس الدليل الذي استند إليه
المجمعون ليُرى هل هو تامُّ الدلالة
أو لا. وسيأتي أنَّه غير تامِّ الدلالة. ولو تمَّت دلالته فلا حجّية لها، لانخرام
شرط الحجّية من خلال وجود القرينة على الخلاف، بل من خلال تحقُّق العلم على الخلاف.
وكيف كان فالإجماع غير متحقِّق في المسألة، ولو كان لكان عدم الخلاف وهو ليس حجَّة،
لأنَّه بمنزلة الإجماع المنقول الذي لا يرى فقهاؤنا حجّيته إلَّا قلَّة كصاحب
الرياض (قُدِّس سرُّه).
بل عدم الخلاف غير متحقِّق، إذ إنَّ الكثير من الفقهاء لم يُنكِروا على الأعاظم
الذين نُقِلَ عنهم اللقاء بالإمام (عليه السلام) في غيبته.
بل إنَّ بحثهم للإجماع التشرُّفي وحجّيته دليل على عدم إنكار إمكان اللقاء بالإمام
(عليه السلام). ومن أشكل على الإجماع التشرُّفي لم يُشكِل من منطلق عدم القبول
بإمكان اللقاء في زمن الغيبة.
وبعد كلِّ هذا هل تعتقد بوجود اتِّفاق على عدم إمكان رؤية الإمام (عليه السلام) في
زمن الغيبة أو حتَّى عدم خلاف؟ وعلى فرض تحقُّقه فإنَّه لا حجّية له كما تقدَّم.
العقل:
لا سبيل للعقل إلى نفي الإمكان في موضوعة مشاهدة الإمام (عليه السلام) في زمن
الغيبة، ويكفي في إثبات الإمكان وقوع ما يشابهه، وأقرب ما يشابه غيبته (عليه
السلام) غيبة الخضر (عليه السلام)، والقرآن يُحدِّثنا أنَّه قد تيسَّر لموسى (عليه
السلام) أن يلتقيه.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما
قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ إلى آخر الآيات (الكهف: ٦٠ - ٨٢).
والروايات تُحدِّثنا عن لقاءاته برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأمير
المؤمنين (عليه السلام)، فإذا جاز
لقاء الخضر (عليه السلام) بأحد من
الأحياء، فلِمَ لا يمكن لقاء الإمام (عليه السلام) في غيبته مع الناس؟
وإن كان الوجه في حكم العقل أنَّ الحكمة الداعية إلى تغييبه (عليه السلام) لا بدَّ
أن تكون داعية لأن لا يشاهده أحد فيها، فيردُّه:
١- عدم جريان بعض الحكم المذكورة في الروايات وغيرها لغيبته، بل كلُّها في منع
رؤيته من بعض الخواصِّ، كخوف الذبح، والحرص على أن لا يكون في رقبته بيعة لأحد،
وكون الغيبة عقوبة وأثراً لظلم الناس وتمحيص المؤمنين، وإجراء سُنَن الأنبياء
السابقين (عليهم السلام) فيه، وإخراج المؤمنين من صلب الكافرين، وغير ذلك.
أمَّا خوف الذبح فلأنَّه لم يأذن الله تعالى أن تكون الرؤية متيسِّرة لكلِّ أحد،
فلم يتحقَّق ما يوجب الخوف.
ومثل ذلك الحرص على أن لا تكون في رقبته بيعة لأحد، فإنَّ مجرَّد الرؤية في حالات
نادرة من أُناس لهم خصوصيات عالية في التقوى والدين لا يستلزم أخذ البيعة منه (عليه
السلام) لحاكم في زمان المشاهدة.
نعم لو كانت المشاهدة ممكنة لعامَّة الناس أو في دائرة واسعة منهم في الحدِّ الأدنى
لاستدعى ذلك لفت الأنظار إليه وإظهار الاهتمام به، وهذا ما سيدفع الحُكّام الظالمين
إلى السعي لإدخاله ضمن دائرة المطيعين والخاضعين لهم. وإذا التفتنا إلى أنَّه (عليه
السلام) لا يُمثِّل نقطة استقطاب لأبناء المجتمع فقط، بل يُمثِّل أيضاً صاحب الحقِّ
في تسنُّم منصب إدارة أمر المجتمع وقيادة الدولة، اتَّضح أنَّ حُكّام الجور سوف لن
يتركوه دون أن يُظهِر لهم الطاعة والخضوع. لكن المفروض أنَّ دائرة المشاهدة ضيِّقة
جدًّا في الكمِّ والكيف، فأين استلزام المشاهدة للبيعة في رقبة الإمام (عليه
السلام)؟
وأمَّا كون الغيبة عقوبة للناس على ظلمهم، فإنَّ العقوبة على تقصير الأعمال
لم تقم ضرورة على أن تتشخَّص في حجب
الحجَّة عن الناس المعاقبين، بل لم تقم ضرورة على أن يكون ظرف العقوبة في الدنيا،
والأصل في العقوبات أن تكون في الدار الآخرة. ولولا أن يعمَّ الظلم في الدنيا
وتنشغل الناس في دفع الظلم عن سلوك طريق التكامل، ولولا الانغماس في بحور المعاصي،
لما قُدِّمت عقوبة إلى الدنيا. فلولا تقديم العقوبات إلى الدنيا بآثار تكوينية أو
في حدود أو تعزيرات أو عتق أو كفّارات لما بقي في ربقة المؤمنين إلَّا القليل.
هذا مضافاً إلى أنَّ عقوبة العمل لا تقتضي إلَّا أن يُعاقَب المذنب والمسيء دون
غيره، وهذا لا يمنع من أن يرى الإمام (عليه السلام) من لم يُقصِّر بالنحو الذي
يستحقُّ معه العقوبة المتمثِّلة بالحجب عن رؤية إمام الزمان (عليه السلام).
ومضافاً إلى أنَّ حجب الحجَّة عن الناس عقوبة لهم ليست طريقة لازمة، فقد أتت الأُمم
السالفة بشتّى أنواع التقصيرات وأفحش أصناف المخالفات ولم يُحجَب عنها الحجج
والأنبياء (عليهم السلام)، فحين ترك قوم موسى (عليه السلام) عبادة الله (عزَّ
وجلَّ) وتحوَّلوا إلى عبادة العجل، هل حُجِبَ عنهم رؤية أنبيائهم؟ وحين قالت
النصارى: ﴿إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة:
٧٣)، هل استدعى ذلك أن يُغيِّب عنهم أوصياءه والأنبياء (عليهم السلام) من بعده؟
وهذا لا ينفي كون الحجب عن الحجَّة نوع عقوبة، فقد تكون إحدى الحِكَم في الغيبة
معصية الأُمَّة، لكن الحكمة تقتضي أصل العقوبة ولا تقتضي نوعها أو شخصها إلَّا إذا
كانت العقوبات بنحو السُّنَن الكونية التي هي بنحو العلل التامَّة لا المقتضيات.
ولم يثبت في السُّنَن الكونية هذا النوع من العقوبات على نوع من المخالفات. والسنن
الكونية في ذلك قد تكون بنحو العلّية، وقد تكون بنحو الاقتضاء، وكلاهما غير متوفِّر
في مثل هذا الأثر، أو على الأقلّ غير معلوم. وإذا لم يثبت في التاريخ ما يشبه هذه
العقوبة، كيف لنا أن نقول: إنَّها كانت وفق سُنَّة تكوينية؟
على أنَّ ثبوت السُّنَّة التكوينية
لا يُكتفى فيه بالإمكان، بل لا بدَّ من الدليل أو التجربة المتكرِّرة التي تُوجِب
القطع بثبوتها. ولا دليل على وجود هذه السُّنَّة، وإنَّما هي كلام فقهاء في مورد
جزئي، والذي أظنُّه أنَّهم كانوا بصدد دفع توهُّم لزوم محذور من غيبته (عليه
السلام) وهو الحجَّة على الخلائق. وقد يكون المحذور هو مخالفة ما يقتضيه اللطف أو
ما تستدعيه الرحمة أو ترتُّب محذور الظلم، فحاولوا دفعه من خلال وجه معقول في نفسه
وإن لم يقم عليه دليل.
وأمَّا إجراء سُنَن الأنبياء السابقين (عليهم السلام)، فليس وجهاً يمكن الاستناد
إليه ليكون حكمة لعدم الرؤية في الغيبة، وذلك:
أوَّلاً: لأنَّ غيبة الأنبياء السابقين (عليهم السلام) فعل لله تعالى، وهو اختياري،
فيحتاج إلى حكمة، إذ لقائل في زمانهم أن يقول: لِمَ غاب الخضر مثلاً؟ ولا تُعلَّل
الأفعال بحصول نظير لها، وإنَّما تُعلَّل بغاياتها.
ثانياً: لأنَّ حدوث الغيبة لم يكن عامًّا لكلِّ الأنبياء (عليهم السلام) ولا
أكثرياً ليكون ذلك سُنَّة لتجري في الإمام الثاني عشر (عليه السلام). فلِمَ لم تجرِ
فيه سُنَّة الحضور التي جرت في كلِّ الأنبياء (عليهم السلام) إلَّا ما شذَّ وندر؟
وثالثاً: لأنَّ الوارد في بعض الروايات أنَّ غيبة الأولياء السابقين كانت لأجل نفي
الاستبعاد عن غيبة الإمام (عليه السلام) في زمانه لا العكس.
ففي رواية الصيرفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وأمَّا العبد الصالح الخضر
(عليه السلام)، فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا
لكتاب يُنزِله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبلها من الأنبياء، ولا
لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى
لمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما
يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد
الصالح في غير سبب أوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه
السلام)، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]»(٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) كمال الدين ٢: ٣٥٧/ باب ما أخبر به الصادق (عليه السلام)/ ح ٥.
ورابعاً: لأنَّ إجراء سُنَن
الأوَّلين لا تصلح لأن تكون حكمة، بل غاية ما تصلح له هو نفي الاستبعاد المستند إلى
وجه قد يرى صاحبه استحالة امتداد عمر فرد لكلِّ هذه المدَّة من الزمان.
وخامساً: لو فرضنا نهوض سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) كحكمة، فهي لا تُشكِّل أكثر
من مصلحة في الفعل، ومجرَّد وجود المصلحة غير كافية في الدفع باتِّجاه الفعل إلَّا
إذا كانت بمستوى من الأهمّية يمنع من ترك الفعل، ولم توجد مفسدة مزاحمة لتلك
المصلحة أو لم يتيسَّر طريق آخر لاستيفاء نفس المصلحة أو مقدار مكافئ لها. خصوصاً
إذا كان الطريق الآخر مزاحماً في الوجود للسبيل الأوَّل أو الفعل الأوَّل. ومن أين
لنا إحراز ذلك في محلِّ كلامنا؟ خصوصاً وأنَّ عدم إمكان الرؤية لا تدور مصلحته في
فرد واحد في زمان واحد، بل مصلحته لكلِّ العباد في كلِّ المجتمعات وعلى مرِّ عصور
الغيبة، ممَّا يعني احتمال اختلاف المصالح من حالة لأُخرى. ولا حاجة للإطالة وزيادة
التوضيح، وأكتفي بفهم القارئ.
وأمَّا ما ذكرته بعض الروايات من أنَّ علَّة غيبته هي إخراج بعض المؤمنين من صلب
الكافرين، ففيه:
أوَّلاً: أنَّه لو صلح ذلك حكمةً فإنَّه حكمة لعدم قتل الآباء لا للغيبة ولا لتأخير
إقامة دولة الحقِّ، فضلاً عن أن يكون حكمة لمنع رؤية كلِّ أحد له (عليه السلام) في
زمن الغيبة. فإنَّ قيام الإمام ونهوضه بالسيف لا ينافي إخراج المؤمنين من صلب
الكافرين ولو بعد حين وقرون من السنين.
وثانياً: لو التزمنا أنَّ ظهوره (عليه السلام) يستلزم نهوضه لإقامة دولة الحقِّ فلا
بدَّ من الحرب ويخشى أن يُقتَل فيها من كتب الله تعالى لبعض ذرّيته ولو كانوا أبناء
بعيدين أن يكونوا مؤمنين، فإنَّ ذلك سيكون مربوطاً بظهوره العامّ، لا أن يظهر لبعض
من الخواصِّ على تباعد من الزمان والمكان.
وأمَّا كون الابتلاء وتمحيص المؤمنين علَّة للغيبة، فإنَّ الابتلاء غاية نشأتنا
الدنيوية كما يمكن استفادته من قوله
تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ
زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧)، وغاية
ما يقتضيه ذلك أنَّه لا بدَّ من الابتلاء خيراً كان أو شرًّا، ﴿وَنَبْلُوكُمْ
بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥).
أمَّا تعيين نوع الابتلاء فلا وجه له، ومن هنا اختلفت ابتلاءات الأفراد والأُمم على
مرِّ العصور.
نعم حين قرَّ القرار الإلهي على ابتلاء الناس في المقطع الزماني قبل القرن الرابع
الهجري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ابتلوا بذلك، ولكن هل يلزم من ذلك أن لا
تتيسَّر رؤيته لكلِّ أحد وفي كلِّ تلك الأزمنة؟ فهذا ما لا تُعيِّنه حكمة الابتلاء.
فالابتلاء باقٍ بنوعه وشخصه لكلِّ الناس إلَّا من شذَّ وندر، وحتَّى من شذَّ فليس
شرعة له في كلِّ وقت أن يلتقي به (عليه السلام).
٢- انسداد الطريق أمام العقل للوصول إلى الأحكام أو ضرورة الأفعال من خلال الحِكَم،
فإنَّ الفعل لا يصدر إلَّا إذا تمَّت الإرادة وتعلَّقت به، والإرادة لا تتعلَّق به
إلَّا مع رجحان موافقته للغرض، ورجحان الموافقة للغرض بالنحو الملزم لا يمكن الوصول
إليه إلَّا مع ملاحظة جميع حيثيات الفعل ومناسبتها للغرض، وهذا أمر لا يتيسَّر
للعقل الإحاطة به.
والحاصل: أنَّه لا سبيل إلى نفي إمكان الرؤية استناداً إلى الوجه العقلي.
السُّنَّة:
وأمَّا السُّنَّة فقد ادُّعي أنَّ المكاتبة التي رواها الحسن بن أحمد المكتَّب
تدلُّ على ذلك. ولننقل نصَّها أوَّلاً.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة): حدَّثنا أبو
محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها
الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه) فحضرته قبل وفاته بأيّام،
فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليُّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك،
فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحدٍ يقوم مقامك
بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّة، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)،
وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي
المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا
حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم». قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده،
فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟
فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى (رحمه الله). فهذا آخر كلام سُمِعَ منه.
ووجه الاستدلال أنَّ الرواية وصفت المدَّعي للمشاهدة بأنَّه مفتر كاذب، فلا يُقبَل
مقولة القائل إنَّه رأى الإمام (عليه السلام) ولو لم يدَّع السفارة.
والرواية لا تُجدي في المقام نفعاً ولا تصحُّ مستنداً،
لوجوه:
الأوَّل: أنَّ فيها قرينة على أنَّ المراد هو ادِّعاء الرؤية مع دعوى السفارة، حيث
إنَّ قوله (عليه السلام): «فمن ادَّعى الرؤية قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب
مفتر» ورد بعد قوله (عليه السلام) لعليِّ بن محمّد السمري: «فاجمع أمرك ولا توص إلى
أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامَّة».
لكن الإنصاف أنَّ ما ذُكِرَ لا يصلح للقرينية لإطلاق دعوى المشاهدة، إذ لم تُقيَّد
باقتران دعوى السفارة، ولا يوجد ما يصلح لتقييدها بدعوى السفارة.
فإن قيل: إنَّ القرينة هي المسبوقية بقوله (عليه السلام): «ولا توص إلى أحد يقوم
مقامك بعد وفاتك»، ثمّ فرَّع بالفاء بعد عدَّة جمل وصف مدَّعي المشاهدة بأنَّه مفتر
كاذب.
قلنا: توجد قرينة أقوى ظهوراً على خلاف ذلك، بل وأقرب من تلك في لفظ الرواية، وهي
قوله (عليه السلام): «فقد وقعت الغيبة التامَّة» وقوله بعدها مباشرةً:
«فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ
وجلَّ)»، والتفريع في (فمن) على هاتين الجملتين أقرب من التفريع على الجملة السابقة
عليهما.
ولكن قد يقال: إنَّ وصف الغيبة بالتامَّة إضافي بالنسبة إلى الغيبة السابقة، حيث
كان بالإمكان الوصول إلى الإمام (عليه السلام) ومعرفة رأيه في الأُمور من خلال
السفير. فلا تكون الفقرة قرينة على إرادة الغيبة التي يكون مدَّعي المشاهدة مفتر
كاذب. وكذا فقرة «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، حيث يمكن أن يقال:
إنَّ المنفي وهو الظهور لا ينافي أن يراه أحد الناس في زمان الغيبة. فتنتفي قرينية
الفقرتين على إرادة نفي مجرَّد المشاهدة. ولكن الأصل في القيود المذكورة في الكلام
أن لا تكون إضافية ما لم يوجد ما يُؤشِّر إلى خلافها.
نعم بعد سقوط هذا الظهور بما يأتي من الوجوه أو ببعضها يقال: فإذا لم يكن المراد
منها ظاهرها فما هو المعنى المراد؟ قيل: يمكن أن يكون المراد المشاهدة مع دعوى
السفارة، ويمكن أن يُجعَل قرينة على إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة أنَّ النيابة
الخاصَّة أو السفارة تحتاج إلى تعيين من قِبَل الإمام (عليه السلام)، وهكذا كان في
كلِّ السفراء، بالنسبة للنائب الأوَّل عثمان بن سعيد العمري كان الإمام العسكري
(عليه السلام) قد جمع شيعته حين أدركته الوفاة وأخبرهم أنَّ ولده الخلف (عليه
السلام) صاحب الأمر، وأنَّ العمري وكيله والسفير بينه وبين شيعته. وحين قرب أجل
السفير الأوَّل أعلمه الإمام (عليه السلام) بذلك وأمره بالوصيَّة إلى محمّد بن
عثمان الخلّاني ولده ليخلفه في النيابة الخاصَّة. فلمَّا دنا أجله نُعيت إليه نفسه
وأمر بأن يُوصي إلى الحسين بن روح ليكون النائب الخاصّ الثالث، وهكذا كان حين حانت
وفاته.
والملاحَظ أنَّ في كلِّ مرَّة يخرج فيها توقيع الإمام للنائب الفعلي يُبيِّن له
النائب اللاحق، ولم يرد في أيٍّ منها تكذيب مدَّعي المشاهدة إلَّا في التوقيع
الأخير الذي
صدر للسمري، فكانت أهمّية هذا
التوقيع وهذه الفقرة فيه تكمن في أنَّه قد سدَّ باب افتراء النيابة الخاصَّة وتضليل
عامَّة المؤمنين بذلك.
وهذه الملاحظة وإن لم تصل إلى مستوى القرينة التي تصرف ظهور التوقيع الأخير عمَّا
هو ظاهر فيه، لكنَّها بضميمة قرائن أُخرى قد تُبطِل هذا الظهور أو تُبطِل حجّيته،
بل قد تُوجِب حجّيتها في خصوص دعوى السفارة. وإن لم يحصل ذلك فإنَّها تجعل المراد
الجدّي من هذه الرواية مجملاً، والروايات المجملة لا تكون حجَّة في أحد احتمالات ما
كان مجملاً.
ويكفينا عدم حجّيتها ولا نحتاج إلى حجّيتها في غير ما ادُّعي ظهورها فيه.
وإنَّما قلنا: لا تصل إلى مستوى القرينية، لأنَّه يمكن أن يقال: إنَّ الفرق بين ما
بعد السفير الرابع وبين بعد من هو قبله أنَّه قبل رحيل السفير الرابع كان للناس
منفذ يمكن من خلاله الوقوف على حال المدَّعين وتمييز المحقِّ من المبطل منهم، وذلك
بواسطة السفير الموجود بالفعل، كما حصل بالنسبة للشلمغاني وأحمد بن هلال العبرتائي.
أمَّا الشلمغاني وهو ابن أبي العزاقر فقد كان مستقيماً ثمّ تغيَّر. ذكر ابن داود
أنَّ سبب تغيُّره هو حسده للحسين بن روح(٩)،
وكذا قال النجاشي فيه. وأمَّا العبرتائي فقد وُصِفَ في توقيع الإمام (عليه السلام)
أنَّه صوفي متصنِّع. وأمَّا بعد رحيل السفير الرابع فلا يوجد طريق لمعرفة المبطل.
وربَّما لو بقينا والرواية لقيل: إنَّه لا سبيل إلى رؤيته وفق ظاهرها، ولكن يأتي
بعد ذلك بقيَّة الوجوه في ردِّ الاستدلال بها دون هذا الوجه.
وكيف كان فهذا الوجه لا يمنع من ظهورها في المعنى المزعوم، لكنَّه يُسقِط حجّية هذا
الظهور بالقرائن التي أشرنا إليها وستأتي، فلا تنهض لإثبات ما هي ظاهرة فيه.
الثاني: قد يُدَّعى أنَّ الرواية لمَّا ذكرت دعوى المشاهدة قبل ظهور السفياني
والصيحة، فهذا يعني أنَّ الحكم لا يجري بعد حصول العلامتين والذي يحصل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) رجال ابن داود ١: ٢٦٧.
بعد العلامتين هو ظهوره (عليه
السلام)، فينساق إلى الذهن أنَّ المنفيَّ دعوى ظهوره (عليه السلام) قبل العلامتين،
ولم يدَّعِ أحد من العلماء أو الموثوقين أنَّه قد ظهر الإمام (عليه السلام)، بل
مجرَّد المشاهدة لا بنحو ظهوره بعد طول انتظار لإقامة دولة الحقِّ، فلا أحد منهم
ادَّعى انتهاء الغيبة الكبرى وانطواء صفحتها. وقد يُدعَم ذلك من خلال قوله (عليه
السلام): «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، ثمّ بعدها بقليل قال (عليه
السلام): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة...»، وهذا
يجعل احتمال إرادة الظهور من المشاهدة لا يخلو عن قوَّة.
لكن الإنصاف أنَّ ذلك لا يُشكِّل قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الدليل. نعم بضميمة
بعض القرائن الأُخرى قد يُشكِّل المجموع قرينة، إذ قد تصل هذه الوجوه إذا ضُمَّت
إلى بعضها إلى مستوى يوجب الاطمئنان بأنَّ الرواية لم يرد منها نفي مجرَّد المشاهدة
في زمن الغيبة.
أمَّا هذا التوجيه فلا يخلو من الضعف، لأنَّ التحديد بما قبل ظهور السفياني والصيحة
هو وقت الغيبة، وفيه يمكن الافتراء والكذب على الإمام (عليه السلام) من خلال
ادِّعاء مشاهدته، وأمَّا بعد ظهوره فلا مجال لهذه الدعوى ولا محذور بعد كون الإمام
(عليه السلام) بين ظهراني الأُمَّة يُرى شخصه ويُسمَع حرفه. فلماذا نُوجِّه الرواية
لهذا المعنى دون ذاك؟
وكيف كان فهذا الوجه قابل للمناقشة، لأنَّ الإشكال مبنيٌّ على مخالفة هذا الوجه
لمفهوم القيد (قبل السفياني والصيحة) وهو غير ثابت لمثله. فيكون القيد كالمقوِّم
للموضوع، إذ لا يوجد بدونه. وما المحذور في تحديد ظرف الحكم من خلال تحديد موضوعه
دون أن يكون الدليل ناظراً إلى انتفاء الحكم عند انتفاء القيد؟
وعليه فإذا استظهرنا بضميمة هذه الفقرة «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»
أنَّ المراد هو المشاهدة مع دعوى الظهور فهو، وإلَّا كان من قبيل طرح احتمال ممكن
بعد أن وُجِدَ ما يمنع من الالتزام بظاهرها حيث يمكن أن
يقال: إنَّه حين لم نقبل ظاهرها فهل
قُصِدَ منها معنى معيَّن أم لا فتكون لغواً؟ ومحذور اللغوية ينتفي بمجرَّد وجود
احتمال ممكن ثبوتاً أن يكون قد أُريد من اللفظ. وهذا الاحتمال ممكن ولو كان مخالفاً
للظاهر.
لكن ذلك لا يعني أبداً الجزم بإرادته من اللفظ، اللّهمّ إلَّا إذا تيقَّنا أنَّه لا
يوجد محتمل آخر، بل لا يمكن إرادة معنى آخر، فيبقى احتمال إرادة المعنى الظاهر وقد
نفته القرينة وهذا الاحتمال، فيتعيَّن.
والذي يُهوِّن الخطب أنّا بصدد نفي إرادة المعنى الظاهر، ولسنا بصدد ضرورة فهم ما
هو المراد بها فعلاً.
الثالث: لو تنزَّلنا عن ظهورها في نفي السفارة والأمر في تكذيب مدَّعيها فهي مجملة،
لاتِّصال تلك الفقرة التي هي محلُّ البحث بما يمكن أن يكون قرينة على الخلاف،
والقرينة المحتملة إن كانت متَّصلة منعت من انعقاد الظهور، فلا يبقى بعد ذلك مجال
لتطبيق كبرى حجّية الظهور. فلو أنَّ قائلاً قال: (اذهب إلى البحر واستمع إلى
حديثه)، وشككت أنَّ المراد بالبحر معناه الحقيقي أو العالِم وعبَّر بالبحر عنه لشبه
غزارة علمه بغزارة ماء البحر، فإنَّ مقتضى القواعد هو حمل كلمة البحر على معناها
الحقيقي المعهود، إلَّا إذا وردت قرينة على الخلاف. لكن ظاهر المستمع إلى حديثه هو
عدم إرادة البحر بهذا المعنى لأنَّه لا يتحدَّث، فلو لم نستظهر من حديثه إرادة
الحديث الصادر من البشر، لم نستظهر إرادة التأمُّل في دلالة العظمة فيه، فإنَّ ذلك
يمنع من التمسُّك بظهور كلمة البحر على مستوى الاستعمال لإثبات إرادة معناه
الحقيقي. فاحتفاف الكلام بما يحتمل القرينية على الخلاف يمنع من الظهور في إرادة ما
يقتضيه ظهوره الاقتضائي -أي الظهور- لولا محتمل القرينية.
ومع الإجمال تسقط هذه الرواية عن الاعتبار والاحتجاج بها في ذلك القسم منها.
وقد قال الشيخ المجلسي (رحمه الله)
في بيان له بعد نقل الخبر: (لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال
الأخبار من جانبه (عليه السلام) على مثال السفراء)(١٠).
لكن الإنصاف أنَّه حين عبَّر بمحمول فذلك يُوحي بأنَّ هذا الحمل فيه مخالفة للظاهر،
خصوصاً وقد بيَّن المنشأ لهذا الحمل بقوله: (لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي
فيمن رآه (عليه السلام) والله أعلم). وهذا يعني أنَّ هذا التوجيه لم يكن المستند
فيه الفهم من الدليل وإنَّما ألجأنا إليه حقيقة شاخصة متواترة إجمالاً متمثِّلة
محصول المشاهدة له (عليه السلام) في زمن الغيبة.
بل نفس نقل بعض الأكابر من علمائنا لقاءه (عليه السلام) مع أنَّ مثل هذا الخبر
بمرأى منهم يقوّي إمكان حصولها، إذ مع الجزم بتقواهم وتحرُّزهم عن مخالفة الأخبار،
كيف يخالفون ما يمكن أن يكون ظهوراً له في وصف ادِّعاء المشاهدة بمجرَّدها بالكذب
والافتراء؟ على أنَّ ذلك لم يحصل من واحد لنحتمل توهُّمه أو خطأ فهمه للأخبار.
إنَّ ذلك يُفتَرض أن يُوجِب عناية في نفس المشاهدة وشيء من التدقيق وإعمال النظر،
كما يُوجِب عناية في جانب النقل للمشاهدة.
الرابع: لو سلَّمنا انعقاد ظهور للرواية في كذب المدَّعي للمشاهدة وكونه مفترياً،
فإنَّ حجّية الظهور مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، وإذا فرضنا أنَّ القطع قد
حصل بإخبار مخبر لخصوصية فيه مثلاً أو لاحتفاف كلامه بقرائن قطعية، فلا يبقى حينها
مجال للتعبُّد بظهورها، إذ محلُّ التعبُّد الموارد التي لا يُوجَد فيها قطع بالوفاق
أو بالخلاف، وحين يأتينا مثل السيِّد بحر العلوم (قُدِّس سرُّه) أو مثل السيِّد
أحمد بن طاووس (رحمه الله) حيث نجزم أنَّه ليس لديه خطل في قول أو زلل في فعل أو
طلب للرئاسة أو حطام الدنيا، لا يبقى أيُّ مجال للتعبُّد بالرواية، لأنَّ دلالتها
كان حجَّة من جهة التعبُّد لا من جهة القطع، فأيُّ مجال للتعبُّد بالظهور والقطع
على خلافه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) بحار الأنوار ٥٢: ١٥١.
وهذا الكلام جارٍ في الآيات
الظاهرة، فمتى قامت القرينة القطعية على خلاف ظاهر الآية سقط ظهورها عن الحجّية، خذ
لذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٢)، فظاهر
لفظة (أعمى) الأُولى أعمى البصر، ولكن لثبوت القرينة القطعية على الخلاف لم نلتزم
بظهور اللفظة بالمعنى الحقيقي وهو عمى البصر، فعمى البصر ليس ملاكاً للعمى وضلال
السبيل في الآخرة قطعاً.
وليس اعتمادنا في رفع اليد عن ظهور الكلمة المزبورة في الآية على مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها
لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
(الحج: ٤٦).
ليقال: إنَّ لفظة (أعمى) يُراد بها أعمى القلب، بل آية سورة الحجِّ استُعمِلَت كلمة
(العمى) فيها في عمى القلب. لكن ذلك لا يصلح قرينةً أو دليلاً على أنَّ لفظة
(العمى) كلَّما وردت في الكتاب أُريد بها عمى القلب. فكما قيل: الاستعمال أعمُّ من
الحقيقة، وقد استُعمِلَت الكلمة في معنى مجازي، وذلك لا يُسقِط ظهورها - لو كان -
في مورد آخر بالمعنى الحقيقي عند عدم قيام قرينة على الخلاف.
الخامس: عدم صحَّة سند الرواية، فقد رواها الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا
أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي
فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج
إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم...» الخبر.
والحسن بن أحمد هذا لم يُنَصّ على توثيقه. نعم ذكر السيِّد الخوئي (قُدِّس سرُّه)
في معجمه أنَّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) ترحَّم عليه. ومجرَّد الترحُّم ولو من مثل
الصدوق لا يدلُّ على الوثاقة، نعم فيه دلالة على أنَّ مذهبه حقٌّ على طريقة
علمائنا، وإلَّا لقال مثل: (جازاه
الله بعمله). ولكن صحَّة المذهب ليست دليلاً على الوثاقة.
ويمكن أن يقال: إنَّه من مشايخ الصدوق، وهذا يكفي لإثبات وثاقته. لكن ذلك مردود
لأكثر من وجه:
١- إنَّه ليس من مشايخ الإجازة، وما وقع الكلام في إمكان الاستناد إليه لإثبات
الوثاقة كون الرجل من مشايخ الإجازة لا مجرَّد الرواية عنه ولو كان الراوي مثل
الصدوق. ومن هنا لم يلتزم بأنَّ كلَّ من روى عنه الصدوق لا بدَّ أن يكون ثقة. نعم
كانت في قم مشكلة مع من يكثر من النقل عن الضعفاء، لا مجرَّد أن يروي ولو لمرَّة
واحدة عن ضعيف. وهذا يعني أنَّ مجرَّد نقل الصدوق عنه رواية واحدة لا يُشعِر
بوثاقته فضلاً عن أن يكون دليلاً عليها. وهذا الرجل لم تُوجَد له في الموسوعات
الروائية أكثر من روايتين، وقد تكرَّر نقلها، إحداهما الرواية المزبورة، والأُخرى
نقل فيها الدعاء في زمن الغيبة عن محمّد بن همّام الثقة عن السفير: «اللّهمّ
عرِّفني نفسك...»(١١).
فإن قيل: إنَّ من ينقل مثل هذا الكنز هل يُشَكُّ في صدقه؟
قلنا: أوَّلاً لو كان ذلك موجباً للوثوق لصار وثوقاً بالنصِّ لا وثوقاً بالراوي،
فإنَّ الراوي غير الثقة لا يلتزم أحد بأنَّه لا يروي أيَّ حقٍّ في كلماته، فكيف
نلتزم بذلك في من لم تثبت وثاقته وإن احتملناها واقعاً؟ نعم لا يمكن الاعتماد على
خبره. فإن جزمنا بخبر عنه أنَّه لا بدَّ أن يكون صادراً من المعصوم (عليه السلام)
وثقنا بالخبر فقط ولم تثبت وثاقة الراوي.
وثانياً: من قال: إنَّ هذه الرواية بدلالاتها غير قابلة للمناقشة أو بتعبير آخر هي
كنز؟ ولأجل ذلك ترى المجلسي احتمل حملها على دعوى السفارة، وبعض على دعوى الظهور،
ممَّا يعني أنَّ تسليم ظاهرها مشكل. فكيف يُستَدلُّ بمضمونها على وثاقة راويها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) بحار الأنوار ٩٢: ٢٢٧.
وثالثاً: وجود فقرات في رواية ما
يُجزَم بكونها صادرة من المعصوم (عليه السلام) لا يعني بالضرورة قبول كلِّ فقراتها.
فإنَّ التوهُّم، بل وتعمُّد الكذب قد لا يحصل في النصِّ كلِّه. وانتفاء ذلك في
البعض من فقراتها لا يسلتزم الانتفاء في جميع فقراتها. نعم لو كان النفي مستنداً
لوثاقة الراوي فإنَّ الوثاقة هي التي تنفي تعمُّد الكذب في كلِّ الفقرات على حدٍّ
سواء.
٢- لو سلَّمنا أنَّه من مشايخ الإجازة، فإنَّ ذلك غير كافٍ أيضاً في إثبات الوثاقة
وإن وقع كلام من بعض الأعلام في ذلك وربَّما بنى عليها البعض. لكن كبرى هذه القاعدة
غير تامَّة.
٣- إنَّ الواقع الموضوعي التاريخي يُثبِت أنَّ قدماء علمائنا كالصدوق والمفيد
وغيرهم لم يأخذوا على أنفسهم أن لا يحضروا عند الفقهاء والرواة من بقيَّة المذاهب،
ولا كان ديدنهم على الاقتصار في مجالس تحمُّل الحديث على خصوص الثقاة، بل ثبت
حضورهم عند من لم تثبت وثاقته.
السادس: لو سلَّمنا بانعقاد الظهور، بل بكون الرواية على مستوى النصِّ غير القابل
للحمل على معنى آخر ولو بقيام القرينة على الخلاف، فإنَّ صدور الرواية ليس قطعياً،
فقد رواها الشيخ الصدوق قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت
بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري... الخبر.
وعلى فرض صحَّتها سنداً فإنَّها لا تتحوَّل بذلك إلى قطعية الصدور، فيُقبَل مضمونها
تعبُّداً، والتعبُّد بالسند كما هو في الظهور يُقبَل إذا لم تقم القرينة على خلافه.
ولا يُعتَبر في القرينة أن تكون قطعية، لكن يُعتَبر أن لا تكون تلك القرينة دلالية.
فمثل إعراض المشهور عن الرواية أو مخالفة فتواهم لها تُسقِطها عن الحجّية. وكذا
وجود رواية مكافئة لها إذا التزمنا بالتساقط حينها. ومثل ذلك مخالفة الكتاب الكريم.
وأوضح من ذلك ما لو قامت القرينة القطعية
على خلافها، إذ لو قامت القرينة
القطعية على الخلاف، فالعمل بالرواية مستلزم للمحال في نظر المكلَّف على كلِّ حالٍ
- أي وإن كان قطعه في غير محلِّه -، لأنَّه يستلزم نفي الحكم الثابت بالقطع على
خلافها. فلا يتعقل المكلَّف مع قطعه بالحكم وجود احتمال حكم آخر، إذ يلزم احتمال
اجتماع الضدَّين - إذ الأحكام متضادَّة فيما بينها -، واحتمال اجتماع الضدَّين
مستحيل كما أنَّ الجزم به مستحيل. فإذا أراد الشارع المقدَّس أن يتعبَّد المكلَّف
بسند رواية قام القطع على خلافها، فإنَّ المكلَّف سوف لن يتحرَّك عن قطعه ولن يترك
العمل بمقتضاه، فيكون جعل الحجّية حينئذٍ لغواً وبلا فائدة. واللغو قبيح، والمولى
تعالى منزَّه عن كلِّ قبيح.
ومع قطعنا بحصول بعض لقاءات مع الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة لا يمكن العمل
بمضمون الرواية ولو كانت نصًّا في مدلولها.
السابع: أنَّه لم يثبت وجه للاستحالة ليسوغ لنا أن ننفي وبضرس قاطع رؤية الإمام
(عليه السلام) في زمن الغيبة. والذي نجزم به ورود رواية قيل: إنَّها دالَّة على
ذلك. ولا نستطيع أن نجزم بمؤدّاها إلَّا إذا كانت قطعية في جوانبها الثلاثة:
(الصدور، والدلالة، والجهة) كما يُعبِّرون.
أمَّا الصدور فيحصل القطع به من خلال التواتر أو بالاحتفاف بقرائن قطعية على
الصدور، وهما غير متوفِّرين جزماً.
وأمَّا الدلالة فبوجود مفردات في الرواية لا نحتمل معها ولو ضعيفاً إرادة معنى آخر،
وهو غير متحقَّق، خصوصاً وقد احتملنا إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة كما احتملنا
إرادة المشاهدة مع ظهوره (عليه السلام) لا مجرَّد المشاهدة.
وأمَّا الجهة وهي أن لا تكون صدرت مزاحاً أو تقيَّةً أو مجرَّد تلفُّظ دون إرادة
معنى منه، فالمزاح لا سبيل في كلامه (عليه السلام) إليه، خصوصاً والرواية تشير إلى
أمر مهمٍّ جدًّا في غاية الحسّاسية وفي وقت شكَّل تحوّلاً في مسيرة أتباع المذهب
الحقِّ. وأمَّا عدم إرادة معنى
فكذلك، خصوصاً في المكاتبات، مضافاً إلى ما تقدَّم من أهمّية المطلب وحسّاسية
الوقت. أمَّا التقيَّة فهي خلاف الظاهر، ولكنَّنا نحتمل أنَّ الإمام (عليه السلام)
يتحدَّث بطريقة موضوعها يشبه التقيَّة من حيث اقتضاء مصلحة مهمَّة أن ينفي بضرس
قاطع صحَّة مدَّعي المشاهدة، ليكون أوقع في النفوس كي تجتنب أصحاب مثل هذه الدعاوى،
وينقطع الأمل بلقائه (عليه السلام) في غيبته، فيضطرّوا إلى الاعتماد على الموروث في
الفهم وعلى حسن التدبير في المسيرة الحياتية وتطبيقات الأحكام، ولو كان عندهم أيُّ
أمل بلقاء الإمام (عليه السلام) فإنَّ ذلك سيمنعهم من الإقدام على اتِّخاذ القرار،
إذ قراراتنا تعتمد على استظهارات عادةً، والاستظهارات ظنّية والأخذ من الإمام (عليه
السلام) قطعي. ولمَّا كان اتِّباع الظنِّ محتمل الوقوع في الخطأ، فإنَّ الإنسان قد
لا يقدم عليه مع توفُّر بديل مأمون لا نحتمل فيه الخطأ. وهذا يعني أنَّه مع احتمال
إيصال مسألتك للإمام (عليه السلام) فإنَّك لا تقدم على سلوك سبيل ظنّي. نعم إذا
جزمت بسدِّ طريق تحصيل العلم بالسلوك أو القرار المطابق للمصلحة، فإنَّك ستضطرُّ
إلى العمل ببعض الظنون في بعض الموارد.
والحقُّ أنَّ احتمال التقيَّة منفيٌّ هنا، فأيُّ خوف من الإمام (عليه السلام) وهو
غائب أن يُخبِر بوقوع الغيبة؟
وأمَّا الصدور، فقد تقدَّم أنَّه ليس موثوقاً فضلاً عن أن يكون قطعياً.
وكيف كان، فإنَّ عدم قطعية جهة واحدة من الجهات الثلاث في الرواية (الصدور،
والدلالة، والجهة) يمنع من أن تكون قطعية. فكيف وكلُّ الجهات أو جهتان فيها غير
قطعية؟
وإذا لم تكن الرواية قطعية كيف لنا أن نقطع بمضمونها ونجزم أمام الملأ أنَّ كلَّ من
ادَّعى الرؤية فهو كاذب؟ وقد تقدَّم أنَّه لا توجد دلالة خارج الرواية على
الاستحالة. فلا الرواية ناهضة لإثبات الاستحالة، ولا يوجد دالٌّ آخر على
ذلك بنحو البتِّ والجزم. فأنّى لنا
الالتزام بكذب وافتراء مدَّعي المشاهدة؟
الثامن: أنَّ كلَّ ما تقدَّم لوحظ فيه إمكان الاستناد إلى الرواية إذا توفَّرت فيها
شرائط الحجّية، وتبيَّن أنَّها غير متوفِّرة على شرائط الحجّية.
وهنا نقول: على فرض توفُّر شرائط الحجّية، فإنَّها لا تثبت في مثل محلِّ الكلام.
لأنَّ مجال التعبُّد بالظنون الخاصَّة هو الفروع أي الأحكام الفرعية دون الاعتقاد.
صحيح أنَّ بعض الفقهاء فرَّقوا بين تفاصيل الاعتقاد وأُصوله، فقبلوا التعبُّد في
التفاصيل دون الأُصول، إلَّا أنَّ ذلك لا معنى له. والسرُّ أنَّ المطلوب في
الاعتقاد ذات الواقع لا الواقع المحرز ولو بدليل ظنّي حجَّة. والمطلوب عقد القلب
على ما انكشف أنَّه واقع بالجزم واليقين. وقيام الحجَّة التعبُّدية على شيء لا
يجعله واقعاً بعد أن لم يكن من الواقع. نعم لو كان المطلوب عقد القلب على الصورة
التي رسم الدليل التعبُّدي بعض ملامحها مثلاً لأمكن التعبُّد بذلك الدليل.
لكن الاعتقاد يُراد به أن يكون متعلَّقه الواقع الثابت بالجزم واليقين. والخبر غير
القطعي والدلالة غير النصّية (غير الجزمية) والتي لم تحتف بها قرائن قطعية لا يفيد
اليقين بما حكى عنه. والجزم الحاصل إنَّما هو بالحاكي لا بالمحكي.
مضافاً إلى أنَّ المسالك المعروفة في مسألة الحجّية وحقيقتها
ثلاثة:
١- وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية حيث بنى على أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّية عبارة
عن المنجِّزية والمعذِّرية، وهما غير معقولين في الموارد التي لا يُوجَد فيها ما
يقبل التنجيز والتعذير عنه، إذ لا حكم فيها ليكون محلّاً للتنجيز والتعذير.
٢- مسلك جعل الحكم المماثل، والذي
يعني أنَّ الشارع المقدَّس نتيجةً لقيام الأمارة الحجَّة يحكم بحكم مطابق لمؤدّاها.
فإذا أخبر الثقة مثلاً بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ الشارع -طبق هذا
المسلك- سيحكم بوجوب ذلك الدعاء حتَّى وإن لم يكن ما حكاه الثقة ثابتاً في الواقع.
وهذا المسلك على وضوح بطلانه في الفروع، إذ فضلاً عن عدم الدليل على مثل هذا الجعل
في موارد الحجج، يلزم منه أن تكون الأحكام الظاهرية غير ثابتة ومتغيِّرة بحسب
الأفراد من جهة اختلاف مداليل الأمارات أو اختلاف فهمها. لا يمكن الالتزام به في
الاعتقاد، إذ لا تُتعقَّل الأحكام لتأتي الحجج فتحكي عنها فيحكم الشارع بحكم طبق
مؤدّاها. وهذا المحذور الأخير يمكن التخلُّص منه، ولكن يبقى هذا الوجه بلا دليل
يدلُّ عليه، بل الأصل ينفيه.
٣- مسلك جعل العلمية والذي بنى عليه النائيني (رحمه الله)، حيث إنَّه واجه مشكلة من
جهة أنَّ الحكم في مورد الأمارات الظنّية لمَّا لم يكن معلوماً، فموضوع حكم العقل
بقبح العقاب بلا بيان تامٌّ وهو عدم البيان - أي عدم العلم -، إذ الدليل الظنّي ولو
كان حجَّة لا يستلزم العلم الوجداني. وهذا يعني عدم توفُّر السبيل لإبطال حكم
العقل، والأحكام العقلية كما هو معروف غير قابلة للتخصيص، وحينئذٍ يبطل دليل
الحجّية، لأنَّه ينافي حكم العقل. ومن هنا ذهب النائيني إلى أنَّ الشارع حين جعل
الحجّية سلك مسلك رفع موضوع حكم العقل، وبارتفاع الموضوع يرتفع الحكم وينتفي. أمَّا
كيف رفع الموضوع مع أنَّه متحقِّق وجداناً إذ إنَّنا لا نعلم بالحكم؟ يقول الميرزا:
إنَّه يُرفَع تعبُّداً من خلال تنزيل الظنِّ الذي هو مورد الأمارة أو الخبر منزلة
القطع والعلم. فالأمارة الحجَّة تورث العلم التعبُّدي المجعول من الشارع بدليل
الحجّية، فيتحقَّق بذلك البيان، لكنَّه بيان تعبُّدي لا حقيقي، فينتفي موضوع الحكم
العقلي وهو عدم البيان، فتترتَّب آثار العلم الحقيقي وهي المنجِّزية والمعذِّرية.
لكن جعل العلم لا يُستفاد من أدلَّة
الحجّية، ولا حاجة إلى تقديره ما دام بالإمكان قبول أدلَّة الحجّية دون تقدير جعل
العلم، لأنَّ ما بنى النائيني على أنَّه محذور ليس بمحذور، إذ إنَّ الحكم الواقعي
وإن لم يكن عليه بيان لكن الحكم الظاهري قد بُيِّن، فموضوع البراءة العقلية أو
قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرتفع، فلا مجال للحكم العقلي. هذا مضافاً إلى التشكيك
في حكم العقل هذا، إذ قيل: إنَّ حكم العقل هنا هو الاحتياط ما لم يُرخِّص الشارع
بترك التحفُّظ تجاه التكليف المشكوك.
إذن لا محذور في التزام أنَّ المجعول هو المنجِّزية والمعذِّرية. ويعود نفس كلامنا
السابق وهو عدم وجود حكم في الاعتقاد لنتعقَّل تنجُّزه علينا. ثمّ إنَّ جعل العلم
كانت الغاية منه إثبات المنجِّزية والمعذِّرية لا شيء آخر.
ويمكن القول: إنَّ ما يُعيِّن أنَّ المجعول هو المنجِّزية والمعذِّرية في الظنون
الخاصَّة التي قام الدليل على حجّيتها هو أنَّ الدليل الأساسي في الاستناد إليه
لإثبات حجّية الظهور وحجّية الخبر هو السيرة العقلائية، وهذا يعني أنَّ أصل الحجّية
شيء بنى عليه العقلاء قبل الشارع المقدَّس، ثمّ حين جاء الشارع لم يردع عنها، ممَّا
يعني أنَّه أمضاها وقَبِلَ التعاطي مع مراداته في مقام تشخيصها وفهمها بواسطة
الظهور وأخبار الثقاة مثلاً.
والعقلاء لا يعرفون جعل الحكم المماثل، كما لا يلتفتون إلى قاعدة قبح العقاب بلا
بيان ليقال: إنَّ المنجِّزية لا تُعقَل في مورد عدم العلم.
فالذي يُجعَل في التباني العقلائي هو المنجِّزية والمعذِّرية دون الحكم المماثل أو
العلم التعبُّدي.
بل حتَّى لو استندنا إلى الأدلَّة الشرعية المثبتة لحجّية الخبر وحجّية الظهور
مثلاً، كآية النبأ والسؤال عن أهل الذكر وغيرهما من الآيات، بل والروايات، ولم
نلتفت إلى السيرة العقلائية، فإنَّ من البعيد بمكان أن يكون المجعول فيها غير ما هو
المعروف بين العقلاء، والذي هو عبارة عن المنجِّزية والمعذِّرية.
وكيف كان، فالمتعيَّن هو أنَّ
المجعول في أدلَّة الحجّية هو المنجِّزية والمعذِّرية دون ما سواهما. وهما لا
يُتعقَّلان إلَّا في مورد يُتعقَّل فيه التنجيز والتعذير، وهذا مختصٌّ بالموارد
التي فيها أحكام شرعية، والمعتقَد ليس فيه حكم شرعي.
فكيف نبني معتقَدنا على خبر ضعيف في وقتٍ لا أثر فيه للخبر الصحيح؟
والحاصل: أنَّه لا يسوغ الاعتماد على الخبر المذكور لنفي لقاء أحد بالإمام (عليه
السلام) في زمان الغيبة ما دام لم ينهض دليل على الاستحالة. والمفروض عدم وجود هذا
الدليل.
ولا يفوتنا هنا أنَّ الفقهاء لم يزدروا مقالة أحد من أكابر الأولياء وأعاظم الفقهاء
قال بأنَّه وُفِّقَ للقاء الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة، وهذه الرواية حاضرة
أمامهم، بل من نقل هذه الرواية كصاحب البحار لم يعمل بمضمونها وحملها على معنى آخر
ونقل مجموعة من الوقائع التي حدث فيها لقاءات معه (عليه السلام). ممَّا يعني أنَّه
لم يفهم وجود أيِّ مجالٍ لردِّ مثل هذه الدعاوى أو لإثبات عدمها.
عندما يصل الفقيه في بحثه عن حكم شرعي إلى دلالة تامَّة على ذلك الحكم ولا يرى
دليلاً معارضاً له ينظر فإن كانت فتوى المشهور على خلاف ما وصل إليه قال: ليس
الإفتاء وفق الدليل إلَّا جرأةً على مخالفة المشهور، وحذراً من تلك الجرأة يتحوَّل
إلى الاحتياط في الفتوى. مع أنَّ المشهور قد يكونون نظروا إلى نفس ما نظر إليه من
الأدلَّة، لكنَّهم فهموا منها شيئاً آخر غير ما فهمه هو. ومع أنَّ فهمهم لا يعني
بالضرورة إدراك الواقع في المسألة، فالمسألة تبقى حدسية. وحتَّى مثل الشيخ الأنصاري
على تضلُّعه في صنعة الإفتاء لا يخالف المشهور ولو تمَّ الدليل على خلاف رأيهم.
ونحن نعرف أنَّ من ذكر منهم أنَّه تشرَّف برؤية الإمام (عليه السلام) يستند إلى
الحسِّ، ومنهم من لا يخطئ في معرفة شخصه ولا يتطرَّق فيه احتمال الكذب، ومع ذلك
نجزم بالتوهُّم، وأيُّ مستند لنا؟ هل هو ما تقدَّم من الرواية التي ذكرنا أنَّ في
الاستدلال بها جملة من الإشكالات والمؤاخذات؟
لا شكَّ أنَّ ذلك غير لائق، خصوصاً والذين قالوا: إنَّهم قد تشرَّفوا بخدمة
الإمام (عليه السلام) ولو لم
يُعرَف دليلهم فيهم الأعاظم والمقدَّسون كالسيِّد مهدي بحر العلوم والسيِّد ابن
طاووس، والقائمة تطول.
إنَّ إخباراً واحداً من أمثال هؤلاء يوصل إلى الجزم، فكيف ننفي أصل الرؤية عن
الجميع؟
نحن لا ننكر أنَّ سوق الدعاوى كثيرة البضاعة، والدنيا مليئة بالحمقى الذين تروج
عندهم هذه السلعة، خصوصاً والنفوس تواقَّة لاختزال طريق الاستكمال ونيل الحظوة عند
الإمام (عليه السلام) بمتابعة مدَّعٍ وتصديق مفترٍ يريد أن يستأكل الدنيا بدينه،
فينال دنياه من خلال بيع غيره لدينهم. ﴿وَلَبِئْسَ ما
شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (البقرة: ١٠٢).
وعلى هذا فنحن لا نقبل دعوى كلِّ مدَّعٍ، لكنَّنا في نفس الوقت لا نرى أنَّ باب
المشاهدة موصَد أمام كلِّ الناس بنحو يُجزَم بكذب كلِّ من يقول: إنّي قد منَّ الله
عليَّ وشرَّفني بالنظر إلى وجهه (عليه السلام).
ثمّ إنَّه قد يقال بأنَّ المشاهدة لا يقتصر دليله على الرواية السابقة التي رواها
الصدوق (رضوان الله عليه)، إذ هناك الكثير من الروايات التي يمكن أن يُستَظهر منها
ذلك، ومنها:
١- كمال الدين: أبي، عن سعد، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم الجعفري، قال:
سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعد الحسن ابني، فكيف لكم
بالخلف من بعد الخلف؟»، قلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ قال: «لأنَّكم لا ترون شخصه،
ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه». قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد
صلوات الله عليه وسلامه»(١٢).
والرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة لمحمّد بن أحمد العلوي، وقد قال عنه النجاشي:
إنَّه من شيوخ أصحابنا. وقد ذُكِرَت أمارات في توثيقه، منها: أنَّه يروي عنه
الأجلَّة. ومنها: عدم استثناء ابن الوليد رواياته عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى،
وهذا يدلُّ على توثيق ابن الوليد له. ومنها: أنَّ العلَّامة صحَّح رواية وقع محمّد
بن أحمد العلوي في طريقها، ومنها: أنَّ الصدوق قد وثَّقه في (كمال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) كمال الدين ٢: ٦٤٨.
الدين) حيث قال: حدَّثنا شريف الدين
أبو علي (أبو محمّد) الصدوق...، لكن شيئاً من هذه الأمارات لم يسلم من الإشكال. لكن
حسنه لا ريب فيه. وعليه فالرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة.
٢- كمال الدين: أبي وابن الوليد معاً، عن سعد، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن ابن
فضّال، عن الريّان بن الصلت، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن القائم، فقال (عليه
السلام): «لا يُرى جسمه، ولا يُسمّى باسمه»(١٣).
ولا مشكلة في سند الرواية إلَّا في جعفر بن محمّد بن مالك الذي ضعَّفه النجاشي،
وتوقَّف فيه العلَّامة، ولكن وثَّقه الشيخ الطوسي، ويظهر أنَّه اطَّلع على ضعف وجه
تضعيف النجاشي له، لأنَّه قال: إنَّه ثقة، ويُضعِّفه قوم. فتكون الرواية موثَّقة
لوجود ابن فضّال فيها.
٣- غيبة الطوسي: جعفر بن محمّد، عن محمّد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن الأصمِّ، عن
ابن سبابة، عن عمران بن ميثم، عن عباية الأسدي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه
السلام) يقول: «كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم يُرى يبرأ بعضكم من بعض؟»(١٤).
ونظائر هذه الروايات كثيرة.
لكن التأمُّل يُعطي أنَّها غير ناهضة لإثبات ذلك، إذ يكفي في صدق أنَّه (عليه
السلام) لا يُرى شخصه أو جسمه أو أنَّه لا يُرى عدم تمكُّن السواد الأعظم من الناس
رؤيته، بل من قيل: إنَّه رآه نادر جدًّا، فلا تُعتَبر هذه الروايات من أدلَّة نفي
المشاهدة.
هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في ردِّ الاستدلال بالرواية السابقة من أنَّها على فرض
ظهورها فليست حجَّة في مثل المقام، لأنَّها غير قطعية لا في سندها ولا في دلالتها.
نعم ربَّما يكون مضمونها مقطوع الصدور من جهة التواتر الذي إن لم يكن معنوياً فهو
إجمالي، ولكن تبقى مشكلة الدلالة. ولو تمَّت الدلالة فهي غير قطعية، فلا تصلح
للاستدلال في محلِّ كلامنا.
ولقائل أن يقول: إنَّ ما نُقِلَ من مفردات اللقاء وإن نُسِبَت إلى الأكابر إلَّا
أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحداً منهم لم يروها مباشرةً،
وإنَّما هي نقولات في صفحات كتب لا تتعدّى أخبار آحاد مسندة أو مرسلة، وهذا يجعلنا
نشكُّ فيها.
قلنا: إنَّ ذلك لو صحَّ فإنَّه لا يمنع من حصول تواتر إجمالي أنَّ واحدة من هذه
النقولات حاصلة قطعاً.
ولو لم تصل إلى التواتر الإجمالي فهي محتملة الحصول. والخبر الضعيف لا يصحُّ
الاعتماد عليه، ولكن لا يُقطَع بعدم صحَّته. فإذا نظرنا إلى أنَّ البحث ليس في
مسألة فرعية يُراد استنباط حكمها كان لا بدَّ من القطع ليُبنى عليها، ومع وجود
الاحتمال المخالف كما هو المفروض كحدٍّ أدنى في مسألتنا فلا حجّية لما قابل هذا
الاحتمال.
نعم لو تمَّ سند هذه الرواية - وهو لم يتمّ -، وسلمت دلالتها بمستوى الظهور - كما
هو ليس ببعيد -، وقلنا بإمكان التعبُّد في مثل هذه المسائل، أمكن الاستناد إليها
لنفي الرؤية في زمان الغيبة، والحال أنَّه لم يتمّ سند الرواية عندنا، ولم نلتزم
بالتعبُّد خارج دائرة الفروع.
ومع فرض توفُّر هذه الشروط الثلاثة للعمل بمؤدّاها لا تنفعها إلَّا في حدود عدم
ترتيب الأثر على مثل هذه الدعاوى، ولا تُسوِّغ لنا أن نجزم بكذب كلِّ من ادَّعى
المشاهدة.
فالتعبُّد في مورد يجعل الاحتمال المقابل ملغى تعبُّداً، وهو ما يعني عدم ترتيب
الأثر على وجوده، أي في مقام العمل وترتيب الأثر نتعامل كأنَّه غير موجود في
الواقع. ولا يُسوِّغ ذلك الالتزام بعدم وجوده واقعاً، فليس ذلك ضمن مساحة التعبُّد،
إذ الاحتمال انكشاف، والانكشافات خاضعة لأسبابها التكوينية غير قابلة للانفكاك
عنها، فلا يمكن للشارع أن يُكلِّفنا بذلك، لأنَّه يلزم التكليف بغير المقدور.
وهذا هو الذي أردنا الوصول إليه من خلال هذه السطور، فالبتُّ والجزم بعدم الرؤية في
زمن الغيبة لا يمكن نفيه، لعدم قابلية ما يُذكَر من وجه لإثباته.
سدَّدنا الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، إنَّه خير مسؤول.
المقوّمات البنيوية للدولة المهدوية المرتقبة والمتطلّبات الواقعية
الباحث مرتضى علي الحلي
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على
المركز التاسع
مدخل تمهيدي:
إنَّ هذا البحث يهدف إلى تقديم قراءة ورؤية واقعية، موضوعية، تنهض من الواقع الراهن
إلى الحدث المرتقب للظهور الشريف للإمام المهدي (عليه السلام) والقيام بالحقِّ،
وعلى أساس ما هو متوفِّرٌ فعلاً من مقوِّمات الدولة المرتقبة، أو ما يمكن أن تقوم
عليه على كلِّ حالٍ راهن، وأشُدَّه الظلم والفساد بمختلف ألوانه، حكماً وإدارةً
واقتصاداً وعقيدةً وغيرها، وما ينبغي أن نكون عليه نحن المؤمنين فيما لو ظهر الإمام
بغتةً، وقام بالأمر على ما هو عليه، ولقد أكَّدت الروايات المعتبرة أنَّ ظهور
الإمام المهدي (عليه السلام)، سيكون فجأةً وبغتةً، ممَّا يتطلَّب ذلك الاستعداد
الراهن على كلِّ حالٍ، استعداداً عقائدياً ونفسياً ومعرفياً واجتماعياً وعسكرياً
وثقافياً، فعن أبي جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾
(الزخرف: ٦٦)، قال: «هي ساعة القائم (عليه السلام) تأتيهم بغتةً»(١)،
أي: فجأةً وبسرعة. وهذا ما اختزنته الروايات، قيمةً وغرضاً وإعداداً في عقيدة
الانتظار الواعي والصالح والمنتج، قال أبو عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه
السلام): «أقرب ما يكون العباد من الله تعالى، وأرضى ما يكون عنهم، إذا افتقدوا
حجَّة الله، فلم يظهر لهم، ولم يعلموا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) بحار الأنوار/ المجلسي ٢٤: ١٦٤/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ؛ تأويل الآيات/ شرف الدين الحسيني ٢: ٥٧١.
بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنَّه لم
تبطل حجَّة الله ولا ميثاقه، فعندها توقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً...»(٢).
إنَّ عنصر المفاجأة ممَّا ينبغي عدم الغفلة عنه، وما منع الأئمَّة المعصومين من
التوقيت(٣)
للظهور الشريف إلَّا أحد الأدلَّة دليل على إرادة الأخذ برهانات الواقع المتاحة
والممكنة، وتحقيقاً للغرض الأسمى من عبادية الانتظار، وهو جعل المؤمن المعتقد
بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام)، على شدٍّ وارتباط وتعلُّق مكين، يراقب فيه
نفسه ومجتمعه ووظيفته، تقوىً وإصلاحاً، فالانتظار هو توقُّع واقعي وقوَّة وإرادة
وبناء ونصرة وتضحية وإيثار وإيمان وطاعة(٤).
عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) قال: «إذا رُفِعَ علمكم من بين أظهركم،
فتوقَّعوا الفرج من تحت أقدامكم»(٥).
إنَّ الاستعدادات الراهنة لا تنحصر بجانب دون آخر، كونها منظومة مترابطة بعضها
ببعض، بدءاً من الجانب العقدي وضرورة أخذه باليقين، والجانب المعرفي والنفسي
المتمثِّل بالقدرة على الطاعة، والتضحية بين يدي إمام الزمان (عليه السلام) فيما لو
ظهر فجأةً، وحتَّى الجانب العسكري والدفاعي، إذ إنَّ الروايات المأثورة تُؤكِّد
أنَّ الإمام سيتعرَّض لهجمة شرسة من السفياني، تستهدف شيعته وعاصمته في العراق(٦)،
وقد ورد هذا المضمون في العلامات الحتمية. وإنَّ من سمات الاستعداد هي التوقُّع
للظهور على كلِّ حالٍ، تُحسَب فيه متطلِّبات الظروف النفسية والموضوعية، وأغراض
الحكمة الإلهية، والتي يجب أن يعرفها المؤمن المنتظر معرفة تامَّة وهادفة، لأنَّ
الانتظار هو تعبُّد عقدي، وطريقة عقلانية منتظمة، تُؤمِّن للإمام المهدي (عليه
السلام) إمكانية الظهور بالمتاح والممكن من الإيمان به، والقدرات والخبرات كمّاً
وكيفاً، والقيام وتأسيس الدولة الموعودة.
والكلام سيكون بوجهة الاستعدادات في نظرية أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيعتمد
على إمكانات الواقع الراهن في وقت ظهوره بغضِّ النظر عن سمة الغيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) الغيبة/ الطوسي: ٤٥٧/ ط
١/ ١٤١١هـ/ قم.
(٣) عن أبي بصير، عن أبي
عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن القائم (عليه السلام)،
فقال: «كذب الوقّاتون، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت»، ثمّ قال: «أبى الله إلَّا أن
يُخلِف وقت الموقِّتين». (الغيبة/ النعماني: ٣٠٥/ ط ١/ ١٤٢٢هـ.
(٤) روي عن أمير المؤمنين
الإمام عليٍّ (عليه السلام): «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله، فإنَّ أحبَّ
الأعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج»، وقال (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا
بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨): «لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه
فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم»، وقال (عليه السلام): «الآخذ
بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله».
(بحار الأنوار/ المجلسي ٥٢: ١٢٣/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ).
(٥) الكافي/ الكليني ١:
٣٤١/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ طهران.
(٦) تُؤكِّد الروايات أنَّ
السفياني بعد معركة قرقيسيا يُوجِّه جيشه إلى العراق، فعن الإمام الباقر (عليه
السلام)، قال: «فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن معه، ثمّ
يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همَّة إلَّا الإقبال نحو العراق، ويمرُّ جيشه بقرقيسيا
فيقتتلون بها، فيُقتَل بها من الجبّارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة
وعدَّتهم سبعون ألفاً». انظر: الغيبة/ النعماني: ٢٨٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.
والتأييد الإلهي، والنصر المحفوظ
له، واقعاً واعتقاداً، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾
(غافر: ٥١).
ولو أنَّنا أخذنا بهذا الوجه فما المطلوب منّا في تقديم ما هو ممكن للإمام حتَّى
ينهض بوظيفته الإلهيَّة الموعودة بحساب فرضية القيام على ركام الظلم والفساد لبسط
العدل والإصلاح(٧)؟
إنَّ هذه القراءة المعرفية المتبصِّرة ستبتعد عن سمة الغيبية والمثالية في التأسيس
للدولة المهدوية وقيامها، لا أنَّها لا تؤمن بذلك، لا، بل هي محاولة للأخذ برهانات
وإمكانات وحاجات الواقع الموضوعي إيماناً ومعرفةً وسلوكاً، وكما حدث ذلك مع الإمام
عليٍّ (عليه السلام) حينما أقام دولته العادلة على بقايا دولة ظالمة وفاسدة،
وتمكَّن من إحياء الحقِّ والعدل بين الناس بما هو موجود، حتَّى إنَّه قال: «أمَا
والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجَّة بوجود الناصر، وما
أخذ الله على العلماء أن لا يقارُّوا على كظَّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها
على غاربها...»(٨)،(٩).
وهذه إشارة قيِّمة وسديدة منه (عليه السلام) إلى أنَّ متطلِّبات الواقع الاجتماعي
الراهن وضروراته غالباً ما تفرض نفسها بالأخذ بها تغييراً ونهوضاً، وخياراً
وعلاجاً، وتقدُّماً.
وقد بيَّن السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر في بحثه حول المهدي، هذه الفرضية
والمقاربة الموضوعية والواقعية بإجابة عن الأسئلة المفترضة في هذا الباب، وقال:
(إنَّ كلَّ عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية(١٠)،
لا يتأتّى لها أن تُحقِّق هدفها إلَّا عندما تتوفَّر تلك الشروط والظروف، وتتميَّز
عمليات التغيير الاجتماعي، التي تُفجِّرها السماء على الأرض، بأنَّها لا ترتبط في
جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية، لأنَّ الرسالة التي تعتمدها عملية التغيير هنا
ربّانية، ومن صنع السماء، لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنَّها في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) روي عن الإمام محمّد
الجواد (عليه السلام) أنَّه قال: «يا أبا القاسم (الراوي)، إنَّ القائم منّا هو
المهدي، الذي يجب أن يُنتَظر في غيبته ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي
بعث محمّداً بالنبوَّة وخصَّنا بالإمامة، إنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم
لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً
وجوراً، وإنَّ الله تبارك وتعالى ليُصلِح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى
(عليه السلام)، إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو نبيٌّ». (كفاية الأثر/ الخزّاز
القمّي: ٢٨١/ ١٤٠١هـ/ قم).
(٨) نهج البلاغة/ الشيخ
محمّد عبده ١: ٣٦/ ط ١/ بيروت.
(٩) «لولا حضور الحاضر»،
قيل: المراد بحضور الحاضر من حضر لبيعة الإمام بالخلافة من المهاجرين والأنصار،
وقيل: بل المراد حلول الوقت الذي وقَّته رسول الله لقتال الإمام من بعده، وفي رأينا
أنَّ المراد بحضور الحاضر الوضع الحاضر، وهو الفساد الذي كان سائداً ومنتشراً
آنذاك. «وقيام الحجَّة بوجود الناصر» أي لا حجَّة ولا عذر عند الله تعالى لمن يسكت
عن الفساد والضلال، إذا وجد من يناصره ويؤازره، والإمام (عليه السلام) بعد أن رأى
الفساد في الأرض، وبعد أن عرضت عليه الخلافة أصبح من واجبه أن يقبل وينهض، ويردع
المفسدين، ويرعى مصالح المسلمين. «وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على
كظَّة ظالم، ولا سغب مظلوم»، بعد أن قال الإمام (عليه السلام): إنَّ إنكار المنكر
حتم وواجب، بخاصَّة إذا وجد المنكر المناصر والمؤازر، بعد هذا أشار إلى الدليل
القاطع على هذا الوجوب واللزوم، وهو أنَّ الله سبحانه قد أخذ على العلماء عهداً أن
يكونوا للمظلوم عوناً، وعلى الظالم حرباً...، ومعنى كظَّة الظالم تخمته وبشمه،
وكنّى بها الإمام عن تماديه في العتوِّ والطغيان، ومعنى سغب المظلوم جوعه وبؤسه».
(في ظلال نهج البلاغة/ محمّد جواد مغنية ١: ٩٨/ ط ١/ ١٤٢٧هـ).
(١٠) وهي تعبير عن الحالة
السياسية والاجتماعية للأُمَّة والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الأُمَّة في
إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي.
جانبها التنفيذي تعتمد الظروف
الموضوعية، ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف، ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور
خمسة قرون من الجاهلية حتَّى أنزلت آخر رسالاتها على يد النبيِّ محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلّم)، لأنَّ الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ، كان يفرض تأخُّرها
على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك، والظروف الموضوعية التي
لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يُشكِّل المناخ المناسب
والجوّ العامّ للتغيير المستهدف، ومنها ما يُشكِّل بعض التفاصيل التي تتطلَّبها
حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية، ... وقد جرت سُنَّة الله تعالى، التي لا
تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الربّاني على التقيد من الناحية التنفيذية
بالظروف الموضوعية، التي تُحقِّق المناخ المناسب والجوّ العامّ لإنجاح عملية
التغيير، ومن هنا لم يأتِ الإسلام إلَّا بعد فترة من الرُّسُل وفراغ مرير استمرَّ
قروناً من الزمن، فعلى الرغم من قدرة الله سبحانه وتعالى، على تذليل كلِّ العقبات
والصعاب في وجه الرسالة الربّانية، وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز، لم يشأ
أن يستعمل هذا الأُسلوب(١١)،
لأنَّ الامتحان والابتلاء والمعاناة، التي من خلالها يتكامل الإنسان يفرض على العمل
التغييري الربّاني أن يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من
تدخُّل الله سبحانه وتعالى أحياناً فيما يخصُّ بعض التفاصيل، التي لا تكون المناخ
المناسب، وإنَّما قد يتطلَّبها أحياناً التحرُّك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك
الإمدادات والعنايات الغيبية، التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي
بها الرسالة)(١٢).
ولا يمكن الشكُّ في أنَّ قيام الدولة المهدوية المرتقبة سينطلق من رهانات وإمكانات
الواقع المعاش بحسب الفرض، ذلك لأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيعتمد على ما هو
متوفِّر من قدرات إيمانية ومعرفية، وخبرات تدبيرية، وأفراد صالحين، فضلاً عن
الكفاءات المؤمنة والمنتظرة والواعية لقيام دولة الحقِّ والعدل، وقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) ﴿أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا
إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤).
(١٢) بحث حول المهدي/
السيِّد محمّد باقر الصدر: ١١٧/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
ورد هذا المعنى الموضوعي والإعدادي
عن الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) في قوله: «يجتمع إليه من أصحابه عدَّة أهل
بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ
ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[البقرة: ١٤٨]، فإذا اجتمعت له هذه العدَّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا
كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله (عزَّ وجلَّ)»(١٣)،
وإنَّ هذا المعنى الإعدادي يُقدِّم لنا انطباعاً واقعياً عن أهمّية وجود القدرات
والخبرات أفراداً ومعرفةً وسلوكاً، ووسائلاً وقيماً، تدخل كلُّها مجتمعة في تحقيق
الشروط والظروف الموضوعية في البعد التنفيذي للظهور المهدوي الشريف والقيام بالعدل
والحقِّ المرتقب بإذن الله تعالى، ولما لإعداد وتجهيز النخبة المؤمنة به، عقيدةً
وعلماً ومنهاجاً وجهاداً وقتالاً، من الأثر الكبير في التمكين الواقعي لقيام الدولة
المهدوية(١٤)،
وقد نصَّ القرآن الكريم على واقعية وموضوعية الإعداد والاستعداد وبشكل مطلق،
إعداداً في المعارف والقدرات والخبرات والكفاءات والوسائل والأفراد والأموال
والنفقات، بما يضمن سمة القوَّة في وجه التحدّيات العقدية والوجودية المعاصرة
والمتوقَّعة على كلِّ حالٍ، وبحسب المقدور والمستطاع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ
يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٦٠)، ﴿قالَ
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: ٨٠)، ﴿قالَ
ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ (الكهف: ٩٥).
وممَّا تقدَّم يظهر أنَّ قيام الدولة المهدوية الشريفة معقود بمقوِّمات راهنة
وموضوعية، مرتبطة بالواقع المعاش ارتباطاً وثيقاً يتوقَّف عليها التطبيق والتحقيق،
وتتكفَّل هذه المقوِّمات بتقديم ما هو ممكن ومقدور بين يدي الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) كمال الدين وتمام
النعمة/ الصدوق: ٣٧٨/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ ١٤٠٥هـ/ قم.
(١٤) ﴿وَعَدَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
المهدي (عليه السلام) ليتمكَّن من
تأسيس دولته العادلة والحقَّة. وتعالج هذه المقوِّمات الممكنة والراهنة مشكلات
الحكم والإدارة والنظام والمعرفة، والأخلاق والدين، والحقوق والأمن والاقتصاد،
والتنمية البنائية والاجتماعية، بكلِّ ألوانها الإنسانية والعمرانية والقيمية.
وثَمَّة مقوِّم آخر مهمٌّ جدّاً ربَّما يكون هو الأهمّ أساساً ونتاجاً، وهو
المقوِّم العقدي إيماناً ومرتكزاً في بنية ونفسية المؤمن المنتظر، والذي ينبغي به
أن يرى الواقع في غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) بمنزلة العيان، ولو تمثُّلاً
على أقلّ قدر، وتوظيف هذه الرؤية العقدية في التمهيد والإعداد للمقوِّمات الأُخرى
والرئيسة في الحراك الفردي والاجتماعي انتظاراً، ذلك لأنَّ الإيمان حقّاً وصدقاً هو
سبيل النجاة والخلاص، وهو الموصل إلى المطلوب في أولويات الإصلاح والتغيير الموعود،
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ
أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ
مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ
حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ١٠٢ و١٠٣). وروي هذا المعنى
البنيوي العقدي والمعرفي عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «يا
أبا خالد - الكابلي-، إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل
من أهل كلِّ زمانٍ، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما
صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين
يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف، أُولئك المخلِصون حقّاً وشيعتنا
صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرّاً وجهراً».
وقال عليُّ بن الحسين (عليه السلام): «انتظار الفرج من أعظم الفرج»(١٥).
المقوّمات
البنيوية العقدية والسلوكية والمعرفية:
وتفصيل الكلام في هذه المقوِّمات يقع في ثلاثة محاور:
المحور الأوَّل: إيمان الفرد والناس بالدولة العادلة (الأهمّية والثمرات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) كمال الدين وتمام النعمة/ الصدوق: ٣٢٠/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ ١٤٠٥هـ/ قم.
المحور الثاني: تمكين القواعد
العقدية والكونية في السلوك الإنساني.
المحور الثالث: مقوِّم المعرفة العقلية والعقلائية وضرورة التعريف بالإمام المهدي
(عليه السلام).
المحور
الأوَّل: إيمان الفرد والناس بالدولة العادلة (الأهمّية والثمرات):
إنَّ من أهمّ مقوِّمات قيام الدولة العادلة وبقائها، هو إيمان الفرد(١٦)
بها، بعد الفراغ العقدي بمقوِّمية الإمام المهدي (عليه السلام) لهذه الدولة
المرتقبة، وظاهرة الدولة أصبحت مسلَّمة وجودية من مسلَّمات الاجتماع والتعايش
الإنساني، تتحكَّم في قيامها الدوافع الدينية والفكرية والسياسية والاقتصادية
والعسكرية، ويحدث الاختلاف حول أساس شرعيتها ومبادئها، ممَّا ينتج عن ذلك تجاذب
وتنازع وظلم وفساد وعدوان، وترف واستغلال، وانتهاك لحقوق الإنسان، وهذا هو الطبع
الغالب في وجود الدول الحديثة في عالمنا المعاصر، والتي تتقمَّص الشرعية المفترضة
عندها بما يضمن مآربها الفكرية والاقتصادية والسياسية والقومية والتاريخية، وبمعزل
عن مسألة إيمان الفرد بها وضرورته، وإن تعاقدت معه على أساس من الاختيار والانتخاب
والحرّية، ولكنَّها كثيراً ما تخفق في الإجراءات والتطبيقات، ولو بعنوان العدالة،
ذلك لأنَّها فكَّكت بين مسألة الإيمان والواقع، كما هو الحال في الغرب وأُوروبا
وغيرها. وفي هذا الصدد ذكر المفكِّر الأمريكي المعاصر (فرانسيس فوكوياما) في كتابه
بناء الدولة: (يختلف الأمريكيون والأُوربيون في آرائهم حول مصدر الشرعية على الصعيد
الدولي، إذ يعتقد الأمريكيون أنَّها (الشرعية) متجذِّرة في إرادة الأغلبيات
الديمقراطية في الدول - الأُمم الدستورية -، بينما ينزع الأُوربيون إلى الاعتقاد
بأنَّه يتأسَّس على مبادئ العدالة الأعلى قيمةً من قوانين وإرادات الدول الأُمم
كافَّة، ويمكن تفهُّم هذا الخلاف إلى حدٍّ بعيدٍ، لأنَّ كلَّ طرف يتوصَّل إلى رأيه
اعتماداً على أسباب ضاربة في عمق تاريخه القومي. الرأي الأُوربي صحيح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) الإيمان مطلقاً بحسب
حذف متعلِّقه وصوره اصطلاحاً هو الإذعان والتصديق والتسليم قلباً وعقلاً بأُصول
الدين والاعتقاد الحقِّ، بدءاً بالإيمان بوجود الخالق - الله تعالى -، وتوحيده
والإيمان بنبوَّة النبيِّ الخاتم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإمامة
الأئمَّة المعصومين نصباً ونصّاً، والاعتقاد بالعدل الإلهي، والمعاد يوم القيامة.
ويتناول هذا المحور الأوَّل علاجاً جوهر الإنسان وأساسه البنيوي نفسياً وعقدياً
وفكرياً، إذ إنَّ أغلب الإشكاليات التي تواجهه إنَّما تكون بسبب ضعف الإيمان أو
قلَّته إن لم يكن عدمه، وهذا ما يجعل الإنسان يعاني من حالات الشكِّ والتشكيك، أو
ربَّما الإنكار أو حتَّى الكفر أو الجحود.
بالمعنى المجرَّد، لكنَّه مخطئ في
الممارسة. يُؤكِّد الكثير من الأُوربيين أنَّهم أنفسهم - وليس الأمريكيين -
المناصرين الحقيقيين للقيم الليبرالية العالمية، لأنَّهم يؤمنون بهذه القيم بمعزل
عن تجسيداتها في دول - أُمم ديمقراطية -، فعليه لا شيء يضمن أن تكون القرارات التي
تتَّخذها الديمقراطيات الليبرالية ذوات السيادة عادلة أو منسجمة مع هذه المبادئ
الأسمى، حتَّى ولو كانت صحيحة إجرائياً، يمكن أن تُقرِّر الأغلبيات الديمقراطية
القيام بأفعال فظيعة تجاه دول أُخرى مثلاً، ويمكن أن تنتهك حقوق الإنسان، وأعراف
اللياقة التي ينبني عليها نظامهم الديمقراطي في ذاته)(١٧).
نعم هناك مساحات محدودة في عدالة الدولة وقدرتها على تحقيق آمال ومتطلِّبات أفرادها
والمؤمنين بها، ولكنَّها لا تُحقِّق الأغراض الكاملة والمنشودة منها، فقد يشوبها
الانحراف في يوم ما، أو قد تسقط بفعل سنة التداول، كما هو حال الكثير من الدول عبر
التجارب والتاريخ، أو لأنَّها لم تكن قد حكمت بأُسس العدل والحقِّ، أو أنَّ الناس
لم يؤمنوا بها، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ
النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٠).
ويظهر وبحسب دلالات الروايات المأثورة في العقيدة المهدوية، أنَّ الدولة المرتقبة
تختلف في ماهيتها، تماماً عمَّا سبقتها من الدول عبر التاريخ، وإن كانت لتقوم على
أعقاب الظلم والفساد وركام الواقع، ولكنَّها تتقوم بمقوِّمات واقعية تُؤمِّن لها
البقاء والحكم بالعدل بين الناس، وردِّ الحقوق إلى أهلها، وحفظ حقوق الأفراد عامَّة(١٨)،
لتكون بذلك نموذجاً ومثالاً يُحتذى به، كما ورد ذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه
السلام)، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا،
لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ
وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾»(١٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) بناء الدولة (النظام
العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين)/ فرانسيس فوكوياما: ١٩٥
و١٩٦، نقله إلى العربية: مجاب الإمام، المملكة العربية السعودية.
(١٨) ورد هذا المعنى في
الرواية: «إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأمنت
به السُّبُل، وأخرجت الأرض بركاتها، ورُدَّ كلُّ حقٍّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دين
حتَّى يُظهِروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أمَا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ
أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمّد (عليهما
السلام)، فحينئذٍ تُظهِر الأرض كنوزها وتُبدي بركاتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ
موضعاً لصدقته ولا لبرِّه، لشمول الغنى جميع المؤمنين». (الإرشاد/ المفيد ٢: ٣٨٥/ ط
٢/ ١٤١٤هـ/ بيروت).
(١٩) الغيبة/ الطوسي: ٤٣٧/
ط ١/ ١٤١١هـ/ قم.
وتكمن أهمّية إيمان الفرد والناس
عامَّة بضرورة قيام الدولة العادلة، في أنَّه تكليفٌ عقدي ثابت عقلاً وديناً، لأنَّ
الإنسان المؤمن مطالبٌ بالإيمان بالعدل أصلاً وتطبيقاً، وقد صرَّح المحقِّق الطوسي
قائلاً: (فالله تعالى لم يفعل الإيمان فيهم - المكلَّفين -، لأنَّه كلَّفهم به،
ويُثيب على الإيمان)(٢٠).
وإنَّ قيام الدولة العادلة يحفظ قوامة، وأقومية الدين، والهداية والنظام الأحسن،
والتدبير الأمثل في مختلف أشكال الاجتماع الإنساني، وكما عبَّر القرآن الكريم بقوله
تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ
لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الإسراء: ٩).
ومعلوم أنَّ الدولة الوضعية غير المرتبطة بالله تعالى ودينه وشرائعه لا تلتفت، بل
لا تقيم وزناً وقيمةً لمسألة إيمان الفرد والأُمَّة والناس بها، وإن أخذت بعض الدول
الأُوربية في العقود الأخيرة من القرون الماضية تهتمُّ بالبعد الاجتماعي للفرد
لتجعله طرفاً في نظرية قيام الدولة على العقد والميثاق الاجتماعي معه، التزاماً
منها بما جاء به المفكِّر الفرنسي جان جاك روسو في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي)
حيث ذهب إلى (أنَّ هدف كلِّ نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كلِّ فرد، وإنَّ الشعب
وحده هو صاحب السيادة، وكان بهذا يهدف إلى النظام الجمهوري، فتحقَّق هذا النظام
بالثورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة حين اتُّخذ (العقد الاجتماعي) إنجيل هذه الثورة،
وقد ذهب جان جاك روسو إلى أبعد من ذلك في دعوته إلى القضاء على المجتمع الراهن
آنذاك، وأن يُرجَع إلى الطبيعة(٢١)،
وهناك يتَّفق الناس بعقد اجتماعي على إقامة مجتمع يرضى به الجميع، فيقيمون بذلك
حكومة تمنح الجميع ذات الحقوق)(٢٢).
ولكنَّها لم تحسب حساب الإيمان والعقيدة والدين في حساباتها، بل أظهرت مبدأ فصل
الدولة عن الدين، لتضرب بهذا المبدأ قيمة إيمان الفرد وآثاره، والحال واقعاً أنَّه
يوجد ثَمَّة ترابط مكين بين إيمان الفرد وحاجاته، كما هو حال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) كشف المراد في شرح
تجريد الاعتقاد/ العلَّامة الحلّي: ٤٣٦/ ط ١٥/ ١٤٣٥هـ/ قم.
(٢١) في إشارة منه وتبنّي
لمذهبه الجديد بعد سقوط الشرعية الدينية كأساس للحكم في أُوروبا، فأصبح من الضروري
البحث عن شرعية بديلة يقوم عليها الحكم السياسي، وتتحدَّد على أساسها مسؤوليات
الحاكم والمحكوم، والواجبات والحقوق المترتِّبة على كلٍّ منهم، لذلك ظهر العديد من
المفكِّرين والفلاسفة الذين عملوا على إيجاد ميثاق شرعي جديد يحكم العلاقة بين
الطرفين، وكان من بين هؤلاء المفكِّرين الذين سعوا لإيجاد هذا الميثاق جان جاك
روسو، الذي طرح فكرة العقد الاجتماعي إلى جانب مجموعة أُخرى من المفكِّرين
التنويريين أمثال: توماس هوبز، وجون لوك.
(٢٢) العقد الاجتماعي/ جان
جاك روسو/ ترجمة عادل زعيتر/ ط القاهرة/ مؤسَّسة هنداوي للتعليم والثقافة/ ٢٠١٢م.
الترابط بين الإيمان والدولة
العادلة، ذلك لأنَّ الدولة العادلة هي تعبير وتمثُّل عقدي وديني وقيمي وواقعي
للإيمان النظري المنشود في البعد العملي، وهي شكلٌ من أشكال القيام بالقسط يُحقِّق
الغرض المطلوب، والذي سيتحقَّق على يد الإمام المهدي (عليه السلام) كما في قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ
اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
(الحديد: ٢٥).
فلا يمكن للدولة غير العادلة أن تحلَّ مشاكل الفرد اجتماعياً إلَّا أن تأخذ برغبة
الإيمان بالدين عند الأفراد خياراً وسلوكاً، وما الحلول التي تُقدِّمها إزاء
المشكلات إلَّا حلول منقوصة، وقد تظلم فيها بذريعة العدل، وقد بيَّن هذا المعنى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل، وذكر ما نصُّه: (إنَّ الدين والمجتمع
البشري حقيقتان لا تقبلان الانفصال، فلا يمكن لمجتمع أن يحيى حياة سليمة دون دين
وإيمان بالله وبالآخرة، وليس بمقدور القوانين الأرضية أن تحلَّ الاختلافات
والتناقضات الاجتماعية، لعدم ارتباطها بدائرة إيمان الفرد، وافتقارها التأثير على
أعماق وجود الإنسان، فلا يمكنها حلَّ الاختلافات والتناقضات في حياة البشر بشكل
كامل، وهذه الحقيقة أثبتتها بوضوح أحداث عالمنا المعاصر، فالعالم المسمّى
بالمتطوِّر قد ارتكب من الجرائم البشعة ما لم نرَ له نظيراً حتَّى في المجتمعات
المتخلِّفة، وبذلك يتَّضح منطق الإسلام في عدم فصل الدين عن السياسة، وأنَّه بمعنى
تدبير المجتمع الإسلامي)(٢٣).
إنَّ إيمان الفرد والناس هو من يُحدِّد شكل الحياة فكراً وسلوكاً، لأنَّه ما من فكر
أو عقيدة أو سلوك إلَّا وهو نابع من إيمان مرتكز في بنية صاحبه، يدور مداره في
حراكه وقراره، ومساحة الإيمان لم تكن منحصرة في منطقة الوعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ٢: ٩١/ طبعة جديدة منقَّحة.
الإنساني فحسب، بل تمتدُّ إلى
الوجود والكون والحياة والتاريخ والمستقبل، بل وحتَّى الآخرة، وتكاد تكون مسألة
الإيمان هي الأكبر فعّالية ونشاطاً في وجود الإنسان، ومن هنا تترتَّب عليها مصائر
الأُمور وعواقبها، في الدنيا والآخرة، فليست هي مسألة قابعة في صقع الذهن والقلب
عند الإنسان، بل هي الدافع الرئيس في التغيير المرتقب، إذا ما أخذ بها. وللشيخ
محمّد مهدي شمس الدين كلام قيِّم في هذه المسألة، حيث ذكر ما نصُّه:
(إنَّ الإنسان هو الإنسان في كلِّ زمان، إنَّه يتحرَّك في الزمان والمكان مدفوعاً -
فرداً وجماعةً ومجتمعاً - بمصالحه وعلاقاته وعواطفه، والعقائد والشرائع والمُثُل
والقيم الأخلاقية والروحية، إذا تأصَّلت فيه وتعمَّقت في وجدانه وكيَّفت نظرته إلى
الكون والحياة والإنسان، فإنَّها تكون قادرة على أن تُدخِل تغييراً عميقاً على
عواطفه ومصالحه وعلاقاته في المجتمع والعالم، ومن ثَمَّ فإنَّها تكون قادرة على
تغيير تاريخه، ونقله إلى مسار جديد، ما دامت لا تواجه عقبات تشلُّ فاعليتها
وتأثيرها، أمَّا إذا فشلت العقائد والشرائع والمُثُل والقيم الأخلاقية والروحية في
إدخال التغيير المناسب لها على تكوين الإنسان النفسي، وعلى تقديره لمصالحه، لأنَّها
لم تتأصَّل في أعماقه ولم تُغيِّر نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، فإنَّ تاريخه
في هذه الحالة سيتكرَّر)(٢٤).
وقد يواجه الفرد ضعفاً في إيمانه أو شكّاً أو تذبذباً بسبب كثرة الفتن وشدَّتها
وطول غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) وخفاء شخصه الشريف، وبفعل شبهات المنكرين
والمخالفين في الاعتقاد ومقولاتهم الفاسدة، ودعواتهم الضالَّة، ولكن هذا لا يعني
انتفاء أهمّية وثمرة الإيمان الراسخ في القلب أمام هذه المتغيِّرات والدعوات، بل
اللازم هو الثبات بالقول الثابت، والنجاح في الامتحان، ففي ذلك النجاة واقعاً،
لأنَّ الاعتقاد بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) وحتمية ظهوره وقيام دولته حقٌّ،
وبيِّن في نفسه، وعند المعتقِد به كما ينبغي أن يكون، وورد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) التاريخ وحركة التقدُّم البشري ونظرة الإسلام/ الشيخ محمّد مهدي شمس الدين: ٩٦/ ط مؤسَّسة نهج البلاغة.
تصوير هذا المعنى الحدثي وما يمكن
أن يواجهه الإيمان من تقلُّبات وتغيُّرات وفتن فيما روي عن الإمام جعفر الصادق
(عليه السلام)، فقال: «أمَا والله ليغيبنَّ عنكم صاحب هذا الأمر، وليخملنَّ هذا
حتَّى يقال: مات، هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟ ولتكفأنَّ كما تكفأ السفينة في أمواج
البحر، لا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه،
ولتُرفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُدرى أيٌّ من أيٍّ»، قال - الراوي -: فبكيت،
فقال: «ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟»، فقلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول:
اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُدرى أيٌّ من أيِّ!؟ قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها
الشمس، فقال: «أبيِّنة هذه؟»، فقلت: نعم، قال: «أمرنا أبين من هذه الشمس»(٢٥).
وثَمَّة ثمرة مصيرية ترتبط بأهمّية الإيمان، الذي ينبغي أن ينعقد في نفس وقلب
الإنسان المسلم والمؤمن انعقاداً مكيناً، ومن أوَّل الأمر، ذلك لما له من دخالة في
عنصر المفاجأة للظهور الشريف للإمام المهدي (عليه السلام) وقيامه بغتة، بل وحتَّى
في موت الإنسان وقيام الساعة، وهذه الثمرة المصيرية، قد أشار إليها القرآن الكريم
نصّاً بما له وجه من وجوه التشديد، والترابط الوثيق بين ضرورة عقد الإيمان كوناً
ووجوداً، وحدوثاً وثباتاً، وبين متغيِّرات الواقع، وتقلُّباته ومفاجآته الحتمية،
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا
يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي
إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨)(٢٦).
وقد بيَّن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وبحسب ما روي عنه، هذا المعنى الوثيق
في تأويل هذه الآية الشريفة، حينما سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: «الآيات هم
الأئمَّة، والآية المنتظرة هو القائم المهدي (عليه السلام)، فإذا قام لا ينفع نفساً
إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدَّم من آبائه (عليهم
السلام)»(٢٧).
وممَّا ينتفع به الإنسان بإيمانه أن يعمل طبقه، لا أن يبقى مجانباً للعمل، ففي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الكافي/ الكليني ١:
٣٣٩/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ طهران.
(٢٦) (ومن هنا يظهر أنَّ
الآية تتضمَّن تهديداً جدّياً لا تخويفاً صورياً). (الميزان في تفسير القرآن/
السيِّد الطباطبائي ٧: ٣٨٨/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية بقم
المقدَّسة).
(٢٧) كمال الدين وتمام
النعمة/ الصدوق: ٣٠/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ ١٤٠٥هـ/ قم.
ذلك سبيل النجاة والفوز والخير،
(إنَّ الآية - الشريفة - تعتبر طريق النجاة منحصرة في الإيمان، ذلك الإيمان الذي
يكتسب المرء فيه خيراً، ويعمل في ظلِّه عملاً صالحاً...، وعلى هذا الأساس يجب أن
يقترن الإيمان، ولو بالحدِّ الأدنى من العمل الصالح، ليدلَّ ذلك على وجود الإيمان)(٢٨).
المحور
الثاني: تمكين القواعد العقدية والكونية في السلوك الإنساني:
ومقولة التمكين هي واحدة من المقولات القرآنية القويمة، والتي عرضتها الآيات
الشريفة بألوان مختلفة في الأُمم والأفراد والعقائد والأديان والأماكن، وقدَّمت
فيها الوجهين الإيجابي والسلبي، لتعالج إخفاقات الإنسان في التعاطي معها، وتُظهِر
مدى قدرته على النجاح فيها.
استظهر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي من الآيات القرآنية التي تتحدَّث عن التمكين
بأنَّها تعني، (نشر تعاليم الحقِّ بشكل جذري، وفي كلِّ مكان، كما يُستفاد من كلمة
(تمكين))(٢٩).
وثَمَّة علاقة حقيقية تكمن بين مقولة التمكين وقيام الدولة العادلة، يعمل على
بيانها القرآن الكريم في سلوك منه للوجهة الحقَّة والمطلوبة، وضمن حراك تتطابق فيه
إرادة الله تعالى وإرادة عباده المؤمنين، ففي الجانب الإيجابي الصالح بين الله
تعالى إمكان وفعلية التمكين في التحقُّق والوقوع، وأخذه وعداً على نفسه غير مكذوب،
كما في الآيات الشريفة في قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾
(النور: ٥٥)(٣٠)،(٣١).
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا
الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ
الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحجّ: ٤١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) الأمثل في تفسير كتاب
الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ٤: ٥٢٧/ طبعة جديدة منقَّحة.
(٢٩) الأمثل في تفسير كتاب
الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ١١: ١٤٩/ طبعة جديدة منقَّحة.
(٣٠) عن أبي بصير، عن أبي
عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في معنى قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَعَدَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)، قال: «نزلت في القائم وأصحابه».
(الغيبة/ النعماني: ٢٤٧/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ قم).
(٣١) (وقد وردت في الآية
(٥٥) من سورة النور نقطة مهمَّة جديرة بالانتباه، فالآية تقول: ﴿وَعَدَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)، والله سبحانه وتعالى يقطع في
هذه الآية وعداً على نفسه بأن يُرسِّخ دعائم الدين، الذي ارتضاه للمؤمنين في
الأرض). انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ٣:
٦٠٠/ طبعة جديدة منقَّحة.
﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ
فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾
(القَصص: ٥ و٦).
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف: ٨٤).
إنَّ هذه الآيات الشريفة قد نظرت إلى أنَّ قيام الدولة المهدوية العادلة، أو حتَّى
التي تسبقها في القيام بحسب الإمكان، وتتَّخذ من العدل منهجاً وسبيلاً في نظام
الاجتماع الإنساني، مشروط بفعلية التمكين لمجموعة من الأُصول والقواعد الدينية
والعقدية، والتي يقبلها الناس قبولاً إرادياً، ممَّا يُخفِّف من حِدَّة التنازع
والاختلاف في الرؤى الفكرية والعقدية، ويسهم في إقرار الأمن والثبات والسلم بينهم.
ومن أهمّ هذه القواعد العقدية هي قاعدة الإيمان بوجود الله تعالى وتوحيده، وعدله،
وما يتفرَّع على هذه القاعدة المكينة من وجوب الإيمان بالأنبياء وأوصيائهم
المنصوبين من قِبَل الله تعالى، ومنهجم في إصلاح الناس، وهدايتهم للحقِّ، والحكم
بينهم بالعدل والإحسان والحقِّ، ورفض الظلم والفساد.
وتُشكِّل قاعدة الإيمان بوجود الله تعالى أصلاً متسالماً عليه عند الموحِّدين في
الأرض، من كلِّ الديانات السماوية، وإن شاب بعض اعتقاداتهم شيء من الاختلاف. وقد
عرض القرآن الكريم إلى ضرورة تمكين هذه القاعدة الوجودية والعقدية، واعتبارها
الجامع الأعلى والمشترك بين الناس، وما يندرج تحتها من أحكام عقدية وأخلاقية
واجتماعية، لها دخالة قريبة وأكيدة في قيام الدولة العادلة المرتقبة، والمجتمع
الفاضل الموعود، قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا
اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ
دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
(آل عمران: ٦٤).
وكما تقدَّم في الآية (٥٥) من سورة النور، فقد أخذ القرآن الكريم هذه القاعدة العقدية العليا في الدين وعداً في التحقق والوقوع وبشرط التمكين في القابل -الإنسان المؤمن والموحِّد، المكلَّف-، وفي القدرة - إرادة الله تعالى في التحقُّق والوقوع، وهي لا تختلف ولا تتخلَّف -، وإذا ما أخذنا بهذه القاعدة الجامعة سنتمكَّن من التمهيد والتمكين لقيام الدولة العادلة المرتقبة، إذ إنَّ الإيمان بوجود الله وتوحيده، وتوافره بين الموحِّدين في الأرض، يُؤسِّس للتصديق بما يتفرَّع عن أصل التوحيد لله تعالى، ومنه العدل والاهتداء بهدي الله تعالى، والأخذ بدينه الحقِّ إيماناً وعملاً، لأنَّ ما جاء به الأنبياء هو واحد في العقيدة والسلوك والغاية والغرض، وإن اختلفت أُممهم فيما بعدهم، المهمُّ هو الأصل التوحيدي وحفظه في العقيدة والسلوك، وإنَّ الوصول إلى الهدف الديني العامّ بين مختلف الناس، لا يمكن تحقُّقه ما لم يتمّ الأخذ بالجامع التوحيدي العقدي والسلوكي في أحكامه وآثاره الاجتماعية والأخلاقية، وقد بيَّن السيِّد محمّد حسين الطباطبائي (رحمه الله) في كتابه (القرآن في الإسلام) هذه الحقيقية العقدية الدينية، وترابطها الوثيق في الجامع والأحكام والسلوك بين جميع الديانات التوحيدية، وقال: (القرآن الكريم يحتوي على الغاية الأسمى التي تهدف إليها الإنسانية ويُبيِّنها بأتمّ الوجوه، لأنَّ الوصول إلى الغاية الأسمى لا يمكن إلَّا بالنظرات الواقعية للكون -الإيمان بوجود الله تعالى وتوحيده-، والعمل بالأُصول الأخلاقية والقوانين العملية، وهذا ما يتولّى شرحه القرآن بصورة كاملة حيث يقول: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف: ٣٠)، ويقول في موضع آخر بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا
مِنْكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ
لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ
جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:
٤٨)، وبياناً لاشتماله على حقيقة شرائع الأنبياء يقول: ﴿شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما
وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى:
١٣)، وفي احتوائه على سائر الأشياء يقول: ﴿وَنَزَّلْنا
عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً وَبُشْرى
لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩)، ومختصر ما في الآيات السابقة: أنَّ القرآن
يحتوي على الحقائق المبيَّنة في الكتب السماوية وزيادة، وفيه كلُّ ما يحتاج إليه
البشر في سيره التكاملي نحو السعادة من أُسس العقائد والأُصول العملية)(٣٢).
وإنَّ الأخذ بالجامع التوحيدي العقدي - الإيمان بوجود الله تعالى وتوحيده وعدله
-والسلوكي - تطبيق الشريعة-، هو من جملة ما سيتحقَّق في ظهور الإمام المهدي (عليه
السلام)، وقيامه بالحقِّ، وقد عرضت الروايات المعتبرة(٣٣)
لهذا المعنى التوحيدي العامّ دلالةً في مسألة صلاة النبيِّ عيسى بن مريم (عليه
السلام) خلف الإمام المهدي (عليه السلام)، والتي تُقدِّم وجهاً من وجوه الاجتماع
على كلمة سواء بين نبيٍّ من أهل الكتاب وإمام المسلمين المعصوم، فورد: «إنَّ من
تكرمة الله لهذه الأُمَّة أنَّ عيسى بن مريم يُصلّي خلف المهدي»(٣٤).
وكذلك ورد هذا المعنى رواية في إخراج الإمام المهدي (عليه السلام) الكتب السماوية
لليهود والنصارى وآثارهم الدينية، في إشارة واضحة لحقيقة الاجتماع على الإيمان
بوجود الله تعالى وتوحيده والرجوع إلى الأصل الحقِّ: «المهدي يبعث بعثاً لقتال
الروم، يُعطى فقه عشرة، يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، فيه التوراة، التي
أنزل الله على موسى، والإنجيل الذي أنزل الله على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) القرآن في الإسلام/
السيِّد الطباطبائي: ٢٠/ تعريب: السيِّد أحمد الحسيني/ مكتبة أهل البيت (عليهم
السلام).
(٣٣) (وهذه الأخبار ممَّا
يثبت طرقها وصحَّتها عند السُّنَّة، وكذلك ترويها الشيعة على السواء، وهذا هو
الإجماع من كافَّة أهل الإسلام). (بحار الأنوار/ المجلسي ٥١: ٨٩/ ط ١٤٠٣هـ/ بيروت).
(٣٤) الطرائف في معرفة
مذاهب الطوائف/ السيِّد عليّ بن طاووس الحلّي: ١٨٢/ ط ١٣٩٩هـ/ قم.
عيسى، يحكم بين أهل التوراة
بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم»(٣٥).
وأمَّا في الوجه السلبي فقد حذَّر سبحانه من إهمال وإغفال التمكين، فيما لو تُرِكَ
الأخذ به عملاً وطريقاً، وبيَّن آثار ذلك وعلاقته بالهلاك والعذاب، فقال تعالى:
﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ
أَرْضِنا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ
كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
(القَصص: ٥٧).
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ
قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا
السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾
(الأنعام: ٦).
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ
سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا
يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (الأحقاف:
٢٦).
إنَّ هذه الآيات الشريفة تعرض أمراً مهمّاً جدّاً ينبغي على الإنسان أن يلتفت إليه،
قبل فوات الأوان، ألَا وهو ضرورة استثمار حالة التمكُّن والتمكين في هذه الحياة
الدنيا في حالة الهدى وعدم الإعراض عن ذلك كلِّه بالإغفال أو عدم الاعتبار به.
وذلك لأنَّ التمكين الإلهي، هو فعل جميع ما لا يتمُّ الفعل إلَّا به، وهو يُعبِّر
عن جمع لمصادر القوَّة والقدرة للمؤمنين من التمكُّن في حالة الهدى والزمان والمكان
والطاقات والتدابير والمعارف والعقائد، وقلَّما يتكرَّر اجتماعه في ظرفٍ ما إلَّا
بشروطه ومقتضياته.
ولذا عاتب القرآن الكريم الأُمَّة التي لم تستثمر ذلك ووبَّخها، واعتبرها أُمَّة
غير ملتفَّة لنِعَم الله تعالى عليها في التمكين وآثاره، ﴿وَلَقَدْ
مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) التشريف بالمنن في التعريف بالفتن/ السيِّد عليّ بن طاووس: ١٤٢/ ط ١/ نشر مؤسَّسة صاحب الأمر (عليه السلام) ١٤١٦هـ/ أصفهان.
مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما
أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ
إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (الأحقاف: ٢٦).
ويحكي القرآن الكريم هنا أنَّ هؤلاء الذين مكّناهم، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً
وأفئدةً، ولم يعتبروا بها في استثمار حالة التمكين، سيحيق بهم أثر ذلك سلباً
وضرراً.
وقد بيَّن الإمام المهدي (عليه السلام) سمة التمكين في القواعد العقدية والسلوكية،
وأهمّيتها، وضرورتها في حراك المؤمنين والأتباع المنتظِرين والممهِّدين، وآثار
إغفالها، وعدم الأخذ بها، في إحدى مكاتباته وتوقيعاته المباركة والموثوقة إلى الشيخ
المفيد، في خاتمة الكتاب الثاني، الذي أخرجه إليه، والتي تُعتَبر حقيقة موضوعية
وواقعية تقوم على أساس وجوب الاجتماع على طاعة الله تعالى، قلباً وسلوكاً، وتمكين
ذلك فعلاً، فقال (عليه السلام):
«ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد
عليهم، لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ
المعرفة، وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه، ولا
نُؤثِره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على سيِّدنا البشير
النذير، محمّد وآله الطاهرين وسلَّم»(٣٦)،(٣٧).
وإنَّ هذا المقطع الأخير من المكاتبة يُقدِّم معطيات عقدية وسلوكية وكونية تنزاح
بقيمها من النصِّ إلى الواقع، وبقوَّة لتطالب كلَّ مؤمن، ومنتظِر، بأن يتأمَّل في
تلك المعطيات، وهي كالتالي:
١- إنَّ توفيق الله تعالى لأتباع الإمام المهدي (عليه السلام) يتوقَّف على تمكين
حالة الاجتماع على طاعة الله تعالى في النيَّة - القلب - والفعل والقصد، والوفاء
بعهد اليقين بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام)، وانتظاره، والتمهيد لظهوره الشريف
وقيامه بالحقِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) تهذيب الأحكام/ الشيخ
الطوسي ١: ٤٠/ نشر دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
(٣٧) وقد أخرج هذا الكتاب
المحدِّث الثقة أبو منصور أحمد بن عليِّ بن أبي طالب الطبرسي (رحمه الله) في كتاب
الاحتجاج ٢: ٣٢٣. هذا الكتاب الثاني المبارك الصادر من الناحية المقدَّسة (الإمام
المهدي (عليه السلام)). والشيخ الطبرسي هو من العلماء الثقات ومحدِّثي أوائل القرن
السادس الهجري، ويُعتَقد أنَّ وفاته في سنة (٦٢٠هـ). انظر: الذريعة إلى تصانيف
الشيعة/ المحقِّق أغا بزرك الطهراني ١: ٢٨١. وقد ذكر هذا الكتاب أيضاً جمع من ثقات
أعلام الأُمَّة كالشيخ المحدِّث المجلسي في موسوعته بحار الأنوار ٥٣: ١٧٧. والشيخ
الحائري في كتابه إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب ١: ٤٠٩، والسيِّد بحر
العلوم في كتابه الفوائد الرجالية ١: ٣١٩. ومن المعلوم أنَّ هذا التوقيع المبارك
تحكيه وترويه كافَّة الشيعة وتتلقّاه بالقبول، وقد حكى ذلك العلَّامة المحدِّث
الشيخ يوسف البحراني (طاب ثراه) في كتابه لؤلؤة البحرين: ٣٦٧/ ط ١٣٨٦هـ/ النجف
الأشرف. عن المحقِّق النقّاد يحيى بن بطريق الحلّي (رحمه الله) في رسالته نهج
العلوم إلى نفي المعدوم. وورد هذا الكتاب الثاني من قِبَل الإمام المهدي (عليه
السلام) يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجَّة، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقبل
وفاة الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) في سنة ٤١٣ هجري.
وذكر موصله أنَّه تحمَّله من ناحية متَّصلة بالحجاز، نسخته: «للأخ السديد والوليِّ
الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، هذا كتابنا إليك
أيّها الأخ الوليُّ، والمخلِص في ودِّنا الصفي، والناصر لنا الوفي، حرسك الله بعينه
التي لا تنام، فاحتفظ به ولا تُظهِر على خطِّنا الذي سطرناه بما له ضمنّاه أحداً،
وأدِّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلّى الله
على محمّد وآله الطاهرين. وهذه نسخته: من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم
الحقِّ ودليله...» الخ.
وإعمال ذلك التمكين وتقريره يسهم في
تقريب الفرج، وتعجيل الظهور الشريف.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
(الأنفال: ٤٦).
٢- إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يُعلِّل بوجهٍ ما، ويُبيِّن سبب تأخير الظهور
الشريف في قوله: «فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه، ولا نُؤثِره
منهم».
وهنا يبدو جليّاً مدى تأثير ما يرتكبه الناس من المحرَّمات والمكروهات في الحيلولة
دون وقوع الفرج الشريف، لما لذلك من دخالة وضعية وتكوينية ووجودية في تأخير التغيير
المرتقب، إذ يجب أن يسبق الظهور الشريف التأهُّل النفسي والمجتمعي، جماعةً
وأفراداً، صالحين في عقيدتهم وسلوكهم، يسعون إلى إيجاد حالة التمكين للحقِّ والعدل،
كي تبقى ممتدَّة في خطواتها إلى وقت الظهور الشريف، وتحقيق القيام المهدوي.
٣- ختم الإمام المهدي (عليه السلام) لكتابه وتوقيعه الشريف بالاستعانة بالله تعالى،
والتوكُّل عليه، هو تقديم لحالة تمكين العقيدة بأصلها الأوَّل والمكين، وضرورتها
اليقينية في حراك المنتظِرين المؤمنين، ممَّا يُحقِّق الدرجات العالية في الإيمان
بالله تعالى، والتكامل في عبادته، وطاعته. وواقعاً أنَّ الاستعانة الحقيقية بالله
تعالى، تؤتي أُكُلها فوراً وفعلاً، وقد أطلق هذه الوسيلة الأنبياء والأئمَّة
المعصومون (عليهم السلام) من قبل، فأثمرت استعانتهم ثمراً صالحاً.
قال الله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا
بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨).
والاستعانة بالله تعالى هي رديف عبادته وتوحيده سبحانه، ولا بدَّ من الالتفات إلى
ذلك، إذ إنَّنا يومياً، ومراراً، نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥)، في قراءة سورة الحمد الواجبة في
الصلاة، وهذه ثنائية عقدية يجب تمكينها في نفوسنا وسلوكنا، وأن لا نغفل عنها.
ويظهر واقعاً أنَّ عدم التمكين هو
سبب رئيس من أسباب الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام)، وهو الذي يحول دون
قيامه وظهوره وتحقيق أغراضه، وقد بيَّن السيِّد الشريف المرتضى ذلك السبب في رسالته
في الغيبة، وقال ما نصُّه:
(السبب في الغيبة هو إخافة الظالمين له، ومنعهم يده من التصرُّف فيه فيما جُعِلَ
إليه التصرُّف فيه، لأنَّ الإمام إنَّما يُنتَفع به النفع الكلّي إذا كان متمكِّناً
مطاعاً، مخلّى بينه وبين أغراضه، ليقود الجنود، ويحارب البغاة، ويقيم الحدود،
ويسدُّ الثغور، وينصف المظلوم، وكلُّ ذلك لا يتمُّ إلَّا مع التمكُّن، فإذا حيل
بينه وبين أغراضه من ذلك سقط عنه فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه، وجبت
غيبته، والتحرُّز من المضارِّ واجب عقلاً وسمعاً، وقد استتر النبيُّ (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) في الشِّعْب، وأُخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلَّا الخوف
والتحرُّز من المضارِّ)(٣٨).
المحور
الثالث: المقوم المعرفي العقلي والسلوك العقلائي، وضرورة التعريف بالإمام المهدي
(عليه السلام) حاجةً وخياراً:
إنَّ المعرفة العقلية والسلوك العقلائي هما طريقان يجمعان الناس مهما اختلفت
ألسنتهم وألوانهم، وأديانهم، وذلك لأنَّ العقل الإنساني هو واحد في نوعه ووظائفه،
وله قدراته ومسلَّماته وأحكامه بنحو مستقلٍّ يضمن له اعتباره وحجّيته وقيمته
وعطاءه. وبناءً على ذلك ينبغي أن تُبنى معرفتنا بالإمام المهدي (عليه السلام)، على
النظر العقلي حتَّى تتشكَّل عندنا طريقة قويمة في التفكير الصحيح، والحراك المستقيم
والموقف السديد والفعل الصالح، تسهم في إقامة الدولة المهدوية المرتقبة على ركن
شديد في العلم والمعطيات والمناهج والثمرات، وقد جعل الله تعالى سمة العلم والقدرة
من مميِّزات أوليائه الصالحين، وأساساً مكيناً في إقامة الحكم والنظام والعدل بين
الناس، قال تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ
قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا
وَنَحْنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) رسائل الشريف المرتضى/ السيِّد الشريف المرتضى ٢: ٢٩٥/ منشورات دار القرآن الكريم/ قم.
أَحَقُّ
بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ
عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ
مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧).
وقد عرض السيِّد محمّد باقر الصدر (رحمه الله) في كتابه الشهير (فلسفتنا) إلى مسألة
المعرفة العقلية وأهمّيتها، وقيام الفلسفة الإسلاميَّة وطريقة التفكير الإسلامي
عليها بوصفها معرفة بشرية جامعة، ومقياساً أوَّلاً في التفكير الإنساني، وتُمثِّل
حجراً أساسياً يقوم عليه العلم عند الناس عامَّة، وذكر:
(إنَّ المذهب العقلي هو المذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة الإسلاميَّة وطريقة التفكير
الإسلامي بصورة عامَّة، وتنقسم المعارف البشرية في رأي العقليين إلى طائفتين:
إحداهما معارف ضرورية أو بديهية، ونقصد بالضرورة هنا أنَّ النفس تضطرُّ إلى الإذعان
بقضيَّة معيَّنة من دون أن تطالب بدليل، أو تبرهن على صحَّتها، بل تجد من طبيعتها
ضرورة الإيمان بها إيماناً غنيّاً عن كلِّ بيِّنة واثبات، كإيمانها ومعرفتها
بالقضايا الآتية: (النفي والإثبات لا يصدقان معاً في شيء واحد)، (الحادث لا يوجد من
دون سبب)، (الصفات المتضادَّة لا تنسجم في موضوع واحد)، والطائفة الأُخرى معارف
ومعلومات نظرية، فإنَّ عدَّة من القضايا لا تؤمن النفس بصحَّتها إلَّا على ضوء
معارف ومعلومات سابقة، فيتوقَّف صدور الحكم منها في تلك القضايا على عملية تفكير
واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق، فالمذهب العقلي يُوضِّح أنَّ الحجر الأساسي للعلم
هو المعلومات العقلية الأوَّلية، وعلى ذلك الأساس تقوم البنيات الفوقية للفكر
الإنساني التي تُسمّى بالمعلومات الثانوية).
وقدَّم (رحمه الله) معطيات وثمرات تتأتّى من المعرفة العقلية وعلمية التفكير بها،
ومنها:
أوَّلاً: أنَّ المقياس الأوَّل
للتفكير البشري بصورة عامَّة هو المعارف العقلية الضرورية، فهي الركيزة الأساسية،
التي لا يُستغنى عنها في كلِّ مجالٍ، ويجب أن تُقاس صحَّة كلِّ فكرة وخطؤها على
ضوئها، ويصبح بموجب ذلك ميدان المعرفة البشرية أوسع من حدود الحسِّ والتجربة،
لأنَّه يُجهِّز الفكر البشري بطاقات تتناول ما وراء المادَّة من حقائق وقضايا
ويُحقِّق للميتافيزيقا والفلسفة العالية إمكان المعرفة، وعلى عكس ذلك المذهب
التجريبي فإنَّه يُبعِد مسائل الميتافيزيقا عن مجال البحث، لأنَّها مسائل لا تخضع
للتجربة، ولا يمتدُّ إليها الحسُّ العلمي، فلا يمكن التأكُّد فيها، من نفي أو إثبات
ما دامت التجربة هي المقياس الأساسي الوحيد، كما يزعم المذهب التجريبي.
وثانياً: أنَّ السير الفكري في رأي العقليين يتدرَّج من القضايا العامَّة إلى قضايا
أخصّ منها، من الكلّيات إلى الجزئيات(٣٩).
وإذا كانت المعرفة العقلية أساساً للتفكير الصحيح وطريقاً قويماً موصِلاً للحقائق
والإذعان بها، فهذا يعني أنَّنا قادرون على أن نلتقي مع الآخر المختلف معنا في
عقيدته ومنهج معرفته لقياً مقياسية تُبيِّن إمكان أخذ العقيدة الدينية بالعقل
تصوّراً وتصديقاً، وأنَّ الأخذ والتلقّي لا ينحصر بمذهب تجريبي أو حسّي صرف أو غيره
ممَّا يضيق الخناق على قبول الحقيقة والإيمان بها، وبفعل الجامع البشري في المعرفة
العقلية بقسميها البديهي والنظري يمكن الاجتماع على نتيجة واحدة في نهاية المطاف،
وهي ضرورة الحاجة إلى المعصوم في قيام الدولة العادلة، ولأنَّ العلم والعقل
يتكفّلان بتصحيح الرؤية والتصوّر والحكم عند الشبهات، قال تعالى: ﴿وَيَرَى
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦).
وإنَّ الروايات المعتبرة والمأثورة في العقيدة المهدوية قدَّمت لنا تصوّراً في
المعرفة العقلية والفهم العقدي الثبوتي ما يمكن أن تكون معه الحقائق الدينية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) فلسفتنا/ السيِّد محمّد باقر الصدر: ٦٣/ ط ٣/ ١٤٣٥هـ/ دار الكتاب الإسلامي.
الموعودة والمنتظرة والمرتقبة
بمنزلة الأمر البديهي إذعاناً وإيماناً، وذلك لأنَّ الحقائق الحقَّة والصادقة تقوم
على أساس علمي ومعرفي ثابت، لا بدَّ أن يُدركه الإنسان في نفسه وعقله وإن أنكره
بلسانه أو ببرهانه زعماً وزوراً، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: ٢٥).
ففي رواية رواها أبو خالد الكابلي عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام) أنَّه
قال:
«يا أبا خالد -الكابلي-، إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظِرين لظهوره
أفضل [من] أهل كلِّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام
والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة
المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف، أُولئك المخلِصون
حقّاً وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرّاً وجهراً».
وقال عليُّ بن الحسين (عليه السلام): «انتظار الفرج من أعظم الفرج»(٤٠).
ويبتني المقوِّم المعرفي والعقلي على أساس الإيمان بوجوب وجود الإمام المعصوم،
ووجوب معرفته، بعد أصل الإيمان بوجود الله تعالى وتوحيده، وبعثته للنبيِّ الأكرم
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبقاء عقيدته وشريعته إلى يوم القيامة ديناً قيِّماً
وهادياً. وهذا الأساس هو مترابط في المنتظم والبناء مع بقية أُصول الدين من العدل
والمعاد ترابطاً مكيناً في الحكمة الإلهيَّة والأغراض العقلائية. وقد أكَّدت
الروايات المعتبرة هذا الترابط المنتظم، في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام)
أنَّه قال: «لا يكون العبد مؤمناً حتَّى يعرف الله ورسوله والأئمَّة كلَّهم وإمام
زمانه ويردَّ إليه ويُسلِّم له»، ثمّ قال: «كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأوَّل؟»(٤١).
ونبَّهت الروايات الصحيحة على هذا المقوِّم المعرفي، وذلك في ما رواه ثقة الإسلام
الكليني في الكافي - في الصحيح - عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إنَّ الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) كمال الدين وتمام
النعمة/ الصدوق: ٣٢٠، ط ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم؛ وفي البحار ٥٣: ١٢٢/
باب ٢٢/ ح ٤، فيه بدون [من].
(٤١) الكافي/ الكليني ١:
١٨٠/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ طهران.
بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) إلى الناس أجمعين رسولاً، وحجَّة الله على خلقه في أرضه، فمن آمن بالله
وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسول الله، واتَّبعه وصدَّقه، فإنَّ معرفة
الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يتَّبعه ولم يُصدِّقه ويعرف
حقَّهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقَّهما؟»(٤٢).
وقد بيَّن السيِّد الشريف المرتضى علم الهدى (رحمه الله) المقوِّم العقلي لوجوب
الإمامة وضرورتها عامَّة، فقال: (أمَّا الذي يدلُّ على وجوب الإمامة في كلِّ زمان،
فهو مبنيٌّ على الضرورة، ومركوز في العقول الصحيحة، فإنّا نعلم علماً - لا طريق
للشكِّ عليه ولا مجال - أنَّ وجود الرئيس المطاع المهيب مدبِّراً ومتصرِّفاً أردع
عن القبيح وأدعى إلى الحسن، وأنَّ التهارج بين الناس والتباغي إمَّا أن يرتفع عند
وجود من هذه صفته من الرؤساء أو يقلُّ وينزر، وأنَّ الناس عند الإهمال وفقد الرؤساء
وعدم الكبراء يتتابعون في القبيح، وتفسد أحوالهم وينحلُّ نظامهم، وهذا أظهر وأشهر
من أن يُدَلَّ عليه، والإشارة فيه كافية)(٤٣).
والمقوِّم المعرفي في سمته العقلية والأخلاقية في التأسيس والتغيير والتأثير
يتحقَّق بمرتكزين رئيسين، هما:
الأوَّل:
مرتكز الحكمة النظرية:
ويقوم على أساس ما يحوزه الإنسان من علم ومعرفة، كعلمه ومعرفته بوجود الله تعالى،
ووجود إمام الزمان (عليه السلام)، ووجوب ظهوره وقيامه بالحقِّ. وتمتاز هذه الحكمة
بقابلية التعليم والتعلُّم، وخاصَّة في المعارف الاعتقادية.
الثاني:
مرتكز الحكمة العملية:
وهي التي يعرف بها الإنسان ما من شأنه أن يفعله بإرادته، ويرجع أساس ذلك إلى
الأخلاق والقيم، والتي يجب أن يتخلَّق بها الإنسان في حياته(٤٤).
وإنَّ مرتكزَي الحكمة النظرية والعملية لهما أثرهما الواقعي في البناء المعرفي
والأخلاقي لمنتظم الحراك الإنساني العامّ عقلاً وفكراً وسلوكاً وأخلاقاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) عوائد الأيّام/
المحقِّق النراقي: ٢٨٥/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
والرواية في الكافي للكليني ١: ١٨٠ و١٨١/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٣.
(٤٣) المقنع في الغيبة/
السيِّد الشريف المرتضى: ٣٦/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ قم.
(٤٤) انظر: رسالة في
التحسين والتقبيح/ الشيخ جعفر السبحاني: ٦.
واللتان يتمكَّن معهما الإنسان
المؤمن في نفسه ومجتمعه من الإصلاح والتغيير والتمهيد، وبنحو الطريق الموصل إلى
المطلوب عقيدةً ومنهاجاً وخاصَّةً في البعد العملي، بعد بسط العدل وتطبيقه. وقد
أطلق عليهما الشيخ محمّد مهدي النراقي صاحب كتاب جامع السعادات الشهير اسمَي: العقل
النظري (الحكمة النظرية)، والعقل العملي (الحكمة العملية)، والمعبِّر عنه بالفضيلة
والرذيلة في اصطلاح علماء الأخلاق، وعرَّفهما بالمعنى الأخلاقي، وذكر ما نصُّه:
(العقل النظري، هو المُدرِك للفضائل والرذائل. اعلم أنَّ كلَّ واحدٍ من العقل
العملي والعقل النظري، رئيس مطلق من وجه. أمَّا الأوَّل، فمن حيث إنَّ استعمال جميع
القوى حتَّى العاقلة على النحو الأصلح موكول إليه. وأمَّا الثاني، فمن حيث إنَّ
السعادة القصوى وغاية الغايات، أعني التحلّي بحقائق الموجودات مستندة إليه. وأيضاً
إدراك ما هو الخير والصلاح من شأنه، فهو المرشد والدليل للعقل العملي في تصرُّفاته.
وقيل: إنَّ إدراك فضائل الأعمال ورذائلها من شأن العقل العملي، كما صرَّح به الشيخ
في الشفاء بقوله: إنَّ كمال العقل العملي استنباط الآراء الكلّية في الفضائل
والرذائل من الأعمال على وجه الابتناء على المشهورات المطابقة في الواقع للبرهان،
وتحقيق ذلك البرهان متعلِّق بكمال القوَّة النظرية.
والحقُّ أنَّ مطلق الإدراك والإرشاد إنَّما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير
الناصح، والعقل العملي بمنزلة المنفِّذ الممضي لإشاراته، وما ينفذ فيه الإشارة، فهو
قوَّة الغضب والشهوة)(٤٥).
وللعقلين النظري والعملي معنيان آخران، من وجهة نظر علماء الكلام والعقيدة
-المتكلِّمين-، لهما ترابط وثيق في تكامل البناء المعرفي والأخلاقي والشرعي في حراك
الإنسان المؤمن، وامتثاله لتكاليفه العقدية والشرعية، وحالما يتحرَّك بهما
المكلَّف، عقلاً (نظرياً) وفعلاً وخُلُقاً (عملياً)، فإنَّه سيثبت على الصراط
المستقيم، سلوكاً وهدايةً، ووصولاً إلى المطلوب، شرعاً وأخلاقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) جامع السعادات/ محمّد مهدي النراقي ١: ٧٥/ تحقيق: السيِّد محمّد كلانتر/ ط النجف الأشرف.
فثَمَّة ترابط مكين بين الحكمتين
النظرية والعملية يدخل في قوام الإنسان الصالح وسعيه لتحقيق أغراضه من إقامة العدل
بدولة أو مجتمع أو بالنفس، ويتجلّى هذا الترابط الوثيق في أنَّ (العقل النظري هو
العقل المُدرِك للواقعيات، التي ليس لها تأثير في مقام العمل، إلَّا بتوسُّط مقدّمة
أُخرى، كإدراك العقل لوجود الله تعالى، فإنَّ هذا الإدراك لا يستتبع أثراً عملياً
دون توسُّط مقدّمة أُخرى كإدراك حقِّ المولوية (الحقيقية)، وأنَّ الله تعالى هو
المولى الحقيق بالطاعة، وحينئذٍ يكون إدراك العقل لوجود الله تعالى مستتبعاً لأثر
عملي. والمراد من العقل العملي هو المُدرِك لما ينبغي فعله وإيقاعه أو تركه،
والتحفُّظ عن إيقاعه، فالعدل مثلاً ممَّا يُدرِك العقل حسنه وانبغاء فعله، والظلم
ممَّا يُدرِك العقل قبحه وانبغاء تركه. وهذا ما يُعبَّر عنه أنَّ حسن العدل وقبح
الظلم من مُدرَكات العقل العملي، وذلك لأنَّ المميِّز للعقل العملي هو نوع
المُدرَك، فلمَّا كان المُدرَك من قبيل ما ينبغي فعله أو تركه فهذا يعني أنَّه
مُدرَك بالعقل العملي)(٤٦).
وأمَّا مقوِّم السلوك العقلائي، فهو الآخر يُمثِّل ميلاً عامّاً عملياً ومشروعاً
عند كلِّ ملَّة ونحلة، مسلمين وغير مسلمين، في ضرورة أن تقوم الدولة العادلة على
أُسس الصلاح والعدل والحقِّ والفضيلة، وهذه (قضايا اشتهرت بين الناس، وذاع التصديق
بها عند جميع العقلاء، أو أكثرهم، أو طائفة خاصَّة، وتُعرَف بالمشهورات بالمعنى
الأخصّ أو المشهورات الصرفة، وهي أحقّ بصدق وصف الشهرة عليها، لأنَّها القضايا التي
لا عمدة لها في التصديق إلَّا الشهرة، وعموم الاعتراف بها، كحسن العدل، وقبح الظلم)(٤٧).
وممَّا تقدَّم يتبيَّن أنَّ التعريف بالإمام المهدي (عليه السلام) ووجوب وجوده
بوصفه إمام الزمان والإنسان، وحتمية ظهوره وقيامه بالحقِّ دولةً ومنهجاً وسبيلاً،
يتوقَّف على تحقُّق المقوِّمات البنيوية في سمتها العقدية المعرفية والعقلية
والعقلائية في نفس المعتقِد المنتظِر وغير المعتقِد، وتعزيز بُعد الحاجة الوجودية
إليه اعتقاداً وخياراً، وأنَّ غيبته لا توجب الاستغناء عنه، وقد ذكر شيخ الطائفة
المفيد (رحمه الله)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) المعجم الأُصولي/
محمّد صنقور عليّ البحراني ٢: ٣٢٦ و٣٢٧/ منشورات نقش.
(٤٧) المنطق/ الشيخ محمّد
رضا المظفَّر ٣: ٢٧٠/ ط ١٢/ قم.
(بأنَّ الحاجة إلى الإمام - المهدي
(عليه السلام) - مستمرَّة ولو كان غائباً، فعدم الحضور وعدم الاتِّصال به لا يوجب
الاستغناء عن وجوده، كما أنَّ عدم حضور الدواء عند المريض لا يُؤدّي إلى استغناء
المريض عنه، ومع عدم حصول الدليل لا يستغني المتحيِّر عنه، بل هو بحاجة إليه وإن
كان مفقوداً له، ثمّ لو التُزِمَ بالاستغناء عند الغيبة للزم عدم الحاجة إلى
الأنبياء عند غيباتهم، كغيبة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في شِعب أبي طالب
ثلاث سنين، وفي الغار عِدَّة أيام، وغيبة موسى النبيِّ (عليه السلام) في الميقات،
وغيبة يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، وهذا ممَّا لا يلتزم به مسلم، بل ولا أيُّ
شخص ملّي يعتقد برسالة سماوية)(٤٨).
وإنَّ الحاجة الوجودية إلى الإمام المعصوم -الإمام المهدي (عليه السلام)- إنَّما
تجب عقلاً، لأنَّ وجوده (عليه السلام) هو ضروري ولازم في نظامَي التكوين والتشريع
معاً، إذ (الالتزام بوجود من لا بدَّ من عصمته تبليغاً للأحكام الواقعية الحقيقية
التزام بوجود الإمام، دون الالتزام بوجود مجرَّد مبلِّغ للأحكام وإن كانت تعبدية،
ومن البيِّن أنَّ اللازم قيامه مقام النبيِّ، من كان شأنه شأن النبيِّ في تبليغ
الأحكام الواقعية، لأنَّ إيصال المصالح الواقعية الباعثة على جعل الأحكام على طبقها
يستدعي إرسال الرسول لتبليغها، كذلك يقتضي نصب من يُبلِّغها بعد الرسول، وإذ العارف
بالمعارف الإلهيَّة لا يكون إلَّا ذا نفس قدسية متَّصلة بالمبادئ العالية، ولا
يُعرَف مثله إلَّا بالنصِّ عليه من الله تعالى، أو من الرسول، أو إمام مثله، فيجب
نصبه على الله تعالى، على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ومن الواضح
أنَّ الغاية المقصودة من خلق الخلق، بل من تشريع الشرائع على معرفة المعارف
الربوبية، والتخلُّق بالأخلاق الإلهيَّة، فلا محالة يجب وجود مثل هذا العارف الإلهي
المتخلِّق بأخلاق الله تعالى، بل الأعمال أيضاً مقدّمة للأحوال، وهي مقدّمة
للمعارف، ولذا ورد عنهم: «لولانا ما عُرِفَ الله، ولولانا ما عُبِدَ الله»(٤٩)،(٥٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) رسائل في الغيبة/
الشيخ المفيد ١: ٧/ تحقيق: علاء آل جعفر.
(٤٩) بحار الأنوار/ المجلسي
٢٦: ١٠٧.
(٥٠) نهاية الدراية في شرح
الكفاية/ الشيخ الأصفهاني ١: ٣٨٥/ ط ١/ قم. ولفظ «لولانا ما عُبِدَ الله» جاء في
ذيل رواية في الكافي ١: ١٤٤/ باب النوادر/ ح ٥؛ ولفظ «لولانا ما عُرِفَ الله» جاء
في ذيل رواية في كتاب مسائل عليِّ بن جعفر: ٣٢٠/ ح ٨٠١؛ وكذا في بصائر الدرجات: ٨١.
الغيبة المهدوية مصداق للعدالة
الإلهية
(دراسة في ضوء المنهج اللساني الحديث)
هيجاء عبد الحسن كريم
آداب لغة عربية - كلية الامام الكاظم (عليه السلام) – بغداد
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز العاشر
المقدّمة:
إنَّ الحديث عن صاحب الزمان (عليه السلام) هو حديث متشعِّب تتداخل فيه عدَّة جهات،
وترسم ملامحه اختلاف الوجهات ما بين مؤمنٍ به ومنتظرٍ له وما بين مبغضٍ وكافر به.
وما بين حائرٍ قد غرَّته الحياة الدنيا فغاب في ظلمتها وقضى بين أنيابها، استحوذ
عليه الشيطان فأنساه ذكر الله تعالى، فهو متَّبع عن غير معرفةٍ، وموالٍ من دون
بصيرة، يحمل شعار هذا ﴿ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾
(المائدة: ١٠٤)، فإذا تحدَّث لا يعرف ما يقول، وإذا سُئِلَ لا يعرف كيف يُجيب. وبين
محبٍّ أضناه ليل الانتظار، وأتعبه الشوق حتَّى ذاب في المحبوب وجداً، ولسان الحال
يُخبِر عنه قائلاً هو من قومٍ:
|
هجروا الكلام إلى الدموع لأنَّهم |
وجدوا البلاغة كلَّها بالأدمع |
فالحديث في الإمام (عليه السلام) يطول، وغايتنا من البحث هي معرفة الإمام (عليه السلام)، والإحاطة بكلِّ ما من شأنه أن يجعلنا منتظرين وناصرين للإمام (عليه السلام) ومحبِّين له، والإجابة على بعض الأسئلة التي تدور في ذهن الكثير من الباحثين عن الحقيقة (حقيقة الغيبة)، والحكمة التي لأجلها غاب عن الأنظار من خلال النصوص التي جاءتنا عن طريق النبيِّ المصطفى وأهل بيته (عليهم السلام)، فقد قمنا
بجمع عدد من هذه النصوص ودراستها
دراسة نصّية لسانية حديثة، دراسة لغوية علمية تُراعي المقام والمقال، وتجعل
المتلقّي مشاركاً للكاتب في تفسير هذه النصوص، فالنصُّ حدث تواصلي يهدف من خلاله
القائل أو الكاتب إلى إيصال فكرة ما، ويستخدم لأجل ذلك كلَّ الوسائل اللغوية
والبلاغية التي تنسجم وطبيعة المقال والمتلقّي والظروف التي لأجلها وُجِدَ النصُّ،
وقد قسَّمنا البحث إلى فصلين: تحدَّثنا في الأوَّل عن ولادة الإمام المهدي (عليه
السلام) وإمامته وغيبته وعلَّة هذه الغيبة وانعكاساتها على الأُمَّة الإسلاميَّة،
وتناولنا في الفصل الثاني ظاهرة الاتِّساق النصّي في أحاديث الغيبة الواردة عن طريق
المعصومين (عليهم السلام). نرجو من الله تعالى أن نكون قد وُفِّقنا لذلك وأضفنا
شيئاً جديداً للبحث في القضيَّة المهدويَّة، والحمد لله المنعِم على توفيقه.
التمهيد: الغيبة لغةً واصطلاحاً:
الغيبة لغةً: من الفعل غابَ غيباً وغيبةً وغيبوبةً وغياباً خلاف شهدَ وحضرَ، يقال:
غابَ فلان: بَعُدَ، وغاب فلان عن بلاده: سافر، وغابت الشمس وغيرها: غربت واستترت عن
العين، والشيء في الشيء: توارى فيه، ويقال: غاب عنه الأمر: خفي(١).
الغيبة اصطلاحاً: هي مصطلح يُطلَق على الفترة الزمنية التي يغيب فيها الإمام الثاني
عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) عن أعين الناس، فهو موجود وحاضر ولكن لا
يستطيعون رؤيته.
(احتجب عنهم) بفعل القدرة الإلهيَّة التي أرادت له الاختفاء إلى فترة من الزمن، إلى
أن يحين موعد الخروج والظهور (اليوم الموعود)، لتتحقَّق فيه العدالة الإلهيَّة على
وجه الأرض.
وتنقسم الغيبة إلى قسمين:
الأوَّل: الغيبة الصغرى، وكانت مدَّة هذه الغيبة (٧٤) سنة أو (٦٩) سنة(٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: الغيبة الكبرى التي بدأت
بانتهاء الغيبة الصغرى عام (٣٢٩) للهجرة، بانتهاء السفارة وبدء الغيبة التامَّة(٣).
بين الجملة والنصِّ:
بما أنَّ اللغة هي وسيلة للاتِّصال والتواصل بين بني البشر، لذا أفرغ لها علماء
اللغة مجالاً واسعاً ودرسوها من كلِّ الجوانب، فعرَّفها (ابن جنّي) بأنَّها: (أصوات
يُعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم)(٤)،
فاللغة عند ابن جنّي هي أصوات - أي: اللفظ المسموع -، ووسيلة للتعبير. وهي عند غيره
نظام منفتح يتيح للمتكلِّم أن ينتج عدداً غير متناهٍ من الجمل لم يسبق له سماعها من
قبل. ولأجل حفظ هذه اللغة والمحافظة عليها حاول العلماء وأهل اللغة قديماً دراستها
وتحليلها واستخلاص القواعد العامَّة لها وكتابتها بصورة ممنهجة، ولقد كان جُلُّ
اهتمامهم هو في الجملة وما تحتويه من عناصر بغضِّ النظر عن السياقات التي وردت فيها
على الرغم من معرفتهم بها، فقد قيل قديماً: إنَّ لكلِّ مقام مقالاً، إلَّا أنَّهم
لم يتطرَّقوا إليها بالشكل الذي تطرَّق له علماء اللغة حديثاً، فكانت دراستهم
مقتصرة على الجملة، وهي البنية الصغرى المكوِّنة للنصِّ، فعالجوها من الناحية
النحوية والصوتية والدلالية، فعُرِّفت الجملة بأنَّها: الصورة اللفظية الصغرى أو
الوحدة الكتابية الدنيا للقول أو الكلام الموضوع للفهم والإفهام. وتبيَّن أنَّ
الصورة ذهنية كانت قد تألَّفت أجزاؤها في ذهن المتكلِّم، الذي سعى في نقلها حسب
قواعد معيَّنة وأساليب شائعة(٥).
أو هي الصورة اللفظية للفكرة، وهدفها نقل ما في ذهن المتكلِّم من أفكار إلى ذهن
السامع(٦).
وظلَّت الجملة لفترة طويلة هي محطُّ الدراسة إلى أن ظهرت في الآونة الأخيرة وعلى يد
علماء اللغة الأُوربيين -ومنهم العالم السويسري (دي سوسير)(٧)-
الدراسات اللسانية الحديثة، وانتقلنا بعدها من نحو الجملة إلى نحو النصِّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) موسوعة الإمام المهدي/
تاريخ الغيبة الكبرى/ الكتاب الثاني: ١٩.
(٤) الخصائص لابن جنّي ١:
٣٣.
(٥) الألسنية: ٤٤.
(٦) النحو العربي (قواعد
وتطبيق): ٨٣.
(٧) فردينان دي سوسير من
أشهر علماء اللغة في العصر الحديث حيث اتَّجه بتفكيره نحو دراسة اللغات دراسة وصفية
باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية، وكانت اللغات تُدرَس دراسة تاريخية، وكان السبب في
هذا التحوّل الخطير في دراسة اللغة هو اكتشاف اللغة السنسكريتية.
على اعتبار أنَّ الجملة خارج النصِّ
يصعب فهمها وتحليلها إلَّا إذا وُضِعَت في داخل النصِّ، (لأنَّ للنصِّ معنىً
مركزياً (بؤرة النصِّ)، وهذه البؤرة هي التي تُمثِّل محور كلِّ معطيات النصِّ، لذا
فإنَّ التشخيص لهذه البؤرة هو الذي يساعد على فهم كلِّ معاني النصِّ، لأنَّ هذا
المعنى المركزي أو هذه البؤرة هي التي تتكدَّس عندها المعاني)(٨).
ويقصد بالبؤرة هنا الموضع الرئيس أو العنوان أو الغاية التي يريد أن يصل إليها
المتكلِّم من خلال قراءة هذا النصِّ قراءة متفحِّصة يشارك فيها القارئ مع المؤلِّف،
فالنصُّ (كائن حيٌّ في حالة سكون يبعث بالقراءة فيحيا من جديد وبأشكال جديدة، ويصبح
القارئ مؤلِّفاً كما كان المؤلِّف كاتباً)(٩)،
فيترجم النصَّ على وفق السياقات التي ورد فيها، ولا يقصد بالترجمة هنا الترجمة من
لغة إلى أُخرى، بل هو انتقال بالقارئ ونقله من عصر المؤلِّف إلى عصر المفسِّر، أي
ترجمته حسب الظرف التاريخي والتجربة الذاتية التي يخوضها القارئ المفسِّر للنصِّ(١٠).
ولنفهم النصَّ بصورة أكثر وضوحاً نقف عند تعريف النصِّ وفق المنهج اللساني الحديث
وتقسيماته، فالنصُّ هو: عبارة عن وحدة لغوية دلالية تُنتَج عن مجموعة من الجمل
ترتبط فيما بينها من خلال وسائل الخطاب بعضها نحوية وبعضها دلالية وأُخرى منطقية،
أو هو وحدة دلالية ترتبط أجزاؤها بواسطة أدوات ربط صريحة(١١).
ولقد قسَّم بعضهم النصَّ وفقاً للدراسات
الحديثة إلى نوعين:
١- النصوص التخصُّصية: وهو الذي يخاطب نخبة معيَّنة من الناس، فالنصُّ الفيزيائي
يخاطب من لهم معرفة بعلم الفيزياء، والنصُّ الفلسفي يخاطب من لهم معرفة بالفلسفة،
وهكذا. وأصحاب هذه النصوص يفهمون عادةً هذه النصوص، ولا يجدون صعوبة في التعاطي
معها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) مقولات في الحداثة:
٢١٨.
(٩) نظرية علم النصِّ: ٥٥.
(١٠) مقولات في الحداثة:
٢١٩.
(١١) علم لغة النصِّ:
المقدّمة (ز).
٢- النصوص غير التخصُّصية: فإنَّها
تخاطب عامَّة الناس، وإذا كان فيها متشابهات وغوامض فيمكن تفسيرها وفهمها عبر
الإحاطة بمجمل النصِّ والروايات والآثار النافعة في هذا الباب(١٢).
إنَّ هذا التقسيم يجعل من النصِّ مادَّة سلسة للدراسة، فإنَّه يُعطي لكلِّ ذي حقٍّ
حقَّه، أي يضع النقاط على الحروف، ويشرح الكيفية التي يجب أن يتعامل بها القارئ مع
النصِّ، فلا يمكن لك وفق هذا التقسيم أن تطلب من عالم في الفيزياء أو الكيمياء أو
الرياضيات أن يُفسِّر لك نصّاً دينياً، أو أن يفهم المراد من هذا النصِّ، أو يصل
إلى الغاية المتوخّاة منه، حتَّى وإن كان على اطِّلاع على بعض النصوص الدينية، وعلى
قدر من المعرفة والثقافة بها، إلَّا لأنَّه غير متخصِّص بالعلوم الدينية، على عكس
صاحب الاختصاص والعالم الديني الذي يدخل إلى أعماق النصِّ، ويبحث ويدرس هذا النصَّ
من كلِّ الجوانب، مع مراعاته لقائل النصِّ، ومدى صحَّة هذا النصِّ من ناحية الرواية
أو السند، ومدى تأثير هذا النصِّ على الناس، وكيفية إيصال المعنى الحقيقي لهذه
النصوص لهم، وشرحها بطريقة لا تقبل معها الشكَّ أو الطعن.
ويرى الدكتور (صلاح الفضلي) أنَّ تفكيك النصِّ يعتمد على الإدراك السليم لبنيته
العليا، ممَّا يُعَدُّ شرطاً ضرورياً لتحليل علاقاته وضبط خواصِّه(١٣).
وأمَّا الشروط والمعايير التي لا يصبح للنصِّ معنى من دونها، فهي: السبك
(الاتِّساق)، والالتحام (الانسجام)، والقصد، ورعاية الموقف، والقبول، والتناصُّ،
والإعلام(١٤).
أمَّا (صبحي إبراهيم الفقي)(١٥)،
فقد لخَّصها في عشر نقاط، هي(١٦):
١- كون النصِّ منطوقاً، أو مكتوباً، أو كليهما.
٢- مراعاة الجانب الدلالي.
٣- مراعاة التحديد الحجمي (طول النصِّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) المصدر نفسه: ٢٢١.
(١٣) بلاغة الخطاب وعلم
النصِّ: ٢٣٢.
(١٤) لسانيات النصِّ: ٢٣.
(١٥) عالم لغة معاصر، له
مؤلَّفات كثيرة في الدراسات النصّية الحديثة.
(١٦) التماسك النصّي: ٢٨.
٤- مراعاة الجانب التداولي.
٥- مراعاة جانب السياق، ويرى أنَّه متعلِّق بالجانب السابق.
٦- مراعاة جانب التماسك، ويرى أنَّه من أهمّ المعايير التي يقوم عليها التحليل
النصّي.
٧- مراعاة الجانب الوظيفي للنصِّ.
٨- مراعاة التواصل بين المنتج والمتلقّي.
٩- الربط بينه وبين مفاهيم تحويله، مثل: الكفاءة والقدرة وغيرها.
١٠- إبراز كونه مقيَّداً.
وذهب (روبرت دي بوجراند) و(دريسلر)(١٧)
إلى تعريف النصِّ بصورة أكثر دقَّة، مشيرين إلى أنَّ النصَّ حدث تواصلي يلزم لكونه
نصّاً أن تتوافر فيه السبعة معايير للنصّية مجتمعة، ويزول عنه هذا الوصف إذا تخلَّف
واحد من هذه المعايير، وهي: السبك، والحبك، والقصدية، والمقبولية، والإعلامية،
والموقفية، والتناصُّ(١٨).
مفهوم الخطاب:
إنَّ مفهوم الخطاب لا يقلُّ أهمّيةً عن مفهوم النصِّ، فهو يلازمه في المعنى ويرادفه
في الاستعمال، فإنَّ للخطاب دوراً بارزاً في إيصال النصوص إلى الناس، وتبليغها
بصورة مفهومة وواضحة لا يعتريها شكٌّ على لسان الخطيب.
وإذا ما راجعنا (لسان العرب) لابن منظور في مادَّة خطب، وجدنا أنَّ الخطاب
والمخاطبة تعنيان مراجعة الكلام مخاطبةً وخطاباً، وهما يتخاطبان، والمخاطبة صيغة
مبالغة تفيد الاشتراك والمشاركة في فعل ذوي شأن(١٩).
وقد عُرِّف الخطاب على أنَّه: (اللفظ المتواضَع عليه المقصود به إفهام من هو
متهيِّئ لفهمه. واحتُرِزَ باللفظ عن الحركات والإشارات المفهِمة بالمواضَعة،
وبالمتواضَع عليه عن الأقوال المهملة، وبالمقصود به الإفهام عن كلام ما لم يُقصَد
به إفهام المستمِع فإنَّه لا يُسمّى خطاباً)(٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) عالما لغة تخصَّصا في
مجال اللسانيات.
(١٨) نظرية علم النصِّ: ١٥.
(١٩) لسان العرب ٥: ٩٨/
مادَّة (خطب).
(٢٠) لسانيات النصِّ: ٣٦.
الفرق بين النصِّ والخطاب:
بعد الاطِّلاع على مفهومي النصِّ والخطاب يتَّضح لنا أنَّ الفرق بين النصِّ والخطاب
هو أنَّ النصَّ مكتوب والخطاب ملفوظ، فمن الممكن أن يكون النصُّ خطاباً ولكن بشرط
الإفهام، فالنصُّ لا يُقصَد به إفهام المقابل المقصود بصورة قطعية، فهو بنية مفتوحة
تحتمل أكثر من تأويل، ويمكن للقارئ أنْ يُفسِّره بحسب نظرته الخاصَّة. وأمَّا
الخطاب فيجب به إفهام المقابل بكلِّ ما تريد، ولا يحتمل أكثر من تأويل، إذ إنَّ
للخطاب جانباً تواصلياً يُراعى فيه المرسَل والمرسَل إليه والرسالة (النصِّ)، لذا
فإنَّ المتتبِّع لخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة التي ألقاها في
مسجد الكوفة وفي جمع من المهاجرين والأنصار يجد أنَّ هذه الخطب تتحدَّث عن حدثٍ ما،
وتُشخِّص المشكلة، وتُوجِّه الكلام إلى المستمع الذي هو مشارك في هذا الحدث
ومتفهِّم لكلِّ ما يقصده أمير المؤمنين (عليه السلام).
إنَّ الحديث حول موضوعَي النصِّ والخطاب يطول، ولكنَّنا حاولنا فيما سبق أن نُوضِّح
هذا المفهوم بشكل مبسَّط للقارئ، لأنَّ البحث يعتمد وبصورة كلّية على مجموعة من
نصوص مختصَّة بغيبة الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام)، فهي الحجَّة علينا
والدليل لدينا بوجوده واختفائه عن الأنظار، فنحن وبحسب اعتقادنا نؤمن بأنَّ
الأئمَّة من بعد النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر إماماً
منصوصاً عليهم من الله تعالى، (فالإمامة لا تكون إلَّا بالنصِّ من الله تعالى على
لسان النبيِّ أو لسان الإمام المعصوم الذي قبله، وليست هي بالاختيار أو الانتخاب من
الناس)(٢١).
لذا سنبحث في أعماق هذه النصوص من الناحية الشكلية الخارجية (الاتِّساق)، ومن
الناحية الداخلية (الانسجام)، وما مدى تأثيرها على القارئ في العصر الحاضر على
الرغم من أنَّها قيلت منذ زمن بعيد على لسان المعصومين (عليهم السلام)، إذ إنّا لا
نريد أن نبحث عن أسانيد ورواة هذه النصوص، فالنصوص التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) عقائد الإماميَّة: ٦٦.
بين أيدينا هي من مصادر موثوقة
ومتَّفق عليها وعلى صحَّتها، ولكن غايتنا من هذا البحث هو أن نصل إلى مدى تأثير هذه
النصوص على واقعنا الحالي إذا ما حلَّلناها بصورة صحيحة، وبيَّنّا أهمّيتها ودورها
في بعث الأمل في نفوس المستضعفين والمضطهدين الذين ينتظرون المخلِّص الذي سينشر
العدل في العالم، وأنَّه حتَّى وإنْ كان مستتراً عن العيون فهو معنا يعيش همومنا
وأفراحنا بمنظر ومسمع، لكن أعمالنا هي التي حجبتنا عنه وأخَّرت في ظهوره.
الفصل الأوَّل: الاتِّساق النصّي في أحاديث
الغيبة:
إنَّ دراسة أيِّ نصٍّ في ضوء المنهج اللساني الحديث يتطلَّب دراسته من ناحيتين
مهمَّتين:
١- الناحية الشكلية (البنية الخارجية)، وهو ما يُسمّى بـ (الاتِّساق) أو (السبك).
٢- الناحية الداخلية (البنية العميقة)، وهو ما يُسمّى بـ (الانسجام) أو (الحبك).
وهذا يتطلَّب معرفة أهمّ المصطلحات التي نعتمد عليها في هذه الدراسة، لذا سندرس هذه
المصطلحات ونتعرَّف عليها أوَّلاً، ثمّ نشرع بتطبيقها على بعض نصوص الغيبة التي
جاءتنا عن طريق النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم
السلام).
الاتِّساق:
الاتِّساق لغةً:
من يتصفَّح المعاجم اللغوية بحثاً عن معنى مفردة (الاتِّساق) يجدها تدلُّ على معانٍ
كثيرة، منها: الاجتماع والانتظام، فقد ورد في (لسان العرب) في باب (نسق): (النسق من
كلِّ شيء ما كان على طريقة نظام واحد عامٍّ في الأشياء)(٢٢).
و(التنسيق: التنظيم، والنسق ما جاء من الكلام على نظام واحد، وقال بعضهم:
الاتِّساق: الانتظام)(٢٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاتِّساق في الاصطلاح:
هو الكيفية التي يتمُّ بها ربط العناصر اللغوية على مستوى البنية السطحية بحيث
يُؤدّي السابق منها إلى اللاحق، إذ يعني الاتِّساق بكيفية ربط مكوِّنات النصِّ
السطحية أي بين العلامات اللغوية، وعُرِّف أيضاً بأنَّه: (ذلك التماسك الشديد بين
الأجزاء المشكِّلة لنصٍّ ما، ويُهتَمُّ فيه بالوسائل اللغوية الشكلية التي تصل بين
العناصر المكوِّنة لجزء من خطاب أو خطاب برمَّته)(٢٤).
إشكالية المصطلح:
تمَّ اختيار هذا المصطلح على الرغم من وجود مرادفات أُخرى تحمل نفس المعنى، كالسبك
والتضامِّ والتناسق والترابط الرصفي، لأنَّها لا تُعبِّر عن المعنى المراد تعبيراً
دقيقاً، فالسبك مصطلح تراثي يحمل معنى الترابط الشكلي، إلَّا أنَّه شاع أكثر في
التراث النقدي والبلاغي عند العرب. أمَّا مصطلح (التضامِّ) و(التناسق)، فهما غير
متداولين في أوساط اللسانيين. وأمَّا (الترابط الرصفي)، فهو مصطلح مركَّب لا يمكن
الاعتماد عليه. لذا وقع الاختيار على مصطلح (الاتِّساق)(٢٥).
يُعَدُّ الاتِّساق من أهمّ المعايير النصّية عند علماء لغة النصِّ، فهو عنصر جوهري
في تشكيل النصِّ وتفسيره. وتبدو أهمّيته في (جعل الكلام مفيداً، ووضوح العلاقة في
الجملة، وعدم اللبس في أداء المقصود، وعدم الخلط بين عناصر الجملة، واستقرار النصِّ
وثباته، وذلك بعدم تشتيت الدلالة الواردة في النصِّ)(٢٦).
وقد أكَّد كلٌّ من (هاليداي) و(رقيَّة حسن)(٢٧)
على أهمّية (الاتِّساق)، وذلك من خلال القول الآتي: (يقع الاتِّساق في النصِّ عندما
يتوقَّف تفسير عنصر في الخطاب على تفسير عنصر آخر، حيث يُفتَرض الأوَّل سلفاً
لتفسير الثاني، بمعنى أنَّه لا يمكن فكُّ شفرته بشكل فعّال إلَّا بالرجوع للثاني،
عندها يتمُّ الدمج بين العنصرين)(٢٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) نظرية لسانيات النصِّ:
٢٣؛ والاتِّساق والانسجام في رواية سمرقند: ٢٥.
(٢٥) لسانيات النصِّ: ٢٧.
(٢٦) نظرية علم النصِّ: ٨٠.
(٢٧) عالما لغة لهم مساهمة
أساسية في مجالي اللسانيات البنيويةِ الوظيفيةِ وتحليلِ الخطاب.
(٢٨) الاتِّساق والانسجام
في رواية سمرقند: ٢٥.
أدوات الاتِّساق:
١- الإحالة: من أهمّ وسائل التحام النصِّ واتِّساقه، وذلك من خلال الوسائل النحوية
التالية: الضمائر، أسماء الإشارة، الأسماء الموصولة، أدوات المقارنة مثل: التشبيه،
وكلمات المقارنة مثل: أقلّ، أكثر.
٢- الاستبدال: وهي عملية تتمُّ داخل النصِّ لتعويض عنصر في النصِّ بعنصر آخر.
٣- الحذف: يتمُّ الحذف عندما تكون هناك قرائن معنوية أو مقالية تومي إلى المحذوف
وتدلُّ عليه، تترك هذه الوسيلة للقارئ مساحةً ليمارس فعل القراءة.
٤- الوصل والفصل: وهما من العناصر المهمَّة في اتِّساق النصِّ، إذ يشير الوصل إلى
مكان اجتماع العناصر والصور وتعلُّق بعضها ببعض، أمَّا الفصل فيسهم في تماسك أجزاء
النصِّ باعتباره نوعاً من أنواع الربط، إلَّا أنَّه لا يعتمد على روابط شكلية
تتجلّى في البنية السطحية، بل يقوم على علاقة خفية قائمة بين جمل النصِّ.
٥- التكرار: يُقصَد به إعادة عنصر من العناصر المعجمية المشكِّلة للنصِّ.
٦- التضام: يتمثَّل في توارد زوج من الكلمات بالفعل أو بالقوَّة نظراً لارتباطهما
بحكم هذه العلاقة أو تلك(٢٩).
الانسجام:
يرتبط مفهوم الاتِّساق بمفهوم آخر وهو (الانسجام)، إذ يدرس الأوَّل البنية السطحية
الخارجية للنصِّ، ويدرس الثاني البنية العميقة للنصِّ. ويُؤكِّد المختصّون في الدرس
اللساني على أهمّية الاتِّساق والانسجام في النصِّ، ومن ذلك قول (ليندة قياس):
(يدرس الانسجام مدى تماسك النصِّ وترابط البنية الكلّية المشكِّلة للنصِّ، ويبحث
الاتِّساق عن وسائل الترابط الشكلي للأجزاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) المصدر نفسه: ٢٨.
المكوِّنة له، فالبحث في هاتين
القضيَّتين يُعَدُّ من صميم النظرية النصّية)(٣٠).
لقد حدَّد (ليفاندوفسكي)(٣١)
مفهوم الانسجام بأنَّه حصيلة تفعيل دلالي يُؤدّي إلى ترابط معنوي بين التصوّرات
والمعارف يُحدِّدها متلقّي النصِّ، حيث يقول: (ليس الحبك محض خاصٌّ من خواصِّ
النصِّ، ولكنَّه حصيلة اعتبارات معرفية (بنائية) عند المستمعين أو القرّاء، فالحبك
حصيلة تفعيل دلالي، ينهض على ترابط معرفي بين التصوّرات والمعارف من حيث هي مركَّب
من المفاهيم وما بينها من علاقات على أنَّها شبكة دلالية مختزنة، لا يتناولها
النصُّ غالباً على مستوى الشكل، فالمستمع أو القارئ هو الذي يُصمِّم الحبك الضروري
أو يُنشِئه)(٣٢).
وذهب (محمّد خطّابي) إلى أنَّ الانسجام أعمّ من الاتِّساق وأعمق منه، أمَّا (صبحي
إبراهيم الفقي) فدعا إلى التوحيد بين المصطلحين، لأنَّ كليهما يعني (التماسك
النصّي)(٣٣).
وإذا كانت وسائل اتِّساق النصِّ تبدو ظاهرة جليَّة في أغلب الأحيان، فإنَّ بناء
الانسجام على عكس ذلك، إذ يتطلَّب من القارئ صرف الاهتمام إلى جهة العلاقات
الدلالية الخفيَّة، التي لا يمكن الكشف عنها إلَّا بعد أن يمتلك القارئ ترسانة
معرفية تُمكِّنه من التغلغل داخل هذا النسيج اللغوي المتشابك(٣٤).
وسائل انسجام النصِّ عند دي بو جراند:
- العناصر المنطقية، كالسببية والعموم والخصوص.
- معلومات عن تنظيم الأحداث والأعمال والموضوعات والمواقف.
- السعي إلى التماسك فيما يتَّصل بالتجربة الإنسانية ويتدعَّم الالتحام بتفاعل
المعلومات التي يعرضها النصُّ مع المعرفة السابقة بالعالم(٣٥).
أدوات الاتِّساق في نصوص الغيبة:
الاتِّساق والانسجام من أهمّ وسائل التماسك النصّي والتي ترتبط بالناحية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠) لسانيات النصِّ: ٢٣.
(٣١) عالم لغة أُوربي.
(٣٢) الاتِّساق والانسجام
في سورة الكهف: ١٤٥.
(٣٣) المصدر نفسه: ١٤٧.
(٣٤) لسانيات النصِّ: ١٥٣.
(٣٥) النصُّ والخطاب
والإجراء: ١٠٣.
الشكلية والدلالية لأيِّ نصٍّ، فلا
بدَّ من دراستهما بصورة جيِّدة لمعرفة نصٍّ ما وآليات قبوله، ومن أهمّ وسائل وأدوات
الاتِّساق النحوي:
الإحالة: وهي من أهمّ وسائل التحام النصِّ واتِّساقه، وذلك بالوصل بين أواصر مقطع
ما أو الوصل بين مختلف مقاطع النصِّ، غير أنَّ العناصر المحيلة كيفما كان نوعها لا
تكفي بذاتها من حيث التأويل، إذ لا بدَّ من العودة إلى ما تشير إليه من أجل تأويلها(٣٦)،
وتُقسَّم إلى:
١- الإحالة المقامية: وتُعرَّف على أنَّها هي إحالة عنصر لغوي إحالي على عنصر إشاري
غير لغوي موجود في المقام الخارجي، كأن يحيل ضمير المفرد المتكلِّم على ذات صاحبه
المتكلِّم حيث يرتبط عنصر لغوي إحالي بعنصر لغوي إشاري هو ذات المتكلِّم، ويمكن أن
يشير عنصر لغوي إلى المتكلِّم ذاته في تفاصيله أو مجملاً فيه، إذ يُمثِّل كائناً أو
مرجعاً موجوداً مستقلّاً بنفسه، فهو يمكن أن يحيل عليه المتكلِّم، بحيث تكون
الإشارة إلى خارج النصِّ(٣٧)،
ولا يتمُّ معرفة هذا النوع من الإحالة إلَّا بمعرفة الأحداث وسياق الحال.
٢- الإحالة النصّية: وهي إحالة إلى داخل النصِّ، ولها دور هامٌّ في خلق ترابط بين
جزيئات النصِّ، وتنقسم إلى:
أ- إحالة قبلية: وهي إحالة على سابق أو إحالة بالعودة، ويُقصَد بها استعمال كلمة أو
عبارة تشير إلى كلمة سابقة لها داخل النصِّ.
ب- إحالة بعدية: وهي استعمال كلمة أو عبارة تشير إلى كلمة أو عبارة أُخرى ستُستَعمل
لاحقاً في داخل النصِّ.
ومن أهمّ وسائل الاتِّساق الإحالية:
١- الضمائر.
٢- أسماء الإشارة.
٣- المقارنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) الاتِّساق والانسجام
في رواية سمرقند: ٢٨.
(٣٧) الاتِّساق والانسجام
في سورة الكهف.
٤- الأسماء الموصولة.
بعد أن مررنا سريعاً بموضوعي الاتِّساق والانسجام وعرفنا أهمّيتهما في الدراسة
النصّية ودور كلٍّ منهما في تفكيك النصوص وفهمه، سنبدأ بتطبيق هذه الدراسة على
مجموعة من نصوص الغيبة التي جاءتنا عن طريق النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وندرسها وفق السياقات التي قيلت فيها وما مدى
اتِّساقها.
النصُّ من الله تعالى على القائم وأنَّه
الثاني عشر من الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام):
روي عن النبيِّ المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين عُرِجَ به إلى السماء
وأخبره الباري (عزَّ وجلَّ) عن الخليفة من بعده وفضله على الأُمَّة، وأنَّه سيخرج
من صلبه أحد عشر مهديّاً كلُّهم من الزهراء البتول، ثمّ يصف آخر رجل منهم قائلاً
(جلَّ من قائل): «وآخر رجلٍ منهم يُصلّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلاً كما
مُلِئَت ظلماً وجوراً، أُنجي به من الهلكة، وأهدي به من الظلال، وأُبرئ به من
العمى، وأشفي به المريض»، فقال النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إلهي
وسيِّدي، ومتى يكون ذلك؟»، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ): «يكون ذلك إذا رُفِعَ العِلْم،
وظهر الجهل، وكثر القرّاء، وقلَّ العمل، وكثر القتل، وقلَّ الفقهاء الهادون، وكثر
فقهاء الضلالة والخونة، وكثر الشعراء، واتَّخذ أُمَّتك قبورهم مساجد، وحليت
المصاحف، وزُخْرِفَت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمر أُمَّتك به،
ونهوا عن المعروف، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وصارت الأُمراء كفرة،
وأولياؤهم فجرة، وأعوانهم ظلمة، وذوي الرَّأي منهم فسقة، وعند ذلك ثلاثة خسوف: خسف
بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخراب البصرة على يد رجل من ذرّيتك
يتبعه الزنوج، وخروج رجل من ولد الحسين بن عليٍّ، وظهور الدجّال يخرج بالمشرق من
سجستان، وخروج السفياني»(٣٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) بحار الأنوار ٥١: ٧٠.
تتجلّى ظاهرة الإحالة في المقطع الأوَّل من هذا النصِّ من خلال:
الضمائر التي تعود مرَّةً على الإمام (عليه السلام) وتحيل الفعل إليه، فهو الذي
سيملأ الأرض عدلاً، وهو الذي يُصلّي خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام).
ومرَّةً ثانية عودة الضمير الياء (ياء المتكلِّم) على الله تعالى الذي يشير إلى
أنَّه سيكون سبباً في نجاة العباد وهدايتهم وبصيرتهم وشفائهم.
لقد ساهمت الإحالة بطريقة أو بأُخرى بنسبة الفعل مرَّةً إلى الله تعالى ومرَّةً إلى
الإمام (عليه السلام)، وهنا تتجلّى جمالية ودقَّة هذا النصِّ في التقسيم، فقد ذكر
في بداية النصِّ بأنَّ الإمام (عليه السلام) سيملأ الأرضَ عدلاً وسيُصلي خلفه عيسى
بن مريم، ولكن هل هذا الفعل من تلقاء نفسه؟ أي هل له القدرة على أن يُنفِّذ هذه
المهمَّة لوحده أم أنَّ الله تعالى سيوفقه لذلك؟ نرى أنَّ الإجابة تأتي في تكملة
النصِّ، والتي يتحدَّث فيها (عزَّ وجلَّ) قائلاً بأنَّه أنا الذي أُنجي، وأنا الذي
أهدي وأُبرئ وأشفي؛ أي إنَّ أيَّ فعل سيقوم به الإمام فهو بمشيئتي وقدرتي، وإنَّما
هو وسيلتي لذلك، كما أنَّ عيسى بن مريم كان يُحيي الموتى ويُبرئ المرضى بإذن الله
تعالى.
قال تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ
الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ (آل عمران: ٤٩).
وتتجلّى مظاهر الإحالة النصّية في «يُصلّي خلفه ويملأ الأرض»، إذ أُحيلت الضمائر
(الهاء والضمير المستتر هو) إلى سابق في النصِّ، وهو كلمة (رجلٍ)، وأُحيلت الكلمات
(أُنجي به، وأهدي به، وأُبرئ به، وأشفي به) على سابق وهو الله (جلَّ وعلا).
وأُحيل الضمير الياء إلى الفاعل الذي هو خارج النصِّ، وهو المُخاطِب، وهو الله
(جلَّ جلاله).
وإذا ما نظرنا في سياق هذا النصِّ
وجدنا أنَّ المقام هو في السماوات العلى، والمُخاطِب هو الله، والمُخاطَب هو رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والخطاب هو تكليف وتنصيب وبيان لمقام الأئمَّة
(عليهم السلام)، لذا استلزم أن يكون الحديث واضحاً، وفيه إشارات واضحة لمقام هذا
الإمام. ويتجلّى ذلك في الجزء الثاني من النصِّ، والذي يُبيِّن فيه الباري صفات
العصر الذي سيسبق ظهور هذا الإمام، ويشرحها بالتفصيل، في حين أنَّه اكتفى بذكر
أسماء الأئمَّة الذين سبقوه فقط، ولم يُطِل في الحديث عنهم.
الحذف:
يُشكِّل الحذف أهمّية بالغة في معرفة مدى تماسك النصِّ، ولا يمكننا معرفة الحذف من
دون قرينة دالَّة عليه كالتكرار، أو من خلال كلمات سابقة أو لاحقة للجملة.
والحذف على أنواع:
حذف لكلمة أو لجملة أو لعبارة كاملة، وهذا الحذف هو الذي ساعد على تماسك واتِّساق
النصِّ. وأيضاً يرتبط الحذف بالإحالة من ناحية أنَّ المحذوف يجب أن يدلَّ عليه دليل
أو قرينة سابقة أو لاحقة له، وإلَّا اختلَّ معنى الجملة، وبالتالي تفكُّك النصِّ
وعدم فهمه بوضوح.
ويتجلّى الحذف حذف الفاعل في جملة (يملأ الأرض)، فحذف الفاعل الذي هو الإمام (عليه
السلام)، ودلَّ عليه دليل سابق وهو قوله: (وآخر رجل منهم).
الوصل:
تشير أدوات الوصل في النصِّ إلى مكان تجتمع فيه الأجزاء وترتبط مع بعضها حتَّى تكون
كالشيء الواحد، ومن أشهر أدوات الربط:
حروف العطف، ويكون الربط بهذه الحروف على صور عدَّة(٣٩):
١- مطلق الجمع يربط بين صورتين أو أكثر متَّحدتين من حيث البنية، ويُستَخدم لذلك:
(الواو، بالإضافة إلى، علاوة على هذا).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) لسانيات النصِّ: ٣٠.
٢- التخيُّر يربط بين صورتين تكونان
متماثلتين من حيث المحتوى، ويقع الاختيار على محتوى واحد وأداة الاختيار (أو).
٣- الاستدراك، ويضمُّ صورتين من صور المعلومات بينهما علاقة تعارض، ويمكن استخدام
(لكن، بل، مع ذلك).
٤- التفريع، ويشير إلى العلاقة بين صورتين بينهما حالة تدرُّج، وتحقُّق أحدهما
يتوقَّف على حدوث الآخر، ويُستَخدم لذلك: (لأن، ما دام، من حيث، لهذا...).
إنَّ وجود هذه الأدوات في أيِّ نصٍّ يساعد على ربط أجزاء النصِّ بعضها ببعض.
الفصل:
أمَّا الفصل، فهو يسهم في تماسك أجزاء النصِّ باعتباره نوعاً من أنواع الربط إلَّا
أنَّه يعتمد على روابط شكلية تتجلّى في البنية السطحية، بل يقوم على علاقة خفيَّة
قائمة بين جمل النصِّ(٤٠)،
ومن شروط العطف(٤١):
١ - لا يجوز أن نعطف الشيء على نفسه.
٢ - لا يجوز العطف بين أمرين لا يجمعهما أيُّ جامع.
٣ - لا يجوز حذف حروف العطف أو إضمارها.
ونجد أدوات الوصل في النصِّ الذي سبق حيث استعمل الواو للربط بين الجمل (أُبرئ به
وأشفي به وأهدي به)، أي إنَّ هذه الأفعال مجتمعة كلَّها سيُحقِّقها عن طريق هذا
الشخص، ومن ثَمَّ في النصِّ الذي يليه، فإنَّ استخدام الواو للعطف في الجمل يدلُّ
على أنَّ هذه العلامات يجب أن تتحقَّق كلُّها حتَّى يخرج الإمام (عليه السلام).
ومن المعلوم أنَّ الواو في اللغة العربية تُستَخدم للمشاركة بين المعطوف والمعطوف
عليه حكماً وإعراباً، مثل: (نام جهاد وسليم)، ولا تفيد وجود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترتيب بينهما، ولا تشير إلى
التعقيب، إِذ قد يكون جهاد نام أوَّلاً، أو سليم نام أوَّلاً، كما يمكن أن يكون
سليم وجهاد ناما معاً. أي ما معناه: إنَّ تحقق هذه العلامات مجتمعة ومشتركة هو الذي
سيكون في عصر الظهور، ولا يُشتَرط فيها ترتيب أو تسلسل معيَّن.
التكرار:
يُعتَبر التكرار واحداً من عوامل الاتِّساق النصّي، إذ يعمل على تحقيق التماسك
النصّي بين عناصر النصِّ المتباعدة، ويساعد التكرار على جعل النصِّ متماسك الأجزاء
يُكمِل بعضه بعضاً، وذلك في تكرار الضمير (الهاء) العائد على الإمام (عليه السلام)
في قوله: (أُنجي به، وأشفي به، وأُبرئ به). وتكرار كلمة الخسف في قوله: (وخسف في
المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب) تأكيداً منه على حدوث هذا الأمر،
وتفصيل ذلك وإيضاحه حتَّى لا يلتبس على أحدٍ، وأيضاً تكرار كلمة الخروج في الفقرة
التي تليها، وخروج السجستاني والسفياني، والخروج هنا بمعنى الظهور.
نصُّ النبيِّ الأطهر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على غيبة
الإمام المنتظر (عليه السلام):
عن ابن عبّاس، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ عليَّ بن أبي طالب
إمام أُمَّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر، الذي يملأ الله به
الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقِّ بشيراً إنَّ
الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزَّ من الكبريت الأحمر»، فقام إليه جابر
الأنصاري وقال: يا رسول الله، للقائم من ولدك غيبة؟ قال: «إي وربّي، ﴿وَلِيُمَحِّصَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. يا
جابر، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله، مطويٌّ عن عباد الله،
فإيّاك والشكَّ فيه، فإنَّ الشكَّ في أمر الله (عزَّ وجلَّ) كفر»(٤٢).
تتجلّى الإحالة في هذا النصِّ في الهاء في (ولده) التي تعود على أمير المؤمنين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) كمال الدين: ٢٧٢.
(عليه السلام)، وهي إحالة على سابق،
والهاء في (به) التي تعود على الإمام إحالة على سابق أيضاً، وقوله: (الثابتين على
القول به) إحالة على سابق أيضاً.
وفي قوله: (يملأ الله الأرض به، والثابتين على القول به، زمن غيبته) إحالة على
سابق، وهو القائم المنتظر (عليه السلام).
إنَّ الإشارة إلى الإمام بهذه الضمائر وعدم ذكره في كلِّ مرَّة ساهمت في اتِّساق
النصِّ وبلاغته وجماليته، وهذا يدفعنا للخوض في مجال هذا الخطاب أو المقام الذي قيل
فيه هذا النصُّ، وهو زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زمن البلاغة والفصاحة
ونزول القرآن، فالمتلقّي للنصِّ على معرفة تامَّة باللغة التي يتحدَّث فيها النبيُّ
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحتَّى لا يستغرب الجمع من هذا الأمر توجَّه جابر بن
عبد الله بالسؤال قائلاً: يا رسول الله، للقائم من ولدك غيبة؟ فأجاب (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) بنعم، ولكن أعقب هذه النعم بقوله: (إنَّ هذا أمر من أمر الله
وسرٌّ من سرِّ الله)، فأحال الجواب إلى خارج النصِّ، ولم يُخبِره بتفاصيل وحكمة هذه
الغيبة.
وللوصل دور مهمٌّ في اتِّساق النصِّ وترابطه وإيضاح معانيه، فقد ربط القول في بداية
الحديث بقوله: (عليٌّ إمام أُمَّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم
المنتظر)، أي إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يشارك أمير المؤمنين (عليه السلام)
في الإمامة والاستخلاف على الأرض. ويجمع بين القسط والعدل، وهما كلمتان مترادفتان،
وبين الظلم والجور، وهما أيضاً مترادفتان، أي إنَّ العدالة بأسمى معانيها وأجلاها
ستتحقَّق عن طريق الإمام، وسيقضي على الظلم بكلِّ أنواعه.
وفي الفقرة الثانية من الحديث يجمع بين القولين: ﴿وَلِيُمَحِّصَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤١)، فإنَّه
في الفقرة الأخيرة يجمع بين العطف والتكرار تأكيداً منه على أهمّية الموضوع، وذلك
قوله: (يا جابر، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرِّ الله تعالى)، ثمّ
يُؤكِّد في قوله: (مطويٌّ عن عباد الله، فإيّاك والشكَّ فيه، فإنَّ الشكَّ في أمر
الله تعالى كفر).
نصُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الغيبة:
وفي حديث لأمير المؤمنين (عليه السلام) مع الإمام الحسين (عليه السلام) يقول فيه:
«التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحقِّ، المظهر للدين، والباسط للعدل»، فقال
الحسين (عليه السلام): «يا أمير المؤمنين، وإنَّ ذلك لكائن؟»، فقال: «إي والذي بعث
محمّداً بالنبوَّة واصطفاه على جميع البريَّة، ولكن بعد غيبة وحيرة، فلا يثبت فيها
على دينه إلَّا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله (عزَّ وجلَّ)
ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم بروح منه»(٤٣).
في بداية الحديث إشارة صريحة إلى الإمام (عليه السلام)، وإحالة على لاحق، وهو
القائم بالحقِّ، ومن ثَمَّ تفصيل في ذكره، وإحالة الصفات التي تليها على سابق، وهو
قوله: (من ولدك).
فالقيام بالحقِّ والإظهار للدين وبسط العدل هذه كلُّها أفعال الإمام (عليه السلام)،
والذي دلَّ على ذلك هو حرف العطف (الواو)، فإنَّ فيها إحالة على سابق، وهو (التاسع
من ولدك يا حسين).
واستخدام العطف في الفقرة التالية في قوله: (والذي بعث محمّداً بالنبوَّة واصطفاه
على جميع البريَّة)، ثمّ فرَّق الجملة وفصلها بقوله: (ولكن بعد غيبة وحيرة)، ومن
ثَمَّ ذكر صفات الثابتين في زمن الإمام (عليه السلام)، وهم: (المخلصون، المباشرون
لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم بروح منه)،
أي: منه سبحانه وتعالى.
لقد جعل الإخلاص من أوَّل صفات هؤلاء، ومن ثَمَّ فإنَّ الإخلاص في العمل يُؤدّي إلى
الارتقاء بالنفس، فتصبح على درجة عالية من اليقين، وعند ذاك سيأخذ الله ميثاقهم
ويُثبِّت قلوبهم ويملؤها بالإيمان ويُؤيِّدهم بروح منه. إنَّ التسلسل في هذه الصفات
والترتيب الذي جاءت به يفضي عن بلاغة القائل، وبلاغة المستمع، وأهمّية المقال
(النصِّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) المصدر نفسه: ٢٨٦.
وفي (المخلصون، والمباشرون لروح
اليقين، والذين أخذ الله ميثاقهم، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم برح منه) إحالة
إلى خارج النصِّ.
إنَّ هذا النوع من الإحالة يجعل القارئ يبحث خارج النصِّ عن صفات هؤلاء الذين
ذُكروا قبل أكثر من (١٤٠٠) عام، ويُعطي للقارئ إحاطة كاملة عن معرفة هذه الشخصية
التي يُؤكِّد عليها الإمام (عليه السلام) في حديثه، فالخطاب موجَّه بطبيعته إلى
الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن هل الحسين (عليه السلام) لا يعرف بذلك فيسأل:
(وإنَّ ذلك لكائن؟)، إذن من هذا نفهم أنَّ الخطاب لم يكن موجَّهاً للإمام (عليه
السلام)، وإنَّما هو لمن يأتي ويعيش هذا الزمن زمن الغيبة.
لا يوجد حذف في الحديث، فالحديث صريح وواضح وخالٍ من أيِّ إبهام.
نصُّ الإمام الحسن (عليه السلام) عن الغيبة:
عن الإمام الحسن (عليه السلام): «أمَا علمتم أنَّه ما منّا أحدٌ إلَّا ويقع في عنقه
بيعة لطاغية زمانه إلَّا القائم الذي يُصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه؟ فإنَّ
الله (عزَّ وجلَّ) يُخفي ولادته، ويُغيِّب شخصه، لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا
خرج، وذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيِّدة الإماء، يُطيل الله عمره في غيبته،
ثمّ يظهر بقدرته في صورة شابٍّ دون أربعين سنة، وذلك ليعلم أنَّ الله على كلِّ شيء
قدير»(٤٤).
أحال الكلام إليهم (صلوات ربّي عليهم)، إذ إنَّه لا يوجد أحد منهم إلَّا وكانت له
بيعة لطاغية من طواغيت زمانه إحالة على سابق، وهم الأئمَّة (عليهم السلام)، ومن
ثَمَّ استخدم الاستثناء، ففصل الكلام بـ (إلَّا)، أي إنَّه هو الوحيد الذي لا تقع
في عنقه بيعة لطاغية، وبعدها بدأ بالتفصيل في شأنه باستخدام الاسم الموصول (الذي)،
فيذكر أنَّ عيسى (عليه السلام) سيُصلّي خلفه، ولم يذكر التفصيلات، فلم يذكر أنَّ
عيسى رُفِعَ إلى السماء وأنَّه سيعود في زمن الإمام (عليه السلام) اعتماداً منه على
طبيعة فهم المتلقّي ومعرفته السابقة بهذا الأمر، وبعدها يذكر خفاء الولادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) المصدر نفسه: ٢٩٨.
والغيبة، وثمّ يشير إليه باسم
الإشارة (ذلك)، ولم يذكره إنَّما اكتفى بذكر لقبه (التاسع)، ويعود فيصل الكلام بـ
(ثمّ)، ويشير إلى الله تعالى بقوله: (بقدرته)، فالضمير (الهاء) يشير إلى الله
تعالى، وفيه إحالة إلى خارج النصِّ، ويوصل الكلام بـ (الواو)، ويحذف الفاعل من
الجملة الأخيرة (ليعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير) ليعلم هو.
إنَّ تقديم الحديث عن البيعة وترك التفصيلات في موضوع الغيبة لأنَّ موضوع البيعة هو
واحد من الأسباب التي ساهمت بشكل أو بآخر بموضوع الغيبة.
نصُّ الإمام الحسين (عليه السلام) عن الغيبة:
يقول الإمام الحسين (عليه السلام): «قائم هذه الأُمَّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب
الغيبة، وهو الذي يُقسَّم ميراثه وهو حيٌّ»(٤٥).
نجد الإحالة تمثَّلت في (قائم هذه الأُمَّة) إحالة على لاحق وهو (التاسع من ولدي)،
التاسع من ولد، و(صاحب الغيبة، يُقسَّم ميراثه وهو حيٌّ) إحالة على سابق وهو (قائم
هذه الأُمَّة).
التكرار (هو) يُؤكِّد أنَّه شخص واحد.
العطف باستخدام (الواو) يدلُّ على أنَّ هذه الصفات كلَّها مشتركة قد اجتمعت فيه.
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام السجّاد
(عليه السلام):
عن الإمام السجّاد (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه: «يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان
غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلِّ زمان، لأنَّ الله تبارك
وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة
المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أُولئك
المخلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً»(٤٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غيبته، إمامته، ظهوره، كلُّها تشير
إلى الإمام (عليه السلام)، وتحيل إلى خارج النصِّ.
ويجمع بين (القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره في زمنه) بحرف العطف الواو،
ويُعلِّل سبب ذلك بأنَّ الله سبحانه وتعالى (أعطاهم) إحالة على سابق وهو (أهل
زمانه). (من العقول والأفهام والمعرفة ما جعل الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة) أي
إنَّهم تيقَّنوا بوجود الإمام (عليه السلام)، منتظرين لظهوره، مستعدِّين للجهاد بين
يديه، فهو بمنزلة المجاهدين مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهم:
(المخلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً)، فإنَّ
استخدام حرف العطف (الواو) يشاركهم جميعاً بهذه الصفات.
نصُّ الغيبة في حديث الإمام الباقر (عليه
السلام):
عن الباقر (عليه السلام): «إنَّ في القائم من آل محمّد شبهاً من خمسة من الرُّسُل:
يونس بن متّى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فأمَّا شبهه من يونس بن متّى فرجوعه من غيبته وهو شابٌّ بعد كبر السنِّ، وأمَّا
شبهه من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصَّته وعامَّته واختفاؤه من إخوته وإشكال أمره
على أبيه يعقوب مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته، وأمَّا شبهه من موسى
فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته وتعب شيعته من بعده ممَّا لقوا من الأذى
والهوان إلى أن أذن الله (عزَّ وجلَّ) في ظهوره ونصره وأيَّده على عدوِّه، وأمَّا
شبهه من عيسى فاختلاف من اختلف فيه حتَّى قالت طائفة: ما وُلِدَ، وقالت طائفة:
ماتَ، وقالت طائفة: قُتِلَ وصُلِبَ، وأمَّا شبهه من جدِّه المصطفى فخروجه بالسيف
وقتله أعداء الله وأعداء رسوله الجبّارين والطواغيت وأنَّه يُنصَر بالسيف والرعب
وأنَّه لا تُرَدُّ له راية»(٤٧).
نصٌّ رائع للإمام الباقر (عليه السلام) يبدأ بذكر القائم (عليه السلام)، ومن ثَمَّ
فإنَّه يشدُّ المستمع أو القارئ للنصِّ، فيُشبِّه الإمام (عليه السلام) بخمسة من
الأنبياء (عليهم السلام)، من هم الأنبياء (عليهم السلام)؟ ما الصفة التي اشترك بها
الإمام (عليه السلام) مع هؤلاء الأنبياء؟ وما هو وجه الشبه بينه وبينهم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) المصدر نفسه: ٣٠٧.
العطف في هذا النصِّ بحرف العطف
(الواو) يجعل من الإمام (عليه السلام) مشاركاً لهم في بعض صفاتهم.
تمثَّلت الإحالة في (رجوعه، غيبته، خاصَّته، عامَّته، خوفه، ولادته، شيعته، ظهوره،
نصره، أيَّده، عدوِّه، شبهه، جدِّه، خروجه، قتله)، فكلُّ الضمائر التي في هذه
الكلمات تعود على الإمام (عليه السلام)، وفيها إحالة على سابق، وهو القائم من آل
محمّد (عليهم السلام) الذي ذُكِرَ في بداية الحديث.
والتكرار هنا يفيد التأكيد، فقد كرَّر كلمة الغيبة (٣) مرّات إشارةً منه إلى حدوثها
لا محالَ، ومن ثَمَّ استخدام مرادف لكلمة الغيبة وهو (الاختفاء).
وكلمة طائفة فقد تكرَّرت (٣) مرّات، والغاية من ذلك هي أن يُخبِر المتلقّي بتعدُّد
الطوائف واختلاف الأُمم في زمنه (عليه السلام)، فبين منكر له وبين شاكٍّ فيه وبين
ضالٍّ لا يهتدي.
وتكرَّرت كلمة شبهه (٦) مرّات، يريد أن يُشبِّه الإمام (عليه السلام) في صفة واحدة
من صفات هذا النبيِّ (عليه السلام) أو ذاك لا كلِّها، لذا فإنَّه في حديثه عن كلِّ
نبيٍّ استخدم مفردة التشبيه حتَّى لا يذهب المتلقّي بعيداً ويظنُّ بأنَّ الإمام
(عليه السلام) في حديثه هذا يريد أن يساوي بين الإمام وبين الأنبياء أو يقارن
بينهم، وإنَّما أراد بيان وجه الشبه بينه وبين من سبقه من أنبياء الله تعالى الذين
جاهدوا من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونشر راية الحقِّ وإقامة دولة العدل الإلهي
على الأرض.
وإنَّ تكراره لكلمة (أعداء) مرَّتين فيه جانب دلالي، فقوله: (أعداء الله وأعداء
رسوله) يجعلنا نسأل: ألم يذكر الله تعالى في محكم كتابه العزيز وفي الأحاديث التي
نزلت على الحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ أعداء رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) هم أعداء الله؟ فَلِمَ لَمْ يقل: أعداء الله ورسوله؟! إنَّ
في ذلك إشارة واضحة على أنَّ الإمام (عليه السلام) سيظهر في زمن تكثر فيه الأقاويل
والأحاديث عن الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيدَّعي
البعض بحبِّه لمحمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) واتِّباعه له، ويقتل ذرّيته، ويُحلِّل سفك دمائهم، أُولئك الذين
يدَّعون بأنَّهم مسلمون وملتزمون بكلِّ ما أمر به الله تعالى إلَّا في بعض الأُمور
التي تتعارض مع مصالحهم، فهم أعداء لله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ألم يقل في نصوص عديدة من الزيارات: «إنّي سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم، وعدوٌّ
لمن عاداكم، ومحبٌّ لمن أحبكم»؟
ومن ثَمَّ يأتي إلى التفصيل بعد ذلك قائلاً: (وأمَّا شبهه من يونس فهو رجوعه من
غيبته وهو شابٌّ بعد كبر السنِّ)، فوجه الشبه بينه (عليه السلام) وبين يونس (عليه
السلام) الغيبة والظهور بعدها، وعدم تأثُّره أو تغيُّر ملامحه رغم كبر سنِّه
والفترة الطويلة التي قضاها منتظراً.
ووجه الشبه بينه وبين يوسف (عليه السلام): (فالغيبة من خاصَّته وعامَّته، واختفاؤه
من إخوته، وإشكال أمره على يعقوب (عليه السلام).
وأمَّا وجه الشبه بينه وبين موسى (عليه السلام): (فطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب
شيعته من بعد ما لاقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن الله بظهوره ونصره وأيَّده على
عدوِّه).
وشبهه من عيسى (عليه السلام): (فاختلاف من اختلف فيه، فمنهم من قال: إنَّه لم
يُولَد، ومنهم من قال: ماتَ، ومنهم من قال: قُتِلَ وصُلِبَ).
وللقائم (عليه السلام) شبه بجدِّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو:
(خروجه بالسيف، وقتله أعداء الله تعالى، ولا تُرَدُّ له راية).
يحوي هذا النصُّ بين طيّاته إشارات كثيرة ذُكِرَت مرَّةً بصورة مباشرة ومرَّةً
بصورة غير مباشرة عن غيبة الإمام (عليه السلام)، ويجب أن نلاحظ أنَّ السياق الذي
تحدَّث فيه الإمام (عليه السلام) هو الذي فرض على الإمام (عليه السلام) أن يُفصِّل
بصورة مباشرة وواضحة جدّاً، فعصر الإمام الباقر (عليه السلام) والأحداث التي شهدها
بعد
مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)
واستفحال الظلم والجور تطلَّب ذلك أن يُنبِّه الناس ويُذكِّرهم بأنَّ الله تعالى
سيُظهِر الحقَّ ولو بعد حين.
الغيبة في حديث الإمام الصادق (عليه السلام):
عن ابن الفضل يقول: سمعت الصادق جعفر بن محمّد يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا
بدَّ منها يرتاب فيها كلُّ مبطل»، فقلت: فلِمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن
لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه
الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حُجج الله (جلَّ ذكره)، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا
ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من
خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل،
إنَّ هذا الأمر أمر من الله تعالى، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى
علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلَّها حكمة وإن كان وجهها غير
منكشف»(٤٨).
إنَّ التأكيد على مسألة غيبة الإمام (عليه السلام) والتمهيد لها منذ زمن النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن سبقه من الأنبياء (عليهم السلام) لم تكن كما فعل
ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) الذي تحدَّث عن هذا الموضوع بصور شتّى، وقد يعود
سبب ذلك إلى الفسحة الزمنية التي عاشها الإمام (عليه السلام) في أثناء سقوط دولة
بني أُميَّة واستلام العبّاسيين للحكم.
لقد استهلَّ الحديث بذكر الإمام (عليه السلام)، وأطلق عليه (صاحب الأمر)، وبعد ذلك
تحدَّث عن الغيبة وأنَّه لا بدَّ منها.
وأمَّا التكرار، فإنَّه يُؤكِّد على أنَّ الإمام يجعل هذا الأمر وبيانه ومعرفته
عائداً إلى الله تعالى.
ثمّ يعود السائل ليسأل: متى ذلك؟ فيُجيب الإمام (عليه السلام): (لأمر لم يُؤذَن لنا
في كشفه لكم)، لقد انتقل به إلى خارج النصِّ، وأحال الأمر إلى الله تعالى الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) كمال الدين ٢: ٤٣٥/ باب علل الغيبة.
أشار إليه في الفقرات الأخيرة من
النصِّ، وهو قوله: (إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من
غيب الله).
ويعود السائل ليسأل مرَّةً أُخرى: ما الحكمة من ذلك؟ فيُجيب الإمام (عليه السلام)
بأنَّ وجه الحكمة هو نفسه وجه الحكمة في غيبات من سبقه من الأنبياء. لقد انتقل
بالقارئ وأحاله إلى خارج النصِّ ليبحث في غيبات الأنبياء والأسباب التي أدَّت لها.
ومن ثَمَّ ينقلنا إلى الخضر (عليه السلام) وقصَّته، وسبب قتل الغلام، وخرق السفينة،
وإقامة الجدار، وأنَّه اقتضت حكمة الله تعالى ومشيئته عدم معرفة السبب لموسى (عليه
السلام) إلَّا بعد افتراقهما.
ويختم الإمام حديثه بأنَّ هذه الغيبة فيها حكمة من الله تعالى، فيجب علينا التصديق
بها وعدم إنكارها حتَّى وإن كان وجه الحكمة غير منكشف.
إنَّ تسلسل الأحداث وترتيب الأسباب والمسبَّبات التي دعت إلى الغيبة في حديث الإمام
(عليه السلام) وإقامته للحجَّة من خلال ذكر قصَّة الخضر وموسى (عليهما السلام)
ساعدت على اتِّساق النصِّ وانسجامه وترابط مكوِّناته ليصل إلى مستوى الإثبات
والبرهان والحجَّة لمن أراد إثبات غيبة الإمام (عليه السلام).
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام الكاظم
(عليه السلام):
في حديث له مع أخيه عليِّ بن جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا فُقِدَ الخامس من ولد
السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلنَّكم أحد عنها، إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا
الأمر من غيبة حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هي محنة من الله
(عزَّ وجلَّ) امتحن الله بها خلقه، ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا
لاتَّبعوه»، فقلت: يا سيِّدي، وما الخامس من ولد السابع؟ فقال: «يا بُنَيَّ، عقولكم
تضعف عن ذلك، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تُدرِكونه»(٤٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) كمال الدين ٢: ٣٣٧.
تتجلّى أدوات الاتِّساق في هذا
النصِّ بالإحالة التي يبدأ بها الإمام (عليه السلام)، فيحيل المستمع أو القارئ إلى
أن يبحث عن المقصود خارج النصِّ وهو (السابع)، فمن هو السابع؟
ومن ثَمَّ يحيل الغيبة إلى صاحب هذا الأمر، وفي ذلك إحالة على سابق، والهاء في (به).
ثمّ يحيل الإجابة على السؤال الذي وُجِّه إليه عن (الخامس من ولد السابع) إلى خارج
النصِّ حتَّى يظلَّ يبحث في معنى هذه الإشارة ومضمونها. ويُعلِّل عدم إجابته بأنَّ
عقولكم لم تتهيَّأ بعد لفهم هذا الأمر واستيعابه.
وقال (عليه السلام) في حديث آخر له: «طوبى لشيعتنا، المتمسِّكين بحبلنا في غيبة
قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أُولئك منّا ونحن منهم، فطوبى
لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(٥٠).
يتحدَّث الإمام في هذا النصِّ عن الغيبة بصورة أكثر وضوحاً، ويشير إلى شيعة الإمام
(عليه السلام) في ذلك الزمن، ويصفهم بأنَّهم (منّا ونحن منهم). ويُكرِّر كلمة
(طوبى) مرَّتين تأكيداً منه على المنزلة التي سينالها هؤلاء. ويستخدم الضمير (هم)
للإشارة إليهم. ويُكثِر من استخدام ضمير الرفع (نا) إشارةً إليهم (عليهم السلام)
في: (شيعتنا، حبلنا، قائمنا، موالاتنا، أعدائنا، منّا، معنا).
النصُّ على الغيبة في حديث الإمام الرضا (عليه
السلام):
قيل للرضا (عليه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكنّي
لستُ بالذي أملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف
بدني؟! وإنَّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قويّاً في
بدنه حتَّى ولو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال
لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان (عليه السلام)، ذاك الرابع من
ولدي، يُغيِّبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يُظهِره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما
مُلِئَت جوراً وظلماً»(٥١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التفاتة جميلة من الإمام (عليه
السلام)، وإجابة دقيقة جدّاً، لم يجب الإمام بـ (نعم)، بل قال: (أنا صاحب هذا
الأمر) أي إنَّهم (صلوات ربّي عليهم) ولاة أمر المسلمين. ثمّ يستدرك الأمر ويُوضِّح
للسائل الإجابة قائلاً: (ولكنّي لستُ بالذي أملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً)، لقد
أحال الإمام (عليه السلام) الأمر إلى الإمام المنتظر (عليه السلام)، أي إنَّه من
يُحقِّق العدالة على وجه الأرض بفضل من الله تعالى ومنَّته.
ثمّ يقول: (وكيف ذلك على ما ترى من ضعف بدني؟!)، أكيداً أنَّ الإمام (عليه السلام)
أراد أن يُوضِّح للسائل أنَّ الإمام (عليه السلام) يتمتَّع بقوَّة خارقة بحيث إنَّه
لو مدَّ يده على أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها كجدِّه عليِّ بن أبي طالب (عليه
السلام) قالع باب خيبر.
إنَّ إشارات الإمام المتكرِّرة في هذا الحديث كلَّها تشير إلى الإمام المنتظر (عليه
السلام)، فمرَّةً يشير إلى الإمام (عليه السلام) بصورة صريحة ومؤكَّدة كما في قوله:
(القائم هو)، ومرَّةً عن طريق الضمائر التي تشير إليه كما في قوله: (قويّاً في
بدنه، ومدَّ يده، وصاح بين الجبال، ويكون معه، ذاك الرابع، ويغيبه الله، ثمّ
يُظهِره، فيملأ به الأرض). إنَّ هذه الإشارات المتكرِّرة من الإمام (عليه السلام)
تريد أن تُثبِت وتُوضِّح معالم هذا الإمام وصفاته حتَّى لا يشتبه به أحد وخصوصاً في
عصرٍ تشعَّبت فيه مضلّات الفتن.
أمَّا الإشارة إلى الغيبة في حديث الإمام (عليه السلام) قوله: (إذا خرج)، أي إنَّه
موجود ولكن لم يخرج حتَّى يراه العالم بعد.
وقوله (عليه السلام): (يُغيِّبه الله)، لقد أشار الإمام إلى الغيبة في بداية الحديث
كما قلنا، وهنا يُبيِّن ارتباط هذه الغيبة بالله تعالى، وأنَّه لن يخرج إلَّا إذا
شاء الله تعالى. ولم يُشِر إلى وقت وأوان الظهور، لأنَّ هذا الأمر سرٌّ من سرِّ
الله تعالى، وغيب من غيب الله تعالى، فلا يمكن لأحد معرفته. ولأنَّ الله تعالى هو
الذي أمر أولياءه بعدم الإخبار به.
لقد ذكر الإمام (عليه السلام) في
حديثه أنَّه سيخرج ومعه عصا موسى (عليه السلام) وخاتم سليمان (عليه السلام)، إشارةً
منه إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) سيكون مؤيَّداً من السماء، فبالإضافة إلى
القوَّة البدنية التي يتمتَّع بها، ستكون معه قوَّة السماء لتدعمه بالمعجزات التي
جاء بها أنبياء الله تعالى ورُسُله (عليهم السلام) في الأُمم الماضية.
وفي قوله: (الرابع من ولدي) يُؤكِّد الإمام (عليه السلام) على أنَّه من ذرّيته
الطاهرة، كما أشار إلى ذلك الإمام الكاظم (عليه السلام) في الحديث السابق، حتَّى
يدفعوا الشبهات عنه، ويُبطِلوا قول من يدَّعي الإمامة من غيرهم.
الغيبة في حديث الإمام الجواد (عليه السلام):
في حديث له مع أحد أصحابه يقول الإمام الجواد (عليه السلام): «يا أبا القاسم، إنَّ
القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن يُنتَظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث
من ولدي، والذي بعث محمّداً بالنبوَّة وخصَّنا بالإمامة إنَّه لو لم يبقى من الدنيا
إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
مُلِئَت جوراً وظلماً، وإنَّ الله تبارك وتعالى ليُصلِح أمره في ليلة، كما أصلح أمر
كليمه موسى، إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسولٌ نبيٌّ»، ثمّ قال: «أفضل
أعمال شيعته انتظار الفرج»(٥٢).
التأكيد على الإمام (عليه السلام) في بداية الحديث أكثر من مرَّة واضح جدّاً في
أحاديث الأئمَّة بعد الإمام الباقر (عليه السلام) تمهيداً لعصر الغيبة، وتأكيداً
على أنَّ الإمام (عليه السلام) منهم، لذا فإنَّ الإمام الجواد (عليه السلام) يشير
إلى الإمام (عليه السلام) بصفاته، وهي: (القائم والمهدي).
ويشير إلى أنَّه سيغيب، لذا وجب عليكم أن تنتظروه في غيبته، والخطاب هنا موجَّه إلى
شيعته في عصر الغيبة، لذا فإنَّ الضمير (الهاء) في غيبته يشير إلى الإمام (عليه
السلام)، والفعل (يُنتَظر) بُني للمجهول، والفعل يُطاع أيضاً، فمن يَنْتظِر ومن
وجبت عليه الطاعة هو المقصود بهذا الحديث، وهم الشيعة في عصر الغيبة، ثمّ يُحدِّده
الإمام بقوله: (هو الثالث من ولدي).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) المصدر نفسه: ٣٥٢.
بعدها يُقسِم الإمام بالله تعالى
الذي اختار جدَّهم المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخصَّه بالنبوَّة واختصَّهم
بالإمامة وجعلهم أوصياء من بعده. إنَّ القسم بهذه الطريقة خرج لغايتين:
الأُولى: هي إثبات وبرهان على أنَّ الأئمَّة هم مختارون من قِبَل الله تعالى.
والثانية: وهي أنَّهم هم الأئمَّة بأمر من الله تعالى، فلا يجوز لأحد غيرهم ادِّعاء
الإمامة، وأنَّ الله تعالى سينتصر بهم حتَّى لو بقي يوم واحد.
ثمّ يعود ليقول ويُؤكِّد أنَّ الله تعالى هو الذي أراد له الغياب، وأنَّه لن يخرج
إلَّا بأمر من الله تعالى، وسيُصلِح أمره كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام)،
بعد أن كان في حيرة من أمره، ففرَّج عنه وأكرمه وجعله رسولاً نبيّاً.
بعد ذلك يشير الإمام (عليه السلام) إلى شيعته والمنتظرين لظهوره ويقول: (أفضل أعمال
شيعته انتظار الفرج)، وقد أشار إلى هذا المعنى في بداية الحديث في قوله: (يجب أن
يُنتَظر في غيبته).
وهنا سؤال يُطرَح: هل الانتظار بلا عملٍ كافٍ، أم يجب أن يقترن الانتظار بالعمل
والاستعداد؟
إنَّ فلسفة الانتظار وفق هذا المفهوم تجعل من الفرد المسلم الذي يطمح إلى رؤية
العدالة تتحقَّق على يد وليٍّ من أولياء الله تعالى وحجَّة من حُججه مستعدّاً
نفسياً ومعنوياً ومنتظراً مترقِّباً لهذا اليوم الذي يقسم الإمام بأنَّه سيتحقَّق.
الغيبة في حديث الإمام الهادي (عليه السلام):
في حديث للإمام (عليه السلام) مع أحد أصحابه يذكر فيه الأئمَّة بالتفصيل إلى أن يصل
إلى صاحب الأمر، فيقول: «الإمام من بعدي ابني الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعده؟»،
قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟ قال: «لأنَّه لا يُرى شخصه، ولا يحلُّ ذكره باسمه
حتَّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٥٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) المصدر نفسه: ٣٥٣.
بداية الحديث إشارة إلى الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه هو الإمام الذي يجب اتِّباعه، (فكيف للناس
بالخلف من بعده؟) أي بعد الإمام الحسن (عليه السلام)، فيتعجَّب السائل من سؤال
الإمام (عليه السلام) على أوضاع الناس بعد الإمام العسكري (عليه السلام)، لأنَّه
سؤال سابق لأوانه يثير الدهشة والاستغراب لمن يسمع.
بعد ذلك يُبيِّن الإمام (عليه السلام) سبب هذا السؤال قائلاً: (لأنَّه لا يُرى
شخصه، ولا يحلُّ ذكره باسمه حتَّى يخرج) أي إنَّ غيبته ستطول، فكيف بكم يا موالون؟
الغيبة في حديث الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام):
عن الحسن العسكري (عليه السلام): «يا أحمد بن إسحاق، مَثَله مَثَل ذي القرنين،
والله ليغيبنَّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلَّا من ثبَّته الله (عزَّ وجلَّ) على
القول بإمامته، ووفَّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه»(٥٤).
لقد شبَّه الإمام (عليه السلام) غيبته بغيبة ذي القرنين، إذ بعثه الله تعالى إلى
قومه، فضربوه على قرنه الأيمن، فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب، ثمّ بعثه الثانية
فضربوه على قرنه الأيسر، فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب، ثمّ بعثه الثالثة فمكَّن
له في الأرض، أي إنَّ الله تعالى سيبعثه بعد غيبته الطويلة وسيُمكِّنه في الأرض.
أمَّا القسم الذي يُؤكِّد غيبته ويشير إلى زمنه ففيه إشارة إلى الفتن والظلم الذي
سيلحق بالعباد، والشكِّ الذي سيدور حول هذه الغيبة، ويتَّضح ذلك من خلال قوله: (لا
ينجو فيها من الهلكة إلَّا من ثبَّته الله تعالى على القول بإمامته)، وكيف يكون
ذلك؟ يكون بأن يُوفِّقه (عزَّ وجلَّ) للدعاء بتعجيل فرجه.
وهل الإمام بحاجة لدعائنا أم أنَّ الله تعالى يريد أن يجعل من الإمام (عليه السلام)
وسيلة للتقرُّب إليه والارتباط به؟ لذا أمرنا الإمام بالدعاء.
حديث الغيبة على لسان الإمام المنتظر (عليه
السلام):
عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه
عن مسائل أشكلت عليَّ، وقد ورد الجواب بتوقيع مولانا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) المصدر نفسه: ٣٥٧.
صاحب الزمان: «وأمَّا علَّة ما وقع
من الغيبة، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
(المائدة: ١٠١)، إنَّه لم يكن لأحد من آبائي إلَّا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه،
وإنّي لأخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد الطواغيت في عنقي. وأمَّا وجه الانتفاع بي في
غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض
كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا باب السؤال عمَّا لا يُعنيكم، ولا
تتكلَّفوا علم ما قد كفيتكم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم،
والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتَّبع الهدى»(٥٥).
يحيل الإمام (عليه السلام) أمر الغيبة إلى الله تعالى، وأنَّه يأمركم بعدم السؤال
عن أشياء خفيت عنكم، لأنَّ الله تعالى أخفاها بحكمته.
ثمّ يُعلِّل سبب الغيبة بعدم مبايعة الظالم، لأنَّ الله تعالى أخفاه حتَّى لا تكون
في عنقه بيعة لطاغية من الطواغيت، فلو أنَّهم علموا به فإنَّهم سيطلبون منه البيعة
والتأييد لهم، فإن لم يفعل فسيُقتَل.
وأمَّا ما هي فائدة وجود الإمام وهو غائب؟ فإنَّه كالشمس البيِّنة الواضحة التي لا
تحجبها الغيوم حتَّى وإن غابت عن الأبصار، فوجود الإمام (عليه السلام) بيننا لطف
ورحمة وأمان لأهل الأرض، ويُشبِّه وجوده (عليه السلام) بالنجوم التي تضيء لأهل
الأرض فيُبصِرون بها الطريق ويأمنون الأعداء.
ثمّ يعود ليذكر بعدم السؤال، لأنَّ هذا لا يعنيكم، ولكن قوله: (ولا تتكلَّفوا علم
ما قد كفيتكم) يشير إلى أنَّ أمر الغيبة متعلِّق بالإمام (عليه السلام)، وهو الذي
يعرف علَّتها.
ويطلب منّا الدعاء بتعجيل الفرج، لأنَّ تعجيل فرجه (عليه السلام) هو تعجيل لفرجنا،
ونهاية لكل مشاكلنا، فهو المخلِّص والأمل الذي تعلَّقت به قلوبنا.
لقد أكَّد علماء اللغة حديثاً على مفهوم النصِّ، وأنَّه لا يمكن أن نُسمّي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥) كمال الدين: ٤٤١.
النصَّ نصّاً إلَّا إذا توفَّرت فيه
المعايير النصّية السبعة التي حدَّدوها في كتبهم - والتي ذكرناها في مقدّمة البحث
-.
وإنَّ هذه المعايير توفَّرت في أحاديث الغيبة بشكل ملحوظ، إذ إنَّ اتِّساق وانسجام
هذه النصوص زاد من جماليتها ومقبوليتها.
وأمَّا وحدة الموضوع والإشارات المتكررة التي تدلُّ على أنَّ موضوع الغيبة يصبُّ في
دائرة الحكمة الإلهيَّة، فالإمام (عليه السلام) هو من ذكر في هذه الأحاديث وله
مواصفات خاصَّة ومؤهِّلات أهَّلته لأن يتولّى هذه المسؤولية.
وقد وجدنا التأكيد عليه في هذه الأحاديث بذكر صفاته وألقابه وصفات العصر الذي سيظهر
فيه وأسباب الغيبة وأمرها وسرِّها وما الغاية منها، لقد كان للإحالة والتكرار
والحذف دور مهمٌّ في اتِّساق وانسجام هذه النصوص، لذا يشعر من يقرؤها بأنَّها صادرة
من أشخاص على معرفة تامَّة بهذا العصر ومحيطة بكلِّ تفاصيله كأنَّهم يرونه مرأى
العين ويعيشون مع معاصريه، فتوجَّه الكلام لهم وتطلَّب منهم الطاعة على اعتبار أنَّ
الكلام هو من قِبَل مَنْ هم خلفاء لله تعالى في أرضه، فطاعتهم طاعة لله تعالى حتَّى
وإنْ كانت هذه الطاعة في أمر قد لا يُعرَف ما وجه المصلحة فيه كموضوع الغيبة التي
لا يعلم سرَّها وسببها إلَّا الله وهم.
لقد كان الخطاب في هذه الأحاديث موجَّهاً إلى مجموعة محدَّدة في عصر الغيبة لهم
صفات خاصَّة اعتقدوا بالإمام (عليه السلام)، وهم بانتظاره يعانون من الظلم والقتل
والتهجير، لذا ركَّز الأئمَّة على مسألة الانتظار والدعاء بالفرج والاستعداد
لاستقبال الإمام (عليه السلام) الذي سيُخلِّصهم ويُنقِذهم ممَّا يعانون، ويرفع
الظلم والحيف عنهم، وينصرهم وينتصر بهم.
فكانت خلاصة البحث في هذه النصوص هي أنّا توصَّلنا إلى ما
يلي:
١- وحدة الموضوع والهدف.
٢- تعدُّد صور الخطاب واختلاف الألفاظ إلَّا أنَّ المعنى واحد والقضيَّة واحدة.
٣- كثرة الإشارة إلى الإمام وذكر
أوصافه وصفاته على الرغم من اختلاف الزمان والمكان والمتحدِّث والمُخاطَب في هذه
النصوص.
٤- المحور الرئيس والقضيَّة الأساسية التي ركَّزوا عليها هي الغيبة وكيفية التعايش
معها من خلال الحوارات التي جرت بينهم وبين شيعتهم (عليهم السلام).
خاتمة البحث:
لقد كانت غايتنا من كتابة هذا البحث هي تفصيل وتحليل وإيضاح لبعض النصوص التي
تواترت بشأن قضيَّة غيبة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، ودراستها دراسة
لسانية حديثة بحيث نصل من خلال هذه الدراسة إلى الحكمة من هذه الغيبة.
وقد تناولنا بعض أحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم
السلام)، ومدى انسجام واتِّساق هذه النصوص، وهل تصلح أن تكون حجَّة لنا نحتجُّ بها
على من لا يتَّفق معنا أو يُشكِّك في موضوع الغيبة؟ باعتبار أنَّ هذه النصوص صدرت
من أئمَّة وحُجج (عليهم السلام)، كلامهم حجَّة ودليل علينا، فهم خلفاء الله تعالى
في أرضه وحجَّته على عباده.
وأجبنا على بعض الأسئلة التي تدور في أذهان الكثير من المؤيِّدين والمعارضين لهذه
القضيَّة، وقد توصَّلنا إلى أنَّ قضيَّة الغيبة قضيَّة غيبية مرتبطة بالسماء لا
يعرف حكمتها إلَّا الله، وقد أثبتنا ذلك من خلال الأحاديث إلَّا أنَّ فيها جانباً
آخر هو لطف ورحمة من الله تعالى بعباده، وتهذيب لنفوسهم، وتمحيص لها، حتَّى تكون
مؤهَّلة لاستقبال دولة العدل الإلهي التي ستقام على الأرض بعد أن مُلِئَت بالجور
والظلم واستشرى الفساد فيها، إذ إنَّه منذ خلق البشرية لم تتهيَّأ الأرضية المناسبة
لإقامة هذه الدولة، فكانت كلُّ دولة سابقة لدولة الإمام (عليه السلام) إنَّما هي
تمهيد واستعداد لها، فهو خاتم الأوصياء (عليهم السلام)، وعلى يده تتحقَّق كلُّ
بشارات السماء، والحمد لله ربِّ العالمين.
١-
الاتِّساق والانسجام في رواية سمرقند: أمين معلوف، مذكَّرة مقدَّمة لنيل شهادة
الماجستير في الترجمة، إعداد الطالبة لمياء شوف، إشراف: سعيدة كحيل، ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩م.
٢- الاتِّساق والانسجام في سورة الكهف: مذكَّرة مقدَّمة لنيل شهادة الماجستير،
إعداد الطالب محمود بوستة، إشراف: د. السعيد هادف ١٤٣٠هـ/ ٢٠٠٩م.
٣- علم النصِّ: عزَّة شبل، تقديم سليمان العطّار، مكتبة الآداب، الطبعة الثانية
(١/١/٢٠٠٩م).
٤- لسان العرب: ابن منظور، دار صادر بيروت، الطبعة الأُولى.
٥- لسانيات النصِّ: ليندة قياس، تقديم: الدكتور عبد الوهّاب شعلان، مكتبة الآداب
القاهرة، الطبعة الأُولى ١٤٣٠هـ/ ٢٠٠٩م.
٦- مدخل إلى علم النصِّ: محمود الأخضر الصبيحي، الدار العربية للعلوم، الطبعة
الأُولى ١٤٢٩هـ/ ٢٠٠٨م.
٧- المعجم الوسيط: قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيّات وحامد عبد القادر
ومحمّد عليّ النجّار، دار الدعوة، الطبعة الثانية.
٨- نظرية علم النصِّ: حسام أحمد فرج، تقديم: سليمان العطّار ومحمود فهمي حجازي،
مكتبة الآداب القاهرة، الطبعة الأُولى ١٤٣٠هـ/ ٢٠٠٩م.
٩- نحو النصِّ: عثمان أبو زنيد، عالم الكتب الحديث، الطبعة الأُولى ١٤٣١هـ/ ٢٠١٠م.
١٠- الغيبة: محمّد بن الحسن الطوسي، الطبعة الأولى، مطبعة الآداب الشرقية، منشورات
الفجر، لبنان، بيروت.
١١- الكافي: محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، دار المرتضى، بيروت، الطبعة الأُولى
١٤٢٦هـ/ ٢٠٠٥م.
١٢- كمال الدين: الشيخ الصدوق، مؤسَّسة الأعلمي، لبنان، بيروت، الطبعة الأُولى
١٤١٢هـ/ ١٩٩١م.
١٣- العدل الإلهي: الشهيد مرتضى مطهَّري، شبكة الفكر، نسخة الكترونية.
١٤- الأربعون حديثاً في المهدي: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، إعداد: مركز الأبحاث
العقائدية.
١٥- التماسك النصّي في بنية: حكم ابن عطاء الله السكندري، رسالة ماجستير.
١٦- الخصائص: ابن جنّي، نسخة الكترونية.
١٧- بلاغة الخطاب وعلم النصِّ: الدكتور صلاح الفضل، دار عالم المعرفة، ١٩٩٠م.
١٨- موسوعة الإمام المهدي: الشهيد محمّد محمّد صادق الصدر، الطبعة الأُولى ١٤٢٤هـ،
ذوي القربى للنشر، قم المقدَّسة.
١٩- موسوعة العدل الإلهي: السيِّد كمال الحيدري، مؤسَّسة الإمام الجواد للثقافة
والفكر، ١٤٣٧هـ/ ٢٠١٦م.
٢٠- إعلام الورى بأعلام الهدى: الطبرسي، مؤسَّسة أهل البيت لإحياء التراث، الطبعة
الأُولى ١٤١٧هـ.
٢١- نهج البلاغة: شرح محمّد عبده، دار القارئ، الطبعة الثالثة ١٤٣٣هـ/ ٢٠١٢م.
٢٢- مقولات الحداثة: الشيخ سعيد العكيلي، مؤسَّسة المصباح الثقافية، الطبعة الأُولى
٢٠١٤م.
٢٣- الاعتقادات: الشيخ الصدوق، دار الفكر، نسخة الكترونية.
٢٤- عقائد الإماميَّة: الشيخ المظفَّر، مركز الأبحاث العقائدية، إيران، قم
المقدَّسة.
٢٥- بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي، دار إحياء التراث، لبنان، بيروت، الطبعة
الثالثة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٢٦- أهل البيت في الكتاب المقدَّس: كاظم النصيري، الطبعة الأُولى، ١٩٩٧م.
أسباب استمرار غيبة الإمام (عليه
السلام) في عصر ازدهار الحكومات الشيعية
تحقيق إجمالي حول الحكومات الشيعية
منذ النصف الثاني من القرن الهجري الثالث إلى نهاية القرن الهجري الرابع
نعمة الله صفري فروشاني(١)
ومجيد أحمدي كجائي(٢)
ترجمة: حسن علي مطر
قبل كلِّ شيء لا بدَّ من التعرُّض إلى البداية والنهاية السياسية للحكومات الشيعية
في ذلك العصر، مع بيان كيفية صعود هذه الحكومات وأُفولها.
١- حكومة العلويين في طبرستان (٢٥٠ - ٣١٦ هـ):
قامت هذه الحكومة في المنطقة الشمالية من إيران والتي يُطلَق عليها (طبرستان). حيث
تقع إلى الجنوب والجنوب الشرقي من بحر قزوين، وتضمُّ الكثير من المدن. وكانت مدينة
آمل عاصمتها، ومقرّ حكومة السلاطين فيها(٣).
وقد تمكَّن المسلمون العرب من فتح طبرستان في عصر الخليفة الثاني(٤).
ومع ذلك لم يتمكَّنوا من السيطرة على تلك المنطقة أبداً. فبعد دخول المسلمين العرب
تعرَّف سُكّان تلك المنطقة على الإسلام، الأمر الذي جعلهم يُرحِّبون بالعلويين
منهم؛ لأنَّهم كانوا يُشكِّلون المعارضة للجهاز الحاكم والخلافة، والتحق بهم الناس
في طبرستان والديلم.
قبل مجيء العلويين، كانت طبرستان تُدار من قِبَل حكومات محلّية مستقلَّة وشبه
مستقلَّة(٥).
وغالباً ما كانت هذه المنطقة خارج سيطرة جهاز الخلافة الأُموية والعبّاسية، وكانت
تدفع للخلفاء خراجاً سنوياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) أُستاذ مساعد، وعضو في
اللجنة العلمية في مدرسة الإمام الخميني (رحمه الله) في قم المقدَّسة.
(٢) طالب على مستوى
الدكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلاميَّة، في جامعة المعارف الإسلاميَّة في قم
(الكاتب المسؤول).
(majid.ahmadi.@gmail.com).
(٣) انظر: حدود العالم من
المشرق إلى المغرب/ أبو يوسف بيشاوري: ١٤٤ و١٤٥/ إعداد: منوجهر ستوده/ طهران/ مكتبة
طهوري. تنويه: مؤلِّف هذا الكتاب مجهول، بيد أنَّ البعض ينسبه إلى أبي يوسف
البيشاوري، وآخرون ينسبونه إلى أشعياء بن فريغون.
(٤) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٣: ١٥٣/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم/ بيروت/
روائع التراث العربي؛ وانظر أيضاً: تاريخ تشيُّع (مصدر فارسي)/ السيِّد أحمد رضا
الخضري ٢: ٤/ پژوهشگاه حوزة ودانشگاه/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨٤ش.
(٥) انظر: تاريخ طبرستان
وروميان ومازندران (مصدر فارسي)/ السيِّد ظهير الدين المرعشي: ١٩/ إعداد: محمّد
حسين تسبيحي/ شرق/ طهران/ ١٣٦١ش.
إنَّ أوَّل شخص قام ثائراً في هذه
المنطقة ضدَّ الخلافة العبّاسية هو يحيى بن عبد الله المحض (١٧٢هـ) حيث حظي بدعم
الحكومات المحلّية في هذه المنطقة. وبطبيعة الحال فإنَّ ثورة يحيى بن عبد الله لم
تبلغ حدَّ المواجهة المسلَّحة، فقد قبل بالصلح مع الخليفة هارون (١٣٩هـ) ليلقى حتفه
بعد فترة في واحد من سجون هارون بشكل مريب(٦).
وبعد اشتداد وطأة الظلم على الناس في هذه المنطقة، لم يجدوا بدّاً من التوجُّه إلى
رجل علوي اسمه (محمّد بن إبراهيم) للشكوى والتظلُّم عنده، ومطالبته بالثورة على
العبّاسيين، بيد أنَّه رفض طلبهم وأحالهم إلى صهره (الحسن بن زيد)، فلبّى هذا
دعوتهم(٧).
حيث دعا الناس سنة (٢٥٠) للهجرة إلى المسجد الجامع في چالوس، وطلب منهم مبايعته على
كتاب الله وسُنَّة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واشتهر بالداعي الكبير(٨).
وبعد ذلك عمد إلى تحرير الطرق الرابطة بين طبرستان والعالم الخارجي، وإخراجها من
سيطرة القوّات العسكرية للطاهريين، واستولى على مدينة آمل(٩).
كما تمكَّن الداعي من السيطرة حتَّى على الريِّ، ومضى في السيطرة على جرجان وما
بعدها(١٠).
ليندحر بعد ذلك على يد (يعقوب بن ليث الصفّار)، ولكنَّه تمكَّن بعد ذلك من السيطرة
على طبرستان ثانيةً. وكانت وفاته سنة (٢٧٠) للهجرة(١١).
وبعد (الحسن بن زيد) بادر صهره (السيِّد أبو الحسن) إلى أخذ البيعة لنفسه من أهل
آمل، واستولى على خزائن الداعي، إلَّا أنَّ محمّداً بن زيد (شقيق الحسن) تمكَّن من
دحره، والجلوس مكان أخيه(١٢).
وفي عام (٢٨٧) للهجرة اندحر محمّد بن زيد وقُتِلَ على يد الأُمراء الساسانيين.
وبذلك انهارت أوَّل حكومة للعلويين في طبرستان، واستولى السامانيون على تلك المنطقة(١٣).
وبعد (محمّد بن زيد) قام رجل آخر من السادة الأشراف اسمه (الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) انظر: تاريخ فخري/
محمّد بن عليّ (ابن الطقطقي): ٢٦٥/ ترجمه إلى الفارسية: محمّد وحيد گلبايگاني/
انتشارات علمي فرهنگي/ طهران/ ١٣٦٧هـ.
(٧) انظر: تاريخ طبرستان/
محمّد بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ٢٢٩/ تصحيح: عبّاس إقبال/ مكتبة خاور/
طهران.
(٨) انظر: تاريخ طبرستان
وروميان ومازندران/ السيِّد ظهير الدين المرعشي (مصدر فارسي): ١٣٠.
(٩) انظر: تاريخ طبرستان/
محمّد بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ١٣٠.
(١٠) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٩: ٤٧٤.
(١١) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٦: ٢٤٩/ تصحيح: محمّد يوسف الدقّاق/ دار
الكتب العلمية/ بيروت/ ١٤٠٧هـ.
(١٢) انظر: تاريخ طبرستان/
محمّد بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ٢٥١.
(١٣) انظر: المصدر أعلاه:
٢٥٦.
بن علي (الأطروش) والذي يُعرَف بـ
(الناصر الكبير) بقيادة عمليات وأنشطة تبليغية سرّية. فكان يعمل على إعداد بعض
الأشخاص من تلاميذه وإرسالهم إلى مختلف المناطق، ليتمكَّن فيما بعد - أثناء فترة
حكمه - من هداية الكثير من الزرادشتيين إلى الدين الإسلامي الحنيف(١٤).
وبعد اشتهار أمر الناصر الكبير وارتفاع صيته بين الناس، تمَّ تشجيعه من قِبَل الناس
- بسبب ما كانوا يعانونه من الظلم المجحف - إلى الثورة على الطغيان. فبادر إلى
الاستعانة بقوّاته المجهَّزة لطرد العمّال السامانيين من طبرستان والاستيلاء
والسيطرة عليها(١٥).
وبعد مدَّة تمرَّد عليه (الحسن بن القاسم العلوي) (٣١٦ هـ) وألقاه في السجن(١٦)،
بيد أنَّ الأوضاع تغيَّرت بعد ذلك لصالح الناصر الكبير واستولى على الحكم ثانيةً.
وبعد ذلك قام الناصر الأطروش بتفويض الحكم إلى (الحسن بن القاسم) الذي اشتهر
بالداعي الصغير، ليتفرَّغ هو إلى متابعة الشؤون الدينية، وكانت وفاته عام (٣٠٤)
للهجرة(١٧).
وفي هذه الأثناء تمرَّد (أبو القاسم جعفر) (نجل الناصر الأطروش) على أوامر الداعي
الصغير(١٨).
ثمّ توجَّه جعفر إلى حاكم الريِّ ليدعوه إلى الثورة على الداعي الصغير، وتعهَّد له
بأن يقرأ الخطبة باسم الأمير الساماني، وأن يعيد إحياء شعار العبّاسيين(١٩).
فاستولى حاكم الريِّ على طبرستان، وهرب الداعي الصغير إلى جيلان. لم تستمرّ حكومة
جعفر لأكثر من سبعة أشهر؛ فقد تمكَّن الداعي الصغير بمساعدة المعترضين من الناس من
استعادة السيطرة على طبرستان مجدَّداً. ثمّ آلت الأُمور بالتدريج إلى تمرُّد أولاد
الناصر الأطروش، حتَّى اضطرَّ الداعي الصغير إلى اللجوء إلى أحد الحُكّام المحليين،
وقام هذا الحاكم بتسليم الداعي إلى حاكم الريِّ، إلَّا أنَّ الداعي أُطلق سراحه بعد
ذلك ليتمكَّن من فتح طبرستان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) انظر: تاريخ طبرستان
وروميان ومازندران/ السيِّد ظهير الدين المرعشي (مصدر فارسي): ١٤٤.
(١٥) تاريخ طبرستان/ محمّد
بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ٢٦٨.
(١٦) انظر: المصدر أعلاه:
٧٩.
(١٧) انظر: المصدر أعلاه:
٢٧٥. تنويه: هناك تهافت في التواريخ فلاحظ، المعرِّب.
(١٨) انظر: المصدر أعلاه:
٢٧٦.
(١٩) انظر: تاريخ طبرستان
وروميان ومازندران/ السيِّد ظهير الدين المرعشي (مصدر فارسي): ١٥٠.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ النزاعات
الداخلية الشديدة بين العلويين من جهة، والضغط الخارجي على دولتهم من قِبَل
السامانيين من جهة أُخرى، أدّى إلى إضعاف دولة الداعي الصغير وهروبه المتكرِّر من
حين لآخر. وفي نهاية المطاف قُتِلَ الداعي الصغير في مواجهته مع أسفار بن شيروية
عام (٣١٦) للهجرة، وكان في ذلك نهاية حكم العلويين في طبرستان.
٢- الإسماعيلية (الفاطميون):
الإسماعيلية من الفِرَق الشيعية، قالت بإمامة إسماعيل بعد الإمام جعفر الصادق (عليه
السلام) (١٤٨هـ) بوصفه أكبر أبنائه. هذه على الرغم من أنَّ إسماعيل (١٤٥هـ) قد فارق
الحياة قبل رحيل الإمام الصادق (عليه السلام). ولكن حيث ذهب بعض الشيعة إلى
الاعتقاد بأنَّ الإمامة من حقِّ أكبر أولاد الإمام السابق لم يعرضوا عن القول
بإمامته(٢٠).
وقد انقسم الإسماعيلة إلى فرقتين؛ فرقة أنكرت موته وذهبت إلى الاعتقاد بأنَّ
إسماعيل هو القائم والمهدي الموعود. وقد عُرِفَت هذه الفرقة بالإسماعيلية الخالصة.
والفرقة الأُخرى أقرَّت بموت إسماعيل وذهبت إلى إمامة وغيبة ولده محمّد، وقد
عُرِفَت هذه الفرقة بالمباركية(٢١).
وقد كانت فرقة الإسماعيلية في مصر من الإسماعيلية المباركية، حيث مارسوا دعوتهم
بشكل سرّي، حتَّى تمكَّن (عبيد الله المهدي) من إقامة دولته في شمال أفريقيا سنة
(٢٩٧) للهجرة(٢٢).
قام (أبو عبد الله الشيعي) أحد الدعاة إلى الفاطميين بالقضاء على دولة الأغالبة
-التي كانت تحكم المغرب تحت الوصاية العبّاسية- ودعا عبيد الله المهدي إلى المغرب(٢٣).
فشدَّ الرحال هو وابنه، وتمَّ إلقاء القبض عليه في سجلماسة على يد حاكمها، وأُلقي
به في السجن(٢٤).
وفي عام (٢٩٦) للهجرة توجَّه أبو عبد الله الشيعي إلى تلك المدينة، وأسقط حكومة بني
مدرار. وأخذ أبا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) انظر: فِرَق الشيعة/
الحسن بن موسى النوبختي: ٦٧ - ٦٩، ترجمه إلى الفارسية: محمّد جواد مشكور/ انتشارات
بنياد فرهنك إيران/ طهران/ ١٣٥٣ش.
(٢١) انظر: المقالات
والفِرَق/ سعد بن عبد الله الأشعري القمّي: ٨٠ و٨١/ تحقيق: محمّد جواد مشكور/ مركز
انتشارات علمي وفرهنگي/ طهران/ ١٣٦١ش.
(٢٢) انظر: اتِّعاظ الحنفاء
بأخبار الأئمَّة الفاطميين الخلفاء/ تقي الدين أحمد بن عليّ المقريزي ١: ٥٤/ تحقيق:
جمال الدين الشيال/ القاهرة/ ١٤١٦هـ.
(٢٣) انظر: تاريخ ابن
خلدون/ عبد الرحمن بن محمّد (ابن خلدون) ٤: ٤٧/ تحقيق: سهيل زكار/ دار الفكر/
بيروت/ ١٤٠٨هـ.
(٢٤) انظر: اتِّعاظ الحنفاء
بأخبار الأئمَّة الفاطميين الخلفاء/ أحمد بن عليّ المقريزي ١: ٦٠.
عبيد الله إلى المغرب حيث أقام فيها
حكومة الفاطميين. وبعد ذلك بسنوات تمَّ ضمُّ مصر إلى أعمال الدولة الفاطمية(٢٥).
وفي عهد عبيد الله المهدي احتدم الخلاف بين القرامطة والفاطميين، وقد اغتنم
العبّاسيون هذا الخلاف وشنّوا هجوماً واسعاً على الفاطميين(٢٦).
وقد انقسمت هذه الدولة بعد الانشقاق العقائدي بين الإسماعيلة في نهايات القرن
الهجري الخامس إلى قسمين: المستعلية، والنزارية. وقد أدَّى الشرخ العقائدي بين
الفاطميين بالإضافة إلى النزاعات السياسية الداخلية إلى تسلُّل الوهن إليهم، حتَّى
تمَّ القضاء عليهم في عام (٥٦٥) للهجرة على يد صلاح الدين الأيّوبي(٢٧).
٣- القرامطة (٢٨٦ - ٤٣٩ هـ):
يُعتَقد أنَّ الحسين الأهوازي هو مؤسِّس ثورة القرامطة.
إنَّ أوَّل مواجهة جادَّة حدثت بين جهاز الخلافة مع القرامطة تمَّ رصدها في سنة
(٢٨٤) للهجرة في عهد المعتضد العبّاسي (٢٧٩ - ٢٨٩هـ). وفي هذه الفترة شهدت حركة
القرامطة نموّاً وتوسُّعاً ملحوظاً في كلٍّ من البحرين وإيران وشمال أفريقيا(٢٨).
وقد قيل: إنَّ العنصر الرئيس الذي أدّى إلى دخول القرامطة إلى البحرين هو أبو سعيد
الجنابي، رغم وجود روايات أُخرى في هذا الشأن أيضاً(٢٩).
في تاريخ قرامطة البحرين - الذي تعود منعطفاته إلى الخصائص الفردية لقادتهم - لم
يكن هناك من بين قيادات القرامطة من أثار الجدل والصخب سوى ثلاثة منهم، وهم: أبو
سعيد (٣٠١هـ)، وأبو طاهر (٣٣٢هـ)، وابن أخيه حسن الأعصم (٣٦٦هـ)، وقد احتلَّ هؤلاء
الثلاثة ما مجموعه ثلاثون سنة فقط من تاريخ القرامطة الطويل، وأمَّا سائر القادة
الآخرين فأمضوا حياتهم السياسية والقيادة على نحو هامشي(٣٠).
وفيما يتعلَّق بسقوط هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٣٠٩/ تصحيح: محمّد يوسف الدقّاق/ دار
الكتب العلمية/ بيروت/ ١٤٠٧هـ.
(٢٦) انظر: المصدر أعلاه:
٣٢٦.
(٢٧) انظر: تاريخ ابن
خلدون/ عبد الرحمن بن محمّد (ابن خلدون) ٤: ١٥.
(٢٨) انظر: الجامع في أخبار
القرامطة/ سهيل زكار: الفصل الثاني/ دار حسّان/ الطبعة الثالثة/ دمشق/ ١٤٠٧هـ.
(٢٩) انظر: بررسي دولت
قرامطه از آغاز تا انقراض/ مصطفى سرداري (مصدر فارسي)/ دانشگاه معارف/ قم/ ١٣٨٩ش.
(٣٠) انظر: المصدر أعلاه:
٨٠.
الدولة هناك الكثير من الروايات،
وفي الوقت نفسه فقد تمَّ القضاء على هذا السلالة في القرن الهجري الخامس على يد
العيونيين(٣١).
٤- الحمدانيون (٢٩٣ - ٣٩٤ هـ):
يعود نسب الحمدانيين إلى بني تغلب -من القبائل العربية الكبرى- التي استوطنت منطقة
الجزيرة في الموصل(٣٢)
شمال العراق(٣٣).
كان الحمدانيون في بداية أمرهم متحالفين مع الخوارج، ودخلوا في حرب ضدَّ الخلافة
العبّاسية، وبعد أن وقع والد الحسين بن حمدان في قبضة المعتضد العبّاسي، ثار
الخوارج ضدَّ العبّاسيين(٣٤).
وقد تعهَّد الحسين بن حمدان (٣٠٦هـ) للخليفة العبّاسي بإلقاء القبض على هارون بن
عبد الله الخارجي -حليف والده- وتسليمه للعبّاسيين(٣٥).
ثمّ أُرسل من قِبَل الخليفة العبّاسي إلى ديار جبل لمحاربة بني دُلَف(٣٦).
وقام بمواجهة القرامطة بأمر من الخليفة، وبعد ذلك صادف صاحب الشامة -أحد قادة
القرامطة- وقضى عليه(٣٧).
كما كانت له فيما بعد الكثير من المواجهات مع القرامطة الإسماعيليين بأمر من
الخليفة العبّاسي(٣٨).
وفي عام (٢٩٢) للهجرة تمَّ إرساله إلى مصر لمحاربة بني طولون، رغم أنَّه رفض مقترح
الحكومة بقبول ولايتها(٣٩).
وبعد موت المكتفي (٢٨٩ - ٢٩٥هـ) اعترض الحسين بن حمدان على خلافة المقتدر (٢٩٥ -
٣٢٠هـ)، وسعى إلى إيصال عبد الله بن المعتزّ إلى الخلافة. ومن هنا عمل على التآمر
واغتيال بعض الأشخاص. وقتل حتَّى الوزير العبّاس بن الحسن (٣١٦هـ)، وحاول قتل
المقتدر العبّاسي أيضاً(٤٠).
وفي بداية القرن الهجري الرابع ثار أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان (٣١٧هـ) - أخو
الحسين بن حمدان - على الخليفة، ولكنَّه سرعان ما رفع راية الاستسلام(٤١)،
كما سلَّم الحسين وابنه نفسيهما إلى مونس الخادم أيضاً(٤٢).
وقد توفّي الحسين بن حمدان سنة (٣٥٦هـ) في السجن بشكل مريب(٤٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) انظر: المصدر أعلاه:
٩٧. تنويه: العيونيون: أُسرة حكمت منطقة الأحساء والقطيف في شرق الجزيرة العربية ما
بين القرنين الخامس والسابع للهجرة، بعد أن استولوا على البلاد من القرامطة بمساعدة
من السلاجقة سنة (٤٦٧) للهجرة. المعرِّب.
(٣٢) بالالتفات إلى المنطقة
الجغرافية التي استوطنها الحمدانيون والظروف والمسائل الحادثة قامت هذه الأُسرة
باعتناق المذهب الشيعي. (انظر: تجارب الأُمم وتعاقب الهمم/ أحمد بن محمبد بن يعقوب
الرازي (ابن مسكويه) ١: ١٨٩ - ١٩٩؛ تاريخ تشيُّع/ السيِّد أحمد رضا الخضري (مصدر
فارسي) ٢: ٢٧٤).
(٣٣) انظر: وفيات الأعيان/
شمس الدين ابن خلِّكان ١: ١٧٥/ القاهرة/ ١٣٦٧هـ؛ وانظر أيضاً: دولت حمدانيان/ فيصل
سامر: ٣٥/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو/ پژوهشكده حوزه ودانشگاه/
سمت/ طهران/ ١٣٨٠ش.
(٣٤) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٤٧١.
(٣٥) انظر: المصدر أعلاه:
٤٧٣.
(٣٦) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ٥٦/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(٣٧) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمد بن جرير الطبري ٨: ٢٢٥.
(٣٨) انظر: المصدر أعلاه:
٢٤٩.
(٣٩) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ٢٦٢/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(٤٠) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٨: ٢٥١.
(٤١) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٨: ٧٦.
(٤٢) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ٧٢ و٧٣/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(٤٣) انظر: ديوان أبي فراس/
الحارث بن سعيد بن حمدان (أبو فراس) ٢: ١٣٠/ تحقيق: سامي الدهّان/ دمشق/ ١٣٦٣هـ -
١٩٤٤م.
وبعد ذلك
انقسم الحمدانيون إلى قسمين رئيسين:
أ- الحمدانيون في الموصل:
وقد استمرَّت سيطرتهم على الموصل من سنة (٢٩٣) للهجرة إلى سنة (٣٨٦) للهجرة. ففي
عام (٢٩٣) للهجرة تمَّ تنصيب أبي الهيجاء لحكومة الموصل من قِبَل المكتفي العبّاسي(٤٤).
وقد واصل حكمه على الموصل حتَّى بعد وفاة المكتفي، واستمرَّ على حكومة الموصل في
عهد المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠هـ)، حتَّى شارك في مؤامرة ضدَّ المقتدر أدَّت إلى قتله.
وبعد موته عمد العبّاسيون إلى تنصيب ابنه الحسين على حكم الموصل(٤٥).
وفي عام (٣٢٣) للهجرة بادر الحسين - الذي عُرِفَ بناصر الدولة - إلى قتل عمِّه(٤٦).
وفي تواطؤ سرّي مع الخليفة قام بالقضاء على الوزير العبّاسي ابن رائق أيضاً(٤٧).
وفي بادرة غريبة وغير متوقَّعة عمد الناصر في سعي منه لتقليص النفقات ودعم
الميزانية إلى تصفية عدد من السجناء وسمل أعين بعضهم وإطلاق سراح آخرين(٤٨).
وبعد ظهور الدولة البويهية ومجيء معزِّ الدولة الديلمي (٣٥٧هـ) حصلت مواجهة شديدة
بينهم وبين الحمدانيين(٤٩).
جدير بالذكر أنَّ الأوضاع بين آل بويه والحمدانيين شهدت الكثير من مواثيق الصلح،
ولكن كلَّما أحسَّ ناصر الدولة (٣٥٨هـ) بضعف الدولة المركزية في بغداد، كان يتنكَّر
للشروط المدرجة في بنود المعاهدة(٥٠).
وبسبب تكرُّر نقض هذه العهود، عمد معزُّ الدولة إلى عزله من الحكم وتنصيب ابنه أبي
تغلب (٣٦٩هـ) بدلاً منه(٥١).
وبعد موته احتدم النزاع بين أبنائه، الأمر الذي سهَّل عملية إسقاط دولتهم على يد
البويهيين سنة (٣٨٦هـ)(٥٢).
ب- الحمدانيون في حلب:
تمَّ تنصيب سيف الدولة الحمداني والياً على نصيبين من قِبَل أخيه ناصر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) انظر: وفيات الأعيان/
شمس الدين ابن خلِّكان ١: ١٧٥.
(٤٥) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٨: ٦٧.
(٤٦) انظر: المصدر أعلاه:
٢٠٩.
(٤٧) انظر: المصدر أعلاه:
٣٨٢.
(٤٨) انظر: الأوراق/ أبو
بكر محمّد بن يحيى الصولي: ٢٣٢/ القاهرة/ ١٩٣٥م.
(٤٩) انظر: وفيان الأعيان/
شمس الدين ابن خلِّكان ٢: ٩١.
(٥٠) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ١٤٨/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(٥١) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٢١٧.
(٥٢) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ١٥٢/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
الدولة، ولكنَّه لم يكن قانعاً
بذلك(٥٣)،
ثمّ سمح له أخوه بالهجوم على الشام. كما تمكَّن بمساعدة أخيه من السيطرة على حلب
أيضاً(٥٤).
لقد حارب سيف الدولة الإخشيديين مراراً، ثمّ قام بعد ذلك بمواجهة القرامطة، حيث قام
بعضهم بالتمرُّد في حدوده الجغرافية(٥٥).
ليلقى حتفه سنة (٣٥٦) للهجرة بالموت الطبيعي، ويحلُّ محلَّه ابنه أبو المعالي
(٣٨١هـ)(٥٦).
وقد اشتبك الحمدانيون مع الفاطميين مراراً، بل كانوا يُشجِّعون القرامطة على
الاشتباك معهم أيضاً. إلَّا أنَّهم بسبب هذه العداوة تحوَّلوا إلى مبلِّغين
للقرامطة(٥٧).
وفي نهاية المطاف تمَّ القضاء على هذه الدولة الشيعية سنة (٤١٤) للهجرة على يد
الفاطميين(٥٨).
٥- آل بويه:
كانت مناطق الأدغال المحيطة ببحر قزوين تُسمّى گيلان. وكانت المناطق الجبلية منها
تُدعى الديلم(٥٩).
في حدود هذه المنطقة أقام العلويون أوَّل حكومة شيعية، وصارت سبباً في انتشار
التشيُّع في هذه المنطقة(٦٠).
كان آل بويه من أبناء أبي شجاع(٦١)
الذي كان يكسب رزقه وقوت يومه عن طريق صيد السمك. وقد كان لأبي شجاع ثلاثة أبناء
قاموا فيما بعد بتأسيس الدولة البويهية، وهم: عليّ وحسن وأحمد، وقد اشتهروا فيما
بعد على الترتيب بـ: عماد الدولة، وركن الدولة، ومعزِّ الدولة.
في عام (٣٣٤) للهجرة أعلن عليُّ بن أبي الشجاع عن تأسيس الدولة البويهية - في كرج
وأَرجّان وشيراز -، ليموت بعد ذلك بأربع سنوات، وذلك في عام (٣٣٨) للهجرة(٦٢).
وقد تمكَّن أخوه الآخر وهو حسن (ركن الدولة) من الاستيلاء على أصفهان وإخضاعها
لسيطرته(٦٣).
وقد تمَّ ذلك لآل بويه وركن الدولة -بطبيعة الحال- بعد مواجهات شديدة ضدَّ
السامانيين وآل زيار. كما قام بتهدئة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) انظر: المصدر أعلاه:
٢٢٥.
(٥٤) انظر: زبدة الحلب من
تاريخ حلب/ أبو حفص كمال الدين عمر الحلبي (ابن عديم): ١١١/ نشر الدهّان/ دمشق/
١٣٧٠هـ.
(٥٥) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٢٢١.
(٥٦) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ٢٣٨/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(٥٧) انظر: النجوم الزاهرة
في ملوك مصر والقاهرة/ ابو المحاسن ابن تغري بردي ٤: ٣٣٤.
(٥٨) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٩: ٩٤.
(٥٩) انظر: أحسن التقاسيم
في معرفة الأقاليم/ محمّد بن أحمد المقدسي ٢: ٥١٨/ مكتبة مدبولي/ مصر/ ١٤١١هـ.
(٦٠) انظر: تاريخ طبرستان/
محمّد بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ٢٢٨.
(٦١) انظر: تاريخ فخري/
محمّد بن عليّ (ابن الطقطقي): ٣٧٨.
(٦٢) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٢٣٠.
(٦٣) انظر: المصدر أعلاه:
١١٦.
أوضاع العراق التي اضطربت بسبب
مطامع ابنه عضد الدولة، وكانت وفاته سنة (٣٦٦) للهجرة(٦٤).
وأمَّا أحمد معزُّ الدولة الابن الثالث والأصغر لأبي الشجاع (صائد السمك) من آل
بويه فقد تمكَّن بمساعدة أخويه الكبيرين من الاستيلاء على سيرجان، وفي عام (٣٣٤)
للهجرة هجم أحمد على بغداد بمساعدة أخيه ليتمكَّن من فتحها بعد جولات من الهزيمة
والانتصار(٦٥).
فلم يجد المستكفي (الخليفة العباسي) بدّاً من إظهار الطاعة، وخلع على أحمد لقب
(معزّ الدولة)(٦٦).
وبعد فترة قصيرة قام أحمد (معزّ الدولة) بعزل المستكفي عن الخلافة، وأودعه السجن،
ثمّ سمل عينيه، ليموت بعد ذلك بثلاثة أيّام(٦٧).
وبعد ذلك قام أحمد بالهجوم على ناصر الدولة الحمداني الشيعي، وتمكَّن من التغلُّب
عليه(٦٨).
كما كانت له مواجهات مع القرامطة الإسماعيليين أيضاً(٦٩).
وقد حصلت هذه المواجهات على مدى سنوات طويلة(٧٠).
وبعد المواجهة مع القرامطة أقعده المرض ليموت سنة (٣٥٧) للهجرة.
وبعد الإخوة الثلاثة من آل بويه أصبح (عضد الدولة) الحاكم المطلق من آل بويه. حيث
يُعَدُّ من أعظم حُكّام هذه الأُسرة كما سُجِّل في تاريخها، حيث تمكَّن من الوصول
إلى السلطة بعد عمِّه (عماد الدولة)(٧١).
فقد تمكَّن من عزل ابن عمِّه (عزّ الدولة) وقتله بعد مدَّة، ليكون هو الحاكم المطلق
على العراق وشيراز(٧٢).
وقد كان هذا السلوك منه بداية تفشّي النزاعات الداخلية بين البويهيين أنفسهم، والتي
استمرَّت لفترات طويلة. ومات عضد الدولة سنة (٣٧٢) للهجرة(٧٣).
بعد موت الإخوة الثلاثة الأوائل المؤسِّسين للدولة البويهية، اتَّسمت العلاقة بين
أبناء الأعمام بالنزاع والحروب ونزف الدماء المستمرِّ، حتَّى انتهى الأمر في عام
(٤٤٧) للهجرة بانتصار السلاجقة واستيلائهم على بغداد وطيِّهم صفحة البويهيين
نهائياً(٧٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) انظر: المصدر اعلاه:
٣٦٤.
(٦٥) انظر: المصدر أعلاه:
٤٦٩.
(٦٦) انظر: المصدر أعلاه:
١٣٥.
(٦٧) انظر: سير أعلام
النبلاء/ شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي ٤: ٢٧٧.
(٦٨) انظر: تكملة تاريخ
الطبري/ محمّد بن عبد الملك الهمداني: ٣٦٦.
(٦٩) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ١٨٥.
(٧٠) انظر: المصدر أعلاه:
٢٥٨.
(٧١) انظر: تجارب الأُمم
وتعاقب الهمم/ أحمد بن محمّد بن يعقوب الرازي (ابن مسكويه) ٦: ١٦٠.
(٧٢) انظر: المنتظم في
تاريخ الأُمم والملوك/ عبد الرحمن بن عليِّ بن محمّد (ابن الجوزي) ١٤: ٢٥٢.
(٧٣) انظر: المصدر أعلاه
١٤: ٢٨٩.
(٧٤) انظر: المصدر أعلاه
١٥: ٢٦٧.
والذي يبدو هامّاً في هذا الشأن هو
الانتماء المذهبي للبويهيين، فمن أيِّ أقسام الشيعة كانوا؟ لا شكَّ في أنَّ
البويهيين -بالنظر إلى منشئهم الذي يعود إلى منطقة الديلم التي كانت مسرحاً لنفوذ
الأشراف من الزيدية- كانوا من المتأثِّرين بمنظومتهم الإعلامية، وقد كان لهم فيما
بعد دور كبير في دعم التشيُّع.
وكما تقدَّم نقله فإنَّ معزَّ الدولة كان ينوي التخلّي عن الحكم لصالح أحد العلويين
من الزيدية(٧٥).
كما قيل: إنَّه كان يرى إمامة أحد العلويين المعاصرين له(٧٦).
وعلى الرغم من كون البويهيين من الشيعة الزيدية في بداية أمرهم، إلَّا أنَّ القرائن
المتوفِّرة تثبت انتقالهم بعد ذلك إلى التشيُّع الإمامي، وإن كنّا لا نعلم الفترة
الدقيقة التي حصل فيها هذا الانتقال(٧٧).
والسؤال الهامّ الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يقم البويهيون بالتخلّي عن الحكم
لصالح أحد العلويين من الزيدية أو أحد فقهاء الشيعة؟
توجد هنا نظريتان:
النظرية الأُولى: حيث كان الاتِّجاه الغالب في العالم الإسلامي يميل إلى حكومات أهل
السُّنَّة والإذعان للسلطة المطلقة للعبّاسيين، لم يكن هناك مجال للقبول بحكم
الشيعة، وقد نُقِلَ أنَّ رفع بعض الشعارات ذات الطابع الخاصّ على جدران مساجد أهل
السُّنَّة كان يثير من الفتن والفوضى بحيث يضطرُّ الأمر معزَّ الدولة إلى إعادة
صياغة تلك الشعارات للتخفيف من غلوائها(٧٨).
كما عمد السامانيون بحجَّة الانتماء الشيعي للبويهيين إلى إدخال هذا العنصر في
الخلافات السياسية بين القوَّتين، وحوَّلوا النزاع إلى خلاف مذهبي (شيعي - سُنّي)(٧٩).
النظرية الثانية: أنَّ آل بويه كانوا ينشدون الوصول إلى السلطة بشتّى الذرائع، ولم
يتوانوا عن استعمال جميع وسائل - الحقّ والباطل - من أجل تحقيق هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٥) انظر: تكملة تاريخ
الطبري/ محمّد بن عبد الملك الهمداني: ٣٥٤.
(٧٦) انظر: أخبار الأئمَّة
الزيدية/ ويلفرد مادلونغ: ١١٠/ مطبعة المتوسِّط/ بيروت/ ١٩٨٧م.
(٧٧) انظر: تشيُّع وتصوُّف
(التشيُّع والتصوُّف)/ مصطفى كامل الشيبي: ٤١ و٤٢/ ترجمه إلى الفارسية: عليّ رضا
زكاوتي قراكزلو/ أمير كبير/ طهران/ ١٣٧٤ش.
(٧٨) انظر: المنتظم في
تاريخ الأُمم والملوك/ عبد الرحمن بن عليِّ بن محمّد (ابن الجوزي) ١٤: ١٤٠.
(٧٩) انظر: المصدر أعلاه
١٥: ١٩٥ و١٩٦.
الغاية، ولا يبعد أن يكون انتقالهم
من المذهب الزيدي إلى الإمامي وارداً في هذا السياق، بمعنى أنَّ تغيير انتمائهم
المذهبي كان يصبُّ في مصالح الدولة، فلم يكن بوسعهم التخلّي عن سلطة تمكَّنوا من
الحصول عليها بشقِّ الأنفس.
جولة على الأوضاع السياسية والاجتماعية للشيعة:
بعد بيان كيفية ظهور وأُفول الحكومات الشيعية في تلك العصور، سوف ننتقل في
هذا القسم من البحث إلى بيان الظروف الاجتماعية للشيعة والفِرَق الشيعية في ظلِّ
الحكومات الشيعية، مع بيان الواقع الفكري والعقائدي الذي كان الشيعة يعيشون ضمن
إطاره.
١- الكيسانية:
إنَّ أوَّل فرقة شيعية ظهرت بعد ثورة عاشوراء وفي إطار ثورة المختار هي الفرقة
الكيسانية(٨٠).
وقد كان لهذه الفرقة النفوذ الأكبر في مدينة الكوفة. وعلى الرغم من وجود الكثير من
الكلام بشأن ظهور الكيسانية، إلَّا أنَّ الظاهر أنَّ هذه الفرقة قد ظهرت بعد ثورة
المختار في الكوفة، وفشل هذه الثورة، وقد كان لمتبنّيات هذه العقيدة دور رئيس في
استمرارها. وبالتدريج تحوَّلت عقائد الكيسانية إلى مختلف الفِرَق الغالية(٨١).
ويعود أكبر تأثير لهذه الفرقة إلى منتصف القرن الهجري الثالث في العراق، ولاسيّما
في الكوفة، وبعد هذه المرحلة أخذت هذه الفرقة بالانقراض تدريجياً(٨٢).
وبالتالي فإنَّ الكيسانية لم يكن هناك من يهفو إليها في عصر الحكومات الشيعية
أبداً، ولم يكن لها من وجود أو تأثير في تلك الحكومات.
٢- الزيدية:
يعود تبلور هذا المذهب إلى القرن الهجري الثاني وعصر الإمام الصادق (عليه السلام)،
حيث تزامن مع ثورات العلويين ضدَّ الأُمويين وبعدهم العبّاسيين. وقد ورد في أكثر
مصادر أهل السُّنَّة ومصادر الزيدية أنفسهم أنَّ زيد بن عليٍّ (عليه السلام) هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٠) انظر: الكيسانية في
التاريخ والأدب/ وداد القاضي/ دار الثقافة/ الطبعة الأُولى/ بيروت/ ١٩٧٤م.
(٨١) انظر: جريان شناسي غلو
در كوفة تا نيمه قرن دوم هجري/ مجيد أحمدي كجائي (مصدر فارسي): ١٢٢/ دانشگاه باقر
العلوم/ قم/ ١٣٩٠ش.
(٨٢) انظر: الاختصاص/ محمّد
بن محمّد بن النعمان المفيد: ٢٩٨/ المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد/ قم/
١٤١٣هـ.
المؤسِّس للمذهب الزيدي، ويرون في
ثورته جهداً في إطار تشكيل الحكومة. كما ينسبون إلى زيد بعض الآراء والعقائد أيضاً(٨٣).
لقد انقسم الزيدية بعد ثورة زيد بن عليٍّ إلى عدَّة فِرَق، وكان منها ما يحصل إثر
وفاة كلِّ إمام من أئمَّة الزيدية والسعي وراء تعيين خَلَفه. ومنها ما ظهر إثر
الأفهام المختلفة للعقائد الكلامية. وقد ذكرت المصادر المتقدِّمة فِرَق متنوِّعة
للزيدية، وبطبيعة الحال فإنَّ بعض هذه الانقسامات لم يكن بمعنى الفِرَق، بل يعود في
الغالب إلى الانتشار الجغرافي(٨٤).
وفي العصر القريب من بداية غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، ارتفعت وتيرة
الانتفاضات الزيدية ضدَّ الخلافة العبّاسية. وقد أدَّت هذه الانتفاضات من جهة إلى
إضعاف الخلافة العبّاسية، بيد أنَّ هذه الانتفاضات حيث كانت تفتقر إلى الدعامة
والاستعداد الكافي كانت تُمنى بالفشل.
إنَّ بعض هذه الانتفاضات على النحو التالي:
١- ثورة يحيى بن عمر العلوي في الكوفة، في خلافة المستعين، سنة (٢٥٠هـ)(٨٥)،
والتي تمَّ القضاء عليها من قِبَل عامل الكوفة.
٢- ثورة الحسين بن محمّد حمزة الطالبي، سنة (٢٥١هـ)، وقد تمَّ القضاء عليها أيضاً(٨٦).
٣- ثورة الحسين بن زيد - من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) - في الديلم،
سنة (٢٥٠) للهجرة، التي أدَّت إلى تأسيس الدولة الزيدية(٨٧).
٤- ثورة إسماعيل بن يوسف - من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) - في
الحجاز، سنة (٢٥١) للهجرة(٨٨).
٥- ثورة صاحب الزنج، سنة (٢٥٥) للهجرة في البصرة، وقد كان يُعرِّف عن نفسه بوصفه من
أحفاد زيد الشهيد(٨٩).
٦- ثورة عليِّ بن زيد العلوي في الكوفة سنة (٢٥٦) للهجرة، الذي تمكَّن من إشغال
الجيش الكبير للخليفة بنفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٣) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٤: ٢٠٤.
(٨٤) انظر: تاريخ ابن
خلدون/ عبد الرحمن بن محمّد (ابن خلدون) ٤: ٢٠٠.
(٨٥) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٩: ٢٦٩.
(٨٦) انظر: المصدر أعلاه:
٢٧٩.
(٨٧) انظر: المصدر أعلاه:
٢٧١.
(٨٨) انظر: المصدر أعلاه:
٣٤٦.
(٨٩) انظر: المصدر أعلاه:
٥٩٨.
إلَّا أنَّ هذه الحكومات لم تتمكَّن
أبداً من تحقيق الأهداف التي ينشدها المسلمون.
٣- الإسماعيلية:
كما سبق أن ذكرنا فإنَّ الفرقة الإسماعيلية قد ظهرت في منتصف القرن الهجري الثاني
بعد احتدام الجدل بشأن من له الحقُّ في الإمامة بعد رحيل الإمام الصادق (عليه
السلام). وقد انقسمت هذه الجماعة بشأن الإمامة على نفسها إلى قسمين، ولكن لم تمض
مدَّة حتَّى بادت إحدى الفرقتين الرئيستين من الإسماعيلية، لتواصل الفرقة الأُخرى
حياتها في إطار الأئمَّة المستورين.
وبالتزامن مع الظهور التدريجي للحكومات الشيعية، كانت الفرقة الإسماعيلية تسعى إلى
الوصول إلى بناء الدولة بكلِّ طاقتها. وقد عمدت هذه الجماعة من الشيعة إلى فصل
نفسها منذ فترات طويلة عن سائر الفِرَق الشيعية الأُخرى بشكل كامل، بل عمدوا إلى
نقل حتَّى الرقعة الجغرافية السياسية لهم -لشتّى الأسباب- بعيداً عن الجغرافية
الطبيعية للشيعة، حيث عمدوا إلى نقلها إلى شمال أفريقيا. ولا شكَّ - بالالتفات إلى
تعاليم الإسماعيلية - في أنَّه لم يكن باستطاعتهم القبول بإمام من غيرهم؛ لأنَّهم
كانوا يعتقدون بانتقال الإمامة من الابن إلى نجله دون انقطاع، وأنَّ الإمامة قد
انتقلت من محمّد بن إسماعيل إلى عبيد الله. كما أنَّ هذه الجماعة في هذه الفترة قد
أضافت دعوى المهدوية إلى الإمامة عندها أيضاً، وقالت بأنَّه هو المهدي المنتظر. بل
إنَّ هذه الفرقة أبدعت حتَّى في هذا الادِّعاء أيضاً، وقالت بوجود سلسلة من
المهديين، وقالوا بأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مهدي، وأنَّ الأرض لا تُملَأ بالعدل والقسط
من قِبَل مهديٍّ واحدٍ، بل هناك مهدي يأتي إثر مهدي ليقوموا بأجمعهم بهذا المهمَّة(٩٠).
وهكذا تمَّ تأسيس دولة القرامطة، وبعدها دولة الفاطميين الكبرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٠) انظر: تاريخ وعقايد اسماعيليه/ فرهاد دفتري: ١٦٩ - ٢٢٠/ ترجمه إلى الفارسية: فريدون بدره اي/ نشر فروزان/ طهران/ ١٣٧٥ش.
٤-
الإماميَّة:
لقد واجه أتباع الإماميَّة مشكلتين رئيستين في عصر الغيبة الصغرى، التي تزامنت
تقريباً مع تأسيس الحكومات الشيعية، ويمكن بيان تلكما المشكلتين على النحو التالي:
١- أجواء الكبت السياسي الحادِّ الذي فرضته سلطة الخلافة العبّاسية على الإماميَّة.
فإنَّ دراسة الفضاء السياسي المتَّصل بعصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) يُثبِت
أنَّ بني العبّاس كان قد شدَّدوا القبضة على أئمَّة الشيعة وأتباعهم.
فبعد خلافة المتوكِّل العبّاسي سنة (٢٣٢) للهجرة، أصبحت أوضاع الشيعة في غاية
القسوة؛ إذ أنَّه من جهة عمل -من خلال حبس الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام)-
على منع حصول التواصل بين الشيعة وبينهما، ومن جهة أُخرى كان يعامل وكلاء الإمام
الهادي (عليه السلام) بكلِّ قسوة. وقد عمد في سياق تضييقه على الأئمَّة (عليهم
السلام) وشيعتهم إلى حبس عدد من وكلاء الإمام (عليه السلام) وقتلهم في السجن(٩١).
العنصر الآخر الذي أثار حفيظة المؤسِّسة الحاكمة ضدَّ الشيعة هو قيام بعض الدول
التي تحمل توجُّهات شيعية كما تقدَّم.
٢- أمَّا المشكلة الأُخرى التي فاقمت من أزمة الإماميَّة آنذاك، فتكمن في عدم وجود
الإمام الحاضر. وربَّما كانت غيبة الإمام نتيجة لتلك الأجواء الملبدة بتكميم
الأفواه وقمع الحرّيات والتي تقدَّم بيان جانبٍ منها. وفي هذه المرحلة واجه الشيعة
ظاهرة لم يسبق لهم تجربتها. الأمر الذي أدّى إلى حدوث بعض الانشقاقات في صفوف
الشيعة الإماميَّة. حتَّى بلغ الأمر ببعضهم إلى إنكار الإمام الثاني عشر(٩٢).
هذا في حين أنَّ الظروف السياسية الخطيرة كانت قد اضطرَّت الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) إلى عدم إظهار ابنه إلَّا لعدد قليل من الأفراد لا يتجاوزون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩١) انظر: الغيبة للحجَّة/
محمّد بن الحسن الطوسي: ٦١٠/ ترجه إلى الفارسية وحقَّقه: مجتبى عزيزي/ مسجد جمكران/
قم/ ١٣٨٧ش.
(٩٢) انظر: فِرَق الشيعة/
الحسن بن موسى النوبختي: ١٣٩.
أصابع اليدين(٩٣).
الأمر الذي فاقم من هذه الشكوك والأوهام. والذي زاد من اشتداد الأزمة في عصر الغيبة
الصغرى، خيانة بعض الوكلاء. وقد أدّى ذلك - من خلال تسلُّل هؤلاء إلى داخل بعض
القبائل الشيعية - إلى التمهيد لانحراف بعضها فكرياً. حيث بلغت شدَّتها في حادثة
الشلمغاني، إذ تمكَّن من اجتذاب قبيلة بني بسطام إلى آرائه الغالية(٩٤).
وقد عبَّر العلماء عن الشرائط والظروف التي صبغت تلك المرحلة بعصر الحيرة والضياع،
حتَّى قال النعماني (٣٤٣هـ) ما معناه: (كان أكثر الشيعة الإماميَّة في شكٍّ بشأن
صاحب العصر وغيبته)(٩٥).
كما ذكر الشيخ الصدوق في مقدّمة كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) أنَّ السبب من
تأليفه يعود إلى ما ظهر على بعض الشيعة من الشكِّ في إمامهم(٩٦).
دراسة الأسباب الدينية والسياسية للحُكّام الشيعة:
بعد البحث الإجمالي في الوضع الاجتماعي للشيعة، تجدر بنا الإشارة إلى الدوافع
والخصائص الرئيسة لقادة الدول والحكومات الشيعية على أعتاب غيبة الإمام المهدي
(عليه السلام).
١- العلويون في طبرستان:
لقد مثَّل الدافع الديني واحداً من الدوافع الرئيسة في ثورة الأشراف الزيدية بمن
فيهم الحسن بن زيد. حيث يمكن ملاحظة هذا الدافع في شعاراتهم وحتَّى في تصرُّفاتهم
أيضاً. فقد بادر الحسن بن زيد منذ البداية إلى أخذ البيعة من الناس على أساس العمل
بكتاب الله وسُنَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلَّا أنَّه وفي
أثناء مسيرة هذه الثورة نشب النزاع بين القادة العلويين في طبرستان، بحيث لم تمض
فترة على رحيل الحسن بن زيد حتَّى ثار صهره السيِّد أبو الحسن على خليفته محمّد،
وأخذ البيعة لنفسه من أهل آمل، ونهب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٣) انظر: الغيبة للحجَّة/
محمّد بن الحسن الطوسي: ٤١٧.
(٩٤) انظر: المصدر أعلاه:
٧٠.
(٩٥) انظر: كتاب الغيبة/
أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني: ٨/ ترجمه إلى الفارسية:
محمّد فربودي/ انتشارات انتخاب أوَّل/ الطبعة الأُولى/ قم/ ١٣٩٠ش.
(٩٦) انظر: كمال الدين
وتمام النعمة/ محمّد بن عليِّ بن حسين بن بابويه (الشيخ الصدوق): ٤/ ترجمه إلى
الفارسية: منوچهر بهلوان/ مسجد جمكران/ قم/ ١٣٨٨ش.
خزائن الداعي الكبير(٩٧).
كما تمَّ إيداع الناصر الكبير في السجن من قِبَل قائد آخر من الأشراف الزيدية اسمه
الحسن بن القاسم أيضاً(٩٨).
وثار أبناء الناصر الأطروش على الداعي الصغير. بل لجأ بعضهم إلى الحاكم السُّنّي
وتعهَّد له بقراءة الخطبة باسم الأمير الساساني.
وبالتالي فإنَّ العنصر الديني وإن كان له الدور التأسيسي في الدولة الشيعية
العلوية، إلَّا أنَّه -وفي نهاية المطاف- كان للدوافع غير الدينية الدور الأبرز في
الكثير من النزاعات التي نشبت بين قادتها، وأدَّت بالتدريج إلى اضمحلالهم وزوال
دولتهم.
وفيما يتعلَّق بالخصائص الفردية، فقد اشتهر بعض قادة هذه الدولة - بمن فيهم الحسن
بن زيد - بالزهد والتقوى والتشدُّد المفرط في الكثير من الأُمور الدينية(٩٩).
بل قيل: إنَّه كان يتشدَّد حتَّى على الشيعة من الإماميَّة، الأمر الذي اضطرَّ
البعض منهم إلى النزوح والهجرة من تلك المنطقة.
وفيما يتعلَّق بناصر الأطروش، قيل: إنَّه عمل على نشر الإسلام والتشيُّع في شمال
إيران، كما قيل أيضاً: إنَّه كان فقيهاً ومؤلِّفاً للكثير من الكتب(١٠٠).
يجب الالتفات إلى أنَّ العلويين في طبرستان كانوا من الشيعة الزيدية، وبالالتفات
إلى عقائد هذه الفرقة، يمكن لكلِّ سيِّد يقوم بالسيف من نسل فاطمة أن يكون إماماً.
الأمر الذي يجعل من الممكن أن يكون هناك الكثير من الأئمَّة الزيدية في وقتٍ واحدٍ،
ويدَّعي كلُّ واحدٍ منهم انحصار الحقِّ في الإمامة به دون غيره. ومن ناحية أُخرى
يجب الالتفات إلى أنَّ الزيدية لم يكونوا يؤمنون بإمامة من ينتهج التقيَّة أو يلجأ
إلى الغيبة للمحافظة على نفسه، وهو الاعتقاد الذي يتمسَّك به أتباع صاحب العصر
(عليه السلام) بشدَّة. فكانت هذه العقيدة من الأُمور التي تُميِّز بين هذين
المذهبين إلى حدٍّ كبير، ولا شكَّ في أنَّ هذا الأمر كان سبباً في عدم اعتقاد
الزيدية بإمامة إمام واحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٧) انظر: تاريخ طبرستان/
محمّد بن الحسن (ابن اسفنديار) (مصدر فارسي): ٢٥١.
(٩٨) انظر: تاريخ رويان
أولياء الله آملي (مصدر فارسي): ٧٩/ تصحيح: عبّاس خليلي/ طهران/ ١٣٨٣ش.
(٩٩) انظر: المصدر أعلاه:
١٣٧.
(١٠٠) انظر: المصدر أعلاه:
١٤٤.
٢- الفاطميون
(الإسماعيلية):
لقد كانت هذه الفرقة منذ البداية تنشد السلطة، وكان قادتها يواصلون نشاطهم السرّي
في الوصول إلى مآربهم، ولم يكن للدافع الديني والإلهي غير دور باهت بينهم، حتَّى
قيل: إنَّ عبيد الله المهدي - مؤسِّس الدولة الفاطمية - عمد في مستهلِّ وصوله إلى
السلطة إلى قتل أبي عبد الله الشيعي الذي سبق له أن أنقذه وأنقذ ابنه أيضاً(١٠١).
كما أدّى عنصر السلطة إلى نشوب النزاع بين فرقتين من الإسماعيلية، وهما: فرقة
الفاطميين في شمال أفريقيا، والقرامطة في البحرين، إذ على الرغم من كونهما من
الإسماعيلية إلَّا أنَّ الاختلاف قد دبَّ بينهما، الأمر الذي شجَّع العبّاسيين على
البدء بهجمات ضارية على الفاطميين(١٠٢).
وفي المرحلة اللاحقة انتهى النزاع حول السلطة إلى الخلاف العقائدي بين الإسماعيلية
وانقسامهم إلى فرقتين: النزارية، والمستعلية(١٠٣).
وفي مرحلة من الزمن وصل الأمر ببعض الحكومات الإسماعيلية إلى القول بالإباحية
المطلقة(١٠٤).
وعليه فإنَّ جميع هذه الموارد تُثبِت حضور عنصر البحث عن السلطة بقوَّة في تكوُّن
واستمرار هذه الدولة، ورغم ضرورة عدم الغفلة عن حدوث الترويج للمذهب الشيعي
الإسماعيلي على أيِّ حالٍ، إلَّا أنَّ العامل والعنصر الديني لم يكن هو العنصر
الأصيل في نشاطهم السياسي، وإنَّما العامل والمحرِّك الرئيس في ذلك هو الوصول إلى
السلطة.
الخصائص الدينية لقادة الإسماعيلية:
كان الإسماعيليون ومن بعدهم الفاطميون فيما يتعلَّق بالإمامة يعتقدون بعنصرين، إذ
كانوا في بداية أمرهم يعتقدون أنَّهم الأئمَّة بحقٍّ، وعليه فمن الطبيعي في مثل هذه
الحالة أن لا يؤمنوا بإمامة غيرهم. وكانت هذه الفرقة منذ البداية تحصر الإمامة
بأبناء إسماعيل، وأخذوا يعملون سرّاً من أجل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠١) انظر: الكامل في
التاريخ/ عليّ بن أبي الكرم (ابن الأثير) ٧: ٣٠٩.
(١٠٢) انظر: المصدر أعلاه:
٣٢٦.
(١٠٣) انظر: تاريخ ابن
خلدون/ عبد الرحمن بن محمّد (ابن خلدون) ٤: ١٥.
(١٠٤) انظر: تاريخ جهانگشای
جويني/ عطاء الملك الجويني (مصدر فارسي) ٣: ٢٣٨/ إعداد وتصحيح: محمّد عبد الوهّاب
القزويني/ نشر أرغوان/ طهران/ ١٣٧٠ش.
هذه العقيدة. وفي أثناء الطريق
أضافوا إلى الإمامة ادِّعاء المهدوية أيضاً، الأمر الذي أثار الكثير من الصخب
والجدل في المنظومة العقائدية للإسماعيلية. فقد اعتبر عبيد الله نفسه هو الإمام
المهدي الموعود، وأجرى تعديلاً على اعتقاد الإسماعيلية بمهدوية محمّد بن إسماعيل.
بل ظهر هناك آخرون من الفاطميين الذين قالوا بهذا الأمر لأنفسهم أيضاً(١٠٥).
أ- القرامطة: لقد كانت هذه الفرقة واحدة من الفروع والأذرع العسكرية الضاربة
للإسماعيلية، وقد تمكَّنت من إقامة حكمها في البحرين. ولا شكَّ في أنَّ عنصر السلطة
والقوَّة كان له الدور الأبرز في تأسيس دولتهم. وهذا ما يمكن إثباته بأدنى نظرة إلى
سلوكهم. وقد ذكرت المصادر التاريخية أنَّ سبب مقتل أبي سعيد -مؤسِّس هذه الدولة-
يعود إلى تهتُّكه وتهاونه بأحكام الشرع(١٠٦).
وممَّا رواه ناصر خسرو أنَّ القرامطة الذين حكموا البحرين كانوا يننتسبون إلى أبي
سعيد، ويعتقدون بعودته من موته، وهذا ما أثبته أبو سعيد نفسه في وصيَّته، وجعل
علامة ذلك لأصحابه أن يضربوا عنقه عند عودته بالسيف، فإن كان العائد هو فإنَّه
سيُبعَث إلى الحياة من جديد، ولن تؤدّي ضربة السيف إلى موته ثانيةً. يُضاف إلى هذه
الموارد الجرائم التي ارتكبها أبو طاهر - أقوى حُكّام القرامطة - والتي تدلُّ بوضوح
على النزعة السلطوية البعيدة كلُّ البعد عن روح الدين لدى هذه الفرقة.
ب- الحمدانيون: على الرغم من عدم الشكِّ في تشيُّع هذه الفرقة، إلَّا أنَّه من
الصعب تحديد نوع تشيُّعهم بسبب السرّية التي ساروا عليها في هذا الشأن. هذا وقد كان
الحمدانيون ينشدون السلطة والمحافظة عليها قبل كلِّ شيء، وقد ارتكبوا في هذا الشأن
من الأعمال ما لا يمكن تصنيفه ضمن الدوافع الدينية، وقد تقدَّمت الإشارة إلى جانب
منها في هذا المقال.
وبالإضافة إلى ما تقدَّم، يمكن لنا أن نشير إلى الموارد الآتية أيضاً:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٥) انظر: تاريخ وعقايد
اسماعيليه/ فرهاد دفتري: ١٦٩ - ٢٢٠.
(١٠٦) انظر: نهاية الأرب في
فنون الأدب/ النوبري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري: ٤٧٦/ دار الكتب
القومية/ ط ١/ القاهرة/ ١٤٣٣هـ.
كان هناك الكثير من المواجهات بين
حسين بن حمدان بأمر من الخليفة العبّاسي ضدَّ القرامطة الشيعة(١٠٧).
وممَّا قيل في ناصر الدولة الحمداني أيضاً: إنَّ شخصيته وأعماله جعلته موضعاً
للتهمة والضعف والفشل السياسي. فقد كان يتَّصف بالقسوة ونقض المواثيق، وكان شديد
السطوة على أبناء رعيَّته. وكانت سياسته الداخلية تقوم على أعمال السخرة والاستحواذ
على المحاصيل بشكل كامل، بينما تقوم سياسته الخارجية على العمليات العسكرية الخاطفة
وغير المنظَّمة والقائمة على النفاق. وعجز حتَّى عن توحيد صفوف أبنائه، بحيث
تمرَّدوا عليه في نهاية حياته، وتخاصموا ونشبت الحروب فيما بينهم بعد موته(١٠٨).
وممَّا قيل في سيف الدولة الحمداني: إنَّه كان شجاعاً كريماً محبّاً للتفاخر
والمديح والثناء، وكان ظالماً لرعيَّته(١٠٩).
وكان في الكثير من الموارد يقتل الناس دونما سبب(١١٠).
كما روي أنَّ سيف الدولة قد عمد في بعض الموارد إلى تقطيع أوصال عدد من الذين
تآمروا عليه(١١١).
ما يُثبِت أنَّ العامل الديني لم يكن له أدنى تأثير في تنظيم سلوك هؤلاء الحُكّام
أو ردعهم عن ارتكاب الظلم والجرائم.
ج- آل بويه (البويهيون): ليس هناك من شكٍّ في أنَّ الوصول إلى السلطة كان يُمثِّل
الدافع الأهمّ في تكوُّن هذه الجماعة من الشيعة - التي يحتمل أنَّها تخلَّت عن
المذهب الزيدي بالتدريج لتنتقل إلى المذهب الإمامي -، وقد اتَّخذت من المذهب ذريعة
للوصول إلى مقاصدها ومآربها. وكما تقدَّم أن ذكرنا فإنَّ الإخوة الثلاثة من آل بويه
كانوا كلَّما أحسُّوا بالضعف تجرَّدوا عن الوفاء لقادتهم وأسيادهم واختاروا لأنفسهم
قادة وأسياداً آخرين. ولم تكن مواجهاتهم مع الحمدانيين الشيعة والقرامطة
الإسماعيلية الذين كانوا شيعة بأجمعهم، وعزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٧) انظر: تاريخ الأُمم
والملوك/ محمّد بن جرير الطبري ٨: ٣٢٥.
(١٠٨) انظر: دولت حمدانيان/
فيصل سامر: ١٥٠/ ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراكزلو.
(١٠٩) انظر: المصدر أعلاه:
٢٢٢.
(١١٠) انظر: المصدر أعلاه:
٢٢٣.
(١١١) انظر: المصدر أعلاه:
٢٢٤.
الخليفة العبّاسي وسمل عيني الخليفة(١١٢)،
والنزاعات الداخلية فيما بينهم واقتتال الأُمراء من آل بويه فيما بينهم من منطلقات
قبلية بحتة، في حين كانوا من الشيعة بأجمعهم، إنَّما يُمثِّل مجرَّد جانب من
أعمالهم وممارساتهم المجانبة للدين الإسلامي الحنيف.
وكما تقدَّم أن ذكرنا فإنَّ مذهب هؤلاء غير معروف بالتحديد، رغم أنَّ المصلحة قد
اقتضت منهم التظاهر بالمذهب الإمامي عند الوصول إلى السلطة؛ لأنَّ الإمام الغائب لا
يستطيع أن ينازعهم سلطانهم، في حين أنَّهم لو تمسَّكوا بزيديتهم لن يأمنوا أن يخرج
أحد عليهم بالسيف من الأشراف الفاطميين ليسلبهم سلطانهم، وهو أمر لا ينسجم مع
نزعتهم السلطوية.
الاستنتاج:
من خلال ما تقدَّم من الإضاءات والإيضاحات يمكن لنا أن نُدرِك أنَّ الإمام المهدي
(عليه السلام) لو قُدِّر له أن يظهر في أثناء تلك الحكومات، فإنَّه سوف يواجه
التحدّيات الآتية:
١- كانت الخلافة العبّاسية في تلك الفترات تعاني من أزمات حادَّة، لاسيّما وأنَّهم
كانوا يعيشون في المرحلة الثانية من حكمهم (والتي امتدَّت من عام ٢٣٢ إلى عام ٣٣٤
للهجرة)، والتي يُطلِق عليها المؤرِّخون مصطلح ضعف السلطة المركزية للعبّاسيين
وتسلُّل العناصر الغريبة والأجنبية إلى أعلى مناصب السلطة، خلافاً للمرحلة الأُولى
(التي تمتدُّ من عام ١٣٢ إلى عام ٢٣٢ للهجرة) والتي تُمثِّل مرحلة ظهور العبّاسيين
واقتدارهم وسطوة خلفائهم.
وبعد دخول الأتراك إلى السلطة وتسنُّمهم الكثير من المناصب في الدولة، أضحى الخليفة
العبّاسي أُلعوبة بين أيديهم يُحرِّكونه كيفما شاءوا، وربَّما عزلوه أو قتلوه،
الأمر الذي يعكس شدَّة الضعف الذي آلت إليه الخلافة العبّاسية في تلك المرحلة.
وفي هذه الفترة الزمنية ظهرت حكومات محلّية قويَّة في كافَّة أقطار العالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٢) انظر: تجارب الأُمم وتعاقب الهمم/ أحمد بن محمّد بن يعقوب الرازي (ابن مسكويه) ٢: ٧٨.
الإسلامي، وكانت مستقلَّة وخارجة عن
السلطة العبّاسية نوعاً ما.
وفي هذه المرحلة اشتدَّ الضغط على الشيعة -ولاسيّما الإماميَّة منهم- بسبب قيام
الحكومات الشيعية، وتعزيز النظرية القائلة بأنَّ إمام الشيعة الإماميَّة سيُولَد
ويظهر عن قريب؛ بحيث كان الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) غالباً ما يعيشون ضمن
المعسكرات وتحت الإقامة الجبرية، وإنَّ موتهم وهم في شرخ الشباب يُعزِّز من احتمال
قتلهم واستشهادهم على يد العبّاسيين. وقد زاد العبّاسيون من الضغط على الشيعة
الإماميَّة في فترة الغيبة الصغرى بسبب اعتقادهم بقرب ظهور إمام يقضي على الظلم
والجور ويقيم دولة العدل والإنصاف. من هنا فقد بلغ الفضاء الذي فُرِضَ على الشيعة
الإماميَّة الدخول في مرحلة التقيَّة ذروته، بحيث كان الكثير من الشيعة لا يعرفون
إمامهم، وعلى فرض ظهوره لم يكن بالإمكان التمحور حوله واحتضانه بالشكل المناسب
والمطلوب، وفي ظلِّ هذه الظروف يمكن للسلطة العبّاسية أن تقضي على الإمام بكلِّ
يُسر وبساطة.
٢- بادرت مختلف الفِرَق الشيعية إلى تأسيس الحكومات رغم التباين والتفاوت في
عقائدها. وقام بعضها بإقامة الدولة بدوافع دينية ودعوة الناس إلى كتاب الله وسُنَّة
النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن هذا الدافع الديني -بطبيعة
الحال- قد شهد انحساراً مع مرور الوقت، ويُعتَبر العلويون في طبرستان نموذجاً
بارزاً لهذا النوع من الحكومات الشيعية.
كما كان الدافع إلى تشكيل بعض الحكومات الشيعية الأُخرى هو الوصول إلى السلطة، ومن
الأمثلة على ذلك: البويهيون والقرامطة وغيرهما.
يمكن الاحتمال بأنَّ تحوُّل البويهيين من العقيدة الزيدية إلى العقيدة الإماميَّة
يأتي في سياق ضمان عدم الخضوع لسيطرة القيادة الزيدية على هذه الدولة؛ لأنَّ إمام
الشيعة الإماميَّة يعيش خلف ستار الغيبة، وبذلك يكونون أتباعاً لإمام ليس له أيّ
أمر أو نهي عليهم، ولا يخفى أن اتِّباع مثل هذا الإمام لا ينطوي على أيِّ تبعات من
شأنها الوقوف أمام أطماعهم.
٣- لقد كان فهم هذه الحكومات للتشيُّع مختلفاً، فبعضها زيدي، وبعضها
إمامي، وبعضها فاطمي، ومن الطبيعي
في مثل هذه الحالة أن يختار كلُّ واحدٍ منهم إمامه على طبق عقيدته الخاصَّة.
كما أنَّ بعض قادة هذه الحكومات كان يدَّعي الإمامة لنفسه؛ وذلك انطلاقاً من
العقيدة الزيدية القائلة بأنَّ الملاك في الإمامة أن يكون الفاطمي قائماً بالسيف،
وكانوا في تلك الظروف يرون أنفسهم متَّصفين بتلك المواصفات التي يتمُّ اشتراطها في
الإمام. وعليه فإنَّ هذه الجماعة على فرض ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سترى في
نفسها ندّاً له، وستقف في وجهه لا محالة، ولن يؤمنوا بوجوب التبعية له.
بل كان هناك منهم من يعتبر نفسه هو الإمام المهدي الموعود، ويقولون بأنَّ الروايات
التي تُبشِّر بالإمام المهدي إنَّما تعنيهم وتنطبق عليهم. وفي هذه الحالة حتَّى إذا
ظهر المهدي الحقيقي فإنَّهم سيجحدون به ويُنكِرونه، ويعتبرونه مجرَّد منافس لهم
يريد أن ينازعهم سلطانهم، وسوف يناصبونه العداء لا محالة.
ومن ناحية أُخرى فإنَّ الكثير من قادة هذه الحكومات لم يكونوا يلتزمون بالضوابط
الشرعية والأخلاقية في سياستهم، وكانوا لضمان البقاء على عروشهم يستبيحون ارتكاب
جميع أنواع الظلم والموبقات التي تصل أحياناً إلى حدِّ إزهاق الأرواح البريئة.
وعليه فإنَّ المهمَّ بالنسبة إلى هذه الحكومات هو الحفاظ على السلطة مهما كلَّف
الأمر، في حين يجب أن تقوم دولة الإمام المهدي (عليه السلام) على أساسٍ وركيزةٍ من
العدل والبيعة من قِبَل الناس دون إكراه، إلى غير ذلك من الملاكات الدينية الخالصة
الأُخرى، وهو ما تمَّت تجربته في عهد حكومة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، ولم يكتب له النجاح بسبب دخول الناس في الدنيا وعدم استعداد المجتمع
لتقبُّل مفاهيم الدين الأصيلة، الأمر الذي أدّى حتَّى بأقرب المقرَّبين من أصحاب
النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الوقوف بوجه أمير المؤمنين (عليه
السلام). وعليه لا يبعد أن لا تقتصر المواجهة عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)
في تلك الظروف على المواجهة بينه وبين الدولة العبّاسية، بل سيقف في وجه
الإمام حتَّى أمثال هذه الحكومات
والفِرَق الشيعية، ويكون الحكم بينها وبينه هو السيف فقط.
٤- نشهد بشكل عامٍّ الكثير من المواجهات الشديدة والعنيفة بين الحكومات الشيعية على
المستوى الفكري والعسكري. وكما تقدَّم أن ذكرنا فإنَّ بعض هذه الحكومات الشيعية كان
يبيح لنفسه الرضوخ لسيادة وهيمنة الحكومات السُّنّية، ويُقدِّمون شتّى أنواع فروض
الطاعة لأولياء نعمتهم من قادة الحكومات السُّنّية للاستقواء بهم على إخوتهم في
المذهب، إلَّا أنَّهم في الوقت نفسه لا يطيقون وجود حكومة شيعية منافسة لهم، بل
يناصبونها العداء ويستبيحون قتالها. من هنا فعلى فرض ظهور الإمام المهدي (عليه
السلام)، فإنَّهم سوف يواجهونه بذات الوتيرة ولن يروا أيَّ فرق بينه وبين سائر
الحكومات الشيعية المنافسة لهم.
٥- في ذلك العصر كان عموم الشيعة لم تكن لديهم معرفة كاملة بإمام العصر (عليه
السلام). ومن ناحية أُخرى كان بعض الشيعة الإماميَّة مختلفين بشأن إمام العصر (عليه
السلام)، وهو ما أشار له النوبختي في بداية الغيبة الصغرى، حيث قال بأنَّ الشيعة
الإماميَّة في بداية الغيبة قد انقسموا إلى العديد من الفِرَق. كما يجب تعميم
انعدام الوعي لدى الشيعة في هذا الشأن على جميع المسلمين، وذلك بطبيعة الحال على
مقياس أوسع وفي ظروف أسوأ من الظروف لدى الشيعة.
ونتيجةً لذلك يمكن القول: إنَّ ظهور إمام العصر (عليه السلام) في تلك الحقبة كان من
شأنه لو تحقَّق أن يواجه الكثير من التحدّيات والإشكاليات، حيث كانت ستواجه الظروف
الأسوأ -من الناحية الفكرية (وجود التيّارات المنافسة والمعارضة)، أو من الناحية
العسكرية (وجود الحكومات التي تحمل عنوان الحكومات الشيعية المعارضة)- على أحسن
التقادير. وعليه سيكون استمرار الغيبة بالنسبة إلى الإمام المهدي (عليه السلام) في
تلك الظروف أمراً لا يمكن اجتنابه. وبعبارة أُخرى: كان استمرار الإمام في غيبته
أفضل الخيارات الممكنة.
إشكالية الثأر وقتل الذراري في العقيدة المهدوية
الشيخ محمد رضا الساعدي
من أشدِّ الظلامات التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام) والتي بكت لها كلُّ
الكائنات الأرضية والسماوية واقعة الطفّ الأليمة التي استشهد فيها الإمام الحسين
(عليه السلام) وأهل بيته وصحبه بعد أن قُتلوا صبراً في رمضاء كربلاء على يد الدولة
الأُموية الظالمة وأنصارها.
وهذه المقتلة العظيمة كانت وما زالت الواقعة الأكثر إيلاماً على قلوب محمّد وآل
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشيعتهم ومحبّيهم حتَّى أصبحت القضيَّة الأساسية
في الثقافة الإسلاميَّة العامَّة والأكثر إحياءً من باقي القضايا بالرغم من كبر حجم
تلك القضايا الأُخرى كقضيَّة مظلومية النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ومظلومية السيِّدة الزهراء (عليها السلام) ومظلومية أمير المؤمنين (عليه السلام)
وباقي مظلوميات أهل البيت (عليهم السلام).
ومن الشؤون العامَّة لهذه القضيَّة أنَّ لها ارتباطاً بالثورات وحركات الإصلاح
والتغيير في العالم الإسلامي، بل وفي غيره، فكانت تُلهِم القادة والثوّار دروساً في
التضحية والإباء والصبر والتقدّم، فلذا أخذت هذه الثورات على عاتقها إبراز القضيَّة
الحسينية في يومياتها وأدبياتها وانتصاراتها، فلا نجد انفكاكاً في شعارات تلك
الثورات عن القضيَّة الحسينية، وبسبب هذه الحماسة الحسينية كُتِبَ لتلك الثورات
النجاح في أكثر من مستوى.
ومن أكبر الحركات الإصلاحية الشاملة كمّاً ونوعاً -كما دلَّت النصوص القرآنية
والروائية- هي حركة صاحب العصر والزمان الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام) الذي
سيملأُ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، فكان من الضروري أن نعرف
علاقة الثورة المهدوية بالثورة الحسينية، وما هو نحو الارتباط بين القضيَّة
المهدوية والقضيَّة الحسينية.
لا شكَّ أنَّ الارتباط بينهما له حيثيات عديدة وكثيرة، ولكنَّنا -دفعاً للإطالة-
ركَّزنا في المقام على مفردة من تلك العلاقة، وهي مفردة أخذ الإمام المهدي (عليه
السلام) بثأر سيِّد الشهداء (عليه السلام).
فلسائل أن يسأل: يا ترى هل لثأر الحسين (عليه السلام) مساحة في حركة حفيده (عليه
السلام)؟ وما مقدار هذه المساحة؟ وكيف تكون طريقة أخذ الثأر؟
الجواب: نعم هناك مجال واسع ومساحة عريضة في عصر الظهور للأخذ بثارات الإمام الحسين
(عليه السلام) من قِبَل الإمام المهدي (عليه السلام)، وهذا سيتَّضح جليّاً.
وقبل بيان ذلك نُبيِّن الأسباب التي تجعل الإمام المهدي (عليه السلام) هو الأخذ
بالثأر دون غيره.
أسباب أخذ الثأر من المهدي (عليه السلام) دون غيره:
في الحقيقية أنَّ الأسباب عديدة، منها ما هو فقهي، ومنها ما هو عقدي، ومنها ما هو
نسبي، وهكذا.
ومن أبرز تلك الأسباب ولو بنحو الاحتمال والأُطروحة:
السبب الأوَّل: ولاية الدم:
إنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) هو وليُّ دم الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ هو
الأقرب نسباً للحسين (عليه السلام) من كلِّ الأحياء في زمانه، فيكون الأولى بأخذ
الثأر، لأنَّه وليُّ دمه الشرعي، وهذا من الجانب الفقهي واضح كما عبَّرت الآية
الشريفة: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا
لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾
(الإسراء: ٣٣).
فالإمام الحجَّة (عليه السلام) يأخذ بدم الحسين (عليه السلام) من عصابة بني أُميَّة
ومن ناصرهم في قتله وقتل أهل بيته (عليهم السلام) من باب أنَّه وليُّ دم جدِّه
المظلوم الشهيد (عليه السلام).
ولذا علَّلت بعض الروايات تسميته بالمنصور لهذا السبب واستشهدت بهذه الآية الكريمة،
ففي تفسير فرات بن إبراهيم عن جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ مُعَنْعَناً،
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾، قَالَ:
«الْحُسَيْنُ ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ
مَنْصُوراً﴾»، قَالَ: «سَمَّى اللهُ المَهْدِيَّ المَنْصُورَ كَمَا سُمِيَّ
أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ ومحمود [مَحْمُوداً] وَكَمَا سُمِّيَ عِيسَى المَسِيحَ (عليه
السلام)»(١).
السبب الثاني: حاكميته الشرعية:
إنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) هو الحاكم الشرعي الأعلى في الأرض، فله إقامة
القصاص الفردي والجماعي على المعتدين والظالمين لآل البيت (عليهم السلام)، وهذا
واضح فقهياً كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ...﴾
(البقرة: ١٧٩).
ومن صور القصاص التي يقوم بها الإمام (عليه السلام) أن يأخذ بثأر الحسين (عليه
السلام) وأصحابه ويأخذ بثأر الأنبياء والأولياء، كما يأخذ بثأر الصدّيقة الزهراء
(عليها السلام) كما نصَّت الروايات.
السبب الثالث: محقِّق العدل العامّ:
إنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) هو محقِّق للعدل الإلهي الشامل التامّ، وشعار
دولته نشر العدل في مشارق الأرض ومغاربها، ومن العدل هو الأخذ بثأر المظلومين وقصم
رقاب المعتدين الظالمين: «أين معزُّ الأولياء ومذلُّ الأعداء»(٢).
ولا شكَّ أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)
ومنهم الإمام الحسين (عليه السلام) أشدُّ الناس مظلومية على مدى التاريخ.
فهدف من أهداف القيام المهدوي هو الأخذ بثأر الأئمَّة الأطهار والأنبياء الأبرار
كما جاء في دعاء الندبة المبارك: «أَيْنَ الطَّالِبُ بِذُحُولِ(٣)
الْأَنْبِيَاءِ وَأَبْنَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ط
بيروت.
(٢) المزار الكبير لابن
المشهدي: ٥٧٩.
(٣) الذًّحل: الثًّأر.
الْأَنْبِيَاء»، ثمّ أعقب ذلك بالدم الأشرف والثأر الأكبر: «أَيْنَ الطَّالِبُ
بِدَمِ المَقْتُولِ بِكَرْبَلَاءَ»(٤).
وفي زيارة الإمام الحجَّة (عليه السلام): «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طَالِبَ ثَارِ
الْأَنْبِيَاءِ وَأَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالثَّائِرَ بِدَمِ المَقْتُولِ
بِكَرْبَلَاءَ»(٥).
السبب الرابع: محقِّق أهداف الثورة:
إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) محقِّق لأهداف الحسين (عليه السلام)، وهذه
الأهداف إنَّما تتحقَّق من خلال القضاء على الاتِّجاهات التي منعت إقامة تلك
الأهداف في الأرض من خلال قتلهم للمشروع الحسيني الإلهي، فيأتي الإمام (عليه
السلام) ليُحقِّق تلك الأهداف من خلال القضاء على أتباع الخطِّ الأُموي الظالم وإن
اختلفت مسمّياتهم وعناوينهم.
والإصلاح بكلِّ مستوياته هو من أهمِّ تلك الأهداف وأعظمها كما أشار إليه الإمام
الحسين (عليه السلام) في خطبته: «أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا
مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ
جَدِّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى
عَنِ المُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
(عليه السلام)...»(٦).
فالإصلاح المهدوي هو تحقيق للإصلاح الحسيني وتتميم له، ومن جملة الإصلاح القضاء على
الفاسدين والمفسدين والظالمين تحقيقاً للعدل الإلهي من جهة، ولخلق أجواء خالية من
الأوبئة المعنوية من جهة أُخرى.
السبب الخامس: رفع مظلومية آل البيت (عليهم السلام):
إنَّ الأخذ بثأر الحسين (عليه السلام) من قتلته هو مطلب من مطالب أهل البيت (عليهم
السلام) وخصوصاً السيِّدة الزهراء (عليها السلام) باعتباره رفعاً لمظلومية ولدها
الحسين (عليه السلام)، والإمام الحجَّة (عليه السلام) هو أولَى الناس بتحقيق مطلبها
ورفع الأسى والجوى الذي ألمَّ بها لقتل ولدها الشهيد (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) المزار الكبير لابن
المشهدي: ٥٧٩.
(٥) بحار الأنوار ٩٩: ٨٦/ ط
بيروت.
(٦)
مناقب آل أبي طالب ٤: ٨٩.
السبب السادس: أنَّه وفاء للحسين (عليه السلام):
إنَّ الحسين (عليه السلام) في الرجعة هو الذي يُصلّي على الإمام المهدي (عليه
السلام) بعد قتله، إذ إنَّ آخر عصر الظهور هو مقتل الإمام المهدي (عليه السلام)
وتبدأ بعده الرجعة برجوع الحسين (عليه السلام) كما ذكر ذلك صاحب البحار(٧).
وهذا يجعل الرابط كبير بينهما، فهو (عليه السلام) ينتقم من أعدائه والإمام يُصلّي
عليه (عليه السلام) بعد مقتله. فكما أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) اقتصَّ من
قتلة الحسين (عليه السلام) فكذلك الحسين في الرجعة يقتصُّ من قتلة الإمام المهدي
(عليه السلام).
هذه بعض الأسباب التي تشير إلى أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو طالب الثأر
الأعظم للإمام الحسين (عليه السلام) تحقيقاً للعدل الإلهي ودفعاً للباطل الشيطاني.
أمَّا ما أُخِذَ من ثارات للحسين (عليه السلام) من قِبَل بعض الموالين الذين قاموا
بالثورات كثورة المختار والتوّابين وغيرهما، فلم تكن كافية، ولم تكن محقِّقة لأخذ
الثأر بتمامه، وإنَّما الذي يأخذ بالثأر التامّ هو الحجَّة بن الحسن (عليه السلام)
كما نصَّت الروايات الخاصَّة التي سنذكرها لاحقاً في تقريب الرواية السادسة من
الروايات الآتية.
عرض صلب الموضوع:
الروايات الخاصَّة الدالَّة على أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) يأخذ الثأر:
نصَّت الكثير من الروايات - ولعلَّها بلغت حدَّ الاستفاضة - على أنَّ الإمام
الحجَّة أرواحنا لمقدمه الفداء هو الذي يأخذ بثأر سيِّد الشهداء (عليه السلام) حال
خروجه من غيبته، وقد ذكرها أصحاب المجاميع الروائية كما في البحار وغيره.
وإليك جملة من هذه الروايات:
الرواية الأُولى: في بحار الأنوار عن علل الشرائع وعيون أخبار الرضا (عليه السلام):
الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: قُلْتُ
لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) بحار الأنوار ٥٣: ١١٥.
(عليه السلام): يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ مَا تَقُولُ فِي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ
الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الْقَائِمُ قَتَلَ
ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) بِفِعَالِ آبَائِهَا»؟ فَقَالَ
(عليه السلام): «هُوَ كَذَلِكَ»، فَقُلْتُ: وَقَوْلُ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَلا
تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ:
«صَدَقَ اللهُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ، وَلَكِنْ ذَرَارِيُّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ
يَرْضَوْنَ بِفِعَالِ آبَائِهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ بِهَا، وَمَنْ رَضِيَ شَيْئاً
كَانَ كَمَنْ أَتَاهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ بِالمَشْرِقِ فَرَضِيَ
بِقَتْلِهِ رَجُلٌ بِالمَغْرِبِ لَكَانَ الرَّاضِي عِنْدَ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)
شَرِيكَ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يَقْتُلُهُمُ الْقَائِمُ (عليه السلام) إِذَا
خَرَجَ لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ آبَائِهِمْ»، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ
يَبْدَأُ الْقَائِمُ مِنْكُمْ إِذَا قَامَ؟ قَالَ: «يَبْدَأُ بِبَنِي شَيْبَةَ
فَيَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ، لِأَنَّهُمْ سُرَّاقُ بَيْتِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)»(٨).
تقريب الدلالة: الرواية واضحة الدلالة على أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) يأخذ
بثأر سيِّد الشهداء (عليه السلام) حال خروجه، ويكون أخذ الثأر من أتباع الخطِّ
الأُموي، سواء كانوا من بني أُميَّة أو من أنصارهم، والجامع المشترك بينهم أنَّهم
شاركوا في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه الميامين، وهذا القتل للذراري
لأنَّهم ساروا على هذا النهج الشيطاني في القتل والتنكيل بأتباع آل البيت (عليهم
السلام) من جهة، ولأنَّهم رضوا وافتخروا بذلك الفعل الشنيع.
فالإمام المهدي (عليه السلام) هو الآخذ بالثأر الأكبر كما هو واضح من الرواية.
إشكال ودفعه:
قد يقال: لماذا يقتل الإمام الحجَّة (عليه السلام) ذراري قتلة الإمام الحسين (عليه
السلام) وهم لم يرتكبوا القتل ولم يشهدوا تلك الجريمة؟
فإنَّه يقال: إنَّ الجواب على ذلك له عدَّة مستويات، وبعضها بنحو الاحتمال
والأُطروحة، وكلُّ مستوى يصحُّ أن يكون جواباً مستقلّاً:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٥/ ط بيروت؛ العيون ١: ٢٧٣؛ علل الشرائع ١: ٢١٩.
المستوى الأوَّل: الرضا بالأفعال - مجرَّد الرضا -:
ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) في الرواية أعلاه من تعليل قتلهم: «يَرْضَوْنَ
بِفِعَالِ آبَائِهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ بِهَا، وَمَنْ رَضِيَ شَيْئاً كَانَ كَمَنْ
أَتَاهُ».
فهم ساروا على هذا النهج العدائي للنهج النبوي الحسيني، ورضوا وأيَّدوا هذه
الجرائم، ولو أنَّهم تمكَّنوا من قتل الحسين (عليه السلام) ثانيةً لقتلوه،
فاستحقّوا بذلك القتل.
وهذا ما حصل ويحصل من النهج العدائي لآل البيت (عليهم السلام) وللحسين (عليه
السلام)، وما يُفعَل الآن من قتل شيعة آل البيت (عليهم السلام) نكايةً وتشفّياً
منهم لأنَّهم اتَّبعوا هذا الخطّ النبوي العلوي.
وما يُمارَس اليوم من جرائم في حقِّ أتباع آل البيت (عليهم السلام) ما هو إلَّا
امتداد للنهج الأُموي والعبّاسي الذي قتل آل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم في سالف
الدهر.
فإنَّ هؤلاء هم أبناء أُولئك تشابهت قلوبهم وأفعالهم ولم تتغيَّر إلَّا أسماؤهم،
فما تمارسه اليوم المنظَّمات الإرهابية كداعش وجبهة النصرة وبوكوحرام وغيرها وبعض
الأنظمة والدول الأُموية إنَّما هي تكملة لمسلسل القتل والذبح والحرق الذي مارسه
أسلافهم باسم الدين والسلطة والخلافة الدنيوية.
فيأتي الإمام المنقذ (عليه السلام) ليُطهِّر الأرض من هذه الزُّمَر والمسمّيات
ثأراً لآل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم على مرِّ التاريخ، بل ثائراً لكلِّ
المظلومين والمستضعفين في المعمورة.
المستوى الثاني: العلم الإلهي بالسير العملي للذراري:
قد يقال: إنَّه في علم الله وتقديره أنَّ جميع ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) أو
غالبهم يسيرون على نهج آبائهم في القتل لآل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم والإفساد
في البلاد والعباد، وبذلك استحقّوا القتل، كما في الدعاء على لسان النبيِّ نوح
(عليه السلام) عندما دعا الله باستئصال جميع الظالمين: ﴿رَبِّ
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا
إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ (النوح: ٢٦ و٢٧).
المستوى الثالث: المداهنة:
إنَّه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما دلَّت الروايات، منها: ما عن
الإمام الباقر (عليه السلام): «أوْحَى اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَى شُعَيْبٍ
النَّبِيِّ (عليه السلام): أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ
أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ،
فَقَالَ (عليه السلام): يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ، فَمَا بَالُ
الْأَخْيَارِ؟ فَأَوْحَى اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَيْهِ: دَاهَنُوا أَهْلَ
المَعَاصِي(٩)
وَلَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي»(١٠).
المستوى الرابع: القصاص الاجتماعي - الجماعي:
إنَّه من باب القصاص الجماعي كما فعل النبيُّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ببني قريظة وبني النظير حيث عاقب الجميع (جميع الرجال البالغين دون الأطفال
والنساء) بعقوبة القتل والإجلاء، لخيانتهم للمعسكر الإسلامي وتواطئهم مع معسكر
الشرك.
المستوى الخامس: خاصٌّ بالإمام (عليه السلام):
إنَّه حكم خاصٌّ بالإمام المهدي (عليه السلام) أو بعصر الظهور، ككثير من الأحكام
الخاصَّة به (عليه السلام) من خلال حكمه على البواطن والضمائر لا بالظواهر فقط،
فيكون قتله لذراري قتلة الحسين (عليه السلام) من الأحكام الخاصَّة.
المستوى السادس: خاصٌّ بقتلة الإمام الحسين (عليه السلام):
إنَّه حكم خاصٌّ بقتلة الإمام الحسين (عليه السلام) بأن تُقتَل كلُّ ذراريهم قصاصاً
خاصّاً بهم لعظيم ما وقع على الحسين (عليه السلام) وعياله وأصحابه من قتل وتنكيل
وتمثيل، فكان جزاء من يرضى بهذا الفعل ويسير بهذا النهج أن يُستَأصل من الأرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) أي تركوا نصيحتهم ولم
يتعرَّضوا لهم ولم يمنعوهم من قبائحهم.
(١٠) الكافي ٥: ٥٦/ باب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ ح ١.
المستوى السابع: قضيَّة غيبية:
إنَّ قتلهم وإن كان ظاهره تعدّياً أو ظلماً إلَّا أنَّه في الواقع عدل وحقٌّ كما
فعل الخضر (عليه السلام) في قصَّة قتل الغلام، فكان من الصالح للأبوين أن يقتل
الخضر ابنهما حتَّى يُبدِلهما الله خيراً منه، ومن صالح الابن أن يُقتَل لكي لا
يكبر ويعقّهما فيصبح من الظالمين فلا يتعذَّبان بوجوده، وبرَّر ذلك الفعل لموسى
(عليه السلام) كما ذكرت الآيات وتفسيرها.
ففي (مكاتيب الأئمَّة (عليهم السلام))(١١)
كتابه (عليه السلام) إلى يونس وهشام في قصَّة موسى (عليه السلام) حين لقي الخضر
(عليه السلام): روى محمّد بن عليِّ بن بلال، عن يونس، قال: اختلف يونس وهشام بن
إبراهيم في العالم الذي أتاه موسى (عليه السلام) أيّهما كان أعلم، وهل يجوز أن يكون
على موسى (عليه السلام) حجَّة في وقته وهو حجَّة الله على خلقه؟ فقال قاسم الصيقل:
فكتبوا ذلك إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسألونه عن ذلك. فكتب في الجواب:
«... فَنَظَرَ الخَضِرُ إِلى غُلامٍ يَلعَبُ بَينَ الصِّبيانِ، حَسَنِ الوَجهِ
كَأَنَّهُ قِطعَةُ قَمَرٍ، في أُذُنَيهِ دُرَّتانِ، فَتَأَمَّلَهُ الخَضِرُ ثُمَّ
أَخَذَهُ فَقَتَلَهُ، فَوَثَبَ موسى عَلى الخَضِرِ وَجَلَدَ بِهِ الأَرضَ فَقالَ: ﴿أَقَتَلْتَ
نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾. فَقالَ
الخَضِرُ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَعِيَ صَبْراً...﴾ [الكهف: ٧٤ و٧٥]، ﴿وَأَمَّا
الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾، وَطُبِعَ كافِراً - كَذا نَزَلَت
-، فَنَظَرتُ إِلى جَبينِهِ وَعَلَيهِ مَكتوبٌ: طُبِعَ كافِراً، ﴿فَخَشِينا
أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف: ٨٠ و٨١]، فَأَبدَلَ
اللهُ لِوالِدَيهِ بنتاً، وَوَلَدَت سَبعينَ نَبيّاً...».
فكذلك الإمام الحجَّة (عليه السلام) يعلم بواطن هؤلاء الذراري ويقتلهم ويُبيِّن وجه
ذلك كما فعل الخضر لموسى (عليه السلام).
النتيجة: لو صحَّت أحد هذه الاحتمالات كما هو الصحيح فهو، وإلَّا رددنا علم الرواية
إلى أهلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) مكاتيب الأئمَّة (عليهم السلام) ٥: ٢٩٩.
الرواية الثانية: روى ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ
أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الْقَائِمُ وَاللهِ
يَقْتُلُ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ بِفِعَالِ آبَائِهَا»(١٢).
تقريب الدلالة: في هذه الرواية تعليل لقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بسبب
فعل آبائهم ممَّا فعلوا بواقعة كربلاء، والكلام فيها ما مرَّ في التعليق على
الرواية الأُولى ودفع إشكال قتل الذراري.
الرواية الثالثة: روى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الْحُسَيْنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ
(عليه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَلا
عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، قَالَ: «أَوْلَادُ
قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام)»(١٣).
تقريب الدلالة: في هذه الرواية تعليل لقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) من خلال
تفسير الآية المباركة من كونهم ظالمين، فيكون العدوان والقصاص واقعاً عليهم تحقيقاً
للعدل الواقعي وإن سُمّي عدواناً ظاهري كما احتمل ذلك صاحب البحار، قال معلِّقاً
على الرواية: (لعلَّ المراد بالعدوان ما يُسمّى ظاهراً عدواناً وإن كان في الواقع
موافقاً للعدل)(١٤).
أقول: أو -لعلَّه والله العالم- لأنَّ العدوان لا بمعنى الاعتداء الابتدائي وإنَّما
من باب ردِّ الاعتداء الواقع منهم ومن آبائهم، وهو حقٌّ مشروع كما بيَّنت الآية: ﴿فَمَنِ
اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾
(البقرة: ١٩٤).
فيكون الاعتداء عليهم مشروعاً تحقيقاً للعدل والقصاص كما بيَّنّا في بعض مستويات
دفع إشكال قتل الذراري المتقدِّم.
الرواية الرابعة: عن كامل الزيارات: ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنِ
ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ
أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٦/
ح ٣.
(١٣) بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٦
و٢٩٧/ ح ٤.
(١٤) المصدر السابق.
الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، قَالَ: «ذَلِكَ قَائِمُ
آلِ مُحَمَّدٍ يَخْرُجُ فَيَقْتُلُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَلَوْ قَتَلَ
أَهْلَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ سَرَفاً، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا
يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ لَمْ يَكُنْ لِيَصْنَعَ شَيْئاً يَكُونُ سَرَفاً»،
ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَقْتُلُ وَاللهِ ذَرَارِيَّ
قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ بِفِعَالِ آبَائِهَا»(١٥).
تقريب الاستدلال: في هذه الرواية يُبيِّن الإمام (عليه السلام) حجم المصيبة
والفاجعة والجريمة التي ارتكبها قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنَّهم بقتله
قتلوا النبيَّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله (عليهم السلام)، وقتلوا
شريعة الله، وقتلوا القرآن، وقتلوا العدل...، إلى غيرها من مظاهر الخير والصلاح،
فلو قام الإمام الحجَّة (عليه السلام) بالثأر له بقتل كلِّ المعتدين والظالمين على
وجه الأرض لما وفى بقتل الحسين (عليه السلام)، لعظيم شأنه في السماء والأرض كما
دلَّت الروايات، منها ما قاله في (مصباح الشريعة)(١٦):
قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): «رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ
الْفَارِسِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ
فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، إِنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) لَنْ يَبْعَثَ نَبِيّاً وَلَا
رَسُولًا إِلَّا وَلَهُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيباً، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
عَرَفْتُ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، قَالَ: يَا سَلْمَانُ، هَلْ عَرَفْتَ
نُقَبَائِيَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ تَعَالَى
لِلْإِمَامَةِ مِنْ بَعْدِي؟ فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: يَا
سَلْمَانُ، خَلَقَنِيَ اللهُ تَعَالَى مِنْ صَفْوَةِ نُورِهِ، وَدَعَانِي
فَأَطَعْتُهُ، فَخَلَقَ مِنْ نُورِي عَلِيّاً، وَدَعَاهُ فَأَطَاعَهُ، فَخَلَقَ
مِنْ نُورِي وَنُورِ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ، وَدَعَاهَا فَأَطَاعَتْهُ، فَخَلَقَ مِنِّي
وَمِنْ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، فَدَعَاهُمَا فَأَطَاعَاهُ،
فَسَمَّانَا اللهُ تَعَالَى بِخَمْسَةِ أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ فَاللهُ
تَعَالَى المَحْمُودُ وَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَاللهُ الْعَلِيُّ وَهَذَا عَلِيٌّ،
وَاللهُ الْفَاطِرُ وَهَذِهِ فَاطِمَةُ، وَاللهُ ذُو الْإِحْسَانِ وَهَذَا
الْحَسَنُ، وَاللهُ المُحْسِنُ وَهَذَا الْحُسَيْنُ، وَخَلَقَ مِنْ نُورِ
الْحُسَيْنِ تِسْعَةَ أَئِمَّةٍ، فَدَعَاهُمْ فَأَطَاعُوهُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَخْلُقَ اللهُ تَعَالَى سَمَاءً مَبْنِيَّةً، وَأَرْضاً مَدْحِيَّةً، أَوْ
هَوَاءً، أَوْ مَلَكاً، أَوْ بَشَراً، وَكُنَّا أَنْوَاراً نُسَبِّحُهُ وَنَسْمَعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَهُ وَنُطِيعُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا
لِمَنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِمْ؟ فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، مَنْ
عَرَفَهُمْ حَقَّ مَعْرِفَتِهِمْ، وَاقْتَدَى بِهِمْ فَوَالاهُمْ، وَتَبَرَّأَ مِنْ
عَدُوِّهِمْ، كَانَ وَاللهِ مِنَّا يَرِدُ حَيْثُ نَرِدُ وَيَكُنْ حَيْثُ
نَكُن...».
ثمّ بيَّن الإمام أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) يقتل ذراري قتله الإمام الحسين
(عليه السلام) كما ذكرت الروايات السابقة.
الرواية الخامسة: تفسير العيّاشي: عَنِ الْحَسَنِ بَيَّاعِ الْهَرَوِيِّ،
يَرْفَعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا
عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، قَالَ: «إِلَّا عَلَى
ذُرِّيَّةِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام)»(١٧).
تقريب الاستدلال: هذه الرواية كأخواتها السابقات تدلُّ على أنَّ ذراري قتلة الحسين
(عليه السلام) مصداق للآية الشريفة، وتبرير قتلهم ما مرَّ من توجيهات، فراجع.
الرواية السادسة: المناقب لابن شهرآشوب: (تَارِيخُ بَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ
وَالْإِبَانَةُ وَالْفِرْدَوْسُ): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْحَى اللهُ تَعَالَى
إِلَى مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنِّي قَتَلْتُ بِيَحْيَى بْنِ
زَكَرِيَّا (عليه السلام) سَبْعِينَ أَلْفاً، وَأَقْتُلُ بِابْنِ بِنْتِكَ
سَبْعِينَ أَلْفاً وَسَبْعِينَ أَلْفاً»(١٨).
تقريب الاستدلال: أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سيقتل -بيد أوليائه ووليِّه الحجَّة- أكثر
ممَّا قتل بقتل النبيِّ يحيى (عليه السلام)، فإن كان قتل بقتل النبيِّ يحيى (عليه
السلام) سبعين ألفاً فإنَّه يقتل بقتل الحسين (عليه السلام) مضاعفاً، وهذا يدلُّ
على أنَّ شأن الحسين (عليه السلام) أعظم من شأن جميع الأنبياء إلَّا النبيَّ الأعظم
(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولا شكَّ أن قتلة الحسين (عليه السلام) على أكثر الروايات ليسوا بهذا العدد، فلذا
القتل يشمل ما هو أوسع من القتلة المباشرين، كقتل الذراري والراضين والفرحين بقتله
(عليه السلام).
وروى أيضاً عن الصَّادِقُ (عليه السلام): «قُتِلَ بِالْحُسَيْنِ مِائَةُ أَلْفٍ،
وَمَا طُلِبَ بِثَأْرِهِ، وَسَيُطْلَبُ بِثَأْرِهِ»(١٩).
هذه الرواية تُبيِّن أنَّ هناك مقتلة حصلت بقتلة الحسين (عليه السلام) إلى زمن
الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) تفسير العيّاشيّ ١:
٨٦؛ بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٨/ ح ٨.
(١٨) مناقب آل أبي طالب ٣:
٢٣٤؛ بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٨/ ح ١٠.
(١٩) مناقب آل أبي طالب ٤:
٨١.
الصادق (عليه السلام) ولم يتمّ الثأر، وسيأتي من يطلب بثأره ويأخذ بحقِّه، وهذا ما
يتمُّ على يد الطالب بدم المقتول بكربلاء.
ثمّ روى رواية بيَّن بها قصَّة مقتل يحيى (عليه السلام) وأنَّ دمه لم يبرد إلَّا
بعد أن أُخِذَ بثأره، وكذلك دم الإمام الحسين (عليه السلام) لا يبرد إلَّا بالأخذ
بثأره على يد الإمام الحجَّة (عليه السلام).
ففِي حَدِيثِ مُقَاتِلٍ، عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ
(عليه السلام): «أَنَّ امْرَأَةَ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَبِرَتْ وَأَرَادَتْ
أَنْ تُزَوِّجَ بِنْتَهَا مِنْهُ لِلْمَلِكِ، فَاسْتَشَارَ المَلِكُ يَحْيَى بْنَ
زَكَرِيَّا، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَعَرَفَتِ المَرْأَةُ ذَلِكَ، وَزَيَّنَتْ
بِنْتَهَا وَبَعَثَتْهَا إِلَى المَلِكِ، فَذَهَبَتْ وَلَعِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ،
فَقَالَ لَهَا المَلِكُ: مَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا
(عليه السلام)، فَقَالَ المَلِكُ: يَا بُنَيَّةِ، حَاجَةٌ غَيْرُ هَذَا. قَالَتْ:
مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ، وَكَانَ المَلِكُ إِذَا كَذَبَ فِيهِمْ عُزِلَ عَنْ
مُلْكِهِ، فَخُيِّرَ بَيْنَ مُلْكِهِ وَبَيْنَ قَتْلِ يَحْيَى (عليه السلام)،
فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَيْهَا فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُمِرَتِ
الْأَرْضُ فَأَخَذَتْهَا، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَجَعَلَ
يَرْمِي عَلَيْهِمْ بِالمَنَاجِيقِ وَلَا تَعْمَلُ شَيْئاً، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ
عَجُوزٌ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ هَذِهِ مَدِينَةُ
الْأَنْبِيَاءِ لَا تَنْفَتِحُ إِلَّا بِمَا أَدُلُّكَ عَلَيْهِ، قَالَ: لَكِ مَا
سَأَلْتِ، قَالَتْ: ارْمِهَا بِالْخَبَثِ وَالْعَذِرَةِ، فَفَعَلَ، فَتَقَطَّعَتْ،
فَدَخَلَهَا، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْعَجُوزِ، فَقَالَ لَهَا: مَا حَاجَتُكِ؟
قَالَتْ: فِي المَدِينَةِ دَمٌ يَغْلِي، فَاقْتُلْ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ،
فَقَتَلَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفاً حَتَّى سَكَنَ. يَا وَلَدِي، يَا عَلِيُّ،
وَاللهِ لَا يَسْكُنُ دَمِي حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ المَهْدِيَّ (عليه السلام)،
فَيَقْتُلَ عَلَى دَمِي مِنَ المُنَافِقِينَ الْكَفَرَةِ الْفَسَقَةِ سَبْعِينَ
أَلْفاً»(٢٠).
الرواية السابعة: علل الشرائع: الدَّقَّاقُ وَابْنُ عِصَامٍ مَعاً، عَنِ
الْكُلَيْنِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْفَزَارِيِّ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَمَّنْ
ذَكَرَهُ، عَنِ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ الْبَاقِرَ (عليه السلام): يَا
ابْنَ رَسُولِ اللهِ، أَلَسْتُمْ كُلُّكُمْ قَائِمِينَ بِالْحَقِّ؟ قَالَ: «بَلَى»،
قُلْتُ: فَلِمَ سُمِّيَ الْقَائِمُ قَائِماً؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) مناقب آل أبي طالب ٤: ٨٥.
قَالَ: «لَمَّا قُتِلَ جَدِّيَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) ضَجَّتِ المَلَائِكَةُ
إِلَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، وَقَالُوا: إِلَهَنَا
وَسَيِّدَنَا، أَتَغْفُلُ عَمَّنْ قَتَلَ صَفْوَتَكَ وَابْنَ صَفْوَتِكَ
وَخِيَرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ؟ فَأَوْحَى اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَيْهِمْ: قَرُّوا
مَلَائِكَتِي، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْتَقِمَنَّ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ
حِينٍ، ثُمَّ كَشَفَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ
الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِلْمَلَائِكَةِ، فَسَرَّتِ المَلَائِكَةُ بِذَلِكَ،
فَإِذَا أَحَدُهُمْ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ): بِذَلِكَ
الْقَائِمِ أَنْتَقِمُ مِنْهُمْ»(٢١).
تقريب الاستدلال: في هذه الرواية يُبيِّن الإمام (عليه السلام) وجه تسمية الإمام
الحجَّة بالقائم، وهو لأنَّه يقوم بالانتقام من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)
ويأخذ بثأره، وأنَّ ذلك يُشفي صدر الملائكة (عليهم السلام).
ولا ينافي ذلك ما ورد من روايات أُخرى أنَّه سُمّي القائم لأنَّه يقوم بالحقِّ كما
في رواية الإرشاد: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه
السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ
جَدِيداً، وَهَدَاهُمْ إِلَى أَمْرٍ قَدْ دَثَرَ وَضَلَّ عَنْهُ الْجُمْهُورُ،
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَائِمُ مَهْدِيّاً لِأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى أَمْرٍ
مَضْلُولٍ عَنْهُ، وَسُمِّيَ الْقَائِمَ لِقِيَامِهِ بِالْحَقِّ»(٢٢).
أو لأنَّه يقوم بعد موت ذكره كما في رواية (معاني الأخبار): «سُمِّيَ الْقَائِمُ
(عليه السلام) قَائِماً لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ موته [مَوْتِ] ذِكْرِهِ»(٢٣).
لأنَّ ذلك من باب تعدُّد علل التسمية، كما أنَّ الأخذ بثأر الحسين (عليه السلام) من
مصاديق القيام بالحقِّ، فلا منافاة بالتعبير بين الروايات.
فمن جدول أعمال القيام للإمام الحجَّة (عليه السلام) أن يُطهِّر الأرض من الظالمين
ومن قتلة الإمام الحسين وذراريهم السائرين على نهجهم والراضين بأفعالهم.
وذلك يأخذ بالثأر التامّ - كما تقدَّم - الذي يشفي صدر النبيِّ الكريم وعموم
المؤمنين الصالحين والملائكة الضاجّين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) بحار الأنوار ٤٥: ٢٢١/
ح ٤.
(٢٢) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/
ح ٧.
(٢٣) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/
ح ٣.
وبذلك يتحقَّق العدل الإلهي التامّ، فيمنُّ الله على المستضعفين بالفتح، ويقضي على
المستضعِفين -بالكسر- كما عبَّرت الآية الكريمة: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ﴾ (القصص: ٥).
فقد جاء في (تفسير القمّي)(٢٤):
«أَنَّ اللهَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَبَشَّرَهُ
بِالْحُسَيْنِ (عليه السلام) قَبْلَ حَمْلِهِ، وَأَنَّ الْإِمَامَةَ تَكُونُ فِي
وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ
الْقَتْلِ وَالمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ وَوُلْدِهِ، ثُمَّ عَوَّضَهُ بِأَنْ جَعَلَ
الْإِمَامَةَ فِي عَقِبِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى
الدُّنْيَا وَيَنْصُرُهُ حَتَّى يَقْتُلَ أَعْدَاءَهُ، وَيَمْلِكَهُ الْأَرْضَ،
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ...﴾ الْآيَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ
كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ
الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، فَبَشَّرَ اللهُ نَبِيَّهُ (صلّى الله عليه
وآله وسلّم) أَنَّ أَهْلَ بَيْتِكَ يَمْلِكُونَ الْأَرْضَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى
الدُّنْيَا وَيَقْتُلُونَ أَعْدَاءَهُم...».
وروى الحصيني -قد طبَّق الإمام العسكري (عليه السلام) الآية المباركة على الإمام
الحجَّة (عليه السلام)-: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «يَا عَمَّةُ،
اذْهَبِي بِهِ إِلَى أُمِّهِ لِتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأْتِينِي بِهِ»، فَمَضَتْ
بِهِ إِلَيْهَا، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ، وَرَدَّتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنِي
وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) كَالْحِجَابِ، فَلَمْ أَرَ سَيِّدِي،
فَقُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام): يَا سَيِّدِي، أَيْنَ مَوْلَايَ؟
فَقَالَ: «أَخَذَهُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمِ
السَّابِعِ فَأْتِنَا»، فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ السَّابِعُ أَتَيْتُ وَسَلَّمْتُ
وَجَلَسْتُ، فَقَالَ لِي (عليه السلام): «هَلُمِّي ابْنِي»، فَجِئْتُ سَيِّدِي
وَهُوَ فِي ثِيَابٍ صُفْرٍ، فَفَعَلَ بِهِ كَفِعْلِهِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ
لِسَانَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ»، فَقَالَ: «أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله»، وَأَثْنَى بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَمِيرِ
المُؤْمِنِينَ وَالْأَئِمَّةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ
فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:
٥ و٦]»(٢٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي (بحار الأنوار)(٢٦): عن الغيبة للشيخ الطوسي: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقِطَعِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، قَالَ (عليه السلام): «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، يَبْعَثُ اللهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ، فَيُعِزُّهُمْ، وَيُذِلُّ عَدُوَّهُمْ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) بحار الأنوار ٥١: ٥٤/ ح ٣٥، عن الغيبة للطوسي: ١٨٤ و١٨٥/ ح ١٤٣.
تحليل حول أحاديث الغيبة
في كتاب (الغيبة) للنعماني
الدكتور كاظم قاضي زاده(١)
الدكتور علي رضا المختاري(٢)
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:
إنَّ الاعتقاد بإمامٍ حيٍّ غائبٍ -يمكن أن يظهر في أيِّ لحظة، ليطوي بساط الظلم
والفساد- اعتقاد يبعث في أتباعه الأمل بالمستقبل، والأمل يعني الحياة. فبهذا الأمل
تسري الحياة بسرعة في شرايين الفرد والمجتمع.
فقلب مثل هذا المجتمع الذي ينتظر إمامه، ينبض بقوَّة واستحكام، لا يتوقَّف عن
الحركة بفعل الضغوط الروحية والجسدية، التي تعصف بالمجتمعات التي ليس لها هذا
الاعتقاد.
والاعتقاد بظهور موعود آخر الزمان، وخليفة الله في الأرض، وأنَّه منصوب الله تعالى،
الذي يُحِبُّ الخير والصلاح، ويُحقِّق الصلح والمحبَّة والأمن والأمان للمجتمع
البشري، ويزيل الظلم والفساد، هذا الاعتقاد يبعث ويسوق الإنسان للاستعداد للعيش في
ظلِّ تلك الحكومة العادلة، وكسب الأهلية والصلاحية لذلك.
وهذا الاستعداد، مع الأمل بالحياة، يُحقِّق الاستقامة في مقابل مصاعب الحياة
وتعرُّجاتها، ويبعث على السعي لبناء النفس وبناء المجتمع.
ومفهوم المهدويَّة في الفكر الشيعيِّ، مفهوم أساسيٌّ ومحوريٌّ، ولكن السؤال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
مدرِّس في الحوزة العلمية في قم، أُستاذ مساعد في كلّية تربية المدرِّسين/ طهران.
(٢) عضو الهيأة العلمية في
كلّية آزاد فسا.
هو: لماذا تشابكت فكرة المهدويَّة
هذه بنسيج السلوك الدينيِّ للناس؟
فما هو العامل أو العوامل التي أدَّت إلى ترسُّخ هذا الاعتقاد في حياة المجتمع
الشيعيِّ على مرِّ هذه القرون والأجيال؟ وما هو الداعي والموجب لصيرورة مفهوم
المهدويَّة مفهوماً أساسياً ومحورياً في الثقافة الشيعية؟
في الحقيقة، إنَّ الشيعة كانوا، ولا زالوا، يعتبرون المهدويَّة مَعْلماً دينياً
منبثقاً عن الوحي الإلهيِّ، فالشيعة، وانطلاقاً من وجوب طاعة الأوامر الإلهيَّة، قد
قبلوا بإمامة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) - وهو القائم والمهديُّ (عليه
السلام) المذكور في الروايات -، وهم يعتبرون أنَّ ولاية الإمام المهدي (عليه
السلام) هي كمال الإمامة والولاية.
نعم، إنَّ الشيعة قضوا القرون وهم يهتفون: يا صاحب الزمان (عليه السلام)،
ويتقرَّبون بذلك إلى الله تعالى، لأنَّ التوسُّل به توسُّلٌ بذات الباري (عزَّ
وجلَّ). ولم تمرّ برهة من التأريخ خلت من اعتقاد الشيعة بإمام زمانٍ منصَّب من
قِبَل الله تعالى.
فكرة الإمام الغائب:
في النظام العقدي للإمامة بشكلٍ عامٍّ، وفي المهدويَّة بشكل خاصٍّ، توجد تفاصيل
وجزئيات إذا رُدَّت، أو شُكِّك فيها، أدّى ذلك إلى زعزعة كلِّ ذلك النظام.
فالمهدويَّة في الفكر الشيعيِّ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بغيبة الإمام الثاني عشر
(عليه السلام)، فالشيعة يعتقدون بأنَّ الإمام الثاني عشر هو الإمام المهديُّ
والقائم المذكور في الروايات، وإنَّ الغيبة ليست فقط من علائم الموعود الإلهيِّ،
وإنَّما هي علامة حقّانية نظام الإمامة، لأنَّ الأئمَّة السابقين طالما تكرَّر منهم
بشكل مفصَّل ومجمل، الحديث عن وقوع الغيبة للقائم (عليه السلام). يقول النعماني:
(إنَّ هذه الغيبة لو لم تكن ولم تحدث مع ذلك ومع ما روي على مرِّ الدهور فيها لكان
مذهب الإمامة باطلاً، لكن الله تبارك وتعالى صدَّق إنذار الأئمَّة (عليهم السلام)
بها وصحَّح قولهم فيها في عصر بعد عصر، وألزم الشيعة التسليم والتصديق والتمسُّك
بما هم عليه، وقوّى اليقين في قلوبهم بصحَّة...)(٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الغيبة: ٢٤.
وتمسُّك الشيعة بهذا المعتقد،
إنَّما هو من أجل تسليمهم المطلق لله تعالى، الذي جعل نظام الإمامة ملازماً للبيعة
لاثني عشر إماماً آخرهم القائم الذي له غيبة طويلة، يُبتلى بها الشيعة بمواجهة
الآراء والأفكار والاتِّجاهات المنحرفة، ويُمتَحنون ويُغربَلون.
رؤية البعض أنَّ بحث الغيبة من مختلقات فقهاء الشيعة:
يقول البعض:
إذا رجعتم إلى النظريات السياسية لفقهاء الشيعة، لوجدتم مسألة الغيبة ظاهرة واضحة
فيها. فالشيعة بعد وفاة الإمام الحادي عشر (عليه السلام)، وقعوا لمدَّة طويلة في
حيرة، فنظرية الإمامة عندهم كانت تقول لهم بأنَّ الإمام لا بدَّ أن يكون موجوداً في
المجتمع، حيّاً حاضراً، وأنَّ وجوده بالأساس إنَّما هو لإدارة المجتمع وهدايته إلى
الطريق الصحيح، ولذا فإنَّ مقولة الإمام الغائب في نظرهم مقولة غريبة وغير معروفة
ولا معرَّفة، ولهذا فقد بقي الشيعة لأكثر من قرن من الزمان تحكمهم دورة يُسمّيها
مؤرِّخو الشيعة ومؤرِّخو الإسلام بدورة (الحَيرَة). وفي دورة الحيرة هذه، نشأ شيئاً
فشيئاً معنى جديد لنظرية الإمامة في المجتمع الشيعيِّ، محتواه ولُبُّه الأصلي هو
عدم لزوم وجود الإمام جسماً بين الناس، وإنَّما يكفي أصل وجوده ونظارته وعنايته
للناس ولو من وراء الستار، وبذلك وُلِدَت فكرة الإمام الغائب(٤).
وولادة الفكرة، تعني أنَّ هذه الفكرة لم تكن موجودة ثمّ وُجِدَت، ولم يكن لها جذور
فكانت. أي إنَّ فكرة الإمام الغائب لم يكن لها أيُّ سابقة في الفكر الشيعي فوُجِدَت
من لا شيء، فهي مقولة غير معروفة ثمّ عُرِفَت، ولم تكن معرَّفة فعُرِّفت بعد ذلك.
وهذه الفرضية، بأحد معانيها لا تنسجم مع إلهيَّة المهدويَّة الشيعية، وأنَّ قبولها
يستلزم آثاراً نظرية وعملية أهمّها زعزعة النظام الاعتقادي للإمامة والمهدويَّة
الشيعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) المهدويَّة وإحياء الدين: ٦٠.
نقد الفرضية:
كما تلاحظون، فإنَّ فرضية (نشأة فكرة الإمام الغائب في زمن الحيرة) مبتنية على مبنى
أنَّ مقولة الغيبة لم تكن معروفة عند الشيعة، ولا هي معرَّفة ومبيَّنة لهم قبل
تأريخ استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام). والسؤال المطروح هنا هو: هل إنَّ دور
الحيرة - المزعوم - هو دور نشوء نظرية جديدة في الإمامة عند المجتمع الشيعيِّ، أم
إنَّه دور العودة واستذكار الشيعة لميراثهم الروائيِّ، ولأحاديث أئمَّتهم الكرام
(عليهم السلام)، ورجوعهم إلى المعارف الإلهيَّة للوقوف على المفهوم الدقيق والصحيح
لأحاديث الغيبة، ومعرفة المذهب الحقِّ واتِّباعه؟
دور الحيرة:
لا شكَّ في أنَّ عدداً من الشيعة قد أصابتهم درجةٌ من حالة الحيرة إثر الفراغ الذي
تركه رحيل النائب الخاصّ الرابع للإمام المهدي (عليه السلام)، إذ إنَّهم فقدوا
المرجع المعيَّن من قِبَل الإمام المهديِّ (عليه السلام)، والذي يتولّى أُمورهم
وشؤونهم. هذا مضافاً إلى أنَّ بعض الفِرَق المذهبية، كالزيدية والمعتزلة وغيرهم، قد
بدأوا بإثارة الشبهات الكثيرة في خصوص بعض تفاصيل الإمامة.
البعض يصرُّ على أنَّ مبنى مقولة الغيبة هو غير هذه الملابسات والظروف الموضوعية،
حيث يرى الكاتب أنَّ رحيل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في سنة (٢٦٠هـ) في
سامراء، بدون إعلانه عن ولده أمام الملأ العامِّ، وكذلك وصيَّته لأُمِّه حديث، أنتج
ظرفاً مساعداً لبروز محنة صعبة في المجتمع الشيعيِّ الاثني عشري -المعتقد بضرورة
استمرار الإمامة الإلهيَّة-، وهذا بدوره أدّى إلى إيجاد الشكِّ والحيرة والاضطراب
حول مستقبل الإمامة بعد الإمام العسكري (عليه السلام)(٥).
فهل إنَّ علماء الشيعة، كالنعماني والشيخ الصدوق، يوافقون قائل هذه المقولة؟ ويرون
أنَّ الحيرة كانت نتيجة عدم وجود ولدٍ للإمام العسكري (عليه السلام)؟ وهل إنَّ
اضطراب الشيعة كان بسبب وصيَّة الإمام العسكري (عليه السلام) لأُمِّه المكرَّمة
حديث؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) نفس المصدر: ١٢١.
فالشيخ النعماني (رحمه الله)، مع
أنَّه يقرُّ بوجود الحيرة، ولكنَّه لهذه الدعوى يرى أنَّ وقوع الحيرة إنَّما هو
نتيجة عدم الالتفات والعمل بالروايات الواردة عن الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)
في خصوص الغيبة، والامتحان الصعب في أيّامها(٦).
ومن ثَمَّ فإنَّ النعماني يرى أنَّ من وظيفته أن يُبيِّن لإخوته في الدِّين ما
اشتبه عليهم، وأن يأخذ بيدهم ليُنقِذهم من الحيرة، ويُخرجهم من ظلمة الشكِّ إلى نور
اليقين(٧).
فالنعماني (رحمه الله)، كتب كتابه (الغيبة) ليُعرِّف الشيعة بهذه الأحاديث التي
غفلوا عنها في تلك البرهة.
نعم، هو يقرُّ بأنَّه لم يحط بكلِّ الأحاديث الواردة في شأن الغيبة، وذلك لبعد
المسافة وتشتُّت الرواة في البلاد، وأنَّه أدرج في كتابه تلك الأحاديث التي كانت
متوفِّرة بين يديه في زمن تأليفه للكتاب فقط. كما أنَّ النعماني (رحمه الله) يُذعِن
بأنَّ ما يرويه الناس في هذا المجال هو أكثر بكثير ممَّا نقله في كتابه(٨).
وكذلك الشيخ الصدوق (رحمه الله)(٣٨١هـ)، وضمن قبوله لوجود الحيرة، يُؤكِّد على هذه
النكتة، وهي أنَّ عدم الرجوع إلى أحاديث وكلمات الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)،
هو الذي أوقع الشيعة في هذه الحيرة. فكان (رحمه الله) كلَّما رأى شيعياً قد ابتلي
بالحيرة والاضطراب العقائدي، عالجه بذكر روايات الغيبة الواردة عن النبيِّ الأكرم
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام). وهذا الأمر يكشف
بوضوح غفلة الشيعة في ذلك الوقت عن ميراثهم الروائيِّ(٩).
إذن، فأيُّ واحدٍ من كبار علماء الشيعة، وخلافاً لما يُدَّعى لم يكن معتقداً بأنَّ
سبب الحيرة عدم وجود ولدٍ للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، أو بسبب وصيَّته
(عليه السلام) لوالدته المكرَّمة حديث (رضوان الله عليها).
ومن جملة علل الحيرة، ذهاب ذلك الجيل الذي كان قد عاصر الإمام المعصوم وسمع أحاديثه
وأحسَّ بوجوده وروَّج كلماته وأحاديثه، ومجيء جيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) الغيبة/ النعماني: ٢ -
٢٢.
(٧) نفس المصدر: ٢٣.
(٨) نفس المصدر: ٢٩.
(٩) كمال الدين ١: ٤ - ٦.
آخر لم يلتق بإمامه ولم يسمع منه
مشافهةً، وكذلك، كان لرواج الشبهات وإثارات وتشكيكات المخالفين الأثر السلبي في
إيجاد الحيرة عند بعض الشيعة(١٠).
بدايات طرح البحوث المهدويَّة في الإسلام:
إنَّ دراسة بدايات طرح البحوث المرتبطة بالمهدويَّة وبمنجي آخر الزمان في الإسلام،
لهي من المباحث الجذّابة في التأريخ الإسلامي. يقول السيِّد المدرِّسي الطباطبائي
في هذا المضمار:
(يبدو أنَّ الحديث في الانتظار والاعتقاد بظهور منجٍ ومنقذٍ ثائر من أهل بيت
النبيِّ الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً
ويزيل الظلم والفساد والجور، ويقيم الحكومة العادلة على الأرض، كان حديثاً متداولاً
عند عامَّة أفراد المجتمع الإسلامي، منذ القرن الأوَّل للهجرة. وهذا المنجي المنقذ،
عرفته الشيعة باسم (القائم))(١١).
ولكنَّ هناك شواهد بين أيدينا تدلُّ على معرفة الناس بمفهوم (مهديِّ الإسلام) قبل
ذلك التأريخ أيضاً. فالإمام السجّاد (عليه السلام) كان قد أشار إلى المهديِّ (عليه
السلام)، في خطبته في مسجد الشام سنة (٦١هـ)، عندما استعرض مفاخره، حيث ذكر (أنَّ
منهم النبيُّ المختار و... وجعفر الطيّار، وسبطي هذه الأُمَّة، والمهديُّ الذي يقتل
الدجّال...). ومن الطبيعيِّ، أنَّ الشخص عندما يذكر مفاخره أمام الآخرين، لا بدَّ
أن يكون الآخرون على معرفة بتلك المفاهيم، ليصحَّ التفاخر بها أمامهم. وعليه، فإنَّ
كلَّ ما جاء من مصاديق التفاخر في خطبة الإمام عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي
طالب (عليهم السلام)، كان معروفاً عند الناس، وعند زعماء الحزب الأُموي المخالف،
معرفة قطعية.
فكما أنَّ الناس المتجمهرين في مسجد الشام، وكذلك يزيد بن معاوية وحاشيته، كانوا
على معرفة تامَّة بجعفر الطيّار وبمقام الحسن والحسين (عليهم السلام)، كانوا أيضاً
على معرفة تامَّة بأصل المهدويَّة. ولذا فإنَّ الإمام السجّاد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) الردّ على شبهات أحمد
الكاتب: ٣٨٥.
(١١) مكتب در فرآيند تكامل:
٩.
(عليه السلام)، عندما رقى منبر
المسجد وذكر المهديَّ (عليه السلام) وأنَّه من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله
وسلّم)، لم يُنكِر عليه أحدٌ ذلك(١٢)،
ولقد كان الجوُّ السائد في الشام في ذلك الوقت يقتضي أن يُنكِر المخالف ما يقوله
الإمام السجّاد (عليه السلام) لو كان مخالفاً لكلامه ولم يكن مُصدِّقاً إيّاه،
والحال أنَّنا نلاحظ أنَّ أحداً لم يُكذِّب الإمام السجّاد (عليه السلام) فيما
يدَّعيه ويفتخر به، فلم يُسجِّل لنا التأريخ أدنى اعتراض أو إنكار أو تكذيب لكلام
الإمام السجّاد (عليه السلام) في خصوص المهديِّ (عليه السلام).
بل إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد أشار إلى أصل المهدويَّة، وكذلك الإمام
الحسن المجتبى (عليه السلام)، وذلك عندما اعترض بعض الشيعة على صلحه مع معاوية،
فقال (عليه السلام):
«أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَيَقَعُ فِي عُنُقِهِ
بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا الْقَائِمُ الَّذِي يُصَلِّي رُوحُ اللهِ
عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) خَلْفَهُ؟»(١٣).
كما أنَّ كلمات أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) في خصوص المهدويَّة
ومباحثها، هي الأُخرى كثيرة، وسنشير خلال البحث إلى بعض تلك الكلمات.
بل لقد انتشرت مباحث المهدويَّة منذ بداية الدعوة إلى الإسلام، أي من زمن رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى لسانه هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد نقل سُليم بن قيس في كتابه، العديد من الروايات المرتبطة بالمهديِّ (عليه
السلام)، وعن غيبته وظهوره، عن النبيِّ الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فالأدلَّة والشواهد الكافية موجودة ودالَّةٌ على أنَّ هذا المعتقد كان معروفاً
ومعرَّفاً منذ صدر الإسلام وإلى الآن، وأنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) قد وعد المسلمين بخروج رجل من نسل ولده الحسين بن فاطمة (عليه السلام)،
وأنَّه يُطهِّر الدِّين من البدع والأباطيل. ولكنَّ المنافسة السياسية التي كانت
موجودة بين المسلمين، شجَّعت بعض الأشخاص لاستغلال هذا المبدأ المقدَّس، وحرَّفت
الأحاديث النبوية الشريفة لمصالحها، ولكسب القدرة والسلطان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) گفتارهايي پيرامون
إمام زمان (عليه السلام): ٤٠.
(١٣) كمال الدين ١: ٣١٦؛
كفاية الأثر: ٢٢٥؛ كشف الغمَّة ٣: ٣٢٨؛ إعلام الورى ٢: ٢٣٠؛ الاحتجاج ٢: ١٠.
الغيبة مقولة
معروفة ومعرَّفة:
لقد بين أئمَّة الشيعة (عليهم السلام) أمرَ الغيبة قبل وقوعها بسنين عديدة،
وتحدَّثوا عنها بكلِّ صراحة ووضوح. كما أكَّد علماء الشيعة على مرِّ القرون ذلك في
كتبهم ورسائلهم. يقول أبو سهل النوبختي في كتابه (التنبيه) في هذا الصدد:
(فصحَّ لنا... صحَّة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام (عليه السلام)، وأنَّ
له غيبتين إحداهما أشدّ من الأُخرى.
فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت، وأنَّه
قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنَّها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة
تتوقَّعها وتترجّاها)(١٤).
ويقول الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدين وتمام النعمة)، حول الروايات
الواردة في الغيبة وأهمّيتها:
(ذلك أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد أخبروا بغيبته (عليه السلام)، ووصفوا كونها
لشيعتهم فيما نُقِلَ عنهم واستُحفِظَ في الصُّحُف ودُوِّن في الكتب المؤلَّفة من
قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر، فليس أحد من أتباع الأئمَّة (عليهم
السلام) إلَّا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودوَّنه في مصنَّفاته، وهي
الكتب التي تُعرَف بالأُصول مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد (صلّى الله عليه
وآله وسلّم) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار
المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع
المؤلِّفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة، فألَّفوا ذلك في
كتبهم ودوَّنوه في مصنَّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللبِّ والتحصيل، أو
أن يكونوا قد أسَّسوا في كتبهم الكذب، فاتَّفق الأمر لهم كما ذكروا، وتحقَّق كما
وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضاً
محال كسبيل الوجه الأوَّل، فلم يبقَ في ذلك إلَّا أنَّهم حفظوا عن أئمَّتهم
المستحفظين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) التنبيه: ٩٣ و٩٤، نقلاً عن كمال الدين.
للوصيَّة (عليهم السلام) عن رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى
آخر المقامات ما دوَّنوه في كتبهم وألَّفوه في أُصولهم)(١٥).
ولكن، وعلى الرغم من كلِّ هذه المدارك والوثائق، فإنَّه ادُّعي بأنَّ هوية المهديِّ
(عليه السلام) مبهمة، وأنَّ كلُّ حركة سياسية كانت تحدث في القرون الثلاثة الأُولى
من التأريخ الهجري، ثمّ يؤول أمرها إلى الفشل والانكسار ويُقتَل زعماؤها، فإنَّ
عدَّة عديدة من أنصار تلك الحركة - من الذين لم يستوعبوا انكسارهم وفشلهم - كانوا
يختارون الاعتقاد بغيبة زعمائهم وقادتهم، فمن هنا نشأت فكرة الغيبة(١٦).
ولكن، وخلافاً لهذا الادِّعاء، فإنَّ روايات أهل البيت (عليهم السلام)، كانت في
متناول أيدي الشيعة في القرن الثاني والربع الأوَّل من القرن الثالث، وكانت هذه
الروايات مدوَّنة في كتبهم، وهي تتحدَّث عن شخص معيَّن غائب، وأنَّه من أولاد عبد
المطَّلب، وأنَّه الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)(١٧)،
وأنَّه من أبناء عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)(١٨)،
وأنَّه من أبناء فاطمة الزهراء (عليها السلام)(١٩)،
وأنَّه من أبناء الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)(٢٠)،
وأنَّه التاسع من نسل الإمام الحسين (عليه السلام)(٢١)،
وأنَّه من أبناء الإمام السجّاد (عليه السلام)(٢٢)،
وأنَّه من نسل الإمام الباقر (عليه السلام)(٢٣)،
وأنَّه السادس من ولد الإمام الصادق (عليه السلام)(٢٤)،
وأنَّه الخامس من نسل الإمام الكاظم (عليه السلام)(٢٥)،
وأنَّه الرابع من أبناء الإمام الرضا (عليه السلام)(٢٦)،
وأنَّه الثالث من ولد الإمام الجواد (عليه السلام)(٢٧)،
وأنَّه الثاني من أبناء الإمام الهادي (عليه السلام)(٢٨)،
وأنّه ابن الإمام العسكري (عليه السلام)(٢٩)،
وأنَّ ولادته تخفى على عامَّة الناس(٣٠)،
وأنَّه أصغر الأئمَّة سنّاً، وأنَّ اسمه أخفى اسمٍ من أسماء الأئمَّة المعصومين
(عليهم السلام)، وأنَّ له غيبتين(٣١)
تطول إحداهما كثيراً(٣٢)
حتَّى يقول الناس: مات أو هلك، وأنَّه يظهر بعد غيبة طويلة من مكَّة، وأنَّ عيسى
المسيح (عليه السلام) ينزل إلى الأرض ويُصلّي خلفه(٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) كمال الدين ١: ١٩.
(١٦) تطوُّر الفكر السياسي
الشيعي: ١٨٢ و١٨٣.
(١٧) منتخب الأثر: ٣٠٤ -
٣١١/ ح ١٣٦.
(١٨) نفس المصدر: ٢٤٣ -
٢٤٦/ ح ٢١٤.
(١٩) نفس المصدر: ٢٤٧ -
٢٥٠/ ح ١٩٢.
(٢٠) نفس المصدر: ٢٥١ -
٢٥٣/ ح ١٠٧.
(٢١) نفس المصدر: ٢٥٩ و٢٦٠/
ح ١٦٠.
(٢٢) نفس المصدر: ٢٦٥ -
٢٦٧/ ح ١٨٥.
(٢٣) نفس المصدر: ٢٦٨ -
٢٧٠/ ح ١٠٣.
(٢٤) نفس المصدر: ٢٧٣ و٢٧٤/
ح ٩٩.
(٢٥) نفس المصدر: ٢٧٦ -
٢٧٨/ ح ٩٨.
(٢٦) نفس المصدر: ٢٧٩ -
٢٨١/ ح ٩٥.
(٢٧) نفس المصدر: ٢٨٢ و٢٨٣/
ح ٩٠.
(٢٨) نفس المصدر: ٢٨٤/ ح
٩٠.
(٢٩) نفس المصدر: ٢٨٥ -
٢٩٠/ ح ١٤٦.
(٣٠) نفس المصدر: ٣٥٣ -
٣٥٦/ ح ١٤.
(٣١) نفس المصدر: ٣١٢ -
٣١٥/ ح ١٠.
(٣٢) نفس المصدر: ٣١٦ -
٣٢٩/ ح ٩١.
(٣٣) نفس المصدر: ٣٩٠ -
٣٩٢/ ح ٢٥.
فكلُّ هذه الصفات والعلائم، وغيرها
ممَّا جاء في الروايات، لا تدع مجالاً للشكِّ في صراحة الروايات الواردة في شأن
الإمام المهديِّ (عليه السلام) وغيبته، وأنَّها قضيَّة معرَّفة ومعروفة للشيعة. وقد
قام العلماء ومحدِّثو الشيعة بجهود جبّارة لجمع هذه الروايات وتبويبها، وعدُّوها من
العلامات التي يمكن أن يهتدي بها الناس إلى حقّانية إمامة أهل البيت (عليهم السلام)(٣٤).
ولكن، لمَّا كانت الفِرَق الشيعية من غير الإماميَّة الاثني عشرية، قد استغلَّت هذه
الروايات لإثبات مدَّعياتهم، بقي الشيعة الإماميَّة ينظرون بعين التردُّد والريبة
إلى هذه الروايات، إلى درجة أنَّهم صاروا بصدد ردِّ بعض تلك الروايات.
وبوفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، بدأ الشيعة شيئاً فشيئاً بالرجوع إلى تلك
الروايات، فوصلوا إلى القناعة التامَّة بأنَّ الروايات الواردة في غيبة إمام من آل
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبعد وضعها إلى جنب الروايات القائلة بأنَّ
الأئمَّة اثنا عشر، لا يمكن تطبيقها إلَّا على إمامهم الثاني عشر.
وللسيِّد المدرِّسي الطباطبائي تحليل لطيف ومهمّ في هذا الخصوص، حيث يقول:
(ولم يدم الأمر طويلاً حتَّى انتبه الشيعة شيئاً فشيئاً إلى احتمال أن تكون كلُّ
تلك الروايات الواردة عن أجداد الإمام المهديِّ (عليه السلام)، والتي كانت تُخبِر
عن مثل هذه الأوضاع، والتي كانت لما يقارب القرن من الزمن على مسمع منهم وهي بين
أيديهم، قد تكون قاصدة هذا المورد الخاصّ، وهو إمامة الإمام المهديِّ (عليه
السلام). ففي هذه الروايات، إخبارٌ بأنَّ قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) سيختفي في بداية أمره عن الأنظار، ثمّ سيظهر ويقيم حكومة القسط والعدل
الإسلامي، حتَّى إنَّ بعض الروايات تذكر تفاصيل وجزئيات غيبتين للإمام، وأنَّ قائم
آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيظهر بعد غيبة قصيرة، ثمّ يغيب غيبة طويلة
سيُبتلى بها الكثير من الناس...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) الردّ على شبهات أحمد الكاتب: ٣٩٤ - ٤٥٣؛ في رحاب الإمام المهدي (عليه السلام): ١٣٩ - ١٦٥.
وفي الحقيقة، إنَّ أقوى الأدلَّة
على حقّانية وأصالة مباني مذهب الاثني عشرية الحقِّ، هو أنَّ متقدِّمي علماء
الشيعة، ولسنين طويلة، كانوا يقفون بوجه الواقفة، فيُضعِّفون ويجرحون رواة الحديث
القائلة بالغيبة، ويعتبرون أكثرها من مجعولات تلك الفرقة، حتَّى تقادمت الأيّام
وثبت صحَّة تلك الروايات والأحاديث الشريفة، وتحقَّقت تنبُّؤات الأئمَّة الطاهرين
(عليهم السلام)، فأيقنوا بها. وقد تكون هذه إرادة وحكمة الله تعالى، في إبطال دعوى
من يتَّهم الشيعة الاثني عشرية بوضع وجعل الأحاديث في خصوص مدَّعاهم وهو غيبة
الإمام الثاني عشر)(٣٥).
هذا وإنَّ نفس صاحب هذه الدعوى، يقرُّ بأنَّ محدِّثي الشيعة قد نقلوا روايات كثيرة
في وقوع الحيرة بعد الغيبة، تلك الروايات التي تتحدَّث عن المصاعب والمشكلات التي
يواجهها الشيعة في فترة غيبة إمامهم، حيث يقول:
(لقد روى الكليني والنعماني والصدوق روايات كثيرة تدلُّ على وقوع الحيرة بين الشيعة
بعد موت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وبعد غيبة الإمام صاحب الأمر (عليه
السلام). كما أنَّ هؤلاء الأعلام قد ذكروا اختلاف الشيعة في ذلك الزمان)(٣٦).
وقد أشار علماء الشيعة مراراً في كتاباتهم، إلى الكتب التي صُنِّفت في الفترات
السابقة على ولادة الإمام المهديِّ (عليه السلام)، وفي فترة الغيبة الصغرى له (عليه
السلام)، والتي جُمِعَت فيها الأحاديث المرتبطة بالمهدويَّة وبالغيبة.
التواتر المعنوي لغيبة إمام العصر (عليه السلام):
قد صرَّح النعماني (رحمه الله) في مقدّمة كتابه (الغيبة)، بأنَّ الروايات الواصلة
عن الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) في خصوص غيبة إمامٍ من أهل بيت النبيِّ الأكرم
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كثيرة جدّاً. ويذهب النعماني (رحمه الله)، بأنَّ
الشيعة لو تفكَّروا في الروايات التي وصلت عن الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) بدون
توقُّف، والتي أشاروا فيها إلى حتمية الغيبة، والتي أُدرجت في كتاب (الغيبة) واحدة
بعد الأُخرى، وتأمَّلوا في هذه الروايات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) مكتب در فرآيند تكامل:
١٢٣ - ١٢٩.
(٣٦) تطوُّر الفكر السياسيّ
الشيعيّ: ١٢٨.
بدقَّة، فإنَّهم سيعرفون جيِّداً
بأنَّ هذه الغيبة إذا لم تقع وتحدث، طبقاً لإخبار تلك الروايات، فإنَّ هذا سيكون
دليلاً يقينياً على بطلان الإمامة. ولكنَّ الله تبارك وتعالى صدَّق تحذيرات
وتنبُّؤات الأئمَّة (عليهم السلام) في خصوص الغيبة، وأثبت صحَّة كلماتهم الواردة في
الأزمنة المتعاقبة قبل الغيبة، وأمر الشيعة وألزمهم بالتسليم والتصديق والتمسُّك
باعتقاداتهم، وقوّى بذلك اليقين القلبي للشيعة بصحَّة المنقولات الواردة عن
أئمَّتهم الأطهار (عليهم السلام)(٣٧).
قال ما نصُّه: (وإذا تأمَّل من وهب الله تعالى له حسن الصورة...) الخ(٣٨).
والذي يدعو النعماني إلى القول بأنَّ عدم تحقُّق الغيبة سيكون دليلاً على بطلان
مبدأ الإمامة، هو روايات الآحاد الواردة في أمر الغيبة.
فلقد عقد النعماني (رحمه الله)، الباب العاشر في كتابه (الغيبة) تحت عنوان: (باب
١٠- ما روي في غيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وذكر مولانا أمير المؤمنين
والأئمَّة (عليهم السلام) بعده وإنذارهم بها).
فقد سعى النعماني (رحمه الله) في هذا الباب إلى جمع الروايات الواردة عن أمير
المؤمنين وسائر الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، في خصوص الغيبة والتحذير من
فتنتها. ومن مجموع (٤٨٣) رواية، نقلها في (الغيبة)، فإنَّ تسعين رواية منها -أي ما
يقارب الخمس- هي روايات الغيبة التي ذكرها في الباب العاشر، وهو أكثر أبواب كتاب
(الغيبة) حجماً وسعةً.
فترتيب أحاديث هذا الباب على أساس المضمون، ونوع بيان مقولة (الغيبة) يُثبِت
التواتر المعنوي لـ (حدوث غيبةٍ لإمامٍ من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام))، وهو
الإمام الثاني عشر (عليه السلام) بشكل لا يقبل الشكَّ.
وقد تكرَّرت بعض هذه الروايات في الكتب الأُخرى مثل كتاب (كمال الدين وتمام النعمة)
للصدوق، وكتاب (علل الشرائع) للصدوق، وكتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي (٤٦٠هـ)، وكتاب
(تقريب المعارف) لأبي الصلاح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلبي (٤٤٧هـ)، كتاب (دلائل
الإمامة) للطبري (القرن الخامس)، وكتاب (كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني
عشر) للخرّاز القمّي (النصف الثاني من القرن الرابع)، وكتاب (إعلام الورى بأعلام
الهدى) لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (القرن الخامس) وغيرها من الكتب، وبنفس
السند، أو بأسناد أُخرى.
ووجود الرواة من ذوي المصنَّفات، من بين رواة سند هذه الأحاديث، يدلُّ على أنَّ
أصحاب هذه الكتب قد يكونوا أخذوا هذه الأحاديث من كتب هؤلاء الرواة الكُتّاب في
القرون المتقدِّمة.
الغيبة إحدى خصائص القائم (عليه السلام):
ألف- روى زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّ لِلْقَائِمِ (عليه السلام) غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، فَقُلْتُ: ولِمَ؟
قَالَ: «يَخَافُ -وأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ-»، ثُمَّ قَالَ: «يَا
زُرَارَةُ، وهُوَ المُنْتَظَرُ، وهُوَ الَّذِي يُشَكُّ فِي وِلَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ
مَنْ يَقُولُ: مَاتَ أَبُوهُ بِلَا خَلَفٍ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَمْلٌ،
ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: غَائِبٌ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ
أَبِيهِ بِسِنِينَ، وهُوَ المُنْتَظَرُ، غَيْرَ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ
يَمْتَحِنَ قُلُوبَ الشِّيعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ المُبْطِلُونَ يَا
زُرَارَةُ»، قَالَ زُرَارَةُ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ
الزَّمَانَ أَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ؟ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، مَتَى أَدْرَكْتَ ذَلِكَ
الزَّمَانَ فَادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ
إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي
رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ،
اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ
ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي...».
إنَّ النعماني (رحمه الله) ينقل هذا الحديث عن محمّد بن همّام(٣٩)،
كما أنَّه ينقل نفس هذا الحديث بسندين آخرين عن الكليني، والكليني يروي الحديث
الأوَّل عن عليِّ بن إبراهيم(٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) نفس المصدر: ١٧٠/ ح ٦.
(٤٠) نفس المصدر: ١٦٧/ ح ٦؛
الكافي ١: ٣٣٧/ ح ٥.
وفي السند الثاني(٤١)
ورد اسم أحمد بن هلال(٤٢).
واللافت للنظر، هو أنَّ أحمد بن هلال (١٨٠ - ٢٦٧هـ) يقول: إنَّه سمع هذا الحديث قبل
(٥٦) سنة، قال ما نصُّه: (سمعت هذا الحديث منذ ستٍّ وخمسين سنة)(٤٣).
واستناداً إلى تأريخ وفاة أحمد بن هلال، نعرف أنَّه قد سمع هذا الحديث قبل ولادة
الإمام صاحب الأمر (عليه السلام) بخمسين سنة تقريباً.
والقسم الأوَّل من متن هذا الحديث نقله النعماني (رحمه الله) بأربعة أسانيد أُخرى
وبمتون مشابهة لهذا المتن(٤٤)،
أحدها رواه عن الكليني(٤٥).
وروى الكليني مثل هذا الحديث في (الكافي) بسندٍ آخر(٤٦).
ب- روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الإمام الجواد (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِذَا مَاتَ ابْنِي عَلِيٌّ بَدَا سِرَاجٌ بَعْدَهُ ثُمَّ خَفِيَ، فَوَيْلٌ
لِلْمُرْتَابِ وطُوبَى لِلْغَرِيبِ الْفَارِّ بِدِينِهِ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ
ذَلِكَ أَحْدَاثٌ تَشِيبُ فِيهَا النَّوَاصِي وَيَسِيرُ الصُّمُّ الصِّلَاب»(٤٧).
ج- روى أبو بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ...».
وقد روى النعماني هذا الحديث عن الكليني (رحمه الله)(٤٨)،
كما ذكره أبو الصلاح الحلبي (٤٤٧هـ) في تقريب المعارف(٤٩).
د- روى محمّد بن مسلم أنَّه سمع عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال:
«إِنْ بَلَغَكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ غَيْبَةٌ فَلَا تُنْكِرُوهَا».
وقد روى النعماني هذا الحديث بسندين عن الكليني(٥٠).
ورواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن أبي بصير(٥١).
التعريف بغيبة صاحب الأمر (عليه السلام) لرفع اللبس
العقائدي:
ألف - قال عبد الله بن عطاء المكّي للإمام الباقر (عليه السلام):
إِنَّ شِيعَتَكَ بِالْعِرَاقِ كَثِيرَة، وَوَاللهِ مَا فِي أَهْلِ بَيْتِكَ
مِثْلُكَ، فَكَيْفَ لَا تَخْرُجُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) الغيبة: ١٧١/ ح ٦؛
الكافي ١: ٣٤٢/ ح ٢٩.
(٤٢) رجال النجاشي: ٨٣/ رقم
الترجمة ١٩٩.
(٤٣) الكافي ١: ٣٤٢.
(٤٤) الغيبة: ١٨٢ و١٨٣/ ح
١٩ و٢٠.
(٤٥) نفس المصدر: ١٨٣/ ح
٢١؛ الكافي ١: ٣٣٨/ ح ٩.
(٤٦) الكافي ١: ٣٤٠/ ح ١٨.
(٤٧) الغيبة: ١٩٢/ ح ٣٧.
(٤٨) نفس المصدر: ١٩٤/ ح
٤١؛ الكافي ١: ٣٤٠/ ح ١٦.
(٤٩) تقريب المعارف: ٤٣٢.
(٥٠) الغيبة: ١٩٤/ ح ٤٢؛
الكافي ١: ٣٤٠/ ح ١٥. وقريب منه حديث رقم (١٠/ ص ٣٣٨).
(٥١) الغيبة/ الطوسي: ١٦٠
و١٦١.
فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ
عَطَاءٍ، قَدْ أَخَذْتَ تَفْرُشُ أُذُنَيْكَ لِلنَّوْكَى، إِي واللهِ مَا أَنَا
بِصَاحِبِكُمْ»، قُلْتُ: فَمَنْ صَاحِبُنَا؟ فَقَالَ: «انْظُرُوا مَنْ غُيِّبَتْ
عَنِ النَّاسِ وِلَادَتُهُ فَذَلِكَ صَاحِبُكُم».
وبعد أن ينقل النعماني هذا الحديث عن محمّد بن همّام(٥٢)،
ينقله بسندٍ آخر(٥٣)
عن الكليني. وقد روى الشيخ الصدوق هذا الحديث بسندين آخرين مختلفين(٥٤)،
كما رواه أبو الصلاح الحلبي (٤٤٧هـ) عن عبد الله بن عطاء المكّي، بدون أن يذكر
السند، حيث قال: (ورووا عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر...)(٥٥).
هذا وقد روى النعماني (رحمه الله) حديثاً آخر بنفس المضمون وبإضافات أُخرى، عن عبد
الله بن عطاء المكّي(٥٦).
ب- قال أيّوب بن نوح: قلت للإمام الرضا (عليه السلام):
إِنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ، وأَنْ يَسُوقَهُ اللهُ
إِلَيْكَ عَفْواً بِغَيْرِ سَيْفٍ، فَقَدْ بُويِعَ لَكَ، وقَدْ ضُرِبَتِ
الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ، فَقَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتِ الْكُتُبُ
إِلَيْهِ، وأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وسُئِلَ عَنِ المَسَائِلِ، وحُمِلَتْ
إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ، إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، حَتَّى
يَبْعَثَ اللهُ لِهَذَا الْأَمْرِ غُلَاماً مِنَّا خَفِيَّ المَوْلِدِ والمَنْشَأ،
غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِه».
وقد روى النعماني هذا الحديث عن الكليني(٥٧)،
ولكنَّ متنه يختلف قليلاً عن المتن الموجود في الكافي.
كما روى أبو الصلاح الحلبي هذا الحديث بمتن مشابه لما في الكافي، عن أيّوب بن نوح(٥٨).
ج- وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام)، يُصرِّح فيه أنَّ صاحب هذا الأمر
هو من تخفى ولادته عن الناس، فروي عن عبد الله بن عطاء، قال: قلت لأبي جعفر الباقر
(عليه السلام):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) الغيبة: ١٧١/ ح ٧.
(٥٣) نفس المصدر: ١٧٢/ ح ٧؛
الكافي ١: ٣٤٢/ ح ٢٦.
(٥٤) كمال الدين: ٣٢٥/ ح ٢.
(٥٥) تقريب المعارف: ٤٣٢.
(٥٦) الغيبة: ١٧٢/ ح ٨.
(٥٧) نفس المصدر: ١٧٣/ ح ٩؛
الكافي ١: ٣٤١/ ح ٢٥.
(٥٨) تقريب المعارف: ٤٣٢.
أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَائِمِ (عليه
السلام)، فَقَالَ: «واللهِ مَا هُوَ أَنَا، ولَا الَّذِي تَمُدُّونَ إِلَيْهِ
أَعْنَاقَكُمْ، ولَا يُعْرَفُ وِلَادَتُهُ»، قُلْتُ: بِمَا يَسِيرُ؟ قَالَ: بِمَا
سَارَ بِهِ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هَدَرَ مَا قَبْلَهُ
واسْتَقْبَلَ»(٥٩).
د- يقول أبو حمزة الثمالي (رحمه الله):
دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ
هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: فَوَلَدُكَ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ:
فَوَلَدُ وَلَدِكَ؟ فَقَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِكَ؟ قَالَ:
«لَا»، قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: «الَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ
ظُلْماً وجَوْراً لَعَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَأْتِي كَمَا أَنَّ
النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بُعِثَ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ».
وينقل النعماني هذا الحديث عن الكليني(٦٠).
التعريف بالغيبة ومعناها في بيان السُّنَّة الإلهيَّة بعدم
خلوِّ الأرض من حجَّة:
إنَّ رواياتنا قد بيَّنت معنى الغيبة أيضاً، وهذا يدلُّ على التعريف بجزئيات
وتفاصيل الغيبة قبل ولادة قائم آل محمّد (عليه السلام) بسنوات طويلة. ففي خطبة
لأمير المؤمنين (عليه السلام)، خطبها على منبر مسجد الكوفة، تحدَّث فيها عن فتن آخر
الزمان، جاء فيها:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ للهِ (عزَّ وجلَّ)،
ولَكِنَّ اللهَ سَيُعْمِي خَلْقَهُ عَنْهَا بِظُلْمِهِمْ وجَوْرِهِمْ
وإِسْرَافِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ولَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ
حُجَّةٍ للهِ لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا، ولَكِنَّ الحُجَّةَ يَعْرِفُ النَّاسَ ولَا
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا كَانَ يُوسُفُ يَعْرِفُ النَّاسَ وهُمْ لَهُ مُنْكِرُون»(٦١).
وهناك أحاديث أُخرى بيَّنت هذه السُّنَّة الإلهيَّة.
التعريف بالغيبة عند الحديث عن عدم الفصل الزماني بين
الأئمَّة:
عن الإمام الباقر (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّمَا نَحْنُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ حَتَّى
إِذَا أَشَرْتُمْ بِأَصَابِعِكُمْ ومِلْتُمْ بِحَوَاجِبِكُمْ غَيَّبَ اللهُ
عَنْكُمْ نَجْمَكُمْ فَاسْتَوَتْ بَنُو عَبْدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩) الغيبة: ١٧٣/ ح ١٠.
(٦٠) نفس المصدر: ١٩٢ و١٩٣/
ح ٣٨؛ الكافي ١: ٣٤١/ ح ٢١.
(٦١) الغيبة: ١٤٣ و١٤٤/ ح
٢.
المُطَّلِبِ، فَلَمْ يُعْرَفْ أَيٌّ
مِنْ أَيٍّ، فَإِذَا طَلَعَ نَجْمُكُمْ فَاحْمَدُوا رَبَّكُمْ».
وقد روى النعماني هذا الحديث عن الكليني (رحمه الله)(٦٢)،
والحديث موجود في الكافي أيضاً باختلاف طفيف. كما رواه النعماني أيضاً بأسانيد
أُخرى، باختلاف قليل في المتن، عن عليِّ بن أحمد البندنيجي(٦٣)،
عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وكذلك
عن طريق محمّد بن همّام(٦٤)،
عن الإمام الباقر (عليه السلام).
التعريف بالغيبة من خلال تشبيه الإمام القائم (عليه السلام)
بالأنبياء:
ألف- روى سدير الصيرفي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ لَشَبَهاً مِنْ يُوسُفَ»، فَقُلْتُ:
فَكَأَنَّكَ تُخْبِرُنَا بِغَيْبَةٍ أَوْ حَيْرَةٍ، فَقَالَ: «مَا يُنْكِرُ هَذَا
الخَلْقُ الْمَلْعُونُ أَشْبَاهُ الخَنَازِيرِ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ
كَانُوا عُقَلَاءَ أَلِبَّاءَ أَسْبَاطاً أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَكَلَّمُوهُ وخَاطَبُوهُ وتَاجَرُوهُ ورَاوَدُوهُ وكَانُوا إِخْوَتَهُ وهُوَ
أَخُوهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وقَالَ لهُمْ: ﴿أَنَا
يُوسُفُ﴾ فَعَرَفُوهُ حِينَئِذٍ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ
المُتَحَيِّرَةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (جَلَّ وعَزَّ) يُرِيدُ فِي وَقْتٍ مِنَ
الْأَوْقَاتِ أَنْ يَسْتُرَ حُجَّتَهُ عَنْهُمْ؟ لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ إِلَيْهِ
مُلْكُ مِصْرَ، وكَانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَبِيهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ
يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَكَانِهِ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ،
واللهِ لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ ووُلْدُهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ
مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ
اللهُ يَفْعَلُ بِحُجَّتِهِ مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ، وأَنْ يَكُونَ صَاحِبُكُمُ
المَظْلُومُ المَجْحُودُ حَقَّهُ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمْ
ويَمْشِي فِي أَسْوَاقِهِمْ ويَطَأُ فُرُشَهُمْ ولَا يَعْرِفُونَهُ حَتَّى يَأْذَنَ
اللهُ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ نَفْسَهُ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ حِينَ قَالَ لَهُ
إِخْوَتُهُ: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ﴾؟».
وقد روى النعماني هذا الحديث عن عليِّ بن أحمد البندنيجي(٦٥)،
ثمّ ذكر له سنداً آخر عن طريق الكليني(٦٦)،
والمتن الموجود في (الكافي) شبيه بالحديث السابق.
كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) باختلاف طفيف(٦٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) نفس المصدر: ١٥٨/ ح
١٧؛ الكافي ١: ٣٣٨/ ح ٨.
(٦٣) الغيبة: ١٥٧/ ح ١٥.
(٦٤) نفس المصدر: ١٥٧ و١٥٨/
ح ١٦.
(٦٥) الغيبة: ١٦٦ و١٦٧/ ح
٤.
(٦٦) نفس المصدر: ١٦٧/ ح ٤؛
الكافي ١: ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٤.
(٦٧) كمال الدين: ١٤٤/ باب
٥/ ح١١؛ علل الشرائع ١: ٢٤٤/ باب ١٧٩/ ح ٣.
ثمّ روى الحديث الآنف كلٌّ من أبي
صلاح الحلبي(٦٨)،
والطبري(٦٩)،
والطبرسي(٥٤٨هـ)(٧٠).
ب- وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول:
«فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ سُنَنٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ
مُوسَى، وسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ
صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ»، فَقُلْتُ: ... ومَا سُنَّةُ عِيسَى؟
فَقَالَ: «يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عِيسَى»، قُلْتُ: فَمَا سُنَّةُ يُوسُفَ؟
قَالَ: «السِّجْنُ والْغَيْبَةُ»(٧١).
وقد روى هذا الحديث، مضافاً للنعماني، كلٌّ من الشيخ الصدوق(٧٢)،
وأبي الصلاح الحلبي(٧٣)،
باختلاف طفيف في المتن.
التعريف بالغيبة من خلال غيبة النبي الأكرم (صلّى الله عليه
وآله وسلّم):
قال الإمام الرضا (عليه السلام):
«إِنَّكُمْ سَتُبْتَلَوْنَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ وأَكْبَرُ، تُبْتَلَوْنَ بِالجَنِينِ
فِي بَطْنِ أُمِّهِ والرَّضِيعِ، حَتَّى يُقَالَ: غَابَ ومَاتَ، ويَقُولُونَ: لَا
إِمَامَ، وقَدْ غَابَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغَابَ وغَاب»(٧٤).
التعريف بالغيبة من خلال نهي الشيعة عن إشاعة اسم وأمر
القائم (عليه السلام):
قال المفضَّل بن عمر:
كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي مَجْلِسِهِ ومَعِي غَيْرِي،
فَقَالَ لَنَا: «إِيَّاكُمْ والتَّنْوِيهَ (يَعْنِي بِاسْمِ الْقَائِمِ (عليه
السلام))»، وكُنْتُ أَرَاهُ يُرِيدُ غَيْرِي، فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا عَبْدِ
اللهِ، إِيَّاكُمْ والتَّنْوِيهَ، واللهِ لَيَغِيبَنَّ سَبْتاً مِنَ الدَّهْرِ،
ولَيَخْمُلَنَ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟
ولَتَفِيضَنَّ عَلَيْهِ أَعْيُنُ المُؤْمِنِينَ...»(٧٥).
هذا وقد روى النعماني هذا الحديث بسند آخر عن محمّد بن همّام، بإضافات، ثمّ نقله
بسندٍ آخر باختلاف طفيف عن محمّد بن يعقوب(٧٦).
وقد روى هذا الحديث أيضاً كلٌّ من الشيخ الطوسي(٧٧)،
والشيخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) تقريب المعارف: ٤٣٠.
(٦٩) دلائل الإمامة: ٥٣١
و٥٣٢.
(٧٠) إعلام الورى بأعلام
الهدى ٢: ٢٣٦ و٢٣٧.
(٧١) الغيبة: ١٦٧ و١٦٨/ ح
٥.
(٧٢) كمال الدين: ٣٢٩/ باب
٣٢/ ح ١١. وكذا في: ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٦.
(٧٣) تقريب المعارف: ٤٣١.
(٧٤) الغيبة: ١٨٥/ ح ٢٧.
(٧٥) نفس المصدر: ١٥٣/ ح ٩.
(٧٦) نفس المصدر: ١٥٤ و١٥٥/
ح ١٠؛ الكافي ١: ٣٣٦/ ح ٣.
(٧٧) الغيبة/ الطوسي: ٣٣٧
و٣٣٨/ ح ٢٨٥.
الصدوق(٧٨)،
باختلاف طفيف. وقد رواه أيضاً الطبري بسنده عن محمّد بن همّام(٧٩).
التعريف بالغيبة وأنَّها غيبتان:
ألف- روى إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال:
«لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ والْأُخْرَى طَوِيلَةٌ...».
رواه النعماني في الغيبة عن الكليني (رحمهما الله)(٨٠)،
كما رواه أبو الصلاح الحلبي(٨١).
كما روى النعماني بهذا المضمون حديثاً عن أحمد بن محمّد بن سعيد(٨٢).
ب- روى المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى
يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قُتِلَ، وبَعْضُهُمْ يَقُولُ:
ذَهَبَ، فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا
يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ ولَا غَيْرِهِ إِلَّا المَوْلَى
الَّذِي يَلِي أَمْرَه»(٨٣).
ورواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتابه (الغيبة) أيضاً(٨٤).
ج- ورُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه بعد الجواب عن سؤال حازم بن حبيب،
قال:
«يَا حَازِمُ، إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ يَظْهَرُ فِي
الثَّانِيَةِ، فَمَنْ جَاءَكَ يَقُولُ: إِنَّهُ نَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ
قَبْرِهِ فَلَا تُصَدِّقْه.».
رواه النعماني بسندين مختلفين(٨٥)،
وروى الشيخ الطوسي حديثاً مشابهاً له(٨٦).
د- وعن أبي بصير، قال:
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام)
يَقُولُ: «لِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ غَيْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ
الْأُخْرَى»، فَقَالَ: «نَعَمْ...»(٨٧).
ورواه محمّد بن جرير الطبري بسندٍ آخر أيضاً(٨٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٨) كمال الدين: ٣٤٧/ ح
٣٥.
(٧٩) دلائل الإمامة: ٥٣٢
و٥٣٣.
(٨٠) الغيبة: ١٧٥/ ح ٢؛
الكافي ١: ٣٤٠/ ح ١٩.
(٨١) تقريب المعارف: ٤٣١.
(٨٢) الغيبة: ١٧٥ و١٧٦/ ح
٣.
(٨٣) نفس المصدر: ١٧٦/ ح ٥.
(٨٤) الغيبة/ الطوسي: ١٦١
و١٦٢/ ح ١٢٠.
(٨٥) الغيبة: ١٧٦ و١٧٧/ ح
٦.
(٨٦) الغيبة/ الطوسي: ٤٢٣
و٤٢٤/ ح ٤٠٧.
(٨٧) الغيبة: ١٧٧ و١٧٨/ ح
٧.
(٨٨) دلائل الإمامة: ٥٣٥.
هـ- روى محمّد بن مسلم أنَّه سمع
الإمام الباقر (عليه السلام) يقول:
«إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ، يُقَالُ لَهُ فِي إِحْدَاهُمَا: هَلَكَ، ولَا
يُدْرَى فِي أَيِّ وَادٍ سَلَك»(٨٩).
وروى المفضَّل بن عمر مثله بإضافة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٩٠).
التعريف بالغيبة بعد التنبُّؤ باستشهاد ثلاثة أئمَّة:
ففي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
«... أَمَا واللهِ لَأُقْتَلَنَّ أَنَا وابْنَايَ هَذَانِ، ولَيَبْعَثَنَّ اللهُ
رَجُلًا مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُطَالِبُ بِدِمَائِنَا، ولَيَغِيبَنَّ
عَنْهُمْ تَمْيِيزاً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ حَتَّى يَقُولَ الجَاهِلُ: مَا للهِ فِي
آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ حَاجَةٍ»(٩١).
وهذا الحديث، وإن لم يذكر فيه اسم القائم، ولكنَّه يُخبِر عن حتمية ظهوره في آخر
الزمان، كما يُخبِر عن غيبته.
وروى هذا الحديث أيضاً الطبري في (دلائل الإمامة) بسند مشابهٍ عن غير محمّد بن مالك
الغزاري(٩٢).
التعريف بالغيبة في البحث التفسيري لبعض الآيات:
ألف - في سؤال لأُمِّ هاني من الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قول الله (عزَّ
وجلَّ): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥)،
قال (عليه السلام):
«يَا أُمَّ هَانِئٍ، إِمَامٌ يَخْنِسُ نَفْسَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنِ النَّاسِ
عِلْمُهُ سَنَةَ سِتِّينَ ومِائَتَيْنِ، ثُمَّ يَبْدُو كَالشِّهَابِ الْوَاقِدِ فِي
اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَإِنْ أَدْرَكْتِ ذَلِكِ الزَّمَانَ قَرَّتْ عَيْنُكِ»(٩٣).
وروى النعماني هذا الحديث عن سلامة بن محمّد الأرزني الثقة، وهو صاحب كتاب (الغيبة
وكشف الحيرة). كما رواه بسندٍ آخر بدون أن يُعيِّن له رقماً عن الكليني، وباختلاف
طفيف في المتن(٩٤).
كما رواه أيضاً بدون ترقيم وبسندٍ ثالث عن الكليني، وباختلاف طفيف(٩٥).
وهذا الحديث موجود في (الكافي) بنفس السند، ولكن متنه يختلف قليلاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٩) الغيبة: ١٧٨/ ح ٨.
(٩٠) نفس المصدر: ١٧٨/ ح ٩.
(٩١) نفس المصدر: ١٤٣/ باب
١٠/ ح ١.
(٩٢) دلائل الإمامة: ٥٣٤
و٥٣٥.
(٩٣) الغيبة: ١٥١/ ح ٦.
(٩٤) نفس المصدر: ١٥١/ ح ٦؛
الكافي ١: ٣٤١/ ح ٢٢.
(٩٥) نفس المصدر: ١٥٢/ ح ٧؛
الكافي ١: ٣٤١/ ح ٢٣.
عن متن الحديث الذي رواه النعماني
عن الكليني (رحمهما الله).
وروى هذا الحديث أيضاً الشيخ الصدوق عن أبيه وعن ابن الوليد بسندٍ آخر(٩٦)،
واختلاف طفيف في المتن.
كما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده في كتابه (الغيبة)(٩٧).
ب- وروى عليُّ بن جعفر، عن أخيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، في تفسير قوله
تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك: ٣٠)، قال (عليه السلام):
«إِذَا فَقَدْتُمْ إِمَامَكُمْ، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ جَدِيدٍ؟».
رواه النعماني في (الغيبة) عن الكليني(٩٨)
ومحمّد بن همّام(٩٩).
ويحتمل قويّاً أنَّ أصل الحديث مأخوذ من كتاب (مسائل عليِّ بن جعفر)(١٠٠).
ج- عن المفضَّل بن عمر أنَّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (المدَّثِّر: ٨)،
فقال (عليه السلام):
«إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) إِظْهَارَ
أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً، فَظَهَرَ وأَمَرَ بِأَمْرِ اللهِ (عزَّ
وجلَّ)».
رواه النعماني عن الكليني، ورواه الشيخ الصدوق(١٠١)،
والشيخ الطوسي(١٠٢)،
والكشّي، بإضافة طفيفة.
وسند الشيخ الصدوق مشابه لسند الشيخ الطوسي، وأمَّا سند الكشّي يختلف عن سندهما(١٠٣).
التعريف بالغيبة والتحذير من الفتن:
لقد حذَّر الإمام الكاظم (عليه السلام) شيعته من الفتن في زمن الغيبة، فقال:
«إِذَا فُقِدَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ فَاللهَ اللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ،
لَا يُزِيلَنَّكُمْ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ
غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٦) كمال الدين: ٣٢٤ و٣٢٥/
باب ٣٢/ ح ١.
(٩٧) الغيبة/ الطوسي: ١٥٩/
ح ١١٦.
(٩٨) الغيبة: ١٨١/ ح ١٧؛
الكافي ١: ٣٣٩/ ح ١٤.
(٩٩) نفس المصدر: ١٨١/ ح
١٧.
(١٠٠) مسائل عليِّ بن جعفر:
٣٢٧/ ح ٨١٥. وفيه: «إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد؟».
(١٠١) كمال الدين: ٣٤٩/ باب
٣٣/ ح ٤٢.
(١٠٢) الغيبة/ الطوسي: ١٦٤/
ح ١٢٦.
(١٠٣) اختيار معرفة الرجال
٢: ٤٣٧/ الرقم ٣٣٨.
بِهِ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ
اللهِ يَمْتَحِنُ اللهُ بِهَا خَلْقَهُ، ولَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وأَجْدَادُكُمْ
دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا الدِّينِ لَاتَّبَعُوهُ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا سَيِّدِي،
مَنِ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ؟ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ
تَصْغُرُ عَنْ هَذَا، وأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، ولَكِنْ إِنْ
تَعِيشُوا فَسَوْفَ تُدْرِكُونَهُ».
رواه النعماني في الغيبة عن الكليني (رحمهما الله)(١٠٤)،
ورواه الشيخ الصدوق(١٠٥)،
والشيخ الطوسي(١٠٦)،
والخرّاز القمّي(١٠٧)،
والطبرسي(١٠٨)،
إلَّا أنَّ ما عدا النعماني والكليني، رووا هذا الحديث عن طريق سعيد بن عبد الله
القمّي.
التعريف بالغيبة وحراجة الاحتفاظ بالدين وكيفيته:
ألف- وفي حديث آخر، يسأل فيه راوٍ الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه رُوي
عنهم بأنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فماذا نصنع في زمان الغيبة؟ فقال (عليه السلام):
«تَمَسَّكُوا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَيَّنَ
لَكُمْ»(١٠٩).
ويرويه النعماني باختلاف طفيف في السند والمتن عن ابن عقدة أيضاً(١١٠).
ب - وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال:
«... إِذَا أَصْبَحْتَ وأَمْسَيْتَ يَوْماً لَا تَرَى فِيهِ إِمَاماً مِنْ آلِ
مُحَمَّدٍ، فَأَحْبِبْ مَنْ كُنْتَ تُحِبُّ، وأَبْغِضْ مَنْ كُنْتَ تُبْغِضُ،
ووَالِ مَنْ كُنْتَ تُوَالِي، وانْتَظِرِ الْفَرَجَ صَبَاحاً ومَسَاءً»(١١١).
وبعد أن نقل النعماني هذا الحديث عن ابن عقدة، ذكر له سنداً آخر عن الكليني، ولكنَّ
المتن الموجود في الكافي يختلف عنه قليلاً(١١٢).
كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدين)، بسنده، وباختلاف طفيف(١١٣).
ج- رُوي عن عبد الله بن سنان، أنَّه قال:
دَخَلْتُ أَنَا وأَبِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «كَيْفَ
أَنْتُمْ إِذَا صِرْتُمْ فِي حَالٍ لَا تَرَوْنَ فِيهَا إِمَامَ هُدًى، ولَا
عَلَماً يُرَى؟ فَلَا يَنْجُو مِنْ تِلْكَ الحَيْرَةِ إِلَّا مَنْ دَعَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٤) الغيبة: ١٥٤/ ح ١١؛
الكافي ١: ٣٣٦/ ح ٢.
(١٠٥) كمال الدين: ٣٥٩
و٣٦٠/ ح ١، وفيه: (تضعف) بدل (تصغر)؛ علل الشرائع ١: ٢٤٤/ ح ٤.
(١٠٦) الغيبة/ الطوسي: ١٦٦
و١٦٧/ ح ١٢٨.
(١٠٧) كفاية الأثر: ٢٦٨
و٢٦٩.
(١٠٨) إعلام الورى بأعلام
الهدى: ٢٣٩. وفيه: (يا أخي) بدل (يا بني).
(١٠٩) الغيبة: ١٦٢/ ح ٥.
(١١٠) نفس المصدر: ١٦١/ ح
٢.
(١١١) نفس المصدر: ١٦١/ ح
٣.
(١١٢) نفس المصدر: ١٦١/ ح
٣؛ الكافي ١: ٣٤٢/ ح ٢٨.
(١١٣) كمال الدين: ٣٤٨/ ح
٣٧.
بِدُعَاءِ الْغَرِيقِ»، فَقَالَ
أَبِي: هَذَا واللهِ الْبَلَاءُ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حِينَئِذٍ؟
قَالَ: «إِذَا كَانَ ذَلِكَ ولَنْ تُدْرِكَهُ، فَتَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ
حَتَّى يَتَّضِحَ لَكُمُ الْأَمْرُ»(١١٤).
ورواه مضافاً للنعماني الشيخ الصدوق، باختلاف طفيف وإضافة(١١٥).
ونقله الطبرسي(١١٦)،
والسيِّد ابن طاووس(١١٧)،
والسيِّد بهاء الدين النيلي(١١٨)،
والنباطي(١١٩).
وهناك ثلاث روايات مشابهة في مضامينها لمضمون هذه الرواية، تُخبِر عن الصعاب التي
سيواجهها الشيعة على إثر فقدان إمامهم، وطريقة الخلاص من المشاكل والفتن الاعتقادية،
رواها النعماني بأسانيد مختلفة(١٢٠).
د- روى اليمان التمّار، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَةً، المُتَمَسِّكُ فِيهَا بِدِينِهِ
كَالخَارِطِ لِشَوْكِ الْقَتَادِ بِيَدِهِ»، ثُمَّ أَطْرَقَ مَلِيّاً، ثُمَّ قَالَ:
«إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ،
ولْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ»(١٢١).
وبعد أن روى النعماني هذا الحديث عن محمّد بن همّام، ذكر له سنداً آخر عن الكليني(١٢٢).
كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسندين مختلفين(١٢٣)،
والشيخ الطوسي (رحمه الله)(١٢٤)
بسنده، وأبو الصلاح الحلبي بدون ذكرٍ للسند، عن اليمان التمّار(١٢٥).
التعريف بالغيبة في بيان أقرب حالات الشيعة إلى الله تعالى:
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعِبَادُ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وأَرْضَى مَا يَكُونُ
عَنْهُمْ، إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ (جَلَّ وعَزَّ) ولَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ
ولَمْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِ، وهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ تَبْطُلْ
حُجَّةُ اللهِ (جَلَّ ذِكْرُهُ) ولَا مِيثَاقُهُ، فَعِنْدَهَا فَتَوَقَّعُوا
الْفَرَجَ صَبَاحاً ومَسَاءً، فَإِنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ غَضَبُ اللهِ (عزَّ
وجلَّ) عَلَى أَعْدَائِهِ إِذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٤) الغيبة: ١٦١ و١٦٢/ ح
٤.
(١١٥) كمال الدين ٢: ٣٥١/ ح
٤٩.
(١١٦) إعلام الورى بأعلام
الهدى ٢: ٢٣٨.
(١١٧) مهج الدعوات: ٣٣٢.
(١١٨) منتخب الأنوار
المضيئة: ١٥١.
(١١٩) الصراط المستقيم إلى
مستحقّي التقديم ٢: ٢٢٨.
(١٢٠) الغيبة: ١٦٢ و١٦٣/ ح
٦ - ٨.
(١٢١) نفس المصدر: ١٧٤/ ح
١١.
(١٢٢) نفس المصدر: ١٧٤/ ح
١١؛ الكافي ١: ٣٣٥ و٣٣٦/ ح ١.
(١٢٣) كمال الدين: ٣٤٣/ ح
٢٥.
(١٢٤) الغيبة/ الطوسي: ٤٥٥/
ح ٤٦٥.
(١٢٥) تقريب المعارف: ٤٣٢.
افْتَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ فَلَمْ
يَظْهَرْ لَهُمْ، وقَدْ عَلِمَ اللهُ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَا يَرْتَابُونَ، ولَوْ
عَلِمَ أَنَّهُمْ يَرْتَابُونَ مَا غَيَّبَ حُجَّتَهُ عَنْهُمْ طَرْفَةَ
عَيْنٍ...».
رواه النعماني في الغيبة بسندين مختلفين عن الكليني (رحمه الله)(١٢٦)،
كما رواه بسندٍ آخر عن محمّد بن همّام(١٢٧).
ونقله الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسندين(١٢٨)،
ونقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسندٍ واحد(١٢٩)،
وذكره الطبرسي (رحمه الله) بسندين(١٣٠).
التعريف بالغيبة وذكر كلام صاحب الأمر فيها:
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، أنَّه قال:
«إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَةً يَقُولُ فِيهَا: ﴿فَفَرَرْتُ
مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١]».
رواه النعماني عن ابن عقدة(١٣١)،
كما روى مثله في مضمونه عن محمّد بن همّام(١٣٢)
وعبد الواحد بن عبد الله بن يونس(١٣٣).
كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدين) عن طريق محمّد بن همّام بواسطة
محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني(١٣٤).
التعريف بالغيبة في أحاديث حضور صاحب الأمر (عليه السلام) في
موسم الحجِّ:
ألف- روى عبيد بن زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ، يَشْهَدُ المَوَاسِمَ، فَيَرَاهُمُ ولَا
يَرَوْنَهُ».
روى النعماني هذا الحديث في (الغيبة)، عن الكليني (رحمه الله)(١٣٥).
كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بثلاثة أسانيد مختلفة(١٣٦)،
وباختلاف طفيف في المتن. ورواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسندٍ واحد(١٣٧).
كما نقل هذا الحديث كلٌّ من أبي الصلاح الحلبي في (تقريب المعارف)(١٣٨)،
والطبري بسندين في (دلائل الإمامة)(١٣٩)،
وعليِّ بن يونس النباطي بسندٍ واحدٍ(١٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٦) الغيبة: ١٦٥/ ح ٢؛
الكافي ١: ٣٣٣/ ح ١.
(١٢٧) نفس المصدر: ١٦٥/ ح
١.
(١٢٨) كمال الدين: ٣٣٧
و٣٣٨/ ح ١٠.
(١٢٩) الغيبة/ الطوسي: ٤٥٧/
ح ٤٦٨.
(١٣٠) إعلام الورى بأعلام
الهدى: ٢٣٥ و٢٣٦.
(١٣١) الغيبة: ١٧٩/ ح ١٠.
(١٣٢) نفس المصدر: ١٧٩
و١٨٠/ ح ١١.
(١٣٣) نفس المصدر: ١٨٠/ ح
١٢.
(١٣٤) كمال الدين ١: ٢٣٨/ ح
١٠.
(١٣٥) الغيبة: ١٨١/ ح ١٤؛
الكافي ١: ٣٣٧/ ح ٦. وفي الكافي: (يشهد الموسم) لا (المواسم).
(١٣٦) كمال الدين: ٣٤٦/ ح
٣٣. وفيه: (الموسم) لا (المواسم).
(١٣٧) الغيبة/ الطوسي: ١٦١/
ح ١١٩.
(١٣٨) تقريب المعارف: ٤٣٢.
(١٣٩) دلائل الإمامة: ٤٨٢.
(١٤٠) الصراط المستقيم إلى
مستحقّي التقديم ٢: ٢٢٨.
كما رواه النعماني عن محمّد بن
همّام، باختلاف طفيف وإفاضة(١٤١)،
وعن الكليني (رحمه الله)(١٤٢)
وعبد الواحد بن عبد الله(١٤٣)
أيضاً.
التعريف بالغيبة في الإخبار عن زمان ظهور إمام العصر (عليه
السلام):
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«إِذَا فَقَدَ النَّاسُ الْإِمَامَ مَكَثُوا سنيناً [سِنِينَ] لَا يَدْرُونَ أَيّاً
مِنْ أَيٍّ، ثُمَّ يُظْهِرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لهُمْ صَاحِبَهُمْ»(١٤٤).
ففي هذا الحديث تصريح بأنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، يكون بعد دورة من
الحيرة واضطراب الناس في زمن غيبته (عليه السلام).
التعريف بالغيبة في أحاديث ظهوره (عليه السلام) بصورة شابٍّ:
روى عليُّ بن أبي حمزة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال:
«لَوْ قَدْ قَامَ الْقَائِمُ لَأَنْكَرَهُ النَّاسُ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ
شَابّاً مُوفِقاً، لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ قَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَهُ
فِي الذَّرِّ الْأَوَّل»(١٤٥).
وذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة) بسنده(١٤٦).
التعريف بالغيبة في أحاديث الترغيب بالإنفاق قبل فقدان
المحتاج:
عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال:
«تَوَاصَلُوا وتَبَارُّوا وتَرَاحَمُوا، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ
النَّسَمَةَ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ وَقْتٌ لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ لِدِينَارِهِ
ودِرْهَمِهِ مَوْضِعاً (يَعْنِي لَا يَجِدُ عِنْدَ ظُهُورِ الْقَائِمِ (عليه
السلام) مَوْضِعاً يَصْرِفُهُ فِيهِ)، لِاسْتِغْنَاءِ النَّاسِ جَمِيعاً بِفَضْلِ
اللهِ وفَضْلِ وَلِيِّهِ»، فَقُلْتُ: وأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «عِنْدَ
فَقْدِكُمْ إِمَامَكُمْ، فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ عَلَيْكُمْ
كَمَا تَطْلُعُ الشَّمْس...»(١٤٧).
وفي سند النعماني، جاء اسم أحمد بن مابنداذ، عن محمّد بن مالك، عن محمّد بن سنان.
وأمَّا في سند (بحار الأنوار) فإنَّ أحمد يروي عن محمّد بن سنان بلا واسطة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤١) الغيبة: ١٨٠/ ح ١٣.
(١٤٢) نفس المصدر: ١٨٠
و١٨١/ ح ١٦؛ الكافي ١: ٣٣٩/ ح ١٢.
(١٤٣) نفس المصدر: ١٨١/ ح
١٥.
(١٤٤) نفس المصدر: ١٦٠
و١٦١/ ح ١.
(١٤٥) نفس المصدر: ١٩٤/ ح
٤٣، و٢١٩/ ح ٢٠.
(١٤٦) الغيبة/ الطوسي: ٤٢٠/
ح ٣٩٨.
(١٤٧) الغيبة: ١٥٢ و١٥٣/ ح
٨.
النتيجة:
إنَّ مسألة الغيبة والمهدويَّة، كانت متجذِّرة ومتأصِّلة في الفكر الإسلامي عامَّة،
والفكر الشيعيِّ بشكل خاصٍّ، وكانت أذهان المسلمين مأنوسة بها باعتبار وجود
الروايات النبويَّة والعلويَّة الواردة فيها. وحدود بحثنا، تحقيقنا في دراسة أحاديث
الغيبة كانت مقتصرة على أحاديث الباب العاشر من أبواب كتاب (الغيبة) للنعماني (رحمه
الله).
واستناداً للأحاديث المبوَّبة أعلاه، يظهر لنا جليّاً وجود التواتر المعنويِّ في
روايات الغيبة.
والروايات التي ذكرناها، مأخوذة من الكتب والأُصول التي كتبها علماء القرن الأوَّل
والثاني والثالث للهجرة.
إنَّ أئمَّة الشيعة (عليهم السلام) قد ذكروا، وفي مناسبات مختلفة، مسألة الغيبة في
ضمن الإجابة عن أسئلة الشيعة، أو هم الذين بادروا إلى ذكرها للتعريف بها.
والحديث عن الغيبة في روايات أئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، في معرض الحديث عن
استشهاد ثلاثة أئمَّة، في بيان السُّنَّة الإلهيَّة بعدم خلوِّ الأرض من الحجَّة،
في تعريف معنى الغيبة، في البحث التفسيري لبعض آيات القرآن الكريم وربطها بغيبة
حجَّة الله (عليه السلام)، ومن خلال الأحاديث المرغِّبة بالإنفاق والإحسان قبل أن
يأتي يوم لا يجد المنفق من ينفق عليه لوفرة النِّعَم، وفي معرض الحديث عن نهي
الشيعة عن الإشهار باسم الإمام وأمره، وحين التحذير من فتن زمان الغيبة، وفي
الإخبار عن عدم وجود فصل زماني بين إمامة إمام وإمامة الإمام اللاحق، وضمن
الإخبارات عن زمان ظهور إمام العصر والزمان (أرواحنا فداه)، وفي بيان كيفية مواجهة
الصعاب والمشكلات العقدية في زمان الغيبة، وحين بيان أقرب حالات الشيعة إلى الله
تعالى، ووقت تشبيه القائم (عليه السلام) بالأنبياء، وحين بيان خصائص الغيبة
باعتبارها من علائم قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)،
وحين توضيح ورفع الشبهات العقائدية
عند الشيعة، وفي الحديث عن التديُّن في زمن الغيبة وكيفية المحافظة على الدين في
تلك الفترة، وفي بيان كلام صاحب الأمر (عليه السلام) في زمن الغيبة، وفي الحديث عن
أنَّ الغيبة من السُّنَن التي كانت في الأنبياء، وفي بيان ظهور قائم آل محمّد بصورة
شابٍّ رشيدٍ، كلُّ ذلك يدلُّ على وجود التواتر المعنوي في أمر الغيبة.
فعلى هذا الأساس، فإنَّ ادِّعاء عدم التعريف بالغيبة، وعدم معرفة مقولة الغيبة
إلَّا بعد استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام)، ادِّعاء باطل ومجرَّد عن الأدلَّة
العلمية.
والإشكال الذي كان قائماً عند الشيعة في زمن الحيرة، هو عدم التفاتهم إلى روايات
الغيبة وتعيين مصداقها. فالبحث في قضيَّة الإمام الغائب كان مطروحاً لسنوات طويلة
في روايات الشيعة، وإنَّ الرواة كانوا يعرفون تلك الأخبار والأحاديث.
والروايات المذكورة في كتاب (الغيبة) للنعماني هي غيض من فيض أحاديث الغيبة،
والنعماني وإن كان قد خصَّص خُمس كتابه لهذه الأحاديث، ولكنَّه لا يدَّعي بأنَّه
جمع كلَّ الأحاديث الواردة في هذا المجال. فهذا العالم الشيعي يقول في آخر الباب
العاشر من كتابه:
(هذا آخر ما حضرني من الروايات في الغيبة، وهو يسير من كثير ممَّا رواه الناس
وحملوه، والله وليُّ التوفيق)(١٤٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٨) الغيبة: ١٩٩.
١- الأبواب (الرجال): أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي/ النجف/ الحيدرية/ ١٣٨١هـ.
٢- الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن عليِّ بن أبي طالب الطبرسي/ مشهد/ المرتضى/ ١٤٠٣هـ.
٣- اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي/ مشهد/ جامعة مشهد/
١٣٤٨ش.
٤- إعلام الورى بأعلام الهدى: أبو عليّ الفضل بن حسن بن الفضل الطبرسي/ قم/ دار
الكتب الإسلامية/ ط الثالثة/ ١٣٩٠هـ.
٥- الإمام المهدي (عليه السلام) بين الإثبات وعاصفة الشبهات: السيِّد والي الزاملي/
بيروت/ دار الخليج العربي/ ط الأُولى/ ١٤٢٧هـ.
٦- الردّ على شبهات أحمد الكاتب: سامي البدري/ ترجمة: ناصر الربيعي/ قم/ أنوار
الهدى/ ط الأُولى/ ١٣٨٠ش.
٧- التأريخ السياسي لغيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام): جاسم حسين/ ترجمة:
محمّد تقي آية اللهي/ طهران/ أمير كبير/ ط الثالثة/ ١٣٨٥ش.
٨- تطوُّر الفكر الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه: أحمد الكاتب/ بيروت/ دار
الجديد/ ط الأُولى/ ١٩٩٨م.
٩- تقريب المعارف: تقي الدِّين بن نجم الدين بن عبيد الله بن عبد الله بن محمّد أبو
الصلاح الحلبي/ قم/ انتشارات الإسلامي/ ١٤٠٤هـ.
١٠- دلائل الإمامة: أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي المازندراني/ قم/
دار الذخائر للمطبوعات/ بدون تأريخ.
١١- الرجال (فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة): أبو العبّاس أحمد بن عليِّ بن أحمد
النجاشي/ قم/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ ١٤٠٧هـ.
١٢- شبهات وردود: الردّ على شبهات أحمد الكاتب حول إمامة أهل البيت ووجود المهديِّ
المنتظر: السيِّد سامي البدري/ قم/ مؤلِّف/ ط الثالثة/ ١٤٢١هـ.
١٣- الصراط المستقيم إلى مستحقِّي التقديم: عليّ بن يونس النباطي البياضي/ تصحيح
وتعليق: محمّد باقر البهبودي/ مط الحيدري/ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار
الجعفرية.
١٤- علل الشرائع: محمّد بن عليِّ بن بابويه الصدوق/ قم/ مكتبة الداوري/ بدون تأريخ.
١٥- الغيبة: ابن أبي زينب محمّد بن إبراهيم النعماني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/
طهران/ مكتبة الصدوق/ ١٣٩٧هـ.
١٦- الغيبة للحجَّة: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي/ قم/ المعارف الإسلاميَّة/ ط
الأُولى/ ١٤١١هـ.
١٧- الفهرست: الشيخ أبو جعفر محمّد
بن الحسن الطوسي/ النجف/ المكتبة المرتضوية.
١٨- في رحاب الإمام المهديِّ (عليه السلام): عبد الرحيم مبارك/ مشهد/ مجمع البحوث
الإسلاميَّة/ ط الأُولى/ ١٤٢٦هـ.
١٩- الكافي: محمّد بن يعقوب الكليني/ طهران/ دار الكتب الإسلاميَّة/ ط الرابعة/
١٣٦٥ش.
٢٠- كشف الغمَّة في معرفة الأئمَّة (عليهم السلام): عليّ بن عيسى الإربلي/ تبريز/
مكتبة بني هاشمي/ ١٣٨١ش.
٢١- كفاية الأثر في نصِّ الأئمَّة الاثني عشر: عليّ بن محمّد الخرّاز القمّي/ قم/
بيدار/ ١٤٠١هـ.
٢٢- كمال الدين: محمّد بن عليِّ بن بابويه القمّي/ قم/ دار الكتب الإسلاميَّة/ ط
الثانية/ ١٣٩٥هـ.
٢٣- كمال الدين: محمّد بن عليِّ بن بابويه الصدوق/ ترجمة: منصور پهلوان/ مسجد
مقدَّس جمكران/ ط الثانية/ ١٣٨٢ش.
٢٤- مقالات حول إمام العصر (عليه السلام): سيِّد حسن افتخار زاده/ طهران/ نيك
معارف/ ط الرابعة/ ١٣٧٧ش.
٢٥- المسائل: عليّ بن جعفر (عليه السلام)/ قم/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط
الأُولى/ ١٤٠٩هـ.
٢٦- مكتب در فرآيند تكامل: سيِّد حسين المدرِّسي الطباطبائي/ ترجمة: هاشم ايزد
پناه/ ط الثانية/ ١٣٨٥ش.
٢٧- منتخب الأنوار المضيئة: سيِّد بهاء الدين عليّ بن عبد الكريم النيلي/ قم/
١٤٠١هـ.
٢٨- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام): لطف الله الطافي الگلپايگاني/
قم/ مؤسَّسة السيِّدة معصومة (عليها السلام)/ ط الأُولى/ ١٤١٩هـ.
٢٩- مهج الدعوات: السيِّد رضي الدين عليِّ بن موسى بن طاووس/ كتابخانه سنائي.
٣٠- المهدويَّة وإحياء الدين: عبد الكريم سروش/ مجلَّة آفتاب/ رقم ١٢/ ١٣٨٠ش.
الآثار المهدويّة من النصف الثاني من القرن الخامس إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري
السيّد علي الحسيني
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:
استشهد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة (٢٦٠هـ)(١)،
ولم يطَّلع أحدٌ على وَلَدِه الإمام المهدي (عليه السلام) إلَّا عدَّة معدودة من
ثقاة أصحابه ومواليه.
فقد نقل الحسن بن موسى النوبختي وسعد بن عبد الله الأشعري، اللذان عاصرا تلك البرهة
من التأريخ، أنَّ الشيعة في ذلك العصر لم يجيزوا لأنفسهم الحديث حول الإمام الغائب
(عليه السلام)، ولا البحث في القضية المهدوية، خوفاً على أرواحهم من الخطر المحدق
بهم على الدوام(٢).
ولكن، وبمرور الزمان، وانتشار المذهب الإماميّ بين المسلمين، بدأ عدد المعتقدين
بالإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته عن الأنظار يزداد شيئاً فشيئاً.
ومن جهة أُخرى، ازداد عدد المخالفين لهذا الأمر، وكثرت الإثارات المغرضة حول
المهدوية، وهو ما يظهر لنا واضحاً من خلال مطالعة الكتب والمؤلَّفات في القرون
اللاحقة لتلك الحقبة. وقد كان القرن الخامس إلى القرن السابع الهجري، من جملة مقاطع
هذا الدور من أدوار الفكر المهدويّ.
وللتعرّف أكثر على هذا الأمر، سنمرُّ مروراً سريعاً على هذه الكتب، ونتوقَّف قليلاً
عند بعض موضوعاتها المهمَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٣٦.
(٢) فِرَق الشيعة للنوبختي:
١١٠؛ المقالات والفِرَق للأشعري: ١٠٤.
١- كتاب
المقنع في الإمامة:
تأليف الشيخ الجليل عبيد الله بن عبد الله السدآبادي.
ليس بين أيدينا الكثير حول حياة الشيخ عبيد الله بن عبد الله السدآبادي مؤلِّف
كتاب (المقنع في الإمامة)، وهو من أعلام القرن الخامس الهجري، إلَّا ما ذكره ابن
شهرآشوب (٥٥٨هـ) في كتابه (معالم العلماء)، حيث يقول: عبيد الله بن عبد الله
السدآبادي، له (عيون البلاغة في أُنس الحاضر ونقلة المسافر) أو (المقنع في
الإمامة).
وقد صار كلام ابن شهرآشوب هذا مصدراً لعلماء الرجال وكُتّاب الفهارس فيما بعد، فلم
يذكروا في السدآبادي أكثر ممَّا ذكره ابن شهرآشوب.
ولذا، ليس في أيدينا معلومات دقيقة وموثَّقة عن تأريخ ولادة وسنة وفاة السدآبادي،
ولا يسعنا إلَّا القول بأنَّه كان معاصراً لشيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله)، لأنَّ
ابن شهرآشوب ذكر اسم هذا العلم في كتابه (معالم العلماء)، وهو تتمَّة ومكمِّلٌ
لكتاب فهرست الشيخ الطوسي. ومن هنا نستنتج أنَّ (السدآبادي) كان معاصراً للشيخ
الطوسي، ولكنَّ الشيخ لم يذكره في الفهرست(٣).
وهذا الكتاب (المقنع في الإمامة) وكما يظهر من عنوانه يدور حول الإمامة، ويحتوي على
مقدَّمة وعشر فصول، تتضمَّن البحث في ماهية الإمامة، منافع وجود الإمام، الشرائط
اللازم توفّرها في الإمام، اختلاف الأُمَّة في أمر الإمامة، ومباحث أُخرى في خصوص
إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
ويتناول المؤلِّف في الفصلين الأخيرين مسألة إمامة المهدي (عليه السلام) بالبحث،
ففي الفصل التاسع يشير بدايةً إلى وجوب وجود النصِّ على الإمام، ووجوب اتِّصافه
بالعصمة، وأنَّ إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كانت مستندة
إلى النصوص الواردة فيها من قِبَل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ
إمامة الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام) كانت مصرَّحة في النصِّ الوارد عليه من
قِبَل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) المقنع في الإمامة: ٢٠ و٢١.
قِبَل رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلّم)، وهكذا إمامة الإمام الحسين (عليه السلام) منصوصة من قِبَل رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام عليّ بن أبي طالب والإمام الحسن بن عليّ
(عليهما السلام)، وهكذا حال سائر الأئمَّة من ولد الحسين (عليهم السلام) حتَّى
الإمام الثاني عشر، وإنَّ إمامة كلِّ واحدٍ من هؤلاء الأطهار كانت منصوصة عليها من
قِبَل من سبقه من المعصومين.
ويقول في خصوص إمامة الإمام الثاني عشر (عليه السلام):
(ونصَّ الحسن على وَلَده الخَلَف الصالح صلوات الله عليهم أجمعين...، فلمَّا أدركته
الوفاة (عليه السلام) فجمع شيعته وأخبرهم أن ولده الخلف صاحب الأمر (عليه السلام)،
وأنَّ أبا محمّد عثمان بن سعيد العمري وكيله، وهو بابه، والسفير بينه وبين شيعته،
فمن كانت له حاجة يقصده كما كان يقصده في حياته).
ثمّ يعطف المؤلِّف على ذكر النوّاب الأربعة، ويعبِّر عنهم بلفظ (باب)، وأوَّلهم
عثمان بن سعيد العمري، والذي نصَّبه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأودع
أهله وعياله عنده، ولمَّا قربت وفاة عثمان بن سعيد العمري أوصى وبأمر من الإمام
المهدي (عليه السلام) إلى ولده محمّد بن عثمان، كنائب خاصٍّ للإمام المهدي (عليه
السلام).
وحين وفاة محمّد بن عثمان بن سعيد العمري أوصى بأمرٍ من الإمام المهدي (عليه
السلام) إلى الحسين بن روح النوبختي، فكان النائب الخاصّ الثالث للإمام المهدي
(عليه السلام) في زمن الغيبة، وأخيراً وحينما دنت وفاة الحسين بن روح أوصى وبأمرٍ
من الإمام المهدي (عليه السلام) إلى عليّ بن محمّد بن سهل السمري، فكان آخر النوّاب
الأربعة الخاصّين للإمام المهدي (عليه السلام)، وبموته لم يعين أحدٌ كنائب خاصّ(٤).
ويشير المؤلِّف في الفصل العاشر من كتابه إلى عدد الأئمَّة (عليهم السلام)، وينقل
روايات عن أهل السُّنَّة وعن الشيعة في أنَّ عدد الأئمَّة اثنا عشر إماماً عليهم
أفضل الصلاة والسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) المقنع في الإمامة: ١٤٦ - ١٤٨.
ومن جملة الروايات التي ينقلها عن
أهل السُّنَّة، رواية ابن مسعود وأنَّه سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
قائلاً: كم الخلفاء بعدك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هم اثنا عشر، على عدد
نقباء بني إسرائيل».
ومن الروايات التي يذكرها عن المصادر الشيعية، الخبر المعروف بخبر اللوح، والذي
ينقله جابر بن عبد الله الأنصاري للإمام السجّاد (عليه السلام)، من أنَّ جابراً:
... رَأَى فِي يَدِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) لَوْحاً أَخْضَرَ مِنْ
زُمُرُّدَةٍ، فِيهِ كِتَابَةٌ بَيْضَاءُ.
فَقَالَ جَابِرٌ: قُلْتُ لَهَا (عليها السلام): مَا هَذَا اللَّوْحُ يَا بِنْتَ
رَسُولِ اللهِ؟
فَقَالَتْ: «لَوْحٌ أَهْدَاهُ اللهُ إِلى أَبِي، وَأَهْدَاهُ أَبِي إِلَيَّ، فِيهِ
اسْمُ أَبِي وَاسْمُ بَعْلِي وَالْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِي».
ويذكر المؤلِّف روايات أُخرى في هذا السياق(٥).
ومن الأُمور اللافتة للنظر في هذا الكتاب أنَّ المؤلِّف يتناول حياة إمامين من
الأئمَّة (عليهم السلام) بالتفصيل والإسهاب، الأوَّل منهما: أمير المؤمنين عليّ بن
أبي طالب (عليه السلام)، حيث يبحث بشكل مطوَّل في حياته، وثانيهما: الإمام صاحب
العصر والزمان (عليه السلام)، حيث يتطرَّق لجوانب كثيرة مرتبطة به (عليه السلام)،
وأمَّا بقية الأئمَّة (عليهم السلام) فيكتفي بذكر أسمائهم دون أن يتطرَّق إلى
حياتهم، وهذا يكشف بوضوح عن أهمّية مسألة إمامة إمام الحجَّة (عليه السلام) في
القرن الخامس.
٢- كتاب الاحتجاج:
ومن الآثار القيمة الأُخرى الباقية من القرن السادس الهجري كتاب (الاحتجاج)، تأليف
العلّاَمة الخبير أبي منصور أحمد بن عليِّ بن أبي طالب الطبرسي.
وسنة ولادة ووفاة الطبرسي مجهولة لدينا. وهو من علماء القرن الخامس، وقد أدرك أوائل
القرن السادس(٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد ذكره أصحاب التراجم بعنوان:
الفقيه، الفاضل، والمحدِّث الثقة(٧).
ويتضمَّن كتاب (الاحتجاج) احتجاجات ومناظرات المعصومين (عليهم السلام)، من خاتم
الأنبياء إلى الإمام الحجَّة المنتظر (عليهم السلام)، وبعض أصحابهم وأنصارهم.
ولذا، فإنَّ الكتاب مصنَّفٌ على أربعة عشر فصلاً، يتناول كلُّ فصلٍ من فصوله كلام
أحد المعصومين (عليهم السلام).
وخَصَّص المؤلِّف القسم الأخير من الكتاب لكلمات وتوقيعات ومكاتيب حضرة وليِّ العصر
والزمان (عليه السلام).
هذا وذكر المصنِّف مضافاً إلى ذلك في بعض صفحات الكتاب كلمات المعصومين (عليهم
السلام) وأحاديثهم في خصوص آخر الحُجج الإلهية إلى الإمام المهدي (عليه السلام)،
وكمثال على ذلك نقل حديث (اللوح) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، حيث ورد في اللوح:
«ثُمَ أُكْمِلُ دِينِي بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْهِ
كَمَالُ مُوسَى، وَبَهَاءُ عِيسَى، وَصَبْرُ أَيُّوبَ، سَيِّدُ أَوْلِيَائِي،
سَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ، وَتُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى
رُؤُوسُ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ، وَيَكُونُونَ
خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ، تُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ، وَيَفْشُو
الْوَيْلُ وَالرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِم»(٨).
وفي الحديث إشارة إلى أوضاع محبّي الإمام (عليه السلام) في زمان غيبته، وما يقاسونه
من المحن والمصائب.
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) ينقله المصنِّف، في بيان الحكمة من
الغيبة، حيث جاء في كلام الصادق (عليه السلام):
«... وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَاتِ مَنْ
تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، إِنَّ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي
ذَلِكَ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَمَا لَمْ يَنْكَشِفْ وَجْهُ
الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَاهُ الخِضْرُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ، وَقَتْلِ
الْغُلَامِ، وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ، لِمُوسَى (عليه السلام) إِلَى وَقْتِ
افْتِرَاقِهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَا ابْنَ الْفَضْلِ، إِنَّ هَذَا
الْأَمْرَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللهِ، وَغَيْبٌ
مِنْ غَيْبِ اللهِ، وَمَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ حَكِيمٌ صَدَّقْنَا بِأَنَّ
أَفْعَالَهُ كُلَّهَا حِكْمَةٌ وَإِنْ كَانَ وَجْهُهَا غَيْرَ مُنْكَشِفٍ»(٩).
فالإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الرواية يبين أنَّ لغيبة الإمام المهدي (عليه
السلام) حكمة، ولكنَّ هذه الحكمة خافية علينا حتَّى يكون الظهور المبارك له (عليه
السلام)، فتظهر لنا الحكمة من غيبته، كما كانت الأفعال التي قام بها الخضر خافية
الحكمة عن موسى (عليه السلام) حتَّى حان وقت افتراقهما، فكذلك الحكمة في غيبة
الإمام المهدي (عليه السلام)، وهذا الأمر سرٌّ من الأسرار الإلهية.
ومن جهة أُخرى، نحن نعلم بأنَّ الله تعالى حكيمٌ، وأنَّ كلَّ أفعال الله (عزَّ
وجلَّ) لها حكمة ومصلحة، وإن خفيت علينا تلك الحكمة.
ومن جملة الروايات التي ينقلها الطبرسي في هذا الكتاب، رواية عن الإمام الرضا (عليه
السلام) في أوصاف وخصائص صاحب الأمر، حيث ورد في كلام الرضا (عليه السلام) للسيد
عبد العظيم الحسني:
«مَا مِنَّا إِلَّا قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ، وَهَادٍ إِلَى دِينِ اللهِ،
وَلَكِنَّ الْقَائِمَ مِنَّا هُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ اللهُ الْأَرْضَ بِهِ مِنْ
أَهْلِ الْكُفْرِ وَالجُحُودِ، وَيَمْلَأُهَا عَدْلًا وَقِسْطاً. هُوَ الَّذِي
يَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، وَيَحْرُمُ
عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ وَكَنِيُّهُ، وَهُوَ
الَّذِي تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ، وَيَذِلُّ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ، يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ
مِنْ أَصْحَابِهِ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ (ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ)
رَجُلًا مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿أَيْنَ
ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[البقرة: ١٤٨]، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ أَهْلِ
الْإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ، وَإِذَا كَمُلَ لَهُ الْعَقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ
آلَافِ رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ
أَعْدَاءَ اللهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى».
قال عبد العظيم: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ قَدْ
رَضِيَ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) الاحتجاج ٢: ١٤٠.
قَالَ: إِنَّ اللهَ يُلْقِي فِي
قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ أَخْرَجَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
فَأَحْرَقَهُمَا(١٠).
فكما نلاحظ فإنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) يبين أنَّ من خصائص المهدي (عليه
السلام) خفاء ولادته، غيبته، وحرمة تسميته باسمه.
ثمّ يذكر الإمام (عليه السلام) بعض الأُمور المتعلِّقة بالأمر، من قبيل عدَّة أصحاب
الإمام المهدي، وأنَّهم بعدَّة أهل بدر، وأنَّه يقارع الظالمين وأعداء الله بلا
هوادة، حتَّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وكما أشرنا فيما سبق، فإنَّ الطبرسي قد جمع في هذا الكتاب احتجاجات المعصومين
(عليهم السلام) ونقلها، ومن جملة تلك الاحتجاجات كلمات وأحاديث الإمام المهدي (عليه
السلام)، والتي خَصَّص لها قسماً من أقسام الكتاب.
وفي هذا القسم يتعرَّض الطبرسي فقط ما عدا مورداً أو موردين إلى التوقيعات الشريفة
الصادرة عن إمام العصر والزمان (عليه السلام) في المناسبات والمسائل المختلفة.
فبعض هذه التوقيعات صدرت في معرض الإجابة عن أسئلة الشيعة التي كانوا يكتبونها،
وبعضها صادرة رأساً عنه (عليه السلام)، والتي تتضمَّن مسائل من قبيل:
١- ردِّ الغلاة.
٢- ردِّ أدعياء البابية والنيابة عنه.
٣- بيان النوّاب والسفراء الواقعيين.
٤- حول شروع الغيبة الكبرى له (عليه السلام).
٥- بعض المسائل الفقهية.
٦- تقديمه العزاء والتسلية في بعض المسائل، كموت الشيخ عثمان العمري، أو موت الشيخ
المفيد.
٧- المكاتيب الموجَّهة إلى نوّابه الأربعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) الاحتجاج ٢: ٤٨١ و٤٨٢.
وأوَّل حديث ينقله الطبرسي في باب
احتجاجات إمام الزمان (عليه السلام)، هو عن سعد بن عبد الله الأشعري القمّي.
والقضية كما في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٤٦١) أنَّ سعد بن عبد الله القمّي الأشعري قال:
بُلِيتُ بِأَشَدِّ النَّوَاصِبِ مُنَازَعَةً، فَسَأَلَنِي عَن مَسَائِلٍ عَييتُ عَن
الإِجَابَة عَنهَا، فَاحْتَرَزْتُ عَنْ جَوَابِ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ عَنْ هَذَا
الْخَصْمِ عَلَى حَالٍ يَنْقَطِعُ كَبِدِي، فَأَخَذْتُ طُومَاراً وَكَتَبْتُ
بِضْعاً وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مِنَ المَسَائِلِ الْغَامِضَةِ الَّتِي لَمْ
يَكُنْ عِنْدِي جَوَابُهَا، فَقُلْتُ: أَدْفَعُهَا إِلَى صَاحِبِ مَوْلَايَ أَبِي
مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) الَّذِي كَانَ فِي قُمَ أَحْمَدَ
بْنِ إِسْحَاقَ، فَلَمَّا طَلَبْتُهُ كَانَ هُوَ قَدْ ذَهَبَ، فَمَشَيْتُ عَلَى
أَثَرِهِ، فَأَدْرَكْتُهُ، وَقُلْتُ الْحَالَ مَعَهُ، فَقَالَ لِي: جِئْ مَعِي
إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى حَتَّى نَسْأَلَ عَنْ هَذِهِ المَسَائِلِ مَوْلَانَا
الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى،
ثُمَّ جِئْنَا إِلَى بَابِ دَارِ مَوْلَانَا (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَّا
عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا، فَدَخَلْنَا الدَّارَ، وَكَانَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ
إِسْحَاقَ جِرَابٌ قَدْ سَتَرَهُ بِكِسَاءٍ طَبَرِيٍّ، وَكَانَ فِيهِ مِائَةٌ
وَسِتُّونَ صُرَّةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا
خَاتَمُ صَاحِبِهِا الَّذِي دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَلَمَّا دَخَلْنَا وَقَعَتْ
أَعْيُنُنَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام)،
كَأَنَّ وَجْهَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَقَدْ رَأَيْنَا عَلَى فَخِذِهِ
غُلَاماً يُشْبِهُ المُشْتَرِيَ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، وَكَانَ عَلَى
رَأْسِهِ ذُؤَابَتَانِ...(١١).
فأوَّل احتجاج ينقله صاحب (الاحتجاج) بحسن انتخابه، ينقله عن شخص رأى الإمام المهدي
(عليه السلام) في زمن والده الإمام العسكري (عليه السلام)، وتشرَّف بلقائه زمن
صباه.
وآخر توقيع يذكره الطبرسي، هو التوقيع الصادر عن الإمام الحجَّة (عليه السلام)،
والذي جاء في آخره:
«وَلَوْ أَنَ أَشْيَاعَنَا وَفَّقَهُمْ اللهُ لِطَاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ
مِنَ الْقُلُوبِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ، لَمَا تَأَخَّرَ
عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقَائِنَا، وَلَتَعَجَّلَتْ لَهمُ السَّعَادَةُ
بِمُشَاهَدَتِنَا عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) الاحتجاج ٢: ٥٢٣ - ٥٣٥.
حَقِّ المَعْرِفَةِ وَصِدْقِهَا
مِنْهُمْ بِنَا، فَمَا يَحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَّصِلُ بِنَا مِمَّا
نَكْرَهُهُ، وَلَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُمْ، وَاللهُ المُسْتَعانُ، وَهُوَ حَسْبُنَا
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَصَلَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا الْبَشِيرِ النَّذِيرِ،
مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِين»(١٢).
ونقل هذا التوقيع في نهاية هذا القسم من الكتاب يكشف عن حُسْن تدبير وحسن انتخاب
الطبرسي، فهو يحاول تذكيرنا بمشكلتنا الأساسية في زمن الغيبة، وبالحكمة من الغيبة.
٣- كتاب المنقذ من التقليد:
تأليف الشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المتوفّى في أوائل القرن السابع
الهجري، والشيخ محمود من أعلام القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجري. لم يرد
تأريخ ولادته في كلمات أرباب السير والتراجم، فقد اكتفى الشيخ (منتجب الدين) وهو
تلميذ الشيخ محمود، في كتابه الفهرست بالقول:
(الشيخ الإمام سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، علَّامة زمانه في
الأُصوليين، ورع ثقةٌ، له تصانيف...)(١٣).
وهذا الوصف يكشف بوضوح مقام وشأن الشيخ محمود العلميّ.
أكثر مؤلَّفات الشيخ التي تتداول أسماؤها في المحافل العلمية، هي في علم الكلام
والعقائد الإسلامية، ومن جملتها كتاب (المنقذ من التقليد)، والذي يعَدُّ دورة
عقائدية كاملة في الكلام الإسلامي الشيعي.
وهذا الكتاب أجمع وأكمل كتاب إسلامي كُتِبَ في القرن السادس الهجري، وكما يذكر نفس
الشيخ في مقدَّمته بأنَّه كتبه استجابة لطلب الناس ووجهاء مدينة الحلَّة في سنة
(٥٨١هـ).
واستناداً إلى رأي العلَّامة الطهراني في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)، فإنَّ
الشيخ محمود قد انتقل إلى الديار الباقية في أوائل القرن السابع الهجري(١٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الاحتجاج ٢: ٦٠٢.
(١٣) الفهرست (أسماء علماء
الشيعة مصنِّفيهم) لابن بابويه الرازي: ١٠٧/ الرقم ٣٨٩.
(١٤) المنقذ من التقليد: ٥
- ١٢.
وقد طُبِعَ هذا الكتاب ونُشِرَ
بمجلَّدين من قِبَل مؤسَّسة نشر جامعة المدرِّسين.
ويتعرَّض المؤلِّف في القسم النهائي للمجلَّد الثاني إلى مسألة إمامة إمام العصر
والزمان (عليه السلام) وغيبته، والبحث الذي يبدأ به ذلك القسم من الكتاب هو السؤال
عن غيبة الإمام (عليه السلام)، وأين هو؟ ولماذا لا يظهر؟ وما هي علَّة الغيبة؟
فيقول المصنِّف في معرض الجواب عن ذلك: لو قبلنا الأُصول التي ذكرناها في البحوث
السابقة في هذا الكتاب، لن يبقَ إيراد وإشكال في خصوص هذه الأُمور، بل سيكون من
الحسن والضروري، والأُصول التي نعنيها هي:
١- أنَّ الأئمَّة من بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر
إماماً، وآخرهم هو إمام العصر والزمان (عليه السلام).
٢- لا يخلو عصرٌ من إمام زمان.
٣- يجب أن يكون الإمام معصوماً من الصغائر والكبائر.
٤- أنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة(١٥).
فمع قبول هذه الأُصول تكون غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) موجَّهة وحسنة، إذ
أنَّ هناك عدَّة آراء في المجتمع الإسلامي حول مسألة الإمامة:
ألف) فعدَّة منهم يذهب إلى إمكان خلوِّ الأُمَّة عن الإمام.
ب) وعدَّة قالوا بعدم اشتراط العصمة في الإمام.
ج) وعدَّة قالوا بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام).
يقول المصنِّف: وقد تقدَّم في البحوث السابقة ما يثبِت بطلان الرأي الأوَّل والرأي
الثاني بكلِّ وضوح، فلا يبقى إلَّا الرأي الثالث، إذ لو قلنا ببطلان هذا الرأي
أيضاً لزم أن يخرج الحقُّ عن الأُمَّة، وهو مخالف للأُصول المسلَّمة والمقبولة.
وعليه، فالإمام المهدي (عليه السلام) موجودٌ، وهو يتولّى قيادة وإمامة الأُمَّة،
وهذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) أي إنَّ الأُمَّة لا تجتمع على الخطأ، ولا بدَّ أن يكون للحقِّ أتباع وأنصار في الأُمَّة الإسلاميَّة.
الإمام غائب عن أنظارنا، ونحن نقول
بعصمته عن المعاصي، ولذا فإنَّ غيبته لا بدَّ أن تستند إلى علَّة أو عوامل اضطرَّته
إلى الغيبة عن الأنظار. فإذا ما جهلنا تلك العلَّة أو العوامل، فإنَّ ذلك لا يقدح
في أمر غيبته (عليه السلام).
فكما أنَّنا نقول في خصوص خلق الحيوانات المؤذية، أو في خصوص عموم الأُمور التي
تبدو بظاهرها شروراً في المجتمع البشري، أو ما نقوله في خصوص الجواب عن الشبهة
المطروحة في مسألة الأمراض التي تُبتلى بها المجتمعات، وأنَّ كلَّ ذلك من الله
الحكيم العادل الذي لا يفعل القبيح، فكلُّ واحدٍ من هذه الأُمور يتضمَّن حكمة تجعل
تحقُّق ذلك الأمر حسناً، فلا تُعَدُّ تلك الأُمور قبيحة أبداً في حقيقتها، وهي من
الله تعالى، فلا يرد عليها أيُّ إشكال وإيراد.
نعم، فصحيحٌ أنَّنا لا نعلم بحكمة تلك الأُمور بنحو التفصيل والدقَّة، لكنَّنا نعلم
بنحو الإجمال بحسن هذه الأُمور وفائدتها، ولا نرى قبحاً في تحقّقها، وهذا المقدار
من العلم كافٍ لحلِّ الشبهة والإشكال المطروح في مثل هذه الأُمور.
وكذلك غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، فهو على نفس هذا المنوال، فنحن نعلم بنحو
الإجمال بأنَّ غيبته مبتنية على أساس الحكمة والمصالح، وإن كنّا لا نعلم بنحو
التفصيل والدقَّة، وهذا لا يدعو إلى الاستشكال على أصل الغيبة، فحتَّى لو ذكرنا
عدَّة أدلَّة وبنحو التفصيل، وذكرنا المصلحة أو المصالح لغيبة إمام العصر والزمان
(عليه السلام)، فهي ليست إلَّا أمراً تبرعياً.
ونشير هنا إلى بعض هذه الأدلَّة والمصالح، التي ذكرها
الأصحاب وأعاظمنا:
فمن جملة دواعي الغيبة، الخوف على حياة الإمام المهدي (عليه السلام)،
فالظالمون والطواغيت يرتجفون من ظهور الإمام وحضوره (عليه السلام)، إذ أنَّ
الأحاديث والروايات الواردة في خصوص ظهور الإمام (عليه السلام) وحكومته، تُخبِرنا
عن أنَّ ظهوره الشريف
يعني إزالة الظلم والجور واقتلاع
جذورها وملء الأرض قسطاً وعدلاً، فالمستكبرون وأتباع الشيطان لا يطيقون وجود الإمام
وحضوره، وسيحاولون بكلِّ الوسائل قتل الإمام (عليه السلام)، وهذا ما يدعو الإمام
(عليه السلام) للتخفّي خوفاً على حياته.
وبعبارة أُخرى: يمكننا القول بوجود مانع من ظهوره (عليه السلام)، وهذا المانع أوجده
الطواغيت والظلمة.
فإذا كان الإمام (عليه السلام) خائفاً، لزم أن يحافظ على نفسه، ويختفي عن الأنظار
خلف ستار الغيبة، كما حافظ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على نفسه
حينما خاف بطش قريش، فاختفى في الغار، وفي شعب أبي طالب(١٦).
وبعد أن بيَّن الحمصي علل الغيبة تناول بالتفصيل الردَّ على الشبهات المطروحة حول
الغيبة، ويجيب عليها جميعاً.
ففي معرض جوابه عن شبهة عدم لقاء مواليه وشيعته به (عليه السلام)، وعدم انتفاعهم من
وجوده(١٧)،
يذكر المصنِّف عدَّة أجوبة، ثمّ يقول معقِّباً:
(فلا يلزمنا إيراد شيء من هذه الوجوه... بلطف الإمامة... في حال غيبته، حاصل كحصوله
في حال ظهوره... قول صحيح قويٌّ...، إنَّما هم الذين علموا بالدليل وجوده وإمامته
وفرض طاعته، وأنَّه لا بدَّ له من خروج...، ولا يكون معهم شكٌّ وريب في ذلك، ومن
كذلك لا بدَّ من أن يكون خائفاً عند اقترافه معصية عرفه عليها من أن يطَّلع عليها
الإمام، إمَّا بمشاهدة أو بإقامة بيِّنة عنده، فيقيم عليه ما يستحقّه من التأديب
والحدّ، ويكون خوفه من ذلك بأحد وجهين: إمَّا بالظهور العامّ لجميع الخلق على ما هو
موعود في حقِّه (عليه السلام)، وإمَّا بظهوره خاصَّة لإقامة حدِّ الله عليه، إذ لو
ظهر له خاصَّة لما أمكنه مقاومته والامتناع ممَّا يريده من إقامة الحدِّ عليه، ولا
يستجيز أيضاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) المنقذ من التقليد:
٣٧٢ - ٣٧٤.
(١٧) المنقذ من التقليد:
٣٨٠.
مخالفته وأن لا ينقاد له وإن فرضنا
قدرته على ذلك، إذ لو استجاز ذلك لخرج عن الولاية إلى العداوة، ولما كان وليّاً بل
عدوّاً، فتحقَّق بما بيَّناه أنَّ الوليَّ لا يفوته الانتفاع بلطف الإمامة في حال
غيبة الإمام)(١٨).
ثمّ يتطرَّق الحمصي بعد ذلك إلى شبهة التعجّب من الولادة ووجود حضرة صاحب الزمان
(عليه السلام). ومن جملة ما جاء في جوابه عن شبهة عدم اطِّلاع الناس في ذلك الزمان
على ولادته، بل وحتَّى أبناء عمومته وأقربائه ومنهم عمُّه جعفر لم يكونوا يعلمون
بولادته، وأنكروها(١٩)،
فيقول: إنَّ التمسّك بالتعجّب لإبطال مذهبٍ أو عقيدةٍ ما، لا قيمة له، فإنَّ الأمر
الذي ثبت بالأدلَّة القطعية، لا يمكن إبطالُه بمجرَّد الغرابة. هذا مضافاً إلى أنَّ
خفاء قضية الولادة عن عموم الناس، وحتَّى عن الأقرباء وأبناء العمومة، ليس أمراً
خارقاً للعادة ومخالفاً لها، فمثل ذلك حصل كثيراً في سيرة الأنبياء الماضين، وكذلك
في حياة الملوك والزعماء، بل وحتَّى عند عامَّة الناس.
وفي النهاية يستنتج الحمصي بأنَّ خفاء الولادة أمرٌ عادي وليس شيئاً غريباً جدّاً
يجعله عجيباً لدرجة بلوغه الدليلية على الإنكار والإبطال.
هذا مضافاً إلى أنَّ عدَّة غير قليلة من شيعة الإمام العسكري (عليه السلام) قد
اطَّلعوا على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وهم من خُلَّص أصحابه وأنصاره،
وقد تشرَّفوا برؤيته (عليه السلام) في زمن والده العسكري (عليه السلام)، وقد سألوه
عن بعض المسائل فأجابهم.
كما أنَّ بعض الأوامر والنواهي كانت تصدر عنه (عليه السلام) في زمن الغيبة، وكان له
نوّاباً خاصّين عينهم بنفسه ليكونوا الرابط بينه وبين شيعته.
أضف إلى تشرّف البعض بلقائه (عليه السلام) في زمن الغيبة وزيارته والاستماع إليه(٢٠).
ثمّ يتطرَّق الحمصي إلى شبهة طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)، ويقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) المنقذ من التقليد:
٣٨٥ - ٣٨٦.
(١٩) المنقذ من التقليد:
٣٨٧ - ٣٨٨.
(٢٠) المنقذ من التقليد:
٣٨٨ - ٣٩١.
(وأمَّا تعجّبهم من طول بقائه
وعمره، ثمّ من طول استتاره، فالكلام عليه أن نقول: التعجّب من طول العمر إمَّا أن
يكون من حيث اعتقاد المتعجِّب أنَّ ذلك مستحيل، وهو غير مقدور، وإمَّا أن يكون من
حيث كونه خارقاً للعادة.
أمَّا الأوَّل فهو قول الدهرية والطبائعيّين الذين لا يقرّون بالصانع المختار
العالم، ويُكذِّبون بما جاء في القرآن من قوله تعالى في نوح: ﴿فَلَبِثَ
فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾ [العنكبوت: ١٤]، وفي أصحاب
الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥]، وبما هو مشهور بين الأُمَّة من قصَّة
المعمِّرين من الأنبياء والحكماء والملوك وغيرهم، على ما جاء في التفاسير والآثار
والقصص، وليس هذا من مذهب فرقة من فِرَق المسلمين.
وأمَّا الثاني وهو أنَّه خارق للعادة فلا شكَّ فيه، ولكنّا قد بيَّنا في الكلام في
النبوَّة أنَّ خرق العادة في حقِّ غير الأنبياء جائز حسن، وأنَّه ليس فيه وجه قبح،
ويوافقنا على ما ذكرناه الصوفيَّة وأصحاب الظاهر والأشعرية، فلا وجه للاستعجاب من
هذا الوجه أيضاً.
والتعجّب من طول استتاره وغيبته وعدم العثور على مستقرِّه، فممَّا لا يصحُّ التمسّك
به في إبطال وجوده، فكم من وليٍّ لله تعالى يسيح في الأرض يعبده تعالى، وينفرد عن
الخلق، لا يعرف أحد لهم مكاناً، ولا يدَّعي إنسان لقائهم ولا الاجتماع معهم، أليس
الخضر (عليه السلام) موجوداً قبل زمن موسى (عليه السلام) وإلى وقتنا هذا بإجماع أهل
النقل واتِّفاق أهل السير والأخبار؟)(٢١).
٤- تفسير روض الجِنان وروح الجَنان:
وهذا الأثر من التفاسير المعروفة عند الشيعة، وهو من مصنَّفات القرن السادس الهجري،
للمفسِّر الشيعي الكبير أبي الفتوح الرازي، الحسين بن علي بن محمّد بن أحمد الخزاعي
النيشابوري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) المنقذ من التقليد: ٣٩٨ - ٤٠١.
ومن جملة خصوصيات هذا الكتاب
المهمَّة، كتابته باللغة الفارسية. فهذا التفسير يتعرَّض بإسهاب لمسألة المهدوية،
نشير إلى بعض ما جاء فيه، فنقول:
يستدلُّ الشيخ أبو الفتوح على ضرورة وجود الإمام في ذيل الآية الكريمة: ﴿إِنَّ
اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (آل
عمران: ٥)، ويقول:
(إنَّ حكمة الحقِّ تعالى قد اقتضت أن لا يترك أعضاءَك السبعة بلا رئيس، فكيف تقتضي
حكمته تعالى أن يترك الأقاليم السبعة بلا إمام؟! فلا بدَّ لكلِّ زمانٍ من إمام،
ولكلِّ رعية من راعٍ، ولكلِّ قطيع قائد، وأنت مكلَّف بوجوب معرفته، فمعرفته من
الأُصول الإسلامية، ومن قواعد الإيمان، «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة
جاهلية»، كما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ففي هذا الخبر دليلان
على أصلين من أُصولنا: أحدهما أنَّ لكلِّ زمانٍ إمام، ولا يخلو الزمان من الإمام،
إذ إن لم يكن إمام لم يمكن التعرّف على الواجبات والمحرَّمات، وهو أيضاً دليلٌ على
وجوب معرفة ذلك الإمام، فمعرفة الإمام من أُصول الدين، ولو لا ذلك لما قال (صلّى
الله عليه وآله وسلّم): «مات ميتة جاهلية»(٢٢).
ويعتبر أبو الفتوح أنَّ أحد موارد الإيمان بالغيب الإيمان بمهديِّ الأُمَّة، فيقول
في تفسير ذيل الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
(البقرة: ٣):
(جاء في تفسير أهل البيت (عليهم السلام): الغيب هو مهديُّ الأُمَّة، فهو غائب عن
أنظار الخلق، وهو الموعود في الأخبار والقرآن...
فأمَّا الأخبار فهي كثيرة، منها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من
عمر الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ
اسمه اسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً وَقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً»، وهذا
خبر مذكور في كتب المخالفين والمؤالفين، وبأسانيد صحيحة)(٢٣).
ويعتقد صاحب تفسير روض الجنان بأنَّ إمام العصر والزمان (عليه السلام) وعدٌ إلهيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمؤمنين، ففي تفسيره للآية
الشريفة: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى
لَهُمْ﴾ (النور: ٥٥)، يقول:
(جاء في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) لهذه الآية أنَّ المراد بالخليفة صاحب
الزمان (عليه السلام)، الذي أخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخروجه في
آخر الزمان وأنَّه المهديّ، وقد أجمعت الأُمَّة الإسلامية على خروجه)(٢٤).
ثمّ يتعرَّض الشيخ أبو الفتوح الرازي لموضوع طول عمر إمام العصر والزمان (عليه
السلام)، فيقول في ذيل تفسيره قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلى
طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (البقرة: ٢٥٩):
(إنَّ الله تعالى قد خرق العادة والقانون الطبيعي في إبقاء وحفظ الطعام والشراب
السريعي التغيير، لمصلحة وحكمة، فأبقاهما سالمين عن التلف لمائة عام، أفلا يعقَل أن
يتلطَّف على شخص قد أُعِدَّ لإصلاح العالم بخرق العادة في إطالة عمره لعدَّة سنوات
خلافاً لما جرت السُّنَّة في أبناء نوعه من البشر، فلا يهرم ولا تضعف قواه؟)(٢٥).
وفي باب ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) يرى صاحب روض الجنان بأنَّ العلم بزمان
ظهور الإمام (عليه السلام) هو من مختصّات الله تعالى، فلا أحد يعلم بتأريخ الظهور
إلَّا هو (عزَّ وجلَّ)، وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَما
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ (آل عمران: ٧)، يقول المصنِّف:
(وما قالوه في تفسير المتشابه لعلم الساعة والعلم بفناء العالم وخروج الدجّال وخروج
يأجوج ومأجوج، قالوه في خروج المهديِّ (عليه السلام)، والعلم بالروح والعلم بالغيب،
فإنَّ كلَّ هذه الأُمور لا يعلمها أحدٌ إلَّا الله تعالى)(٢٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) روض الجنان ١٤: ١٧٠.
(٢٥) روض الجنان ٤: ٢٣.
(٢٦) روض الجنان ٤: ١٨٠.
ثمّ يتعرَّض المصنِّف في (روض
الجنان) إلى بيان بعض علامات ظهور الإمام (عليه السلام)، استناداً للآيات القرآنية.
ومن جملة علامات الظهور التي يذكرها المصنِّف، ما قاله في ذيل الآية المباركة: ﴿وَلَوْ
تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١):
(جاء في الأخبار أنَّ علامة خروج المهديِّ (عليه السلام) خسف في المشرق، وآخر في
المغرب، وآخر في البيداء، وعلامته خروج السفياني. ففي هذا الخبر الذي ذكر راية
الهُدى التي تخرج في الكوفة، ليست إلَّا راية المهدي (عليه السلام)، على ما جاء في
الأخبار)(٢٧).
كما ويتعرَّض أبو الفتوح الرازي في موارد مختلفة إلى خصائص العالم في عصر الظهور،
ونشير هنا إلى بعضها:
٤/١- تشكيل حكومة المستضعفين العالمية:
قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥):
(روى أصحابنا أنَّ هذه الآية نزلت في شأن المهديِّ (عليه السلام)، فإنَّ الله تعالى
يمنُّ عليه وعلى أصحابه بعد استضعافهم، ويجعله إماماً لكلِّ الأرض ووارثاً لها)(٢٨).
كما ويؤكِّد الرازي على نفس هذا المعنى في تفسيره للآية (٥٥) من سورة النور،
ويستدلُّ عليه(٢٩).
٤/٢- عصر غلبة الإسلام:
وفي معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، يقول:
(وأمَّا معنى الآية، فقد اختلف المفسِّرون فيه، فقال عبد الله بن عبّاس بأنَّ
(الهاء) تعود إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمَّا باقي المفسِّرين
فقد أرجعوا (الهاء) في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ إلى (الدِّين
الحقِّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) روض الجنان ١٦: ٨٥.
(٢٨) روض الجنان ١٥: ٩٤
و٩٥.
(٢٩) روض الجنان ١٤: ١٦٩
و١٧٠.
وقال أبو هريرة والضحّاك بأنَّ معنى
الآية هو: ليظهر الدين الحقّ على كلِّ الأديان، وذلك عند نزول عيسى بن مريم، فلا
يبقى أحدٌ إلَّا ودخل الإسلام طوعاً ومكرهاً، أو يعطي الجزية عن يدٍ وهو صاغر.
وهاتان الروايتان متقاربتان، لأنَّ نزول عيسى من السماء يقارن خروج المهدي (عليه
السلام)، كما جاء ذلك في أخبار المخالف والمؤالف)(٣٠).
٤/٣- إرجاع حُليّ بيت المقدس:
ويقول (رحمه الله) في تفسيره للآية (٤ - ٨) من سورة الإسراء المباركة:
(ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ثمّ يرجِعُ المهديُّ حُليَّ بيت
المقدس، أخذوها في (١٧٠٠) سفينة، وإنَّ الله يجمع الأوَّلين والآخرين في بيت
المقدس»(٣١).
٤/٤- الرجعة:
ويقول الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره الآية: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٢٤٣):
(وهذه الآية دليلٌ على القول بالرجعة، ولقطع الشغب والتعجّب والاستبعاد)(٣٢).
٤/٥- عيسى (عليه السلام) في آخر الزمان:
وقال الرازي (رحمه الله) في تفسيره للآية الكريمة: ﴿وَإِنَّهُ
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
(الزخرف: ٦١):
(وفي الحديث: «ينزل عيسى على ثنية من الأرض المقدَّسة يقال لها: أفيق، وعليه
ممصّرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وهي التي يقتل بها الدجّال، فيأتي بيت
المقدس والناس في صلاة العصر، والإمام يؤمُّ بهم، فيتأخَّر الإمام فيُقدِّمه عيسى
ويُصلّي خلفه على شريعة محمّد، ثمّ يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويُخرب البيع
والكنائس، ويقتل النصارى إلَّا من آمن به»)(٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠) روض الجنان ٩: ٢٢٦.
(٣١) روض الجنان ١٢: ١٦٤.
(٣٢) روض الجنان ٤: ٣٣٥.
(٣٣) روض الجنان ١٧: ١٨٢.
٥- تفسير
مجمع البيان:
تأليف الشيخ الجليل أمين الإسلام، أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي،
وهو من كبار علماء مذهب الإمامية في القرن السادس الهجري.
وهذا التفسير الشريف من جملة الكتب الخالدة على مرِّ الزمان، وهو تفسير مقبولٌ عند
العامَّة والخاصَّة. وقد أذعن كبار علماء الطائفتين الشيعة والسُّنَّة بعظمة ومكانة
الشيخ الطبرسي، وذكروه بإجلال.
قالوا بأنَّ الشيخ الطبرسي وُلِدَ في سنة (٤٤٧هـ)، وإنَّه فارق الحياة سنة (٥٤٨هـ)(٣٤).
لقد ترك هذا العالم الجليل آثاراً كثيرة، منها تفسيران آخران للقرآن الكريم باسم
(جوامع الجامع) و(الكافي الشافي).
وهذا الشيخ الجليل قد تعرَّض للمسألة المهدوية في تفسيره القيم (مجمع البيان)، وفي
عدَّة مواضع، منها:
المهدي من آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله):
طبَّق الشيخ الطبرسي في مجمع البيان (العباد الصالحين) الذي ورد ذكرهم في الآية
الشريفة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)
على أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)(٣٥).
الإيمان بالغيب:
ويرى العلَّامة الطبرسي بأنَّ موارد (الإيمان بالغيب) المذكورة في القرآن
الكريم باعتبارها من خصائص أهل التقوى، يراد بها غيبة إمام العصر والزمان وخروجه في
آخر الزمان(٣٦).
ظهور السفياني قبل ظهور صاحب الأمر (عليه السلام):
وينقل الطبرسي (رحمه الله) رواية عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن بن علي
(عليهم السلام) في ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى
إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١)
تتحدَّث عن السفياني وأنَّه من علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)(٣٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) الشيخ الطبرسي إمام
المفسِّرين في القرن السادس للسبحاني: ٨ و٩.
(٣٥) مجمع البيان ٧: ٦٦
و٦٧.
(٣٦) مجمع البيان ١: ٣٨؛
قال ما نصّه: (ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي (عليه السلام) ووقت
خروجه).
(٣٧) مجمع البيان ٨: ٣٩٧
و٣٩٨.
الرجعة في
زمان قيام المهديِّ (عليه السلام):
وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ
كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾
(النمل: ٨٣)، يقول العلَّامة الطبرسي:
(والشيعة القائلون بالرجعة يستدلّون بهذه الآية الشريفة عليها).
ظهور الدِّين الإسلامي:
إنَّ من خصائص عصر الظهور الشريف لإمام العصر والزمان (عليه السلام) انتشار
الإسلام في كلِّ الأرض، وقد وعد الله تعالى في كتابه الكريم بهذا الظهور، كما في
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
حكومة المؤمنين والصالحين:
ومن جملة الخصائص المهمَّة جدّاً لعصر الظهور، حكومة المؤمنين والصالحين
للأرض، وهو من الوعد الإلهي، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
ويشير الشيخ الطبرسي بدايةً إلى الاختلاف الموجود في تفسير هذه الآية الشريفة، ثمّ
يقول:
(ما وصلنا من أخبار أهل بيت العصمة والطهارة، يشير إلى أنَّ هذه الآية نزلت في
المهديِّ من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)).
ويطبِّق الشيخ الطبرسي الآية الشريفة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا
فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ
الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥) على أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)
مستنداً في ذلك إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ينقل رواية على ذلك(٣٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) مجمع البيان ٧: ٦٧.
٦- كتاب بعض
مثالب النواصب في نقض فضائح الروافض:
المعروف بـ (النقض)، تأليف: عبد الجليل القزويني الرازي.
كتاب (النقض) كتابٌ كلاميٌّ، رجاليٌّ أدبيٌّ، تأريخيٌّ، جغرافيٌّ، مضافاً إلى
اهتمامه بشؤون الملل والنحل.
وفي هذا الكتاب معلومات قيمة عن الشيعة وعن الآثار والعلماء، والآراء الكلامية
الشيعية، والتي قد لا يتيسَّر الحصول عليها في الكتب الأُخرى.
وكما يظهر من اسم الكتاب، فإنَّ المؤلِّف كتبه كجوابٍ على كتاب باسم: (بعض فضائح
الروافض)، والذي كُتِبَ للتشنيع على الشيعة.
وكاتب كتاب (بعض فضائح الروافض) غير معروف حتَّى في زمن عبد الجليل القزويني، وهو
ما يشير إليه القزويني في بداية الكتاب(٣٩).
ومن جملة المباحث التي يتضمَّنها هذا الأثر النفيس مبحث المهدوية وما يرتبط بها من
تفرّعات، فيجيب عبد الجليل القزويني (رحمه الله) على الشبهات التي يطرحها كاتب كتاب
بعض فضائح الروافض.
ويصرِّح القزويني في موضع من كتابه بأنَّ خاتم الأوصياء والإمام المعصوم هو الإمام
المهدي (عليه السلام)(٤٠).
ويقول في الردِّ على شبهة حول ظهور الإمام الحجَّة (عليه السلام):
(وأمَّا إنكاره لظهور القائم (عليه السلام)، فكان عليه أن يراجع التواريخ، فإنَّ
أصحاب الحديث يصرِّحون بأنَّ من أيقن نزول عيسى المسيح في آخر الزمان، لا ينكر
المهدي (عليه السلام)، فجمهور أصحاب الشافعي خلفاً عن سلف، والشيعة، كلاهما يقرُّ
بذلك، ولكن أصحاب أبي حنيفة البهري ينكرون كلا الأمرين معاً)(٤١).
ويقول في موضع آخر: يقول صاحب كتاب (بعض فضائح الروافض): (إنَّ الشيعة وأئمَّتهم
يعتقدون بأنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ...﴾
(النور: ٥٥) ناظرٌ إلى القائم في آخر الزمان، والذي تُسَلَّمُ له الأرض كلّها).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول عبد
الجليل في الجواب:
(إنَّ هذه النسبة وهذا التفسير صحيحان، فإنَّ مذهب الشيعة خلفاً عن سلف قائم
على هذا الاعتقاد، وعلى خلافة الأئمَّة الطاهرين (عليهم السلام) وخروج الإمام
المهدي (عليه السلام)، وقد أوردوا ذلك في التفاسير، وعوَّلوا عليه بالدليل
والحجَّة. فمذهبنا يرى بأنَّ المهديَّ (عليه السلام) إذا ظهر فإنَّه يدين بنفس هذا
الدين وهذه الشريعة وهذا الكتاب فلا تتبدَّل التكاليف، وهو خليفة الله في الأرض،
الذي يقتدي بشريعة جدِّه المصطفى، فلو أنصف المتأمِّل في تفسير هذه الآية الشريفة،
لأقرَّ بدلالتها على خروج وإمامة المهدي (عليه السلام)(٤٢).
ثمّ يقيم الشيخ عبد الجليل القزويني الشواهد والأدلَّة على أنَّ هذه الآية المباركة
ناظرة إلى الإمام المهديِّ (عليه السلام)، وأنَّ زمان تحقّقها هو زمان ظهوره
الشريف.
ثمّ يعالج الشيخ صاحب كتاب (النقض) بعض الشبهات المرتبطة بمسألة الرجعة، ويقول:
(إنَّنا وبحمد الله تعالى لا ننكر أنَّ الله تعالى يرجِع جماعة من كلِّ أُمَّة إلى
الدنيا بعد موتهم، ببركة دعاء الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك حين خروج المهدي
ونزول عيسى، فكما جاء في الآية الشريفة: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ (النمل: ٨٣)، وهذا
الحشر لا بدَّ أن يقع قبل قيام القيامة، فإنَّ إجماع الأُمَّة قائم على أنَّ الحشر
يوم القيامة يكون لجميع الخلائق، لا لفوج من كلِّ أُمَّة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ
يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ (المجادلة: ٦)، ليتَّضح ويظهر لنا الفرق بين
الآيتين، فتحصل الفائدة، فإنَّ من كان قادراً على البديع من الفعل في إحياء الموتى
في زمن عيسى وموسى وعُزير وإبراهيم، كما نطق القرآن الكريم بذلك، لقادر على فعله في
زمن دولة حفيد رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فليس ذلك بعيداً عن
قدرته، ولا هو بعيد عن حرمة سيد السادات. وإنَّ إنكار هذا المقدور الذاتي لله
تعالى، إنكارٌ للبعث والنشور يوم القيامة. فالرجعة في عهد ظهور الإمام المهديِّ
(عليه السلام)، مذهبُ الشيعة الإمامية بلا شبهة)(٤٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا وقد تعرَّض هذا العالم الجليل
الشيخ عبد الجليل القزويني في موارد متعدِّدة من كتابه إلى بعض المباحث والموضوعات
المرتبطة بمسألة المهدوية، وأجاب عنها بإجابات شافية، نكتفي بما ذكرناه منها في هذا
المقام، ونحيل طلَّاب المزيد إلى مراجعة نفس الكتاب.
٧- رسالة عجالة المعرفة في أصول الدين:
وهذا الأثر الخالد نتاج يراع العالم الشيعي الجليل الشيخ ظهير الدين
الراوندي، من أعلام القرن السادس الهجري(٤٤).
وهذه الرسالة موجزة جدّاً، لا يتجاوز عدد صفحاتها العشرين صفحة، وعلى الرغم من
إيجازها، تطرَّق الراوندي بنحو مفصَّل تقريباً إلى مسألة المهدوية.
وقد تمسَّك في إثبات إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) بقول ونصِّ النبيِّ الأكرم
ونصوص أجداده الطاهرين (عليهم السلام)، كما أنَّه قدَّم الدليل العقلي على وجود
الإمام المهدي (عليه السلام)، والذي يبتني على عدم جواز تكليف الناس في حال عدم
وجود إمام معصوم هو أعلم الناس بالأحكام الشرعية(٤٥).
ويرى هذا العالم الجليل بأنَّ سبب غيبة الإمام (عليه السلام) هو نفس دليل (الخوف)
الذي ابتلي به الأنبياء السابقون مثل موسى ويونس وإبراهيم (عليهم السلام)، والذي
اضطرَّهم إلى الغيبة عن قومهم، فكذلك الإمام المهديّ (عليه السلام)، فكما أنَّ غيبة
هؤلاء الأنبياء (عليهم السلام) لم تورد خللاً في نبوَّتهم، فكذلك غيبة الإمام
المهدي (عليه السلام) لا تورد خللاً في إمامته(٤٦).
وأمَّا فيما يرتبط بطول عمر الإمام المهديِّ (عليه السلام)،
فيقول:
لا مجال للاستغراب والتعجّب في هذا الخصوص، فإنَّ من ينكِر أو يتعجَّب من
طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)، لا يخرج من أحد حالين: إمَّا أن يقبل قدرة
الله تعالى، وإمَّا أن ينكِرها. فإن قبل وأذعن بقدرة الله تعالى، ولكنَّه شكَّ في
أنَّه قادر على كلِّ مقدور، فإنَّ شكَّه حينئذٍ سيكون مثل شكّ من كان معتقداً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) وقد قام المحقِّق
الجليل السيِّد محمّد رضا الحسيني الجلالي بتحقيق هذه الرسالة، وتمَّ نشرها في
مجلَّة تراثنا/ العدد ٢٩/ (١٤١٢هـ).
(٤٥) مجلَّة تراثنا ٢٩:
٢٣٣/ عجالة المعرفة.
(٤٦) المصدر السابق؛ قال ما
نصّه: (... بقي علينا أن نُبيِّن سبب غيبته عليه الصلاة والسلام، وهو السبب المحوج
للأنبياء إلى الغيبة...).
بعلم الله تعالى بكلِّ المعلومات
ولكنَّه شكَّ في علمه بكلِّ الجزئيات، فكما أنَّ هذا الشكّ لا معنى له وهو باطل،
فكذلك الكلام في المقام. وأمَّا إذا كان منكراً لقدرة الله تعالى، فلا كلام لنا معه
في موضوع الإمامة والغيبة، بل لا بدَّ أوَّلاً من البحث معه حول قدرة الله تعالى(٤٧).
٨- رسالة الخلاصة في علم الكلام:
وهذا الأثر من الآثار الباقية للعالم الشيعي الجليل الشيخ قطب الدين
السبزواري(٤٨).
يقول السبزواري في استدلاله على إمامة الإمام الحجَّة (عليه السلام):
(لمَّا كنّا نشترط العصمة في الإمامة، وليس في زماننا اليوم أحدٌ يتَّصف بالعصمة
غير إمام العصر (عليه السلام)، لزم أن يكون هو الإمام لهذا العصر).
ويقول هذا العالم، في خصوص سبب الغيبة:
(١- لا يمكن أن يكون سبب غيبته من جانب الله (جلَّ عزّه)، لأنَّ الله تعالى
لا يخلُّ بالأُمور الواجبة، ولذا فإنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تستند
إلى الله تعالى.
٢- ولا يمكن أن تكون غيبة الإمام المهديِّ (عليه السلام) مستندة إليه هو، لأنَّه
معصوم ولا يجوز في حقِّه أن يترك ما يجب عليه ويغيب.
فنستنتج إذن، أنَّ سبب الغيبة إنَّما هو الخوف من الأعداء وقلَّة الناصر والمعين،
ومتى ما زال الخوف، أو وُجِدَ الأنصار والأعوان بالمقدار اللازم، ظهر (عليه
السلام)، وملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(٤٩).
وبالتأمّل والدقَّة في الموارد السابقة الذكر، يتَّضح لنا بأنَّ مسألة المهدوية قد
شغلت حيزاً واضحاً في الفكر الشيعي في القرنين الخامس والسادس الهجري، بل وحظيت
باهتمام العلماء في كلِّ العالم الإسلامي، وهذا ما تكشف عنه المحاججات والردِّ
والقبول لهذه المسألة، ممَّا يدلُّ على انشغال الأذهان بهذه المسألة، ومحاولة إبطال
الشبهات المثارة حولها، وهو دليل واضح على طول تأريخ مسألة المهدوية في الفكر
الإسلامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) مجلَّة تراثنا ٢٩: ٢٣٣
و٢٣٤/ عجالة المعرفة؛ قال ما نصّه: (... وأمَّا طول حياته، فممَّا لا يُتعجَّب
منه...).
(٤٨) تمَّ تحقيق هذه
الرسالة من قِبَل المحقِّق الجليل السيِّد محمّد رضا الحسيني الجلالي بتحقيق هذه
الرسالة، ونُشِرَت في مجلَّة تراثنا/ العدد ٣٤.
(٤٩) مجلَّة تراثنا ٣٤: ٢٠١
و٢٠٢/ الخلاصة في علم الكلام.
١- المقالات والفِرَق: سعد بن عبد الله الأشعري/ نشر العطائي/ ١٩٦٣م.
٢- الفهرست (أسماء علماء الشيعة ومصنِّفيهم): منتجب الدين أبو الحسن علي بن عبيد
الله الرازي)/ ت المحدِّث الأرموي/ مكتبة المرعشي النجفي/ ١٣٦٦ش.
٣- روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن: أبو الفتوح حسين بن محمّد بن أحمد
الخزاعي النيشابوري الرازي/ ت محمّد جعفر الياحقي ومحمّد مهدي الناصح/ بنياد پژوهش
هاى خاص/ ١٣٦٨ش/ مشهد.
٤- عجالة المعرفة في أُصول الدين: محمّد بن هبة الله الحسن الراوندي/ ت السيد محمّد
رضا الحسيني الجلالي/ مجلَّة تراثنا/ العدد ٢٩/ (١٤١٢هـ).
٥- الخلاصة في علم الكلام: قطب الدين السبزواري/ ت السيد محمّد رضا الحسيني الجلالي/
مجلَّة تراثنا/ العدد ٣٤/ (١٤١٤هـ).
٦- المقنع في الإمامة: عبيد الله بن عبد الله السدآبادي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة
النشر الإسلامي/ قم.
٧- الشيخ الطبرسي إمام المفسِّرين في القرن السادس: الشيخ جعفر السبحاني / ط ١/
١٣٨٢ش/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام)/ قم.
٨- الإرشاد في معرفة حجج العباد: الشيخ المفيد/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ المؤتمر العالمي
لألفية الشيخ المفيد.
٩- النقض: عبد الجليل القزويني الرازي/ ت المحدِّث الأرموي/ انتشارات انجمن ملّى/
١٣٥٨ش.
١٠- أمل الآمل: الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي/ ت السيد أحمد الحسيني/ مكتبة
الأندلس/ بغداد.
١١- المنقذ من التقليد: سديد الدين محمود الحمصي الرازيّ/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة
النشر الإسلامي/ قم.
١٢- مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي/ دار إحياء
التراث العربي/ ١٣٧٩ق/ بيروت.
١٣- الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي/ ط ٦/ انتشارات الأُسوة/
(١٤٢٥هـ).
١٤- فِرَق الشيعة: حسن بن موسى النوبختي/ المكتبة المرتضوية/ (١٣٥٥هـ).
السيّد مسعود بور سيّد آقائي
ترجمة: السيد جلال الموسوي
المقدّمة:
يحتلُّ موضوع علامات الظهور مساحةً خاصَّة في أحاديث المعصومين (عليهم السلام)، لذا
ينبغي بذل مزيد من الاهتمام في طريق تبيين وتشريح هذا الموضوع، وتنقيحه وتوضيحه.
وقتل النفس الزكية، من جملة العلامات التي أُشير إليها في روايات عديدة، وعدَّته من
العلامات الحتمية.
وهذا المقال، محاولة لتبيين الأبعاد المختلفة لهذا الموضوع، استناداً إلى كلمات
المعصومين (عليهم السلام)، وحلِّ الإبهامات المطروحة حول القضية.
قتل النفس الزكية من العلامات الحتمية الخمس:
تتحدَّث الروايات الواردة في علائم الظهور عن خمس علامات، من بين مجموعة
العلامات، بنحو خاصٍّ ومستقلٍّ. ومن خلال كثرة الروايات(١)
الواردة حول هذه العلامات، ومن خلال إفرادها والتطرّق لها بنحو الاستقلال، تنكشف
لنا أهمّية هذه العلامات الخمس. ومن خلال التركيز على حتميتها أكثر من غيرها.
وقتل النفس الزكية من جملة هذه العلامات الخمس التي صرَّحت به روايات عديدة صدرت عن
المعصومين (عليهم السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٣٥٦ و٣٥٧ و٣٦٣ و٣٦٤ و٣٦٩/ الطبعة الثانية/ نشر الصدوق/ ١٤١٨هـ/ طهران.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث معتبر: «خَمْسُ عَلَامَاتٍ قَبْلَ
قِيَامِ الْقَائِمِ، الصَّيْحَةُ وَالسُّفْيَانِيُّ وَالخَسْفُ وَقَتْلُ النَّفْسِ
الزَّكِيَّةِ وَالْيَمَانِي»(٢).
وفي رواية أُخرى عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «... يَا أَبَا
مُحَمَّدٍ، إِنَّ قُدَّامَ هَذَا الْأَمْرِ خَمْسَ عَلَامَاتٍ أُولَاهُنَّ
النِّدَاءُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ، وَخُرُوجُ
الخُرَاسَانِيِّ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاء»(٣).
حتمية علامة قتل النفس الزكية:
ومن جملة الخصائص التي ورد ذكرها في قتل النفس الزكية، وأهمّية هذه العلامة،
حتميتُها. فقد ذكرت الروايات المتعدِّدة هذا المطلب وبصياغات مختلفة، مثل:
(المحتوم)، (لا بدَّ أن يكون)، (لا يخرج حتَّى...) و...(٤).
ففي معرض جواب الإمام الصادق (عليه السلام) لأبي حمزة الثمالي الذي سأله قائلاً:
إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خُرُوجَ
السُّفْيَانِيِ مِنَ الْأَمْرِ المَحْتُومِ»؟ قَالَ [لِي]: «نَعَمْ،
وَاخْتِلَافُ وُلْدِ الْعَبَّاسِ مِنَ المَحْتُومِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ
الزَّكِيَّةِ مِنَ المَحْتُوم، و...»(٥).
وقد ورد هذا المطلب بتأكيد أكبر في حديث حمران بن أعين، عن الإمام الصادق (عليه
السلام)، فقد جاء في هذا الحديث أنَّه (عليه السلام) قال: «مِنَ المَحْتُومِ
الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبْلِ قِيَامِ الْقَائِمِ خُرُوجُ
السُّفْيَانِيِّ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ،
وَالمُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ»(٦).
ولفظة (لا بدَّ) الواردة في هذا الحديث تكشف بوضوحٍ أكبر من بقية الروايات عن حتمية
هذه العلامة ويقينيتها.
وعليه، واستناداً إلى الروايات الآنفة، فإنَّ قتل النفس الزكية من علامات الظهور
الحتمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) الكافي لمحمّد بن يعقوب
الكليني: ٢٤٥/ الرواية ٤٨٣/ انتشارات دار التعارف للمطبوعات/ ١٤١١هـ/ بيروت. سند
هذا الحديث: (محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليِّ بن حكم، عن أبي
يعقوب الحرّاز، عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ...).
(٣) الغيبة للنعماني: ٤٠٦/
باب ١٦/ الرواية السادسة.
(٤) الغيبة للنعماني: ٣٦٣/
باب ١٤/ الرواية ١٥، و٣٥٧/ الرواية ١١؛ كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ٢:
٥٥٦/ باب ٥٧/ الرواية السابعة/ الطبعة الثانية/ انتشارات مسجد جمكران المقدَّس/
١٣٨٢ ش.
(٥) كمال الدين ٢: ٥٥٨/ باب
٥٧/ الرواية ١٤. سند هذه الرواية: (حدَّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل (رضي الله
عنه) (من المصدر)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن
الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، قال: ...).
(٦) الغيبة للنعماني: ٣٧٢/
باب ١٤/ الرواية ٢٦.
في معنى النفس الزكية:
الزكوة في اللغة، بمعنى الطهارة والرُّشد والنموِّ(٧).
ومن هنا، يوجد احتمالان في معنى النفس الزكية:
١- أنَّها بمعنى النفس الطاهرة، أي الشخص الذي لا يرتكب الذنوب.
٢- أنَّها بمعنى الشخصية المتكاملة والراشدة.
وهناك قرائن تدلُّ على إرادة المعنى الأوَّل، وهي:
١- استعملت بعض الروايات عبارات مثل: (الدم الحرام)، (النفس الحرام) بدلاً
عن عبارة (النفس الزكية)، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث، قال: «ألَا
أُخبركم بآخر ملك بني فلان...»، قال (عليه السلام): «قتل نفس حرام، في يوم
حرام...»(٨).
ومصطلح (حرام) في هذه الرواية يراد منه (الممنوع).
وبناءً على ذلك، فإنَّ مصطلح (النفس الزكية) الوارد في الروايات الأُخرى، يحمَل على
هذا المعنى، أي الشخصية الطاهرة وغير المذنبة.
٢- جاء في رواية سلمان وصف (النفس الزكية) بهذا الوصف: (أَمَا إِنِّي
سَأُحَدِّثُكُمْ بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ وَتَضْرِيجِ دَمِهِ بَيْنَ
الرُّكْنِ وَالمَقَام)(٩).
فقد وُصِفَت (النفس الزكية) في هذه الرواية بـ (الطيبة)، أي الطاهرة غير المذنبة.
أضف إلى ذلك ما جاء في القرآن الكريم من استعمالٍ لمصطلح النفس الزكية بمعنى
الطاهرة وغير المذنبة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ
نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (الكهف: ٧٤).
ويبدو أنَّ هذا المصطلح قد استُعمِلَ في الروايات بنفس معناه القرآني.
وهناك من القرائن ما يدعم إرادة المعنى الثاني من المعاني المحتملة، أي الشخصية
المتكاملة الراشدة، وهي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) النهاية في غريب الحديث
لابن الأثير ٢: ٣٠٧/ الطبعة الرابعة/ انتشارات مؤسَّسة إسماعيليان/ ١٣٦٤ش/ قم. قال
ابن الأثير في المصدر: (وأصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح).
(النهاية في غريب الحديث (ج ٢)/ باب الزاي مع الكاف).
(٨) الغيبة للنعماني: ٣٦٥/
باب ١٤/ الرواية السابعة.
(٩) اختيار معرفة الرجال
للشيخ الطوسي: ٢٣/ الطبعة الرابعة/ مركز نشر آثار العلَّامة المصطفوي/ ١٤٢٤هـ. في
المصدر: (تضريح) بالحاء وليس بالجيم، لكن في البحار بالجيم.
١- لا شكَّ في أنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) هو من أهمّ الوقائع والأحداث
في عالم الوجود، وأنَّ قتل النفس الزكية وهو من جملة علامات حدوث مثل هذه الواقعة
العظيمة، إنَّما يكون مناسباً فيما لو كانت هذه العلامة مهمَّة جدّاً ولها صدى واسع
يقرع أسماع العالم، ومثل ذلك لا يتيسَّر إلَّا إذا كان (النفس الزكية) شخصية بارزة
متكاملة.
٢- أنَّ الروايات التي أشارت إلى هذه الحادثة، وتأكيد الأئمَّة المعصومين (عليهم
السلام) على حتمية هذا الحدث، يكشف عن الأهمية الفائقة لهذا الحدث، ولشخصية النفس
الزكية.
٣- اضطرار قتلة النفس الزكية إلى قتله في نفس المسجد الحرام، يكشف عن عجزهم وفشلهم
في اعتقاله، أو عدم إتاحة الفرصة الزمانية لهم لإخراجه من المسجد الحرام، وأنَّ
مصلحتهم في هتك حرمة المسجد الحرام وقتله في ذلك المكان المقدَّس(١٠).
فمع وجود مثل هذه الخصوصيات في النفس الزكية نستدلُّ على أنَّه من الشخصيات البارزة
في المجتمع الإسلامي والعالمي.
فإن لم تكن القرائن المذكورة كافية لتأييد المعنى الثاني من معاني الزكية، وأنَّه
بمعنى الشخصية البارزة والممتازة، فإنَّه قطعاً يمكن القول بأنَّ مصداق النفس
الزكية، شخصية مهمَّة بشكل خاصّ.
فإذا كانت (النفس الزكية) بمعنى الطهارة والبراءة، فإنَّ هناك احتمالين في مصداقها:
١- أنَّه شخص بريءٌ معين يقتَل في زمان ومكان خاصّين كما أشارت الروايات، منها ما
رواه الطوسي في الغيبة: «النفس الزكيَّة غلام من آل محمّد اسمه محمّد بن الحسن
يُقتَل بلا جرم ولا ذنب...»(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) تأريخ الغيبة الكبرى
للسيد محمّد الصدر: ٥٤٠/ انتشارات ذوي القربى/ ١٤٢٥هـ.
(١١) بحار الأنوار
للعلَّامة المجلسي ٥٢: ٢١٧.
٢- أنَّ أحد آثار زمن الفتنة والانحراف قتلُ عدد من الأبرياء في آخر الزمان.
وعليه، فإنَّ معنى النفس الزكية، سيكون معنى كلّياً وعامّاً، ولا يشير إلى شخص
بعينه(١٢).
ويبدو لنا، بناءً على الظاهر من (النفس الزكية)، أنَّه شخص واحد لا أكثر. ومن جهة
أُخرى، فإنَّ سائر خصوصيات (النفس الزكية) المذكورة في الروايات، كالروايات التي
تذكر اسمه تحديداً، أو التي تذكر الفاصل الزمني بين مقتله وبين ظهور الإمام المهدي
(عليه السلام)، وغيرها من الخصوصيات تدلُّ على وحدة مصداق هذا العنوان وتعينه، لا
الكلّية والعموم.
ومن هنا، فإنَّ حمل عنوان (النفس الزكية) على المعنى العامّ فاقد للدليل، بل هو
مخالف لظاهر الروايات.
خصائص النفس الزكية:
أ- اسم النفس الزكية:
جاء في بعض الأحاديث أنَّ اسمه (محمَّد)، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه
السلام) في رواية أنَّه قال: «اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ»(١٣).
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال(١٤):
«... وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ،
اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّفْسُ الزَّكِيَّة»(١٥).
ب- لقب النفس الزكية:
استفادت أكثر الروايات التي وردت في بيان الأبعاد المختلفة لقتل (النفس
الزكية)، من لقب (النفس الزكية) في معرض الإشارة إلى هذه الشخصية.
ففي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في معرض بيانه لكلام أبيه الإمام الباقر
(عليه السلام)، والذي كان يقول بأنَّ (السفياني) وخروجه من العلامات الحتمية، قال:
«... نَعَمْ وَاخْتِلَافُ وُلْدِ الْعَبَّاسِ مِنَ المَحْتُومِ، وَقَتْلُ
النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ مِنَ المَحْتُومِ، وَخُرُوجُ الْقَائِمِ مِنَ المَحْتُومِ»(١٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) نفس المصدر: ٥٠٥.
(١٣) كمال الدين ١: ٦٠٤/
باب ٣٢/ الرواية ١٦؛ سند هذا الحديث: (حدَّثنا محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن
يعقوب الكليني، عن قاسم بن العلاء، عن إسماعيل بن عليٍّ القزويني، عن عليِّ بن
إسماعيل، عن عاصم بن حميد الحنّاط، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه
السلام) يقول: ...)؛ هذا الحديث ضعيف لوجود محمّد بن محمّد بن عصام في سنده حيث
إنَّه لم يرد فيه توثيق سوى ترضّي الشيخ الصدوق عليه. (راجع: معجم رجال الحديث ١٧:
١٩٩).
(١٤) ويحتمل اتِّحاد
الرواية على ما يأتي.
(١٥) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام) لعليّ الكوراني ٣: ٤٩٣/ الرواية ١٠٦٣/ الطبعة الأُولى/
انتشارات مؤسَّسة المعارف الإسلامية/ ١٤١١هـ/ قم. نقلاً عن مختصر إثبات الرجعة/
الرواية ١٨. سند هذا الحديث: (حدَّثنا صفوان بن يحيى، عن محمّد بن حمران، عن جعفر
بن محمّد الصادق (عليه السلام)، قال: ...).
(١٦) كمال الدين ٢: ٥٥٩/
باب ٥٧/ الرواية ١٤.
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في معرض الإجابة عن سؤالٍ حول وقت قيام
القائم (عليه السلام)، قال: «... وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِ مِنَ الشَّامِ،
وَالْيَمَانِيِّ مِنَ الْيَمَنِ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ، وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ
آلِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ
النَّفْسُ الزَّكِيَّة»(١٧).
وقد استعمل أئمَّتنا (عليهم السلام) مصطلحات أُخرى للإشارة إلى (النفس الزكية) في
كلامهم، وإن لم تكن تلك المصطلحات من الألقاب، ومن جملة ما استعملوه في هذا الصدد:
١- النفس:
فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث معتبر، قال: «أَمْسِكْ بِيَدِكَ
هَلَاكَ الْفُلَانِيِّ -اسم رجل من بني العبّاس-، وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ،
وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَجَيْشُ الخَسْفِ، وَالصَّوْت...»(١٨).
ويبدو، وبقرينة الروايات الأُخرى التي ذكرت قتل (النفس الزكية) إلى جنب (خروج
السفياني) و(الصيحة) و(الخسف في البيداء)، أنَّ المراد بالنفس في هذه الرواية هو
نفس (النفس الزكية).
٢- نفس حرام:
ففي رواية معتبرة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:
«...أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِآخِرِ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ،... قَتْلُ نَفْسٍ حَرَامٍ
فِي يَوْمٍ حَرَامٍ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ عَنْ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْش...»(١٩).
٣- النفس الطيبة الزكية:
فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «أَمَا إِنِّي
سَأُحَدِّثُكُمْ بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ الزَّكِيَّةِ وَتَضْرِيجِ دَمِهِ
بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَام»(٢٠).
٤- غلام آل محمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «... وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ آلِ
مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّفْسُ
الزَّكِيَّة»(٢١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام) ٣: ٤٩٣، نقلاً عن مختصر إثبات الرجعة/ الرواية ١٨.
(١٨) الغيبة للنعماني: ٣٦٤/
باب ١٤/ الرواية ١٦؛ سند هذا الحديث: (حدَّثنا صفوان بن يحيى، عن محمّد بن حمران،
عن جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: ...). أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدَّثني
عليُّ بن الحسن، عن عليِّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، قال:
حدَّثني ابن أبي يعفور، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام)...
للتحقيق في اعتبار أحمد بن محمّد بن سعيد راجع: معجم رجال الحديث ٢: ٢٧٤.
للتحقيق في اعتبار عليّ بن الحسن راجع: نفس المصدر ١١: ٢٣١.
للتحقيق في اعتبار عليّ بن مهزيار راجع: نفس المصدر ١٢: ١٩٢.
للتحقيق في اعتبار حمّاد بن عيسى راجع: نفس المصدر ٦: ٢٢٥.
للتحقيق في اعتبار حسين بن المختار راجع: نفس المصدر ٦: ٨٧.
للتحقيق في اعتبار ابن أبي يعفور راجع: نفس المصدر ١٠: ٩٦.
(١٩) الغيبة للنعماني: ٣٦٤/
باب ١٤/ الرواية ١٦؛ سند هذا الحديث: (حدَّثنا صفوان بن يحيى، عن محمّد بن حمران،
عن جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: ...). أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدَّثني
عليُّ بن الحسن، عن عليِّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، قال:
حدَّثني ابن أبي يعفور، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام)...
للتحقيق في اعتبار أحمد بن محمّد بن سعيد راجع: معجم رجال الحديث ٢: ٢٧٤.
للتحقيق في اعتبار عليّ بن الحسن راجع: نفس المصدر ١١: ٢٣١.
للتحقيق في اعتبار عليّ بن مهزيار راجع: نفس المصدر ١٢: ١٩٢.
للتحقيق في اعتبار حمّاد بن عيسى راجع: نفس المصدر ٦: ٢٢٥.
للتحقيق في اعتبار حسين بن المختار راجع: نفس المصدر ٦: ٨٧.
للتحقيق في اعتبار ابن أبي يعفور راجع: نفس المصدر ١٠: ٩٦.
(٢٠) اختيار معرفة الرجال:
٢٣.
(٢١) كمال الدين ١: ٦٠٤/
باب ٣٢/ الرواية ١٦.
٥- الدم الحرام:
عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «لَا يُطَهِّرُ اللهُ الْأَرْضَ
مِنَ الظَّالِمِينَ حَتَّى يُسْفَكَ الدَّمُ الحَرَام»(٢٢).
ففي هذه الرواية الشريفة لم يصرَّح بـ (النفس الزكية)، ولكن واعتماداً على الروايات
التي تُعدِّد علامات ما قبل الظهور، والتي تذكر قتل شخصية مهمَّة واحدة فقط، يظهر
لنا أنَّ المراد من (الدَّم الحرام) في هذه الروايات هو (النفس الزكية) نفسها(٢٣).
ج- نَسَبُ (النفس الزكية):
تحدَّثت الروايات عن نسب (النفس الزكية) بعدَّة صياغات، منها:
١- أنَّه من قريش:
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية معتبرة، قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِآخِرِ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ:
«قَتْلُ نَفْسٍ حَرَامٍ، فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، فِي بَلَدٍ حَرَامٍ، عَنْ
قَوْمٍ مِنْ قُرَيْش»(٢٤).
٢- من آل محمّد، وهو ابنُ الحسن:
فعن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «...وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ آلِ
مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ
النَّفْسُ الزَّكِيَّة»(٢٥).
وهذه الرواية منقولة أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٢٦)،
وعن سفيان بن إبراهيم الجريري(٢٧)،
وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
وبناءً على ما جاء في هذه الروايات الثلاث، فإنَّ (النفس الزكية) ينتسب إلى أهل بيت
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأمَّا فيما يرتبط بـ (محمّد بن الحسن)، فيوجد احتمالان:
الأوَّل: أنَّ المراد من (الحسن)، الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
الثاني: أنَّ المراد من (الحسن) والده الحقيقيِّ وبدون واسطة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) الغيبة للنعماني: ٣٨٥/
باب ١٤/ الرواية ٥٥.
(٢٣) وستأتي إشارة أُخرى
لاحتمال آخر في معنى الرواية (ص ...).
(٢٤) للتحقيق في اعتبار هذا
الحديث راجع (ص ...) من هذه المقالة.
(٢٥) كمال الدين ١: ٦٠٤/
باب ٣٢/ الرواية ١٦.
(٢٦) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام)/ ٣: ٤٩٣/ الرواية ١٠٦٣، نقلاً عن: مختصر إثبات الرجعة:
الرواية ١٨.
(٢٧) الغيبة للطوسي: ٤٦٤/
الرواية ٤٨٠.
وبناءً على ذلك، لا يمكن من خلال هذه الروايات القطع بأنَّ (النفس الزكية) حسنيُّ
النسب.
ولا يخفى، أنَّ احتمال كون اسم الأب الحقيقي لـ (النفس الزكية) هو (حسن) بعيدٌ
جدّاً، لأنَّ الروايات لم تذكر مقاماً خاصّاً ومهمّاً، أو نشاطاً مميزاً لوالد
(النفس الزكية)، فهو شخصية عادية لا أكثر، فذكر اسم والد (النفس الزكية) في
الروايات، والتأكيد على أنَّ (النفس الزكية) هو ابن مثل هذا الأب ليس له توجيه
منطقي ومعقول.
٣- أنَّه من وُلد الحسين (عليه السلام):
فعن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «... وَالنَّفْسُ الزَّكِيَّةُ
مِنْ وُلْدِ الحُسَيْن...».
وقد روى العياشي هذه الرواية في تفسيره مرسلةً عن الإمام الباقر (عليه السلام)(٢٨).
وحيث لا يمكن الاعتماد على الرواية التي تذكر أنَّ (النفس الزكية) من ولد الحسين
(عليه السلام) لضعف سندها، وعليه وبدليل اعتبار الرواية التي تُصرِّح بأنَّ (النفس
الزكية) من قريش، يمكننا اعتماد هذا النسب، وأمَّا في مورد سائر الجزئيات، فلا يمكن
القطع بها، لفقدان الدليل المتيقَّن.
نعم، نقل الكليني في الكافي الشريف رواية صحيحة تُخبِر عن قتل شخص حسني قبيل
الظهور، ولكن وحيث نفقد الدليل القاطع على وحدة هذا الحسني مع (النفس الزكية) لا
يمكننا اعتبار روايته دليلاً على انتساب (النفس الزكية) إلى الإمام الحسن المجتبى
(عليه السلام).
ورواية الكافي هي:
«... وَيَسْتَأْذِنَ اللهَ فِي ظُهُورِهِ، فَيَطَّلِعُ على ذَلِكَ بَعْضُ
مَوَالِيهِ، فَيَأْتِي الحَسَنِيَّ فَيُخْبِرُهُ الخَبَرَ، فَيَبْتَدِرُ
الحَسَنِيُّ إلى الخُرُوجِ، فَيَثِبُ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ فَيَقْتُلُونَهُ،
وَيَبْعَثُونَ بِرَأْسِهِ إلى الشَّامِيِّ، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ هَذَا
الْأَمْر»(٢٩).
والتصريح بالرواية أعلاه بإرسال رأس (النفس الزكية) إلى السفياني، يدلُّ على أنَّ
قتله يكون بأمرٍ من السفياني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) تفسير العيّاشي ١: ٨٤/
الرواية ١١٧/ انتشارات المكتبة الإسلامية/ طهران.
(٢٩) روضة الكافي: ١٨٣/
الرواية ٢٨٥، سند هذه الرواية: (محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن
يعقوب السرّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
للتحقيق في اعتبار محمّد بن يحيى راجع: معجم رجال الحديث ١٨: ٣٠.
للتحقيق في اعتبار أحمد بن محمّد راجع: نفس المصدر ٢: ٢٩٦.
للتحقيق في اعتبار ابن محبوب راجع: نفس المصدر ٥: ٨٩.
للتحقيق في اعتبار يعقوب السرّاج راجع: نفس المصدر ٢٠: ١٥٥.
هدف النفس الزكيَّة:
لم تردنا رواية صحيحة أو مستندات تاريخية كاملة حول هدف (النفس الزكية)
ونشاطاته التي تؤول إلى استشهاده.
ولكن، واستناداً إلى حديثٍ عن الإمام الباقر (عليه السلام)، يظهر أنَّ الإمام
المهديِّ (عليه السلام) هو الذي يرسِل (النفس الزكية) ممثِّلاً عنه إلى أهل مكّة
لإتمام الحجَّة عليهم.
فعن أبي بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل، فيه:
«... يقول القائم لأصحابه: يا قوم إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسِل
إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم، فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول
له: امض إلى أهل مكَّة فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنّا
أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذريّة محمّد وسلالة النبيِّين، وإنّا
قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا، ابتُزَّ منّا حقّنا منذ قُبِضَ نبيُّنا إلى يومنا
هذا، ونحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه
بين الركن والمقام، وهي النفس الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا
أخبرتكم أنَّ أهل مكّة لا يريدوننا...»(٣٠).
فعلى أساس دلالة هذه الرواية، والتي تفتقد اعتبار السند، يظهر أنَّ رسالة (النفس
الزكية) المهمَّة هي تمثيل الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّ هدفه هو إبلاغ
وإيصال نداء الإمام (عليه السلام) إلى أهل مكّة.
فالإمام (عليه السلام) وعلى الرغم من معرفته المسبقة بعدم انصياع أهل مكّة له،
يرسِل (النفس الزكية) لإتمام الحجَّة عليهم، وتجريدهم من الأعذار التي قد تدعوهم
إلى عدم نصرته ومُؤازرته. ولكن، وبعد وصول (النفس الزكية) إلى مكّة وإبلاغهم برسالة
الإمام (عليه السلام)، يعدو عليه أهل مكّة فيقتلونه.
واستناداً إلى هذه الرواية، فإنَّ هذه الواقعة تقع قبل قيام الإمام المهدي (عليه
السلام)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/ الرواية ٨١، هذا الحديث مرفوع.
فيكون إرسال (النفس الزكية) إلى مكّة دعوةً من قِبَل الإمام لأهلها لنصرة الإمام
المعصوم (عليه السلام) في حركته ونهضته.
والفرضية الثانية المتصوَّرة فيما يرتبط بنشاطات (النفس الزكية) هي أنَّ هدفه
الأساسي هو إيجاد الأرضية المناسبة والإعداد لقيام الإمام المهدي (عليه السلام)
عالمياً، ولذا فإنَّه يتحرَّك ميدانياً للسيطرة على مدينة مكّة وإعدادها لمنطلقٍ
آمن لظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ولكنَّ حركته لا تنجح، ويؤول الأمر إلى
مقتله على يد أهل مكّة المعاندين.
وبناءً على هذه الفرضية، فإنَّ الحسني المذكور هو نفس (النفس الزكية)، ولكن وكما
تقدَّم فإنَّ هذه الفرضية لا ترقى إلى مستوى القطع واليقين.
زمان استشهاد النفس الزكيَّة:
قد دلَّت الروايات المتعدِّدة على قرب زمان استشهاد (النفس الزكية) من موعد
ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وإنَّ بعض هذه الروايات قد حدَّدت بنحو واضحٍ
ومشخَّص الفترة الفاصلة بين الحدثين، واكتفت بعض الروايات الأُخرى بالإشارة إلى
تقارب موعد الحدثين دون تحديد.
والروايات هي:
١- في رواية معتبرة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «لَيْسَ بَيْنَ
قِيَامِ قائم آل محمّد (عليه السلام) وبينَ قَتْلِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ أَكْثَرُ
مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَة»(٣١).
فالإمام الصادق (عليه السلام) يحدِّد في هذه الرواية الفاصلة الزمانية بين الحدثين
بنحو دقيق ومشخَّص وهو خمس عشرة ليلة.
٢- عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية معتبرة، قال: «...أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِآخِرِ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ:
«قَتْلُ نَفْسٍ حَرَامٍ، فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، فِي بَلَدٍ حَرَامٍ، عَنْ
قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا
لَهُمْ مُلْكٌ بَعْدَهُ غَيْرُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً». قُلْنَا: هَلْ قَبْلَ
هَذَا أَوْ بَعْدَهُ مِنْ شَيْءٍ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) كمال الدين وتمام
النعمة ٢: ٥٥٤/ باب ٥٧/ الرواية ٢، سند هذا الحديث: (محمّد بن الحسن بن أحمد بن
الوليد (رضي الله عنه)، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن العبّاس بن المعروف، عن
عليِّ بن المهزيار، عن عبد الله بن محمّد الحجّال، عن ثعلبة بن الميمون، عن شعيب
الحذّاء، عن صالح مولى بني العذراء، عن الصادق (عليه السلام).
للتحقيق في اعتبار محمّد بن الحسن راجع: معجم رجال الحديث ١٥: ٢٠٦.
للتحقيق في اعتبار محمّد بن الحسن الصفّار راجع: نفس المصدر ١٥: ٢٤٨.
للتحقيق في اعتبار عبّاس بن المعروف راجع: نفس المصدر ٩: ٢٣٩.
للتحقيق في اعتبار عليِّ بن المهزيار راجع: نفس المصدر ١٢: ١٩٢.
للتحقيق في اعتبار عبد الله بن محمّد الحجّال راجع: نفس المصدر ١٠: ٣٢.
للتحقيق في اعتبار ثعلبة بن الميمون راجع: نفس المصدر ٣: ٤٠٩.
للتحقيق في اعتبار شعيب الحدّاد راجع: نفس المصدر ٩: ٢٩.
للتحقيق في اعتبار صالح بن ميثم راجع: نفس المصدر ٩: ٨٤.
ولا بدَّ من التنوية هنا إلى أنَّ الوارد في كتاب كمال الدين هو شعيب الحذّاء بدلاً
عن شعيب الحدّاد، ومثل هذا الاسم لم يرد في كتب الرجال، ونُقِلَت هذه الرواية في
الغيبة للشيخ الطوسي والإرشاد للمفيد عن شعيب الحدّاد. وعليه، فإنَّ شعيب الحذّاء
تصحيف لشعيب الحدّاد.
كما أنَّ الوارد في كتاب كمال الدين هو أنَّ راوي الحديث عن الإمام الصادق (عليه
السلام) هو صالح موسى بني العذراء. وقد روى الطوسي في الغيبة هذه الرواية عن شعيب
الحدّاد عن صالح بن ميثم. ومنه نفهم وبشهادة نقل الشيخ الصدوق بأنَّ صالح موسى بني
عذراء هو نفس صالح بن ميثم.
فَقَالَ: «صَيْحَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تُفْزِعُ الْيَقْظَانَ، وَتُوقِظُ
النَّائِمَ، وَتُخْرِجُ الْفَتَاةَ مِنْ خِدْرِهَا»(٣٢).
ولم يرد في هذا الحديث مفردة (النفس الزكية)، ولكنَّ القرائن المتعدِّدة تشير إلى
اتِّحاد الشخصية المذكورة في هذه الرواية مع (النفس الزكية)، والقرائن هي:
أ) إنَّ معنى (النفس الحرام) هو ذلك الشخص الطاهر الذي يقتَل من غير ذنب وجرم، وهذا
المعنى ينطبق على (النفس الزكية)، كما تقدَّم في بيان معنى النفس الزكية.
ب) إنَّ قتل هذه الشخصية يكون في الأيام الحرم، وكذلك هو الحال في مقتل (النفس
الزكية)، حيث ورد أنَّه يقتَل قبل خمسة عشر يوماً من ظهور الإمام المهديِّ (عليه
السلام) والذي يكون في شهر محرَّم، أي إنَّ مقتل (النفس الزكية) سيكون في أواخر شهر
ذي الحجَّة الحرام.
ج) إنَّ هذه الشخصية، الواردة في الرواية الأخيرة، تُقتَل في بلدٍ حرام، وكذلك مقتل
(النفس الزكية) سيكون في مكّة المكرَّمة، وهي من البلد الحرام.
د) إنَّ مدَّة بقاء ملك قاتله سيكون خمس عشرة ليلة بعد مقتله، وهذا يتناسب مع مقتل
(النفس الزكية) الذي يسبق الظهور وزوال الظلمة وقطع دابرهم بنفس المدَّة، كما في
الرواية المعتبرة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣- في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «... يقول القائم لأصحابه: يا
قوم، إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، لكنّي مرسِل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي
أن يحتجَّ عليهم، فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امض إلى أهل مكّة...، فإذا
تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس
الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكّة لا
يريدوننا، فلا يدعونه حتَّى يخرج»(٣٣).
ويستفاد من هذه الرواية اتِّصال وتقارب زمان حادثة مقتل (النفس الزكية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) الغيبة للنعماني: ٣٦٤/
باب ١٤/ الرواية ١٧.
(٣٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/
الرواية ٨١/ الطبعة الثالثة/ ١٤٠٣هـ/ انتشارات دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
وحادثة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، إذ بعد وصول خبر استشهاد (النفس الزكية)
إلى الإمام المهدي (عليه السلام) تبدأ تحرّكات الإمام (عليه السلام)، فيأتي مع
(٣١٣) من أصحابه إلى المسجد الحرام، ويبدأ الظهور الشريف.
إذن، فاتِّصال أو تقارب الحدثين: أي مقتل (النفس الزكية) وظهور الإمام المهدي (عليه
السلام)، واضحٌ بين.
٤- وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «... مَا أَشْكَلَ
عَلَيْكُمْ فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْكُمْ عَهْدُ نَبِيِّ اللهِ وَرَايَتُهُ
وَسِلَاحُهُ وَالنَّفْسُ الزَّكِيَّةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ، فَإِنْ أَشْكَلَ
عَلَيْكُمْ هَذَا فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمُ الصَّوْتُ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِهِ
وَأَمْرِه»(٣٤).
فالإمام (عليه السلام) في هذا الحديث، يعدُّ مقتل (النفس الزكية) إلى جنب عهد رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورايته وسلاحه، ثمّ إلى جنب الصيحة السماوية
كعلامة من علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وتشخيص هويته من بين أدعياء
المهدوية الكاذبين.
ولا شكَّ في أنَّ قتل (النفس الزكية) إنَّما يصحُّ أن يكون معياراً وملاكاً لمعرفة
الإمام المهدي (عليه السلام)، فيما إذا كانت الحادثتان - مقتل (النفس الزكية) وظهور
الإمام المهديِّ (عليه السلام) - متقاربتين زماناً، لأنَّ الفصل الزماني الكبير بين
الحادثتين يفقِد أحدهما مثل هذا التأثير والمعيارية في معرفة الآخر.
فائدة: علائم الظهور لا تلازم علائم معرفة الإمام (عليه
السلام):
وهنا لا بدَّ من التنبيه على وجود فرق بين مطلق العلامات وبين علائم معرفة
الإمام المهدي (عليه السلام)، فإنَّ علائم الظهور بشكلها العامّ، ليس بالضرورة أن
تلازم معرفة الإمام المهدي (عليه السلام)، وإنَّما هي دالّة على قرب الظهور،
وبتحقّقها يكون يوم الظهور المبارك سبباً ومدعاةً للأمل بالخلاص، وحافزاً لتهذيب
النفوس وإعدادها لهذا اليوم القريب.
ولذا، يمكن أن تكون الفاصلة الزمانية كبيرة بين تحقُّق هذه العلامات وبين الظهور
المبارك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) تفسير العياشي ١: ٨٤/ الرواية ١١٧.
وأمَّا العلامات الدالّة على تعيين وتشخيص هوية الإمام المهدي (عليه السلام)، فلا
بدَّ من تحقُّقها في وقت قريب من الظهور لتحقُّق خاصيتها والغرض منها.
٥- وفي رواية محمّد بن الصامت حينما يسأل من الإمام الصادق (عليه السلام) قائلاً:
مَا مِنْ عَلَامَةٍ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ:
وَمَا هِيَ؟ قَالَ: «هَلَاكُ الْعَبَّاسِيِّ، وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ، وَقَتْلُ
النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ، وَالخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ، وَالصَّوْتُ مِنَ السَّمَاءِ».
فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَخَافُ أَنْ يَطُولَ هَذَا الْأَمْرُ؟ فَقَالَ: «لَا،
إِنَّمَا هُوَ كَنِظَامِ الخَرَزِ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضاً»(٣٥).
فالإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث ينفي وجود الفاصلة الزمانية الطويلة
بين العلامات، ويصرِّح بأنَّ هلاك العبّاسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية،
والخسف في البيداء، والصيحة السماوية وخروج الإمام (عليه السلام)، هي حوادث متعاقبة
ومترابطة، يتحقَّق بعضها بعد البعض الآخر تباعاً.
٦- وعن عمّار بن ياسر، في كلام طويل يتعرَّض فيه لعلامات دولة أهل البيت (عليهم
السلام) في آخر الزمان، وعن زمان ظهور إمام العصر والزمان (عليه السلام)، يقول:
(... فَعِنْدَ ذَلِكَ تُقْتَلُ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ وَأَخُوهُ بِمَكَّةَ
ضَيْعَةً، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ
أَمِيرَكُمْ فُلَانٌ، وَذَلِكَ هُوَ المَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَؤ الْأَرْضَ قِسْطاً
وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً)(٣٦).
وهذا الخبر وإن لم يكن صادراً عن المعصومين (عليهم السلام)، ولم ينقله عمّار عن
معصوم بعينه، ولكنَّ شخصية عمّار بن ياسر الممتازة، تُولِّد عندنا اطمئناناً بأنَّه
قد سمع هذا الكلام عن أحد المعصومين (عليهم السلام)، وهو ينقله بدون ذكر اسم ذلك
المعصوم.
مضافاً إلى ذلك، فإنَّ عدم وجود مسوِّغ لاتِّهامه (رضي الله عنه) بالكذب يمكِّننا
من الاطمئنان بصدوره عن المعصوم، أو على أقلِّ التقادير يكون كلامُه مؤيداً لما
مرَّ بنا في هذا السياق.
٧- روى الشيخ الطوسي، عن أحد أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام)، عن سفيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) الغيبة للنعماني: ٣٦٩/
باب ١٤/ الرواية ٢١.
(٣٦) الغيبة للطوسي: ٤٦٤/
الرواية ٤٧٩.
بن ابراهيم الجريري أنَّه سمع أباه يقول: «... النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ غُلَامٌ
مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ يُقْتَلُ بِلَا جُرْمٍ وَلَا
ذَنْبٍ، فَإِذَا قَتَلُوهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ وَلَا فِي
الْأَرْضِ نَاصِرٌ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَبْعَثُ اللهُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّد»(٣٧).
وفي حكاية مجاهد - وهو أحد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أنَّ
ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) إنَّما يكون بعد قتل (النفس الزكية)(٣٨).
ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا يُطَهِّرُ اللهُ الْأَرْضَ مِنَ
الظَّالِمِينَ حَتَّى يُسْفَكَ الدَّمُ الحَرَام»(٣٩).
وفيه دلالة على قرب زمان الظهور من زمان قتل (النفس الزكية).
وبناءً على ما مرَّ في خصوص قتل (النفس الزكية)، نستنتج أنَّ هذين الحدثين
يتحقَّقان خارجاً متقاربين زماناً.
أضف إلى ذلك، ما جاء في بعض الروايات من التصريح بأنَّ الفاصل الزماني بينهما هو
خمس عشرة ليلة.
مكان استشهاد النفس الزكيَّة:
روايات عديدة تعرَّضت إلى ذكر مكان استشهاد (النفس الزكية)، ويمكن تقسيم هذه
الروايات إلى طائفتين:
١- الروايات التي ذكرت أنَّ مكَّة المكرَّمة هي محلُّ استشهاد (النفس الزكية).
٢- روايات ذكرت أنَّ محلَّ استشهاده بين الركن والمقام.
وواضحٌ أنَّه لا تعارض بين هاتين الطائفتين، لأنَّ الطائفة الثانية في صدد تحديدٍ
أدقّ لمكان مقتله، بينما تكتفي الطائفة الأُولى بذكر بلد مقتل (النفس الزكية).
روايات الطائفة الأُولى:
وبناءً على روايات هذه الطائفة، فإنَّ محلَّ استشهاد (النفس الزكية) هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) نفس المصدر/ الرواية
٤٨٠.
(٣٨) التشريف بالمنن للسيد
ابن طاووس: ٢٧٥/ باب ٦٣/ الرواية ٣٩٩/ الطبعة الأُولى/ ١٤١٦هـ/ انتشارات مؤسَّسة
صاحب الأمر (عليه السلام).
(٣٩) الغيبة للنعماني: ٣٨٥/
باب ١٤/ الرواية ٥٥.
مكّة المكرَّمة، والروايات هي:
١- في رواية معتبرة السند عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «أَلَا
أُخْبِرُكُمْ بِآخِرِ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ. قَالَ: «قَتْلُ نَفْسٍ حَرَامٍ، فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، فِي بَلَدٍ
حَرَامٍ، عَنْ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ. وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ
النَّسَمَةَ مَا لَهُمْ مُلْكٌ بَعْدَهُ غَيْرُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَة»(٤٠).
٢- رُوي عن عمّار بن ياسر قوله: (... فَعِنْدَ ذَلِكَ تُقْتَلُ النَّفْسُ
الزَّكِيَّةُ وَأَخُوهُ بِمَكَّةَ ضَيْعَة)(٤١).
الطائفة الثانية:
١- عن الإمام الباقر (عليه السلام)، في معرض بيانه لعلامات ظهور الإمام
المهديِّ (عليه السلام)، قال: «... وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِ مِنَ الشَّامِ،
وَالْيَمَانِيِ مِنَ الْيَمَنِ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ، وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ
آلِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ
النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ»(٤٢).
٢- وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث، قال: «... وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِ
مِنَ الشَّامِ، وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ
وَالمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ...، فَعِنْدَ
ذَلِكَ خُرُوجُ قَائِمِنَا»(٤٣).
٣- وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية أُخرى، قال: «... فَيَدْعُو رَجُلًا
مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ لَهُ: امْضِ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقُلْ: يَا
أَهْلَ مَكَّةَ، أَنَا رَسُولُ فُلَانٍ إِلَيْكُمْ، وَهُوَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنَّا
أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَمَعْدِنُ الرِّسَالَةِ وَالْخِلَافَةِ...، فَإِذَا
تَكَلَّمَ هَذَا الْفَتَى بِهَذَا الْكَلَامِ أَتَوْا إِلَيْهِ فَذَبَحُوهُ بَيْنَ
الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَهِيَ النَّفْسُ الزَّكِيَّة»(٤٤).
٤- وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام)، في بيان علامات الظهور، قال: «... وَلِذَلِكَ
آيَاتٌ وَعَلَامَاتٌ...، وَالمَذْبُوحُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ...،
وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ بِرَايَةٍ خَضْرَاء»(٤٥).
ففي هذه الرواية، وإن لم يصرَّح باسم (النفس الزكية)، ولكن ومن خلال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) نفس المصدر: ٣٦٤/ باب
١٤/ الرواية ١٧.
(٤١) الغيبة للطوسي: ٤٦٤/
الرواية ٤٧٩.
(٤٢) كمال الدين وتمام
النعمة ١: ٦٠٤/ باب ٣٢/ الرواية ١٦.
(٤٣) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام)/ ٣: ٤٩٣/ الرواية ١٠٦٣، نقلاً عن مختصر إثبات الرجعة: ٢١٦/
الرواية ١٨.
(٤٤) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/
الرواية ٨١.
(٤٥) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام)/ ٥: ٢٢٤/ الرواية ١٦٤٥، نقلاً عن: مختصر بصائر الدرجات: ١٩٩.
مجموع الأحاديث المذكورة في مجال علامات الظهور، فإنَّه لا يقتَل بين الركن
والمقام إلَّا شخصية واحدة وهي (النفس الزكية). كما أنَّ ذكر هذا المذبوح بين الركن
والمقام إلى جنب ذكر السفياني، يعتَبر قرينة أُخرى على هذه الحقيقة، وهي أنَّ
المذبوح بين الركن والمقام هو نفس (النفس الزكية) لا غيره.
٥- وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) في نقل قول سلمان الذي أخبر عن حوادث
مستقبلية، قال: «... أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ
الزَّكِيَّةِ وَتَضْرِيجِ دَمِهِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ المَذْبُوحِ ذَبْحَ
الْكَبْش»(٤٦).
فالمستفاد من مجموع هذه الروايات، وفيها المعتبر، أنَّ قتل (النفس الزكية) في مكَّة
المكرَّمة، من الأُمور القطعية. كما يمكن، ومن خلال تعدُّد الروايات الواردة في هذا
الخصوص، وتنوّع مصادرها، ونقلها في المصادر الأساسية لكتب الحديث، الاطمئنان بأنَّ
(النفس الزكية) يقتَل بين الركن والمقام.
النفس الزكيَّة ومحمّد بن عبد الله:
هل إنَّ (النفس الزكية) الوارد ذكره في روايات علامات الظهور، هو أبو عبد
الله محمّد بن عبد الله بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، والملقَّب بـ
(النفس الزكية)، الذي عاش في عهد الخليفة العبّاسي المنصور، فثار على الحكم
العبّاسي واستشهد هو وأنصاره؟
السيد محمّد الصدر، كاتب كتاب (تاريخ الغيبة الكبرى)، يرى وبإصرار أنَّ (النفس
الزكية) المذكور في روايات علائم الظهور هو نفس (النفس الزكية) الذي عاش في زمن
الإمام الصادق (عليه السلام) واستشهد بعد قيامه ضدَّ الحكم العبّاسي.
ويستدلُّ السيد محمّد الصدر لإثبات مدَّعاه، على ذلك في
مرحلتين:
ألف) في المرحلة الأُولى، يستعرض القرائن الدالَّة على اختلاف (النفس
الزكية) مع محمّد بن عبد الله بن الحسن، ثمّ يحاول إبطال هذه القرائن وردّها.
ب) وفي المرحلة الثانية، يذكر القرائن الدالّة على اتِّحاد شخصية (النفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) اختيار معرفة الرجال: ٢٣.
الزكية) الواردة في علائم الظهور، مع محمّد بن عبد الله بن الحسن، فيستنتج تطابق
الشخصيتين(٤٧).
والقرائن التي يرى أنَّها دالّة على عدم تطابق (النفس الزكية) مع محمّد بن عبد الله
بن الحسن، فيحاول إبطالها ونقدها، هي:
القرينة الأُولى:
لا شكَّ في أنَّ (النفس الزكية) يقتَل بين الركن والمقام، وأمَّا محمّد بن
عبد الله بن الحسن، فإنَّه لم يقتَل بين الركن والمقام وإنَّما قُتِلَ في منطقة
(أحجار الزيت) في المدينة المنوَّرة.
وعليه، فمن الواضح أنَّهما شخصيتان مختلفتان.
يقول السيد محمّد الصدر في ردِّه على هذا الاستدلال: إذا ثبتت صحَّة هذه القرينة،
كانت كافية لردِّ نظرية تطابق واتِّحاد الشخصيتين، ولكنَّنا ذكرنا سابقاً فقدان
الدليل المحكم على قتل (النفس الزكية) بين الركن والمقام.
ثمّ يضيف قائلاً بأنَّ الروايتين المذكورتين في كتاب (بحار الأنوار) لإثبات مقتل
(النفس الزكية) بين الركن والمقام، غير كافيتين لإثبات ذلك، والارتكاز الذهني
والشهرة الاجتماعية غير كافيين لإثبات الحوادث التأريخية، فإن تحقَّق وقوع الحدث في
المستقبل، كان ذلك دليلاً على صدقة، وإن لم يتحقَّق في الخارج فلسنا ملزمين
بانتظاره، إذ لا دليل عليه.
أضف إلى ذلك، أنَّ هذه الفرضية تتعارض مع مضمون الحديث الذي نقله الشيخ المفيد في
(الإرشاد)، فقد ورد في ذلك الحديث أنَّ (النفس الزكية) يقتَل في ظهر الكوفة مع
سبعين من الصالحين.
وهذا الخبر أيضاً لا يكفي لإثبات مسألة تأريخية، ولكنَّ حاله ليس بأسوء من حال
الروايات التي تتضمَّن مقتل (النفس الزكية) بين الركن والمقام. وعليه، فإنَّ هذه
الرواية يمكنها معارضة الروايتين الدالتين على مقتله بين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) تاريخ الغيبة الكبرى: ٥٠٦ - ٥١١.
الركن والمقام، وفي حال التعارض يسقط كلا الطرفين عن الاعتبار.
ويضيف قائلاً: وأمَّا ما ورد في كتاب (الإرشاد) من ذبح رجلٍ هاشمي بين الركن
والمقام، فهو أيضاً لا يدلُّ على المقصود، إذ قد لا يكون ذلك الفرد الهاشمي شخصاً
زكياً كالنفس الزكية. هذا مضافاً إلى أنَّ الرواية الضعيفة السند لا تصلح لإثبات
الحقائق التاريخية.
نقد وتحليل:
كما تقدَّم في بحث مكان استشهاد (النفس الزكية)، حيث ذكرنا أنَّ هناك عشر
روايات، بأسانيد مختلفة عن الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، وبمضمونين يؤيد
أحدهما الآخر، ورد في بعضها أنَّ (النفس الزكية) يقتَل في مكَّة المكرَّمة، وفي بعض
الآخر أنَّ مكان استشهاده هو بين الركن والمقام، ومن مجموع هذه الأحاديث المذكورة
يحصل لنا الاطمئنان بأنَّ مكان استشهاد (النفس الزكية) - علامة الظهور - هو مكّة
المشرَّفة، وهذا بنفسه كافٍ لإثبات عدم تطابق واتِّحاد (النفس الزكية) مع محمّد بن
عبد الله بن الحسن.
والأمر الثاني الذي أشار إليه السيد محمّد الصدر (رحمه الله) من وجود التعارض بين
الرواية التي تذكر أنَّ مقتله بين الركن والمقام مع رواية الشيخ المفيد في كتاب
(الإرشاد)، فعلى أساس رواية الإرشاد، فإنَّ (النفس الزكية) يقتَل في ظهر الكوفة في
سبعين من الصالحين، وعليه فإنَّ التعارض سيؤدّي إلى تساقط الروايتين.
وفي الجواب عن هذا الإشكال، نشير إلى عدَّة نقاط:
١- إنَّ الشيخ المفيد (رحمه الله)، لم يرو مقتل (النفس الزكية) في ظهر
الكوفة، كي تصل النوبة إلى دراسة هذه الرواية سنداً ودلالةً فضلاً عن الدخول في
دراسة التعادل والترجيح بينهما وبين رواية الركن والمقام ورواية مكّة المكرَّمة،
وإنَّما كلُّ ما ذكره الشيخ المفيد بنحو كلّي هو:
(... قَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِذِكْرِ عَلَامَاتٍ لِزَمَانِ قِيَامِ الْقَائِمِ
المَهْدِيِّ (عليه السلام)
وَحَوَادِثَ تَكُونُ أَمَامَ قِيَامِهِ وَآيَاتٍ وَدَلَالاتٍ فَمِنْهَا: خُرُوجُ
السُّفْيَانِيِّ، وَقَتْلُ الحَسَنِيِّ...، وَقَتْلُ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ بِظَهْرِ
الْكُوفَةِ فِي سَبْعِينَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَذَبْحُ رَجُلٍ هَاشِمِيٍّ بَيْنَ
الرُّكْنِ وَالمَقَام...)(٤٨).
نعم، هناك حديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء فيه نفس عبارة الشيخ
المفيد (رحمه الله)، ولا يبعد أن يكون منظور الشيخ المفيد هو نفس هذا الحديث، وجاء
في هذا الحديث: «... وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ فِي
سَبْعِينَ، وَالمَذْبُوحُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَام»(٤٩).
ولكنَّ هذه الرواية لا تقوى على مقابلة مجموع الروايات التي تُحدِّد مكان قتل
(النفس الزكية) بمكّة أو بين الركن والمقام، لضعف سند الرواية الأخيرة.
٢- على فرض وجود رواية معتبرة السند، دالّة على أنَّ محل استشهاد (النفس الزكية) هو
ظهر الكوفة، معارضة للروايات التي تدلُّ على أنَّ محلَّ استشهاده هو مكَّة أو بين
الركن والمقام، مع ذلك، تُقدَّم هذه الروايات على تلك الرواية بحكم كثرتها.
٣- إنَّ التعارض إنَّما يقع بين الروايتين فيما لو كانتا متَّحدتي الموضوع، وهو في
موردنا محلّ استشهاد (النفس الزكية)، والحال أنَّ من الممكن أن تكون رواية الإرشاد
في مقام بيان مكان استشهاد نفسٍ زكية غير (النفس الزكية) الوارد ذكرها في روايات
الركن والمقام أو مكَّة، وفي النتيجة يكون للروايتين مضمونان إثباتيان مختلفان، فلا
تنافي بينهما.
وعليه، وبالاستناد إلى الروايات المتعدِّدة التي تُحدِّد مكان مقتل (النفس الزكية)
بمكَّة أو بين الركن والمقام، وعملاً بقواعد التعارض، نستنتج أنَّ السيد الصدر لم
يجب جواباً شافياً عن القرينة الأُولى، فتبقى هذه القرينة دالّة على التغاير بين
(النفس الزكية) - علامة الظهور - وبين محمّد بن عبد الله بن الحسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) الإرشاد للشيخ المفيد:
٦٩٢/ باب ٤٠/ ط ١٣٨٠ش/ انتشارات الإسلامية.
(٤٩) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام)/ ٥: ٢٢٤/ الرواية ١٦٤٥، هذا الحديث مرفوع نقلاً عن: مختصر
بصائر الدرجات: ١٩٩.
القرينة الثانية:
والقرينة الثانية على تغاير وعدم اتِّحاد (النفس الزكية) مع محمّد بن عبد
الله بن الحسن، والتي يحاول السيد الصدر إبطالها، هي الروايات التي وردت عن
المعصومين (عليهم السلام) حول قتل (النفس الزكية)، فإنَّ هذه الروايات صدرت عنهم
بعد مقتل محمّد بن عبد الله بن الحسن.
وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا لا يزالون ينتظرون تحقُّق هذه العلامة ويعتبرونها من
علامات الظهور.
ويحاول السيد الصدر إبطال هذه القرينة بأنَّها إذا ثبتت فهي كافية لإثبات التغاير،
ولكنَّ المشكلة في إثباتها، فيقول:
تأخُّر أخبار الأئمَّة (عليهم السلام) بهذه العلامة من علامات الظهور عن مقتل هذا
الثائر العلوي، ممَّا يدلُّ على أنَّ مقتل (النفس الزكية) يبقى متوقّعاً ومنتظراً
بعد مقتل النفس الزكية الثائر.
وهذا على تقدير ثبوته قرينة كافية أيضاً على نفي الانطباق. إلَّا أنَّه لم يثبت،
فإنَّ كلَّ ما وجدناه من الروايات الدالّة على هذه العلامة، مروية عن الإمامين
الباقر والصادق (عليهما السلام).
أمَّا الإمام الباقر (عليه السلام) فعصره سابق على عصر العلوي الثائر، وكان (عليه
السلام) ينفي لعبد الله بن الحسن -والد النفس الزكية- نجاح ثورته وثورة ولديه،
ويقطع أمله في نيل الخلافة، ويقول: «إنَّ هذا الأمر، والله ليس إليك، ولا إلى
ابنيك، وإنَّما هو لهذا -يعني السفّاح-، ثمّ هذا -يعني المنصور-، ثمّ لولده من
بعده، لا يزال فيهم حتَّى يؤمِّروا الصبيان ويشاوروا النساء»، فقال عبد الله: والله
يا جعفر، ما أطلعك الله على غيبه، وما قلت هذا إلَّا حسداً لابني. فقال: «لا والله،
ما حسدت ابنك، وإنَّ هذا -يعني المنصور- يقتله على أحجار الزيت، ثمّ يقتل أخاه بعده
بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء»(٥٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني: ١٧٢/ الطبعة الثانية/ ١٣٥٨ش/ منشورات المكتبة الحيدرية.
إذن، فليس عندنا دليل يدلُّ على أنَّ صدور الروايات المذكورة كان بعد مقتل محمّد بن
عبد الله النفس الزكية، إن لم نقل بوجود الظنِّ على خلاف ذلك.
نقد وتحليل:
كما أنَّ التقدُّم الزماني لهذه الأحاديث على مقتل محمّد بن عبد الله لا
يدلُّ بالضرورة على اختلاف (النفس الزكية) عن محمّد بن عبد الله، فكذلك لا يدلُّ
هذا التقدُّم على الاتِّحاد، بل ينبغي الحكم في هذه المسألة اعتماداً على القرائن
الأُخرى.
وعلى الرغم من قبول التقدُّم الزماني لهذه الأحاديث على مقتل محمّد بن عبد الله
النفس الزكية، واستناداً إلى الروايات التي تُحدِّد مكان قتل (النفس الزكية) بمكّة
وسائر القرائن التي سيأتي ذكرها، فإنَّنا نعتقد باختلاف محمّد بن عبد الله عن
(النفس الزكية).
القرينة الثالثة:
كما قيل، فإنَّ محمَّد بن عبد الله، لم يكن من المطهَّرين المخلَصين، ولا
بدَّ من انتظار مقتل شخص مطهَّر مخلَص ممتحن أكثر من محمّد بن عبد الله، بل، وكما
جاء في المصادر التأريخية مثل (مقاتل الطالبيين)، فإنَّ محمّد بن عبد الله ادَّعى
المهدوية، وادَّعاها له أبوه أيضاً.
وقد خطب أبوه في بني هاشم بعد زوال حكم بني أُمية وقبل مجيء العبّاسيين للحكم. وقال
لهم: (وقد علمتم أنّا لم نزل نسمع أنَّ هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر
من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم -يعني الوليد بن يزيد- فهلمَّ نبايع محمّداً، فقد
علمتم أنَّه المهديِّ. فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّها والله، ما هي
إليك ولا إلى بنيك، ولكنَّها لهؤلاء، وإنَّ ابنيك لمقتولان»(٥١).
وكان محمّد بن عبد الله بن الحسن، منذ كان صبياً، يتواري ويراسل الناس بالدعوة إلى
نفسه، ويسمّى بالمهدي(٥٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكنَّ السيد الصدر (رحمه الله) يقول: لسنا الآن بصدد مناقشة هذا الأمر والإشكال
عليه، ولكنَّنا نعلم على الأقلِّ بأنَّ محمّد بن عبد الله لم ينجح في حركته، وأنَّه
قُتِلَ، وهذا يكفي لإثبات كذب دعواه المهدوية، بل ويثبت أيضاً عدم طهارته وخلوصه،
بل يثبت كذبه وانحرافه، ولذا علينا أن ننتظر نفساً زكيةً أُخرى لتُقتَل قبل ظهور
الإمام (عليه السلام). فإن ثبتت هذه المسألة التأريخية فلا مناص من الاعتقاد
بانحراف هذا السيد الثائر. ولكن ذلك لا يكون دليلاً على أنَّه ليس المقصود من تلك
الأخبار، لأنَّ الروايات ذكرت (قتل النفس الزكية)، وهذا اللقب أُطلق على محمّد بن
عبد الله بن الحسن من قِبَل أتباعه، وقد اشتهر به بين الناس في ذلك الزمان.
نقد وتحليل:
استناداً إلى استدلال السيِّد الصدر، وروايات النفس الزكية الواردة عن
الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، يطرَح هذا السؤال: هل إنَّ تلقيب
محمّد بن عبد الله بالنفس الزكية، تمَّ قبل مقتل هذا الرجل أم أنَّه اشتهر به بعد
مقتله؟
فإن كان قد اشتهر بهذا اللقب بعد مقتله، كانت الروايات الصادرة عن المعصومين قد
صدرت بعد مقتله، وعليه فإنَّ هذه الروايات لا تقصده هو بالذات، لأنَّ الإمام (عليه
السلام) عندما يبين علامة، فلا بدَّ من تحقُّق تلك العلامة بعد بيانها، ولذا فإنَّ
(النفس الزكية) في بيان الإمام (عليه السلام) ليس محمّد بن عبد الله الثائر.
وأمَّا إذا ادُّعي أنَّ لقب (النفس الزكية) قد أُطلق على محمّد بن عبد الله قبل
مقتله، وأنَّ الإمام (عليه السلام) قد أشار إليه بهذا اللقب الذي اشتهر به، فأيضاً
لا ينفع في المقام، بل إنَّ هذا الكلام غير صحيح، لأنَّ الروايات الصادرة عن الإمام
الباقر (عليه السلام)، والتي عبَّر الإمام فيها بالنفس الزكية، قد صدرت قبل سنة
(١١٤هـ)، وهو التأريخ المشهور لاستشهاد الإمام الباقر (عليه السلام)، وهذا يعني
أنَّ عمر محمّد بن عبد الله (١٤) سنة حين استشهاد الإمام الباقر (عليه السلام).
أضف إلى ذلك، قد لا تكون الروايات المذكورة قد صدرت في آخر عمر الإمام الباقر (عليه
السلام)، إذ يمكن أن تكون قد صدرت قبل استشهاده بعدَّة سنوات، ومع ذلك ذكر فيها لقب
(النفس الزكية).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ إطلاق لقب (النفس الزكية) على محمّد بن عبد الله، لم يكن
بدليل اشتهاره بهذا اللقب، إذ من البعيد جدّاً أن يكون قد لُقِّب بهذا اللقب في
سنٍّ مبكّرة.
وعليه، إذا قلنا بأنَّ (النفس الزكية) هو محمّد بن عبد الله، فلا بدَّ أن نقبل
بأنَّ إطلاق هذا اللقب عليه لم يكن من قِبَل أنصاره وإنَّما كان من قِبَل الإمام
الباقر (عليه السلام)، ولهذا لا بدَّ أن نعتقد حينئذٍ بأنَّه شخصية مطهَّرة خالصة،
والحال أنَّنا على يقين بخلاف ذلك. وبذلك يظهر أنَّ محمّد بن عبد الله هو غير
(النفس الزكية) المرادة في الروايات.
القرينة الرابعة:
إنَّ مقتل محمّد بن عبد الله، كان قبل ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه
السلام)، وحينئذٍ لا يمكن أن يعَدَّ من علامات الظهور، ولا بدَّ من انتظار شخص آخر.
نقد السيد الصدر:
يجيب السيد الصدر على هذه القرينة بأنَّ ذلك لا يرقى إلى الدليلية، فلا
يترتَّب عليه ذلك الأثر المدَّعى من الغيرية.
وأخذ يذكر عدَّة علامات وردت في الروايات تحقَّقت قبل ولادة الإمام المهدي (عليه
السلام)، ويقول بإمكان وجود العلامة قبل ولادته، والسبب في ذلك هو أنَّ التخطيط
الإلهي لم يبدأ من بداية الإسلام، بل هو موجود منذ بداية وجود البشرية.
وعليه، فإنَّ كلَّ الظواهر العظيمة يمكن أن تشير إلى الظهور، وقد ورد في الروايات
ذكر سقوط الدولة الأُموية، وقيام الدولة العباسية، ومجيء الرايات السود، وأنَّها من
علامات الظهور، وكلُّ هذه العلامات ذُكِرَت وتحقَّقت قبل ولادة الإمام المهدي (عليه
السلام).
نقد وتحليل:
إنَّ جواب السيِّد غير مقبول، بمعنى أنَّنا وإن قبلنا أن تكون بعض العلائم
قد ذُكِرَت في الروايات قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، ولكن، كما يحتمل أن
يكون مقتل محمّد بن عبد الله علامة من علامات الظهور، فكذلك يبقى احتمال كون مقتل
(النفس الزكية) الذي يكون قريباً من عصر الظهور، علامة من علامات الظهور. فالقرائن
الخارجية هي المعيار في الحكم في مثل هذه الأُمور، ونحن نعتقد أنَّه، وبالاستناد
إلى روايات زمان ومكان مقتل (النفس الزكية)، غير محمّد بن عبد الله بن الحسن.
القرينة الخامسة:
إنَّ الإخبار عن قتل (النفس الزكية) في الروايات كعلامة من علامات الظهور،
جاء مقترناً بذكر بعض الوقائع الأُخرى التي لم تتحقَّق بعد. ولذا، فإنَّ الفهم
العامّ من سياق العبارات هو أنَّ هذه العلامة أيضاً لم تتحقَّق بعد. وعليه فلا يمكن
اعتبار أنَّ المقصود من (النفس الزكية) هو محمّد بن عبد الله بن الحسن، بل هو إشارة
إلى مقتل شخص آخر يتحقَّق في قادم الزمان.
ومن جملة الروايات، الرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، والتي ذكر
فيها أنَّ للقائم خمس علامات: السفياني، واليماني، والصيحة، وقتل النفس الزكية،
والخسف في البيداء(٥٣).
والروايات التي تُعدِّد العلامات الحتمية، مثل ما ورد عن الصادق (عليه السلام) من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) الغيبة للنعماني: ٣٥٦/ باب ١٤/ الرواية ٩.
أنَّ الصَّيحة حتم، وخروج السفياني، اليماني، والنفس الزكية حتم...(٥٤).
ومن الواضح، أنَّ خروج السفياني، واليماني، والصَّيحة في السماء لم تتحقَّق بعد،
فكذلك قتل (النفس الزكية) الذي ذُكِرَ في عداد هذه العلامات، لم يتحقَّق بعد.
نقد السيِّد الصدر:
ولكنَّ السيد الصدر لم يقبل بهذه القرينة، وذلك باعتبار سياق العبارات،
والذي بموجبه لا بدَّ من القول بعدم تحقُّق هذه العلامات حين صدور الرواية، فالسيد
الصدر يقول: إنَّ بعض العلامات المذكورة في الروايات تتحقَّق بعد صدور الرواية بوقت
قصير وبعضها يتحقَّق بوقت متأخِّر، وتقدُّم تحقُّق العلامة أو تأخُّرها لا علاقة له
بالسياق، خاصَّةً وإنَّ هذه العلائم تمَّ عطفها بحرف (الواو)، و(الواو) ليست كحرف
(أو) أو (ثمّ) أو (الفاء)، فلا تفيد الترتيب، كما يقول ذلك علماء النحو.
نقد وتحليل:
إنَّ ما يقوله السيِّد الصدر في خصوص إمكان تحقُّق العلامة بفاصلة عن
العلامة الأُخرى، صحيحٌ، ولكن يمكن القول بأنَّ تحقُّق علامةٍ مذكورة مع أربع علائم
تتحقَّق قريباً من الظهور، تقوّي احتمال وقوع تلك العلامة بالقرب من عصر الظهور
أيضاً. وعلى أقلّ التقادير يبقى هذا الاحتمال قائماً، وبضمِّ القرائن الدالَّة على
قرب مقتل (النفس الزكية) من زمن الظهور، يتعين هذا الاحتمال.
القرينة السادسة:
استناداً إلى الرواية القائلة بأنَّه ليس بين قيام القائم (عليه السلام)
وبين قتل (النفس الزكية) إلَّا خمس عشرة ليلة، وبعد علمنا بأنَّ بين قتل محمّد بن
عبد الله النفس الزكية وبين الظهور، فاصلة زمانية طويلة، وهي لحدِّ الآن تتجاوز الـ
(١١٥٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) نفس المصدر: ٣٥٧/ باب ١٤/ الرواية ١١.
سنة)، يتَّضح لنا بأنَّه لا يمكن أن تكون روايات قتل (النفس الزكية) ناظرة إلى
محمّد بن عبد الله بن الحسن.
جواب السيِّد الصدر:
يرى بأنَّ هذه القرينة غير صحيحة، لأنَّ هذه الرواية التي وردت في الكثير من
الكتب الشيعية، كالإرشاد للشيخ المفيد، والغيبة للشيخ الطوسي، وكمال الدين للشيخ
الصدوق (عليهم الرحمة)، تنتهي سلسلة رواتها جميعاً إلى راوٍ واحد، وهو ثعلبة الذي
يرويها عن شعيب، وهو ينقلها عن صالح.
وقد وُصِفَ ثعلبة في كتاب الإرشاد وكمال الدين بـ (ابن ميمون).
ووُصِفَ شعيب في كتاب الغيبة والإرشاد بـ (الحدّاد)، وفي كمال الدين بـ (الحذّاء)،
ووُصِفَ صالح في كتاب الإرشاد بـ (ابن ميثم) وفي كمال الدين بـ (مولى بني العذراء).
وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ هذه الروايات، وعلى أحسن التقادير، هي خبر واحد، ونحن،
واستناداً إلى الضوابط السندية، نمنع التمسّك بخبر الواحد في مثل هذه الموارد.
نقد وتحليل:
كما تقدَّم منّا في بحث زمان استشهاد (النفس الزكية) بالتفصيل، فإنَّ
الرواية المنظورة للسيِّد الصدر، معتبرةٌ سنداً. ومضافاً إلى ذلك، فإنَّ الروايات
التي تدلُّ على اتِّصال مقتل (النفس الزكية) بظهور الإمام المهديِّ (عليه السلام)
معتبرة سنداً. ولمَّا كنّا قد بحثنا سابقاً في خصوص هذه الرواية والروايات الأُخرى
بالتفصيل فلا نُكرِّر البحث هنا ثانيةً.
نقد ودراسة نظريَّة التطابق:
لقد توسَّع السيِّد الصدر كثيراً في إثبات التطابق بين (النفس الزكية) وبين
محمّد بن عبد الله، ولكنَّه لم يقدِّم دليلاً قاطعاً في هذا المجال، بل إنَّه حتَّى
في مرحلة إثبات القرائن على الانطباق استند إلى روايتين فقط، وهما:
١- الرواية التي ينقلها أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين)، عن الإمام
الباقر (عليه السلام)، عن آبائه، والتي جاء فيها أنَّ النفس الزكية من أولاد الحسن،
فالسيِّد الصدر يرى بأنَّ دلالة هذه الرواية على أنَّ المقصود من (النفس الزكية) هو
ابن الإمام الحسن (عليه السلام) واضحة بينة.
٢- والرواية الثانية التي ينقلها، هي قول لعبد الله بن موسى، وهو أنَّ جماعة من
علماء المدينة جاؤوا إلى عليِّ بن الحسن وطرحوا عليه هذه المسألة (المطالبة
بالحكم)، فقال لهم بأنَّ محمّد بن عبد الله أولى منه بالحكم. ثمّ يذكر حديثاً
طويلاً، إلى أن يشير إلى (أحجار الزيت) ويقول: هنا يقتَل النفس الزكية. يقول عبد
الله بن موسى: ولقد رأيناه قتيلاً في المكان الذي أشار إليه.
كما أنَّ السيِّد الصدر ينقل حديثاً عن مسلم بن بشّار، وأنَّه قال: كنت مع محمّد بن
عبد الله جنب غنائم خشرم، فقال لي: هنا يقتَل النفس الزكية، وكان يقصد نفسه، حيث
قُتِلَ فيما بعد في نفس ذلك المكان.
فالسيِّد الصدر، يرى كفاية هذه القرائن لإثبات التطابق بين (النفس الزكية) ومحمّد
بن عبد الله، بضميمة ردِّ قرائن الافتراق وعدم التطابق، مؤكِّداً هذا الادِّعاء
بكلِّ جزم وإصرار.
نقد وتحليل:
أوَّلاً: النقد السندي:
ورد في سند الرواية الأُولى أمثال عليِّ بن عبّاس وعمر بن موسى، وعليُّ بن
عباس مشترك بين أربعة أنفار لم يذكر أحدهم في الكتب الرجالية، أو عُدَّ من الضعاف(٥٥).
وأمَّا عمر بن موسى فلم يرد له ذكر(٥٦).
وعليه لا يمكن الاستناد على هذه الرواية.
كما أنَّ الروايتين الأخيرتين ليستا عن الإمام المعصوم، فالأُولى عن عليِّ بن
الحسن، والثانية عن محمّد بن عبد الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الاستناد على رواية غير المعصوم لإثبات المدَّعى، ضعف واضح.
ثانياً: النقد الدلالي:
إنَّ رواية الإمام الباقر (عليه السلام) في أنَّ (النفس الزكية) من أولاد
الإمام الحسن، لا تدلُّ إلَّا على نسب النفس الزكية، فهي لا تدلُّ على أنَّ مقصود
الإمام (عليه السلام) محمّد بن عبد الله أو شخص آخر غيره يظهر في زمان مستقبلي يحمل
هذا النسب.
كما أنَّ قتل محمّد بن عبد الله في ذلك المكان المعين، والذي ورد في القرائن
الأُخرى، لا ينافي تحقُّق نفسٍ زكية قبيل الظهور.
وبعبارة أُخرى: سيكون عندنا دليلان مثبتان، إثبات أحدهما لا ينافي إثبات الآخر.
وممَّا تقدَّم، وخاصَّة القرينة الأُولى والسادسة، يتَّضح لنا بأنَّ (النفس الزكية)
الوارد ذكرها في روايات علائم الظهور، هي غير محمّد بن عبد الله بن الحسن، ولا بدَّ
من انتظار تحقُّق هذه العلامة في المستقبل، وهي إحدى علامات ظهور الإمام المهدي
(عليه السلام).
الإمام المهدي (عليه السلام) في
أحاديثِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسين (عليه السلام)
قراءةٌ تأويليةٌ
الدكتور حاكم حبيب الكريطي
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري
شغلتْ قضيةُ الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام) الفكرَ الإسلاميَّ منذُ عصرِ النبّوةِ، بعد أنْ أخبر النبيُّ (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) بغيبتهِ وظهورهِ في أحاديثَ كثيرةٍ، وذهبَ المسلمونَ في فهمِها
وإدراكِها مذاهبَ شتى، على الرّغمِ من أنّهم جميعاً مُجمعون على أصلِ الظهورِ. وقد
تحدّثَ أهلُ البيت (عليهم السلام) في العصورِ اللاحقةِ كثيراً عن ذلك ليُزيلوا عن
النفوسِ ما علِقَ بها من وهمٍ وانحرافٍ يمسُّ قضيةً تشكّلُ أُسّاً رئيساً من أسسِ
(الإمامةِ). فتحدّثوا عن غيبةِ الإمامِ المهديّ (عليه السلام) وزمانها وعلاماتِ
ظهورهِ بعد غيبتهِ، ليضعوا المسلمين في دائرةِ الانتظارِ والدعاءِ بتقريبِ الفرجِ،
لأنّ ذلك يشدُّ المسلمَ إلى عقيدتهِ، ويجعلُهُ في ارتباطٍ متينٍ دائمٍ مع الله
تعالى.
إنّ غيابَ الإمامِ (عليه السلام) يدعو إلى التمسّكِ بإمامتهِ، لأنَّ وجوبها وجوبٌ
إلهيٌّ، والغائبُ الحيُّ يُنتظر ظهورُه إذْ إنّ غيابَه نظامٌ ربانيٌّ، أراده الله
تعالى على هذا النحوِ ليبتليَ المسلمين ويختبرَهم، فالثباتُ في زمنِ الغيبةِ من
المراتبِ التي ترفعُ من شأنِ صاحبهِ.
إنّ تصورَ الغيبةِ من كلامِ الأئمّةِ (عليهم السلام) وقراءةَ أحاديثِهم على وفقِ ما
تقدّمُهُ اللغةُ من إمكاناتٍ تأويليةٍ، سيضيفُ بُعداً معرفياً للغيبةِ، تُعاضُده
الرواياتُ الموثوقةُ التي وصلتْ إلينا عنهم، وسينهضُ هذا البحثُ بهذه المهمةِ إنْ
شاءَ اللهُ تعالى، بعد النظرِ في أحاديثِ الإمام عليِّ بنِ الحسين (عليهما السلام)
في هذا الشأن.
بقيَ أنْ نشيرَ إلى أنّنا سنقرأ
أحاديثَ الإمامِ عليِّ بنِ الحسين (عليهما السلام) قراءةً تأويليّةً، ونعني
بالقراءةِ التأويليّةِ هنا: الالتفاتَ إلى المفرداتِ المركزيّةِ في النصوصِ،
والوقوفَ على المعاني التي تنطوي عليها ويقبلُها السياقُ، ونأخذُ منها ما قد يكونُ
فيصلاً في فهمِ المعنى من دونِ أنْ ندعَ المعاني الأخرى. واستناداً إلى هذا، فقد
نقفُ على أكثرَ من توجيهٍ للمعنى في مواطنَ كثيرةٍ، وبهذا ينكشفُ الثراءُ الدلاليُّ
لأحاديثِ الإمامِ عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، شأنُه في ذلك شأنُ أهلِ البيتِ
(عليهم السلام) جميعاً، لأنّهم أربابُ الكلامِ.
يقول الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) عن فصاحةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام): «وإنّا
لأُمراءُ الكلامِ، وفينا تنشّبتْ عروقُهُ، وعلينا تهدّلتْ غصونُهُ»(١).
ومن هنا فإنّ هذه القراءةَ التي نتبنّاها هنا تتساوقُ مع ما يُريده أهلُ البيت
(عليهم السلام) ممّن يقرأُ أحاديثَهم من المسلمين، لأنّها تنصرفُ إلى وجوهٍ كثيرةٍ،
فقد رُوي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليهم السلام) أنّه قال: «... وإنّ
الكلمةَ من كلامِنا لتنصرفُ على سبعين وجهاً، لنا من جميعهِ المخرجُ»(٢).
والمخرجُ الذي يُشيُر إليه الإمامُ (عليهم السلام)، هو المعنى الذي يُفضي إليه
القولُ الواحدُ من أقوالهم في كلِّ قراءةٍ جديدةٍ. وهذا من بعضِ أسرارِ تميّزِ
خطابِ أهل البيتِ (عليهم السلام).
وعلى الرغمِ من هذا الذي قدّمناهُ، فإنّنا نستعيذُ باللهِ تعالى من الجورِ على
النّصوصِ، أو تحميلِها ما لا تحتملُ، فهذا ما لا يُمكن أنْ يكونَ، لأنّنا أمامَ
أحاديثِ إمامٍ من أئمّة الهدى (عليهم السلام)، ونحسبُ هنا أنّ هذهِ القراءةَ
تتلاءمُ مع التوجيهِ الذي وصلَ إلينا من أهلِ البيت (عليهم السلام)، في طريقةِ
النّظرِ في أحاديثهم.
الغيبةُ الأولى والغيبةُ الثانية:
أخبرَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهلُ البيتِ (عليهم السلام)
إنَّ للإمامِ المهديِّ (عليه السلام) غيبتينِ(٣)،
ومادام الإخبارُ عن ذلك جاءنا من المعصومين (عليهم السلام) فلا يبقى مُسوّغٌ للقولِ
بخلافِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) نهج البلاغة: ٢/٢٢٦.
(٢) بحار الأنوار: ج٢،
ص١٩٤، ح٥.
(٣) الإمامة والتبصرة ١ -
٣.
ذلك. وإنمّا من المعقولِ تماماً أنْ
ننظرَ في الغيبتينِ وما يرافقُهما من أحداثٍ، لأنّهما واقعتانِ لا محالة، بعد هذا
الإخبارِ النبويِّ وإخبارِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام). ومن هنا تأتي أهميةُ قراءةِ
إشاراتِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليهما السلام) عن ذلك.
يقولُ الإمامُ (عليه السلام) مبيّنا غيبة الإمامِ المهديِّ (عليه السلام): «إنّ
للغائبِ منّا غيبتينِ، إحداهما أطولُ من الأخرى، أمّا الأولى فستةُ أيامٍ أو ستةُ
أشهرٍ، أو ستُ سنواتٍ، وأمّا الأخرى فيطول أمدُها حتى يرجعَ عن هذا الأمرِ أكثرُ من
يقولُ به، فلا يلبثُ عليه إلّا من قويَ يقينُه وصحّتْ معرفتُه، ولم يجد في نفسِه
حرجاً ممّا قضينا، وسلّم لنا أهلَ البيتِ»(٤).
ابتداءً، يلوحُ لنا من قولِ الإمامِ (عليه السلام) هذا أنّ استعمالَهُ للفظةِ
(الغائبِ)، بدلاً من -مثلاً- (من سيغيبُ منّا)، -والغيبةُ لم تقعْ بعدُ- يؤكِّدُ
وقوعَ غيْبَتَي الإمامِ (عليه السلام) حقّاً. ويُنبئ بأنّ الإمامَ (عليه السلام)
آثرَ هذا الاستعمالَ ليُبصِّرَ السامعَ أنّ الغيبةَ واقعةٌ لا محالة. وهذا الضربُ
من التعبيرِ تُؤثرهُ اللغةُ لأنّهُ يمنحها بُعداً جمالياً ودلالياً، فاستعمالُ
(إنَّ) أفادَ التوكيدَ الذي يُريدهُ الإمامُ (عليه السلام) لأمرٍ سيحصلُ في
المستقبلِ، وهو من القضايا الكبرى التي يكون الغيبُ ركيزةً لها، فتوكيدُ الغيبِ على
هذا النحوِ لا يقوى عليه إلّا أهلُ البيت (عليهم السلام) هذا فضلاً عن معرفةِ
المتلقي بهذا الأمرِ من قبلُ، فالإمامُ (عليه السلام) يُخبر به، وهو معهودٌ عند
السامعِ تماماً، ولكنّ تكرارَ ذكره في أحاديثِ الأئمةِ (عليهم السلام)، يقوّيهِ في
نفوسِ المسلمينَ ويدعوهم إلى التمسّكِ بهذه العقيدةِ التي يُحاولُ البعضُ أنْ
يقلّلَ من شأنها، ومن هنا تأتي تعبيراتُهم على النحوِ الذي يجعلُ وقوعَ الغيبةِ
أمراً قائماً حقاً في وجدانِ كلِّ مسلمٍ.
ثم يتحدثُ الإمامُ (عليه السلام) عن الغيبتينِ، ويجعلُ مدةَ الغيبةِ الأولى ستةَ
أيّامٍ أو ستةَ أشهرٍ أو ستَ سنين، من دونِ أنْ يرجّحَ أيَّ زمنٍ من هذه الأزمانِ
الثلاثةِ. وهذا كلُّه لا يتوافقُ مع ما عُرفَ عن مدةِ الغيبةِ الأولى، وهي قرابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) كمال الدين: ٣٢٤.
السبعين عاماً. إذْ انتهت بوفاة
آخرِ السفراءِ الأربعةِ، علي بن محمد السّمري ت ٣٢٩هـ(٥).
والإمامُ (عليه السلام) يعلمُ هذا كلَّه، فكيفَ نتأولُ ما قاله؟ ولقد التفتَ
علماؤنا إلى هذه الأزمانِ الثلاثةِ التي ذكرها الإمامُ (عليه السلام) وذهبوا في
توجيهها مذاهبَ شتى، سنأتي على ذكرها موافقين أو معترضين. وهي على النحو الآتي:
أولاً: إنّ ذكرَ هذه التواريخ مفتوحٌ لينصرفَ إلى تواريخَ أخرى، لأنّهُ لم يأتِ على
سبيلِ الحصرِ القاطعِ، وإنّما جاء على سبيلِ الإشارةِ العامِّةِ التي يمكنُ أن
تنفتحَ على أزمنةٍ أخرى غير ما ذُكرَ، فتكون على سبيلِ التمثيلِ والتقريبِ لا
الحصرِ والقطعِ. يقولُ ابنُ بابويه القمّيُّ: (لا يمتنعُ أن يجوزَ وقتُهُ من ستةِ
أيّامٍ إلى ستةِ أشهرٍ ومن ستةِ أشهرٍ إلى ستِ سنين غير مُمتنعٍ أنْ يجوزَ إلى
سنين)(٦).
ثانياً: أراد الإمامُ (عليه السلام) اخفاءَ زمنِ الغيبةِ وتعميتهِ، حتى لا تُعرفَ
حقيقتُه، لأنّ توقيتَ الظهورِ منهيٌّ عنه في أحاديثَ كثيرة، منها ما رُويَ عن
الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) وهو قولُه: «من وقّتَ لك من النّاسِ شيئاً فلا
تهابنّ أنْ تُكذّبه، فلسنا نوقّتُ لأحدٍ وقتاً»(٧)،
لكنّ هذا لا يمنعُ من الإشارةِ إلى الزمنِ وبيانهِ على هذا النحوِ الذي يحَتملُ
وجوهاً كثيرةً. وخروجُهُ من الإمامِ (عليه السلام) بصيغةٍ واحدةٍ يُعدُّ توقيتاً
ثابتاً، لأنّ الإمامَ (عليه السلام) حُجّةٌ فيما يقولُ، واستناداً إلى هذا، أخذ
بيانُ الزّمنِ هذا الإطارَ الواسعَ غيرَ المقيّد. يقولُ ابنُ بابويه القمّيّ،
مشيراً إلى إغماضِ الإمام (عليه السلام) للغيبةِ (... وإنْ أرادَ الإغماضَ منه،
فغيُر عَجَبٍ أنْ يغمضَهُ بأشدّ ما يقدِرُ عليه، ويسترَ عنه بأجهدِ ما يُمكنهُ،
لأنّ أمراً يّخبُر عنه من يُوثقُ بعلمه، بالشّكّ بين ستةِ أيّامٍ أو ستِ سنين، لا
يُرادُ به غيرُ المغاضضةِ والسّترِ)(٨).
ثالثاً: ذهب بعضُ العلماءِ إلى القولِ: إنّ الغيبةَ تقترنُ بها حيرةٌ في شأنِ
الإمامِ (عليه السلام) وشأنها عند البعض، فيكون ما ذكره الإمامُ من الوقتِ، هو زمن
الحيرةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) ينظر الإمامة والتبصرة:
١٧؛ الكافي: ١/٣٩؛ كمال الدين: ٤٣٢؛ الرسائل العشر: ١٦.
(٦) ينظر الإمامة والتبصرة:
١٢.
(٧) م. ن ٩٥.
(٨) الإمامة والتبصرة: ١٣.
والغيبةِ، ثم ترتفعُ الحيرةُ وتبقى
الغيبةُ، وتفاوتُ الزّمنِ المشارِ إليه، يعني قد ترتفعُ حيرةُ إنسانٍ بعد ستةِ
أيّامٍ، وترتفعُ حيرةُ آخرُ بعد ستةِ أشهرٍ أو ستِ سنين(٩).
وظنّي أنّ هذا الكلامَ لا يتوافقُ مع ما ورد في قولِ الإمامِ (عليه السلام) الذي
خصّ به الغيبةَ الصغرى، لأنّ أخبارَ الإمامِ (عليه السلام) تصلُ إلى شيعتهِ بوساطةِ
السُّفراءِ، ولا تنقطعُ عنهم، فلا مسوّغ لهذهِ الحيرةِ المشارِ إليها، هذا فضلاً عن
أنّ المسلمين يعرفون زمنَ الغيبةِ قبل وقوعها، لأنها ستبدأ بعد وفاةِ الإمامِ
الحادي عشر الحسنِ بنِ عليّ العسكريِّ (عليه السلام)، وانتقال الإمامةِ إلى الإمامِ
المهديّ (عليه السلام).
رابعاً: ذهب الأمينُ الأسترآبادي إلى أنّ آحادَ مدةِ الغيبةِ هذا القدر، لأنّ هذا
يتوافق مع الأحاديث المروية في هذا الشأن، يقولُ: (... فيكون ظهورهُ في السّابعِ
ليوافقَ الأحاديثَ الدالةَ على أنّ ظهورَهُ في فردٍ من السنين، ولما تجاوز مدةَ
الآحادِ، ومدةَ الآحادِ مع العشراتِ، بقيتْ مدةُ الآحادِ مع المئاتِ ومدةُ الآحادِ
مع الألوفِ)(١٠).
ونعتقدُ هنا أنّ هذا التوجيهَ بعيدٌ تماماً عن المرادِ، لأنّ مُضيَّ هذه التواريخِ
يُحتّمُ انتظارَ تواريخَ أخرى بعينِها، قد لا تنتهي مادامتْ الدنيا قائمةً، هذا
بطرقِ الحسابِ، لأنّ مدةَ الآحادِ مع الأُلوفِ تطولُ أيضاً إلى أنْ ينتهي حسابُ
الألوفِ. هذا فضلاً عن أنّ النظرَ إلى التواريخِ المذكورةِ فيه انتظارٌ لسنواتٍ
بعينها وهذا يتلاءم مع التعيين المنهيِّ عنه.
وفوق هذا وذاك، إنّ العلماءَ يُجمعون -كما مرّ بنا قبلَ قليلٍ- على أنّ الغيبةَ
الصغرى انتهت سنة (٣٢٩هـ)، فكيف يوّجهُ الأمين الأسترآبادي كلامَ الإمامِ (عليه
السلام) على هذا النحو، وهو المتوفى سنة (١٠٨١هـ)(١١).
ولكنّنا إذا اعتقدنا أنّه ظنّ أنّ الإمامَ (عليه السلام) يذكر الغيبةَ الكبرى وهذا
معقولٌ، ويُقبلُ منه التباساً، لأنّ قولَ الإمام (عليه السلام) واضحُ في دلالته على
الغيبةِ الصغرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) شرح أصول الكافي: ٦/
٢٥٨.
(١٠) م. ن.
(١١) ينظر: مقدمة شرح أصول
الكافي: ١/٣.
خامساً: إنّ بعضَ أحاديثِ أهلِ
البيتِ (عليهم السلام) تكون صعبةً مُستصعبةً، وغالباً ما تتناسبُ مع قدراتِ
السّائلِ أو السّامعِ، وقابليتِهِ المعرفيةِ، فقد تكونُ صعبةً لا يُسبُر غورُها
بسهولةٍ عند البعضِ، وتكونُ مدركةً معروفةً عند البعضِ الآخرِ. وهذا كلُّهُ يعتمدُ
على القربِ منهم (عليهم السلام) ومدى السّيرِ على نهجهم. وهذا أيضاً يُفسر لنا
اختصاصَ بعضِ أصحابهم بهم، لأنّهم يمتلكون القدرةَ على توجيهِ أحاديثِهم على وفقِ
ما يريدون. يقولُ الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابهِ
القرآنِ ومحُكماً كمُحكمِ القرآنِ، فردّوا مُتشابهها إلى مُحكمها، ولا تتّبعوا
متشابهها دون مُحكمها فتضلّوا»(١٢).
أمّا الغيبةُ الكبرى، فيشير الإمامُ (عليه السلام) إلى طولِ أمدِها، إذْ يقودُ هذا
الطولُ إلى اضطرابِ النّاسِ وقلقِهم، ممّا يدفعُ بهم إلى الرجوعِ عن الاعتقادِ بها
(بالغيبة)، ولا يبقى ثابتاً على اعتقاده إلّا من كان من أصحابِ اليقين والمعرفة
الصحيحة، وهؤلاءِ هم من عرف مقامَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) معرفةً تُهيّئ له
قوةَ اليقين المشارَ إليها، لأنّ الشّكَ والارتيابَ لا يجدُ إلى نفسِهِ سبيلاً.
وطولُ أمدِ الغيبةِ، يزيدُ عقيدتَه رسوخاً، لأنّه يعيش في انتظارِ الفرجِ في كلِّ
حينٍ، ويدركُ ما يعنيه الانتظارُ من تجسيدِ العقيدةِ الحقّةِ. أمّا انتظارُ من سبق
فلهم أجرُهم فيه. ومن هنا لا تبدو المدةُ طويلة أو الأمدُ بعيداً، لأنّ الظهورَ
محكومٌ بمشيئةِ اللهِ تعالى. يقولُ الإمامُ الصّادق (عليه السلام): «إنّ اللهَ لا
يعجلُ لعجلةِ العبادِ، إنّ لهذا الأمرِ غايةً ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم
يستقدموا ساعةً ولم يستأخروا»(١٣).
إنّ هذه الدلالاتِ التي استنبطناها من كلامِ الإمامِ (عليه السلام) تكشفُ عن
الحيويةِ التي يختزنُها أهلُ البيتِ (عليهم السلام) في أحاديثهم، ليعبّدوا للمسلمين
سُبَلَ التفكيرِ المعرفيِّ الصّحيحِ الذي ينبغي أنْ يتمثلَهُ من ينظرُ في كلامهم.
بقي في النّفسِ شيءٌ، أرجأنا الحديثَ عنه متعمّدين، وكان حقُّه أن يتقدمَ، وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) عيون أخبار الرضا
(عليه السلام): ٢/٢٦١؛ الاحتجاج: ٢/١٩٢.
(١٣) الكافي: ١/٣٦٨.
أنّ الإمام علي بن الحسين (عليه
السلام) عرّف غيبتي الإمام المهدي بـ (الأولى) و(الثانية)، ولم يقلْ: الغيبةُ
الصغرى والكبرى على وفقِ ما شاع في مؤلفاتِ علمائنا في العصورِ اللاحقةِ لعصره، فما
الذي يمكن أن نتأوّلَه هنا في هذا الأمر؟
أغلبُ الظنِّ، إنّ استعمالَ لفظتي (الصغرى) و(الكبرى)، يقتصرُ على البعدِ الزمني،
الذي تستغرقُهُ كلُّ غيبةٍ، ولا يُفضي إلى دلالةٍ أخرى، إلّا بمقدارِ ما في ذهنِ
السّامعِ أو القارئ من معرفةٍ بقضيةِ الغيبةِ والبُعدِ الزّمنيِّ. وهذا وجهٌ واحدٌ
من وجوهِ غيبةِ الإمام المهديّ (عليه السلام)، وما بقي فيها من دلالاتٍ ربما يفوقُ
هذا الوجهَ الذي يتقيدُ بالزّمنِ، فالغيبةُ الأولى على وفقِ وصفِ الإمام عليِّ بنِ
الحسينِ (عليه السلام)، كان الإمامُ فيها على صلةٍ بأتباعهِ ومواليهِ، ولم تنقطعْ
عنهم أخبارُهُ، إذ كانتْ تصلُ إليهم من طريقِ السُّفراءِ الأربعةِ، الذين نهضوا
بمهمةِ الإبقاءِ على تلك الصّلةِ، فهو (عليه السلام) غائبٌ وحاضرٌ في آنٍ معاً،
غائبٌ عن الناسِ بمكانهِ الخفيّ، حاضرٌ معلومٌ عند السّفراءِ، وما كان يخرج منه من
توقيعاتٍ وكتبٍ وأخبارٍ تجعلُ هذه السمةَ سمةً مميزةً لهذه الغيبةِ. وتجعلُها كبرى
في حوادثِها وإنْ كانتْ صغرى في زمنها. هذا فضلاً عن أنّ ما واجه الإمامَ (عليه
السلام) في ولادتهِ ثم وفاةِ أبيهِ، والصلاةِ عليه مُبعداً عمّه (جعفراً) عن ذلك،
تجعلُ هذه الغيبةَ حقاً (كُبرى) وليستْ (صُغرى).
ولا أدلُّ على كِبَرِ حوادثِ هذه الغيبةِ من قولِ الإمامِ عليّ بنِ الحسينِ (عليه
السلام) يصفُ بعضاً من حوادثها التي تتصلُ بما يفعلُه (جعفرُ الكذّابُ) المشارُ
إليه قبلَ قليل، يقولُ (عليه السلام): «... فسمّوهُ جعفرَ الكذّابَ المفتري على
اللهِ والمدّعي لما ليس له بأهلٍ، المخالف على أبيه والحاسد لأخيه...، كأنّي بجعفر
الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمرِّ وليِّ اللهِ، والمغيّبِ في حفظِ
اللهِ، والتنكيلِ بحرمِ أبيه، جهداً منه بولادتهِ وحرصاً منه على قتلهِ إنْ ظفرَ به،
طمعاً في ميراثِ أبيه حتى يأخذَه بغيرِ حقًّ»(١٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) الاحتجاج: ٢/٤٩.
وهذه حقاً من الحوادث الكُبرى في
هذه الغيبة، فولادةُ الإمامِ (عليه السلام) غيرُ معلومةٍ من أحد، إذ كانتْ خافيةً
على عمّه جعفر الذي أراد أنْ يأخذَ ما ليس له بحقٍّ، وهي الإمامةُ. وما أشار إليه
الإمامُ (عليه السلام) مما يفعلُه جعفر الكذاب مؤذٍ لأهلِ البيتِ (عليهم السلام)
ولكنّها سنةُ اللهِ تعالى في عبادهِ وفي هذه القضيةِ قضية الإمامة، إذ أنّها تبدأ
وتنتهي بابتلاءات، يريدُ اللهُ تعالى أنْ يُمحّصَ عبادَه بها.
ومن هنا ندرك تماماً ما جاء في وسط الرواية من أنّ الإمامَ عليَّ بنَ الحسين (عليه
السلام) بكى بكاءً شديداً، وهو يُخبر بما يفعله جعفرُ الكذّابُ(١٥).
أمّا الغيبةُ الثانيةُ، فهي كُبرى أيضاً، لأنّها ترتبطُ بانتظارِ الظهورِ، وهذا قد
يأخذُ زمناً، وسيكونُ الزمنُ الذي يأتي بعد الظهورِ كبيراً في حوادثه، فهل سُميتْ
هذه الغيبةُ كبيرةً بما تُفضي إليه من حوادثَ بعد الظهورِ؟ أظنّ ذلك، وأظنُّ معه
أنّ استعمالَ (الأولى والثانية) للدلالةِ على الغيبتينِ هو الصحيحُ، ولم يبقَ بعد
هذا مسوّغٌ لأنْ نذهبَ بعيداً عمّا قرّرهُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام)
بشأنِ بيانِ دلالةِ الغيبةِ الأولى والغيبةِ الثانيةِ.
فضلُ أهلِ زمانِ الغيبةِ:
يذكر الإمام (عليه السلام) أهلَ زمان غيبةِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام)
من المسلمين وينعتُهم بنعوتٍ تُظهرُ المنزلةَ الكبيرةَ التي يتبوّؤونها، لأنّهم
آمنوا بإمامتهِ ولم يَرَوهُ، وإنّما اعتمدوا على الروايات التي وصلت إليهم، في قضية
تُعدّ من القضايا الكبرى في الحياةِ الإسلاميةِ.
ومن هنا جاء حديثُ الإمامِ عليِّ بنِ الحسين (عليه السلام) عن أهلِ زمانِ الغيبةِ.
ومن ذلك قولُه: «إنّ أهلَ زمانِ غيبتهِ القائلين بإمامتهِ والمنتظرين لظهورهِ أفضلُ
أهلِ كلِّ زمانٍ، لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه أعطاهم من العقولِ والأفهامِ والمعرفةِ ما
صارتْ به الغيبةُ عندهم بمنزلةِ المشاهدةِ»(١٦).
فالإمامُ (عليه السلام) لا يعنيه من أهلِ زمانِ غيبةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) ينظر عما كان من شأن
جعفر الكذاب في: كمال الدين: ٥٥؛ الخرائج والجرائح: ٢/ ٩٣٩.
(١٦) كمال الدين: ٣٢٠؛
إلزام الناصب: ١/٢١٦؛ إعلام الورى ٤٠٧.
الإمامِ المهدي (عليه السلام) إلا
الذين يؤمنون بإمامتهِ وغيبتهِ وينتظرون ظهورَه، وهؤلاءِ أفضلُ من أهلِ الأزمانِ
كلِّها، السابقةِ واللاحقةِ بهذين الشرطين، فالأفضليةُ إذن جاءتْ ابتداءً من
الإيمانِ بإمامةِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) ومن ثم غيبتِهِ، ومن بعدِ ذلك
انتظارُ ظهورهِ. ثم يذكرُ الإمامُ (عليه السلام) فضلَ اللهِ تعالى على أهلِ زمانِ
الغيبةِ، بما أعطاهم من العقولِ التي تتدبّرُ ما جاء في رواياتِ أهلِ البيتِ عن
الإمامِ المهديّ (عليه السلام)، وتتمثَّلها بما يوفّر لها الإيمانَ المطلقَ بغيبتهِ
(عليه السلام).
أمّا ما أعطاهم اللهُ تعالى من الأفهامِ، فالمرادُ به إيمانهُم بالغيبةِ من طريقِ
الإحساسِ الوجدانيِّ، فالفهمُ في اللغةِ يعني: (معرفتُك الشيءَ بالقلبِ)(١٧)،
وهنا يجتمعُ العقلُ مع القلبِ في الاعتقادِ بغيبةِ الإمامِ (عليه السلام)، عند أهلِ
زمانِ الغيبةِ، وهذه منحةٌ من الله تعالى وهبها لهم.
ثم يُضيفُ الإمامُ (عليه السلام) ذكرَ ما أعطاهم اللهُ تعالى من المعرفةِ، وهذا
يندرجُ في إطارِ المعرفةِ الحقّةِ التي تنتجُ مما تقدّم، أيْ من اجتماعِ العقلِ مع
القلبِ في هذه القضيةِ التي تمثّلُ لبَّ العقيدةِ الإسلاميةِ.
إنّ هذه السماتِ التي منحها اللهُ تعالى لأهلِ زمانِ الغيبةِ تجعلهم قادرين على
الإيمانِ بها وكأنّها وقعتْ أمامهم وشاهدوها بأعينهم، فصار الغيبُ مشاهدةً، وهذه
مرتبة ٌمن مراتبِ الإيمانِ، يمكنُ أنْ تكونَ مصداقاً من مصاديقِ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾
(البقرة: ٣)، فالإيمانُ بالغيبةِ بعد وقوعِها على النحوِ المشارِ إليه، من سماتِ
المتّقينَ الممدوحينَ في هذهِ الآيةِ المباركةِ.
ويضيفُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليهما السلام) صفةً أخرى لأهلِ زمانِ الغيبةِ،
مُتمّاً قوله السّابق: «وجعلهم في ذلك الزّمانِ بمنزلةِ المجاهدينَ بينَ يديْ رسولِ
اللهِ بالسّيفِ، أُولئك المخلَصونَ حقّاً، وشيعتُنا صدقاً، والدعاةُ إلى دينِ اللهِ
سِرّاً وجَهْراً»(١٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنّ أوّلَ ما يمكنُ أنْ يُشارَ إليه
هنا، هو مساواةُ الإمامِ عليِّ بنِ الحسين (عليه السلام) بين أهلِ زمانِ الغيبةِ
والمجاهدين بين يديْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حروبهِ، وهذه
مرتبةٌ إيمانيّةٌ تُظهر اللطفَ الرّبانيَّ بهؤلاءِ، إذ يكونُ لهم من الثوابِ
والرفعةِ وسموِّ المنزلةِ ما يكون لمن حارب في بدرٍ الكبرى وأُحُد والأحزاب...
وغيرها من معاركِ تثبيتِ الدينِ وتركيزِ العقيدةِ في النفوسِ. مع ما يعنيه الجهادُ
بالسيفِ من مواجهةِ الموتِ في كلِّ حين، ومن دون أيّ شكٍّ فإنّ المعنيَّ من أهلِ
زمانِ الغيبةِ، ليس كلَّ من شهد هذا الزمانَ، وإنمّا المعنيّ من تمسك بسيرة أهل
البيتِ (عليه السلام) وقاده هذا التمسّك إلى انتظارِ ظهورِ الإمامِ (عليه السلام)،
وهنا يتجسّدُ معنى الجهادِ الذي يريدهُ الإمام (عليه السلام) بتوصيفهِ المشارِ
إليه.
علامات الظهور:
يشيرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام) إلى بعضِ دلائلِ ظهورِ الإمام
المهدي (عليه السلام) وعلاماتهِ، وهو يجيبُ أحدَ أصحابهِ، فقد سأله (حذلم بن بشير)(١٩)
قائلاً: صف لي خروجَ المهديّ وعرّفني دلائلَهُ وعلاماتِه. فقال له الإمامُ (عليه
السلام): «يكونُ قبلَ خروجهِ خروجُ رجلٍ، يُقالُ له: عوفٌ السلمي بأرضِ الجزيرةِ،
ويكونُ مأواهُ تكريتَ وقتلُهُ بمسجدِ دمشق»(٢٠).
إنّ ما يقولُه الإمامُ (عليه السلام) وما يُخبرُ به حقٌّ واقعٌ لا محالة، فخروجُ
هذا الرجلِ المسمّى بـ (عوف السّلمي) من العلاماتِ التي ستقعُ قبل خروجِ الإمامِ
المهديّ (عليه السلام). ولكنّنا لا نعرفُ عن هذه الشخصيةِ إلّا هذه الصفةَ التي
ذكرها الإمامُ (عليه السلام). بيد أنّ الجهلَ بها لا يمنعُ أن نضعَ تصوراً يمكنُ
أنْ نستمدَهُ من قولِ الإمامِ (عليه السلام) نفسهِ، فقد يكونُ هذا الاسمُ (عوف
السّلمي) الاسمَ الحقيقيَّ لهذه الشخصيةِ، وقد يُسمّى الشخصُ الموصوفُ بهذا الاسمِ،
وليس اسمه هو، ونحن هنا نرجّحُ هذا الوجه، لأنّ صاحبَهُ يُغطّي به شخصيتَهُ
الحقيقيةَ، لإبعادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) حذلم بن بشير: اختلف
في اسمه، قيل بشير بن حذلم، وقيل حذيم بن شريك يُعد من أصحاب الإمام علي بن الحسين
(عليه السلام)، وهو الذي نعى الحسين (عليه السلام) لأهل المدينة بعد نزول أهل البيت
قرب المدينة، ينظر مثير الأحزان: ٩٠، بحار الأنوار: ٤٥/١٤٧؛ ينابيع المودّة: ٣/٩٣.
(٢٠) الغيبة: ٤٤٤؛ وينظر
أيضاً الخرائج والجرائح: ٢/١١٥٥؛ بحار الأنوار: ٥٢/٢١٣.
الخطرِ عنه - مثلاً - في الحركةِ
والتنقّلِ والاستعدادِ للخروجِ المشارِ إليه، وهذا أمرٌ مألوفٌ في القديمِ
والحديثِ، إذْ يتسمّى بعضُ الناسِ بغيرِ اسمائهم الحقيقيةِ لغاياتٍ كثيرةٍ. يؤيدُ
هذا التوجيهَ، استعمالُ الإمامُ (عليه السلام) لعبارة (يُقال له)، ولم يقلْ:
(اسمه)، وفي هذا ما لا يخفى من الفرق بين العبارتين.
وثمةَ احتمالٌ آخرُ يمكن أنْ نضيفَه لبيانِ شخصيةِ (عوف السلمي)، وهو أنْ يكونَ
الشخصُ المشارُ إليه من أحفادِ الصحابي (عوف السلمي)(٢١)
لقربِ المخاطبِ (حذلم بن بشير) من زمانه ومعرفته به، وهذه المعرفة تكفيه، فلا يبحث
بعدُ عن إضافة توصيف آخر، كما سنرى ذلك بعد قليل في ذكر السُّفياني ونسبِهِ.
بقي أنْ نشيرَ هنا إلى أنّ خروجَ هذا الشخصِ، غير مكشوفٍ لنا في قولِ الإمام (عليه
السلام)، أهو خروجُ هدايةٍ أم ضلالٍ؟ ولكننا نخمّنُ تخميناً أنّه إلى الثانيةِ
أقربُ، لأنّه لا يخرج ثائراً على ظلمٍ، وإنما خروجُهُ يدعو إلى نفسهِ، ولو كان غير
هذا لما تركه الإمام (عليه السلام) غُفْلاً من التوصيفِ، لأنّ من يخرج منتصراً
لحقّ، ويُخبر به الإمام (عليه السلام) سيذكرُ ذلك له، نمطاً من الجزاء الذي يستحقه(٢٢)
ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ لخروجِ هذا الشخصِ شأناً وإلّا لما أخبرَ به الإمامُ (عليه
السلام). وجعلَ خروجَه علامةً من علاماتِ خروجِ القائم (عليه السلام) ثم يذكرُ
الإمامُ (عليه السلام) أَنّ مأوى (عوف السّملي) سيكون في تكريت(٢٣)
من أرضِ الجزيرةِ، ووصفُ الإمامِ (عليه السلام) هنا للمكان، يتطابقُ تماماً مع ما
تقوله المصادرُ الجغرافيةُ وكتبُ البلدانِ عن أرضِ الجزيرةِّ التي تمتدُّ بين
العراقِ والشامِ وتشملُ ديارَ بكرٍ وتصلُ إلى الخابور(٢٤)،
وتكريتُ تقعُ على أطرافِ الجزيرةِ. وتنتهي حياةُ هذا الرجلِ بالقتلِ في مسجدِ دمشق،
ومسجدُ دمشق يُعرفُ اليوم بالجامعِ الأمويّ، ولكنّ الإمامَ (عليه السلام) أشار إليه
باسمه الذي كان شائعاً عصرئذٍ، لأنّ المساجدِ تُنسبُ إلى المدنِ التي تقامُ فيها،
وليس إلى الأشخاصِ أو الأُسرِ، كما يُقالُ مسجدُ الكوفةِ ومسجدُ البصرةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) عوف السُّلمي، من قبيلة سُليم، صحابي، شهد فتح مكة مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وافتخر العباس بن مرداس السُّلمي، حامل راية بني سُليم في هذا اليوم بقوله:
|
خفافٌ وذكوانٌ وعوفٌ بمكةَ إذ جئنا كأنّ لواءَنا عقابٌ |
|
تخالهم مصاعبَ راقتْ في طروقتها كلفا أرادت بعد تحليقها خطفا |
ينظر عن ترجمته وأخباره: الإصابة:
٤/٦١٨.
(٢٢) ثمة توجيه ذهب إليه
الشيخ علي الكوراني في عصر الظهور: ١٧١، قد لا نوافقه عليه.
(٢٣) تكريت: مدينة غربي
دجلة، لها قلعة حصينة على الشطّ، وهي من المدن العتيقة، سكنتها أياد في الجاهلية،
وذكرها الشعراء في أشعارهم، بينها وبين الموصل مراحل، ينظر معجم ما استعجم: ١/٧١؛
معجم البلدان: ٢/٣٨؛ الروض المعطار: ١/١٣٢.
(٢٤) ينظر صفة جزيرة العرب:
١/٤٧؛ المسالك والممالك: ٩٨.
ويضيفُ الإمامُ (عليه السلام)
علامةً أخرى لظهورِ الإمامِ المهدي (عليه السلام)، بقولهِ: «... ثم ظهور شُعيب بن
صالح بسمرقند»(٢٥).
فمن شعيبٌ هذا؟.
تذكرُ المصادرُ الإسلاميةُ أخباراً عن شعيب بن صالح، فتقول: إنّه من أهلِ خراسان،
ويأتي على رأسِ أربعةِ آلافِ مقاتلٍ، يُقاتلُ السُّفيانيَّ وينتصرُ عليه في الشامِ،
ثم يأتي إلى الكوفةِ فإذا ظهر الإمامُ (عليه السلام) في مكة، بعث إليه ببيعته، ثم
يكونُ على لوائه. أيْ قائدَه الأوّلَ كما يُعبّرُ عنه في العصرِ الحديثِ(٢٦)،
واستناداً إلى هذه الأخبارِ، فاسمُ (شعيب بن صالح) معهودٌ عند السائلِ من قبلُ، لذا
جاء ذكرُ الإمامِ (عليه السلام) له بهذه الصّفةِ، على خلافِ ذكرهِ لـ(عوف السّلمي)
الذي مرّ بنا قبل قليل إذ وصفه (برجل يُقال له). كما ألمحنا من قبل.
وتأتي العلامةُ الثالثةُ من الإمامِ (عليه السلام) لسائله بقوله: «ثم يخرجُ
السّفيانيُّ الملعونُ بالوادي اليابسِ، وهو من ولد عتبةَ بنِ أبي سفيان الملعون،
فإذا ظهر السّفيانيُّ، اختفى المهدي، ثم يخرج بعد ذلك»(٢٧).
وشخصيةُ السّفيانُّي هنا، واضحةُ المعالم. إذْ ورثَ صاحبُها من أسلافهِ، بل من سلفه
عتبة بن أبي سفيان ما يستحقُ عليه الّلعنَ، لذا أتبع الإمامُ ذكرَه بلفظةِ
(الملعون)، ومعلوم أنّ وصفَ الإمامِ له، يبسطُ أمامنا صورتَهُ الحقيقيةَ، إذ سيأتي،
حينما يظهرُ، بأفعالٍ تُنافي ما يريدهُ اللهُ تعالى، لذلك استحق هذا اللعن والدعاءَ
من الإمامِ (عليه السلام) والإمامُ لا يلعنُ شخصاً - وحاشاه - بدوافعَ ذاتيةٍ، ولا
يلعنه لأنّه من نسلِ ملعونٍ، ولكن ما سيقومُ به من فعلٍ يحتّم لعنَهُ. فهذا هو شأنُ
السّفيانُّي، الذي سيكون خروجُهُ علامةً حتميةَ الوقوعِ من علاماتِ ظهورِ الإمامِ
(عليه السلام)(٢٨).
وقد أعطتنا المصادرُ صورةً لخروجِ السّفيانِّي، وما يفعله بعد خروجه، فهو يخرجُ قبل
ظهورِ المهديِّ (عليه السلام) ببضعةِ أشهرٍ، ورايتُه رايةُ ضلالٍ، ويستبيحُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الغيبة: ٤٤٤.
(٢٦) وصفه الشيخ علي
الكوراني في عصر الظهور ٣٨ بـ القائد العام لقوات الإمام المهدي (عليه السلام).
(٢٧) الغيبة: ٤٤٤.
(٢٨) ينظر كمال الدين وتمام
النعمة: ٦٥٢؛ الإرشاد: ٢/٢٧١.
مناطقَ كثيرةً من الشامِ والعراق
وربما مصر، ليقاومَ بفعلهِ هذا المدّ الإسلاميَّ الممهّدَ لظهورِ الإمامِ (عليه
السلام)(٢٩)
ومن هنا نفهمُ الدلالاتِ العقديةَ التي تؤطِّرُ لفظةَ (الملعون) التي وصف بها
الإمامُ (عليه السلام) السّفياني، لأنّ ما يقوم به يستحق اللعن عليه كما أشرنا.
بقي أنْ نذكرَ أنّ لعنةَ الإمامِ (عليه السلام) للسُّفيانيِّ تنطوي على تبصيرٍ
للمسلمين للحذرِ من رايته. إذ إنّ خروجَه سيكون في زمانٍ، تختلطُ فيه أمورُ الناسِ
وأصواتُهم إلى الحدّ الذي قد يصعبُ فيه التمييزُ بين الحقِّ والباطل(٣٠).
ومن هنا تبقى إشارةُ الإمامِ (عليه السلام) مع ما ورد وما سيردُ عن الأئمةِ
الآخرينَ (عليهم السلام) معطى معرفياً للسائرين على منهجِ أهلِ البيت (عليهم
السلام) وولايتهم.
سُنَنُ الأنبياءِ السابقين في الإمام المهدي (عليه السلام):
يذكرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) أَنّ اللهَ تعالى أعطى
الإمامَ المهديّ (عليه السلام) بعضاً من سُننِ الأنبياءِ السابقين بقولهِ: «في
القائم منّا سُننٌ من الأنبياء... سُنّةٌ من أبينا آدم وسُنّةٌ من نوح، وسُنّةٌ من
إبراهيمَ وسُنّةٌ من موسى، وسُنّةٌ من عيسى، وسُنّةٌ من أيّوبَ وسُنّةٌ من محمد
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٣١).
هنا ملاحظتانِ، نودُّ الإشارةَ إليهما قبلَ النظرِ في تفاصيلِ قولِ الإمامِ (عليه
السلام):
الأولى: إنّ الإمام (عليه السلام)، أراد أنْ يُبعدَ الشكّ عن نفوسِ بعضِ المرتابين
في زمانهِ والأزمانِ اللاحقةِ، مما سيكونُ للإمامِ المهديِّ (عليه السلام)، لأنّ ما
سيكون له، متصل بسنن الأنبياء السابقين، ومشابه لما مرّ عليهم في بعض مراحل حياتهم،
واستناداً إلى هذا يتحققُ أمرانِ من قولِ الإمامِ (عليه السلام) هذا: الأوّلُ: ما
أشرنا إليه، والثاني، إنّ الإمامَ (عليه السلام) يبسطُ الظواهرَ الكُبرى التي تخصُّ
حياةَ الإمامِ المهديَّ (عليه السلام) في التقاطهِ لها، وشدّها إلى ما عند
الأنبياءِ السابقين.
الثانية: هي أنّ خمسةً من الأنبياءِ الذين ذكرهم الإمامُ (عليه السلام) هم أولو
العزمِ من الرُّسلِ، مع اثنين من الأنبياءِ الآخرين، فكيف نتأوّلُ مرادَ الإمامِ
(عليه السلام) من هذا الذكر؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) ينظر عصر الظهور
(صفحات كثيرة)، إذ جمع الشيخ علي الكوراني كل ما يتعلق بظهور الإمام وما يسبق ذلك
الظهور وما يرافقه من حوادث كبرى، ومنها خروج السفياني وما يفعله في ذلك العصر.
(٣٠) ينظر المعجم الأوسط:
٦/٣٢٨؛ بحار الأنوار: ٣٦/٣٥٥.
(٣١) كمال الدين: ٣٢٢، وقد
نسب القول في مصادر أخرى إلى غيره من الأئمة (عليهم السلام)، ينظر دلائل الإمامة:
٥٣٢.
إنّ الرسولَ الواحدَ من أولي العزمِ
يُبعثُ بكتابٍ وشريعةٍ، وكلُّ من يأتي بعده من الأنبياءِ يأخذُ بكتابهِ وشريعتهِ،
حتى يجيء رسولٌ ثانٍ من أولي العزمِ، بكتابٍ جديدٍ وشريعة جديدةٍ، فيأخذ بها من
يأتي بعده حتى يأتي الآخرُ حتى وصل الأمرُ إلى النبيّ الخاتمِ محمد (صلّى الله عليه
وآله وسلّم)، الذي يبقى كتابُهُ القرآنُ وشريعتُهُ إلى يومِ القيامةِ، والإمامُ
القائمُ قائمٌ بدينِ جدّهِ وشريعتهِ ومتمسّكٌ بها، وإذا ظهرَ أعادَ من شذّ عن ذلك
إلى منهجِ الحقّ.
واستناداً إلى هذا يكونُ الإمامُ المهديُّ (عليه السلام) مستكملاً لرسالاتِ أولي
العزمِ جميعاً التي توحّدت في الإسلام بشريعةِ جدّهِ، هذا فضلاً عن أنّه (عليه
السلام) سيواجهُ ما واجههُ أولو العزمِ من الرسلِ من أذى الظالمين. وهو يسعى إلى
تطبيق ما كُلّف بتطبيقهِ بأمرِ اللهِ تعالى.
إنّ هاتين الملاحظتين الّلتين أشرنا إليهما، تمثلان الإطارَ العامَّ لموازنةِ
الإمامِ علي بن الحسين (عليه السلام) بين من ذكره من الأنبياءِ وبين الإمام المهدي
(عليه السلام).
أمّا الإطارُ الخاصُّ، فيتمثلُ في انتقائه (عليه السلام) لبعضِ السُّننِ التي جعلها
ركائزَ لموازنته. يقول متمّاً قوله السابق: «فأمّا من آدمَ ونوح فطولُ العمرِ،
يُطيلُ اللهُ عمرَه في غيبته ثم يظهرُهُ في صورةِ شابٍّ دون أربعين سنة»(٣٢).
يتخذُ الإمامُ (عليه السلام) من عمرِ آدمَ ونوح، مثلاً لطولِ عمرِ المهديِّ (عليه
السلام)، من دون تحديدٍ لزمنِ الغيبةِ، لأنّ البيانَ مُنصبٌّ هنا على طولِ العمرِ
المطلقِ. فعمرُ آدمَ (عليه السلام) كان تسعمائة وثلاثين سنة(٣٣)،
وعمرُ نوح الذي قضاه نبيّاً في قومه، هو تسعمائة وخمسون عاماً كما نطق بذلك القرآنُ
الكريمُ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى
قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ
الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، وقيل إنّه بُعث نبياً، بعد
أن بلغ مائتين وخمسين سنة(٣٤).
واستناداً إلى هذه السُّنةِ الإلهيةِ، لا يكونُ عمرُ الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام) أمراً غريباً، فهو أمرٌ شاء اللهُ تعالى أنْ يُعطيَهُ لبعضِ أوليائهِ، كي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) كمال الدين: ٣٢٢.
(٣٣) ينظر علل الشرائع:
٢/٥٩٤؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ٢/٢١٩؛ سعد السعود: ٣٧، وفيه أن عمره كان
ألف سنة وثلاثين.
(٣٤) ينظر تفسير القرطبي:
١٣/٣٣٣.
تكتملَ الأسبابُ للنهوضِ بما وُكّلَ
إليهم. وإذا كان طولُ العمرِ يقودُ إلى الضعفِ والهرمِ والشيخوخةِ، كما بسط الله
تعالى ذلك في قوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ
يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا
يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (النحل: ٧٠)،
فإنّ طولَ عمرِ الإمامِ (عليه السلام) لا يمنع من أنْ يُظهره شابّاً دون أربعين
سنة، لأنّه سينهضُ بمهمتهِ الربّانيةِ التي تستدعي قوةً ونشاطاً، فضلاً عمّا
تستدعيه مدةُ الغيبةِ من ذلك كذلك.
ثم يلتفتُ الإمامُ (عليه السلام) إلى ما أخذه المهديُّ (عليه السلام) من سنّةِ
إبراهيم (عليه السلام) فقال: «وأمّا من إبراهيمَ فخفاءُ الولادةِ»(٣٥)،
وهنا نقول: إنّ اللهَ تعالى أخفى ولادةَ إبراهيم (عليه السلام)، بعد أنْ أمرَ
نمرودُ بقتلِ كلِّ ولدٍ يُولدُ في السّنةِ التي أُخبَر فيها أنّ ملكَهُ يذهبُ على
يدِ غلامٍ يُولدُ فيها، «فلما دنتْ ولادةُ إبراهيم، خرجتْ أمُّهُ هاربةً، فذهبتْ به
إلى غارٍ، ولفّتهُ في خِرقةٍ، ثم جعلتْ على بابِ الغارِ صخرةً، ثم انصرفتْ عنه»(٣٦)،
وتكفّلَ اللهُ تعالى برعايتهِ حتى استقام أمرُهُ. والإمامُ المهديُّ (عليه السلام)،
أُخفيَ أمرُ ولادتهِ - أيضاً -، فالخليفةُ العباسيُّ كان يتقصى أخبارَهُ، لأنّه
يعرفُ أنّ زمانَ ولادتهِ قد حانَ، وكان يخشى على ملكهِ منه، فضلاً عن إنّ ولادتَهُ
تعني تثبيتاً لخلافةِ الأئمةِ الاثني عشر (عليه السلام)، فأراد خصومُهُ قتلَهُ
ليُصحّحوا منهجَهم ويُخطّؤوا منهجَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، ومن هنا فإنّ آثارَ
الحملِ لم تظهرْ على أمِّ الإمامِ (عليه السلام) حتى ليلةِ ولادتهِ، ولا خفاءَ أبين
من هذا(٣٧).
ولا تشابهَ أوثق من هذا بين الولادتين، ولادةِ إبراهيم (عليه السلام) وولادةِ
الإمام المهدي (عليه السلام).
ويضيفُ الإمام عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) ما أخذه الإمام المهديُّ (عليه
السلام) من موسى (عليه السلام) فيقول: «... وأمّا من موسى فالخوفُ والغيبةُ»(٣٨)،
فموسى (عليه السلام) بعد أنْ قتلَ القبطيَ وقعَ في خطرٍ عظيمٍ، وأصابه خوفٌ شديدٌ،
لأنّ القبطَ وعلى رأسهم فرعونُ سينتقمون منه جزاءَ فعلته هذه(٣٩)،
وإلى خوفِ موسى هذا أشارَ القرآنُ الكريمُ بقولهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ
فِي المَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) كمال الدين: ٣٢٢.
(٣٦) مجمع البيان: ٤/٩٦.
(٣٧) ينظر بحار الأنوار:
٥١/٢٢.
(٣٨) كمال الدين: ٣٢٢.
(٣٩) تنظر تفاصيل ذلك في
الميزان: ١٦/١٨.
بِالْأَمْسِ
يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (القصص: ١٨)،
وقولِهِ تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ
قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢١)، ثم غابَ
عن وطنهِ وهربَ من فرعونَ ورهطِهِ، ولم يظفرْ به أحدٌ، ولا عُرفَ بشخصهِ حتى بعثه
اللهُ تعالى نبياً ودعا إليه فعرفه الجميع(٤٠)،
والخوفُ هذا، والخشيةُ من الأعداءِ سنّةٌ في الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) أيضاً،
فغيبتُهُ ترقّبٌ وانتظاٌر وخشيةٌ، وبعد ظهورهِ يلاحقُهُ السُّفيانيُّ، فيبعث بعثاً
«إلى المدينةِ، فيفرّ المهديُّ منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيشِ السُّفيانيُّ أنّ
المهديَّ قد خرج من المدينةِ فيبعث جيشاً على إثره فلا يُدركه حتى يدخلَ مكة خائفاً
يترقّبُ على سُنّة موسى بن عمران»(٤١)،
وهذا كلّه يحصلُ قبل أنْ يخسفَ اللهُ تعالى البيداءَ بجيشِ السّفيانيِّ(٤٢).
وهنا تظهرُ سنّةُ الله تعالى فيما يواجهُ عبديهِ موسى (عليه السلام) والإمامِ
المهديِّ (عليه السلام) ليتحققَ بذلك ما قاله الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه
السلام).
أمّا سنّةُ عيسى التي يشتركُ الإمامُ المهديُّ (عليه السلام) معه فيها، فيقول
الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام) عنها: «... وأمّا من عيسى فاختلافُ الناسِ
فيه فمنهم من يقولُ ما وُلِدَ ومنهم من يقولُ مات ومنهم من يقول قُتلَ وصُلبَ»(٤٣).
إنّ الاختلافَ في عيسى نشأ من أنّهم توهّموا أو أرادوا أنْ يتوهّموا أنّه (عليه
السلام) دعا بني إسرائيلَ إلى الإيمانِ باللهِ تعالى وبه رسولاً من عنده، وازدادوا
طغياناً وكفراً، وطلبوهُ ليقتلوهُ. ولكنّ بغيَهم لم يُفلحْ، وبعد أن يئِسوا من
العثورِ عليه أو الإمساكِ به، أدّعوا أنّهم عذّبوهُ ودفنوهُ في الأرضِ حيّاً، وقال
آخرون إنّهم قتلوهُ وصلبوهُ... ولكنّ حقيقةَ الأمرِ أنّ اللهَ تعالى رفعه إليه، بعد
أن شبّه لهم ذلك. وقد جاء هذا في قوله تعالى في سورةِ النّساءِ: ﴿وَقَوْلِهِمْ
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ
لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
(النساء:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) ينظر الغيبة: ١١٠.
(٤١) تفسير نور الثقلين:
١/٤٨٦.
(٤٢) تفسير نور الثقلين:
١/٤٨٦.
(٤٣) كمال الدين: ٣٢٢.
١٥٧ - ١٥٨). وأشارَ الإمامُ الرضا
(عليه السلام) أيضاً إلى هذا الذي وقعَ فيه الناسُ بشأنِ عيسى ودلالةِ الآيتين عليه
بقوله: «إنّه ما شبه أمرُ أحدٍ من أنبياءِ اللهِ وحُججهِ على الناسِ إلّا أمرُ عيسى
وحدَه، لأنّه رُفعَ من الأرضِ حيّاً، وقُبضَ روحُهُ بين السماءِ والأرضِ، ثم رُفعَ
إلى السّماءِ ورُدَّ عليه روحُهُ وذلك قولُه (عزَّ وجلَّ): ﴿إِذْ
قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾»(٤٤).
إنّ هذا الاضطرابَ الذي وقع فيه الناسُ بشأنِ عيسى، سيحصلُ للإمامِ المهدي (عليه
السلام) إذ اختلفَ فيه الناسُ، وشكّكَ الجُهالُ في غيبتهِ. ويشيرُ الإمامُ الصّادقُ
إلى هذا الاضطرابِ بقوله «... أما والله ليغيبّنَّ أمامكم سنيناً من دهركم
ولتُمحّصنَّ حتى يُقال: ماتَ، قُتلَ، هلكَ، بأيّ وادٍ سلكَ، ولتدمعنّ عليه عيونُ
المؤمنين...»(٤٥).
ومن هنا ندركُ تأكيدَ أئمةِ الهُدى (عليه السلام) على أهميةِ الصّبرِ في زمنِ
الغيبةِ، إذ جُعلَ وزاناً لمعرفةِ إيمانِ المؤمنين. وهذه دلالةُ التّمحيصِ التي
وردتْ في قولِ الإمامِ الصّادقِ (عليه السلام)، وإنّ الصبرَ ركيزةُ إيمان المؤمنين،
وهم ينتظرون فرجَ الظهورِ. وقد جاء في الحديثِ النبويِّ «طوبى للصابرين في غيبتهِ،
طوبى للمتقين على محجّتِهم، أولئك وصفَهم اللهُ في كتابه وقال: ﴿الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾»(٤٦)،
ولا شك إنّ الإيمانَ بغيبةِ الإمامِ (عليه السلام) وظهورهِ من مصاديقِ الإيمانِ
بالغيبِ الذي أشارتْ إليه الآيةُ المباركةُ.
ثم يلتفتُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام)، إلى النبيِّ أيوب (عليه
السلام)، ويخصُّ بلواه، بالذّكرِ، فيقول عمّا أخذهُ الإمامُ المهديُّ (عليه السلام)
منه «وأمّا من أيوبَ فالفرجُ بعد البلوى»(٤٧).
وبلوى أيوبَ (عليه السلام) هي المرضُ الذي ابتلاه الله تعالى به مدةَ ثلاث أو سبع
سنوات(٤٨)،
فصبر على أمرِ اللهِ تعالى. قال (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا
وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤٤)، وهذا
الاطراءُ الربّانُّي لصبرِ أيوب، يُظهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) الخصال ٥٢٩؛ عيون
أخبار الرضا (عليه السلام): ٢/١٩٢.
(٤٥) الكافي: ١/٣٣٦.
(٤٦) كفاية الأثر: ٦٠؛
وينظر ينابيع المودة: ٣/٢٨٥ مع زيادة في النص.
(٤٧) كمال الدين: ٣٢٢.
(٤٨) تنظر تفاصيل قصة النبي
أيوب (عليه السلام) في مجمع البيان: ٨/٣٦٣.
عمقَ ما كان يعانيهِ هذا العبدُ
الصالحُ في محنتهِ، بعد أن تخلّى عنه الجميعُ، حتى زوجُهُ التي كادتْ تفارقهُ، لولا
رحمةُ اللهِ تعالى، فصبرَ وجاءه الفرجُ. والإمامُ المهديُّ (عليه السلام) يشتركُ
معه في سُنّةِ البلوى أيْ الاختبار، إذ يبقى غائباً متوارياً ينتظرُ الفرجَ
الموعودَ به، ومن هنا حثّ أهلُ البيتِ (عليه السلام) على التّمسكِ بالدعاءِ بالفرج
كما سيردُ بعد قليل.
ويختمُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) إشاراتهِ إلى ما أخذه للإمام
المهديُّ (عليه السلام) من الأنبياءِ (عليهم السلام) بما أخذه من سُنّةِ جدّهِ
النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «وأمّا من محمّد فالخروجُ بالسيفِ»(٤٩).
إنّ الأنبياءَ السابقين الذين بعثهم اللهُ تعالى إلى أقوامِهم، ما خاضوا حروباً من
أجلِ نشر ما يدعون إليه، وإنّما قاموا مع أقوامهم يدعون بالحجّةِ والبرهانِ، حتى
يحينُ وقتُ رحيلهم إلى الله تعالى. أما النبيُّ محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
فسنَّ الله تعالى له مقاومةَ المناوئين لدينِ الله تعالى، ولم يكتفِ بالمحاججةِ
والبرهانِ، وإنما قاوم أعداءَ الدّين بالقتالِ، حتى انتصر الإسلامُ، وبسط فيئَه على
بقاع الأرض، والإمامُ المهديُّ (عليه السلام)، مكلّفٌ من الله تعالى بالسيرِ على
نهج جدّه، بالخروجِ بالسيفِ وقتالِ أعداءِ اللهِ تعالى، الذين يقفون قُبالَ دعوةِ
الحقّ التي يُنهضه الله تعالى للقيام بها، ولا يمكنُ إزالةُ الظلمِ والجورِ الذي
يملأ الأرضَ، وبسطُ العدلِ والقسطِ إلّا بالجهادِ بالسّيفِ. وهذا هو الوصفُ
المشتركُ بينه وبين جدّه النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا الوجهِ
الذي أراده الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام).
بقيَ أنْ نشيرَ هنا إلى إنّ السيفَ، لا يعني آلةَ الحربِ المعروفةِ فقط، وإنمّا
يكون كنايةً عن أسبابِ القوّةِ كلّها التي ستسودُ في زمنِ الظهورِ، إذْ لا بدّ من
مواجهةِ الأعداءِ بأسلحةٍ مناظرةٍ لأسلحتهم أو متفوقةٍ عليها، حتى يكون النصرُ
عليهم على وفقِ الأسبابِ التي يُسخرها الله تعالى للإمامِ (عليه السلام) في زمنِ
ظهورهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) ينظر علل الشرائع: ١/٧٦.
أصحابُ
الإمامِ المهديِّ (عليه السلام):
يشيرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام) في قولٍ آخرَ إلى عدّةِ
أصحابِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام)، الذين يظهرون بظهورهِ، ويكونون ذوي شأنٍ
عظيمٍ في دولته، إذْ ينهضون بمهمةِ قيادةِ الدولةِ الإلهيةِ التي يُقيمها، يقولُ عن
عددهم: «المقعَدون عن فُرُشِهم ثلاثمائةُ وثلاثةَ عشرَ رجلاً عدةَ أهلِ بدرٍ»(٥٠).
إنّ ما ينبغي أنْ نشير إليه أولاً، إنّ الإمامَ (عليه السلام) استعمل عبارةَ
«المقعَدون عن فُرُشهم» كنايةً عن استعدادهم من قبلُ للخروج حينما يحينُ الحينُ.
حتى إذا جاء الوعدُ، قعدوا عن فُرُشهم. والمقعدُ في اللغةِ: اسمُ مفعولٍ للفعل
(قَعَدَ)، وهو الذي يتكلفُ غيرُه بإقعاده، فهؤلاء إذاً لهم من يُقعدهم عن فُرُشهم.
وما داموا هم ينتظرون ظهورَ الإمام (عليه السلام) فأقعدهم إذن زمنُ الظهور، بل
لحظتُه، وقليلٌ من التدبّرِ في قولِ الإمام (عليه السلام)، يكون علمُ هؤلاءِ بزمنٍ
واحدٍ، لأنّهم سيجتمعون في مكة عند الصباح(٥١)،
فيكون هذا العلمُ الربّانيُّ هو الذي يُقعدهم عن فُرُشهم فصاروا مقعدون.
أمّا التركيزُ على ذكر الفُرُش، فيومئ إلى إنّ هؤلاءِ الأصحابَ يودّعون حياةَ
الدّعةِ والهدوء، ويستعدون لما سيُقبلون عليه من مهماتٍ ربّانيةٍ تستدعي جهاداً
متصلاً، على الرغم من أنّ حياتهم من قبلُ هي حياةُ مكابدةٍ وعبادةٍ وجهادٍ، ولكنّ
ما ينتظرهم وقتئذٍ يجعل ما كانوا فيه من قبلُ دِعة وهدوءً، فجاء ذكرُ (الفراش)
ليوازنَ بين نمطين من الحياة لهذه الفئةِ المنتخبةِ من الله تعالى.
واستناداً إلى هذا، فإننا سنصرفُ النظرَ عن روايةِ النّصّ الأخرى «والُمقعدون في
فرشهم»(٥٢)،
لأنّ زمنَ الخشيةِ والترقّبِ والانتظارِ قد انتهى، وظهر الإمامُ (عليه السلام)، فلا
مسوّغ إذن لأن تكون العبارةُ على هذا النحو، لمعرفتنا بنهجِ الإمام (عليه السلام)
ودقتهِ في استعمالِ الألفاظِ على وفقِ ما بيّناه فيما سبق. لأنّ قِدمَ المصدرِ، قد
لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠) كمال الدين: ٣٢٢.
(٥١) الخرائج والجرائح:
٣/١١٥٦؛ بحار الأنوار: ٥٢/٢١٣.
(٥٢) ينظر الغيبة: ٣٣٧.
يكون كافياً أحياناً للوقوف على
النّصّ الموثوق. إذا رجّحتْ اللغةُ توجيهاً آخر هو الأقربُ إلى لغةِ أهلِ البيتِ
(عليهم السلام)، فهم أربابُ الكلامِ.
ويذكرُ الإمامُ (عليه السلام) أن عدةَ هؤلاءِ القادةِ هي ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدة
أهلِ بدرٍ، ومقاربة كذلك معرفيةٌ لهذا الجزءِ من النصّ تقودُنا إلى القول: إنّ
استحضارَ الإمامِ (عليه السلام) لعبارةِ أهلِ بدرٍ وهو يذكرُ العددَ، يُحيلنا إلى
الاستنتاجات الآتية:
أولاً: إنّ إيمانَ أهلِ بدرٍ الراسخَ هو الذي قادهم إلى النصرِ العظيمِ الذي كان
فتحاً ربانياً من فتوحاتِ الإسلام. فلم يُبالوا بعددِ المشركين وحقدِهم وعدّتِهم.
وهذا عينُه ما سيكون عليه أصحابُ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام)، فهم سيضطلعون
بمهمةٍ تُوازي ما قام به أهلُ بدر. لأنّهم سيرسخون قواعدَ دولةِ العدلِ الإلهيِّ
التي يقودها الإمامُ المهديُّ (عليه السلام) من دون أن يُبالوا بخصومِهم وعددِهم
وعدّتهم.
ثانياً: إنّ معركةَ بدرٍ كانتْ بدايةً لتطبيقِ شرائعِ الإسلامِ المكتملةِ، بعد أنْ
كُسرتْ شوكةُ قريش، وظهورُ الإمامِ (عليه السلام) مع أصحابه يُومئ إلى تطبيقِ تلك
الشرائعِ، بعد أنْ يعمَّ الظلمُ والجورُ الأرضَ، ومن هنا تلتقي موقعةُ بدر بظهورِ
الإمامِ (عليه السلام)، وكان ذكرُ عددِ الأصحابِ مسوّغاً لهذه الموازنةِ المعرفيةِ،
إذ لو كان الأمرُ يتصلُ بذكرِ العددِ فقطْ لاكتفى الإمامُ بذكره لوحدهِ، ولكنّ
التصريحَ بذكرِ أهلِ بدرٍ هو ما يُغري أيَّ مُتدبّرٍ بالذهابِ إلى التقاطِ ما
يمنحهُ هذا الذّكرُ من وجوهٍ تجعل المقارنةَ أسّاً معرفياً، يستمد مشروعيتَه من ذلك
التصريحِ.
ثالثاً: إنّ الإسلامَ بدأ غريباً ثم يعود غريباً، والغرابةُ هنا تعني قلةَ
الصالحين، فكما كانوا قلةً في بدايةِ الإسلامِ، إذْ إنّ عددَ أهلِ بدرٍ هو عددُ
المسلمين (عدا الصّبيان والنساء والمرضى) وهذا هو عددُ أصحابِ الإمامِ (عليه
السلام) الذين سيكونون
غرباءَ كغُربةِ أهلِ بدرٍ، وقد ورد
حديثٌ نبويٌّ يحمل هذا المضمونَ الذي نقولُ به وفيه «بدأ الإسلام غريباً، ثم يعودُ
غريباً فطوبى للغرباء، قيل يا رسولَ الله، ومن الغرباءُ، قال: الذي يصلحون إذا فسدَ
الناسُ»(٥٣).
وإن قيل إنّ المرادَ بالغربةِ هنا قلةُ المسلمين، فهذا أيضاً يتوافق مع ما يُراد من
الموازنةِ بين أهلِ بدرٍ وأصحابِ الإمامِ القائم (عليه السلام)(٥٤).
بيد أنّ دلالةً أخرى تُظهرُ نفسَها أمامنا، وهي أنّ المرتبةَ التي تكون لأصحابِ
الإمامِ القائمِ (عليه السلام) تُوازي المرتبةَ التي خصّ اللهُ تعالى بها أهلَ
بدرٍ، فهذان الصّنفان من المسلمين هما خيار هذه الأمة في البدايةِ والخاتمةِ بعد
استثناء أصحاب الحسين (عليه السلام) للدليل الخاص.
من مشاهدِ ظهورِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام):
أخبر الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) - ببعضِ الحوادثِ والفتنِ
التي تكون في آخرِ الزمانِ، قبل ظهور الإمام المهديِّ (عليه السلام)، وهي من
الأمورِ الغيبيّةِ التي كان أئمّةُ أهل البيتِ يُخبرون المقرّبين من أصحابهم بها،
ليشدّوهم إلى عقيدتهم، وليضعوهم في دائرةِ الانتظارِ والترقبِ لظهور الإمام (عليه
السلام)، فقد ورد أنّ الإمامَ عليَّ بنَ الحسينِ (عليه السلام)، أخبر أبا خالدٍ
الكابليِّ(٥٥)
عن بعضِ تلك الحوادثِ بقوله: «يا أبا خالد لتأتيّنَ فتنٌ كقطعِ الليلِ المظلمِ لا
ينجو إلّا من أخذَ اللهُ ميثاقَهُ أولئك مصابيحُ الهدى وينابيعُ العلم ينجّيهم
اللهُ من كلّ فتنةٍ مظلمةٍ، كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفِكم بظهرِ كوفان في
ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وإسرافيل أمامه، معه
رايةُ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نشرها لا يهوي بها إلى قومٍ إلا
أهلكهم اللهُ (عزَّ وجلَّ)»(٥٦).
يشبّهُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ الفتنَ التي تسبقُ ظهورَ الإمامِ المهديِّ بقطعِ
الليلِ المظلمِ، الذي لا يُبصرُ الإنسانُ فيه طريقَهُ، فيبقى يتخبّطُ من دون هَدْيٍ
أو رشادٍ، وليس بمقدورهِ النجاةُ مما هو فيه، ولكنّ الله تعالى يُنجّي من أخذ
ميثاقه، من أمواجِ بحارِ الفتنِ، وهؤلاء هم مصابيحُ الهدى التي يهتدي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) ترد هذه العبارة في
مصادر أخرى هكذا (المقعدون من فرشهم) وتنسب للإمام علي (عليه السلام) مرة وللإمام
علي بن الحسين (عليه السلام) مرة أخرى، ينظر: كمال الدين: ٦٥٤؛ الغيبة: ٣١٤؛
الملاحم والفتن: ٣٧٥.
(٥٤) مسند أحمد: ٤/٧٣؛ مجمع
الزوائد: ٧/٢٧٨؛ وينظر عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ١/٢١٨ مع اختلاف في النص.
(٥٥) ذهب الشيخ المجلسي في
بحار الأنوار: ٥٢/١٩١إلى القول بأن الغربة في الحديث النبوي تعني القلّة؛ وينظر
أيضاً شرح أصول الكافي: ١٢/٣٧٨.
(٥٦) أبو خالد الكابلي:
أُختلف في اسمه ولقبه وأخباره، فقيل اسمه (وردان) وقيل (كنكر)، من أصحاب الإمام علي
بن الحسين (عليه السلام)، وقيل من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام)، ولكنّ القول
الأول أوثق، كان منقطعاً إلى محمد بن الحنفية، ثم لجأ إلى الإمام علي بن الحسين
(عليه السلام) في حادثة طريفة. ينظر عنه: جامع المقاصد: ١/١٦؛ جامع الرواة: ١/٢٧،
١٤٧؛ معجم رجال الحديث: ١٥/١٣٣.
المسلمون بنورها في دياجيرِ
الظلامِ، وهم ينابيعُ العلمِ، فعلمهم يتدفقُ كما يتدفقُ الماء من الينابيعِ، وهذه
الاستعارةُ المكنيّة أسبغتْ على قول الإمام (عليه السلام) حيويّةً، من خلال جعلِ
الحياةِ مرتبطة بعلمهم كما يرتبطُ الماءُ بالينابيعِ، فصار علمُ هؤلاءِ عنواناً
للحياةِ، واستناداً إلى هذا صارتْ نجاتُهم من كلِّ فتنةٍ مظلمةٍ وعداً من الله
تعالى، وهؤلاء هم أصحابُ الإمامِ المهديِّ المعروفينَ بصفاتهِم وأوصافهِم، فهم من
الأولياء الذين محَّصهم الله تعالى لهذه المرتبةِ، فاختيارهُم اختيارٌ ربّانيٌّ،
ونجاتُهم من الفتنِ مشيئةٌ ربانيّةٌ شاء أنْ يجعلَها تمهيداً لظهورِ الإمامِ
المهديِّ (عليه السلام).
ثمّ يلتفتُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) إلى توصيفِ ظهورِ الإمامِ
المهديِّ (عليه السلام)، ويختارُ جملةَ (كأنّي بصاحبِكم) في إشارتِهِ إليهِ، وهذهِ
الإشارةُ تُجسّدُ العهدَ بانتظارِ هؤلاءِ الأصحابِ لصاحبهم المعهودِ المنتظرِ، فجاء
الإخبارُ بهذه الصيغةِ ليؤكّدَ العهدَ الذي يعرفهُ السائلُ (أبو خالد الكابليُّ)
ومن يصلُ إليه حديثُ الإمام (عليه السلام). وفي هذا بيانٌ جليٌّ لهاجسِ الانتظارِ
الذي يُشكّلُ ركيزةً من ركائزِ العقيدةِ المهدويّةِ.
ويبيّن الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ الموقعَ الجغرافيَّ لظهورِ المهديِّ (عليه
السلام)، حيثُ يعلو النجفَ الذي بظهرِ الكوفةِ، وهذا التوصيفُ واضحُ الدلالةِ على
المكانِ المعلومِ، فالنجفُ «بظهر الكوفة، كالمسنّاةِ تمنعُ مسيلَ الماءِ أنْ يعلو
الكوفةَ ومقابرَها، وبالقربِ من هذا الموضعِ قبرُ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب
المشهور»(٥٧)،
والملاحظُ أنَّ الإمامَ (عليه السلام) استعمل لفظة (نجفكم) ليدلَّ بذلك على انشدادِ
المسلمين إلى هذه الأرضِ التي تحتضنُ جسدَ الإمامِ عليِّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، والتي ستكونُ موطناً لإدارةِ دولةِ الإمام المهدي (عليه السلام).
وعلى الرغم من وضوحِ الدلالةِ على (النجف) المعلومة، فإنَّ الإمامَ (عليه السلام)
أضاف إليها (بظهر كوفان) أيْ ظهر الكوفة، لتتسعَ الدلالةُ فتشملَ الظهرَ كلّه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧) أمالي المفيد: ١/٢٧.
وهنا تدخل كربلاءُ ضمناً بهذه
الإضافة، استنادا إلى ما قاله الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) عن مقتلِ الحسين (عليه
السلام): «بأبي وأمي الحسينُ المقتولُ بظهرِ الكوفةِ»(٥٨).
ومن هنا فإنّ مركزَ دولةِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) سيكون الكوفةُ بحدودها
القديمةِ وظهرها مع كربلاء، ويمكنُ أنْ نضعَ حدوداً تقريبيّةً لهذا المركز استناداً
إلى ما تقوله كتبُ البلدانِ عن هذه المواضعِ، فنقول من الشمالِ تكونُ الحدودُ شمالَ
مدينةِ كربلاء الحاليةِ بـ(٢٥كم)، لأنّ كربلاء تعني قبر الحسينِ (عليه السلام)،
وحدودُ القبرِ الشريفِ بيّنها الإمامُ محمّدُ الباقرُ بقوله: «حريمُ قبرِ الحسين
(عليه السلام) خمسةُ فراسخ من أربعِ جوانبِ القبرِ»(٥٩)،
ومسافةُ الفراسخِ الخمسةِ تساوي تقريباً مسافة ال(٢٥كم). ويكون الحدُّ من الجنوبِ
جنوبَ مدينةِ النجفِ الأشرفِ الحاليّةِ بما يزيد قليلاً عن (٧٠كم)، حيث حدودُ
الكوفةِ القديمةِ. أمّا الحدُّ الشرقيُّ فهو نهرُ الفراتِ، وهو ما يُعرفُ اليومَ بـ(نهر
الحلة)، أمّا الحدُّ الغربيُّ فهو ما يعرفُ اليوم بـ(الطار) الذي يفصلُ أرض
الجزيرةِ عن أرضِ العراقِ، وهو ما يُسمّى بالطفَّ، والطفُّ في اللغةِ تعني: «ما
أشرفَ من أرضِ العربِ على ريفِ العراقِ... وطفُّ الفراتِ شطّهُ... سُمّي به، لأنّهُ
طرف البرِّ مما يلي الفرات، وكانتْ تجري يومئذٍ قريباً منه»(٦٠).
إنّ هذا التحديدَ لمركز دولةِ الإمام المهديِّ (عليه السلام) الذي استنبطناهُ من
حديثِ الإمامِ عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، يتوافق تماماً مع ما ورد عن أهل
البيتِ (عليهم السلام) أو قريبٍ منه، ومن ذلك ما جاء عن الإمامِ الصادقِ (عليه
السلام) بشأن الكوفةِ في دولةِ الإمام المهديِّ (عليه السلام)، حيث قال: «دارُ
ملكهِ الكوفةُ... وليصيرنَ الكوفةَ أربعةً وخمسين ميلاً وليجاورنَّ قصورها كربلاء»(٦١).
ثم يذكرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) عددَ أصحابِ الإمامِ المهديِّ
-كما مرّ بنا من قبلُ- ولكنّه (عليه السلام) يضيفُ إليهم هنا رؤساء الملائكةَ
المقرّبينَ(٦٢)،
ويبيّنُ مسيرَهُم معَ جيشِ الإمامِ (عليه السلام) على وفقِ مكانتهم المعهودةِ عند
المسلمين، جبرائيلُ فميكائيلُ فإسرافيلُ (عليهم السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) مراصد الاطلاع:
٣/١٣٦٠.
(٥٩) بحار الأنوار: ٤٥/٢٠٥.
(٦٠) مصباح المتهجد للشيخ
الطوسي: ص٧٣١.
(٦١) ينظر: لسان العرب
(طفف).
(٦٢) بحار الأنوار:
٥٣/١١-١٢؛ وينظر ما كتبهُ الشيخُ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور: ١٥٢، حيث بحث
هذه القضيّة ولكنّه لم يضعْ حدودا لمركز دولة الإمام (عليه السلام) على النحو الذي
تبنّيناه هنا.
وهذا التحديدُ المكانيُّ لمسيرِ
رؤساءِ الملائكةِ يُظهرُ العنايةَ الربانيّةَ التي تغمرُ الإمامَ المهديَّ وأصحابه.
وقد يكونُ مرادُ الإمامِ (عليه السلام) التأييدَ الإلهيَّ المطلقَ الذي يتمثلُ بـ(الملائكة)،
وهنا يُصبحُ تحديدُ مسيرِ رؤساءِ الملائكةِ في جيشِ الإمام ضرباً من التوكيدِ
المعنويِّ لذلك التأييدِ الذي أراده الإمام في دعائه (وانصره بملائكتك) كما مرّ بنا
في موضعٍ سابقٍ من البحث.
ثمَّ يُضيفُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ، أنَّ رايةَ الرسولِ (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) ستكونُ مع الإمامِ المهديِّ، وهذا وجهٌ من وجوهِ التطابقِ التامِ بين قتال
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمشركين وبين قتالِ الإمامِ المهديِّ لأعداءِ
الدينِ بعد ظهورهِ، إذْ أنَّ اللهَ تعالى يريدُ أنْ تُقامَ دولةُ العدلِ الإلهي في
آخرِ الزمان، فتكون رايةُ النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رمزاً لها.
لأنّ هذه الدولةَ هي المظهرُ الثاني لتلك الدولةِ، لما بين الدولتين من تطابقٍ
تامٍّ.
ثمّ يذكرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) أنّ المهديَّ (عليه السلام) لا
يهوي برايةِ جدّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قومٍ إلّا أهلكهم الله (عزَّ
وجلَّ)، وهلاكُ من يهلكُ بالرايةِ يكونُ من وجهين، إمّا أنْ تكونَ المعجزةُ
الربانيّةُ حاضرةً، فيكون هلاكُ الأعداءِ بالإشارةِ إليهم فقطْ، وإمّا أنْ تكون
إشارةُ الإمام موجهةً لجيشهِ ليقاتلَ هؤلاء أو أولئك فيُهلكهم بوسائلِ القوّةِ التي
يمتلكُها وليس بمقدورهم مواجهتها، مع حضورِ المددِ الربانِّي بالملائكةِ المقرّبين
وبجندِ السماءِ، كما مرّ بنا في موضعٍ سابقٍ من البحثِ، وفي الحالتين يكونُ النصرُ
لجندِ الرايةِ المباركةِ المشار إليها.
الدعاء للإمام المهدي (عليه السلام):
اهتمّ أهلُ البيتِ (عليهم السلام) بالدُّعاءِ بتعجيلِ فرجِ ظهورِ الحجّةِ
بنِ الحسنِ (عليه السلام) في كلِّ حينٍ، وأمروا بذلك أتباعهم، بل إنّ الإمامَ
المهديَّ (عليه السلام) أمر بهذا الدعاء في التوقيع الذي خرج منه، إذ يقول فيه:
«... وأكثروا الدعاءَ بتعجيلِ الفرجِ، فإنّ ذلك فرجكم»(٦٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١٨١.
والدعاءُ
للإمامِ (عليه السلام) هنا عبادةٌ من وجوهٍ:
الأول: إنّ الدعاءَ بعامةٍ هو وجهٌ من وجوهِ العبادةِ قال تعالى: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
الثاني: إنّ الدعاءَ للإمام (عليه السلام) هنا يعني رسوخَ هذه العقيدةِ في النفسِ،
وإنّ صاحبَها حيٌّ غيّبهُ اللهُ تعالى، والدعاءُ توسُّلٌ باللهِ من أجلِ إحقاقِ
الحقِّ والتفريجِ بظهورهِ. وفي هذا ردّ على المرجفينَ الذين يقولون بغيرِ هذا في
الماضي والحاضرِ والمستقبلِ.
الثالث: يبقى الإنسانُ المسلمُ مُرتبطاً في كلِّ حينٍ بهذه القضيّةِ العقديّةِ التي
تشكّلُ ركيزةً من ركائزِ الدين، لأنّها جزءٌ من قضيّةِ (الإمامة) التي تشكّل أصلاً
من أصولِ الدينِ، ومن هنا فإنّ الاستمرارَ بالدعاءِ لطلب الفرجِ، يعني بقاءَ
المسلمِ في هذه الدائرةِ المرغّبِ فيها من الأئمةِ (عليه السلام).
ولا بأسَ من الإشارةِ هنا -وفي الإطارِ نفسهِ- إلى أنّ أدعيةَ أهلِ البيتِ (عليهم
السلام) لا تهتم بشؤونِ الدنيا إلّا بالقدرِ الذي يجعل الدنيا سبيلاً إلى الآخرةِ،
ومقدمةً لها. ومن هنا يكون الدعاءُ للإمام المهديِّ (عليه السلام) والدعاءُ بتعجيلُ
الفرجِ بظهورهِ من الوسائلِ المثمرةِ لقيامِ دولةِ العدلِ الإلهيِّ في المشوارِ
الذي تنتهي فيه الدنيا ويؤولُ الأمرُ إلى آلِ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد خصّ الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام) الحجةَ بنَ الحسن (عليه السلام)
بضروبٍ من أدعيتهِ الربّانيةِ التي تسيرُ على وفقِ هذا التوصيفِ الذي أراده الله
تعالى لوليّه، وستتكفلُ القراءة التأويليةُ فيها، ببيانِ بعضِ ما كان الإمامُ (عليه
السلام) يريدهُ لحفيده الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) من جهة، ولشيعته من جهةٍ
أخرى.
يقولُ الإمامُ (عليه السلام) في أحدِ أدعيته: «الّلهم فأوزعْ لوليّك شكرَ ما أنعمتَ
به
عليه وأوزعنا مثله فيه، وآته من
لدنك سلطاناً نصيراً، وافتحْ له فتحاً يسيراً، وأعنه بركنك الأعزّ وأشدُدْ أزرَه»(٦٤).
يبدأُ الإمامُ (عليه السلام) دعاءه للإمامِ المهديِّ (عليه السلام) بالفعلِ(أوزع)،
وهذا الفعلُ فيه من الدلالةِ، ما يكشفُ عن دقةِ استعمالِ الإمامِ (عليه السلام)
لمفرداتِ لغتهِ، وتوخّيهِ كلِّ ما يُظهرُ عبوديتَهُ للهِ تعالى في أتمِّ معانيها،
وهو في محرابِ التذلّلِ والخضوعِ والعبادةِ لربّ العالمين. فالجذر (وزع) يُعطينا
الدلالاتِ الآتيةِ التي تتواءم مع السِّياقِ الذي ورد فيه الفعلُ(٦٥):
١- أوزعه الشيءَ: ألهمهُ إيّاهُ.
٢- أوزع بالشيء يوزعُ إذا اعتاده وأكثر منه وأُلهِمَهُ.
٣- ربِّ أوزعني أنْ أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ... وتأويلُهُ في اللغةِ كُفّني
عن الأشياء إلّا عن شكرِ نعمتِكَ، وكُفّ عمّا يُباعدني عنك.
إنّ هذه الدلالاتِ تقودُنا إلى القولِ: إنّ دعاءَ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه
السلام) للحجّةِ بنِ الحسن (عليه السلام) ولنفسهِ، أنْ يكونَ شكرُه إلهاماً من الله
تعالى، وأنْ يكونَ هذا الشكرُ كافياً لهما عن الأشياءِ كلّها إلّا عن شكرِ ما أنعمَ
به عليهما من نِعمٍ تتمثّلُ في الخلقِ كلّه. ومن هنا، سيكونُ الإمامُ (عليه
السلام)، كما يريد، في هذا التوجيهِ في شكرٍ دائمٍ لله تعالى، لأنّ كلَّ ما يراهُ
ويسمعُ به ويُحسُّهُ في المخلوقاتِ كلِّها هو من نِعَمِ اللهِ تعالى. والشكرُ
الدائمُ يقودُ صاحبَهُ إلى التمسّكِ بمنهجِ اللهِ تعالى من دون فتورٍ أو توانٍ.
فيُصبحُ الشكرُ هنا ضرباً من العبادةِ، لأنّ شكرَ المنعمِ واجبٌ عقلاً، وإذا كان
الشكرُ إلهاماً من الله تعالى، صار ديدناً للإنسانِ في كلِّ حينٍ، ويكونُ عن بصيرةٍ
ورويةٍ وإدراكٍ، وهذا ما تمنّاه الإمامُ (عليه السلام) في دعائه.
ثم يأتي قوله (عليه السلام): «وآتهِ من لدنكَ سُلطاناً نصيراً».
وهنا يدعو الإمامُ (عليه السلام) لقائمِ آلِ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)،
بأنْ يكون السّلطانُ الناصرُ له من لدنِ اللهِ تعالى، والسّلطان في اللغة يعني ما
يأتي(٦٦):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) الصحيفة السجادية:
١٩١.
(٦٥) ينظر لسان العرب
(وزع).
(٦٦) ينظر لسان العرب
(سلط).
١- السّلطان: الحجةُ والبرهانُ.
٢- السّلطان: قدرةُ اللهِ تعالى وقدرةُ من جعل ذلك له.
٣- السّلطان: سلطانُ كلِّ شيء قدرتُه وحجّتُه وبرهانُه.
فالإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) يدعو للإمامِ المنتظرِ (عليه السلام)
بأنْ تكون قدرتُه مستمدّةً من قدرةِ اللهِ تعالى في القوّةِ الماديّةِ وقوّةِ
الحجّةِ والبرهانِ الذي يأتي به رديفاً لمظاهرِ قوّتِه الأخرى، وهنا يتجسّدُ
السّلطانُ المذكورُ في هذا الجزءِ من الدعاءِ. ومن هذا يمكنُ أنْ نخلصَ إلى أمرٍ
آخر، وهو أنّ الإمامَ المهديَّ (عليه السلام) يقارعُ من يعترضَ دعوتَه بالحجّةِ
والبرهانِ القاطعِ ليقنعَه بالاستجابةِ إلى دعوةِ الحقِّ الإلهيِّ التي ينهضُ بها،
فإنْ لم يرضَ المواجهون له بما يقدّمهُ (عليه السلام) لهم من الحججِ الواضحةِ
والبراهين الساطعةِ، يُواجههم بالقدرةِ الربانيّةِ التي وهبها اللهُ تعالى له. وهذا
هو الحقُّ والإنصافُ الذي يتجسّدُ في سِيَرِ أهل البيتِ (عليهم السلام).
بقيَ أنْ نقولَ في هذه الجزئيّةِ من الدعاءِ: إنّ استعمالَ الإمامِ للفظةِ (لدن)
تُعطي للدعاءِ خصوصيةً، لا يُوفّرها استعمالُ (عند)، التي لو استعملت لكان النصرُ
بمعونة آخر يرسلُهُ اللهُ تعالى، ولكنّ (لدن) حصرت نصرَ الإمامِ (عليه السلام)
باللهِ تعالى بشكلٍ مباشرٍ، مثل أنْ يكون النصرُ بمددٍ من الملائكةِ، يكلّفهم الله
تعالى بتحقيقه على النحو الذي تحقّق في بدر والأحزاب وحُنين، إذ أعانت الملائكة
النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في انجاز النصر، كما مرّ في موضعٍ سابقٍ من
البحثِ وسيأتي غيرُه إنْ شاء الله تعالى، وقراءةُ الرواياتِ الموثوقةِ عن ظهورِ
الإمام المهدي (عليه السلام) وإقامةِ دولته تُنبئ بوجاهةِ هذا التوجيهِ، إذ يكون
المددُ الربانُّي المباشرُ حاضراً ومسانداً للإمام (عليه السلام) في خطواتهِ كلّها.
أمّا قوله (عليه السلام): «وافتح له فتحاً كبيراً»، فعودتُنا إلى الاستعمالِ
الاجتماعيّ لأظهرِ ألفاظِ (الفتح) تُهيّئُ لنا سبلَ تأويله. جاء في لسان العرب تحت
الجذر (فتح) ما يأتي(٦٧):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧) لسان العرب (فتح).
١- الفتحُ: الماءُ الجاري على وجهِ
الأرضِ.
٢- الفتحُ: النهرُ.
٣- الفتحُ: النصرُ.
٤- الفتحُ: القيامةُ.
أمّا معاني اليُسر فهي على النحوِ الآتي(٦٨):
١- اليسرُ: اللينُ والانقيادُ.
٢- اليسرُ: سمحٌ، سهلٌ، قليلُ التّشديدِ.
يرتبطُ معنى الفتحِ في هذا المقطعِ من دعاءِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه
السلام) بالنصرِ الذي سيتحققُ للإمامِ المهديِّ (عليه السلام) بيُسرٍ وسهولةٍ ورفقٍ
ولينٍ وأناةٍ. لأنّ منهجَ الإسلامِ الرحمةُ. وقد يتحققُ هذا بهدايةِ الخلقِ
واتِّباعهم للإمامِ القائمِ (عليه السلام). أمّا من يأخذه العنتُ والطغيانُ، فيكون
نصرُ الإمامِ (عليه السلام) بقوّتهِ، ولكنّها قوةُ أصحابِ الرحمة والرأفةِ، وليست
قوةَ الطغاة كالسفياني مثلاً، إذ لا ينفعهُ ما فيه من جبروتٍ، ويتحققُ النصُر
للإمام (عليه السلام) عليه بهذا اليُسرِ المشارِ إليه في الدعاءِ(٦٩).
أمّا ما بقيَ من معاني النصرِ، فهي تشكّلُ الوجهَ الباطنَ لدعاءِ الإمامِ (عليه
السلام)، فالنهرُ أو الماءُ الجاري على وجهِ الأرضِ، هو عنوانُ الحياةِ لأنّ اللهَ
تعالى جعلَ الحياةَ لكلِّ شيء من الماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ
المَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، وهذه الحياةُ تتمثلُ في أنّ
الأرضَ تُخرجُ كنوزها للقائم (عليه السلام)، فيعيش الخلقُ في بحبوحة ربانيّةٍ بعد
أن يُظهرَ اللهُ تعالى دينَهُ على الدينِ كلّهِ. يقولُ الإمامُ الحسينُ (عليه
السلام) عن أيّام الإمام المهديِّ (عليه السلام): «يُحيي اللهُ به الأرضَ بعد
موتها، ويُظهر به دينَ الحقّ على الدينِ كلّه»(٧٠)،
وهذا القولُ يتناغم مع سياقِ الآيةِ المباركةِ ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاء إلى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً
تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ
مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) م، ن (يسر).
(٦٩) أشرنا إلى السفياني
هنا مثلاً، إذْ لم ترد إشارةٌ إليه في هذا الجزء من الدعاء.
(٧٠) إعلام الورى: ٢/١٩٤.
(السجدة: ٢٧ - ٢٨)، إذ ذهب بعضُ
المفسرين إلى القولِ إنّها تنطبقُ على ظهور القائم من آل محمد (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) فيكون الفتحُ فيها محقِّقاً للأمرين معاً، ظهورِ الإمامِ (عليه السلام)
وظهورِ خيراتِ الأرضِ في دولته.
وإذا اعترض مُعترِضٌ وقال: إنّ القسم الآخر من المفسرين، ذهب إلى توجيه دلالة الآية
إلى فتح مكة(٧١)،
فنُحيل إلى ما قاله السيد الطباطبائي حينما قطع بعدمِ استجابةِ الآيةِ لهذا
التوجيهِ وإنمّا يكونُ مصداقُها الرئيسُ هو القائمَ من آلِ محمد (صلّى الله عليه
وآله وسلّم)(٧٢).
وقد ورد عن الإمامِ عليٍّ (عليه السلام) إنّ الذين يثبتون على الدينِ في غيبةِ
الإمامِ (عليه السلام) يُؤذَون «ويُقالُ لهم: متى هذا الوعدُ إن كنتم صادقين، ألا
إنّ الصابرَ في غيبتهِ على الأذى والتكذيبِ، بمنزلةِ المجاهدِ بالسّيفِ بين يدي
رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٧٣)،
واستناداً إلى قولِ الإمامِ (عليه السلام) هذا فإنّ ظهورَ القائمِ (عليه السلام)
يكون بحقٍّ فتحاً كبيراً بدلالاتِ الفتحِ كلّها، للصابرين على الدّينِ الحقِّ،
فيتحققُ بذلك الوعدُ الإلهيُّ بنصرهِ، وتقعُ الاستجابةُ لدعاءِ الإمامِ عليِّ بن
الحسينِ (عليه السلام) آنئذٍ.
ونتريثُ الآن قليلاً عند الجزءِ الأخيرِ من دعاءِ الإمامِ (وأعنه بركنِك الأعزّ
وأشدُد أزره). لنقولَ: إنّ ركنَ اللهِ تعالى هو أشدُّ الأركانِ وأقواها وأعزّها،
والعزيزُ الذي لا يغلبه شيءٌ، فيكون نصرُ اللهِ تعالى للإمامِ (عليه السلام) قائماً
مستديماً، ليس نصراً في معركةٍ، يحصلُ فيها وقد لا يحصلُ في غيرها، إنّما هو النصرُ
الدائمُ الموعود به الإمام (عليه السلام).
بيد أنّ ثمة إشارة هنا تُغرينا بذكرِها، وهي إنّ الإمامَ (عليه السلام) لم يشأ أنْ
يجعل ركن الله تعالى الأشدَّ وإنّما جعله الأعزَّ، لديمومةِ العونِ له، مع عزٍّ
دائمٍ لا يفارقهُ. لأنّ الرفعةَ والمنعةَ والامتناعَ والغلبةَ مقرونةٌ بركنِ اللهِ
تعالى.
أمّا قولُه (عليه السلام): «وأُشدد أزرَه»، فالجذر (أزر) يُعطينا الدلالاتِ الآتيةِ
بعد العودةِ إلى المعجم العربيّ(٧٤):
١- الأزرُ: القوةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧١) ينظر مجمع البيان:
٨/١١٤.
(٧٢) ينظر الميزان: ١٦/٢٦٧.
(٧٣) كمال الدين: ٣١٧.
(٧٤) ينظر لسان العرب
(أزر).
٢- الأزرُ: الضعفُ.
٣- الأزرُ: الظهرُ.
وهنا يمكننا أنْ نتأوّلَ هذا المقطعَ من كلامِ الإمامِ (عليه السلام) بالقوةِ
المستمدةِ من الله تعالى، إذ يُهيّئ له أسبابَها في الظاهرِ وفي الباطنِ - كما
سيأتي بعد قليل -، فتكون هذه القوةُ سلاحَهُ في تحقيقِ الغلبةِ على الأعداءِ، وهي
التي تقوّي، ما قد يبدو ضعفاً بعيونِ الخصومِ الذين يُواجهونهُ بوسائلِ القوةِ
كلِّها. فيكون هذا قوةً لظهرهِ، وبهذا تجتمعُ معاني (أزر) لتُعطينا هذه الدلالاتِ
التي تتلاءم مع المناخِ الذي سيظهر به الإمامُ القائم (عليه السلام) على وفقِ
الرواياتِ الصحيحةِ التي وصلتْ إلينا.
ولا يخفى على ذي نظرٍ أنّ الإمامَ (عليه السلام) تمثّلَ الآية القرآنية التي تتحدثُ
عن دعاءِ موسى (عليه السلام) ليشدَّ الله تعالى أزره بأخيهِ هارونَ ﴿اشْدُدْ
بِهِ أَزْرِي﴾ (طه: ٣١)، وهنا تتظافرُ دلالةُ الآيةِ وألفاظُها في قولِ
الإمامِ (عليه السلام)، ويُصبح كلامُ اللهِ تعالى مرتكزاً للنصِّ السّجّادي في هذا
المقطع وفي غيره كما سنرى ذلك في مواضعَ لاحقةٍ من البحثِ.
ونصلُ الآن إلى المقطعِ الأخيِر من نصِّ دعاءِ الإمام (عليه السلام) - لحفيده
الإمام القائمِ (عليه السلام) وهو قولُه «وقوِّ عضدَه، وراعهِ بعينك، واحمهِ بحفظك،
وانصرهُ بملائكتك، وامددهُ بجندِكَ الأغلب، وأقمْ به كتابَك وحدودَك وشرائعَك وسننَ
رسولِك صلواتُك الّلهم عليه وآله»(٧٥).
يُضيف الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) وجهاً آخرَ من وجوهِ أدعيتهِ هنا،
فيطلب من اللهِ تعالى –فضلاً عمّا مرّ- أنْ يقوّي عضدَ الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام)، فما دلالةُ العضد؟.
جاء في لسان العرب(٧٦):
١- العَضُدُ: السّاعدُ وهو ما بين المرفقِ إلى الكتفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٢- العَضُد: عَضَدَهُ يعضِدُه...
إذا أعنته وكنتَ له عَضُداً.
٣- العَضُد: القوةُ، لأنّ الإنسانَ يقوّى بعضُدِه فسُمّيت القوةُ به... وكلُّ
مُعينٍ عَضُدٌ، وعَضَد الرجلُ أنصارَه وأعوانَه.
٤- عَضُد الطريقِ: ناحيتُه، وكلُّ ناحيةٍ عَضُدٌ.
٥- عَضَد البناءُ: ما شُدّ من حواليه كالصفائحِ المنصوبةِ حولَ شفيرِ الحوضِ.
٦- عُضادتا البابِ: الخشبتان المنصوبتان عن يمينِ الداخلِ منه وشمالِه.
٧- المعضَد: كل ما عُضِدَ به الشّجرُ فهو مِعضد.
إنّ المقاربةَ المعرفيةَ الأولى بدلالاتِ الاستعمالِ الاجتماعي في (١ - ٢ - ٣)،
تقودُنا إلى القولِ: إنّ الدعاءَ لقوّةِ عضُد الإمامِ (عليه السلام)، إنّما تكون في
قوّةِ جيشهِ وأنصارهِ لأنّ الإنسانَ إنمّا يقوى بعضُده، فسُميتْ القوّةُ به وكلُّ
مُعينٍ عَضُد، وعضُد الرجلِ أنصارُه وأعوانُه. وهذا الوجهُ الأظهرُ في هذا المقطعِ
من الدعاءِ. بيد أنّ الدلالاتِ الأخرى قد تُنافس هذا الوجه في وجاهتِها، فالمعنى
الرابع عضُد الطريقِ: ناحيتهُ، وناحيةُ الإمامِ: منهجهُ الذي هيأهُ اللهُ تعالى
للنهوضِ به، وقوةُ هذا المنهجِ ووضوحُهُ وإبانتُه وسلامتُه، تستقطبُ الناسَ إليه،
بعد أن يكونَ مُحاطاً بقوّةٍ تحمي الداخلين إليه كما تحمي الصفائحُ شفيرَ الحوضِ،
وكما تحمي العُضادتان البابَ، ليسهلَ الدخولُ من خلالِه. كما هو المعنى الخامس
والسادس.
أمّا المعنى السابع، فهو الآلةُ التي يعضّد بها الشجرُ أيْ يُقطع، والذي يتسربُ إلى
النفسِ تأويلياً من هذا المعنى ما يأتي:
إنّ الإمامَ (عليه السلام) يدعو بأنْ يُقوّي اللهُ سيفَ الإسلامِ وقوتِه التي
يعضِدُ بها خصومُ الدولةِ الإلهيةِ التي يُقيمها، لأنّ من ملأ الأرضَ ظلماً وجوراً،
قد لا يُجدي معه أيُّ شيءٍ أحياناً إلّا القوّة التي تقتلعه من جذورهِ، وتجتثُه من
أُصوله، حتى يُقامَ العدلُ والقِسطُ الذي كلّفَ اللهُ تعالى الإمامَ المهديَّ (عليه
السلام) بإقامته.
ويشيرُ الإمامُ عليُّ بنُ الحسين
(عليه السلام) إلى ضربٍ آخرَ من أضربِ أدعيتهِ، لحفيده الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام) بقوله (وأنصره بملائكتك وأمدده بجندك)، ومن معاني (النصر) الذي نتأوله في
هذا القول ما يأتي(٧٧):
١- النّصرُ: إعانةُ المظلومِ، نصرَه على عدوّهِ ينصُره نصراً.
٢- النُصرةُ: حُسنُ المعونةِ.
٣- النّصرُ: انتصر الرجلُ إذا امتنعَ من ظالمهِ.
٤- الانتصارُ: الانتقامُ، والاستنصارُ: استمدادُ النّصرِ.
٥- النّواصرُ: مجاري الماءِ إلى الأوديةِ، والنواصر من الشعاب ما جاء من مكان بعيد
إلى الوادي، فنصر سيل الوادي.
٦- النّصرةُ: المطرةُ التّامةُ، ونُصِرتْ البلادُ إذا مُطرِتْ.
إنّ هذه البسطةَ المعرفيةَ التي أمدّنا بها لسانُ العربِ للجذر (نَصَرَ) تُسّوّغُ
لنا تأويلَ مُرادِ الإمامِ (عليه السلام) في دعائهِ، من خلال عقدِ صِلةٍ معرفيةٍ
بين لفظتي الدُّعاء (وانصره بملائكتك)، فالمعاني الأربعةُ الأولى يُجسّدها نصرُ
الملائكةِ للإمامِ على عدوّهِ ودفعِ الظلمِ عنه وعن أصحابهِ، حتى ينتقمَ من أعدائهِ
ويمتنعَ منهم، وهذا يعني فيما يعنيه - كما مرّ من قبل - إنّ الإمام (عليه السلام)
سيُواجه أعداءً وخصوماً ومناوئين يكيدون له، ويحاربونه - كما هو شأنُ السفياني -،
ويشتبكون مع جيوشه في معارك شديدة، يمدّه اللهُ تعالى بعدها بالنّصرِ المبين.
أمّا كيف يكون نصرُ الملائكةِ للإمام (عليه السلام) فذلك في علمِ اللهِ تعالى،
ولكنّنا نستطيعُ أن نقدّرَ ذلك من خلالِ مساندةِ الملائكة للنبيّ (صلّى الله عليه
وآله وسلّم) في معركةِ بدرٍ والخندقِ وحُنين(٧٨)
فقد قاتلتْ مع المسلمين يوم بدرٍ وكان عددُهم خمسةَ آلافٍ نزلوا على خيلٍ بُلق
وعليهم عمائمُ صفر(٧٩).
ولعلَّ نُصرة الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) تكون على هذا النحو، لأنّ ولادتَه
وغيبتَه وظهورَه من المعاجزِ الكبرى، وقتالُ الملائكةِ معه سيكون معجزةً ربانيةً
تنخرطُ في جملةِ ما يمدُّه الله تعالى به من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٧) ينظر لسان العرب
(نصر).
(٧٨) ينظر التبيان: ٢/٥٧٩؛
مجمع البيان: ٢/٣٨٠.
(٧٩) ينظر التبيان: ٢/٥٨٠.
معاجزَ. والذي يُرجّحُ هذا التوجيهَ
ما ورد عن الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): «إنّ الملائكة الذين نصروا محمداً (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) يوم بدرٍ في الأرضِ ما صعدوا بعدُ ولا يصعدون حتى ينصروا
صاحبَ هذا الأمرِ وهم خمسةُ آلافٍ»(٨٠).
واستناداً إلى هذا صار النصرُ الذي يدعو به الإمامُ عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام)
للإمام المهديّ (عليه السلام) هو نصرُ هؤلاءِ الملائكةِ الذين يعرفُ هو (عليه
السلام) مهمتهم في الأرض من يوم نزولهم في يومِ بدرٍ إلى يومِ يشدون أزره وينصرونه
مقاتلين.
وما قدمناه الآن ليس قطعياً، إذ قد يكون نصرُ الملائكةِ للإمام (عليه السلام) من
دون قتالٍ وإنّما بالإمدادِ بالنصرِ، وبثِّ الطُمأنينةِ في القلبِ، وتمكينِ النفوسِ
من الثّبات ومقارعةِ العدوِّ من دون خَوَرٍ أو ضعفٍ، وهذا كلُّه سيقودُ إلى النّصرِ
الذي يدعو به الإمام السجّادُ (عليه السلام)، ومثلُ هذه المهمة، نَهَضَتْ بها
الملائكةُ في معركةِ حُنين، إذ لم يشتركوا في القتالِ، وإنمّا تكفّلوا بإثارةِ
الرُّعبِ في نفوسِ المشركين، وتقويةِ قلوبِ المسلمين الذين انهزموا أولاً ثم أنزل
الله تعالى سكينتَه عليهم، وأنزلَ الملائكةَ لتجبينِ الأعداءِ ونصرِ المسلمين، قال
تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ (التوبة:
٢٦).
وإذا أخذنا بهذا التوجيهِ، فيكون المقطعُ الآخرُ من الدعاء (وامدده بجندك)، يدلُّ
على أنَّ هؤلاء الجندَ هُمُ الذين يُقاتلون مع الإمام (عليه السلام)، ويكونُ
الملائكةُ رُسُلَ الطُمأنينةِ والثّباتِ وشدِّ الأزرِ وتقويةِ القلوبِ.
بقيَ أنْ نُشيَر إلى أمرٍ نحسبهُ على قدرٍ من الأهمية هنا. وهو إنّ ملكاً واحداً
يكفي لنصرةِ الإمام المهدي (عليه السلام)، والإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه
السلام) يدعو بصيغةِ الجمعِ (والملائكة والجند). فكيف يُوجّهُ هذا؟
هنا نقول:
إنّ الإمامَ (عليه السلام) يعلم أنّ نصرَ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام)
مكفول من اللهِ تعالى من خلالِ عونِ الملائكةِ والجندِ على النحوِ الذي رأيناهُ،
ولكنّه (عليه السلام) يعلمُ أنّ اللهَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٠) نور الثقلين: ١/٣٨٨.
تعالى يريدُ من الإنسان أنْ يأخذَ
بالأسبابِ، فالإمامُ يقاتلُ بجندهِ حتى يكونَ نصرُ اللهِ تعالى على يدِ أصحابه،
ليرفعَ بذلك منزلتَهم وقدرَهم بوصفِهم مجاهدين كالمجاهدين بين يدي النبي (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) كما مرّت الإشارة إليه سابقاً.
ولكنّ توجيهاً آخرَ، ليس بمقدورنا أنْ نشيحَ بوجهنا عنه، وهو أنّ المرادَ بالجندِ
في دعاءِ الإمامِ هم أصحابُه الذين ينتظرون ظهورَه وهم القادةُ الثلاثمائة وثلاثة
عشر، أو من يلحق بهم بعد من المناصرين، فيكونون جنداً لله تعالى على سبيل المجاز
العقلي، كما في الحديثِ النبويِ «يا خيلَ اللهِ اركبي»(٨١)
ففيه نُسبت الخيلُ إلى الله تعالى. واستناداً إلى هذا فلا مانعَ من توصيفِ أصحابِ
الإمامِ القائمِ (عليه السلام) بجندِ الله تعالى، وهذا أكثرُ تأثيراً في النفوسِ،
وترغيباً لكلِّ مسلم لأنْ يكون من هؤلاءِ ما دام زمنُ الظهورِ مجهولاً. وتقويةً
لعقيدةِ الانتظارِ التي تشدُّ المسلمَ إلى دينه تماماً، لأنّه ينتظرُ ظهورَ إمامهِ،
ومن هنا يكون دعاءُ الإمام (عليه السلام) وسيلةً لتقويمِ النّفسِ، وتمتينِ
العقيدةِ، ومجابهةِ من يقولُ بغيرِ هذا بدعاء الإمام (عليه السلام).
أمّا قوله (عليه السلام): «وأقم به كتابَك وحدودَك وشرائعَك»، فينطوي على مضامينَ
تأويليةٍ، تُعيننا معاني الجذر (قوم) على الوصولِ إليها. جاء في لسان العرب تحت
الجذر (قوم) هذه المعاني(٨٢):
١- القيامُ: المحافظةُ والإصلاحُ.
٢- القيامُ: الوثوقُ والثباتُ.
٣- القيامُ: العزمُ.
٤- القيامُ: نقيضُ الجلوسِ.
٥- القيامُ: المتمسّكُ بالدين الثابتُ عليه، القائمُ به.
٦- القيامُ: المثولُ والنصبُ: ضد القُعودِ.
إنّ هذه الدلالاتِ المعرفيةِ تكشفُ لنا عن مضامين دعاءِ الإمام (عليه السلام) في
هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨١) ينظر الفائق في غريب
الحديث: ١/٣٨٠؛ شرح نهج البلاغة: ١٣/١٣٨؛ بحار الأنوار: ٦١/١٧٦. وينظر تفاصيل قصة
الحديث في عون المعبود: ٧/١٦٤.
(٨٢) ينظر لسان العرب
(قوم).
الجزء، إذْ يدعو اللهَ تعالى أنْ
يجعلَ الإمامَ مُتمسّكاً بالقرآن ثابتاً عليه مصلحاً للدّين بعزمٍ وثباتٍ، مقيماً
للحدودِ والشرائع، كما يريدُها اللهُ تعالى. وبهذا يكشفُ الإمام (عليه السلام) ما
يمكنُ أنْ يكون عليه الناسُ، حينما يظهرُ الإمام المهديُّ (عليه السلام)، فالكتابُ
والحدودُ والشرائعُ لم تكن كما يريدُها الله تعالى، وإنّما يشوبها التحريُف
والتغييرُ والبعدُ عن الإسلام الحقيقي، وظهورُ الإمام قمينٌ بتحقيقِ العدلِ
الإلهيّ.
إنّ دعوةَ الإمامِ (عليه السلام) على هذا النحوِ في يوم عرفة، تُثبت من دون ريبٍ،
أنّ الكتابَ والحدودَ عُطّلتْ في زمانهِ، وستُعطّلُ بعد ذلك حتى يظهرَ المنتظرُ
الموعودُ (عليه السلام) وهذا هو الظلمُ والجورُ الذي ستكونُ عليه الأرضُ، إذْ
تُصبحُ بحاجةٍ إلى القسطِ والعدلِ حتى تستقيمَ، وهذا ما سيتكفلُ به الإمام المهدي
(عليه السلام).
ثم يأتي المقطعُ الأخيرُ من دعاءِ الإمامِ (عليه السلام) في يومِ عرفة، إذْ يقولُ:
«وأحيي به ما أماته الظالمون من معالمِ دينكَ، واجلُ به صدأ الجورِ عن طريقتِك
وابنْ به الظلامَ عن سبيلِك، وأزلْ به الناكبين عن طريقِك، وامحقْ به بغاةَ قصدِك
عوجاً، وألنْ جانبَه لأوليائِك، وابسطْ يدَه على أعدائِك وهبْ لنا رأفتهَ ورحمتهَ
وتعطّفَه وتحنُّنه»(٨٣).
إنّ دعوةَ الإمامِ (عليه السلام) بأنْ يُحيي اللهُ تعالى بالقائمِ (عليه السلام) ما
أماته الظالمون من معالمِ دينهِ، يعني أنّ هذا الأمرَ قد وقعَ حقّاً، وأماتَ
الظالمون آثارَ الدّين (المعالم: الآثار) وكأنّهم يريدون اقتلاعَ جذورهِ، لأنّ من
يُميت الآثارَ، لا يُبقي للناسِ ما يستدلون به على صحّةِ نهجهم، ولذلك كانتْ
الدعوةُ لإحياءِ معالمِ الدينِ أولاً، حتى يتبيّنَ الناسُ السّبيلَ الذي يقودُهم
إلى النجاةِ. وترتبطُ بهذه الدعوةِ الدعوةُ الأخرى التي تقتفي أثرَها، إذْ كان
الظلمُ ومجاوزةُ حدودِ ما يُريدهُ الله تعالى والميلُ عن القصدِ الصحيحِ سبباً في
تراكمِ الجورِ على طريقِ الله تعالى، ودعوةُ الإمامِ (عليه السلام) برفعِ ذلك
كلِّه، حتى يرتفعَ الظلامُ المحيطُ بسبيلِ اللهِ تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٣) الصحيفة السجادية: ١٩١.
بإزالةِ الخارجين عن صراطِ اللهِ
المستقيمِ، الذين يستحقون محقَ اللهِ تعالى لهم، لأنّهم يريدون الاعوجاج لسبيلهِ
المستقيمِ.
إنّ هذا الذي تمنّى الإمامُ (عليه السلام) زوالَهُ بدعوتهِ هذه، هو الظلمُ والجَورُ
الذي تواترتْ الأحاديثُ النبويةُ وأحاديثُ أهلِ البيتِ بشأنها، لأنّ الإمامَ
المهديَّ (عليه السلام) سيزيلُ الظلمَ والجورَ الذي يملأ الأرضَ، ويبسطُ العدلَ
عليها(٨٤).
ثم يختمُ الإمامُ (عليه السلام) هذا المقطعَ من دعائه مُلتفتاً إلى شخصِ الإمامِ
القائمِ (عليه السلام) بقوله: «وألنْ جانبَه لأوليائِكَ»(٨٥)،
والّلينُ هنا يعني حسنَ التّدبير لمن يقودُهم من أصحابهِ وهم أولياءُ اللِه تعالى
بشهادةِ هذه الدعوةِ.
وهذا التوصيفُ السجّادي لأصحابِ القائمِ يُنبئ عن المرتبةِ العليا التي يحظَون بها،
لأنّ من يثبتُ على دينه في زمنِ الغيبةِ، يعني أنّه من القلّةِ الذين انتقاهم اللهُ
تعالى لهذه المهمّةِ الربانيّةِ، يقولُ النبّيُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «...
والذي بعثني بالحقّ بشيراً، إنّ الثابتين على القولِ به في زمانِ غيبتهِ لأعزُّ من
الكبريتِ الأحمرِ»(٨٦)،
ولينِ جانبِ الإمامِ (عليه السلام) هنا، هو رحمة من اللهِ تعالى بهؤلاء الأصحابِ،
فيكون كجدّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي وصفه القرآن الكريم: ﴿فَبِما
رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
المُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، ويقابلُ هذا اللينَ الذي دعا به الإمام
عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام)، بَسْطٌ ليدِ الإمام (عليه السلام) على أعداءِ
اللهِ تعالى. فمنهاجُ الإمامِ القائمِ (عليه السلام) هو منهجُ اللهِ تعالى ومن
يُعادي الإمام (عليه السلام) يكون عدواً لله تعالى.
ثمّ يأتي المقطعُ الأخيُر من دعاءِ الإمامِ عليّ بنِ الحسين (عليه السلام) السابقِ،
وهو قولُه: «واجعلنا له سامعين مطيعين، وفي رضاهُ ساعين، وإلى نصرتهِ والمدافعةِ
عنه مُكنفين، وإليك وإلى رسولك - صلواتك الّلهم عليه وآله - مُتقرّبين»(٨٧).
إنَّ هذا المقطعَ من دعاءِ الإمام (عليه السلام) يستدعي أنْ نطيلَ النظرَ فيه
بأناةٍ ورويّةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٤) ينظر دلائل الإمامة:
٤٥٦ وفيه تفصيل عن هذا يغني عن ذكره هنا.
(٨٥) كمال الدين: ٢٨٨.
(٨٦) كمال الدين: ٣٢٣؛
إعلام الورى: ٤٢٨؛ بحار الأنوار: ٥٢/١٢٥.
(٨٧) كمال الدين: ٢٨٨.
لأنّه يُلامسُ قضيّةً على قدرٍ من
الأهميّةِ - وكلُّ كلامِ الإمامِ (عليه السلام) مهمٌّ - جاءتْ في إطارِ الدعاءِ،
فالإمامُ (عليه السلام) يدعو أنْ يجعلَهُ اللهُ تعالى ومن معه سامعين مطيعين لحفيده
الإمام (عليه السلام)، فكيف نتأوّلُ هذا الكلامَ؟
إنّ الإمام (عليه السلام) يشيُر هنا إلى (الرّجعة) التي يعودُ فيها قومٌ من
الأمواتِ إلى دار الدنيا ليقتصّ المظلومون من الظالمين، في دولةِ العدلِ الإلهيِّ
التي يُقيمها، وهذا واضحٌ من ظاهر نصِّ الدعاءِ، ولكنّنا سنتأمل قول الإمام (عليه
السلام) هذا بما يُعطينا التصوّر الذي سمح لنا بتوجيه القول إلى الرجعةِ(٨٨).
وأئمةُ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) هم أهلُ الرجعةِ، والإمام يدعو الله تعالى أن
يرزقهم السمع والطاعة للإمام المهدي (عليه السلام)، ودعاء الإمام هذا يمكنُ أن
يوجّه إلى جهتينِ، وهما:
الأُولى: إنّ مرادَ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه السلام) بالسّمعِ والطاعةِ
للإمامِ المهديِّ (عليه السلام) هنا، يعني أنّ اللهَ تعالى شاءَ أنْ تكونَ نهايةُ
الدنيا بدولتهِ الموعودةِ، والسّمعُ والطاعةُ امتثالٌ لهذه المشيئةِ، لأنّ منهجَ
أهلِ البيتِ (عليهم السلام) واحدٌ في طاعتهم، فهم (عليهم السلام) يرَون بأعينهم
فضلَ اللهِ تعالى على الخلقِ بتحقيقِ العدلِ في تلك الدولةِ، فيكون السمعُ والطاعةُ
الرضا المطلقَ بما ينهضُ به الإمامُ المهديُّ (عليه السلام) في دولتهِ الموعودةِ
-كما أشرنا-، هذا من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى فإنّ الدعاءَ بهذهِ الكلماتِ، يعني الدعاءَ
بتعجيلِ الفرجِ لتحقيقِ ما يُريدُه أهلُ البيتِ (عليهم السلام) من قيام قائمهم
(عليه السلام).
الثانيّة: وفي هذه الجهةِ يكونُ مرادُ الإمامِ (عليه السلام)، تعليمَ المسلمينَ هذا
النَّمطِ من الدعاءِ ليرسّخَ في نفوسِهم الإيمانَ المطلقَ بغيبةِ الإمامِ المهديّ
(عليه السلام) وظهورِه، ووجوبِ الطاعةِ له في غيبتهِ وظهوره على السَّواءِ، وهذا -
كما هو معلومٌ - منهجُ الإمامِ عليّ بنِ الحسينِ (عليه السلام) في أدعيتهِ، فهي
عبادةٌ وبيانٌ للعقيدةِ الإسلاميّةِ الحقّةِ. ومن هنا سار الدعاءُ في أجزائه
الأخيرةِ على هذا النحو، من حيثُ السّعيُ في رضا الإمام المهدي (عليه السلام)،
والمدافعةُ عنه، وهذا كلّه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٨) تُعدُّ قضيةُ (الرجعة) من القضايا الكبرى عند الإماميّة، وقد قيل عنها الكثير، وأُلّفتْ فيها كتبٌ ورسائلُ كثيرةٌ، وتتلخّصُ فكرةُ (الرجعة) بأنّ الله تعالى يُعيد أقواماً إلى الدنيا وفي مقدّمتهم الأئمةُ (عليهم السلام) في دولة الإمام المهدي (عليه السلام) ليقتصّوا ممن ظلمهم، وهؤلاء أيضاً يُعيدهم الله تعالى إلى الدنيا في الرجعة، وقد ورد في بحار الأنوار: ٦/٢٥٤ عن الإمام الصادقِ (عليه السلام) قوله: «إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فأمّا ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب»، وتفاصيل (الرجعة) مذكورة في أغلبَ مصادرِنا. يُنظر مثالاً لا حصراً: الاعتقادات في دين الإمامية: ٣٩ - ٤٢؛ دلائل الإمامة: ٥٤٢؛ أوائل المقالات: ٤٦؛ وينظر أيضاً كتاب: (الرجعة) الصادر عن مركز الرسالة ففيه تفصيلٌ وافٍ عن الرجعة وعن ما ورد بشأنها في المصادر.
أجلِ رضا اللهِ تعالى ورضا رسولِه
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما يُخبرُ به الإمامُ عليُّ بن الحسين (عليه السلام)
من خلال دعائه. والميدانُ الذي يتحقَّقُ فيه الدعاءُ هو دار الدنيا فقط، لأنّها هي
التي ستشهدُ قيام دولةَ الإمام المهدي (عليه السلام)، واستنادا إلى هذا، صار واضحاً
أنّ الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) يخصّ (الرجعة) في هذا المقطعِ من دعائهِ،
وهنا نُمسكُ بدليلٍ معرفٍّي مأخوذٍ من كلامِ الإمامِ (عليه السلام) لقضيّةٍ
(الرجعة)، يضافُ إلى ما وصلَ إلينا من رواياتٍ متواترةٍ عنها.
وثمة إشارة لا بدّ من الوقوفِ عندها، وهي حرصُ الإمامِ عليّ بن الحسين (عليه
السلام) على تبصيرِ المسلمينَ بشؤونِ عقيدتهم من خلالِ الدّعاءِ، حتى يبدو الأمرُ
في ظاهرِه دعاءً، ويحملُ في الوقتِ نفسهِ ما يريدُ الإمام (عليه السلام) بيانه، من
ثوابتِ العقيدةِ، وهذا الأسلوبُ يناسبُ الحقبةَ التي عاش فيها، إذْ كانتْ السلطةُ
الأُمويّةُ تراقب ما يقولُ وما يفعلُ وهنا لا يشكّ شاكٌّ بما يسمعُ، لأنّ من حقِّ
الإمامِ (عليه السلام) أن يدعو ويناجي ربّه بما يشاء.
كلماتٌ قصارٌ في الإمام المهدي (عليه السلام):
خصّ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام)، الإمامَ المهدي (عليه السلام)
ببعضِ الكلماتِ القصيرةِ المكثّفةِ التي تحملُ فكرةً أو تعبّرُ عن موقفٍ يراهُ
الإمامُ مناسباً لبسطِ فكرةٍ تتناول وجهاً من وجوهِ تبصيرِ المسلمين بعقيدةِ الإمام
المهدي (عليه السلام)، والإيجازُ في الغالبِ يأتي لبيانِ أمرٍ حاسمٍ لا يحتاجُ إلى
إطالةٍ، وسنقفُ فيما يأتي عند بعضِ تلك الكلماتِ:
١- قال (عليه السلام): «من ثبتَ على ولايتنا في غيبةِ قائمنا، أعطاه اللهُ أجَر
ألفِ شهيدٍ مثل شهداءِ بدرِ وأُحُدٍ»(٨٩).
إنّ الثباتَ على الولايةِ الذي يُشير إليه الإمامُ (عليه السلام)، يعني عدم تسرّب
الشكِّ إلى النفوسِ بغيبةِ الإمامِ (عليه السلام) لطولها، لأنّ هذا يقودُ إلى
الشّكّ بأنّ اللهَ تعالى يُخلي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٩) بحار الأنوار: ٥٢/١٢٥.
الأرضَ من حجّةٍ، وهذا أمرٌ يُخالفُ
ثوابتَ العقيدةِ الإسلاميّةِ الحقّةِ، فقد ورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) أنّه
قال لكميل بنِ زيادٍ: «لا تخلو الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجّةٍ. إما ظاهراً مشهوراً،
أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطلُ حُججُ اللهِ وبيّناتُهُ»(٩٠)
لذا صار الأجرُ الذي يُكتبُ للثابتِ على الولايةِ بهذا الحجمِ العظيم. ولعلّ
اختيارَ الإمامِ (عليه السلام) لأجرِ شهداءِ بدرٍ وأُحُدٍ فيه تذكيرٌ للمسلمين
بمنزلة أولئك الشّهداءِ، فضلاً عمّا فيه من بيانٍ واضحٍ لثباتِ شهداءِ المعركتينِ
على عقيدتهم وهم يواجهون الموتَ في بداياتِ الإسلامِ(٩١).
٢- وقال (عليه السلام): «لا يخرج واحدٌ منّا قبلَ خروجِ القائمِ (عليه السلام) إلّا
كان مثله مثل فرخٍ طارَ من وكرهِ، قبل أنْ يستوي جناحاهُ، فأخذه الصبيانُ فعبثوا به»(٩٢).
وهذا القولُ يبسطُ أمامنا قضايا عقائديةً، نُجملُها فيما يأتي:
إنّ هذا القولَ رواهُ الإمامُ الباقرُ (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) وأخبَر
به أخاه زيداً، فالخروجُ يكونُ بأمِر اللهِ تعالى، بعد أنْ تكتملَ له الأسبابُ،
فمنْ يخرجُ قبل ذلك يكون حالُه كحالِ الطائرِ المشارِ إليهِ، من حيثُ فشلُ الخروجِ
من جهةٍ، والنهايةُ الموجعةُ لمن يخرجُ من جهةٍ أخرى. والإمامُ بهذا الحديثِ يُجيبُ
أخاه زيداً الشهيدَ (عليه السلام) بحديثِ أبيهِ (عليه السلام)، بعد أنْ أرادَ منه
زيدٌ (عليه السلام) الخروجَ على الأمويينِ لكثرةِ الأنصارِ. وهذا التوجيهُ من
الإمامِ (عليه السلام) ينطبقُ على الأئمةِ المعصومين من أهلِ البيتِ (عليهم
السلام)، ولا يشملُ غيرَهم من الأبناءِ والإخوانِ. واستناداً إلى هذا لم يخرجْ أيُّ
إمامٍ من أئمةِ أهلِ البيتِ ثائراً بعد الحسين (عليه السلام)، على الرّغمِ من كثرةِ
ما وقعَ عليهم من حيفٍ، لأنّ أمرَ الخروجِ بأمرِ اللهِ تعالى، ومن هنا شدّدوا
(عليهم السلام) على الدّعاءِ بتعجيلِ الفرجِ(٩٣).
وثمةَ أمرٌ آخر ينطوي عليه قولُ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه السلام) هذا، وهو
أنّ المسلمين في عصرهِ يعلمون بالغيبةِ وما يجري من حوادثَ متّصلة بها، ويعلمون أنّ
زمانها بعيدٌ عنهم ولا يُدركونه، فصارَ كلامُ الإمامِ (عليه السلام) موجّهاً إليهم
وإلى من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٠) م. ن ٢٣/٤٩.
(٩١) م. ن ٥٢/٣٠٣.
(٩٢) كمال الدين: ٤٨٥.
(٩٣) بحار الأنوار: ٥٢/٣١٧.
يأتي بعدهم في الأزمانِ اللاحقةِ.
حتى إذا جاء عصرُ الإمامِ القائمِ (عليه السلام)، وكّلَ أمرَ خروجهِ إلى اللهِ
تعالى.
واستناداً إلى هذا الذي بينّاه، صارَ خروجُ أيٍّ من أبناءِ الأئمةِ وإخوانهم فيما
بعد لا صلةَ له بحديثِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه السلام). لأنّه خصّ به
المعصومين (عليه السلام)، ليكون عدمُ الخروجِ وجهاً من وجوهِ الانتظارِ المأمورِ به
كما مرّ بنا.
٣- وقال (عليه السلام): «إذا قام قائمُنا أذهبَ الله تعالى عن شيعتنا العاهةً،
وجعلَ قلوبَهم كزُبَرِ الحديدِ، وجعلَ قوةَ الرِّجلِ منهم قوةَ أربعين رجلاً،
ويكونون حكامَ الأرضِ وسنامَها»(٩٤).
إنّ أوّلَ ما ينبغي أنْ نقفَ عنده من قولِ الإمامِ (عليه السلام) جملةُ (قامَ
قائمُنا) فهي الجملةُ المركزيةُ في النصِّ، وللوقوفِ على معنى القيامِ في الّلغةِ،
الذي صار علماً للدلالةِ على الإمام المهديِّ (عليه السلام)، وهنا يُعطينا المعجمُ
العربُّي المعانيَ الآتيةَ للجذرِ (قوم)(٩٥):
١- القيامُ: الوقوفُ والثّباتُ.
٢- القيامُ: المحافظةُ والإصلاحُ.
٣- القيام: العزمُ.
٤- القائمُ: الذي ثبتَ عنده الحقُ، أيْ ثبتَ ولم يبرحْ.
ومن ملاحظةِ هذه المعاني، يكونُ معنى القائمِ هو الواقفُ الثابتُ على الحقِّ
والمحافظُ عليه، والعازمُ على الإصلاحِ، والإمامُ المهديُّ (عليه السلام)، المصداقُ
الرئيسُ لهذه الدلالاتِ، فهو الواقفُ الثابتُ على أمرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)،
المحافظُ عليه. لأنّه وليُ الإمامةَ بعد أبيه (عليه السلام) ونهضَ بها، وهذه من
معاني (القائمِ) على وفقِ ما يريدُه أهلُ البيتِ (عليهم السلام) فعنْ جابرِ بن
يزيدَ الجُعفي، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: سُئلَ عن القائمِ (عليه السلام)
فضرب بيدهِ على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا واللهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٤) ينظر: لسان العرب
(قوم).
(٩٥) الكافي: ١/٣٠٧؛ وينظر
أيضاً روضة الواعظين: ٢٠٧.
قائمُ آلِ محمّدٍ، قال عنبسةُ: فلما
قُبضَ أبو جعفر (عليه السلام) دخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرتُهُ
بذلك، فقال صدق جابرٌ، ثم قال: لعلّكم تَرَوْنَ أنْ ليس كلُّ إمامٍ هو القائمُ بعد
الإمامِ الذي كان قبله(٩٦)،
واستناداً إلى هذه المعاني كلِّها فقيامُ القائمِ يعني النهوضَ لتحقيقِ الدلالاتِ
المشارِ إليها، وهذا يسنده اللهُ تعالى لمنْ ينهضُ مع القائمِ (عليه السلام) وهذه
الأمورُ ذكرها الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) في قوله السابقِ، وهي:
أوّلاً: ذهابُ العاهةِ عن شيعةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام):
والعاهةُ في اللغةِ تعني الآفةَ التي تُصيبُ الإنسانَ فتجعلُهُ غيرَ قادرٍ
على إنجازِ ما يُرادُ منه، والراجحُ هنا أنّ المرادَ بشيعةِ أهلِ البيتِ (عليهم
السلام)، هم من يوفّقهم اللهُ تعالى لمعاصرةِ ظهورِ الإمامِ (عليه السلام)،
ويكونُون من المنتظرينَ السائرينَ على نهجهِ، وهم أصحابُ الإمامِ (عليه السلام)
الثلاثمائة وثلاثة عشر الذين أعطتهم الروايات صفاتٍ أخرى -أشرنا إلى بعضها فيما مرّ
من صفحات البحث-، لأنّ أغلبَ الإشاراتِ التي وردتْ عن أصحابِ الإمامِ وردتْ
بتوصيفهم بأنّهم (أصحابُ) الإمام (عليه السلام). أما الذين يُذهبُ اللهُ تعالى عنهم
العاهةَ، فهم الشيعةُ الذين سيكون لهم شأنٌ في دولةِ العدلِ الإلهيّ التي يُقيمها
الإمامُ (عليه السلام). وبهذا ميّز الإمامُ (عليه السلام) بين قادة الإمام المهدي
(عليه السلام) وشيعته الذين يشهدون قيام دولته.
وقد يكون المرادُ بالعاهةِ الآفةَ التي تُصيبُ الزرعَ والثمارَ فتُفسدها(٩٧)،
وهذا يعني أنّ البركة المشارَ إليها في حديثِ الإمامِ علي بن الحسين زين العابدين
(عليه السلام)، تتحقّقُ في بعضِ وجوهِها على وفقِ هذه الإشارةِ. وقد يُقال هنا، أنّ
قولَ الإمامِ (عليه السلام)، واضحُ الدلالةِ على ذهابِ العاهةِ عن الشيعةِ، فكيف
تأوّلناه بذهابِ العاهةِ عن الزرعِ، فنقولُ: إنّ هذا واحدُ من الأساليبِ العاليةِ
في اللغةِ العربيةِ وهو أسلوبُ المجازِ. والإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام)
من أربابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلامِ الذين وصفَهم جدُّهُ
الإمامُ عليُّ (عليه السلام) بقولهِ: «وإنّا لأُمراءُ الكلامِ، وفينا تنشّبتْ
عروقُهُ، وعلينا تهدّلتْ غصُونهُ»(٩٩).
ثانياً: تكونُ قلوبُ الشيعةِ كزبر الحديد:
إنَّ المهامَ التي تنتظرُ الشيعةَ وقتَ ظهورِ الإمامِ (عليه السلام)، تستدعي
قوةً في النفوسِ لا تسمحُ للضعفِ والخورِ بالتسرّبِ إليها، وهذا المعنى دارَ كثيراً
في أحاديثِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) التي وصلتْ إلينا من أهلِ البيتِ (عليهم
السلام)، فقد ورد عن الإمامِ الباقرِ (عليه السلام) قولُه: «... وجُعلتْ قلوبَكم
كزُبَرِ الحديدِ، لو قذفتم بها الجبالَ فَلَقَتْها»(١٠٠)،
وهذه الأحاديثُ تُظهرُ العنايةَ الربانيّةَ بالشيعةِ عند قيامِ القائمِ (عليه
السلام)، وتشدُّ من عزيمتهم وهم يُواجهونَ أعداءَ الإمامِ (عليه السلام)، لأنّ
اللهَ تعالى يريدُ أنْ يتحقّقَ قيامُ دولةِ العدلِ الإلهيِّ على وفقِ ما تقتضيهِ
الأسبابِ الطبيعيّةِ، وفي مقدّمةِ تلك الأسبابِ ثباتُ قلوبِ أتباعِ الإمامِ (عليه
السلام) وعدمِ الخوفِ ممّا يُواجهُهُم من الأعداءِ، لأنّ هذا كفيلٌ بتحقيقِ النصرِ
الموعودِ به (عليه السلام).
ثالثاً: يجعل اللهُ تعالى قوةَ الّرجلِ منهم قوةَ أربعين
رجلاً:
وهذا الوجهُ من وجوهِ القوةِ الماديةِ التي يهبُها اللهُ تعالى لأصحابِ
الإمامِ (عليه السلام)، بعد الوجهِ النفسيِّ لقوّتهم في النقطةِ السّابقةِ، وهذه
القوةُ لا تعني قوَةَ أربعينَ رجلاً بالعددِ المخصوصِ، وإنّمّا هذا ضربٌ من
المبالغةِ المحمودةِ التي تجسّدُ القوةَ الكبيرةَ التي يمنحُها اللهُ تعالى لأصحابِ
الإمامِ (عليه السلام). فهي قوةٌ مطلقةٌ، واختارَ الإمامُ (عليه السلام) العددَ
رمزاً للإطلاقِ، كما فُسّر العددُ سبعين في قولهِ تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ
لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً
فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ
وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٨٠)، رمزاً لنفيِّ
الغفرانِ جملةً(١٠١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٩) نهج البلاغة: ٢/٢٢٦
(١٠٠) بحار الأنوار:
٥٢/٣٣٥.
(١٠١) ينظر: التبيان في
تفسير القرآن: ٥/٢٦٨؛ مجمع البيان: ٥/٩٧.
رابعاً:
يكونُ أصحابُ الإمامِ (عليه السلام) حكّامَ الأرضِ وسنامَها:
وهذا الجزءُ من قولِ الإمامِ (عليه السلام)، يبيّنُ ما يؤولُ إليهِ أمرُ
أصحابِ الإمامِ (عليه السلام)، إذْ يكونُ لهم حكمُ الأرضِ قاطبةً، لبسطِ العدلِ
فيها، وهذا تحقيقٌ لحديثِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي يذكرُ فيه
حفيدَه الإمامَ المنتظرَ (عليه السلام) فيه: «لن تنقضيَ، الأيّامَ واللياليَ حتى
يبعثَ اللهُ تعالى رجلاً من أهلِ بيتي...، يملأُ الأرضَ قِسطاً وعدلاً كما مُلئِتْ
ظلماً وجوراً»(١٠٢)،
والأرضُ تُملأُ قِسطا وعدلاً في دولةِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) التي يتولّى
أصحابُه حكمَ الأرضِ فيها، فيكونون في المحلِّ الأشرفِ فيها الذي كنّى عنه الإمامُ
عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام) بالسنام.
الخاتمة:
بعد هذه الرحلةِ المعرفيّةِ في أحاديثِ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه السلام)،
نخلصُ إلى جملةٍ من النتائج، فضلاً عمّا مرّ منها في صفحاتِ البحثِ، نُوجُزها فيما
يأتي:
١- الأَولى استعمالُ مصطلحي (الغيبة الأولى) و(الغيبة الثانيّة) بدلاً من مصطلحي
(الغيبة الصغرى) و(الغيبة الكبرى) لغيبتي الإمامِ القائمِ (عليه السلام).
٢- عدّ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) أهلَ زمانِ الغيبةِ أفضلَ من أهلِ
كلّ زمان، لأنّهم آمنوا بغيبةِ الإمام المهدي (عليه السلام) وينتظرون ظهورَه،
استناداً إلى ما وصلَ إليهم من أحاديثِ الأئمة (عليه السلام)، وصارتْ الغيبةُ
مشاهدةً منهم.
٣- جاء ذكرُ الإمامِ عليِّ بنِ الحسينِ (عليه السلام) لعلاماتِ الظهورِ عامّاً،
بعيداً عن التفاصيلِ الدقيقةِ، وكان (عليه السلام) يكتفي بالإشاراتِ المكثّفةِ
الموجزةِ، التي يمكنُ أن تُفهم على أكثرِ من وجهٍ.
٤- إنّ سُنَنَ بعضِ الأنبياءِ السابقين تتجسّدُ في حياةِ الإمامِ المهديِّ (عليه
السلام)، في غيبتيهِ الأولى والثانيةِ، من حيثُ طولُ العمرِ، وخفاءُ الولادةِ،
والخشيةُ من الأعداءِ، والصبرُ على مواجهة محَنِ الدينِ، والترقّب والانتظار،
وإعداد العدّةِ لمواجهةِ الأعداءِ، تمسّكاً بسيرةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٢) بحار الأنوار: ٣٧/٢.
٥- خلص البحثُ إلى تحديدِ مركزِ
دولةِ الإمامِ المهديِّ (عليه السلام)، وهو ظهرُ الكوفةِ، وهذا الموضعُ يُغطّي الآن
الكوفةَ بحدودها القديمةِ والنجفَ وكربلاءَ والحيرةَ.
٦- حينما يظهرُ الإمامُ المهديُّ (عليه السلام) يعتمدُ على الحججِ والبراهين
ومظاهرِ التأييدِ الربّانيِّ التي يأتي بها لإقناعِ الأعداءِ، فإنْ لم يهتدوا،
فالقوةُ سبيلُهُ إلى بسطِ دولةِ العدلِ الإلهي الموعود بها.
٧- جعلَ الإمامُ عليُّ بنُ الحسينِ (عليه السلام) الدعاءَ للإمامِ الحجةِ بنِ الحسن
وسيلةً لبسطِ بعض القضايا التي تتصلُ بالعقيدةِ، ومنها (الرجعة)، إذْ جاء حديثُه
عنها دعاءً وليس إخباراً، وهذا من السماتِ الفنيّةِ التي تتميّزُ بها أدعيته (عليه
السلام).
٨- جعل الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) الدعاء للحجة بن الحسن (عليه السلام) من
ثوابتِ أدعيتهِ، كي يفتحَ للمسلمين باباً من أبوابِ العبادةِ الحقّةِ، لأنّ الدعاءَ
على النحوِ المشارِ إليه، يرسّخُ العقيدةَ المهدويّةَ في النفوسِ، ويجعلُ المسلمَ
في حالةِ الانتظارِ المأمورِ بها.
وفي الختامِ لابدّ من الإشارةِ إلى أمرٍ مهمّ، وهو أنّ بعضَ الأحاديثِ التي مرّتْ
في البحثِ، قد ترِدُ في مصادرَ أخرى منسوبةً للإمامِ الحسنِ أو للإمام الحسينِ
(عليهما السلام)، وهذا آتٍ من أنّ المصدرَ الذي يغترفُ منه الأئمة (عليه السلام)،
واحدٌ، فيأتي بعضُ التّشابهِ في أحاديثهم من هذه الجهةِ، إذا ما أرادوا الإخبارَ عن
الإمامِ الحجةِ بنِ الحسنِ (عليه السلام).
