العدد٢٠/ ربيع الأول/ ١٤٤٨ هـ

 

 

مجلة الموعود

 

العدد (٢٠)

 

ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م

 

 

تمهيدنا - آلية تشكل المفاهيم المهدوية واعتباراتها...................٥

رئيس التحرير

أوَّلاً: المفاهيم التوقيفيّة في الجملة:...................٦
ثانياً: المفاهيم التحليلية غير التوقيفية:...................٨
ثالثاً: المفاهيم المرحلية التاريخية:...................١٠
رابعاً: المفاهيم التنزيلية:...................١١

روايات السكون وأحلاس البيوت قبل الظهور وأثرها في نفي مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عجَّل الله فرجه)...................١٣

سماحة الشيخ محمد هادي آل الشيخ راضي

المبحث الأوَّل: وفيه ثلاث مطالب:...................١٥
قرائن تدل على التصحيف في سدير الصيرفي:...................١٩
الجهة الثانية: البحث في وثاقة سدير الصيرفي:...................٢٢
ويمكن تقريب دلالة الرواية على عدم مشروعية الخروج بشكل مطلق بتقريبين:...................٢٤
دفع احتمال اختصاص الرواية بمدَّعي المهدوية:...................٢٦
الفرق بين أصل الخروج والالتحاق بالخارجين:...................٢٧
اعتراض القضية الخارجية وإشكال التعدِّي:...................٢٨
النحو الأوَّل: أن تكون الخصوصية بلحاظ نوع الخارج:...................٢٨
النحو الثاني: أن تكون الخصوصية بلحاظ شخص سدير وموقعه:...................٢٩
نتيجة الاستدلال برواية سدير:...................٣١
دور الروايات الأخرى في إلغاء الخصوصية:...................٣١
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعينة على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها لتعميم الحكم:...................٣٢
الرواية الأولى: رواية الفضل الكاتب:...................٣٣
الرواية الثانية: رواية الحسين بن خالد:...................٣٤
الرواية الثالثة: رواية أبي بصير عن سلمان (رضي الله عنه):...................٣٦
الرواية الرابعة: رواية جابر الجعفي:...................٣٧
المحصلة من روايات السكون:...................٤٩
المناقشة الأولى: احتمال القضية الخارجية:...................٤٩
المناقشة الثانية: احتمال الاختصاص بالخروج مع مدَّعي المهدوية:...................٥٠
المناقشة الثالثة: احتمال الاختصاص بمن يدعو إلى نفسه:...................٥٠
المناقشة الرابعة: احتمال الاختصاص بالخروج المسلح:...................٥١
النسبة بين هذه الروايات ودليل الحسبة:...................٥١
النتيجة النهائية:...................٥٢

عوامل عدم التسليم للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وطرق علاجها...................٥٥

السيد علي السيد محمد حسين الحكيم

من العوامل الموجبة إمَّا للتقصير أو عدم الامتثال للأمر:...................٥٦
العامل الأوَّل: خفاء مقام الطرف الآخر:...................٥٦
العامل الثاني: الفتنة:...................٥٧
العامل الثالث: التكبر:...................٥٧
العامل الرابع: الطمع:...................٥٨
العامل الخامس: الحسد:...................٥٨
العامل السادس: حب الظهور:...................٥٩
أوَّلاً: قراءة نصوص مقام أهل البيت (عليهم السلام) والتدبُّر فيها:...................٦٠
وحديث الأنوار:...................٦٢
الثاني: قراءة روايات ضرورة التسليم لهم:...................٦٣
الثالث: قراءة روايات حسن الخلق:...................٦٤
الرابع: التعرُّف على سيرة خُلَّص أصحابهم في التسليم لأوامرهم فهم القدوة بذلك:................... ٦٤ 

فتنة التوقيت...................٦٧

الشيخ ميثم السلمان

تمهيد:...................٦٧
تاريخية ظاهرة التوقيت:...................٦٨
خطورة تحويل التوقيت إلى ثقافة:...................٧٠
الموقِّت شريك في الإرادة الإلهية:...................٧١
التوقيت بين الرجاء والخوف:...................٧٢
التوقيت تمثيل نفسي:...................٧٣
التوقيت وعلم النفس:...................٧٤
التوقيت ينتج الاستعجال ضدَّ سُنَّة الله تبارك وتعالى:...................٧٤
الموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه لا بالخضوع للحكمة الإلهية:...................٧٤
تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت:...................٧٥
منافاة التوقيت للعدل الإلهي:...................٧٥
التوقيت وعلاقة المؤمن بالله تعالى:...................٧٩
العقل الموقِّت من حبِّ الظهور إلى ادِّعاء العلم بالغيب:...................٨٠
من الغيرة إلى الغرور - التحوُّل النفسي للعقل الموقِّت:...................٨٠
كل موقِّت يبحث عن سلطة روحية:...................٨٣
وهمُ المعرفة - كيف يُبرِّر الموقِّت لنفسه سلطته؟...................٨٥
الموقِّت ووهم التكليف بتبليغ الناس:...................٨٧
وهمُ المعرفة عند الموقِّت:...................٨٨
من سمات أتباع الموقِّت:...................٩٠
مراحل الوعي المهدوي:...................٩٢
التوقيت حين يتحوَّل إلى سلطة:...................٩٣
من الموقِّت الفرد إلى الجماعة المؤمنة به - النشأة الاجتماعية للتنظيم السرِّي:...................٩٣
شرعنة عمل الموقِّت:...................٩٦
اللغة الجديدة - كيف تصنع التنظيمات خطابها الخاصّ وتُعيد تشكيل الوعي؟...................٩٨
التقسيم بين (خطابٍ عامّ) و(خطابٍ خاصّ):...................١٠٠
التوقيت كأداةٍ للسلطة والسيطرة والصدام مع المرجعية ثمَّ تفكيك الظاهرة وإعادة الوعي:...................١٠٢
الخطر الباطني لحركات التوقيت:...................١٠٤

إشكالية السياق في آية المستضعفين...................١٠٧

الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي

تمهيد:...................١٠٧
المطلب الأوَّل: السياق:...................١٠٨
المطلب الثاني: تعميم آية المستضعفين:...................١١٣
الأمر الأوَّل: أنَّ السياق ليس قرينة:...................١١٣
النحو الأوَّل: ما تكون قرينة بالمادة:...................١١٣
النحو الثاني: ما تكون قرينة بهيئتها:...................١١٣
النحو الثالث: ما تكون قرينة غير لفظية:...................١١٣
الأمر الثاني: وجوه تعميم آية المستضعفين:...................١١٦
الوجه الأوَّل: الوجه التعبُّدي:...................١١٧
الطائفة الأولى: ما دلَّ على انطباق الآية على كل أهل البيت (عليهم السلام): ...................١١٧
الطائفة الثانية: ما دلَّ على انطباقها على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):...................١٢٠
اللسان الأوَّل: نُطْقُ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بها عند ولادته:...................١٢٠
اللسان الثاني: تطبيق المعصوم للآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):...................١٢١
الوجه الثاني: التعميم باعتبار الاعتبار:...................١٢٢
الوجه الثالث: التعميم باعتبار سُنَّة الله تعالى:...................١٢٤
الوجه الرابع: التعميم الأدبي:...................١٢٥
فتحصَّل من كل ما تقدَّم:...................١٢٩

المهدوية والخلاص في الفكر الهندوسي...................١٣١

قراءة نقدية استراتيجية

مجتبى السادة

مقدمة تمهيدية:...................١٣١
- لماذا (الفكر الهندوسي) وليس (الفكر الهندي)؟...................١٣٢
مفهوم الخلاص في الفكر الهندوسي:...................١٣٤
أوَّلاً: الخلاص الفردي (التحرر الداخلي):...................١٣٥
ثانياً: الخلاص الكوني (التدخل الإلهي):...................١٣٦
ثالثاً: الخصوصية الفلسفية والتاريخية:...................١٣٧
رابعاً: الخلاص متاح للجميع وذو مسالك متعدِّدة:...................١٣٨
بعض النصوص الهندوسية الاستشهادية عن المخلص كالكي:...................١٣٩
التمييز الجوهري بين رؤى الخلاص: مقارنة استراتيجية:...................١٤٣
محدَّدات الخلاص الهندوسي في البنية والفاعلية:...................١٤٣
المنطلقات الفكرية والجذور الفلسفية للرؤية الهندوسية للخلاص:...................١٤٤
الركن الأوَّل: مفهوم المطلق - الوحدة التي تتجاوز الثنائية:...................١٤٤
الركن الثاني: جوهر الإنسان - الذات الخالدة وسجن الجهل:...................١٤٥
الركن الثالث: الزمن - الدائرة اللانهائية والعصور الأربعة:...................١٤٦
تجلِّيات الخلاص:...................١٤٨
المخلِّص المنتظر (كالكي):...................١٤٨
أُفق الخلاص: تقاطعات (كالكي) و(المهدوية) رؤية نقدية مقارنة:...................١٥٠
مراحل التطوُّر التاريخي لفكرة الخلاص الهندوسية: من الطقوسية إلى المخلِّص الكوني:...................١٥٢
الهندوسية ومسألة انتظار المخلّص: قراءة استراتيجية في ضوء المهدوية:...................١٥٥
أوَّلاً: المخلِّص (كالكي) في الثقافة الهندوسية:...................١٥٥
ثانياً: التأثير على الفرد الهندوسي:...................١٥٥

ثالثاً: التأثير على المجتمع الهندوسي:...................١٥٦
ما الأسباب الاستراتيجية الكامنة وراء فشل فكرة انتظار (كالكي) في التحوُّل إلى قوة حضارية فاعلة في الهندوسية؟...................١٥٧
التجليات الشعبية: تجسيد فكرة (كالكي) في السياق الهندوسي عبر التاريخ:...................١٥٨
أوَّلاً: العصور القديمة:...................١٥٨
ثانياً: العصور الوسطى (القرن ١٠-١٧م):...................١٥٨
ثالثاً: فترة الاستعمار (القرن ١٨ - منتصف القرن ٢٠):...................١٥٩
رابعاً: الهند والعالم المعاصر (القرن ٢٠-٢١):...................١٦٠
في إطار الشارع الهندوسي:...................١٦١
الأسباب والدوافع الكامنة وراء ادِّعاء (كالكي):...................١٦١
رد الفعل التقليدي والمؤسَّسي:...................١٦٢
أثر مفهوم الخلاص الكوني (كالكي) في بنية الأُمَّة والمجتمع الهندي:...................١٦٣
قيمة فكرة الخلاص الهندوسي في ميزان الحضارة:...................١٦٤
المهدوية كأُفق إنساني للخلاص: واقعية المشروع الحضاري ومأزق الأسطورة:...................١٦٥

المهدوية كضرورة حضارية وحتمية تاريخية:...................١٦٦

عدم تنافي الغيبة مع الغرض الإلهي من نصب الإمام (عليه السلام)...................١٦٩

السيد علي الموسوي المشعشعي

الجهة الأولى: تقرير قاعدة اللطف الإلهي:...................١٦٩
الجهة الثانية: أنحاء اللطف في النصوص وأقوال العلماء:...................١٧١
١ - نفس وجود الإمام لطف أصلي به قوام نظام الكون:...................١٧١
٢ - تصرف الإمام لطف كمالي:...................١٧٢
الجهة الثالثة: الغيبة لا تؤدِّي لخلو الأرض من الحجة:...................١٧٣
الجهة الرابعة: الغيبة جناية بشرية:...................١٧٣
جواب إشكالية تغلُّب مشيئة البشر على المشيئة الإلهية:...................١٧٥
الجهة الخامسة: وظائف الإمام (عليه السلام) حال غيبته:...................١٧٦

هنري كوربان وقراءته الفلسفية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١٨١

دراسة تحليلية نقدية في ضوء كتاباته عن التشيع والإمامة

حسن هادي سلمان النجفي

المقدمة:...................١٨١
المبحث الأوَّل: في عدَّة نقاط:...................١٨٢
١ - السيرة الذاتية والفكرية (١٩٠٣-١٩٧٨):...................١٨٢
٢ - التأثيرات الفكرية - ماسينيون، هيدغر، السهروردي:...................١٨٣
٣ - منهج كوربان - الظاهراتية والتأويل الباطني:...................١٨٥
المبحث الثاني: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في فلسفة كوربان، في نقاط:...................١٨٦
١ - الإمامة كـ(ولاية Walayah) - المبدأ الباطني للتشيع:...................١٨٦
٢ - المهدي والغيبة - تفسير (الاختفاء عن الأنظار):...................١٨٦
٣ - مفهوم (الانتظار) و(الفرج) - بين اللامكان والزمان:...................١٨٧
٤ - ألقاب المهدي عند كوربان...................١٨٨
المبحث الثالث: تحليل نقدي لخطاب كوربان حول المهدوية، في عدَّة نقاط:...................١٨٩
١ - نقاط القوة - الفهم من الداخل، المنهج الفلسفي:...................١٨٩
٢ - نقاط الضعف - الإسقاطات الفلسفية، إهمال البُعد التاريخي:...................١٩٠
٣ - نقد كوربان من منظور إسلامي معاصر:...................١٩١
٤ - التناقضات الداخلية في خطاب كوربان:...................١٩٣
٥ - كوربان والمصادر الشيعية - دراسة في النقل والانتقاء:...................١٩٤
المبحث الرابع: مقارنة كوربان ببعض المستشرقين، في نقاط:...................١٩٥
١ - كوربان ومرجليوث - قراءتان متقابلتان للعقيدة المهدوية:...................١٩٥
٢ - كوربان وهاينز هالم - المثالية الفلسفية مقابل الأنثروبولوجيا التاريخية:...................١٩٧
الدروس المستفادة:...................١٩٩
كلمة أخيرة:...................٢٠٠
ملحق: نصوص مختارة من كتابات كوربان عن الإمام المهدي (عليه السلام) (ترجمة وتحليل):...................٢٠١
النص الأوَّل: معنى الغيبة كحضور في عالم الخيال:...................٢٠١
النص الثاني: الانتظار كحالة وجودية فاعلة:...................٢٠٢
النص الثالث: الإمام المهدي (عليه السلام) كـ(إمام الزمان):...................٢٠٣
النص الرابع: العلاقة بين الإمام المهدي والمسيح (عليهما السلام):...................٢٠٤

دراسة في دعاء الفرج (اللَّهمَّ كن لوليّك...)...................٢٠٧

(سنداً - متناً - دلالة)

حميد أحمدي جلفائي

ترجمة: السيد جلال الموسوي (رحمه الله)

مصادر وطرق دعاء الفرج:...................٢٠٧
دراسة المتن الوارد في الكافي:...................٢٠٨
بيان الاختلاف في المتون:..................٢٠٩
الأحوال السندية للطريق:...................٢١٠
دراسة سند هذا الحديث في كتاب الإقبال:...................٢١٧
دراسة سند الحديث في كتاب المصباح والبلد الأمين، والمتن الوارد في هذين الكتابين:...................٢١٨
شهرة واعتبار الكفعمي وكتابي (المصباح) و(البلد الأمين):...................٢١٩
شرح مختصر لدعاء سلامة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه):...................٢٢٠

التصفية المعرفية وأثرها على فهم القضية المهدوية وطرق العلاج الواعي...................٢٢٧

الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي

مقدمة:...................٢٢٧
المحور الأوَّل: مفاهيم المعرفة المهدوية ومستوياتها وخصائصها وأساليب التوظيف:...................٢٣٠
١ - تعريف المعرفة المهدوية:...................٢٣٠
٢ - مستويات المعرفة المهدوية:...................٢٣٠
٣ - خصائص المعرفة المهدوية:...................٢٣١
٤ - تحدِّيات دور العقل المعرفي وصيرورته كجزء من الامتحان:...................٢٣١
٥ - قراءة فاحصة ودقيقة:...................٢٣٢
المحور الثاني: التلوُّث المعرفي، مصادره، أشكاله، أثره:...................٢٣٣
المبحث الأوَّل: مصادر التلوُّث المعرفي قبل الظهور، في نقاط:...................٢٣٣
١ - الإشاعة بوصفها أخطر مصادر التلوُّث:...................٢٣٣
٢ - الروايات المختلة والنصوص المبتورة والتفسيرات المبالغ فيها:...................٢٣٤
٣ - الإعلام الموجه وصناعة السرديات:...................٢٣٤
٤ - من المعلومات إلى الوهم:...................٢٣٤
٥ - البنية النفسية لتقبل الزيف:...................٢٣٥
المبحث الثاني: أشكال التزييف المهدوي المعاصر، في نقاط:...................٢٣٥
١ - المهدوية الرقمية:...................٢٣٥
٢ - المهدوية النفعية:...................٢٣٥
٣ - ظاهرة المدَّعين:...................٢٣٦
٤ - بحث الوهمية حول العلامات:...................٢٣٦
المبحث الثالث: أثر التلوُّث المعرفي على الهوية الروحية للإنسان:...................٢٣٦
المحور الثالث: الامتحان المعرفي في عصر الغيبة:...................٢٣٧
المبحث الأوَّل: الفتن بوصفها اختباراً معرفياً، في نقاط:...................٢٣٧
١ - المعرفة ساحة امتحان:...................٢٣٧
٢ - طبيعة الفتنة المعرفية:...................٢٣٨
٣ - أثر الفتن على العقل:...................٢٣٩
المبحث الثاني: الانسداد المعرفي قبل الظهور، في نقاط:...................٢٣٩
١ - معنى الانسداد المعرفي:...................٢٣٩
٢ - علاقة الانسداد بسنن التاريخ:...................٢٤٠
المبحث الثالث: التصفية المعرفية كقانون سُنني، في نقاط:...................٢٤٠
١ - معنى التصفية المعرفية:...................٢٤٠
٢ - مستويات التصفية:...................٢٤١
٣ - هدف التصفية:...................٢٤١
المحور الرابع: البصيرة بوصفها أداة معرفية:...................٢٤١
١ - مفهوم البصيرة:...................٢٤٢
٢ - البصيرة بوصفها نتاج التصفية المعرفية:...................٢٤٣
٣ - أنواع البصيرة:...................٢٤٣
المحور الخامس: التصفية المعرفية وشواهد الواقع الرقمي المعاصر:...................٢٤٨
المحور السادس: خلاصة النظرية، الإشكال عليها، رد الإشكال:...................٢٥١

 

تمهيدنا
آلية تشكل المفاهيم المهدوية واعتباراتها

 

رئيس التحرير

 

* المفاهيم المهدوية لا تتشكَّل على نسقٍ واحد، بل تتغاير تبعاً لجهة تكوِّنها، ومرتبة اعتبارها، ووظيفتها في الفهم والتنزيل العملي، فليس كلّ ما يرد في الكتب المهدوية من العناوين والأسماء في رتبة واحدة من حيث الحجّية والانتساب إلى الشارع المقدَّس، إذ منها ما هو متلقى من النص، ومنها ما هو مستخرج بالتحليل والاستنباط، ومنها ما يختص بسياقٍ معيَّن فلا يتعداه، ومنها ما يقصد به بيان الوظيفة العملية المنبعثة من الأصول الثابتة.
ثمَّ إنَّ عدم التمييز بين هذه الجهات يوجب اضطراباً في تقويم المفاهيم، وتداخُلاً في مراتب الاعتبار، وحمل ما هو اصطلاح حادث على ما هو لفظ مروي توقيفي، مع تغايرهما منشأً وحكماً، وهو ما ينتهي إلى الخلل في تبويب المباحث أوَّلاً، وفي ترتيب آثارها الاستدلالية وما يتفرَّع عليها من العمل ثانياً.
* المفهوم المهدوي معنى كلّيٌّ يُنتزع من النصوص المرتبطة بالقضية المهدوية، أو ممّا تكشف عنه الوقائع المتصلة بها بعد قراءتها على وفق ضوابط الفهم، ويُتوسَّل به إلى تصوير جهةٍ من جهات البحث المهدوي وضبطها وتمييزها عن غيرها.

(٥)

وهو غير المصطلح، فإنَّ المصطلح ليس نفس المعنى، بل هو اللفظ الموضوع بإزائه، أو القالب اللفظي الذي يُعبَّر به عنه في مقام البحث والتداول.
فالمفهوم جهة معنوية تفسيرية، والمصطلح جهة لفظية وضعيّة، وإن اجتمعا أحياناً في موردٍ واحد.
ومعه، فإنَّ المفاهيم المهدوية على أنحاءٍ بحسب منشأ انتزاعها، ومرتبة اعتبارها، ووظيفتها في مقام الفهم والتنزيل:
أوَّلاً: المفاهيم التوقيفيّة في الجملة:
والمراد بها ما كان أصل عنوانه وَحَدُّه النوعيّ مأخوذين من لسان الدليل، بحيث لا يثبت بمحض التواضع والاصطلاح، ولا يرجع في تعيينه إلى مجرَّد المناسبة المحضة.
فالتوقيف في هذا النحو راجع إلى نفس المفهوم من حيث تسميته وحدِّه، لا إلى ما يترتَّب عليه من حكم أو وظيفة فحسب.
ونظير ذلك في الفقه أنَّ الوضوء لا يسمَّى تيمّماً، والغسل لا يسمَّى وضوءً، والحيض لا يسمَّى نفاساً، لأنَّ الشارع المقدَّس جعل لكلِّ واحدٍ منها اسماً مخصوصاً وحدًّا محفوظاً، فلا يجوز نقل الاسم من موضوعه إلى غيره بدعوى الاشتراك في بعض الجهات.
وعلى هذا، فبعض العناوين المهدوية - من قبيل الغيبة، والظهور، والوكالة في الغيبة غير التامة، والصيحة، واليماني، والسفياني، والمنع عن التسمية بالاسم المخصوص -، عناوين متلقّاة من لسان النصّ، فلا يصحّ التصرُّف في دوائرها بمحض المناسبة أو التوسعة الذوقيّة، بأن يطلق اسم الغيبة الاصطلاحية على كلِّ احتجاب، أو اسم الظهور الاصطلاحي على كلِّ بروز، أو اسم النيابة على كلِّ دعوى اتِّصال، أو اسم اليماني على كلِّ راية حقّ أو على مطلق من انتسب إلى اليمن.

(٦)

فالتوقيف هنا راجع إلى أنَّ الاسم جزء من ضبط المعنى، وأنَّ المفهوم بحدِّه تابع لما ورد به البيان، لا لما يقتضيه مجرَّد الاستحسان.
ويؤيِّد هذا المعنى ما ورد في رواية دعاء الغريق، فإنَّ ظاهرها يقتضي توقيفية اللفظ في الجملة، لأنَّ عبد الله بن سنان لمّا لقَّنه الإمام الصادق (عليه السلام) الدعاء بقوله(١): «يَا اللهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، وزاد الراوي من عند نفسه: «وَالأَبْصَارِ»، ردَّه الإمام (عليه السلام) إلى اللفظ المعلَّم، وقال له: «إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، وَلَكِنْ قُلْ كَمَا أَقُولُ لَكَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
ومن هذا الباب أيضاً ما ورد في لقب أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنَّ الأخبار الدالة على اختصاصه بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) صريحة في الدلالة على المنع من إطلاق هذا الاسم على غيره (عليه السلام)(٢).
ومنه يُعلم أنَّ ما ورد في حرمة التسمية فهو خاص بالاسم الخاص، لا بالألقاب والصفات، كما هو الحال في المنصور، فقد ورد في الرواية في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ٣٣)، وفيها: «سمَّى الله المهديَّ المنصور كما سمَّى أحمدَ ومحمّداً ومحموداً، وكما سمَّى عيسى المسيح»(٣).
فالمتيقَّن من النهي هو الاسم الشخصي المخصوص، لا مثل: الحجّة، والقائم، والمهدي، والمنصور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) في كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق (طبعة مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)): ج٢، ص٣٥، ح٢٩١/٥٠.
(٢) في وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام))، ج ١٤، ص ٦٠٠: عن عمر بن أبي زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: «لا، ذاك اسم سمَّى الله به أمير المؤمنين لم يسم به أحد قبله، ولا يسمّى به بعده إلَّا كافر»، قلت: جعلت فداك كيف يسلّم عليه؟ قال: «تقول: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]».
(٣) في تفسير فرات الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي، ص٢٤٠.

(٧)

ثانياً: المفاهيم التحليلية غير التوقيفية:
وهي العناوين التي لا يتوقَّف اعتبارها العلمي على ورودها بلفظها في النصّ، بل على ما تكشف عنه من جهة معتبرة في البحث المهدوي، تصلح لتفسير بعض وجوهه، وتمييز ما يترتَّب على بعض مسائله من الآثار، وضبط الفروق التي لا يستقيم النظر فيها إلَّا بها.
فهي من هذه الجهة مفاهيم اجتهادية استنباطية، لأنَّها لا تتقوَّم بورود خصوص ألفاظها من الرواية مباشرةً، بل بانتزاعها من النصوص، أو من ترتيب الآثار، أو من الوقائع وكيفية قراءتها.
ومن ثَمّ، فلا يثبت اعتبارها العلميّ - وإن ثبت غيره - بمجرَّد شيوعها في الكتابة، بل بقدر سلامة مأخذها، وصحّة وظيفتها التفسيرية، وعدم مصادمتها أصلاً من الأصول المحكمة، وعدم إفضائها إلى محذور في الفهم أو التطبيق.
وعلى هذا، فهناك من العناوين ما لم يثبت بدليل توقيفيتها، من قبيل: مراتب الانتظار، ووجوه التعامل مع نصوص العلامات، ومستويات الإعداد لنصرة القائم (عليه السلام)، وإنَّما يثبت اعتبارها أو تداولها بقدر ما تكون حاكيةً عن جهة ذات أثر في البحث المهدوي.
وهذا نظير ما ورد على لسان الفقهاء من التعبير بقاعدة (التسامح في أدلة السُنن)، رغم أنَّها لم ترد بهذا اللفظ بعنوانه.
ومن هنا يظهر الجواب عن إشكالية المنع من إدخال عنوان التمهيد في البحث المهدوي لمجرَّد عدم وروده بلفظه في الروايات، فإنَّ المدار ليس على ثبوت اللفظ بما هو هو، بل على ثبوت الجهة التي ينتزع منها.

(٨)

فإذا دلَّت النصوص على الانتظار العملي، والورع، والإعداد، والتأهُّب، صحَّ انتزاع عنوان جامع أو مرادف لها في مقام التحليل، من غير أن يعطى حكم اللفظ التوقيفي، نظير لفظة الاجتهاد واصطلاح المجتهد.
ويتجلَّى أثر هذا الضابط في جملةٍ من الألفاظ المتداولة في البحث المهدوي، إذ ليس كلّ ما جرى على الألسنة أو استقر في التصنيف من سنخ واحد، فمنه ما ثبت أصل معناه في النصّ، وإن لم يثبت لفظه الخاص بعنوانه المشهور، ومنه ما هو أقرب إلى الاصطلاح العلمي أو الوجدان الديني من اللفظ المأثور.
ومن هنا فاللازم التفريق بين ثبوت المعنى وثبوت اللفظ، لئلّا يلحق الاصطلاح المتأخِّر بالعناوين المروية، أو يمنع من التعبير التحليلي الصحيح لمجرد عدم ورود لفظه بعينه في النصّ.
فمن ذلك: الانتظار الإيجابي والانتظار السلبي، فإنَّ أصل الانتظار ثابت في الروايات، وأمَّا تقسيمه إلى إيجابي وسلبي فلم يرد، بل هو تعبير تحليلي لواقع خارجي ربما يتلبس به بعض، فهو من مفاهيم البحث، لا من ألفاظ الرواية.
ومن ذلك أيضاً: الغيبة الكبرى والصغرى، فإنَّ الوارد في النصوص هو أصل الغيبتين، وما بينهما من تفاوت في الشأن والمدّة، لا خصوص هذا التركيب، فهذه التسمية من الأسماء التفسيرية اللاحقة، وإن كان مدلولها مستفاداً من مجموع الروايات(٤).
ومن ذلك أيضاً: لفظ النائب العام، فإنَّ الثابت في جملة من النصوص هو لفظ (الثقة) و(الوكيل) و(وكيلي)، و(السفير)، وأمَّا النائب العام في الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) إذ لم يرد تعبير الغيبة الكبرى والصغرى في الروايات، راجع الكافي: ج١، ص٣٤٠؛ غيبة النعماني ص١٧٧؛ والإرشاد ج٢، ص٣٤٠؛ الغيبة للشيخ الطوسي، ص٣٩٥، حيث ورد فيها قصيرة وطويلة، ويظهر في الثانية، ويعلم بمكانه ولا يعلم بمكانه، وأطول من الأخرى، والغيبة التامة.

(٩)

الكبرى فهو صياغة تعبيرية متأخِّرة تحكي عن وظيفة الفقهاء في زمان الغيبة التامة(٥).
بل حتَّى النائب الخاص في زمن الغيبة الصغرى لم يرد بحده عن المعصوم (عليه السلام).
وأمَّا لقب (أبو صالح أبو الغريم)، فليس من هذا الباب، لأنَّه ليس مفهوماً تحليليّاً يُطلَب له اعتبار علمي بهذا المعنى، بل هو لقب شاع استعماله.
نعم، لا مانع من أصل استعماله بعد شيوعه في ألسنة المتديّنين، ما لم يشتمل على محذور، فالشيوع هنا قد يكفي في تصحيح الاستعمال العرفيّ.
ثالثاً: المفاهيم المرحلية التاريخية:
وهي ما كان تحديد مدلوله وحدود استعماله موقوفاً على ملاحظة المرحلة التاريخية التي نشأ فيها، بحيث لا يفهم على وجهه إلَّا بردّه إلى ظرفه الخاصّ.
فالعبرة في هذا القسم ليست بمجرَّد ورود اللفظ، بل بخصوصية السياق المقارن له، إذ به يتعيَّن المراد، وبه تعرف حدود الجري والتعدية.
وعليه، فهذه المفاهيم لتوصيف حالات مخصوصة من مسار المسألة المهدوية، كعناوين الغيبة القصيرة، والحيرة، وحرمة التسمية في بعض ظروفها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) في الغيبة، للشيخ الطوسي، ص ٣٧١: بسنده عن جماعة من بني نوبخت: (إنَّ أبا جعفر العمري لما اشتدَّ حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة، منهم أبو علي بن همام وأبو عبد الله بن محمد الكاتب وأبو عبد الله الباقطاني وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو عبد الله بن الوجناء وغيرهم من الوجوه (و) الأكابر، فدخلوا على أبي جعفر (رضي الله عنه) فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام) والوكيل [له] والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه)، وغيره من النصوص التي ورد فيها وكيل الناحية، وكيلي، وهكذا.

(١٠)

فهي عناوين مرحلية في أصل مناسبتها، وإن جاز استعمالها بعد ذلك في مقام الحكاية عن تلك المرحلة أو الإشارة إليها.
رابعاً: المفاهيم التنزيلية:
وهي العناوين المنتزعة من لوازم النصوص والأصول المهدوية عند ملاحظتها في مقام تطبيقها على واقع الفرد والجماعة، فجهة هذا القسم بيان ما تقتضيه عند التنزيل، وما ينشأ عنها من وظائف ولوازم في حيِّز العمل والبناء.
ومن هنا صحَّت عناوين من قبيل: الاستعداد، والتهيّؤ، والإعداد، والتمهيد، من غير أن يتوقَّف اعتبارها على ثبوت ألفاظها بعينها في لسان الرواية، لأنَّ المدار في هذا القسم على ثبوت المادة التي ينتزع منها العنوان، وصحة الحكاية عنها به في مقام التطبيق، لا على توقيفية اللفظ نفسه.
فالتمهيد، بهذا اللحاظ، ليس مجرَّد دعوى لفظية، ولا اسماً موقوفاً يفتقر في اعتباره إلى ورود خاص، بل هو عنوان تنزيلي جامع لمجموع ما تقتضيه النصوص من الإعداد، والتهيّؤ، والانتظار العملي - وعند بعضم الإيجابي لا السلبي -، ونحو ذلك ممّا يرجع إلى تهيئة الفرد والمجتمع للتفاعل الصحيح مع المسائل المهدوية.

(١١)

 

روايات السكون وأحلاس البيوت قبل الظهور
وأثرها في نفي مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عجَّل الله فرجه)

 

 

سماحة الشيخ محمد هادي آل الشيخ راضي

بحث مستفاد من دروس البحث الخارج في ولاية الفقيه (مخطوط) لسماحته (دامت فيوضاته)

إعداد: اللجنة العلمية في مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

 

تُعدّ مسألة الموقف الشرعي من الخروج على الحاكم الجائر والحركة قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من المسائل المهمة المرتبطة بوظيفة الأُمَّة في عصر الغيبة، وقد شكَّلت الروايات الواردة في باب «أحلاس البيوت» و«لزوم السكون» أحد الموارد التي استند إليها القائلون بعدم مشروعية الخروج وإقامة الدولة قبل تحقق علامات الظهور.
ومن أبرز هذه الروايات خبر سدير الصيرفي ونظائره، المتضمِّن للأمر بلزوم البيت وترك الحركة إلى حين ظهور السفياني، حيث استُدلّ به على لزوم السكون وعدم جواز الخروج قبل العلامات، إلَّا أنَّ هذا الاستدلال يتوقَّف على تحقيق الرواية من جهتين: السند والدلالة.
فمن جهة السند، أُثيرت عدَّة إشكالات، منها: عدم النص على وثاقة بعضهم كـ(سدير الصيرفي)، واشتراك بعض الرواة كـ(بكر بن محمد) بين الثقة وغيره، مما استدعى بحثاً رجاليًّا دقيقاً شمل دراسة منشأ توهّم التعدُّد في كلمات الرجاليين، وتحليل عبارات الكشي (رحمه الله)، واحتمال التصحيف في النصوص، والاستفادة من كلمات النجاشي (رحمه الله)، وصولاً إلى محاولة إثبات الاتِّحاد ورفع الإشكال السندي.

(١٣)

كما تمَّ الاستناد إلى بعض القواعد الرجالية، كاعتماد رواية ابن أبي عمير في إثبات الوثاقة، مع مناقشة مدى تمامية ذلك.
هذا ولم يقتصر البحث على ذلك، بل امتد إلى دراسة حال بعض الرواة الآخرين ممن ورد في الأخبار المقاربة لمضمون رواية سدير، كجابر بن يزيد الجعفي، وتحليل ما قيل فيه من الاختلاط، وبيان أنَّ الإشكال فيه قد يكون ناظراً إلى مضمون الروايات لا إلى وثاقته، مع حمل بعض الروايات الظاهرة في القدح على التقية أو عدم إرادة الإذاعة، مما يؤثِّر في تقييم الروايات المرتبطة بباب السكون.
وأمَّا من جهة الدلالة، فقد تناول البحث تحليل مدلول روايات السكون، وبيان أنَّ النهي فيها قد يكون ناظراً إلى الخروج مع الخارجين لا إلى أصل الخروج ابتداءً، مع بحث الملازمة العرفية بين النهي عن الالتحاق بالخارجين وبين عدم مشروعية أصل الخروج، ومدى تمامية هذه الملازمة.
كما تمَّ التعرُّض إلى الإشكالات الأساسية على الاستدلال بهذه الروايات، وفي مقدّمتها دعوى كون الخطاب فيها بنحو القضية الخارجية، مما يمنع من التعدِّي إلى غير موردها، واحتمال وجود خصوصية في المخاطب كقربه من الإمام (عليه السلام)، وما يترتَّب على ذلك من عدم إمكان التعميم.
وفي مقابل ذلك، نوقش بإمكان إلغاء الخصوصية، ومدى توقُّف تمام الاستدلال على ضمِّ روايات أخرى تثبت الحكم بنحو عام أو مطلق.
وعليه، فإنَّ هذا البحث يهدف إلى دراسة روايات (أحلاس البيوت) و(السكون)، وبالأخص خبر سدير الصيرفي، دراسة تحليلية شاملة، تجمع بين التحقيق الرجالي الدقيق، والتحليل الدلالي والأصولي، للوصول إلى نتيجة منضبطة في تحديد مدى دلالة هذه الروايات على نفي مشروعية الخروج وإقامة الدولة في عصر الغيبة، أو قصورها عن ذلك.

(١٤)

وينتظم البحث في مبحثين:
المبحث الأوَّل: حديث سدير الصيرفي، سنداً ودلالة، في عدَّة مطالب.
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعيَّنة على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها لتعميم الحكم.
ثم نختم بنتيجة جامعة في مدى دلالة هذه الطائفة على محل النزاع.
المبحث الأوَّل: وفيه ثلاث مطالب:
١ - نص الحديث ومحل البحث:
روى الشيخ الكليني (رضي الله عنه) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن بكر بن محمد، عن سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن اللَّيل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج، فارحل إلينا ولو على رجلك»(٢).
والحديث ظاهر بحسب بدو النظر في الأمر بالسكون، ولزوم البيت، وترك الحركة إلى حين خروج السفياني.
ومن هنا وقع الاستدلال به على عدم مشروعية الخروج قبل تحقُّق علامة السفياني.
غير أنَّ تمامية هذا الاستدلال تتوقَّف على أمرين:
الأوَّل: تمامية سند الرواية.
الثاني: تمامية دلالتها على محلِّ الكلام، وهو نفي مشروعية الخروج أو التصدِّي لإقامة الحكم في عصر الغيبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) روي الحديث في عدَّة مصادر، منها: الكافي - الشيخ الكليني (دار الحديث)، ج١٥، ص٦٠٠، ح(١٥١٩٨- ٣٨٣)؛ ورواه -عن الكافي- في وسائل الشيعة - الحر العاملي (الإسلامية)، ج١١، ص٣٦، باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم (عليه السلام) الباب ١٣.

(١٥)

٢ - البحث السندي في حديث سدير الصيرفي:
يقع الكلام السندي في جهتين: في بكر بن محمد، وفي سدير الصيرفي.
الجهة الأولى: بكر بن محمد: وقع الكلام في بكر بن محمد من جهة احتمال الاشتراك، إذ قد يقال: إنَّ بكر بن محمد الواقع في سند الرواية مشترك بين الثقة وغيره، فلا يحرز أنَّ المراد به هو بكر بن محمد الأزدي الغامدي المنصوص على وثاقته، ومع عدم الإحراز لا يتم الاستدلال بالسند.
إلَّا أنَّ التحقيق -وفاقاً لجملة من المحقِّقين- عدم تمامية دعوى الاشتراك، وأنَّه ليس في المقام إلَّا بكر بن محمد بن عبد الرحمن الغامدي الأزدي، وهو المعروف الموثق، الذي نص النجاشي (رحمه الله) على وثاقته، وذكر أنَّه من وجوه الطائفة، ومن بيت جليل بالكوفة من آل نعيم الغامديين، وأنَّه عمَّر عمراً طويلاً.
وتوضيح ذلك يقع في نقطتين:
النقطة الأولى: منشأ توهّم الاشتراك:
الظاهر أنَّ منشأ شبهة الاشتراك يرجع إلى ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في الخلاصة، وابن داود (رحمه الله) في رجاله، حيث ذكرا عنوانين:
الأوَّل: بكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي.
الثاني: بكر بن محمد ابن أخي سدير الصيرفي.
والظاهر أنَّ العلَّامة (قدّس سرّه) وابن داود (رحمه الله) تبعا في ذلك شيخهما السيد ابن طاووس (قدّس سرّه)، وأنَّ منشأ السيد ابن طاووس (قدّس سرّه) هو ما ورد في رجال الكشي تحت عنوان: (ما روي في بكر بن محمد الأزدي)، فقد ذكر الكشي في هذا الموضع روايتين:

(١٦)

الرواية الأولى: ما نقله الكشي عن حمدويه، ونصه(٣): (قال حمدويه: ذكر محمد بن عيسى العبيدي أنَّ بكر بن محمد الأزدي خير فاضل، وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصيرفي).
وحمدويه، هو حمدويه بن نصير الشاهي، وهو من أعيان الطائفة، وممن يعتمد عليه في الرواية والرجال(٤)، وأمَّا محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، فهو ثقة على التحقيق(٥).
الرواية الثانية: ما نقله الكشي عن علي بن محمد القتيبي(٦)، قال: (حدَّثنا أبو محمد الفضل بن شاذان، قال: حدَّثنا ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، قال: حدَّثني عمِّي سدير)، إذ يصرِّح بكر بن محمد بأنَّ سديراً عمَّه.
وهذه الرواية وإن كان في طريقها كلام من جهة علي بن محمد القتيبي، لعدم ورود نص واضح في وثاقته، إلَّا أنَّ بعضهم يرى الاعتماد عليه بلحاظ إكثار الكشي (رحمه الله) النقل عنه، وظهور اعتماده عليه من خلال سبر كتابه.
وأمَّا من بعده، فالفضل بن شاذان، وابن أبي عمير، وبكر بن محمد-بناءً على أنَّه الأزدي-، لا كلام فيهم من جهة وثاقتهم.
فإنَّ ظاهر الرواية الأولى أنَّ بكر بن محمد الأزدي هو ابن أخي سدير الصيرفي، ولكن قد يقال: إنَّ في البين شخصاً آخر بهذا الاسم غير بكر الأزدي الثقة، وبناءً على هذا، قيل: إنَّ بكر بن محمد الواقع في سند رواية سدير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٨٥٦.
(٤) قال عنه الشيخ (قدّس سرّه) في رجاله، المعروف برجال الطوسي، ص٤٢١: (حمدويه بن نصير بن شاهي... عديم النظير في زمانه، كثير العلم والرواية، ثقة، حسن المذهب).
(٥) قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في الفهرست، ص٣٣٣: (محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى مولى أسد بن خزيمة، أبو جعفر، جليل في (من) أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف).
(٦) والكشي (رحمه الله) كثير النقل عن محمد القتيبي.

(١٧)

مشترك بين بكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي الثقة(٧)، وبين بكر بن محمد ابن أخي سدير الصيرفي غير المنصوص على وثاقته، فيحصل التردُّد المانع من تصحيح السند.
النقطة الثانية: الجواب عن دعوى الاشتراك:
هذا القول بالتعدُّد غير تام، بل هو محل تأمُّل قوي، كما نبَّه عليه غير واحد من المحقِّقين(٨)، ومنشأ التأمُّل أنَّ ما ورد في عبارة الكشي (رحمه الله) من كون بكر بن محمد ابن أخي (سدير) يحتمل فيه التصحيف، وأنَّ الأصل هو (شديد) لا (سدير).
والوجه في ذلك: أنَّ النجاشي (رحمه الله) ذكر في ترجمة بكر بن محمد الأزدي ما نصّه: (عمومته شديد وعبد السلام، وابن عمِّه موسى بن عبد السلام، وهم كثيرون).
فقد نصَّ النجاشي على أنَّ شديداً من أعمام بكر بن محمد.
وكذلك ذكر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) شديداً في رجاله بعنوان(٩): شديد بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) في الفهرست للشيخ النجاشي (رحمه الله) جاءت ترجمة بكر الغامدي، ومما ذكره فيه في ص١٠٨: (بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن نعيم الأزدي الغامدي أبو محمد، وجه في هذه الطائفة من بيت جليل بالكوفة من آل نعيم الغامديين، عمومته شديد وعبد السلام، وابن عمّه موسى بن عبد السلام، وهم كثيرون، وعمَّته غنيمة روت أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وأبي الحسن (عليه السلام)، ذكر ذلك أصحاب الرجال، وكان ثقة، وعمَّر عمراً طويلاً).
(٨) ذكر السيد الخوئي (قدّس سرّه) في المعجم: ج٤، ص٢٦٠: (أنَّ الذي أوقعهما في ذلك عبارة الكشي المتقدِّمة، إلَّا أنَّه لا ينبغي الشك في عدم تعدُّد الرجل).
(٩) في الأبواب (رجال الطوسي)، للشيخ الطوسي: ص٢٢٤: ([٣٠١٩] ٢١- شديد [شريد] بن عبد الرحمان الأزدي الكوفي)؛ وورد في الكشي: ج٢، ص٨٣٠: (منهم حنان بن سدير: سمعت حمدويه، ذكر عن أشياخه: أنَّ حنان بن سدير واقفي، أدرك أبا عبد الله (عليه السلام) ولم يدرك أبا جعفر (عليه السلام) وكان يرتضي به سديراً).
قال السيد الخوئي (قدّس سرّه) في المعجم: ج١٠، ص١٧: (ثم إنَّه استدل بعضهم على حسن الرجل بما ذكره الكشي، عن حمدويه، عن أشياخه، أنَّ حنان بن سدير واقفي، أدرك أبا عبد الله ولم يدرك أبا جعفر (عليهما السلام)، وكان يرتضي به شديداً، فقال: إنَّ المراد به شديد بن عبد الرحمان! وفساده أوضح من أن يحتاج إلى بيان).

(١٨)

عبد الرحمن.
فإذا كان شديد عمًّا لبكر بن محمد، وكان بكر هو ابن محمد بن عبد الرحمن، فيكون شديد أيضاً ابن لعبد الرحمن، فينسجم النسب تماماً.
وعليه، فمن القريب جدًّا أن يكون الوارد في الرواية الثانية عن الكشي: (حدَّثني عمِّي شديد)، فصحفت كلمة (شديد) إلى (سدير) لقرب الرسم بينهما، ثم لما لم يكن المعروف من سدير إلَّا سدير الصيرفي، أضيفت النسبة إليه، أو فهم منها ذلك.
قرائن تدل على التصحيف في سدير الصيرفي:
وهذا التصحيف ليس مجرَّد احتمال ابتدائي، بل تؤيِّده عدَّة قرائن:
الأولى: أنَّه لا يوجد في كلمات الرجاليين ما يدل على أنَّ سدير الصيرفي كان أزدياً، لا في ترجمته، ولا في ترجمة والده، ولا في ترجمة جدِّه، مع أنَّه لو كان عمًّا لبكر بن محمد الأزدي لكان المناسب ذكر نسبته إلى الأزد، خصوصاً مع عناية الرجاليين بمثل هذه الأنساب.
الثانية: أنَّ لازم كون سدير الصيرفي عمًّا لبكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي أن يكون سدير بن عبد الرحمن، لأنَّ بكر بن محمد الأزدي جدّه عبد الرحمن بلا إشكال.
فلو كان سدير عمًّا له، لكان سدير أخاً لمحمد، يرجع نسبه إلى عبد الرحمن.
والحال أنَّ كلمات الشيخ (قدّس سرّه)، والنجاشي (رحمه الله)، وغيرهم، متَّفقة على أنَّ سدير هو سدير بن حكيم بن صهيب، لا سدير بن عبد الرحمن، فينكشف عن عدم صحة حمل العبارة على ظاهرها.

(١٩)

الثالثة: أنَّ النجاشي (رحمه الله) صرَّح بأنَّ شديداً من أعمام بكر، والشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ذكر شديد بن عبد الرحمن، وهذا ينسجم مع كون (شديد) هو الصحيح في الرواية، لا (سدير).
الرابعة: أنَّه نقل في بعض النسخ أو التعليقات، كما في هامش تنقيح المقال(١٠)، الإشارة إلى وجود نسخة (شديد) بدل (سدير) في عبارة الكشي (رحمه الله)، وهو مؤيّد مهم لاحتمال التصحيف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) قال في تنقيح المقال في علم الرجال: ج٣٠، ص١٥٩: (إنَّا قد حقَّقنا في ترجمة بكر - هذا - أنَّه رجل واحد ثقة، وأنَّه ابن أخي شديد لا سدير، فراجع ما حرَّرناه هناك [تنقيح المقال ١٣ / ٢٤ - ٣٩ برقم ٣٢٢٥ [من الطبعة المحقّقة]] وتدبَّر، حتَّى يتبيَّن لك صحة طريق الحديث.
وعدول العلامة (رحمه الله) عن التعبير بـ(الصحيح)... إلى التعبير بـ(المعتبر)... إنَّما هو لمتابعته ابن طاووس، فذكر عين ما ذكره ابن طاووس، كما هي عادته، حتَّى أنَّه قد سقط من أوَّل سند خبر زيد الشحام من قلم ابن طاوس، كلمة (محمد بن) وبدأ بـ(مسعود)، ومثله فعله في الخلاصة، مع وضوح أنَّ الكشي يروي عن محمد بن مسعود لا عن مسعود نفسه، وكذا تبع ابن طاووس بإبدال فيروزان - في سند خبر محمد بن عذافر - بـ(مروان)، وما أوقعه في ذلك وأمثاله إلَّا الاستعجال في التصنيف.
وبالجملة، فالمناقشة في سند خبر الشحام لا وجه له.
نعم، يمكن المناقشة فيه بما صدر من الميرزا: من احتمال أن يكون المذكور فيه شديد - بـ(الشين المعجمة، ودالين مهملتين، بينهما ياء)-، لأنَّ الشيخ (رحمه الله) ذكر في باب: الشين المعجمة: شديد بن عبد الرحمن الأزدي، وذكر النجاشي في ترجمة بكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي: أنَّ عمومته: شديد وعبد السلام، وفي ترجمة: زيد الشحام أنَّه: مولى شديد بن عبد الرحمن الأزدي.
فبقرينة أنَّ الراوي هو الشحام، والراوي عنه أبو بكر، يقتضي أن يكون المدعو لهما: شديد، وعبد السلام الأخوان، لا: سدير وعبد السلام، فيكون الخبر أجنبيًّا عمّا نحن بصدده.
هذا ما أفاده الميرزا بتوضيح منَّا يسير.
ولكن يبعِّده أنَّه لو كان مراده (عليه السلام) الأخوين، لقال: ابني عبد الرحمن - مثنيًّا لكلمة الابن لا مفرداً- والنسخ الصحيحة كلّها تضمَّنت كلمة (الابن) مفرداً، مضافاً إلى أنَّ والد سدير: حكيم، لا عبد الرحمن، واحتمال كون حكيم جدّه لا شاهد عليه بوجه، بل يردّه أنَّ جدّه: صهيب، ومجرَّد كون الشحّام مولى شديد، وبكر ابن أخيه لا يستلزم أن يكون الدعاء لشديد، هامش رجال الشيخ: ٢١٨ برقم ٢١ [وفي طبعة جماعة المدرسين: ٢٢٤ برقم [٣٠١٩]، قال: شديد بن عبد الرحمن الأزدي الكوفي).
والمقصود بالمدعو لهما ما قاله أبو عبد الله (عليه السلام): «يا شحام إنَّي طلبت إلى إلهي في سدير وعبد السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما لي وخلَّى سبيلهما» [اختيار معرفة الرجال: ج٢، ص٤٧٠].

(٢٠)

ومن هنا يتَّضح أنَّ حمل العبارة على ظاهرها، وجعل سدير الصيرفي عمًّا لبكر الأزدي، لا يمكن القول به، لما يلزمه من لوازم نسبية باطلة، ولعدم وجود شاهد رجالي يساعد عليه.
الخامسة: بل يمكن أن يقال: إنَّ ما في ذيل عبارة الكشي (رحمه الله) الأولى ليس من تمام كلام محمد بن عيسى العبيدي، بل هو اجتهاد من الكشي نفسه.
وهذا ما أشار إليه السيد الخوئي (قدّس سرّه)، حيث ذكر أنَّ الظاهر من عبارة الكشي أنَّ قوله: (وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصيرفي) اجتهاد منه، وأنَّ مستنده في هذا الاجتهاد هو الرواية الثانية التي فيها: (حدَّثني عمِّي سدير).
فالكشي (رحمه الله) استظهر منها أنَّ بكر بن محمد ابن أخي سدير الصيرفي، وأضاف وصف (الصيرفي) باعتبار أنَّ المعروف بهذا الاسم هو سدير الصيرفي، غير ملتفت إلى ما يترتَّب على ذلك من لوازم غير قابلة للقبول(١١).
وعليه، فالذي ينبغي الالتزام به أنَّ منشأ التعدُّد ليس وجود شخصين واقعاً باسم بكر بن محمد، بل منشؤه تصحيف أو اجتهاد رجالي غير تام في فهم عبارة الكشي (رحمه الله)(١٢).
وقد ذهب إلى الاتِّحاد جماعة من المحقِّقين، منهم الشيخ حسن صاحب المعالم في منتقى الجمان، والمحقِّق الجزائري في حاوي الأقوال، والمحقِّق البحراني في المعراج، وصاحب مجمع الرجال، وغيرهم(١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) قال السيد الخوئي في المعجم (ج٤، ص٢٦٠): (إنَّ الظاهر من عبارة الكشي أنَّ قوله: (وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصرفي هو اجتهاد منه (قدّس سرّه) وقد ذكر سند اجتهاده: بأنَّ علي بن محمد القتيبي، قال: حدَّثنا أبو محمد الفضل بن شاذان، قال: حدَّثنا ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، قال: حدَّثني عمِّي سدير، فاستشهد الكشي بقوله: إنَّ بكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصيرفي، بما ذكره من الرواية، ولكنَّه أخطأ في اجتهاده).
(١٢) هذا إشكال يرد على فهم الكشي وليس على فهم الأصحاب لكلامه لصراحته. [من المقرِّر].
(١٣) يراجع للوقوف على أقوالهم: منتهى المقال في أحوال الرجال (ج٢، ص١٦٩)؛ وكذلك: بهجة الآمال في شرح زبدة المقال (ج٢، ص٤١٨)، قال (رحمه الله): (واستظهر الاتِّحاد أيضاً في الحاوي وقال ولم يتفطن العلامة وابن داود إلى كلام النجاشي وأخذ صدر الكلام، انتهى. وصرَّح بالاتِّحاد أيضاً في المجمع وفي الفوائد النجفية، وكذا المحقِّق الشيخ حسن في حواشي الخلاصة وأطال الكلام فيها مع العلامة...).

(٢١)

فالنتيجة: أنَّ بكر بن محمد في سند رواية سدير هو بكر بن محمد بن عبد الرحمن الغامدي الأزدي، وهو ثقة منصوص على وثاقته، ولا موجب لإسقاط السند من جهته بدعوى الاشتراك.
الجهة الثانية: البحث في وثاقة سدير الصيرفي:
أمَّا سدير الصيرفي، فقد وقع الكلام فيه من جهتين:
الأولى: عدم ورود نص صريح من الشيخ (قدّس سرّه) أو غيره على وثاقته.
الثانية: ورود بعض الأخبار التي قد يتوهَّم منها القدح فيه.
إلَّا أنَّ هذا لا يمنع من البناء على اعتباره، وذلك لوجهين:
الأوَّل: أنَّ الأخبار القادحة فيه لا تخلو من ضعف سندي أو قصور دلالي، فلا تصلح لمعارضة ما دلَّ على مدحه أو الاعتماد عليه.
الثاني: أنَّ ابن أبي عمير قد روى عنه بسند معتبر، بناءً على المبنى المعروف في إفادة رواية ابن أبي عمير ونظرائه للوثاقة أو الاعتماد، ما لم يثبت خلافه(١٤).
ومن شواهد ذلك ما رواه الصدوق (قدّس سرّه) في علل الشرائع(١٥)، ونقله صاحب الوسائل(١٦)، بسند ينتهي إلى محمد بن أبي عمير ومحمد بن سنان جميعاً، عن الصباح المزني أو السدي، وسدير الصيرفي، ومحمد بن النعمان، وعمر بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) قال الشيخ في العدَّة (ج١، ص١٥٤): (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنَّه لا يرسل إلَّا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنَّهم لا يروون ولا يرسلون إلَّا عمَّن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم).
(١٥) علل الشرائع - الشيخ الصدوق: ج٢، ص٣١٢.
(١٦) وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام)) - الحر العاملي: ج٥، ص٤٦٥، (٧٠٨٦) ١٠.‏

(٢٢)

أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث الأذان والمعراج(١٧).
ومقتضى هذا الطريق ثبوت رواية ابن أبي عمير عن سدير.
فإن قيل: إنَّ الاستناد إلى رواية ابن أبي عمير مبنائي، ولا يتم عند من لا يرى كبرى توثيق مشايخه.
قيل: نعم، هو مبني على تمامية تلك الكبرى، إلَّا أنَّ البحث هنا جارٍ على هذا المبنى.
فالنتيجة السندية في حديث سدير:
إنَّ الرواية قابلة للتصحيح أو الاعتبار، ولا يسقط الاستدلال بها من جهة السند، وإن كان الاعتماد التام عليها يتوقَّف على قبول بعض المباني الرجالية، خصوصاً في سدير.
٣ - دلالة حديث سدير الصيرفي:
بعد الفراغ عن أصل اعتبار الرواية في الجملة، يقع الكلام في دلالتها، وأنَّها هل تنهض لإثبات عدم مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عليه السلام) مطلقاً، أو أنَّ مدلولها أضيق من ذلك.
والظاهر من الحديث بحسب بدو النظر أنَّه وارد في مقام الأمر بالسكون، ولزوم البيت، وترك الحركة إلى أن تظهر علامة السفياني، فإنَّ قوله (عليه السلام): «يا سدير، الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن اللَّيل والنهار»، ظاهر عرفاً في المنع عن الحركة والخروج، كما أنَّ قوله (عليه السلام): «فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج، فارحل إلينا ولو على رجلك» يجعل خروج السفياني غاية لهذا السكون، ومبدأً لحركة أخرى مأمور بها، وهي الرحيل إلى الإمام (عليه السلام) والالتحاق به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: «إنَّ الله عرج بنبيِّه (صلَّى الله عليه وآله) فأذَّن جبرئيل فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)...».

(٢٣)

ومن هنا كان الاستدلال بالرواية على لزوم السكون قبل العلامات استدلالاً قريباً في نفسه، إذ ليس في ألفاظها ما يشعر بالإذن في الحركة قبل خروج السفياني، بل ظاهرها خلاف ذلك، إلَّا أنَّ تمامية الاستدلال بها على محلِّ الكلام تتوقَّف على تحرير متعلّق النهي، فإنَّ أصل النهي عن الحركة شيء، وتحديد نوع الحركة المنهي عنها شيء آخر.
فهل المنهي عنه هو أصل الخروج لإقامة دولة وحكومة قبل العلامات؟
أو هو الخروج مع الخارجين والالتحاق بالرايات القائمة قبل السفياني؟
أو هو خصوص الخروج مع من يدَّعي أنَّه القائم المهدي (عليه السلام)؟
أو خصوص من يدعو إلى نفسه في قبال الإمام (عليه السلام)؟
ويمكن تقريب دلالة الرواية على عدم مشروعية الخروج بشكل مطلق بتقريبين:
التقريب الأوَّل: أن يقال إنَّ المأمور به بعد خروج السفياني هو الرحيل إلى الإمام (عليه السلام)، ومن الواضح أنَّ هذا الرحيل ليس مجرَّد انتقال مكاني، بل هو ظاهر في الالتحاق بجهة الحق المتمثِّلة بالإمام (عليه السلام) بعد تحقُّق العلامة، فإذا كان الخروج بعد السفياني خروجاً إلى الإمام (عليه السلام)، كان المنهي عنه قبل السفياني هو الخروج لإقامة أمر في قبال ذلك أو قبله، فيستفاد منه عدم مشروعية الخروج مطلقاً قبل تحقُّق العلامة.
التقريب الثاني: أن يقال إنَّ الرواية وإن لم تكن ناظرة ابتداءً إلى سدير بما هو قائد خروج أو مؤسِّس دولة، إلَّا أنَّها تنهى عن خروجه مع الخارجين قبل العلامة، والنهي عن الالتحاق بالخارجين قبل العلامات يكشف عرفاً عن عدم مشروعية أصل خروجهم، إذ لو كان خروجهم مشروعاً في نفسه، لم يكن وجه للنهي المطلق عن الالتحاق بهم.

(٢٤)

والتقريب الثاني أدق من الأوَّل، لأنَّ الرواية بحسب ظهورها الأوَّلي لا تقول لسدير: لا تقد ثورة، ولا تخرج لإزالة دولة وإقامة أخرى، بل تأمره بالسكون ولزوم البيت إلى أن يخرج السفياني، ثم تأمره بعد ذلك بالرحيل إلى الإمام (عليه السلام)، وبما أنَّ المأمور به بعد تحقُّق العلامة هو الالتحاق بالإمام (عليه السلام)، فالمناسب أن يكون المنهي عنه قبل العلامة هو الالتحاق بمن يخرج قبلها، لا أصل أن يكون سدير هو بنفسه قائداً لخروج سياسي.
وعليه، فالمدلول المطابقي الأقرب للرواية هو النهي عن الخروج مع الخارجين قبل ظهور السفياني، وأمَّا عدم مشروعية أصل خروج الخارجين فهو مدلول التزامي يستفاد من الملازمة العرفية بين حرمة الالتحاق بهم وعدم مشروعية حركتهم.
إلَّا أنَّ هذه الملازمة لابدَّ أن تُفهم بدقة، فإنَّ النهي عن الالتحاق بالخارجين إن كان حكماً عاماً ثابتاً لكلِّ مكلَّف، كان كاشفاً عن عدم مشروعية الخروج على الحاكم، إذ لا معنى لأن ينهى الشارع جميع المكلَّفين عن نصرة كل خارج والالتحاق بكلِّ راية قبل العلامات، مع فرض أنَّ بعض تلك الرايات مشروعة في نفسها، إلَّا بعناية خاصة تحتاج إلى قرينة.
أمَّا إذا كان النهي خاصًّا بسدير أو بمن هو في مرتبته وخصوصيته، فلا تتم الملازمة بهذا الإطلاق، إذ قد يحرم على شخص خاص أن يلتحق بخروج مشروع في نفسه، لمصلحة تعود إلى شأن ذلك الشخص أو إلى موقعه من الإمام (عليه السلام).
ومن هنا يظهر أنَّ الاستدلال بالرواية لا يتوقَّف على ظهورها في حرمة أصل الخروج ابتداءً، بل على أمرين مترتِّبين: أن تكون دالة على حرمة الالتحاق بالخارجين قبل العلامة، وأن يكون هذا النهي قابلاً للتعميم إلى غير سدير، إمَّا بإلغاء الخصوصية، أو بضم روايات أخرى واردة بنحو العموم.

(٢٥)

دفع احتمال اختصاص الرواية بمدَّعي المهدوية:
قد يقال: إنَّ الرواية لا تشمل محل الكلام -في التقريبين المتقدِّمين-، لأنَّها ناظرة إلى خصوص من يخرج مدَّعياً أنَّه الإمام المهدي (عليه السلام) أو داعياً لنفسه، وحينئذٍ لا دلالة لها على منع الخروج الذي لا يكون بهذا العنوان.
إلَّا أنَّ هذا الحمل لا يخلو من إشكال، إذ لا توجد في نفس رواية سدير قرينة واضحة تقتضي حصر النهي بالخروج مع مدَّعي المهدوية.
نعم، توجد روايات أخرى يكون سياقها سياق بيان علامات الظهور(١٨)، وتمييز القيام الحق من القيام المدَّعى، كما في بعض ما ورد في علامات القائم (عليه السلام)، وهناك يمكن أن يقال: إنَّ النهي عن الخروج قبل تحقُّق العلامات ظاهر في النهي عن الخروج مع من يدَّعي أنَّه القائم، لأنَّ الرواية مسوقة لبيان ما يمتاز به الظهور الحقيقي عن الدعوى الباطلة.
فإذا كان الإمام (عليه السلام) في مقام بيان علامات الظهور، وكان الغرض تمكين الشيعة من التمييز بين القيام الحقيقي والقيام الادِّعائي، ثم ورد في هذا السياق النهي عن الخروج قبل العلامات، كان لهذا النهي ظهور في خصوص الخروج مع من يرفع راية القيام المهدوي قبل تحقُّق علاماته.
بل قد تؤيِّد ذلك بعض القرائن، كما إذا كان مورد الرواية من يقوم من أهل البيت (عليهم السلام)، لأنَّ مدَّعي المهدوية غالباً يكون ممن ينتسب إلى البيت النبوي أو يتَّخذ هذا النسب مدخلاً لدعواه.
أمَّا رواية سدير فليست مشتملة على مثل هذه القرينة الواضحة، فإنَّها لم تذكر أنَّ الخارج قبل السفياني يدَّعي أنَّه القائم، ولم تجعل مورد النهي خصوص من ينتسب إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ولم تتعرَّض لراية مهدوية مدَّعاة، وإنَّما ظاهرها الأمر لسدير بالسكون إلى أن يخرج السفياني، ثم الرحيل إلى الإمام (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) وسيأتي التعرُّض لجملة منها في المطلب الثاني.

(٢٦)

ومن ثم لا موجب لتخصيصها بخصوص الخروج مع مدَّعي المهدوية، بل مقتضى إطلاقها -في حدِّ نفسه- النهي عن الالتحاق بمن يخرج قبل تحقُّق العلامة.
نعم، هذا لا يعني أنَّ الرواية تثبت بنفسها نفي كل أنحاء التصدِّي السياسي، لأنَّ الكلام بعد ذلك يقع في جهة أخرى، وهي أنَّ النهي هل هو قضية عامة أو خطاب خاص بسدير؟ وهل يمكن إلغاء خصوصيته أو لا؟
الفرق بين أصل الخروج والالتحاق بالخارجين:
ينبغي في المقام التفريق بين أمرين:
الأوَّل: أصل الخروج، بمعنى أن يقوم شخص أو جماعة بإسقاط حكم قائم وإقامة حكم آخر قبل ظهور العلامات.
الثاني: الخروج مع الخارجين، بمعنى أن يلتحق المكلَّف براية قائمة قبل العلامة، وينصرها أو يشارك فيها.
والظاهر أنَّ رواية سدير متعرِّضة ابتداءً للأمر الثاني، لا للأمر الأوَّل، فهي لا تخاطب سديراً بما هو صاحب مشروع سياسي مستقل، وإنَّما تنهاه عن الحركة والرحيل قبل السفياني، وتلزمه بأن يكون حلساً من أحلاس بيته، وبقرينة الأمر بالرحيل إلى الإمام (عليه السلام) بعد خروج السفياني، يكون مفادها أنَّ الحركة قبل ذلك ممنوعة.
وأمَّا إثبات عدم مشروعية أصل الخروج، فهو مبني على الملازمة المتقدِّمة: فإذا حرم الالتحاق بكلِّ خارج قبل العلامة على نحو عام، كان ذلك كاشفاً عن أنَّ خروجهم غير مشروع، وإلَّا لم يكن وجه للنهي العام عن نصرتهم، أمَّا إذا لم يثبت العموم، ولم يلغ احتمال الخصوصية، فلا تنهض الملازمة لإثبات عدم المشروعية مطلقاً.

(٢٧)

اعتراض القضية الخارجية وإشكال التعدِّي:
أهم ما يورد على الاستدلال برواية سدير أنَّ الخطاب فيها خطاب شخصي، موجَّه إلى سدير الصيرفي، وليس وارداً بصيغة قضية حقيقية عامة، فهو من قبيل القضية الخارجية، لا من قبيل قوله مثلاً: (كل من كان في زمن الغيبة فليلزم بيته)، أو (لا يخرج أحد قبل خروج السفياني)، ومع كون الخطاب كذلك، لا يصح التعدِّي منه إلى جميع المكلَّفين إلَّا بعد إحراز عدم الخصوصية في المخاطب.
وتوضيح ذلك: أنَّ القضية الخارجية لا تمنع من التعدِّي دائماً، وإنَّما تمنع منه إذا احتمل وجود خصوصية في المورد، أمَّا إذا أحرز الفقيه عدم الخصوصية، أو قامت قرينة عرفية على أنَّ الحكم لا يختص بالمخاطب، أمكن التعدِّي.
ومن هنا تعدَّى الفقهاء في موارد كثيرة من خطابات واردة في أشخاص أو موارد خاصة، بعد إلغاء الخصوصية عرفاً.
وعليه، فمجرَّد كون الخطاب موجَّهاً إلى سدير لا يكفي وحده لإسقاط الاستدلال، كما أنَّ مجرَّد ظهور النهي في حقِّ سدير لا يكفي للمنع من تعميمه، بل لابدَّ من ملاحظة الخصوصية المحتملة.
وهنا يمكن تصوير الخصوصية على نحوين:
النحو الأوَّل: أن تكون الخصوصية بلحاظ نوع الخارج:
بأن يقال: إنَّ الرواية ناظرة إلى خروج خاص، وهو خروج من يدعو إلى نفسه، أو يخرج في قبال الإمام (عليه السلام)، أو يدَّعي المهدوية.
فإذا كان النهي عن الخروج مع هذا النحو من الخارجين، فهو وإن ورد خطاباً لسدير، إلَّا أنَّ هذه الجهة لا تختص به، لأنَّ النهي عن نصرة من يدعو إلى نفسه أو يدَّعي المهدوية قبل تحقُّق العلامات حكم يعم غير سدير عرفاً.

(٢٨)

لكن هذا الإشكال - وهو كون الرواية من القضايا الخارجية - لا يُبطل أصل الاستدلال، وإنَّما يوجب تضييق دائرة الحكم وتحديد مورده، وذلك لأنَّه إذا ثبت أنَّ الرواية ناظرة إلى شخصٍ يدعو الناس إلى نفسه، أو يدَّعي المهدوية، فإنَّ الحكم يختصّ بهذا النحو من التصدِّي، ولا يشمل كلَّ من يتوَّلى شأناً عامًّا في زمن الغيبة.
وعلى هذا الأساس تخرج الرواية عن محلِّ البحث في ولاية الفقيه أو التصدِّي للأمور الحسبية، لأنَّ الكلام هناك ليس في شخصٍ يجعل نفسه في مقابل الإمام (عليه السلام) أو يدعو إلى طاعته استقلالاً، بل في فقيهٍ يمارس بعض الصلاحيات بوصفه نائباً عن الإمام (عليه السلام) وفي امتداد ولايته.
فولاية الفقيه - على هذا المبنى - ليست ولايةً قائمةً بإزاء ولاية الإمام (عليه السلام) أو مزاحمةً لها، وإنَّما هي ولاية متفرِّعة عنها ومستندة إليها، أي في طولها لا في عرضها.
والفرق بين الأمرين عرفاً واضح:
فإنَّ من يدعو إلى نفسه أو يدَّعي المهدوية يُنظر إليه بوصفه مرجعاً مستقلاً ينافس الإمام (عليه السلام) في مقام الطاعة والاتِّباع.
بخلاف الفقيه، فإنَّ مشروعية تصدِّيه إنَّما تُفهم باعتباره نائباً عن الإمام (عليه السلام) وقائماً مقامه عند تعذُّر الوصول إليه، لا باعتباره أصلاً مستقلًّا في الولاية.
النحو الثاني: أن تكون الخصوصية بلحاظ شخص سدير وموقعه:
وهذا هو الإشكال الأهم، إذ يحتمل أنَّ النهي عن الخروج مع الخارجين كان مختصًّا بسدير ومن يشاركه في خصوصيته، لا لأنَّ كل خروج قبل العلامات غير مشروع، بل لأنَّ سديراً كان من أصحاب الإمام (عليه السلام) وممن يحسب على خطه، ومثل هذا الشخص إذا التحق بأيِّ راية قبل العلامات، أمكن أن

(٢٩)

تترتَّب على التحاقه آثار سلبية على الوضع الشيعي العام، أو يوهم أنَّ تلك الراية مرتبطة بالإمام (عليه السلام)، أو يوجب تحميل الإمام (عليه السلام) تبعات سياسية وأمنية لا يريدها.
ومع هذا الاحتمال لا يكون النهي عن خروج سدير مع كل أحد كاشفاً عن عدم مشروعية خروج كل أحد، لأنَّه ينسجم حتَّى مع فرض مشروعية بعض أنحاء الخروج، فقد يكون خروج بعض الخارجين مشروعاً في نفسه، ومع ذلك يحرم على سدير أن يلتحق به، لا لخلل في أصل ذلك الخروج، بل لمصلحة خاصة راجعة إلى شخص سدير وموقعه وصِلَته بالإمام (عليه السلام).
وبعبارة أخرى: إذا كان سدير محسوباً على الإمام (عليه السلام)، فقد يكون من المصلحة أنْ لا يخرج مع أيّ راية قبل العلامات، ولو كانت تلك الراية غير باطلة في نفسها، لأنَّ عنوان التحاقه بها يوجب محذوراً خاصًّا، وحينئذٍ لا يصح أن نجعل حرمة التحاق سدير ملازمة لعدم مشروعية أصل تلك الراية.
ومن هنا يظهر أنَّ الملازمة بين النهي عن الالتحاق وعدم مشروعية أصل الخروج إنَّما تتم إذا كان النهي عاماً لجميع المكلَّفين، أمَّا إذا كان النهي مختصًّا بسدير، أو بمن هو في موقعه، فلا ملازمة، لأنَّ حرمة الالتحاق قد تكون ناشئة من خصوصية الملتحق، لا من بطلان الجهة الملتحق بها.
أثر إلغاء الخصوصية: لو أمكن الجزم بعدم خصوصية سدير، أو قامت قرينة على أنَّ النهي ليس ناشئاً من موقعه الشخصي، بل هو حكم عام لكلِّ مكلَّف، تم الاستدلال بالرواية على النهي عن الالتحاق بالخارجين قبل العلامة، ثم تتم الملازمة العرفية إلى عدم مشروعية أصل الخروج.
فإذا ثبت أنَّ كل مكلَّف يحرم عليه الالتحاق بكلِّ خارج قبل السفياني، كان ذلك ظاهراً في أنَّ تلك الخروجات غير مشروعة، إذ لا وجه عرفاً لأن يكون الخروج مشروعاً، ومع ذلك يمنع الشارع جميع المكلَّفين من نصرته والالتحاق به على نحو الإطلاق.

(٣٠)

أمَّا إذا لم نحرز عدم الخصوصية، فغاية ما تثبته الرواية هو حرمة خروج سدير، أو حرمة خروج من يشترك معه في الخصوصية المحتملة، أعني من يكون محسوباً على الإمام (عليه السلام) بحيث يترتَّب على التحاقه بالرايات محذور خاص، وأمَّا التعدِّي إلى من لا يملك هذه الخصوصية فمشكل.
إن قلت: إنَّ القضية وإن كانت خارجية، إلَّا أنَّ الجزم بعدم الخصوصية ممكن، فإنَّ خصوصية سدير لا مدخلية لها عرفاً في حكم السكون، وإنَّما الحكم مرتبط بزمن ما قبل العلامات وبالرايات التي تظهر فيه، فإذا كان المناط هو زمن ما قبل السفياني، لا شخص سدير، أمكن التعدِّي.
قلت: الجواب غير تام بنحو مطلق، لأنَّ احتمال خصوصية سدير بلحاظ قربه من الإمام (عليه السلام) احتمال عقلائي لا يمكن إلغاؤه بمجرَّد الدعوى.
نعم، لو كانت الخصوصية المحتملة هي خصوص خروجه مع من يدعو إلى نفسه أو مع مدَّعي المهدوية، أمكن إلغاؤها، لأنَّ النهي عن هذا لا يختص بسدير، أمَّا إذا كانت الخصوصية هي كونه من أصحاب الإمام (عليه السلام) وممن يحسب عليه، فالجزم بعدم مدخليتها مشكل.
نتيجة الاستدلال برواية سدير:
ومن ثم تكون النتيجة أنَّ الاستدلال برواية سدير وحدها غير تام لإثبات حكم عام، إلَّا إذا ضُمَّت إليها قرائن أو روايات أخرى تدل على أنَّ الأمر بالسكون ليس مختصًّا بسدير.
دور الروايات الأخرى في إلغاء الخصوصية:
يمكن الاستعانة في إلغاء خصوصية سدير بأحد أمرين:
الأوَّل: ورود الأمر بالسكون أو النهي عن الخروج في حقِّ أشخاص آخرين لا يحتمل فيهم ما يحتمل في سدير من خصوصية القرب من

(٣١)

الإمام (عليه السلام)، فإنَّ تكرُّر النهي في موارد متعدِّدة يضعف احتمال كون الحكم مختصًّا بسدير، ويقرب أنَّ المناط عام.
الثاني: ورود دليل بصيغة عامة أو مطلقة، كأن يكون الخطاب بنحو (اسكنوا) أو (الزموا أحلاس بيوتكم)، بحيث يشمل عامة المكلَّفين، لا شخصاً مخصوصاً، فإذا ثبت مثل هذا الدليل سنداً ودلالة، لم نحتج إلى إلغاء خصوصية سدير من نفس روايته، بل يكون الدليل العام بنفسه كاشفاً عن عموم الحكم، وتكون رواية سدير شاهداً أو فرداً من أفراد تلك الطائفة.
وعلى هذا، فالبحث في دلالة رواية سدير يبقى موقوفاً على ملاحظة مجموع أخبار السكون، فإن ثبتت أخبار معتبرة واردة بنحو العموم أو في حقِّ أشخاص لا يحتمل فيهم خصوصية سدير، أمكن جعلها قرينة على التعدِّي.
أمَّا إذا لم تثبت، بقيت رواية سدير قاصرة عن إفادة المنع العام، وإن دلَّت في نفسها على لزوم السكون في حقِّه أو في حقِّ من يشاركه في خصوصيته.
والمحصَّل:
إنَّ حديث سدير ظاهر في النهي عن الالتحاق بالخارجين قبل خروج السفياني، ولا موجب لحمله ابتداءً على خصوص مدَّعي المهدوية، كما أنَّ استفادة عدم مشروعية أصل الخروج منه متوقِّفة على تعميم النهي وإلغاء خصوصية سدير.
وهذا التعميم لا يثبت من نفس الرواية بلا مؤونة، بل يحتاج إلى ضميمة من الروايات الأخرى أو قرينة خارجية معتبرة.
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعينة على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها لتعميم الحكم:
الغرض من هذا المبحث دراسة الأخبار التي قد تساعد على تعميم مفاد حديث سدير، أو على إثبات أصل الحكم بالسكون بنحو مستقل، بحيث لا يبقى الاستدلال متوقِّفاً على إلغاء خصوصية سدير وحده.

(٣٢)

الرواية الأولى: رواية الفضل الكاتب:
روى الشيخ الكليني(١٩): عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، عَنِ الفَضْلِ الكَاتِبِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فَأَتَاه كِتَابُ أَبِي مُسْلِمٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ لِكِتَابِكَ جَوَابٌ، اخْرُجْ عَنَّا»، فَجَعَلْنَا يُسَارُّ بَعْضُنَا بَعْضاً، فَقَالَ: «أَيَّ شَيْءٍ تُسَارُّونَ يَا فَضْلُ؟ إِنَّ الله (عَزَّ ذِكْرُه) لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ العِبَادِ، ولَإِزَالَةُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِه أَيْسَرُ مِنْ زَوَالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ أَجَلُه»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ» حَتَّى بَلَغَ السَّابِعَ مِنْ وُلْدِ فُلَانٍ، قُلْتُ: فَمَا العَلَامَةُ فِيمَا بَيْنَنَا وبَيْنَكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لَا تَبْرَحِ الأَرْضَ يَا فَضْلُ حَتَّى يَخْرُجَ السُّفْيَانِيُّ، فَإِذَا خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ فَأَجِيبُوا إِلَيْنَا - يَقُولُهَا ثَلَاثاً - وهُوَ مِنَ المَحْتُومِ».
والبحث فيها من جهتين:
أوَّلاً: جهة السند:
في السند جهتان قابلتان للمناقشة:
الأولى: الفضل الكاتب، إذ لم يثبت فيه توثيق واضح.
الثانية: عبد الرحمن بن أبي هاشم بهذا العنوان، فإنَّه غير منصوص على وثاقته، وإن احتمل اتِّحاده مع عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم الثقة.
وعليه، فالرواية لا تخلو من توقُّف سندي، إلَّا أنَّ مضمونها مؤيِّد لما تقدَّم.
ثانياً: جهة الدلالة:
مع أنَّ صَدْر الخطاب موجَّه إلى الفضل: «لا تبرح الأرض يا فضل»، إلَّا أنَّ جوِّ الرواية لا يساعد على اختصاص الحكم به، فإنَّ السؤال والسياق متَّصلان بحركة أبي مسلم، وبالعلامة الفاصلة بين زمن الانتظار وزمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) الكافي للشيخ الكليني: ج٨، ص٢٧٤، ح٤١٢.

(٣٣)

الإجابة، ولذلك قال (عليه السلام): «فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا»، بصيغة الجمع، فالرواية -على فرض اعتبارها- أظهر في العموم من حديث سدير، وتصلح مؤيّداً لإلغاء خصوصيته، لا دليلاً تامًّا مستقلًّا إلَّا بعد علاج جهة السند.
الرواية الثانية: رواية الحسين بن خالد:
روى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في الأمالي(٢٠): أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني الشريف أبو محمد أحمد بن محمد بن عيسى العلوي الزاهد، قال: حدَّثنا حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي، قال: حدَّثنا أبو عمرو محمد بن عمر الكشي، قال: حدَّثنا حمدويه بن نصر، عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن خالد، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنَّ عبد الله بن بكير كان يروي حديثاً ويتأوَّله، وأنا أحب أن أعرضه عليك، فقال: «ما ذلك الحديث»؟ قلت: قال ابن بكير: حدَّثني عبيد بن زرارة، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أيَّام خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك، إنَّ محمد بن عبد الله قد خرج، وأجابه الناس، فما تقول في الخروج معه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «اسكن ما سكنت السماء والأرض»، فقال عبد الله بن بكير: فإذا كان الأمر هكذا، ولم يكن خروج ما سكنت السماء والأرض، فما من قائم ولا من خروج؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): «صدق أبو عبد الله (عليه السلام)، وليس الأمر على ما تأوَّله ابن بكير، إنَّما قال أبو عبد الله (عليه السلام): اسكنوا ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش».
والرواية يرويها الشيخ الصدوق(٢١) بطريق آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) الأمالي - الشيخ الطوسي، ص٤١٣.
(٢١) قال الشيخ الحر (قدّس سرّه) في وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام)) (ج١٥، ص٥٥): (ورواه الشيخ في (المجالس والأخبار) بهذا السند، ورواه الصدوق في (عيون الأخبار) وفي (معاني الأخبار) عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن سهل بن زياد، عن علي بن الريان، عن عبيد الله الدهقان، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) نحوه).

(٣٤)

والبحث فيها من جهتين:
الأولى: جهة السند:
طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) مشتمل على من لم يثبت توثيقه بوضوح، كأحمد بن محمد العلوي الزاهد، وفي الحسين بن خالد أيضاً كلام.
وطريق الصدوق (قدّس سرّه) مشتمل على سهل بن زياد، وفيه المعروف من الكلام.
نعم، تعدُّد الطريق وموافقة المضمون لسائر الأخبار قد يورثان شيئاً من الاطمئنان بالمضمون، إلَّا أنَّ جعل الرواية دليلاً مستقلًّا يتوقَّف على تحقيق السند.
الثانية: جهة الدلالة:
هذه الرواية مهمة دلالياً، لأنَّ النهي فيها جاء بصيغة الجمع: «اسكنوا»، لا بخطاب شخصي مفرد، وهي واردة في مورد خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وسؤال بعض الأصحاب عن الالتحاق به، فجاء الجواب بالأمر بالسكون إلى ظهور علامتين: (النداء من السماء، والخسف بالجيش).
ومن هنا يمكن أن يقال: إنَّ الرواية -لو تمَّت سنداً- ظاهرة في حكم عام بعدم الخروج مع الخارجين قبل تحقُّق العلامات، لكن ينبغي الالتفات إلى أنَّ موردها خروج مخصوص، وهو خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وقد كان خروجاً سياسياً مسلَّحاً ذا دعوى خاصة.
فلا يصح التعدِّي منها إلى كلِّ أنحاء التصدِّي السياسي إلَّا بعد إحراز أنَّ المناط هو مطلق الخروج قبل العلامات، لا خصوص الخروج المسلَّح أو الخروج المتلبِّس بدعوى غير مأذونة.

(٣٥)

الرواية الثالثة: رواية أبي بصير عن سلمان (رضي الله عنه):
روى الشيخ الطوسي في الغيبة(٢٢)، عن أحمد بن إدريس عن علي بن محمد، عن الفضل بن شاذان، عن محمد بن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما دخل سلمان (رضي الله عنه) الكوفة، ونظر إليها ذكر ما يكون من بلائها، حتَّى ذكر ملك بني أمية والذين من بعدهم، ثم قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتَّى يظهر الطاهر ابن الطاهر المطهر ذو الغيبة الشريد الطريد».
والبحث فيها من جهتين:
أوَّلاً: جهة السند:
السند لا يخلو من إشكال، من جهة علي بن محمد، فإنَّه مشترك بين جماعة -منهم ابن بندار وابن إبراهيم وغيرهما-، وتشخيص المراد منه مشكل، فإن أريد به علي بن محمد بن بندار الثقة تم السند من هذه الجهة، لكنَّه محتمل، وأمَّا باقي رجال السند فليس فيهم ما يوجب التوقُّف.
ثانياً: جهة الدلالة:
الرواية -بحسب ظاهرها- عامة، لأنَّها تقول: «فالزموا أحلاس بيوتكم»، وهي ظاهرة في الأمر العام بالسكون إلى ظهور الإمام (عليه السلام)، إلَّا أنَّ تمامية الاستدلال تتوقَّف على أمرين: اعتبار السند، وأن يكون كلام سلمان (رضي الله عنه) مأخوذاً عن المعصوم (عليه السلام)(٢٣)، لا مجرَّد إخبار منه بما علمه، وإن كان مثل سلمان لا يتكلَّم في أمثال هذه المغيبات من تلقاء نفسه بحسب الارتكاز المتشرِّعي، ومع ذلك، فالرواية تصلح للتأييد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص١٦٣.
(٢٣) اللَّهم إلَّا أن يقال: إنَّ الناقل لكلام سلمان هو المعصوم فتكتسب الحجية من جهة نقلها له. [المقرِّر].

(٣٦)

الرواية الرابعة: رواية جابر الجعفي:
وهي مروية في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(٢٤): عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وخسف قرية من قرى الشام تسمَّى الجابية، وستقبل إخوان الترك حتَّى ينزلوا الجزيرة، وستقبل مارقة الروم حتَّى ينزلوا الرملة، فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كلِّ أرض من ناحية المغرب... وراية السفياني».
حيث ذكر فيها علاماتٍ كثيرةً لخروج الإمام الحجة (عليه السلام)، كاختلاف بني فلان، والنداء من السماء، والصوت من ناحية دمشق، وخسف الجابية، ونزول إخوان الترك الجزيرة، ومارقة الروم الرملة، وراية السفياني.
وهذه الرواية من حيث الدلالة ظاهرة في الأمر بالسكون وترك الحركة قبل تحقُّق العلامات المذكورة، فإنَّ قوله (عليه السلام): «الزم الأرض، ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً» من أوضح التعابير في المنع عن المبادرة إلى الحركة قبل ظهور العلامات، إلَّا أنَّ تمامية الاستدلال بها تتوقَّف على تحقيق سندها، ولا سيما بلحاظ طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) إلى الفضل بن شاذان، ثم بلحاظ حال عمرو بن أبي المقدام وجابر بن يزيد الجعفي.
والكلام في نقاط:
أوَّلاً: طريق الشيخ الطوسي إلى الفضل بن شاذان:
المشكلة الأولى في سند رواية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ترجع إلى طريقه إلى الفضل بن شاذان، فإنَّ الشيخ (قدّس سرّه) يرويها في الغيبة عن الفضل، والفضل متقدِّم عليه، فلابدَّ من إحراز طريق الشيخ إليه، والشيخ الطوسي (قدّس سرّه) له طريق إلى الفضل في المشيخة، وله طريق إليه في الفهرست.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص٤٤١.

(٣٧)

أمَّا الطريق المذكور في المشيخة فهو تام في نفسه، إلَّا أنَّ مورده ما أورده الشيخ (قدّس سرّه) في التهذيبين، لأنَّ المشيخة وضعت لبيان طرق الشيخ (قدّس سرّه) إلى من ابتدأ بأسمائهم في روايات التهذيب والاستبصار، ومن ثمَّ لا يحرز أنَّ ذلك الطريق طريق عام إلى جميع مرويات الفضل وكتبه، بحيث يشمل ما يرويه الشيخ عنه في كتاب الغيبة.
وبعبارة أخرى: لو صرَّح الشيخ (قدّس سرّه) بأنَّ طريقه المذكور في المشيخة طريق إلى جميع كتب الفضل ومروياته، لأمكن التعويل عليه في المقام، أمَّا مع عدم هذا التصريح، فالمتيقَّن اختصاصه بما وقع في التهذيبين.
ومن هنا لا ينفع طريق المشيخة لإثبات صحة هذه الرواية في كتاب الغيبة.
وأمَّا طريق الشيخ في الفهرست، فهو بحسب طبيعة الفهرست أقرب إلى أن يكون طريقاً إلى كتب المترجم له ومروياته، لأنَّ الفهرست موضوعه ذكر أصحاب الكتب والطرق إليها، فلو تم طريق الشيخ في الفهرست إلى الفضل، لأمكن الاستناد إليه في مثل هذه الرواية، إلَّا أنَّ هذا الطريق لا يخلو من جهة إشكال سندي، ومن هنا لا تكفي رواية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) وحدها لتصحيح الخبر بلا ضميمة.
ثانياً: طريق الشيخ النعماني (رحمه الله) إلى الرواية:
الرواية نفسها موجودة في غيبة الشيخ النعماني (رحمه الله) بطرق متعدِّدة، وهذا مما يخفِّف الإشكال المتقدِّم في طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه).
روى (رحمه الله) في الغيبة(٢٥): أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة، عن ابن محبوب، وأخبرنا محمد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدَّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، قال: وحدَّثني محمد بن عمران،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الغيبة - ابن أبي زينب النعماني: ص٢٨٨.

(٣٨)

قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: وحدَّثنا علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، جميعاً، عن الحسن بن محبوب، قال: وحدَّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): «يا جابر، الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عنِّي، ومنادٍ ينادي من السماء...».
ومقتضى ظاهر هذا النقل أنَّ النعماني (رحمه الله) ساق عدَّة طرق تنتهي إلى الحسن بن محبوب، ثم يروي ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي.
ومن أهم هذه الطرق ما ينقله النعماني عن أستاذه الشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٦)، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ثم يقع الاشتراك في الحسن بن محبوب.
وبيان ذلك: أنَّ قوله: (جميعاً، عن الحسن بن محبوب) ظاهر في رجوع الطرق المذكورة قبلها إلى الحسن بن محبوب، وبما أنَّ إبراهيم بن هاشم في طبقة من يروي عن الحسن بن محبوب، فيكون مفاد أحد الطرق: النعماني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) والشيخ النعماني من تلامذة الشيخ الكليني (رضي الله عنه) المعروفين، وممن ارتبطوا بنسخة كتاب الكافي ارتباطاً مباشراً، فقد نُقل أنَّه لازم الشيخ الكليني (رضي الله عنه) مدَّة طويلة، وعمل معه في نسخ الكتاب وضبطه، حتَّى عُدَّت نسخة النعماني -إلى جانب نسخة الصفواني- من النسخ المعتمدة في انتقال الكافي.
ومن هنا فإنَّ روايته عن الشيخ الكليني (رضي الله عنه) في هذا الموضع هي رواية تلميذ قريب من أستاذه، له صلة خاصة بكتابه ونقله.

(٣٩)

وهذا طريق لا بأس به في نفسه، لولا الكلام في عمرو بن أبي المقدام وجابر.
أمَّا الطرق الأخرى المذكورة في كلام النعماني (رحمه الله)، فبعضها لا يخلو من ضعف أو كلام، كطريق سهل بن زياد، أو طريق أحمد بن هلال، إلَّا أنَّ وجود الطريق المتقدِّم كافٍ في دفع أصل الإشكال لو تمَّت حال من بعد الحسن بن محبوب.
ثالثاً: الكلام في عمرو بن أبي المقدام:
يبقى في هذا الطريق عمرو بن أبي المقدام، وقد وقع الكلام في وثاقته، والذي يمكن اعتماده في المقام أنَّ عمرو بن أبي المقدام قد روى عنه ابن أبي عمير بسند صحيح(٢٧)، كما روى عنه صفوان أيضاً بسند صحيح(٢٨)، وبناءً على المبنى المعروف في إفادة رواية ابن أبي عمير وصفوان وأمثالهما عن شخص للاعتماد عليه، يثبت اعتبار عمرو بن أبي المقدام من هذه الجهة، وعلى هذا المبنى لا يكون عمرو مانعاً من تصحيح الطريق، ويبقى الكلام في جابر بن يزيد الجعفي.
رابعاً: الكلام في جابر بن يزيد الجعفي:
جابر بن يزيد الجعفي من الرواة الذين وقع الكلام فيهم كثيراً، لا لأنَّ كلمات الرجاليين اتَّفقت على تضعيفه، بل لأنَّ في ترجمته جهات متعارضة بدواً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) في الكافي، ج٨، ص٢٠٩: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «خرجت أنا وأبي حتَّى إذا كنَّا بين القبر والمنبر إذا هو بأناس من الشيعة، فسلَّم عليهم ثم قال: إنِّي والله لأحب رياحكم وأرواحكم فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد...».
(٢٨) في تهذيب الأحكام، ج١، ص٢١٢: وأخبرني الشيخ (أيَّده الله تعالى) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عمرو بن أبي المقدم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنَّه وصف التيمم فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينه وكفيه مرة واحدة).

(٤٠)

فمن جهة وردت فيه كلمات مدح وتصديق، ومن جهة أخرى ورد في كلام النجاشي (رحمه الله) وصفه بالاختلاط، كما وردت رواية صحيحة السند ظاهرها إنكار بعض أحاديثه.
ومن هنا لابدَّ من تحرير محلّ الإشكال بدقة، في نقاط:
١- كلمات الرجاليين في جابر: قال النجاشي في ترجمة جابر ما حاصله(٢٩): إنَّ جماعة رووا عنه وغُمز فيهم لما رووا عنه، منهم عمرو بن شمر، ويوسف بن يعقوب، ثم قال: (وكان في نفسه مختلطاً)، وذكر أنَّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) كان ينشد أشعاراً تدل على الاختلاط، ثم أضاف أنَّ الرواية عنه في الحلال والحرام قليلة.
وهذه العبارة هي أهم ما يتمسَّك به للتوقُّف في جابر، لا سيما قوله: (وكان في نفسه مختلطاً)، إلَّا أنَّ النجاشي (رحمه الله) لم يصرِّح بأنَّه كذَّاب أو ضعيف في نفسه، بل أشار إلى الاختلاط، وإلى أنَّ الغمز وقع في جماعة رووا عنه.
وأمَّا الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، فقد ذكر جابراً في الفهرست(٣٠)، وذكره في رجاله(٣١) في أصحاب الباقر وأصحاب الصادق (عليهما السلام)، ولم يورد فيه قدحاً ولا مدحاً صريحاً.
وكذلك ذكره البرقي من غير تعرُّض لقدح أو مدح(٣٢).
وكذلك عدَّه ابن شهرآشوب في المناقب من خواص أصحاب الصادق (عليه السلام).
ونقل العلامة (قدّس سرّه) في الخلاصة عن العقيقي وابن عقدة ما يتضمَّن ترحُّم الإمام الصادق (عليه السلام) عليه، وأنَّه قال في حقِّه: «إنَّه لا يكذب علينا».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الفهرست: ص١٢٨.
(٣٠) الفهرست - الشيخ الطوسي: ص٩٥.
(٣١) الأبواب (رجال الطوسي) - الشيخ الطوسي: ص١٢٩، ص١٧٦.
(٣٢) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي: ج٤، ص٣٣٨، وهكذا في بقية الموارد إلى الكشي.

(٤١)

ونقل العلامة (قدّس سرّه) أيضاً عن ابن الغضائري (رحمه الله) أنَّ جابراً ثقة في نفسه، إلَّا أنَّ جلّ من روى عنه ضعيف.
وهذه الجملة الأخيرة مهمة في المقام، لأنَّها تفصل بين وثاقة جابر في نفسه وبين ضعف كثير ممن روى عنه، فلو كان طريق الرواية إلى جابر صحيحاً، لم يصح إسقاطها بمجرَّد أنَّ كثيراً من الرواة عنه ضعفاء، إلَّا إذا كان الراوي عنه في هذا الطريق من أولئك الضعفاء، أمَّا في محلِّ الكلام فالرواية تنتهي إليه بواسطة عمرو بن أبي المقدام بعد الحسن بن محبوب، وقد تقدَّم إمكان تصحيح عمرو على المبنى المذكور.
وفي مقابل ذلك، عدَّه الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في رسالته العددية من الفقهاء الأعلام الذين لا مطعن فيهم، ولا طريق إلى ذمِّ واحد منهم(٣٣).
٢- روايات الكشي (رحمه الله) في جابر (رحمه الله)(٣٤): روى الكشي في جابر روايات كثيرة، إلَّا أنَّ أكثرها لا يخلو من ضعف سندي، والعمدة في المقام روايتان معتبرتان:
الرواية الأولى: ما رواه عن حمدويه وإبراهيم، قالا: حدَّثنا محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، قال: اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي، فقلت لهم: أسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فلمَّا دخلت ابتدأني فقال: «رحم الله جابر الجعفي، كان يصدق علينا، لعن الله المغيرة بن سعيد، كان يكذب علينا».
وهذه الرواية معتبرة السند، ودلالتها واضحة على تصديق جابر، بل هي في مقام المقابلة بينه وبين المغيرة بن سعيد الذي كان يكذب عليهم، فيكون ظاهرها أنَّ جابراً ليس من هذا الباب، بل كان صادقاً فيما يرويه عنهم (عليهم السلام).
الرواية الثانية: ما رواه عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، قالا: حدَّثنا محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي: ج٤، ص٣٣٨.
(٣٤) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٤٣٦.

(٤٢)

أبا عبد الله (عليه السلام) عن أحاديث جابر، فقال: «ما رأيته عند أبي قط إلَّا مرَّة واحدة، وما دخل عليَّ قط»، وهذه الرواية أيضاً صحيحة السند، وهي ظاهرة بدواً في إنكار بعض ما ينسب إلى جابر، أو في دفع الاعتماد على أحاديثه، لأنَّ سؤال زرارة كان عن أحاديث جابر، فجاء الجواب بما ظاهره أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يعرف كثرة ملاقاته لأبيه (عليه السلام) ولا دخوله عليه.
وعليه، فالذي يصلح أن يعارض أدلة المدح والتوثيق أمران:
- عبارة النجاشي (رحمه الله) في الاختلاط.
- وهذه الرواية الثانية عن زرارة.
وأمَّا مجرَّد وجود روايات ضعيفة مادحة أو قادحة فلا ينهض بنفسه لترجيح أحد الطرفين.
٣- معنى الاختلاط في كلام النجاشي (رحمه الله): لفظ (مختلط) وما يقاربه من (مخلّط) من الألفاظ الرجالية التي تحتاج إلى تحرير، لأنَّ الحكم على جابر يتوقَّف على فهم المراد منها في مورد استعمالها.
وقد ذكرت في معنى هذا العنوان عدَّة احتمالات:
الأوَّل: أن يراد به فساد العقيدة(٣٥)، لا بمعنى الخروج عن الإمامية رأساً، وإلَّا لعبَّروا عنه بالوقف أو الفطحية أو غير ذلك، بل بمعنى وجود شائبة أو ميل أو اضطراب في بعض الآراء والمعتقدات مما لا يخرجه عن أصل الانتماء إلى الطائفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) في عدَّة الرجال للسيد محسن الأعرجي (ج١، ص١٦٤): (نعم قولهم: (مختلط مخلّط) ظاهر في القدح، لظهوره في فساد العقيدة).
وفي نهاية الدراية للسيد حسن الصدر (ص٤٣٦): (ومنها: (مخلط): إذا قيل على الإطلاق، فيراد أنَّه مخلط في نفسه واعتقاده، كمختلط الأمر... ثم إنِّي عثرت على حديث في التهذيب يدل على استعمال الإمام لفظ مخلط فيما ذكرنا من فساد المذهب، رواه الشيخ عن إسماعيل الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يتبرأ من أعدائه ويقول هو أحبّ إليَّ، فقال (عليه السلام): «هو مخلط وهو عدو لا تصل خلفه، ولا كرامة، إلَّا أن تتَّقيه»).

(٤٣)

الثاني: أن يراد به عدم الانضباط في الرواية، بأن يجمع الراوي بين الغثِّ والسمين، أو يروي الصحيح والسقيم، أو لا يتحفَّظ فيمن يأخذ عنه، فيكون في مروياته نوع اختلاط وتفاوت لا في أصل صدقه ووثاقته(٣٦).
الثالث: أن يراد به فساد العقل أو الجنون، وهو معنى لغوي معروف في مادة الاختلاط، كما يقال(٣٧): اختلط عقله.
ولابدَّ في تعيين المراد من ملاحظة المورد والقرائن(٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) أُطلق على جماعةٍ، منهم محمد بن جعفر بن أحمد بن بطة، قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في الفهرست (ص٣٧٣): (وقال ابن الوليد: كان محمد بن جعفر بن بطة ضعيفاً مخلطاً فيما يسنده).
ومنهم علي بن أحمد العقيقي، قال الشيخ الطوسي في رجاله: مخلِّط. [الأبواب (رجال الطوسي) - الشيخ الطوسي: ص٤٣٤].
ومنهم الشيخ ابن إدريس، فقد نقل علي بن بابويه منتجب الدين في فهرسته عن الشيخ سديد الدين محمود الحمصي -من علمائنا ويُعبَّر عنه بشيخنا- أنَّه قال في حقِّ ابن إدريس: هو مخلِّط، لا يعتمد على تصنيفه.
[فهرست منتجب الدين - منتجب الدين بن بابويه: ص١١٣].
(٣٧) المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده (ج٥، ص١١٤): (خلط: خلط الشيء بالشيء يَخلِطه خَلطاً، وخَلّطه فاختلط: مَزَجهُ. وخالط الشيءُ الشيءَ مُخالطةً وخِلاطاً: مازجه. والخِلْط: ما خالط الشيء، وجمعه: أخلاط).
(٣٨) وينبغي هنا التفريق بين (المخلِّط) و(المختلط):
فالظاهر أنَّ وصف (المخلِّط) يطلق غالباً على الشخص، فيقال: فلان مخلِّط، أي يجمع بين أمور غير متناسقة، سواء كان ذلك في الرواية أو في غيرها.
وأمَّا وصف (المختلط): فقد يطلق على الشخص، وقد يطلق على الكتاب أيضاً، فيقال: كتاب مختلط، أي يشتمل على مواد متفاوتة، فيها الصحيح وغير الصحيح، أو الموافق للسياق العام لعقائد الطائفة والشاذ عنه.
قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في الفهرست، ص٣٢٩: (أبو جعفر القمي ذكره القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتَّى دسّ عليه من يفتك به، فوجده يصلِّي من أوَّل اللَّيل إلى آخره فتوقَّفوا عنه...).
وكذا قال الشيخ (قدّس سرّه) في الفهرست، ص٢٢٠: (محمد بن أورمة، له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد، وفي رواياته تخليط، أخبرنا بجميعها - إلَّا ما كان فيها من تخليط أو غلو - ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عنه).
فالحاصل: أنَّ (الاختلاط) إذا أطلق على كتاب كان معناه اشتماله على مواد غير متجانسة من حيث الصحة والاعتبار أو من حيث المضمون، وإذا أطلق على راوٍ احتمل أن يكون المراد اضطراب مروياته وعدم انضباطها، لا القدح في أصل صدقه ووثاقته، إلَّا أن تقوم قرينة خاصة على إرادة معنى أشد.

(٤٤)

أمَّا حمل الاختلاط في جابر على الجنون الواقعي فبعيد جدًّا، لأنَّ ما ورد في بعض الأخبار من إظهار جابر للجنون كان بأمر الإمام (عليه السلام) ولغرض حفظه من بطش السلطة(٣٩)، لا أنَّه كان فاسد العقل حقيقة.
ومن البعيد أن يخفى هذا على النجاشي (رحمه الله) أو الشيخ المفيد (قدّس سرّه)، بحيث يجعلان هذا الإظهار الاختياري شاهداً على اختلاله الواقعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) في الكافي، ج١، ص٣٩٦: بسنده عن النعمان بن بشير، قال: كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفي، فلمَّا أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر (عليه السلام) فودعه وخرج من عنده وهو مسرور حتَّى وردنا الأخيرجة، أوَّل منزل نعدل من فيد، إلى المدينة يوم جمعة فصلَّينا الزوال، فلمَّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتباً، فناوله جابراً فتناوله فقبله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيدي؟ فقال: الساعة، فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة، ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتَّى أتى على آخره، ثم أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتَّى وافى الكوفة، فلمَّا وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي، فلمَّا أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب، قد علَّقها وقد ركب قصبة وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور، وأبياتاً من نحو هذا، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع عليَّ وعليه الصبيان والناس، وجاء حتَّى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان، والناس يقولون: جنَّ جابر بن يزيد جن، فوالله ما مضت الأيام حتَّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث، وحجَّ فجنَّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم، قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله، قال: ولم تمض الأيام حتَّى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر).
وقد روي في الكشي، ج٢، ص٤٤٣: بسنده عن علي بن عبد الله، قال: (خرج جابر ذات يوم وعلى رأسه قوصرة راكباً قصبة حتَّى مرَّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جنَّ جابر جنَّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أياماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه. قال: فسأل عنه الأمير فشهدوا عنده أنَّه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام فلم يتعرَّض له، ثم رجع إلى ما كان من حاله الأوَّل).

(٤٥)

وأمَّا حمله على فساد العقيدة، فلا شاهد واضح عليه في حقِّ جابر، خصوصاً مع ما تقدَّم من كلمات المدح، وعدّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) له فيمن لا مطعن فيهم، ورواية الكشي (رحمه الله) المعتبرة الدالة على أنَّه كان يصدق عليهم.
فالأنسب أن يراد بالاختلاط في جابر ما يرجع إلى جهة مروياته ومضامينه، لا إلى أصل صدقه، فهو راوٍ صدرت عنه روايات ذات مضامين عالية وغريبة على أذهان كثير من الأصحاب، مما أوجب اضطراب الموقف من أحاديثه، لا بالضرورة من شخصه، وهذا المعنى يناسب أصل المادة اللغوية، لأنَّ الاختلاط يرجع إلى المزج وعدم الجريان على نسق واحد بحسب نظر المتلقِّي.
ويؤيِّد هذا أنَّ السؤال في الروايات الصحيحة لم يكن عن شخص جابر بما هو ثقة أو غير ثقة، بل عن (أحاديث جابر)، فقد قال زياد بن أبي الحلال: (اختلف أصحابنا في أحاديث جابر)، وسأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن (أحاديث جابر)، وهذا ظاهر في أنَّ محلّ الاستغراب كان مضامين الأحاديث وما تشتمل عليه، لا أصل صدق الرجل في نفسه.
بل يمكن أن يقال: إنَّ سؤال أمثال زرارة وزياد بن أبي الحلال عن أحاديثه، لا عن وثاقته، يستبطن في الجملة أنَّ أصل الرجل لم يكن ساقطاً عندهم، وإنَّما كانت المشكلة في غرابة ما يرويه وعلو مضامينه، ولو كان الإشكال في كذبه أو عدم وثاقته رأساً، لكان السؤال أنسب بحاله من هذه الجهة.
وعلى هذا، فقوله: (كان في نفسه مختلطاً) لا ينهض وحده لإسقاط وثاقته، فضلاً عن معارضة النص المعتبر الدال على أنَّه «كان يصدق علينا».
٤- الجمع بين روايتي المدح والإنكار: تبقى رواية زرارة الصحيحة، فإنَّ ظاهرها الأوَّلي إنكار أحاديث جابر، إذ قال الإمام (عليه السلام): «ما رأيته عند أبي قط إلَّا مرَّة واحدة، وما دخل عليَّ قط»، وهذه الرواية لو أخذ بظاهرها البدوي فقد تصلح لمعارضة رواية زياد بن أبي الحلال الدالة على صدق جابر.

(٤٦)

إلَّا أنَّ الجمع العرفي بين الروايتين ممكن، بل قريب، بحمل الإنكار في رواية زرارة على التقية بالمعنى الواسع، أو على إرادة منع إذاعة بعض المضامين التي كان جابر يرويها.
ووجه ذلك: أنَّ في جملة من الأخبار ما يدل على أنَّ جابراً كان يحمل مضامين خاصة لا يراد إشاعتها بين عامة الناس، بل ولا بين كل طبقات الشيعة.
ومن شواهد ذلك ما رواه الكشي (رحمه الله)، وهي كثيرة ، ومنها(٤٠):
الرواية الأولى: في الكشي بسنده إلى علي بن حسان، عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير جابر؟ فقال: «لا تحدِّث به السفلة فيذيعونه، أما تقرأ في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدَّثِّر: ٨]، إنَّ منَّا إماماً مستتراً فإذا أراد الله إظهار أمره نكت في قلبه، فظهر فقام بأمر الله».
الرواية الثانية: في الكشي بسنده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وأنا شاب، فقال: «من أنت»؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: «ممن»؟ قلت: من جعفي، قال: «ما أقدمك إلى هاهنا»؟ قلت: طلب العلم، قال: «ممن»؟ قلت: منك، قال: «فإذا سألك أحد من أين أنت»؟ فقل: من أهل المدينة... قال: ودفع إليَّ كتاباً وقال لي: «إن أنت حدَّثت به حتَّى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي»، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر، ثم قال: «وهاك هذا، فإن حدَّثتَ بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي».
الرواية الثالثة: في الكشي بسنده إلى دريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جابر الجعفي وما روى؟ فلم يجبني، وأظنّه قال: سألته بجمع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٤٣٧، وما بعدها.

(٤٧)

فلم يجبني، فسألته الثالثة؟ فقال لي: «يا ذريح دع ذكر جابر، فإنَّ السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنعوا»، أو قال: «أذاعوا».
الرواية الرابعة: في الكشي بسنده إلى جابر بن يزيد الجعفي، قال: حدَّثني أبو جعفر (عليه السلام) سبعين ألف حديث لم أحدِّث بها أحداً قط ولا أحدِّث بها أحداً، قال جابر: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إنَّك قد حمَّلتني وقراً عظيماً بما حدَّثتني به من سرِّكم الذي لا أحدِّث به أحداً، فربَّما جاش في صدري حتَّى يأخذني منه شبه الجنون، قال: «يا جابر، فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبّان فاحفر حفيرة ودل رأسك فيها، ثم قل: حدَّثني محمد بن علي بكذا وكذا».
وروايات كثيرة تشير إلى هذا المطلب، وهو أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لا يريدون إذاعة أحاديث جابر أو شيوعها بين الناس، وهذا يكشف عن وجود منزلةٍ خاصةٍ لجابر عند الأئمة (عليهم السلام)، وأنَّهم أعطوه الشيء الكثير من أسرار آل محمد (صلَّى الله عليه وآله)، والأئمة (عليهم السلام) لا يريدون إشاعتها وإذاعتها بين الناس.
وهذه الروايات وإن لم تتم أسانيدها جميعاً، إلَّا أنَّ مجموعها يصلح شاهداً على وجود جو روائي خاص حول أحاديث جابر.
وعلى هذا الجمع تكون رواية زياد بن أبي الحلال ناظرة إلى صدق جابر في نفسه، وأنَّه ليس كالمغيرة بن سعيد ممن يكذب على الأئمة (عليهم السلام)، بينما تكون رواية زرارة ناظرة إلى منع إذاعة بعض أحاديثه أو إلى دفع تبعاتها في ظرف خاص، وبذلك لا تقع المعارضة المستحكمة بينهما.
ولا أقل من أنَّ هذا الجمع محتمل احتمالاً قويًّا تشهد له الأخبار المتقدِّمة، ومعه لا يصح رفع اليد عن أدلة مدح جابر وتصديقه، ولا عن تصريح من صرَّح بوثاقته في نفسه.

(٤٨)

فتحصَّل أنَّ رواية جابر لا تسقط من جهة جابر بن يزيد الجعفي، بعد إمكان حمل الاختلاط على جهة مروياته لا على كذبه، وبعد إمكان الجمع بين رواية المدح ورواية الإنكار.
نعم، اعتبارها يبقى مبنياً على تمامية طريق النعماني (رحمه الله)، وعلى المبنى الرجالي في توثيق عمرو بن أبي المقدام برواية ابن أبي عمير وصفوان عنه.
المحصلة من روايات السكون:
بعد استعراض الأخبار، يقع الكلام في المقدار الذي تنهض به هذه الطائفة دلالياً.
ويمكن تقريب الاستدلال بها على نفي مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عليه السلام) بوجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّ الأوامر الواردة بلزوم البيت والسكون ظاهرة في حرمة الخروج قبل العلامات.
الوجه الثاني: أنَّ النهي عن الالتحاق بالخارجين يكشف عن عدم مشروعية خروجهم، إذ لو كان خروجهم مشروعاً لما نهي المؤمنون عن الالتحاق بهم على نحو الإطلاق.
إلَّا أنَّ هذين الوجهين يواجهان عدَّة مناقشات:
المناقشة الأولى: احتمال القضية الخارجية:
حديث سدير -وهو العمدة- خطاب شخصي، فلا يتعدَّى منه إلى غيره إلَّا بإلغاء الخصوصية.
وإلغاء الخصوصية يتوقَّف على قرينة، وهي إمَّا الأخبار العامة، أو القطع بعدم خصوصية المخاطب.

(٤٩)

وقد تقدَّم أنَّ القطع بعدم الخصوصية مشكل بلحاظ احتمال كون سدير محسوباً على الإمام (عليه السلام).
نعم، الروايات الأخرى بصيغ الجمع تساعد على إلغاء هذه الخصوصية، إلَّا أنَّ أكثرها لا يخلو من كلام سندي أو دلالي.
المناقشة الثانية: احتمال الاختصاص بالخروج مع مدَّعي المهدوية:
كثير من روايات السكون جعلت الغاية خروج السفياني، أو النداء من السماء، أو الخسف بالجيش، أو ظهور الطاهر ابن الطاهر.
وهذه علامات مرتبطة بتمييز الظهور الحق من الدعاوى الباطلة.
ومن هنا يحتمل أن تكون الروايات واردة في مقام التحذير من الالتحاق بمن يرفع راية المهدوية قبل تحقُّق العلامات، لا في مقام نفي كل حركة سياسية أو كل تصدٍّ شرعي في عصر الغيبة.
وهذا الاحتمال ليس بعيداً، لأنَّ وظيفة العلامات في هذه النصوص هي بيان الفاصل بين الدعوة المهدوية الصادقة والدعوات الكاذبة.
فإذا قيل: (لا تتحرَّك حتَّى ترى العلامات)، فالمناسب أنَّ المراد: لا تتحرَّك مع من يدَّعي أنَّه صاحب الأمر أو يمثِّل الظهور الموعود قبل تحقُّق علاماته.
المناقشة الثالثة: احتمال الاختصاص بمن يدعو إلى نفسه:
بعض الأخبار الواردة في باب الرايات والخروج ظاهر أو محتمل في النهي عمَّن يدعو إلى نفسه في مقابل الإمام (عليه السلام)، أو يرفع راية استقلالية غير مندرجة في خط أهل البيت (عليهم السلام).
وهذا غير محل الكلام، لأنَّ البحث في مشروعية التصدِّي إنَّما هو في طول ولاية الإمام (عليه السلام)، لا في عرضها، ولا بعنوان الدعوة إلى النفس أو الاستقلال عن الإمام.

(٥٠)

المناقشة الرابعة: احتمال الاختصاص بالخروج المسلح:
قد تكون طائفة من هذه الأخبار ناظرة إلى الخروج المسلح الذي يفضي عادة إلى إراقة الدماء، وإزهاق النفوس، وإثارة الفتن قبل توفُّر الشرائط الشرعية والموضوعية.
وهذا أيضاً أخص من محلِّ النزاع، فإنَّ الكلام في بعض صوره ليس في الخروج المسلَّح على سلطان قائم، بل في فرض التمكُّن من استلام السلطة أو إدارتها بوجه لا يستلزم تلك المحاذير، أو في فرض عرض السلطة على الفقيه، أو في إقامة نظام عام يحفظ بيضة الإسلام ومصالح المسلمين.
فإذا كان مورد الروايات هو الخروج القتالي أو الالتحاق بالرايات المسلَّحة، لم يصح جعلها دليلاً على نفي مطلق مشروعية التصدِّي السياسي أو الحِسبي.
النسبة بين هذه الروايات ودليل الحسبة:
إذا تقرَّر أنَّ الروايات المتقدِّمة لا تنهض لنفي مطلق مشروعية التصدِّي في عصر الغيبة، فلابدَّ من ملاحظة نسبتها إلى دليل الحسبة.
وتقريب دليل الحسبة في المقام يتألَّف من مقدّمتين:
الأولى: أنَّ إدارة شؤون المسلمين، وحفظ نظامهم، ومنع تسلُّط الكفار والفساق والظلمة عليهم، من الأمور التي يقطع بعدم رضا الشارع بإهمالها عند الإمكان، وهذا هو معنى دخولها في الأمور الحسبية بالمعنى العام.
الثانية: أنَّ القدر المتيقَّن ممن يصلح للتصدِّي لمثل هذه الوظيفة هو الفقيه الجامع للشرائط، إمَّا لكونه الأعلم بالأحكام والأقدر على تشخيص الوظائف الشرعية، وإمَّا لما دلَّ من الأدلة اللفظية على نيابته أو مرجعيته في موارد الحكم والقضاء والنظر في شؤون الأُمَّة.

(٥١)

والنتيجة: أنَّه مع الإمكان وعدم ترتُّب محذور أهم، يكون تصدِّي الفقيه لإدارة الشأن العام مشروعاً من باب الحسبة على الأقل، لا بالضرورة من باب الولاية العامة المصطلحة، إلَّا إذا تمَّت أدلة الولاية بعنوانها.
ولا تصلح روايات السكون لرفع اليد عن هذا الدليل إلَّا إذا ثبت أنَّها ناظرة إلى نفي مطلق التصدِّي قبل الظهور.
وقد عرفت أنَّ هذا الإطلاق غير ثابت، بل في البين احتمالات معتدٌّ بها تمنع من التمسُّك بها لنفي محلِّ الكلام.
فإن قيل: مقتضى إطلاق «الزم بيتك» و«اسكنوا» هو نفي كلّ حركة، فيقدم على دليل الحسبة.
قيل: إنَّ الإطلاق إنَّما يتم إذا أحرز كون المتكلِّم في مقام البيان من جهة كل أنحاء الحركة.
أمَّا مع وجود قرائن العلامات في الروايات، وسياق التحذير من الرايات، واحتمال النظر إلى مدَّعي المهدوية أو الداعي إلى نفسه أو الخروج المسلَّح، فلا ينعقد إطلاق صالح لنفي التصدِّي الحِسبي المشروع.
وفوق ذلك، فإنَّ دليل الحسبة ناظر إلى مورد يقطع فيه بعدم رضا الشارع بالإهمال، فلا يرفع اليد عنه إلَّا بنص واضح الدلالة على المنع، وطائفة السكون ليست كذلك.
النتيجة النهائية:
إنَّ روايات السكون وأحلاس البيوت تثبت -في أقصى ما تنهض به دلالتها- النهي عن الالتحاق بالرايات غير المأذونة، ولا سيما الرايات المدَّعية للمهدوية أو الداعية إلى النفس أو المثيرة للفتنة قبل تحقُّق العلامات.

(٥٢)

أمَّا نفي مشروعية مطلق التصدِّي الشرعي، أو استلام السلطة من باب الحسبة عند الإمكان وبلا محذور أهم، فليس مدلولاً تامًّا لهذه الروايات.
وعليه، فالصحيح التفصيل، لا الإطلاق، فكل خروج كان في عرض الإمام (عليه السلام)، أو بعنوان الدعوة إلى النفس، أو بدعوى المهدوية، أو مستلزماً لمحذور أهم من الفتنة وسفك الدماء، فهو داخل في مورد النهي.
وأمَّا التصدِّي الحِسبي المنضبط بضوابط الشرع، الواقع في طول ولاية الإمام (عليه السلام)، ومع تحقُّق القدرة وعدم المزاحم الأهم، فلا تنهض هذه الطائفة بنفسها لنفي مشروعيته.

(٥٣)

 

عوامل عدم التسليم للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وطرق علاجها
 

السيد علي السيد محمد حسين الحكيم

 

عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لَمْ تَبْقَ الأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا مِنَّا عَالِمٌ، يَعْرِفُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ، قَالَ إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ، فَإِذَا بَلَغَتِ التَّقِيَّةُ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّةَ، وَأيْمُ اللهِ لَوْ دُعِيتُمْ لِتَنْصُرُونَا، لَقُلْتُمْ لَا نَفْعَلُ إِنَّمَا نَتَّقِي، وَلَكَانَتِ التَّقِيَّةُ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَوْ قَدْ قَامَ القَائِمُ، مَا احْتَاجَ إِلَى مُسَاءَلَتِكُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَأَقَامَ فِي كَثِيرٍ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ حَدَّ اللهِ»(١).
بما أنَّنا بعيدون عن معاشرة الأئمة (عليهم السلام) فلم نتعوَّد على أن نتعامل مع الولي المطلق، ومن له ولاية تكوينية وتشريعية، ومعصوم من الخطأ، وعالم بالغيب، بل كل تعاملنا مع أناس أقصى ما يكونون مجتهدين ليس لهم ولاية ولا علم غيب، فقد لا نكون على استعداد تام لحال ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) بل قد تصدر منا معصية لبعض أوامره إذا كانت فيها نوع من الغرابة والشدة، أو التأثير على الحياة العامة، أو تمس الأهل أو المال، فلا نستغرب من ذلك ونتصوَّر أنفسنا بمنأى عن المعصية له (عجَّل الله فرجه) بما أنَّنا متلهفون ومتشوِّقون لظهوره، لأنَّ العوامل الموجبة لعدم الطاعة كثيرة وقد تسببت بانحراف كثيرين، وبهذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي: ج٦، ص٣٩٩.

(٥٥)

العجالة نستعرض بعض ما خطر في الذهن من عوامل تمنع التسليم المطلق للإمام (عجَّل الله فرجه).
من العوامل الموجبة إمَّا للتقصير أو عدم الامتثال للأمر:
العامل الأوَّل: خفاء مقام الطرف الآخر:
كما حصل مع نبيِّنا موسى والخضر (عليهما السلام) حيث خفي على نبي الله موسى (عليه السلام) ما عند الخضر (عليه السلام) من العلم وكونه مطَّلعاً على الغيب الذي هو لم يكن بعد مطَّلعاً عليه، ومع أنَّه هو من طلب مرافقة الخضر على أن يتعلَّم منه قائلاً: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٦) إلَّا أنه اعترض عليه حينما لم يعرف وجه الحكمة وخفي عليه أمر الغيب في تصرفه، وليس هذا غريباً مع أئمتنا (عليهم السلام)، فهذا هو ما جعل خُلَّص أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) يعترضون على مشروع الصلح الذي قام به (عليه السلام) مع معاوية حتَّى اعترضوا عليه أشد الاعتراضات، وردَّ عليهم (عليه السلام) كما ورد عن أبي سعيد عقيصا، قال: قلت للحسن بن علي بن أبي طالب: يا بن رسول الله، لِـمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أنَّ الحق لك دونه وأنَّ معاوية ضالٌّ باغ؟ فقال: «يا أبا سعيد ألست حجة الله (تعالى ذكره) على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)»؟ قلت: بلى، قال: «ألست الذي قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»؟ قلت: بلى، قال: «فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذ لو قعدت، يا أبا سعيد علَّة مصالحتي لمعاوية علَّة مصالحة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله (تعالى ذكره) لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر (عليه السلام) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه

(٥٦)

حتَّى أخبره فرضي، هكذا أنا، سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلَّا قتل»(٢).
ويمكن أن نقع بنفس ما وقع به غيرنا من الاعتراض عليه (عجَّل الله فرجه) إذا قتل من نراه لا ينبغي قتله أو فعل فعلاً بحسب نظرنا القاصر لا ينبغي فعله.
العامل الثاني: الفتنة:
كما حصل للزبير مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمن يرى موقفه يوم السقيفة وشدَّة دفاعه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن أحقيته بمنصب الإمامة وشدَّة اعتراضه على ما جرى في السقيفة يتمنَّى أنَّه قتل قبل أن يدرك إمامة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخرج لحربه في معركة الجمل، وذلك بسبب افتتانه بولده عبد الله حتَّى قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقِّه: «مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتَّى نشأ ولده المشؤوم عبد الله»(٣)، وكم كان الولد أو الزوجة أو المال أو المنصب أو الجاه فتنة ومانعاً عن اتِّباع الحق.
ومن الفتن التي ذكرتها الروايات، وذكرت أنَّها من أسباب الانحراف عنه (عليه السلام) ما ورد في رجوعه (عليه السلام) شاباً، ففي الغيبة بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنَّه يرجع إليهم شاباً موفقاً لا يثبت عليه إلَّا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأوَّل»(٤).
العامل الثالث: التكبر:
فقد يكون الشخص عارفاً بمقام الآمر لكن يأخذه التكبُّر والتعالي عن الطاعة مع سبق الطاعة منه كما حصل لإبليس لعنه الله مع الله تعالى بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) بحار الأنوار: ج٤٤، ص٢.
(٣) نهج البلاغة: ص٥٥٥، بالرقم ٤٥٣.
(٤) الغيبة للشيخ النعماني: ص١٩٤.

(٥٧)

خلق آدم، فلو كان مات قبل خلق آدم لكان من أقرب المقرَّبين، لكن تكبُّره منعه من امتثال أمر الله تعالى مع علمه بمقام الله تعالى ووجوب طاعته، بل هو كان من أشد المطيعين، فرفض السجود بحجة كونه أشرف من آدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢؛ ص: ٧٦)، مع علمه بأنَّ الله تعالى لا يأمر بشيء عبثاً فتكبره وقياسه الأمور بحسب مقاييسه الجاهلة أوجب عصيانه لأمر الله تعالى مع علمه بمقامه ومنزلته.
العامل الرابع: الطمع:
الذي قد يحصل أيضاً مع معرفة تامة بمقام الطرف الآخر ولكنَّه قد يحصل حتَّى من الأوحدي من الناس ومن هو ذو مقام ومنزلة، فحتَّى من يكون في مقام رفيع قد يقع في فتنة الطمع الدنيوي والوجاهة، كما حصل للواقفة كعلي بن أبي حمزة البطائني وزياد القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، حيث طمعوا بما كان عندهم من مال وما كان لهم عند الناس من مقام وامتنعوا عن طاعة الإمام الرضا (عليه السلام) طمعاً في المال والوجاهة، فقد يصل الإنسان لمقامٍ سامٍ ويمنعه الطمع من طاعة الإمام بما يراه من إقبال الناس عليه وغير ذلك، حيث يرى نفسه متبوعاً وإذا به يكون تابعاً ويزول ما كان تحت يده من مال وجاه ومكانه.
العامل الخامس: الحسد:
وهو أيضاً يكون مع علم تام بمقام الطرف الآخر كما حصل للشلمغاني بحسده للحسين بن روح (رضوان الله عليه) حيث كان يتوقَّع أن يكون هو السفير بدل الحسين بن روح مع أنَّه كان يعرف مقام الحسين بن روح ويعرف مقام الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه) ومع ذلك عصى أمر الإمام (عجَّل الله فرجه) حسداً منه لأنَّه كان يرجو أن تكون السفارة له فمنعه حسده من التسليم والطاعة للإمام (عجَّل الله فرجه).

(٥٨)

ومن أشدِّ النصوص الصادرة من هذا المنحرف قوله الذي يكشف عن نفسيته الحسودة حيث روي عنه: (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) في هذا الأمر إلَّا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)(٥).
العامل السادس: حب الظهور:
أنقل قصة سمعتها عن سيدنا الأستاذ المرجع الديني فقيه أهل البيت (عليهم السلام) السيد محمد سعيد الحكيم (قدّس سرّه) عن شخص من الفضلاء كان يرافقه شخص التفت إلى أنَّه حينما يذكر صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) فإنَّه لا يذكره بتعجيل الفرج، فصار في نفسه أن يتابع ذلك منه حتَّى تأكد من عدم تعجيله ظاهراً، فالتفت إليه وسأله عن سبب ذلك، فقال: إنِّي ألَّفت كتاباً وقد بذلت فيه جهداً أحب أن يعرف فإذا ظهر (عجَّل الله فرجه) من يعرف قيمة كتابي مع وجود من عنده الحكم الواقعي، فقال (قدّس سرّه): سبحان الله نقل أنَّه لم يوفق لا إلى طباعة الكتاب ولا إلى أن يكون له شأن علمي مع ما كان عليه من مقام علمي وهؤلاء وأمثاله من ورد فيهم ما رواه: «ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية، شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم وسمروا ساماتهم وعمهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف»(٦)، وكذلك ما حصل للسامري مع موسى (عليه السلام) حيث كان حب الظهور موجباً لعصيان أمر النبي (عليه السلام)، وصنع العجل والدعوة للشرك وعبادة الأصنام مع معرفته بمقام موسى (عليه السلام) والله (عزَّ وجلَّ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٣٩١.
(٦) تفسير أبي الجارود: ص٣١٨.

(٥٩)

وقد يُسأل حينئذٍ عن كيفية العلاج لذلك:
والجواب: أنَّ هناك العديد من الأمور النافعة، ومنها:
أوَّلاً: قراءة نصوص مقام أهل البيت (عليهم السلام) والتدبُّر فيها:
ليزداد بهم معرفة ويقيناً ولا يتردد في معرفة مقامهم ومنزلتهم عند الله تعالى مثل حديث اللوح(٧) الوارد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قَالَ أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا؟ فَقَالَ لَه جَابِرٌ: أَيَّ الأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَه، فَخَلَا بِه فِي بَعْضِ الأَيَّامِ فَقَالَ لَه: يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَه فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِنْتِ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) ومَا أَخْبَرَتْكَ بِه أُمِّي أَنَّه فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ، فَقَالَ جَابِرٌ: أَشْهَدُ بِالله أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) فَهَنَّيْتُهَا بِوِلَادَةِ الحُسَيْنِ ورَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحاً أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّه مِنْ زُمُرُّدٍ ورَأَيْتُ فِيه كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْه لَوْنِ الشَّمْسِ، فَقُلْتُ لَهَا: بِأَبِي وأُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله)، مَا هَذَا اللَّوْحُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاه الله إِلَى رَسُولِه (صلَّى الله عليه وآله)، فِيه اسْمُ أَبِي واسْمُ بَعْلِي واسْمُ ابْنَيَّ واسْمُ الأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي، وأَعْطَانِيه أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ، قَالَ جَابِرٌ: فَأَعْطَتْنِيه أُمُّكَ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فَقَرَأْتُه واسْتَنْسَخْتُه، فَقَالَ لَه أَبِي: فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَه عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَشَى مَعَه أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ، فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ فَقَرَأَه أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً، فَقَالَ جَابِرٌ: فَأَشْهَدُ بِالله أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُه فِي اللَّوْحِ مَكْتُوباً:
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذَا كِتَابٌ مِنَ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّه ونُورِه وسَفِيرِه وحِجَابِه ودَلِيلِه نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ العَالَمِينَ، عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٥٢٧-٥٢٨، ح٣، باب فيما جاء في الاثني عشر والنص عليهم (عليهم السلام).

(٦٠)

واشْكُرْ نَعْمَائِي ولَا تَجْحَدْ آلَائِي، إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنَا، قَاصِمُ الجَبَّارِينَ ومُدِيلُ المَظْلُومِينَ ودَيَّانُ الدِّينِ، إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنَا، فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُه عَذَاباً لَا أُعَذِّبُه أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ وعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُه وانْقَضَتْ مُدَّتُه إِلَّا جَعَلْتُ لَه وَصِيّاً، وإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الأَوْصِيَاءِ وأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيه، وجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي وأَكْرَمْتُه بِالشَّهَادَةِ وخَتَمْتُ لَه بِالسَّعَادَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وأَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَه وحُجَّتِيَ البَالِغَةَ عِنْدَه، بِعِتْرَتِه أُثِيبُ وأُعَاقِبُ، أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ العَابِدِينَ وزَيْنُ أَوْلِيَائِيَ المَاضِينَ وابْنُه شِبْه جَدِّه المَحْمُودِ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ عِلْمِي والمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي سَيَهْلِكُ المُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ الرَّادُّ عَلَيْه كَالرَّادِّ عَلَيَّ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ ولأَسُرَّنَّه فِي أَشْيَاعِه وأَنْصَارِه وأَوْلِيَائِه أُتِيحَتْ بَعْدَه مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ، لأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ وحُجَّتِي لَا تَخْفَى وأَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالكَأْسِ الأَوْفَى، مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي ومَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ، وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وحَبِيبِي وخِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي ومَنْ أَضَعُ عَلَيْه أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ وأَمْتَحِنُه بِالاضْطِلَاعِ بِهَا يَقْتُلُه عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ يُدْفَنُ فِي المَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا العَبْدُ الصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي، حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَسُرَّنَّه بِمُحَمَّدٍ ابْنِه وخَلِيفَتِه مِنْ بَعْدِه ووَارِثِ عِلْمِه فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي ومَوْضِعُ سِرِّي وحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِه إِلَّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَثْوَاه وشَفَّعْتُه فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِه كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ، وأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِه عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي والشَّاهِدِ فِي خَلْقِي وأَمِينِي عَلَى وَحْيِي أُخْرِجُ مِنْه الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِي والخَازِنَ لِعِلْمِيَ الحَسَنَ، وأُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِه [محمد] رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْه كَمَالُ مُوسَى وبَهَاءُ عِيسَى وصَبْرُ

(٦١)

أَيُّوبَ، فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِه وتُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُؤُوسُ التُّرْكِ والدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ ويُحْرَقُونَ ويَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ، تُصْبَغُ الأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ ويَفْشُو الوَيْلُ والرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً، بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ، وبِهِمْ أَكْشِفُ الزَّلَازِلَ وأَدْفَعُ الآصَارَ والأَغْلَالَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ: قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ لَكَفَاكَ فَصُنْه إِلَّا عَنْ أَهْلِه.
وحديث الأنوار(٨):
قال علي بن الحسين (صلوات الله عليهما): «حدَّثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: يا عباد الله، إنَّ آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبيَّن الأشباح، فقال: يا ربِّ ما هذه الأنوار؟ قال الله (عزَّ وجلَّ): أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح، فقال آدم: يا ربّ لو بيَّنتها لي، فقال الله تعالى: انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فنظر آدم - ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم - على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا، فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ فقال الله: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي وبرياتي: هذا محمد وأنا الحميد والمحمود في أفعالي شققت له اسماً من اسمي، وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له اسماً من اسمي، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعتريهم ويشينهم فشققت لها اسماً من اسمي، وهذا الحسن وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل شققت لها اسماً من اسمي، هؤلاء خيار خليقتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص٢١٩.

(٦٢)

وكرام بريتي، بهم آخذ وبهم أعطي وبهم أعاقب وبهم أثيب، فتوسَّل إليَّ بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إليَّ شفعاءك، فإنِّي آليت على نفسي قسماً حقًّا لا أخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً، فلذلك حين نزلت منه الخطيئة (و خ) دعا الله (عزَّ وجلَّ) بهم فتاب عليه وغفر له».
الثاني: قراءة روايات ضرورة التسليم لهم:
منها: ما عن ابن مسكان عن سدير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنِّي تركت مواليك مختلفين يتبرأ بعضهم من بعض، قال: فقال: «وما أنت وذاك، إنَّما كُلِّف الناس ثلاثة: معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه»(٩).
وما ورد عن عبد الله الكاهلي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لو أنَّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ألَّا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]»، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليكم بالتسليم»(١٠).
وعن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن عندنا رجلاً يقال له كليب، لا يجيء عنكم شيء إلَّا قال: أنا أسلِّم، فسمَّيناه كليب تسليم، قال: فترحَّم عليه، ثم قال: «أتدرون ما التسليم»؟ فسكتنا، فقال: «هو والله الإخبات، قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]»(١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار: ص٥٤٣.
(١٠) المحاسن - البرقي: ص٢٧١.
(١١) الكافي: ج١، ص٣٩١.

(٦٣)

الثالث: قراءة روايات حسن الخلق:
لتتربَّى النفس على الأخلاق الإيمانية وترك التكبُّر والطمع والتعلُّق بالدنيا وحبّ الذات وحبّ الظهور وتتعوَّد على التواضع والقناعة والرضا بما قسم الله تعالى والحب لله تعالى.
الرابع: التعرُّف على سيرة خُلَّص أصحابهم في التسليم لأوامرهم فهم القدوة بذلك:
ومنه ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) مع سهل الخراساني كما في مناقب ابن شهرآشوب: حدث إبراهيم، عن أبي حمزة، عن مأمون الرقي، قال: كنت عند سيدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلم عليه ثم جلس فقال له: يا بن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له (عليه السلام): «اجلس يا خراساني رعى الله حقَّك»، ثم قال: «يا حنيفة أسجري التنور»، فسجرته حتَّى صار كالجمرة وابيضَّ علوه، ثم قال: «يا خراساني، قم فاجلس في التنور»، فقال الخراساني: يا سيدي يا بن رسول الله لا تعذِّبني بالنار، أقلني أقالك الله، قال: «قد أقلتك»، فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا بن رسول الله، فقال له الصادق (عليه السلام): «ألق النعل من يدك، واجلس في التنور»، قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور، وأقبل الإمام (عليه السلام) يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتَّى كأنَّه شاهدٌ لها، ثم قال: «قم يا خراساني وانظر ما في التنور»، قال: فقمت إليه فرأيته متربِّعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال له الإمام (عليه السلام): «كم تجد بخراسان مثل هذا»؟ فقال: والله ولا واحداً، فقال (عليه السلام): «لا والله ولا واحداً»، فقال: «أما إنَّا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص٢٣٧.

(٦٤)

وما ورد عن جعفر بن أحمد بن متيل، قد روى الشيخ(١٣) قال مشايخنا: كنا لا نشك أنَّه إنَّ كانت كائنة من أبي جعفر (يعني محمد بن عثمان) لا يقوم مقامه إلَّا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه لما رأينا من الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله، حتَّى بلغ أنَّه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً إلَّا ما أصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له، وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه، وكان أصحابنا لا يشكون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلَّا إليه من الخصوصية به، فلما كان عند ذلك وقع الاختيار على أبي القاسم سلَّموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (رضي الله عنه)، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم (رضي الله عنه) وبين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات (رضوان الله عليه) إلى آخره.
وروى الشيخ أيضاً(١٤) عن علي بن محمد بن متيل، عن عمه جعفر بن أحمد بن متيل، قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رضوان الله عليه) الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله وأحدِّثه، وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إليَّ ثم قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح.
قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوَّلت إلى عند رجليه.

والحمد لله ربِّ العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٤٠.
(١٤) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٤١.

(٦٥)

 

فتنة التوقيت


الشيخ ميثم السلمان

 

تمهيد:
لم يكن التوقيت في جوهره خطأً زمنيًّا فحسب، بل هو خطأٌ في فهم العلاقة بين الإنسان والقدر، بين المخلوق والزمن، بين الرغبة والحكمة، فحين يسعى الإنسان لأن يحدِّد ساعة الغيب، فإنَّه في الحقيقة لا يبحث عن العلم، بل يبحث عن السيطرة، يريد أن يُخضع المجهول لمقاييس إدراكه المحدود، وأن يُحوِّل الانتظار إلى يقينٍ مُبرمجٍ لا يُفاجئه بشيء، إنَّها محاولةٌ للفرار من القلق الأزلي أمام المجهول، لأنَّ الإنسان لا يحتمل المعلَّق، لا يحتمل الفاصل بين المعرفة والجهل، فيملأ الفراغ بالتخمين، ومن هنا بدأ التوقيت؛ من حاجةٍ نفسيةٍ أكثر منها فكرية، ومن عطشٍ إلى الطمأنينة أكثر منه بحثاً عن الحقيقة.
لقد أراد الله للغيب أن يكون امتحاناً للعقل، لكنّ بعض العقول أرادت أن تُعيد صياغة الامتحان على طريقتها، أن تجعل المجهول معلوماً، والمنتظر محدّداً، والزمن خاضعاً لمعادلاتها، وهنا يُولد الوهم الذي يختلط فيه الإيمان بالغرور؛ لأنَّ من يُريد أن يعرف ما لم يُؤذن له بمعرفته، إنَّما يزعم ضمناً أنَّه شريكٌ في

(٦٧)

علم الله، ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»(١) كلمةٌ قصيرةٌ، لكنَّها كالسيف القاطع تفصل بين حدّ الإيمان وحدّ الادِّعاء.
وليس الكذب هنا مجرَّد خطأٍ في المعلومة، بل هو كذبٌ ontological - كذبٌ في الوجود، لأنَّ من يوقِّت يتحدَّث في منطقةٍ لا يملك فيها لساناً، ويدَّعي النظر في غيبٍ لم يُفتح له بابه، هو كذبٌ في علاقة العبد بربِّه قبل أن يكون كذباً في اللفظ أو الحساب، فالوقّات لا يكذب على الناس فحسب، بل يكذب على الله حين يُوهم نفسه أنَّه يملك معرفةَ ما حجب الله عنه، فينطق بلسانٍ لم يُؤذن له بالكلام، ولهذا كان التحذير في الروايات صارماً، لا لأنَّه مجرَّد نهيٍ أخلاقي، بل لأنَّه دفاعٌ عن حرمة الغيب.
تاريخية ظاهرة التوقيت:
إنَّ ظاهرة التوقيت ليست جديدة، بل هي قديمةٌ قِدَمَ القلق البشريّ، ففي كلِّ زمانٍ كان هناك من يريد أن يُعجِّل الوعد، أن يُعلِن النهاية، أن يُمسِك بمفاتيح الساعة التي لم يُوكَّل بها أحد، من أيَّام الأنبياء إلى عصور الأئمة، ظلَّ هذا الصوت يتكرَّر بأشكالٍ مختلفة: (اقتربت الساعة)، (ظهرت العلامة)، (انتهى الزمن)، حتَّى صار الزمن نفسه أسيراً لتوقُّعات الإنسان، كأنَّ العقل البشريّ يُعيد رسم القدر على صورته.
ولعلَّ أولَ جذور التوقيت كانت في السؤال القرآني القديم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾ (الأعراف: ١٨٧؛ النازعات: ٤٢)، كان السؤال في ظاهره نابعاً من الفضول، لكنه في جوهره كان تمرّداً على الغيب؛ لأنَّ السائل لا يسأل عن الساعة ليتَّعظ، بل ليسبقها، ليُفلت من مفاجأتها؛ ولذلك جاء الجواب إلهيًّا صارماً: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.

(٦٨)

(النازعات: ٤٣-٤٤)، أي: إنَّ السؤال في ذاته غير مشروعٍ إلَّا في حدوده التربوية، لأنَّ الإنسان حين يسأل عن الساعة وهو لم يستعدّ لها، يكون كمن يسأل عن النتيجة قبل أن يجتهد في العمل.
ثمّ تكرَّر السؤال في صورٍ أخرى عبر التاريخ، حتَّى بلغ ذروته في العصور التي اشتدّ فيها الظلم، إذ يصبح الغيب في وعي الناس وعداً بالتعويض، والمهدي رمزاً للخلاص الآتي، وحين يطول الظلم، يُريد الناس أن يُعجِّلوا العدالة، فيستدعوا الغيب إلى حاضرهم، فيخلقوا التوقيت، فالتوقيت في أحد وجوهه هو صرخة المظلوم الذي تعب من الصبر، لكنّها حين تتجاوز حدود الإيمان تصبح فتنةً، لأنَّها تُحوِّل الرجاء إلى استحقاق، وتحوِّل الله تعالى إلى تابعٍ لتوقيتات البشر.
ولذلك، كان كلّ توقيتٍ في التاريخ يُولَد من رحم أزمةٍ اجتماعيةٍ أو فكريةٍ أو سياسية، ثمَّ يلبس لباس الدين ليمنح الناس أملاً عاجلاً، وبهذا يصبح التوقيت وسيلةَ تسكينٍ نفسيٍّ أكثر منه مشروعاً إيمانيًّا، فالناس الذين يوقِّتون لا يفعلون ذلك بالضرورة لأنَّهم لا يؤمنون، بل لأنَّهم يؤمنون بشدّةٍ تفوق احتمالهم، إيماناً يلهث وراء النتائج، ولا يصبر على المسار.
وإذا عدنا إلى التجربة التاريخية، نجد أنَّ التوقيت بدأ كهمسٍ في أطراف الوعي، ثمَّ تحوَّل إلى خطابٍ عامٍّ في بعض الأزمنة، حين أصبح انتظار الإمام عند بعضهم انتظاراً للموعد لا انتظاراً للإصلاح.
فبدل أن يكون الإيمان بالمهدوية باعثاً على العمل، صار عند بعضهم تعويضاً عن العمل، وهذه هي المفارقة التي أراد الأئمة (عليهم السلام) أن يُحذِّروا منها بعبارةٍ واحدةٍ قاطعة: «كذب الوقّاتون»(٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢ و٣.

(٦٩)

تلك الكلمة تختصر فلسفة الغيب كلَّها؛ لأنَّها تُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي أمام الله تعالى: موقع الجهل الشريف، فهناك جهلٌ مذمومٌ هو جهل الغفلة، وهناك جهلٌ ممدوحٌ هو جهل الأدب؛ الجهل الذي يقرّ بحدوده، فلا يمدّ يده إلى ما لم يُؤذن له فيه، ومن هنا نفهم أنَّ التوقيت ليس فقط انحرافاً معرفيًّا، بل انحرافٌ في الأخلاق أيضاً، لأنَّه يُخِلّ بآداب العبودية، إذ يجعل من العقل البشريّ حاكماً على إرادة الله (عزَّ وجلَّ).
ولذلك، حين قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون»(٣)، كان يرسم ثلاث درجاتٍ من الوعي: الكاذب هو الذي تجاوز الحدّ فادَّعى العلم، والمستعجل هو الذي استعاض عن الإيمان بالانتظار باليقين الوهميّ، أمَّا المسلِّم فهو الذي سلَّم الأمر إلى الله (عزَّ وجلَّ) فعاش الغيب كعبادةٍ لا كمسألةٍ رياضية.
خطورة تحويل التوقيت إلى ثقافة:
إنَّ التوقيت، حين يتحوَّل إلى ثقافة، يُصيب الوعي الجماعيّ بالشلل، لأنَّ الناس ينتظرون موعداً بدل أن ينتظروا تكليفاً، ويصبح الانتظار حالةَ جمودٍ لا حركة، إذ يُختصر المشروع الإلهيّ في سؤالٍ واحد: متى؟ بينما السؤال الحقيقيّ الذي أراد الله تعالى أن نطرحه هو: كيف؟ كيف نتهيّأ؟ كيف نصبر؟ كيف نُصلح؟
ولأنَّ الناس لا تحتمل الفراغ، فإنَّ كلّ زمانٍ يخلو من يقينٍ واضحٍ يملؤه الموقِّتون، فينتشر بينهم ما يُسمَّى بـ(العلم بالعلامات)، والحقّ أنَّ أكثر ما يُغري الناس بالتوقيت هو ظنّهم بأنَّ العلامات خارطة، وأنَّ بإمكانهم أن يسيروا بها إلى النهاية، ولكنّ العلامات لم تكن يوماً دعوةً إلى الحساب، بل إلى التأمُّل، هي إشاراتٌ تربويةٌ لا جداول زمنية، ومن يقرأها كمواقيت يُخطئ مقصدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.

(٧٠)

ومن هنا نفهم أنَّ تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت لم يكن مجرَّد تحفُّظٍ على معلومةٍ مجهولة، بل دفاعاً عن بنية الإيمان نفسها؛ لأنَّ الإيمان لا يعيش إلَّا على الحافة بين العلم والجهل، بين الأمل والاحتمال، فإذا صار كلّ شيءٍ معلوماً، لم يبقَ للإيمان معنى؛ لأنَّ الإيمان يعيش من مساحة (اللايقين الجميل) التي تتيح للإنسان أن يعمل دون أن يرى.
وقد كان في التراث المهدوي نماذج عديدة لمن تورَّطوا في التوقيت، لا عن خُبثٍ، بل عن حماسٍ غير منضبط، فظنُّوا أنَّهم يُحسنون صنعاً، ثمَّ أدركوا بعد فوات الأوان أنَّهم فتحوا أبواب الفتنة، فالتاريخ الشيعي يعرف أسماءَ من وَقَّتوا الظهور في القرن الثالث والرابع والخامس، وربطوه بعلاماتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ظنُّوها قريبةَ الظهور، فلم يتحقَّق شيءٌ منها، فخمدت الآمال، وضعفت الثقة، وتكاثرت التساؤلات، ومن هنا جاء خطر التوقيت الحقيقيّ: ليس في كذب المعلومة، بل في أثرها على النفوس حين تخيب.
فالخطر ليس في أن يقول أحدهم: (سيظهر الإمام بعد عام) فحسب، بل في أنَّ الناس حين لا يرونه بعد العام، يظنون أنَّ الإمام هو الذي تخلَّف عن الموعد، لا الموقِّت الذي كذب، وهنا يبدأ الخلل الإيماني العميق: يتحوَّل الرجاء إلى شكّ، ويتحوَّل الشكّ إلى فتور، وتتحوَّل الفتنة من لفظٍ إلى واقع.
ولذلك، كان التحذير الإلهيّ في غاية الدقّة حين قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (الشورى: ١٨)، أي أنَّ الاستعجال في ذاته علامة ضعف الإيمان، لأنَّ المؤمن الحقيقيّ لا يطلب الموعد، بل يعيش العمل إلى أن يأتي الموعد.
الموقِّت شريك في الإرادة الإلهية:
إنَّ التوقيت ليس خطأً في الحساب، بل أزمةٌ في العلاقة بين الإنسان والزمان، لأنَّ الموقِّت يُريد أن يصبح شريكاً في القرار الإلهيّ، في حين أنَّ الإيمان

(٧١)

هو أن تُسلِّم التوقيت لله، وتكتفي بأن تكون في الموعد دائماً وإن لم تعرف متى يأتي، إنَّ التوقيت لا يولد من فراغٍ فكريٍّ ولا من جهلٍ بالنصوص فحسب، بل من قلقٍ يسكن في أعماق النفس المؤمنة.
فالموقِّت في حقيقته ليس عدوًّا للغيب، بل أسيرٌ له، يحاول أن يُحطِّم جدار الانتظار بمعرفةٍ مبكرةٍ تُريحه من التوتُّر.
إنَّه لا يُريد أن يرى الغيب، بل أن يتخلَّص من جهله به، ولهذا فإنَّ التوقيت ليس حبًّا للعلم بقدر ما هو كرهٌ للجهل، وشتّان بين من يسعى إلى العلم تعبُّداً، ومن يسعى إليه هروباً من قلقه.
الإنسان بطبعه لا يحتمل الفراغ الزمنيّ؛ لأنَّ الزمن بالنسبة إليه ليس مجرَّد مرورٍ للأحداث، بل هو مقياس الوجود ذاته، وكلّ ما لا يُحدَّد بزمانٍ يظلّ عالقاً في الوعي كقلقٍ مفتوح؛ لهذا، فإنَّ الغيبة الطويلة للإمام المهدي (عليه السلام) تُصبح في الوعي النفسي امتحاناً للثبات؛ لأنَّها تجرِّد الإيمان من المواعيد، وهنا يظهر الموقِّت بوصفه ابناً لهذا القلق الجمعيّ، يريد أن يُعيد للزمن حدوده، أن يضع على صفحة الغيب تاريخاً يسكِّن اضطرابه الداخليّ.
التوقيت بين الرجاء والخوف:
لقد خلق الله في الإنسان نزعتين متناقضتين: نزعة الرجاء ونزعة السيطرة، فإذا غلبت الأولى، عاش الإنسان مؤمناً منتظراً، وإذا غلبت الثانية، صار موقِّتاً متحذلقاً، يريد أن يتحكَّم حتَّى في المواعيد الإلهية.
والتوقيت هو ابن السيطرة المقنّعة بالإيمان، لأنَّه يُخفي في باطنه رغبة الإنسان في أن يكون شريكاً لله في إدارة الوقت، ولذلك كانت خطيئة الموقِّت من نوعٍ آخر: ليست خطأً في الحساب، بل تجاوزٌ لمقام العبودية.

(٧٢)

في كلِّ توقيتٍ رغبةٌ في الاطمئنان المزيَّف؛ لأنَّ النفس التي لا تصبر على الغيب تبحث عن بديلٍ ماديٍّ يُغلق الأسئلة، والموقِّت يظنّ أنَّه حين يُحدِّد الزمان يقرِّب الفرج، بينما هو في الحقيقة يقتل معنى الانتظار، فالإيمان بالمهديّ هو إيمانٌ مفتوحٌ على الأبد، لا يُختصر في تقويمٍ ولا في رقم، لأنَّه وعدٌ يتجاوز الزمن، وكلّ محاولةٍ لتحديده هي تقزيمٌ لذلك الأُفق الرحب الذي أراده الله أن يبقى سرًّا.
التوقيت تمثيل نفسي:
ثمَّ إنَّ الموقِّت لا يدرك أنَّه حين يوقِّت، إنَّما يُمارس نوعاً من (التمثيل النفسيّ) للظهور، أي أنَّه يُحقِّق في خياله ما لم يتحقَّق في الخارج، فهو يستعجل المعنى بالوهم حين يعجز عن احتماله باليقين، ولهذا فإنَّ كلّ توقيتٍ هو في جوهره عزاءٌ نفسيٌّ جماعيّ؛ لأنَّه يُنقذ الوعي من عبء الانتظار الطويل بجرعةٍ من اليقين المؤقّت، لكنّ هذا اليقين لا يدوم، وسرعان ما ينقلب إلى خيبة، ثمَّ إلى شكّ، ثمَّ إلى فتورٍ في الإيمان، ولهذا كان التوقيت أخطر على العقيدة من العداء، لأنَّ العدوّ يُهاجم الإيمان من الخارج، والموقِّت يُخرِّبه من الداخل باسم المحبّة.
وحين نقرأ التاريخ، نجد أنَّ كلّ توقيتٍ كان يبدأ بلهفةٍ صادقة وينتهي بانكسارٍ جماعيٍّ للثقة، فالموقِّت يُشعل في القلوب أملاً كبيراً، ثمَّ يتركها بعد الفشل رماداً، وهكذا يزرع في الأُمَّة داء التردُّد بين التصديق والتكذيب، بين الرجاء واليأس، وهذا ما قصده الإمام (عليه السلام) حين قال: «كذب الوقّاتون» أي أنَّهم لم يصدقوا في التبليغ عن الله (عزَّ وجلَّ)، بل صدَّقوا أوهامهم ونسبوها إلى الله تعالى، والكذب هنا ليس مقصوداً به نية الخداع - وإن كان في بعض الأحيان يكون مقصوداً -، بل وقوع الخداع في القلب دون وعي.

(٧٣)

التوقيت وعلم النفس:
علم النفس يُبيِّن أنَّ التوقيت ظاهرةٌ دفاعيةٌ تُنتجها النفس حين تعجز عن احتمال الانتظار؛ لأنَّ الانتظار في ذاته موقفٌ صعبٌ، يتطلَّب يقيناً بلا دليل، وصبراً بلا موعد؛ لذلك، فإنَّ أغلب من وقع في التوقيت لم يكونوا من منكري الإمام ، بل من محبِّيه، لكنَّهم أرادوا أن يُحوِّلوا الحبّ إلى موعدٍ محسوسٍ كي يُخفِّفوا عن أنفسهم عناء الشوق، فكانت النتيجة أنَّهم أساؤوا إلى الفكرة باسم الغيرة عليها.
والعجيب أنَّ التوقيت كلَّما فشل عاد في ثوبٍ جديد؛ لأنَّ الإنسان يكره أن يعترف بجهله، فيُبرِّر الفشل بتأويلٍ جديد: (أخطأنا في الحساب)، (الروايات رمزية)، (العلامة لم تتحقَّق بعد)، فيتحوَّل الخطأ إلى دائرةٍ مغلقةٍ لا تنتهي، وهكذا يتحوَّل التوقيت إلى منظومةٍ فكريةٍ كاملةٍ تُبرِّر نفسها باستمرار، حتَّى يغدو الموقِّت مريضاً بـ(اليقين المستمرّ) الذي لا يعرف التراجع.
التوقيت ينتج الاستعجال ضدَّ سُنَّة الله تبارك وتعالى:
ولعلَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُنتج ثقافةَ حرق المراحل، والاستعجالُ ضدّ سُنَّة الله تعالى في الخلق، لأنَّ الله تعالى يُنضج الأحداث كما يُنضج الثمار، لا يُعجِّلها قبل أوانها، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٦-٧)، فالبُعد والقُرب في نظر الله تعالى ليسا مسافةً في الزمن، بل نضجٌ في المعنى، وما يراه الإنسان بعيداً قد يكون قريباً في حكمة الله، وما يظنه قريباً قد يكون بعيداً لأنَّه لم يتهيّأ له.
الموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه لا بالخضوع للحكمة الإلهية:
من هنا نفهم أنَّ خطيئة الموقِّت ليست في معرفته، بل في نظره المحدود إلى الزمان، فالموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه، لا بمنطق الحكمة الإلهية، وإذا ما

(٧٤)

طال البلاء، ظنَّ أنَّ الله تعالى تأخَّر، بينما البلاء هو عين التربية التي بها يتهيّأ الظهور؛ لذلك فإنَّ من أراد أن يوقِّت للغيب، فهو كمن يريد أن يقطف الثمرة قبل أن تنضج، فيفسدها ويفسد شجرته.
وهذا ما يجعل التوقيت خطراً على الإيمان الجمعيّ؛ لأنَّه يُنتج جماعاتٍ تَعد الناس بالفرج، ثمَّ تخذلهم حين لا يتحقَّق الوعد، فتتكرَّر الخيبة، ويتكرَّر الانكسار، حتَّى يفقد الناس حسَّ الانتظار الشريف، فيتحوَّل الوعي المهدويّ من مدرسةٍ للصبر إلى مسرحٍ للتكهُّن.
وهكذا، يصبح الدين ساحةً لتداول الإشاعات الروحية، بدل أن يكون طريقاً للتهذيب.
تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت:
ولقد حذَّر الأئمة (عليهم السلام) من هذا الداء مبكراً، لا لأنَّهم أرادوا كتمان السرّ، بل لأنَّهم علموا أنَّ الغيب لا يحتمل إلَّا قلباً مطهّراً، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كذب الوقّاتون، إنَّا لا نوقِّت هذا الأمر»(٤)، فكأنَّه يُريد أن يقول: من يوقِّت فقد كذَّب في فهمه للغيب، لا في نقله للرواية؛ لأنَّ الحقيقة ليست في التاريخ، بل في التهيّؤ، وما لم ينضج الإنسان، فلن يأتي الموعد، ولو تكرَّر ألف توقيت.
منافاة التوقيت للعدل الإلهي:
إنَّ في عمق التوقيت خللاً في فهم معنى العدل الإلهيّ؛ لأنَّ الموقِّت يظنّ أنَّ العدالة لا تتحقَّق إلَّا بظهور الإمام، في حين أنَّ الله يُريد للعدل أن يُزرع في القلوب قبل أن يُقام في الأرض، وكلّ من ينتظر العدل من الخارج دون أن يُصلح نفسه في الداخل، فقد غاب عنه لبّ الفكرة المهدوية، ولهذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٣.

(٧٥)

فإنَّ التوقيت يسرق من الناس أعظم دروس الغيبة: أن يعملوا للعدل في غياب الإمام، كما لو أنَّه حاضرٌ يراهم.
إنَّ الغيبة امتحانٌ مستمرٌّ للوعي الجمعيّ، والتوقيت إفلاسٌ من الصبر على هذا الامتحان، فالموقِّت في النهاية يطلب أن يُغلق الامتحان قبل أن يُتمّ الأسئلة، ولهذا، فإنَّ الروايات الشريفة كانت تُكرِّر التحذير من الاستعجال كما تُكرِّر التحذير من الشكّ، لأنَّ الاستعجال هو الوجه الآخر للشكّ؛ كلاهما عدمُ رضا بالحكمة الإلهية.
ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقاتون، هلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون وإلينا يصيرون»(٥)؛ لأنَّ المستعجل يريد أن يُخرج الظهور من دائرة الله تعالى إلى دائرته، وهذه هي الخطيئة الكبرى: أن نُحوِّل الوعد الإلهيّ إلى مشروعٍ بشريٍّ نُديره بالعواطف والتحليل، بينما الله تعالى يُديره بالحكمة والتقدير.
إنَّ أولى نتائج التوقيت على المجتمع هي تفكيك الثقة بين الناس وبين المرجعية الشرعية؛ لأنَّ الموقِّت حين يُحدِّد موعداً، ثمَّ يتخلَّف الموعد، تتوجَّه الأنظار إلى العلماء لتسأل: لماذا سكتتم؟ أو لماذا لم تصدقوا؟ فتُصبح المرجعية في موقع الدفاع عن الوحي بدل أن تبقى مرجعاً في تفسيره، وهنا يُحدث التوقيت ما لم يُحدثه العدو: يزرع الشكّ في المؤسسة التي تحفظ الدين، ويُربك الوعي الجمعي في تمييز المصدر من التفسير.
ولذلك، فإنَّ أعظم ما فعله التوقيت هو أنَّه نقل المرجعية من مجال العلم إلى مجال التكهُّن؛ فبدل أن يُسأل العالم عن الحكم الشرعي، صار يُسأل عن زمن الظهور، وكأنَّ مهمَّته لم تعد بيان الحلال والحرام، بل فكّ رموز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي: صور المخطوطة ٣٩.

(٧٦)

(شيفرات - cipher) الغيب، وهكذا يُصاب الدين بتشويشٍ في الأولويات، لأنَّ العقل الذي تعوَّد على التوقيت لا يعود قادراً على الإصغاء لصوت التدرُّج، بل يطلب كلّ شيءٍ دفعةً واحدة: الفرج، والعدل، والانتصار، والحسم، دون أن يدرك أنَّ سُنن الله تعالى لا تعمل بالاستعجال، بل بالتربية.
وحين يُصاب الوعي الجمعي بحُمّى المواعيد، يبدأ الناس يعيشون بين موجات من الأمل الكاذب واليأس العميق، وكلّ موجةٍ من التوقيت الفاشل تترك فيهم ندبةً لا تزول؛ ندبة خيبةٍ متكرّرة تُضعف الثقة حتَّى في النصوص الصحيحة، فيصبح المؤمن بين نارين: نار الشكّ في الموقِّتين، ونار الخوف من أن يُكذِّب الغيب نفسه، وهكذا تُصبح العقيدة المهدوية ميداناً للمشاعر المتضاربة، لا للحقيقة الواضحة.
وفي مثل هذه الحالة، يضعف أثر الكلمة الصادقة لأنَّ الناس اعتادوا الأصوات العالية، ويبهت نور الرواية الصحيحة لأنَّ العيون أُتخمت بصورٍ من الوهم.
ولذا، فإنَّ أخطر ما يفعله التوقيت في الوعي العامّ أنَّه يُفقد النصوص هيبتها؛ فحين تُستخدم الروايات في غير موضعها، أو تُسقط على واقعٍ ناقص، يظنّ الناس أنَّ الرواية قد أخطأت، بينما الخطأ في فهمها لا في مضمونها.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ التوقيت لا يُنتج فوضى فكرية فحسب، بل فوضى اجتماعية أيضاً، لأنَّ الموقِّت حين يُعلن موعداً للظهور، يبدأ الناس بالاستعداد له بطريقتهم الخاصة: منهم من يبيع ماله، ومنهم من يعتزل عمله، ومنهم من يُخاصم غيره ظنًّا أنَّ المعركة وشيكة.
وهكذا تتحوَّل الفكرة المهدوية من طاقةٍ للعمل إلى عاملٍ للركود، ومن مدرسةٍ للصبر إلى منبرٍ للارتباك، وقد شهدت بعض الحركات في التاريخ مثل

(٧٧)

هذه الانهيارات النفسية، حين راهن أتباعها على توقيتٍ لم يتحقَّق، فانهاروا في اليأس أو في الشكِّ في أصل الغيب.
إنَّ المجتمع الذي يفقد التوازن بين الغيب والواقع يصبح هشًّا أمام أيّ خطابٍ يتلاعب بعواطفه، والتوقيت - بهذا المعنى - يُمهِّد دائماً لولادة المدَّعين الجُدد الذين يزعمون الاتِّصال بالغيب أو النيابة عن الإمام، لأنَّ الناس، بعد خيباتٍ متكرِّرة، لا يعودون يثقون بالعقل ولا بالمرجعية، بل يبحثون عن صوتٍ خارقٍ يُعيد إليهم الثقة المفقودة، وهكذا ينشأ ما يُمكن تسميته بـ(اقتصاد الخيبة)، حيث تُصبح كلّ خيبةٍ أرضاً خصبةً لمولودٍ جديدٍ من الموقِّتين أو المتنبّئين أو أصحاب الرؤى.
ومن هنا، نفهم أنَّ التوقيت ليس حدثاً عابراً في التاريخ، بل دورةٌ اجتماعيةٌ تتكرَّر كلَّما غاب الوعي، فحين يضعف العلم، يُولد الموقِّت، وحين يطول الصبر، يُولد المستعجل، وحين تتَّسع الفجوة بين الإيمان والعمل، يُولد الكاذب الذي يملأها بشعاراتٍ مهدويةٍ متحمِّسة؛ لذلك قال الإمام (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»، لأنَّهم يُكذِّبون الله تعالى حين يجعلون وعده مؤجّلاً بحكمةٍ، فيُعلنونه عاجلاً بعاطفةٍ.
وليس المقصود بـ(كذب الوقّاتين) مجرَّد تحريمٍ شرعيّ، بل توصيفٌ لحالةٍ نفسيةٍ عميقةٍ في العلاقة بين الإنسان والزمن، فالذي يوقِّت، يكذب على الزمن نفسه، لأنَّه يُعطيه أسماء لم يقلها الله تعالى، ويحمِّله مواعيد لم يُعهد بها إليه، إنَّ الزمان في القرآن مخلوقٌ مطيع، يسير بأمر الله وحده، ولا يُقدِّم ساعةً ولا يُؤخِّرها إلَّا بإذنه، أمَّا الموقِّت، فهو يريد أن يُدخل يده في هذا النظام الكونيّ، فيتصرَّف في الوقت كما يتصرَّف في الأحداث، فيخرق نظام العبودية دون أن يشعر.

(٧٨)

ومن مظاهر الفتنة الكبرى في التوقيت أنَّه يحوِّل الإيمان من عبادةٍ إلى توقُّع، أي من علاقةٍ روحيةٍ بالله إلى انتظارٍ آليٍّ لحدثٍ محدَّد، فيغيب العمق الروحيّ من الفكرة المهدوية، ويحلّ محلَّه الترقُّب الميكانيكيّ، فيصبح الظهور حدثاً سياسياً بدل أن يكون تحقيقاً للعدل الإلهيّ.
ومن هنا، تبدأ المزايدات المهدوية، حيث يتنافس الناس في تحديد العلامات كأنَّهم في سباقٍ إلى اليقين، بينما الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسرعة، بل بالثبات.
لقد أراد الله أن تكون المهدوية مدرسةً للتهذيب، فإذا بها في بعض الأزمنة تتحوَّل إلى ميدانٍ للغلوّ في التأويل، والغلوّ في العاطفة، والغلوّ في التوقيت، وهذا الغلوّ، وإن بدا في ظاهره حبًّا للإمام، إلَّا أنَّه في حقيقته استبدالٌ للمحبّة بالامتلاك، فالمحبّ يرضى بالغيب لأنَّه يثق بالمحبوب، أمَّا المملوك بالهوى، فيُريد أن يُمسك المحبوب بيده في الموعد الذي يختاره هو.
التوقيت وعلاقة المؤمن بالله تعالى:
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُفسد العلاقة بين الإنسان والله تعالى، لأنَّه يُحوِّل الدعاء إلى مطالبة، والصبر إلى حساب، والرجاء إلى انتظارٍ مشروط.
والموقِّت في نهاية المطاف، لا يثق بالله تمام الثقة، لأنَّه يريد أن يعرف كيف ومتى، كأنَّه يخاف أن يُخلف الله وعده، ولهذا كان التوقيت في جوهره شكًّا مموَّهاً بالإيمان، لأنَّ الإيمان الحقيقيّ يُسلِّم، ولا يسأل إلَّا عن الاستعداد، لا عن الساعة.
وقد أدركت الشخصيات العلمية والدينية المسؤولة على امتداد التاريخ هذا الخطر، فواجهته بالعلم والسكينة، لا بالصخب والاتِّهام؛ لأنَّ الفتنة لا تُطفأ بالخصومة، بل بالوعي.

(٧٩)

فالموقِّت، وإن ضلَّ، هو ابن بيئةٍ عطشى إلى اليقين، ودواؤه ليس القسوة، بل إحياء معنى الإيمان المتَّزن في الناس، حتَّى يعودوا إلى الأصل: أنَّ الغيب أمانةٌ لا تُكسر أبوابها بالعاطفة، بل تُفتح بالمجاهدة.
وفي الختام، فإنَّ فتنة التوقيت تُظهر لنا كيف يمكن لفكرةٍ صغيرةٍ أن تُربك أُمَّةً بأكملها إذا فقدت الوعي بمنهج التعامل مع الغيب.
فالمشكلة ليست في الرغبة بمعرفة الغيب، بل في سوء الأدب أمامه، والتوقيت هو صورةٌ مكبّرةٌ لهذا السوء؛ إذ يجعل من حبِّ الإمام سبباً للخطأ في حقِّ الإمام.
ولذلك، فإنَّ أوَّل إصلاحٍ للعقل المهدويّ هو أن يتعلَّم متى يسكت، وأن يدرك أنَّ الصمت في حضرة الغيب ليس غياباً عن المعرفة، بل حضورٌ في أعمق درجاتها.
فمن كَذَب في الغيب خسر الإيمان، ومن استعجل في الظهور خسر الصبر، ومن سلَّم لله في أمره نجا، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وهَلَكَ المُسْتَعْجِلُونَ ونَجَا المُسَلِّمُونَ»(٦)، فالتوقيت فتنةٌ، والاستعجال هلاكٌ، أمَّا النجاة، فهي في التسليم.
العقل الموقِّت من حبِّ الظهور إلى ادِّعاء العلم بالغيب:
من الغيرة إلى الغرور - التحوُّل النفسي للعقل الموقِّت:
ليست كلُّ الأخطاء التي تقع في الفكر الدينيّ من ضعفِ الفهم أو قلّةِ العلم، بل كثيرٌ منها يبدأ من حرارةِ القلب قبل برودة العقل، فكم من فكرةٍ انطلقت من شوقٍ صادقٍ، ثمّ تحوَّلت إلى انحرافٍ عميقٍ حين لم تُهذِّبها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.

(٨٠)

البصيرة، ولعلَّ التوقيت هو أصدق مثالٍ على ذلك، إذ يبدأ من غيرةٍ على الإمام، وينتهي بغرورٍ باسم الإمام، يبدأ من الحُبّ، وينتهي بالادِّعاء.
فالعقل الموقِّت ليس بالضرورة عقلاً جاحداً، بل قد يكون عقلاً محبًّا فَقَدَ توازنه، فهو كالسالك الذي استعجل الوصول إلى النور، فلم ينتبه أنَّ الله جعل بينه وبين المقصد طريقاً من الصبر والتربية، لا من التكهُّن والتقدير، إنَّه عقلٌ يُحبّ الحقّ إلى درجةٍ تجعله يريد أن يُشرف على مواعيد الله، وأن يتكلَّم في ما سكتت عنه السماء.
ومن هنا يبدأ التحوُّل الخفيّ في البنية النفسية للموقِّت: من غيرةٍ مشروعةٍ إلى غرورٍ مقدّسٍ.
الغيرةُ في ذاتها ليست مذمومة، فهي علامةُ حياةِ الإيمان، ولكنَّها حين تتجاوز حدودها تصبح كالنار التي تأكل ما أنضجت، فالموقِّت يغار على الدين من صمته، يغار على الناس من بطئهم، يغار على الغيب من احتجابه، فيتقدَّم نيابةً عن الجميع ليقول: أنا أعلم متى يظهر الفرج.
هكذا يتحوَّل الإخلاص إلى استبدادٍ، والمحبة إلى تسلُّطٍ، لأنَّ النفس التي لم تتربَّ على الصبر تُحوَّل غيرتها إلى رغبةٍ في السيطرة، وتُلبسها ثوب القداسة لتخفي بها قلقها العميق.
إنَّ دراسة الموقِّت تكشف لنا عن مفارقةٍ نفسيةٍ مدهشة: إنَّه إنسانٌ يبدو مؤمناً بالغيبة، لكنَّه في العمق غير قادرٍ على تحمُّلها، إيمانه بالغيبة من الخارج، ورفضه لها من الداخل.
هو يذكر الإمام (عليه السلام) في كلِّ دعاء، لكنَّه يرفض أن يبقى الله وحده العالِم بموعد ظهوره، وهذه المفارقة هي جوهر التحوُّل من الغيرة إلى الغرور.

(٨١)

فبدل أن يعيش الموقِّت الإيمان كرحلةٍ في المجهول، يريد أن يُحدِّد الإيمان كما تُحدَّد المواعيد الرسمية، وكأنَّ الغيب مجرَّد حدثٍ يُبرمج لا سرٍّ يُنتظر.
وفي عمق هذا التحوُّل يكمن ما يمكن تسميته بـ(النرجسية الروحية)، وهي أخطر أشكال الغرور؛ لأنَّها لا تظهر في صورة الكِبر، بل في صورةِ الإخلاص، فالموقِّت لا يقول (أنا) صراحةً، لكنَّه يجعل كلّ كلامه يدور حول (أنا من علمت)، و(أنا من استنبطت)، و(أنا من كشفت)، كأنَّه الوسيط بين الله والناس، وفي لحظةٍ واحدةٍ ينتقل من مرتبة السائل إلى مرتبة المجيب، ومن مقام المنتظر إلى مقام المُبلِّغ، دون أن يدرك أنَّه - بهذا التحوُّل الدقيق - فَقَد جوهر العبودية الذي يقوم على التسليم لا على الإعلان.
لقد قيل في الحكمة القديمة: (من أراد أن يُبصر النور قبل أن يطهِّر عينه، عميت عينُه من شدَّته)، وكذلك الموقِّت؛ أراد أن يرى الساعة قبل أن يُهيّئ نفسه، فأعماه وهجُ الفضول، ولو أنَّه صَبَر لرأى من الغيب ما لم يُرَ، لكنَّه استعجل، فاختصر الطريق، فغاب عنه المعنى.
لذلك، فإنَّ التوقيت في أحد وجوهه هو (هروبٌ من التربية الإلهية)؛ لأنَّ الغيبة ليست غياباً، بل امتحانٌ ممتدٌ في الزمان، والانتظار ليس فراغاً، بل مدرسةٌ من الانضباط، والموقِّت حين يوقِّت، يهرب من هذه المدرسة إلى اختصارٍ زائفٍ للمنهج.
وفي عمق النفس الدينية التي تميل إلى التوقيت نزعةٌ دفينةٌ إلى احتكار السرّ، فالإنسان الذي يرى نفسه أقرب إلى الله، يظنّ أنَّ الله يُطلعه على ما حُجب عن غيره.

(٨٢)

وهذه الظنّة، حين لا تُهذَّب، تنقلب إلى مرضٍ في الوجدان يُشبه الوَهم، ولذلك نجد أنَّ الموقِّت في العادة يعيش بين نبرتين متناقضتين:
- التواضع الظاهريّ الذي يُخفيه في لغته.
- والعظمة الباطنية التي تفضحه في نبرته.
فهو يقول: (لسنا إلَّا خدّام الإمام)، لكنَّ كلامه عن المواعيد يُفصح عن يقينٍ يُشبه يقين المرسَل.
وما إن يبدأ هذا الشعور بالوصال حتَّى يُصبح الزمن نفسه موضوعاً للسلطة، فالموقِّت لا يكتفي بأن يقول: (سيظهر الإمام قريباً)، بل يبدأ في تحديد العلامات وتفسير الحوادث، كأنَّه يملك مفاتيح التأويل التي لم تُفتح لغيره، وهنا يتجلّى الغرور في أنقى صوره: الغرور المعرفيّ الذي يُلبِس صاحبه ثوبَ العالِم وهو لا يعلم أنَّه أسيرُ رغبته في الظهور.
كل موقِّت يبحث عن سلطة روحية:
ولذلك، فإنَّ التوقيت لا يُفهم دون تحليلٍ لعلاقة الإنسان بالسلطة الرمزية، فكلّ موقِّتٍ في العمق يبحث عن سلطةٍ روحيةٍ يعوِّض بها عجزه عن السلطة المادية، هو يُريد أن يُصدَّق لا لأنَّه فقيهٌ أو عالم، بل لأنَّه يملك (معلومةً من الغيب)، والمعلومة هنا تتحوَّل إلى تاجٍ رمزيٍّ يمنحه النفوذ في قلوب الناس، إنَّها لعبة السلطة التي تتخفّى في ثوب الإيمان، وهذا هو ما يجعل الموقِّت خطيراً؛ لأنَّه لا يطلب الدنيا علناً، بل يطلبها باسم السماء.
وحين يتبنَّى المجتمع خطاب الموقِّت، تبدأ العدوى تنتشر ببطءٍ في القلوب؛ لأنَّ الناس تميل إلى تصديق من يُغريها بالسرّ، فالموقِّت لا يُقدِّم معلومةً فحسب، بل يُقدِّم طمأنينةً مؤقتة، والإنسان يميل إلى من يُسكِّن

(٨٣)

قلقه، لا إلى من يُربِّيه عليه، وهكذا، يخلق الموقِّت من حوله دائرةً من المريدين الذين يظنون أنَّهم أقرب إلى الحقيقة من سواهم، لأنَّهم (علموا الموعد)، فيبدأ التميّز الشعوريّ، ثمّ الغلوّ الجماعيّ، ثمّ الانفصال عن الوعي العامّ.
وفي تحليلٍ أعمق، يمكن القول: إنَّ الموقِّت يُمثِّل حالةً من (التعويض الروحيّ)، فحين يفقد الإنسان السيطرة على واقعه، يبحث عن مجالٍ يُمارس فيه سلطةً بديلة، والغيب هو المجال الأوسع لذلك، فكما يُمارس السياسيّ سلطته في الأرض، يُمارس الموقِّت سلطته في السماء، وكما يصوغ الزعيم خطاب المستقبل، يصوغ الموقِّت خطاب الظهور، وفي الحالتين، يكون الجمهور هو الضحية؛ لأنَّ الناس تبحث عن صوتٍ يطمئنها، ولو كان صدى لوهمها.
إنَّ الغرور في الموقِّت ليس غروراً شخصياً فحسب، بل غرورٌ عقديٌّ يخلط بين مقام العالم ومقام النبيّ، فيظنّ أنَّ الفهم الخاصّ للوعد الإلهيّ نوعٌ من الإلهام، وحين يتذوَّق لذّة هذا الشعور، يصبح أسيراً له، فلا يستطيع الرجوع عنه حتَّى لو تهاوى بناؤه، وهنا يتحوَّل التوقيت إلى إدمانٍ نفسيٍّ على الوهم؛ إذ كلَّما سقط توقيتٌ، وُلد آخر، لأنَّ النفس التي ذاقت نشوة الإلهام الكاذب لا تشفى بسهولة.
وفي لحظةٍ ما، يُصبح الموقِّت مقتنعاً أنَّه يخدم الدين، وأنَّ الله يُلهمه من حيث لا يشعر، فلا يرى في نفسه متجاوزاً، بل يرى نفسه مأذوناً بالسرّ، وهذه أخطر درجات الغرور؛ لأنَّها تُغلق باب التوبة، فالغافل يمكن أن يُنبَّه، والمخطئ يمكن أن يُصحَّح، أمَّا من ظنَّ نفسه متَّصلاً بالغيب، فإنَّ النصح له يصبح في نظره معارضةً لله، وهكذا يتحوَّل حبّ الإمام إلى وسيلةٍ لتبرير الذات، وتُصبح الغيبة ذريعةً للمجد الشخصيّ.
ولذلك، حين قال الإمام (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»، لم يكن يقصد تكذيب التاريخ فحسب، بل تكذيب الذات التي نصَّبت نفسها ناطقة عن الله دون

(٨٤)

إذنه، فالموقِّت لا يُخطئ في الحساب فقط، بل يُخطئ في مقامه؛ لأنَّه نسي أنَّ العلم بالغيب ليس تفضُّلاً عقلانيًّا، بل اصطفاءٌ إلهيّ، وأنَّ أقصى درجات الإيمان هي أن تُسلِّم لله فيما جهلت، لا أن تتكلَّم فيه بثقة العارفين.
إنَّ العقل الموقِّت، في عمقه، عقلٌ لم يتعلَّم الأدب أمام السرّ؛ لأنَّه يظنّ أنَّ الطريق إلى الله يُقطع بالعقل وحده، وهو بذلك يُكرِّر خطأ إبليس الذي لم يكفر بالله فقط، بل غلبه عقله عن أمر الله، فالشيطان لم يُنكر الخالق، بل اجتهد في غير موضع الاجتهاد، حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف: ١٢؛ ص: ٧٦)، والموقِّت بطريقةٍ أخرى يُعيد هذا الاجتهاد المغرور، فيقول: (أنا أعلمُ بزمان أمر الله)، وكأنَّه يُعيد صياغة الغرور الأوَّل بلغةٍ دينيةٍ جديدة.
وهكذا نرى أنَّ التوقيت ليس حادثةً فكرية، بل عمليةٌ روحيةٌ ونفسيةٌ متكاملةٌ تبدأ من لحظةِ حبٍّ صادقٍ غير مهذَّب، وتنتهي بادِّعاءٍ مقدَّسٍ لا يُراجَع، وفي هذه المسافة بين الغيرة والغرور يتكوَّن (العقل الموقِّت).
وهمُ المعرفة - كيف يُبرِّر الموقِّت لنفسه سلطته؟
ليس أشدُّ خطراً على العقل الدينيّ من أن يُصاب بوهم المعرفة؛ لأنَّ هذا الوهم لا يُعلن عن نفسه في صورة الجهل، بل يتقمَّص هيئة العلم، ويستعير لغته، ويستخدم أدواته، والموقِّت في جوهره ضحيةُ هذا الوهم: يظنّ أنَّه يعرف، لا لأنَّ لديه برهاناً، بل لأنَّ في داخله حاجةً عاطفيةً إلى أن يكون عارفاً، إنَّه لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الشعور بأنَّه يملكها.
فالعقل الموقِّت يبدأ رحلته من لحظةٍ بسيطةٍ هي التصديق بالعلامات، ثمَّ ينتقل منها إلى التأويل المفرط، ومن التأويل إلى الاستنتاج الحتميّ، حتَّى يصل في النهاية إلى الاعتقاد الجازم بأنَّه وصل إلى سرِّ الغيب، وبين كلّ مرحلةٍ

(٨٥)

وأخرى، يُراكم العقل الموقِّت مبرّراته، فيبني لنفسه قلاعاً من الاستدلالات التي تبدو عقليةً في ظاهرها، لكنَّها مشاعرُ متخفّيةٌ في لباس المنطق.
ولكي يبرّر يقينه، يلجأ الموقِّت إلى لغةٍ مشبعةٍ بالإيحاءات الإيمانية: (ورد في الروايات)، (نُقِل عن أهل البصائر)، (تواترت الإشارات)، (رأيتُ في المنام)، (استفدت من مقام الإلهام).
كلّها عباراتٌ تُوهم المستمع بأنَّ المتكلِّم لا يتكلَّم من فراغ، بل من وحيٍ روحيٍّ يُحيط به هالة من القداسة، ومن هنا تتكوَّن السلطة الرمزية للموقِّت: سلطة المعرفة التي لا تُراجع، لأنَّها لا تقوم على البرهان، بل على الهيبة.
وهذه الهيبة ليست هيبة العلم، بل هيبة (الوصال)، فالموقِّت لا يُقدِّم نفسه كمُجتهدٍ في الروايات، بل كـ(شاهدٍ على العلامات)، وكأنَّ الغيب قد خاطبه مباشرةً، وهنا يتسلَّل نوعٌ من الإلهام الزائف الذي يُشبه في علم النفس ما يُعرف بـ(الإيحاء الذاتيّ المتكرّر)، أي حين يُكرِّر الإنسان فكرةً حتَّى يصدقها تماماً، ثمَّ يبحث في الواقع عمّا يُؤيِّدها، ويُهمل ما يُخالفها.
فالموقِّت يُشبه العالم الذي يبدأ بالنتيجة قبل البحث، ثمَّ يُعيد صياغة الأدلّة لتتناسب مع ما يريد إثباته، وهو لا يشعر أنَّه يُزوِّر الحقيقة، بل يظنّ أنَّه (يكشفها)، لأنَّ اليقين قد سبق البرهان في نفسه، وهذه هي آفة كلّ باحثٍ حين يفقد النزاهة المعرفية: أن يُصبح أسيرَ فكرته قبل أن يختبرها.
وفي كلِّ زمنٍ تتجدَّد هذه الظاهرة في ثوبٍ جديد: في القديم كانت عبر تفسير النجوم أو الحسابات العددية أو رموز الحروف، وفي الحديث عبر تحليل الأحداث السياسية أو التغيُّرات الاجتماعية أو حتَّى الكوارث الطبيعية، فالموقِّت يُفسِّر كلّ حادثةٍ على أنَّها علامةٌ على اقتراب الظهور، وكلّ غموضٍ على أنَّه إشارةٌ خفيّةٌ لا يفهمها غيره، وهكذا يتحوَّل الواقع إلى مرآةٍ لرغباته، لا لمشيئة الله.

(٨٦)

الموقِّت ووهم التكليف بتبليغ الناس:
إنَّ الموقِّت لا يعيش في وهم العلم فحسب، بل في وهم التكليف أيضاً، فهو يرى نفسه (مكلَّفاً) بإبلاغ الناس، كأنَّ الله أوكل إليه مهمة التبشير بما لم يُؤمر به أحد، وهذا الشعور بالاختيار الروحيّ يمنحه طاقةً نفسيةً هائلة؛ لأنَّه يخلِّصه من الإحساس بالعجز أمام العالم المضطرب، فحين يعجز عن تفسير ما يجري حوله، يلوذ بفكرةٍ تمنحه مكانةً خاصة: أنَّه يعلم السرّ الذي يجهله الجميع.
ولأنَّ الإنسان بطبعه يخاف المجهول، فإنَّ من يدَّعي معرفة الغيب يكتسب قوةً رمزيةً على من حوله، حتَّى لو لم يكن في قوله برهان، وهذا ما يجعل خطاب الموقِّت مؤثِّراً، لأنَّه لا يُخاطب العقل فقط، بل يُخاطب خوف الإنسان من الغيب، إنَّه يقدِّم له خريطةً تُبدّد غموض المستقبل، ولو كانت مرسومةً بالحبر الوهميّ.
وهكذا، يصبح الموقِّت صانعَ يقينٍ في زمن القلق، وتتحوَّل كلماته إلى ملاذٍ نفسيٍّ للجماهير التي سئمت الانتظار، فهو لا يقول لهم: (اصبروا)، بل يقول: (اقترب الوعد)، ولا يحدِّثهم عن التهيّؤ، بل عن الموعد، والإنسان بطبعه يُفضِّل المعلومة على الدعوة، والزمان المحدَّد على الصبر الطويل؛ لذلك ينجح الموقِّت في بناء سلطته على وعدٍ لا يملكه، لأنَّه يعرف كيف يُغري النفوس باليقين السهل.
لكن هذا الوهم لا يستمرّ إلى الأبد، فحين يمرّ الموعد الموعود دون أن يتحقَّق، لا يعود الموقِّت قادراً على التراجع؛ لأنَّه بنى صورته الذاتية على يقينه، فلو تراجع لانهارت مكانته، ولو أقرَّ بخطئه لفقد جمهوره، فيلجأ إلى التأويل الجديد: (تحقَّق الظهور المعنويّ)، أو (تأخَّر الموعد لذنب الناس)، أو

(٨٧)

(تبدَّلت العلامات) أو وقع البداء، وهكذا يُعيد الموقِّت تدوير الكذبة الأولى بلغةٍ أكثر تعقيداً، ليحافظ على سلطته.
وفي هذه اللحظة، يتحوَّل الوهم إلى منظومةٍ فكريةٍ كاملةٍ لها منطقها الخاصّ، فكلّ دليلٍ ضدّها يصبح دليلاً لها: إذا لم يظهر الإمام، فذلك دليلٌ على أنَّ الظهور قريب، لأنَّ الفتنة اشتدَّت! وإذا لم تتحقَّق العلامة، فذلك لأنَّ الله يُريد امتحان المؤمنين! وهكذا يُغلق الموقِّت دائرته المحكمة التي لا يدخلها النور، لأنَّه جعل من نفسه مرجعاً أعلى لا يُسأل.
وفي أعماق هذا السلوك تكمُن آليةٌ نفسيةٌ دقيقة تُعرف في علم النفس بـ(التنافر المعرفيّ)؛ أي عجز الإنسان عن الاعتراف بخطئه حين تتعارض قناعته مع الواقع.
والموقِّت، كي يتخلَّص من هذا التنافر، يُعيد صياغة العالم حتَّى يتوافق مع فكرته؛ لذلك نراه يستخرج من الروايات ما يؤيِّد قوله، ويُغفل ما يُبطلها، فيخلق لنفسه (نظاماً تأويلياً مغلقاً) لا يراه أحدٌ سواه.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الموقِّت لا يعيش وحده في هذا الوهم، بل يصنع حوله جماعةً من المصدِّقين الذين يمنحونه الدعم العاطفيّ، وهذه الجماعة تُصبح بدورها أسيرةً للوهم، لأنَّها تربط خلاصها الروحيّ به، فلو سقط، سقطت معه؛ لذلك تدافع عنه حتَّى وهي تشكّ في كلامه، وهكذا تتحوَّل الفكرة إلى عقيدة، والعقيدة إلى حركةٍ ترفض النقد؛ لأنَّها تربط وجودها بصدق الموقِّت.
وهمُ المعرفة عند الموقِّت:
إنَّ وهم المعرفة عند الموقِّت ليس خطأً في التفكير فقط، بل أزمةٌ في بنية الوعي الإيمانيّ نفسه، حين يختلط العلم بالهوى، والإلهام بالادِّعاء، والتأويل بالحلم، فالموقِّت لا يتعامل مع النصّ ككلمةٍ تُعلَّم، بل كرمزٍ يُكشَف، فيُصبح

(٨٨)

النصّ مرآةً لخياله، لا مرآةً للحقيقة، وهذه هي نقطة الانكسار بين (العقل المتعبِّد) و(العقل المتصرِّف)، إذ الأوَّل يُقدِّس النصّ فيسكت أمامه، والثاني يُعيد صياغته.
وقد نبَّه الأئمة (عليهم السلام) إلى هذه الآفة منذ القرون الأولى، حين قال الإمام الباقر (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ»(٧)، فالكذب هنا ليس بمعنى الافتراء فقط، بل بمعنى الخطأ في مقام النفس، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يجعل العلم بالساعة من اختصاص أحد، لا نبيٍّ مرسلٍ ولا وصيٍّ مقرَّب، فكيف يدَّعيه من لم يُؤذن له بشيء؟
إنَّ الموقِّت يعيش مأزقاً مزدوجاً: بين إيمانه الذي يدفعه لتوقير الغيب، وعقله الذي يُغريه بفكِّ رموزه، فهو لا يريد أن يُكذِّب الروايات، لكنَّه لا يحتمل أن تبقى مغلقةً أمامه، ومن هنا يولد وهم المعرفة: أن يُقنع نفسه بأنَّه (يخدم الدين)، بينما هو في الحقيقة يخرق حرمة السرّ.
وهكذا يتبيَّن أنَّ العقل الموقِّت هو في جوهره عقلٌ مشغولٌ بإثبات ذاته أكثر من إثبات الحقّ.
لذلك، لا يمكن علاجه بالجدال؛ لأنَّ الجدال يُغذِّي شعوره بالتفرُّد، بل بالتربية على التواضع المعرفيّ: أن يتعلَّم أنَّ (السكوت على ما جهل، علمٌ في نفسه).
كلّ فكرٍ حين لا يُراقَب يتحوَّل إلى تيارٍ، وكلّ تيارٍ حين لا يُقوَّم يتحوَّل إلى جماعةٍ مغلقةٍ ترى نفسها الفرقة الناجية، وهكذا وُلدت الجماعات الموقِّتة عبر التاريخ، لا من جهلٍ بالنصوص، بل من تجمُّع العواطف حول صوتٍ واحد أقنع الناس أنَّه (العالم بالموعد)، فالموقِّت الفرد، حين يُصدَّق، يتحوَّل إلى رمزٍ نفسيّ، وحين يُتَّبع، يُصبح محوراً لبنيةٍ اجتماعيةٍ كاملةٍ تتغذَّى من حاجاتٍ روحيةٍ حقيقيةٍ لكنَّها تُدار بعقلٍ مضطربٍ ومؤمنٍ بذاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٥.

(٨٩)

إنَّ الموقِّت لا يُمارس سلطته بالقوة، بل بالمهابة، فالمهابة في الفكر الدينيّ أقوى من السيف؛ لأنَّها تُخاطب الخوف والرجاء في آنٍ واحد، ولأنَّ الناس يميلون إلى من (يبدو واثقاً بالله)، فإنَّهم يُسلِّمون له عقولهم بسهولة، وفي البيئات التي يطول فيها الصبر الجماعيّ ويقلّ فيها الوعي النقديّ، يبرز الموقِّت كمنقذٍ أكثر من كونه عالماً، وكاشفٍ أكثر من مفسِّر، وهنا يبدأ الخطر الحقيقيّ: حين تتحوَّل المعرفة بالغيب إلى سلطةٍ على القلوب.
من سمات أتباع الموقِّت:
تتكوَّن حول الموقِّت عادةً دائرةٌ من التابعين الذين يجدون فيه ما يعجزون عن إيجاده في أنفسهم: الطمأنينة أمام الغيب، واليقين أمام الغموض، وهذه العلاقة ليست علاقة فكرٍ بفكر، بل علاقة روحٍ بروحٍ مضطربة، فالموقِّت يُغذِّيهم باليقين، وهم يُغذّونه بالإيمان بصدقه، فينشأ بينهم عقدٌ غير مكتوبٍ من المصالح النفسية: هو يُعطيهم المعنى، وهم يُعطونه المكانة، وهكذا يولد (العقل الجمعيّ للموقِّتين).
هذا العقل الجمعيّ لا يُفكِّر بالبرهان، بل بالإجماع العاطفيّ، فكلَّما ازداد التصفيق لكلام الموقِّت، ازداد يقينُهم بأنَّ الله يؤيِّده، ومن هنا، تصبح الجماعة دائرةً مغلقةً: تُكرِّر القول نفسه حتَّى يُصبح حقيقةً داخليةً لا تحتاج إلى دليل.
وحين تُواجَه بالنقد، تردّ عليه بالخشوع لا بالحجّة، وتعتبر الشكّ في الموقِّت شكًّا في الإمام نفسه.
إنَّها عبادةُ الوسيط التي حذَّر منها القرآن الكريم حين قال: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (الزمر: ٣)، فالموقِّت يصبح - دون أن يدري - صورةً مصغّرةً من هذا المنطق: إنَّما نصدِّقه لأنَّه أقرب إلى الإمام، وإنَّما نطيعه لأنَّه يرى ما لا نرى، وهكذا يُصبح الإنسان بينه وبين الله، في حين أنَّ جوهر

(٩٠)

الانتظار هو أن تبقى علاقتك بالله مباشرةً لا عبر المواعيد والوسطاء، وفي هذه الجماعات، تتشكَّل آلياتٌ دقيقةٌ للحفاظ على الوهم.
أوَّلها - اللغة: إذ تتحوَّل الكلمات إلى رموزٍ داخليةٍ يفهمها (المقرَّبون) فقط، فلا يقولون (التوقيت)، بل (الإلهام)، ولا يقولون (الموعد)، بل (العلامة)، ولا يقولون (الزعيم)، بل (الخادم)، وهكذا يُعاد بناء الخطاب ليبدو متواضعاً وهو يحمل في باطنه احتكاراً للغيب.
وثانيها - العزل النفسيّ: إذ يتَّفق الموقِّت وأتباعه ضمناً على أنَّ (العالم لا يفهمهم)، وأنَّ المرجعيات غافلة، وأنَّهم وحدهم (المنتبهون)، وبذلك يُعاد تشكيل الهوية الجمعية للجماعة على أساس التميُّز لا المشاركة.
وثالثها - تقديس التجربة الشخصية: إذ تُصبح الأحلام والرؤى أدلّةً لا تُناقش، والمشاعر حججاً لا تُراجع، فينحلّ البرهان العلميّ في عاطفةٍ تُغذّي نفسها بنفسها.
وهكذا تتكوَّن هالة القداسة حول الموقِّت، لا لأنَّه ادَّعى النبوّة، بل لأنَّ الناس أرادوا نبيًّا دون أن يعترفوا بذلك، فهو بالنسبة لهم (الصوت القريب من الإمام)، والإنسان حين يخاف من الغيب، يبحث عن صوتٍ يتكلَّم باسم الغيب.
ومن هنا نفهم لماذا أشار الأئمة (عليهم السلام) إلى أنَّ أخطر الناس على الدين ليسوا أعداءه، بل أدعياء محبَّته.
ولأنَّ هذه الهالة لا تُبنى إلَّا بالخوف؛ فإنَّ الموقِّت يُغذّيها بلغةٍ تقوم على الوعيد: (سيُهلك الله المكذّبين قريباً)، (سيبدأ التمحيص)، (اقترب الفرز الإلهيّ)، وكلّها عباراتٌ تُدخل الناس في توتّرٍ مستمرٍّ يخلط بين الإيمان والرعب.

(٩١)

وهكذا تُصبح الجماعة في حالة تأهُّبٍ دائمٍ، لا للعقل، بل للعاطفة.
وفي علم النفس الجمعيّ، تُعرف هذه الحالة بـ(الانفعال الجماعيّ المقدَّس)، وهي اللحظة التي تذوب فيها العقول الفردية في شعورٍ مشتركٍ بالقرب من الحقيقة المطلقة، وهذه اللحظة تمنح الإنسان سعادةً روحيةً مؤقتةً، لكنه يدفع ثمنها باهظاً: فقدان حريّة التفكير.
ومن هنا نفهم أنَّ كلّ جماعةٍ موقِّتةٍ هي في حقيقتها (إلغاءٌ للعقل باسم الإيمان).
غير أنَّ التاريخ يُعلِّمنا أنَّ هذه الهالة لا تدوم، فحين يخيب الموعد، تنكسر الجماعة من داخلها، ويبدأ الانقسام بين من يُكابر ويؤوّل، ومن يستيقظ ويتوب، ومن يهرب إلى جماعةٍ جديدةٍ أكثر يقيناً، وهكذا يُعاد إنتاج الدورة نفسها: من توقيتٍ إلى خيبةٍ إلى توقيتٍ آخر.
ولذلك، فإنَّ علاج هذه الظاهرة لا يكون بالردع وحده، بل بإعادة بناء الوعي المهدويّ الناضج الذي يُفرِّق بين الرجاء والاستعجال، بين الغيب والظنّ، بين العلم والحدس.
مراحل الوعي المهدوي:
إنَّ الوعي المهدويّ الناضج لا يُلغِي الإيمان بالعلامات، لكنَّه يضعها في موضعها الصحيح: إشاراتٌ تربويةٌ لا جداول زمنية، وهو لا يُنكر الشوق إلى الظهور، لكنَّه يُعلّم أنَّ الشوق لا يُقاس بالأيام بل بالأعمال، فالمنتظر الحقيقيّ ليس من يعرف الموعد، بل من يتهيّأ له في كلِّ لحظةٍ دون أن يسأل متى؛ ولذلك، فإنَّ بناء هذا الوعي يمرّ بثلاث مراحل:
الأولى - تفكيك الوهم:
أن نُدرك أنَّ الموقِّت لا يملك سرًّا إلَّا ما صنعه خيالُه، وأنَّ الغيب لا يُدار بالرغبة بل بالإذن.

(٩٢)

الثانية - إعادة الثقة بالمرجعية والعقل:
لأنَّ العلم هو الحصن الذي يمنع من الانزلاق في خرافة المعرفة الخاصة.
الثالثة - تحويل الانتظار إلى مشروعٍ أخلاقيٍّ عمليّ:
بأن يُصبح السؤال: (كيف نُصلح أنفسنا ومجتمعنا ليكون مستحقًّا للعدل؟) لا (متى يأتي العدل؟).
وهنا تكتمل دائرة الإصلاح: حين يتحوَّل الغيب من موعدٍ إلى معنى، ومن وعدٍ إلى مسؤولية، فالمؤمن الذي يُدرك أنَّ الغيب ليس ملكاً له، يُصبح أكثر تواضعاً وأقلَّ انجرافاً، لأنَّه يعلم أنَّ الله لا يُحِبّ من يستعجل السرّ.
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُربّي الناس على الانتظار السلبيّ، بينما المطلوب أن يُربَّوا على الاستعداد المستمرّ، فبدل أن يسألوا: (متى يظهر الإمام؟)، ينبغي أن يسألوا: (متى نُصبح نحن جديرين بظهوره؟)، وبهذا فقط تتحوَّل المهدوية من مجالٍ للتكهّن إلى مجالٍ للعمل، ومن فضولٍ إلى فريضةٍ أخلاقية.
فالنجاة ليست في أن نعرف الموعد، بل في أن نُهيّئ الموعد في قلوبنا وأعمالنا، ومن هنا، نفهم عمق قول الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وهَلَكَ المُسْتَعْجِلُونَ ونَجَا المُسَلِّمُونَ»(٨)، لأنَّ المسلِّم لا يُسلِّم لعجزه، بل يُسلِّم لأمر ربِّه، ويعمل في الغيب كأنَّه الحاضر، ويثبت في الصبر كأنَّه يرى.
التوقيت حين يتحوَّل إلى سلطة:
من الموقِّت الفرد إلى الجماعة المؤمنة به - النشأة الاجتماعية للتنظيم السرِّي:
لم يكن التوقيت في بداياته مشروعاً جماعياً، بل كان حالةً فرديةً من القلق العقائديّ أمام الغيب، رجلٌ يقرأ الروايات، فيحسّ أنَّ قلبه التقط سرّها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.

(٩٣)

فيبدأ يهمس لمن حوله بأنَّ الظهور قريب، أو أنَّ العلامات بدأت تتحقَّق، أو أنَّ الزمان دخل مرحلة الحسم.
كان الأمر في البداية شعوراً فردياً متوتراً، لكنَّ التاريخ يُثبت أنَّ كلّ شعورٍ متوترٍ حين يجد له أذناً تصدّق، يتحوَّل إلى بذرة حركةٍ اجتماعية، وهكذا يولد التنظيم الموقِّت: من نفسٍ قلقةٍ صدَّقها الناس، ومن جمهورٍ عطشانٍ إلى المعنى، صدَّق أيّ نداءٍ يشبه الرجاء.
إنَّ كلّ تنظيمٍ منحرف يبدأ من جرحٍ روحيٍّ جماعيّ، حين تطول الغيبة، وتتوالى الأزمات، وتخيب الوعود الأرضية، يبحث الناس عن يقينٍ جديدٍ يملأ الفراغ بين السماء والواقع، وفي هذا الفراغ تحديداً يظهر الموقِّت، لا بصفته خصماً للمرجعية أو منكراً للغيب، بل بصفته المتكلِّم باسم الدين.
وهنا تكمن جاذبيته: فهو لا يُقدِّم نفسه نبيًّا، ولا يدَّعي الوحي، بل يقول: إنه (يقينٌ نابعٌ من الروايات والإشارات)، وأنَّه (لا يتجاوز حدود الأدب مع الإمام)، فيصدِّقه الناس لأنَّه يُشبههم، ويتكلَّم بلغتهم، ويُعبِّر عن وجعهم.
لكنَّ ما يبدأ كتعبيرٍ صادقٍ سرعان ما يتَّسع؛ لأنَّ الوجدان الجمعيّ في لحظات القلق لا يحتمل الصمت، فحين يقول رجلٌ واحد: (العلامات قد اكتملت)، يشعر الآخرون أنَّه حرَّرهم من الانتظار الطويل، وأنَّه أعطاهم إذناً نفسياً للرجاء، وهكذا تتشكَّل نواة الجماعة الأولى، لا على أساس علمٍ، بل على أساس عاطفةٍ دينيةٍ تواطأت على تصديق رجلٍ أكثر جرأةً في التعبير عمّا يضمرونه هم في قلوبهم.
في علم الاجتماع الدينيّ، تُسمَّى هذه اللحظة (لحظة الإيمان الناقل) - أي حين ينتقل الإيمان من النصِّ إلى الشخص، فيتحوَّل الشخص إلى حامل المعنى، ويغدو تصديقه شرطاً لتصديق العقيدة نفسها.

(٩٤)

فبدل أن يقول الناس: (نؤمن بالظهور)، يقولون: (نؤمن بمن علم وقت الظهور).
وهنا يحدث الانزلاق: فالإمام يغيب، ويظهر الموقِّت بوصفه (المرآة البشرية) لتلك الغيبة.
وما إن تتكوَّن حوله الدائرة الأولى من المقرَّبين حتَّى تبدأ ظاهرة التعويض الجمعيّ، فالجماعة الصغيرة التي تشكَّلت من الخيبة والانتظار تتحوَّل إلى مجتمعٍ مصغّرٍ يُقيم لنفسه نظاماً من الطقوس والعلاقات والقيم، وفي كلِّ جماعةٍ موقِّتةٍ نلمس سماتٍ متشابهةً مهما اختلفت الأسماء: الثقة المطلقة بالقائد، احتقار الخارجين، الإحساس بالاختيار الإلهيّ، الاعتقاد بأنَّهم يعيشون (الزمن الحاسم)، وأنَّ الآخرين ما زالوا غارقين في الغفلة.
إنَّ الاجتماع الدينيّ في أصله قائمٌ على الحبّ، لكنّ الحبّ حين يُفرغ من الرقابة العقلية يتحوَّل إلى تعصُّبٍ مقدَّسٍ يرفض المساءلة؛ ولهذا كانت الجماعة الموقِّتة منذ بدايتها جماعةً محبّةً لا جماعةً عاقلةً، إذ تقوم على حرارة الإيمان لا على نظام الفكر، فهي جماعةٌ تشبه حلقة النار: كلّ من يقترب منها يُدفَّأ، لكنّ من يبتعد يُتَّهم بالبرود، ومن يحاول إطفاءها يُرمى بالعداء.
وحين تتحوَّل هذه الحرارة إلى هوية، يبدأ التنظيم بالظهور، فالموقِّت الذي كان يتكلَّم من قلبه، يجد نفسه الآن مطالباً بأن يُنظِّم القلوب من حوله، لأنَّ جمهوره يطلب منه برنامجاً، لا مجرَّد وعدٍ؛ فيُنشئ (المجلس الخاصّ)، و(مجموعة المؤمنين)، و(المقرّ الروحي)، ويُعيد تعريف الانتماء إلى الدين من خلال الانتماء إلى جماعته، ومع كلّ خطوةٍ تنظيميةٍ جديدةٍ، ينحسر البُعد الروحي الأصلي، ويزداد الطابع الإداري والسياسي للفكرة، حتَّى تغدو المهدوية إطاراً سلطوياً جديداً.

(٩٥)

شرعنة عمل الموقِّت:
في هذه المرحلة، تبدأ عملية الشرعنة: فالموقِّت لا يُريد أن يُرى كزعيمٍ دنيويّ، بل كأمينٍ على الوعد؛ لذلك يُلبس جماعته لبوس التهيئة للظهور، فيُطلق عليها أسماءً ذات دلالاتٍ رمزية: (أنصار الظهور، طلائع النور، أصحاب الأمر، خدام الإمام)، وهكذا يُعيد إنتاج الرموز الروحية في قالبٍ اجتماعيٍّ مغلق، يجعل الولاء له مرادفاً للولاء للإمام.
ومن هنا يبدأ التحوُّل الخطير: يتحوَّل الإمام الغائب (عليه السلام) من محورٍ للعبادة إلى رمزٍ تبريريٍّ للزعيم الحاضر.
وفي عمق هذه البنية النفسية للجماعة، تنشأ علاقةٌ خفيةٌ بين الإيمان والسلطة، فكلّ موقِّتٍ يحتاج إلى من يؤمن به، وكلّ مؤمنٍ يحتاج إلى من يُطمئنه بأنَّ إيمانه ليس عبثاً، وهكذا يتبادلان الحاجة، ويتحوَّلان إلى شريكين في صناعة الوهم الجميل، والموقِّت - وإن بدأ صادقاً - يجد في تصديق الناس غذاءً خفيًّا لغروره؛ فالذي كان ينتظر الإمام (عليه السلام) صار هو المنتظَر من الناس.
وحين تتكرَّر اللقاءات والخطب والمواعيد، تُصبح الجماعة وحدةً رمزيةً متكاملةً؛ لهم أدبيّاتهم، ومواعظهم، وصيغ دعائهم الخاصة، ومع الوقت تنشأ بينهم (ذاكرةٌ جمعيةٌ موازية).
لكنّ الموقِّت لا يُدرك أنَّه حين يؤسِّس جماعته على الوعد المؤجَّل، فإنَّه يُؤسِّسها على الوقود ذاته الذي سيحرقها لاحقاً: لأنَّ الأمل الذي بُني على تاريخٍ محدَّدٍ لابدَّ أن ينكسر حين يأتي التاريخ ويمضي دون أن يتحقَّق شيء، ومن هنا تبدأ مرحلة الانهيار الداخلي، التي تُؤدِّي إمَّا إلى الانشقاقات، أو إلى ظهور زعيمٍ جديدٍ أكثر جُرأةً، يدَّعي وصلاً أعمق بالغيب.

(٩٦)

وقد لاحظ علماء الاجتماع أنَّ الجماعات الدينية المغلقة تمرّ دائماً بهذه الدورات: تأسيسٌ على الإيمان، توسُّعٌ بالعاطفة، استقرارٌ بالسلطة، سقوطٌ بالخيبة، ثمّ ولادةٌ جديدةٌ تحت اسمٍ آخر، فالفكر لا يموت، بل يُعيد تشكُّله مادام القلق نفسه قائماً في النفوس، ومن هنا كانت مسؤولية العلماء والمرجعيات أن تُبقي الإيمان حيًّا، لكنَّها لا تسمح له بالتحوُّل إلى نظامٍ من الخرافة.
إنَّ التنظيمات الموقِّتة ليست انحرافاً طارئاً، بل هي جزءٌ من التاريخ الطبيعي للوجدان الديني حين يفقد توازنه، فالإنسان الذي لا يستطيع أن يتحمل الغيبة، يُحوِّلها إلى حضورٍ رمزيٍّ عبر الزعيم، والزعيم الذي لا يستطيع أن يتحمل العجز، يُحوِّل الانتظار إلى سلطةٍ تُبرِّر وجوده، وهكذا تتوالد الجماعات، واحدةً بعد أخرى، كلٌّ تزعم أنَّها الأقرب إلى الموعد، وكلٌّ تبرِّر فشلها بأنَّها (مُمتحَنةٌ في الصبر).
وفي كلِّ جيل، يُولد الموقِّت من جديدٍ بأسماءٍ أخرى: مرّةً يُسمَّى الباحث في العلامات، ومرّةً حامل الأسرار، ومرّةً صاحب الرؤيا، ومرّةً الواسطة بين الإمام وأتباعه.
والناس، ما داموا عطشى إلى الغيب، يجدون فيه المرآة التي تُريهم ما يريدون أن يروا.
ومن هنا، فإنَّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتكذيبها فحسب، بل بفهمها، فالموقِّت في جوهره ليس عدوًّا للعقيدة، بل شاهدٌ على وجعها، لكنَّه حين يلبس وجعها ثوب السلطة، يُصبح خطراً على الإيمان نفسه؛ لذلك لابدَّ من وعيٍ جديدٍ يُفرِّق بين العطش إلى الإمام، وبين محاولة امتلاك الإمام، فالأوَّل عبادة، والثاني شركٌ خفيّ في المقامات.

(٩٧)

وهكذا يُمكن القول: إنَّ التنظيمات الموقِّتة هي المرآة الاجتماعية لعجز الأُمَّة عن التوازن بين الغيب والعمل، وحين يفهم المؤمنون هذه المعادلة، يسقط سحر الموقِّت، لأنَّ سلطته لا تقوم على دليلٍ، بل على الفراغ النفسي الذي يُحيط بالغيب.
اللغة الجديدة - كيف تصنع التنظيمات خطابها الخاصّ وتُعيد تشكيل الوعي؟
ما إن يتكوَّن التنظيم الموقِّت حتَّى يبدأ أولى خطواته في تثبيت وجوده عبر اللغة، لأنَّ اللغة ليست مجرَّد وسيلةٍ للتواصل، بل هي أوَّل أشكال السلطة.
فمن يملك تعريف الأشياء، يملك توجيه الوعي، ومن يحدِّد معنى (الإمام)، و(الظهور)، و(التمهيد)، و(العلامة)، يملك النفوذ على من يؤمن بها؛ لذلك تُدرك هذه التنظيمات منذ بداياتها أنَّ معركتها ليست مع النصّ، بل مع تفسير النصّ، فيُعيدون بناء اللغة لتصبح عالماً مغلقاً لا يفهمه إلَّا من ينتمي إليهم.
في البداية، يحرص الموقِّت على استخدام المصطلحات الدينية المألوفة، حتَّى يُشعر الناس أنَّه من نسيجهم، ثمَّ يبدأ بتغيير دلالاتها تدريجياً.
فالـ(ظهور) لم يعد وعداً غيبياً، بل أصبح مشروعاً سياسياً أو مهدياً قريباً.
و(العلامات) لم تعد رموزاً للتذكير، بل مؤشِّراتٌ تنفيذية.
و(التمهيد) لم يعد إصلاحاً ذاتياً، بل تحرُّكٌ جماعيٌ بإشراف القيادة الروحية.
وهكذا، تتسلَّل المفاهيم الجديدة تحت أسماءٍ مألوفة، فيخدع التشابهُ السامعَ، بينما الجوهر تغيَّر.
تُنشئ التنظيمات الموقِّتة لنفسها قاموساً خاصًّا، لا يُعلن رسمياً، لكنَّه يُتداول بين أتباعها في الخطاب اليومي، فيُقال: (وصل الأمر)، (أُذن بالتكليف)، (النداء قريب)، (التصفية بدأت)، (الفرز جارٍ)، وكلّها تعبيراتٌ

(٩٨)

توحي بأنَّهم في قلب الحدث المهدوي، بينما سائر الناس في الخارج يعيشون في (الغفلة)، هذه المفردات تُنتج ما يمكن تسميته بـ(اللغة المغلقة) لغة تُؤسِّس الهوية وتُفكّك المجتمع في الوقت نفسه، لأنَّها تخلق داخلَ الدين ديناً آخر، له ألفاظه وطقوسه ومعاييره الخاصة.
ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل يمتدّ إلى النغمة التي تُقال بها، فالتنظيم الموقِّت يتبنّى أسلوباً لغوياً مفعماً باليقين، خالياً من الشكوك، مطعّماً بالرمزية، فيصبح الخطاب أشبه بالمزامير الغيبية: لا تُقدِّم دليلاً، بل تُثير رهبةً وجدانيةً تُغني عن الدليل، فاللغة هنا ليست لنقل الحقيقة، بل لبناء الإحساس بالحقيقة.
ولذلك، فإنَّ أتباع هذه الجماعات لا يُصدّقون الموقِّت لأنَّه أقنعهم، بل لأنَّ كلماته تُشعرهم بالسكينة التي فقدوها.
ومع الوقت، تتحوَّل اللغة إلى طقسٍ، يُكرَّر حتَّى يُصبح عقيدة.
فكلّ عبارةٍ تتكرَّر على الألسنة تُعيد تشكيل الدماغ العاطفيّ للجماعة، وتجعلها تأنس بها أكثر من النصوص الأصلية، وهذا ما يسمِّيه علماء الاجتماع بـ(تقديس اللغة الثانوية) - أي أن تصبح مصطلحات الجماعة أكثر حضوراً في الوعي من مصطلحات الدين نفسه، فيُصبح (النداء السماويّ) أكثر ذكراً من (الصلاة)، و(التمهيد) أكثر حماساً من (الإصلاح)، و(الرؤية) أكثر قداسةً من (العلم).
وهكذا يُعاد ترتيب الأولويات دون قرارٍ صريح: تُنسى السُنن اليومية البسيطة التي تُربِّي الإيمان، ويُركَّز على الكلمات الكبيرة التي تُشعل الحماسة، والناس بطبعهم يميلون إلى العبارات التي تحمل وعداً ومغامرةً، أكثر من تلك التي تدعوهم إلى العمل الصامت.
وهنا ينجح التنظيم في تحويل اللغة إلى سُلَّمٍ نفسيٍّ للهيمنة.

(٩٩)

التقسيم بين (خطابٍ عامّ) و(خطابٍ خاصّ):
في العلن، يتحدَّث الموقِّت بلغةٍ متسامحةٍ ومفتوحةٍ حتَّى لا يُثير الريبة، فيتحدَّث عن الأخلاق والإصلاح وخدمة الإمام، أمَّا في الخفاء، فله لغةٌ أخرى، حادّة، مليئة بالتكليفات والرموز، فالخارجون يُسمَّون (الممتحنين)، والمنتقدون (المنكرين)، والمراجع (المتأخرين في الفهم)، وبذلك تُنشأ طبقةٌ لغويةٌ باطنيةٌ تُميّز الداخل عن الخارج، وتُغلق الجماعة على نفسها من الداخل.
ومن هنا، تنشأ قوة التنظيم: فاللغة الباطنية تُولِّد شعوراً بالتميّز، من يفهمها يشعر بأنَّه من (الخاصة)، وأنَّ له علماً لا يعرفه أحد.
وهذه اللذة المعرفية هي ما يُغذِّي انتماء الفرد للجماعة أكثر من أيِّ مصلحةٍ مادية، فكلّ إنسانٍ يحبّ أن يشعر بأنَّه في الدائرة الأقرب، وأنَّ له مكاناً في قلب السرّ، والموقِّت الذكيّ يعرف كيف يُغذِّي هذا الشعور بالتدريج، حتَّى يصبح الانتماء للجماعة هو هويّة الشخص، لا اختياره.
وفي هذه اللحظة، تُصبح اللغة نفسها نظام حمايةٍ للتنظيم، فمن يُرد أن يُراجع الموقِّت أو يناقشه لا يجد مدخلاً، لأنَّ الكلام عندهم أصبح شفرةً لا تُفكّ إلَّا من الداخل، وكلّ اعتراضٍ يُترجم إلى (اختبارٍ من الله)، وكلّ شكٍّ يُؤوَّل على أنَّه (تمحيصٌ للمؤمنين)، وهكذا تنقلب اللغة من وسيلةٍ للفهم إلى أداةٍ للغلق، ومن طريقٍ إلى الحقيقة إلى سورٍ حول الوهم.
ولأنَّ التنظيم الموقِّت يحتاج دائماً إلى تغذيةٍ رمزيةٍ جديدةٍ تُبقي النار مشتعلة، فإنَّه يُعيد صياغة الأحداث العامة لتُناسب خطابه.
فإذا وقعت حربٌ في مكانٍ ما، قالوا: هذه علامة.
وإذا تغيَّر حاكمٌ أو انهار اقتصادٌ، قالوا: هذه بداية التحوُّل.
وكلّ خبرٍ في العالم يصبح جزءاً من نبوءتهم الكبرى، وهكذا يُصاغ الواقع اليوميّ بعيونٍ مهدويةٍ ضيِّقةٍ لا ترى في التاريخ إلَّا تمهيداً لتأكيد روايتهم.

(١٠٠)

ولعلَّ أخطر ما في هذه اللغة أنَّها تُفرغ النصّ من مقصده وتملأه بضلالها، فالروايات المهدوية التي كانت دعوةً إلى الصبر والتهيّؤ، تتحوَّل في خطابهم إلى خرائط وأسماء، والقرآن الذي كان يُربِّي الناس على انتظار وعد الله دون استعجال، يُقرأ في سياقٍ من الارتقاب السياسي، وهكذا تتحوَّل اللغة الدينية إلى جهازٍ من أجهزة التنظيم، تُعيد تفسير الغيب بما يخدم حضور الجماعة وزعيمها.
إنَّ إعادة إنتاج اللغة هي إعادة إنتاج الوعي، لأنَّ الإنسان لا يرى إلَّا بالكلمات التي يُفكّر بها، فإذا غيَّرت مفرداته، غيَّرت رؤيته للعالم.
ومن هنا، يُصبح أتباع التنظيم الموقِّت عاجزين عن رؤية الحقيقة خارج مفرداتهم الخاصة؛ لأنَّهم فقدوا القدرة على التفكير بلغةٍ أخرى، وهذه هي ذروة السيطرة: أن تُقنع الإنسان أنَّه حرّ، بينما هو لا يعرف كيف يتكلَّم إلَّا بلغتك.
ولذلك، فإنَّ مقاومة هذه التنظيمات لا تبدأ بتفنيد أرقامها أو مواعيدها، بل بإعادة بناء اللغة الدينية الأصلية في وعي الناس، اللغة التي تقول: (الغيب أمانة، والانتظار تكليف، والظهور وعدٌ لا يُبرمج).
فحين يُستعاد المعنى الصحيح للكلمة، تسقط سلطات كثيرة؛ لأنَّ الكلمة هي أوَّل ما فسد، وهي أوَّل ما يجب إصلاحه.
وقد أدرك الأئمة (عليهم السلام) خطورة هذا الانحراف اللغويّ، فكانوا يحذِّرون من (تفسير القرآن بالرأي)؛ لأنَّه يفتح الباب أمام التأويلات التي تُلبس الأهواء ثوب الدين، فالتنظيم الموقِّت هو استمرارٌ لهذا التفسير بالرأي في صورةٍ جماعيةٍ معاصرة: كلّ شيءٍ يُؤول على قدر مصلحته، وكلّ غموضٍ يُفسَّر بلسان الجماعة لا بلسان الله (عزَّ وجلَّ).

(١٠١)

إنَّ اللغة في هذه التنظيمات لا تُستخدم للتعبير عن الإيمان، بل لتثبيته كهويةٍ سياسيةٍ، وكلَّما ضاقت المفردات، اتَّسعت التبعية؛ لذلك فإنَّ مقاومة هذا النمط من الخطاب تتطلَّب ثورةً في المعجم لا في العنف، يجب أن تعود الكلمة إلى معناها الأوَّل، لا إلى معناها التنظيمي.
التوقيت كأداةٍ للسلطة والسيطرة والصدام مع المرجعية ثمَّ تفكيك الظاهرة وإعادة الوعي:
حين تتحوَّل الفكرة إلى جماعة، تتحوَّل العقيدة إلى سلطة، والسلطة بطبيعتها لا تكتفي بأن تُقنع، بل تُريد أن تُطاع.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأخطر في مسار كلّ تنظيمٍ موقِّت:
مرحلة تحويل الوعد الإلهيّ إلى نظامٍ اجتماعيٍّ للضبط والسيطرة.
فالموقِّت بعد أن جمع حوله المؤمنين، يحتاج إلى أن يُحافظ على تماسكهم، لأنَّ الجماعة التي بُنيت على الخيال لا تعيش إلَّا بالتغذية المستمرة.
والوسيلة الأنجع للحفاظ على ولائهم ليست العلم، بل الخوف من فقدان المكانة الروحية.
وهكذا، يتحوَّل التوقيت من فكرةٍ إلى أداةٍ للسلطة، ومن بشارةٍ إلى تهديدٍ مستتر.
إنَّها طاعةٌ عاطفيةٌ تُمزَج بالرهبة، وتُغلَّف بالدعاء، وتُقدَّم للناس على أنَّها أعلى درجات التسليم، بينما هي في حقيقتها استسلامٌ لإرادة بشريةٍ لبست ثوب الغيب، إنَّ التحليل النفسيّ لهذه الظاهرة يُظهر أنَّ الموقِّت يمارس ما يُعرف في علم النفس السياسيّ بـ(التقديس المتبادل)، فهو يُقدِّس أتباعه بوصفهم (خيرة الأُمَّة)، وهم يُقدِّسونه بوصفه (عين الغيب فيهم)، وكلّ تقديسٍ متبادلٍ يُنتج علاقةَ تبعيةٍ مطلقة؛ لأنَّ كِلا الطرفين يظنّ أنَّه يخدم الله في خدمة الآخر، وهكذا

(١٠٢)

يتحوَّل الإيمان الصافي إلى دائرةٍ مغلقةٍ من المجاملة الروحية التي تُعطِّل التفكير وتُبرِّر الأخطاء.
ومع الوقت، يتطوَّر الخطاب الداخليّ للجماعة من البشارة إلى التهديد، فكلّ تأخيرٍ في الموعد يُفسَّر بأنَّ (الناس قصَّروا)، وكلّ اعتراضٍ يُعتبر (ابتلاءً من الإمام)، وكلّ فشلٍ يُحوَّل إلى (امتحانٍ في الصبر)، وهكذا يُعاد تدوير الفشل في قالبٍ إيمانيٍّ جديد، فيبقى القائد مصيباً دائماً، والجماعة على حقٍّ دائماً، والزمان هو المخطئ الوحيد.
وفي لحظةٍ ما، حين تترسَّخ البنية التنظيمية، يصبح الموقِّت أكثر جرأةً على ما لم يكن يجرؤ عليه من قبل، فقد يبدأ بـ(التقدير)، ثمّ (التأكيد)، ثمَّ (التكليف)، حتَّى يصل إلى (التنفيذ)، وهنا تتجاوز الجماعة مرحلة التوقيت لتدخل في مرحلة الوصاية على الغيب: فالقائد لا يتحدَّث فقط عن الظهور، بل عمّا يجب أن يفعله الناس (قبل الظهور)؛ فيُصدر الأوامر والنواهي، ويُعيد صياغة الطاعة الشرعية في صورة تكليفٍ خاصٍّ مرتبطٍ بموعدٍ إلهيٍّ لا يملكه أحد.
في هذه اللحظة، يُصبح التوقيت (سُلطةً ماورائية)، تُخضع الأتباع بلا قسرٍ ماديٍّ، بل بقسرٍ رمزيٍّ، فالخوف من (فوات الظهور) أقوى من الخوف من أيّ عقوبةٍ دنيوية، وكلّ من يشكّ أو يتراجع يُوصَف بأنَّه (من الممحوقين)، أو (من الممتحنين)، أو (من الذين لم يثبِّت الله قلوبهم)، وهكذا، تُحاصَر حرية الفكر داخل خطابٍ مفعمٍ بالإيمان، بينما هو في حقيقته إلغاءٌ لجوهر الإيمان.
ومن أخطر آثار هذه السلطة أنَّها تُعيد تشكيل الوعي الجمعيّ للمؤمنين؛ فتصبح المرجعية الشرعية في نظرهم (منزلةً مؤجَّلة) لا يُحتاج إليها ما دام (الأمر) قائماً، فيُقال لهم: (العلماء منشغلون بالظاهر، ونحن نحمل الباطن)، ويُقال أيضاً: (المرجعية تنتظر، ونحن نمهِّد)، وبهذا التقابل الخفيّ

(١٠٣)

تُزرع في النفوس فكرة أنَّ المرجعية في مرحلةٍ من التأخُّر عن الحدث الإلهيّ، وأنَّ الجماعة الجديدة هي (اليد الخفيّة التي تُعدّ الأرض للظهور).
إنَّه صِدامٌ هادئ، لا يُعلن الحرب على العلماء، بل يُلغِيهم بصمتٍ تحت عناوين الاحترام؛ فالموقِّت لا يقول: (لا تتَّبعوا المرجع)، بل يقول: (المرجع له مجاله، ونحن لنا التكليف الخاصّ)، وهذا الخطاب هو أخطر أنواع الانحراف؛ لأنَّه لا يهدم صراحةً، بل يُعيد ترتيب المراتب الإيمانية في وعي الناس، فيضع نفسه في مرتبة (التكليف الإلهيّ)، ويضع المرجع في مرتبة (العلم البشريّ)، فيفقد الجمهور البوصلة التي تُفرِّق بين الاجتهاد والإلهام.
ولأنَّ المرجعية تمثِّل في الوعي الشيعيّ (ضمير الجماعة)، فإنَّ أيّ محاولةٍ لعزلها هي في حقيقتها محاولةٌ لعزل الضمير نفسه، فالجماعة التي تنفصل عن ضميرها تفقد القدرة على تصحيح مسارها؛ لأنَّها لم تَعُد تسمع سوى صداها الداخليّ، وحين تغيب المرجعية، تحضر الكارثة: كلّ شخصٍ يصبح مرجعاً في التأويل، وكلّ حلمٍ يُصبح دليلاً، وكلّ حدسٍ يُصبح فتوى.
وفي تلك اللحظة، يدخل التنظيم مرحلة الاضمحلال الداخليّ، لأنَّ الجماعة التي تُبنى على الكاريزما لا تعيش أكثر من صاحبها، فالموقِّت، مهما بلغت هيبته، محكومٌ بموعدٍ لم يتحقَّق، وما إن ينقضي الزمن الذي وعد به دون أن يظهر الإمام، حتَّى يبدأ التصدُّع: فبعضهم يبرِّر، وبعضهم ينشقّ، وبعضهم ينهار في الإيمان نفسه.
وهكذا، تكون نهاية كلّ تنظيمٍ موقِّتٍ هي عكس ما وعد به:
(خيبةٌ تُضعف الإيمان لا تُقوّيه).
الخطر الباطني لحركات التوقيت:
غير أنَّ خطورة هذه الظاهرة لا تنتهي بانهيارها الظاهريّ، لأنَّها تترك أثراً باطنياً طويل الأمد في وجدان الأُمَّة: فقدان الثقة بالخطاب المهدويّ ذاته،

(١٠٤)

فكلّ كذبةٍ عقائديةٍ تُضعف الإيمان العامّ، وكلّ وعدٍ زائفٍ يجعل الناس أقلّ استعداداً لتصديق الوعد الحقيقيّ، ولهذا كان تحذير الأئمة (عليهم السلام) صارماً، ليس لأنَّهم يخافون على الغيب، بل لأنَّهم يخافون على الإنسان من اليأس حين يسقط الغيب في أيدي المتلاعبين به.
ولذلك، فإنَّ تفكيك ظاهرة التنظيمات الموقِّتة لا يكون بالاتِّهام أو النفي، بل بإعادة الغيب إلى مكانه الطبيعيّ في البناء الدينيّ، فالغيب ليس ميداناً للمعلومات، بل ميداناً للثقة، وليس وعداً لتحديد المواعيد، بل دعوةٌ لتهذيب القلوب كي تكون مستحقّةً لمجيء العدل.
فحين يفهم المؤمن أنَّ الغيب ليس جزءاً من سلطته، يتحرَّر من كلّ من حاول أن يتسلَّط عليه باسمه، وحين يعود الخطاب المهدويّ إلى أصله القرآنيّ - وعدٌ مشروطٌ بالعمل، لا بموعدٍ زمنيٍّ - تسقط كلّ الأسوار التي بناها الموقِّتون حول عقول الناس؛ لأنَّ السلطة التي تُبنى على الخوف من الغيب، تُدمَّر حين يُصبح الغيبُ محلَّ الطمأنينة لا الرعب.
إنَّ الله لم يُخفِ الظهور عن عباده ليحرمهم من الأمل، بل ليحميهم من عبوديّة المواعيد الزائفة؛ ولذلك، فإنَّ أوَّل خطوةٍ نحو (الوعي المهدويّ الناضج) هي أن نُعيد تعريف الطاعة: ليست الطاعة أن تُغلق عقلك أمام رجلٍ يقول: (إنِّي أعلم)، بل أن تفتح قلبك أمام الله الذي يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩)، بهذا فقط تُستعاد المهدوية من أيدي التنظيمات السرية إلى سكينة الإيمان، وبهذا فقط يُصبح الانتظار فعلاً من أفعال الوعي، لا من انفعالات الغرور، فمن صدَّق الموقِّت فقد جعل من خوفه مرجعاً، ومن سلَّم لله فقد جعل من إيمانه وطناً.

(١٠٥)

 

إشكالية السياق في آية المستضعفين
 

 

الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي

 

تمهيد:
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
لا ريب في أنَّ القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وتشريع، نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، وجرى على موازين العقلاء في بيان مراداته وتفهيم المعاني المقصودة، ومن ثَمّ، فلابدَّ من مراعاة أساليب اللغة العربية - بما فيها من بيان وبلاغة وأساليب أداء المعاني -، لمن يريد فهم معانيه والاستفادة من مضامينه.
وقد اشتهر لدى الأصوليين أنْ ليس للشارع طريقة خاصة في بيان مراداته غير طريقة العقلاء في ذلك، ومن ثَم كان ظاهر القرآن حجة يُعتمد عليها، لأنَّ سيرة العقلاء على ذلك، ولو كان للشارع طريقة أخرى لبيان مراداته لصرَّح بيها، منعاً للإغراء بالخطأ، ولطفاً بالعباد ببيان طريقته الخاصة، قال الشيخ الآخوند الخراساني: (لا شبهة في لزوم اتِّباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة، لاستقرار طريقة العقلاء على اتِّباع الظهورات في تعيين المرادات، مع القطع بعدم الردع عنها، لوضوح عدم اختراع طريقة أخرى في مقام الإفادة لمرامه من كلامه، كما هو واضح...)(١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كفاية الأصول: ص٢٨١.

(١٠٧)

وقد فتح هذا المعنى المجال رحباً أمام الأصوليين للبحث في طريقة العقلاء وما يقع في طريق إيصال المعاني، فكانت هناك بحوث مطولة في ما يتحقَّق به ظاهر الكلام الحجة، واعتماد القرائن المتصلة والمنفصلة، وردع الشارع عن بعض السير العقلائية وإمضائه لبعض آخر، مما فُصِّل في كتب أصول الفقه.
هذا البحث يريد الإشارة إلى أن السياق - وحده - لا يمثِّل قرينة من القرائن التي تقيد الكلام في معنى محدَّد، أو تصرِفه من معنى إلى آخر، وإن كان له أثر في ذلك فهو لا يعدو كونه أثراً غير تام، أي إنَّه لا ينفرد في تحديد المعنى، ثم تطبيق هذا المعنى على آية المستضعفين، حيث قد يُدَّعى أنَّها خاصة ببني إسرائيل، بقرينة السياق، ومن ثم فلا يصح تطبيقها على أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خصوصاً، وسنذكر طرقاً عدَّة - إن شاء الله تعالى - للخروج عن مقتضى السياق - بأيِّ معنى فُهم، أي فُهم كونه قرينة أو لا -، ليثبت أنَّ هذه الآية من الآيات التي تشير إلى دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) التي هي آخر الدول، وأنَّ الصالحين هم من سيرثون الأرض.
وفي البحث مطلبان:
المطلب الأوَّل: السياق:
بمراجعة كلمات الباحثين في هذا المجال، قد نجد تفاوتاً في تحديد معناه المقصود، ولسنا في صدد تحقيق معناه، ولا في صدد توحيد وجهات النظر أو الجمع بينها، فإنَّه ليس مقصوداً بهذا البحث، المهم أنَّ المقصود - فيما يتعلَّق ببحثنا - هو أنَّ تتابع الآيات الكريمة(٢) في موضوع معيَّن، يمثِّل قرينة على إرادة المعنى والموضوع نفسه من كل آيات السياق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) في محل البحث، وإلَّا فالبحث ذاته يأتي في جملة صغيرة ضمن آية واحدة، أو كلمة ضمن آية.

(١٠٨)

وبعبارة أخرى:
إنَّنا في مقام فهم مرادات المتكلِّم، نعتمد على أمور عدَّة، ومنها ظاهر كلامه، والقرائن التي اعتمدها، متَّصلة كانت أو منفصلة، بالإضافة إلى عناصر أخرى من قبيل كونه في مقام البيان، والجد - لا الهزل -، وجهة البيان، وما شابه هذه الجهات.
وقد يُدَّعى أنَّ السياق - بمعنى تتابع الكلام في موضوع معيَّن - يمثِّل قرينة متصلة على إرادة معنى معيَّن من جملة يُحتمل فيها أكثر من معنى.
وبوضوح أكثر:
إنَّ بحثنا هو في مورد تتابع آيات عدَّة، تتحدَّث عن موضوع معيَّن، ولكننا نجد أنَّ إحدى الجمل أو الآيات في هذا التتابع تحتمل معنيين، أحدهما مرتبط بذات السياق، والآخر بغيره، بحيث لو عزلنا الآية وحدها لأعطت معنى مغايراً لمعنى السياق السابق، أو أعطت تطبيقاً آخر من تطبيقاته.
فيُبحث: هل يمثِّل السياق - بمعنى التتابع المشار إليه - قرينة على أنَّ المقصود من الآية هو ذات المعنى في الآيات المتتابعة، أو لا، بحيث يُمكن أن يكون للآية معنى آخر على ما مرّ؟!
وهذا يعني: أنَّنا لا نريد من السياق هنا ما أشار إليه السيد الشهيد من أنَّ المقصود منه هو كل ما له مدخلية في صياغة المعنى النهائي للكلام، بدءاً بالعمدة في الكلام - المسند والمسند إليه - مروراً بفضلات الكلام فالتوابع اللغوية - الصفة والحال والتمييز... - فالجار والمجرور والظرف... وانتهاءً بالقرائن والمؤثِّرات غير اللفظية (قرينة الحال وما شابه)، إذ قال: (ونريد بـ[السياق] كلّ ما يكتنف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى، سواء كانت لفظيةً - كالكلمات التي تشكِّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً واحداً

(١٠٩)

مترابطاً -، أو حاليةً كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالةٍ في الموضوع...)(٣).
وإنَّما نريد بالسياق ما أشرنا إليه مما له علاقة بمحل البحث، هو: التتابع بين الجمل والآيات.
بيان آخر للمراد من السياق هنا:
لا ريب في أنَّ لكلِّ علم ناظماً يجمع شتات مسائله، ويكون هو المحور الذي تدور حوله مسائله، فيمنع الغير من الدخول، كما يمنع المسألة العلمية من الخروج إلى علم آخر، سواء افترض أنَّه الموضوع، أو الغاية، أو المركَّب منهما - على خلاف مذكور في محله -، فالرابط والناظم والجامع بين مسائل العلم ضرورة، وهو يمثِّل محوراً يفسر قضايا العلم، ويُدخل فيه ما هو منه، ويُخرج منه ما ليس منه، ومن ثَمّ يخرج العلم عن كونه مجموعة مسائل مبعثرة إلى مجموعة من المسائل المتَّسقة والمترابطة...
هذا المعنى ضرورة في كل علم، سمِّه سياقاً، أو قرينةً، أو موضوعاً، أو أي شيء آخر.
وفي المقام، فلا ريب أنَّ القرآن الكريم كتاب توحيد، وهذا المعنى المهيمن على هذا الكتاب يمنع من تفسير أي آية من آياته بما لا ينسجم مع التوحيد وبمختلف مراتبه، ولذا تجد علماءنا - تبعاً لأهل البيت (عليهم السلام) - أصرُّوا على تفسير آيات الصفات الخبرية - أي ما ظاهره التجسيم مما أثبته القرآن الكريم لله تعالى - بما لا ينتهي إلى التجسيم ولو من بعيد، لاستلزامه الخروج عن موضوع القرآن الكريم، التوحيد.
وهذا لا كلام فيه ولا بحث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) دروس في علم الأصول: ج١، ص١٠٨-١٠٩.

(١١٠)

إنَّما البحث هنا هو: إذا جاءت جمل متعدِّدة، ليس لها هيئة خاصة لتكوِّن مدلولاً واحداً، وكانت إحداها تحتمل معنيين: فإن رُبطت بالجمل التي جاءت معها أعطت معنى معيَّناً، وإن فُصلت عنها كان لها معنى مستقل مقبول في حدِّ نفسه، فهل مجيئها مع أو ضمن جمل أخرى قرينة على الترابط بينها أو لا؟
وكنموذج على ذلك: آية التطهير، فإنَّها وردت وسط آيات تتحدَّث عن نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله)، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً * يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٠ - ٣٤).
فهل تتابُع الآيات في نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله) قرينة تعيِّن أنَّ المقصود من آية التطهير هن نساؤه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً، أو لا؟ وعلى الثاني لابدَّ من استئناف بحث جديد لتحديد المراد من أهل البيت في آية التطهير.
أو مثلاً: آية إكمال الدين، حيث جاءت ضمن آية تتحدَّث عن حلية بعض اللحوم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ

(١١١)

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣).
فهل هذا التتابُع يعيّن المقصود من إكمال الدين بأنَّه كان بتشريع حرمة المذكورات، أو لا، ومن ثم يُمكن استئناف بحث جديد لتحديد الحادثة التي كمل بها الدين؟
وفي محل بحثنا - آية المستضعفين -، فإنَّها وردت في تتابع آيات تتحدَّث عن بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٤-٧).
فهل تتابُع الآيات قرينة على أنَّ المقصود من المستضعفين هو خصوص بني إسرائيل، فتكون الآية إخباراً عما منَّ الله تعالى به على بني إسرائيل بعد أن أغرق فرعون وجنوده، من وراثتهم مساكنهم ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٦-١٣٧).
أو أنَّه ليس كذلك، ومن ثَمّ فلابدَّ من استئناف بحث في أنَّ المقصود من الآية هو خصوص بني إسرائيل، أو أنَّهم تطبيق من تطبيقات الآية،

(١١٢)

ومصداق من مصاديقها، فلا مانع من وجود تطبيقات ومصاديق أخرى لها، وعلى الثاني، ما المبرّرات التي نخرج بها عن سياق التتابُع إلى التعميم لما تنطبق عليه الآية، أو قل: كيف نخرج عن سياق التتابع إلى التعميم؟
هذا هو ما سنعرفه في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
المطلب الثاني: تعميم آية المستضعفين:
في المطلب أمران:
الأمر الأوَّل: أنَّ السياق ليس قرينة:
إنَّ القرائن - كما هو معلوم - على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوَّل: ما تكون قرينة بالمادة:
كما في قولك: (رأيتُ أسداً أعني، أو أقصد، رجلاً شجاعاً)، فإنَّ كلمة (أعني) وأخواتها قرينة على المقصود النهائي للكلام، دلَّت عليه بوضع المادة للتفسير وبيان المراد.
النحو الثاني: ما تكون قرينة بهيئتها:
كما في (يرمي) في قولك: (رأيت أسداً يرمي)، فإنَّها تدل على أنَّ المراد الجدي من (أسد) هو الرجل الشجاع، من خلال الذائقة الأدبية والسياقات الفنية، لا من الوضع.
النحو الثالث: ما تكون قرينة غير لفظية:
كما في (البيئة) التي صدر فيها الكلام، بما تحتويه من أنظمة مختلفة، على مستوى الثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها، كما في القرائن الحالية وما شابه.
وهذه القرائن لا حجية لها ما لم يُحرز في مرحلة سابقة أنَّ المتكلِّم اعتمد عليها في بيان مراده الجدِّي، وأنَّه أخذها بعين الاعتبار في ذلك، وأنَّه وظَّف الواقع الذي يحيط به للدلالة على المقصود النهائي لكلامه، ليتقيَّد كلامه -وتشريعاته - بحدود تلك الظروف المحيطة.

(١١٣)

أمَّا لو لم يُحرز ذلك - نوعاً أو شخصاً -، فلا تكون تلك الظروف قرينة على تقييد المراد بها، ولا يُتنازل عن إطلاق كلام المتكلِّم ولا عن عمومه لمجرَّد احتمال دخالة تلك الظروف في المراد الجدِّي والنهائي له.
بل إنَّ هذا المعنى مأخوذ حتَّى في القرائن اللفظية، فإنَّها إنَّما تدل على تقييد اللفظ - أو الدلالة أو صرفها أو تعيينها - فيما لو أُحرز أنَّ المتكلِّم اعتمدها في ذلك، وأنَّها لم تصدر منه غلطاً، ولذا لو قال المتكلم: (رأيت أسداً يرمي)، وأحرزنا أنَّه لم يقصد كلمة (يرمي)، أو أحرزنا أنَّها صدرت منه غلطاً ومن سبق اللسان، فلا يُقال: إنَّ مراده الحقيقي هو الرجل الشجاع، بل يبقى المراد له هو الأسد الحقيقي لا غيره.
ولذا يصح أن يُضرِب عن تلك اللفظة فيقول: (بل يزأر)، ولا يؤاخذ بذلك.
فإذا كان الحال كذلك في القرينة اللفظية، فالحال أوضح وأولى في القرينة غير اللفظية.
والسؤال هنا:
هل مجرَّد التتابع اللفظي بين الجمل فقط، وحده، ومن دون أي إضافة (من ضمير أو عطف أو تكرار أو تابع أو غيرها من الروابط) يدل على وحدة كل المتتابعات من حيث الحكم، بحيث يكون حاكماً على الجملة المشكوك أمرها؟
الجواب:
لم يثبت بدليل واضح كون التتابع الصرف دليلاً وقرينة على وحدة حكم المتتابعات، خصوصاً أنَّنا لم نجد إشارة إلى ذلك في علوم البلاغة التي عنيت بضبط الهيئات المرتبطة باللغة، فلم يشيروا إلى هيئة التتابع على أنَّها واحدة من الهيئات التي يتقيَّد بها الكلام وتكون لها المدخلية في تحديد المراد منه.

(١١٤)

نعم، لا ريب في أنَّ التتابع له مدخلية ما في بيان المقصود، ولكن المقصود أنَّه لا يكفي وحده لتقييد آية عامة به، وإنَّما التقييد - أو التعميم - بحاجة إلى تتمة أخرى غير السياق التتابعي.
إذا تبيَّن هذا نقول:
في موضوع بحثنا، لابدَّ أن نلتفت إلى أنَّ التتابُع ظاهرة واقعية تكوينية في كل السورة القرآنية، ولكن في الوقت ذاته لا دليل يدل على أنَّ هناك موضوعاً واحداً يربط آيات السورة الواحدة ولو كانت متتابعة، فقد يكون لها موضوع واحد، وقد يكون لها أكثر من موضوع، تجتمع كل مجموعة من الآيات تحت موضوع مختلف عن موضوع الآيات الأخرى، وهذا أمر واضح لكلِّ من تلا القرآن الكريم.
ومعه، فلو وردت مجموعة من الآيات بتتابُع معيَّن، وظهورها في أنَّها تعالج موضوعاً محدَّداً، ثم تلتها (أو سبقتها أو توسطتها) آية يُحتمل فيه احتمالان: فقد تكون جزءاً من التتابُع السابق بموضوعه وغايته، وقد لا تكون، فإن أُرجعت إلى ما سبق، كان لها معنى يختلف عما إذا قُطعت عنه، فحينها لا يكفي التتابُع لتحديد المعنى المقصود من تلك الآية - سمِّها الاعتراضية مثلاً -، فقد تكون مختلفة مع السياق وبنحو التباين، كما في آية التطهير وآية إكمال الدين، فإنَّ المعنى الذي يظهر منها من دون السياق مختلف عما يظهر منها مع السياق.
أو يكون الاختلاف بنحو العموم والخصوص، فمع السياق يتقلَّص معنى الآية ليكون خاصاً بمورد السياق، ومن دونه يعم ويشمل موضوع السياق كتطبيق من تطبيقاته، ومن ثَم يُمكن أن ينطبق على موارد أخرى، كما هو في محل بحثنا في آية المستضعفين.

(١١٥)

والحاصل:
إنَّه لا يمكن إنكار وجود أثرٍ للتتابُع اللفظي في الإيصال إلى المعنى المقصود للمتكلِّم، وأنَّه لون من ألوان التعبير الفني لذلك، إلَّا أنَّه وحده ليس قرينة، أو ليس قرينة تامة، فليس هو هيئة خاصة، ولا هو قرينة مستقلة، بل إمَّا أن يكون قرينة موردية، أو قرينة بضم ضمائم أخرى معه.
وإلى ما ذكرناه من أن التتابُع وحده ليس كافياً للقرينية، أشار السيد الطباطبائي في الميزان بقوله: (فليس مجرَّد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق، ولا أنَّ بعض المناسبة بين آية وآية يدل على نزولهما معاً دفعة واحدة أو اتِّحادهما في السياق)(٤).
الأمر الثاني: وجوه تعميم آية المستضعفين:
لقد وردت آية المستضعفين - كما تقدَّم - في ضمن سياق يتحدَّث عن بني إسرائيل، وأنَّ فرعون علا في الأرض، وأخذ يتعامل معهم بطريقة سيئة جداً، فبعد أن علا في مصر، استضعف أهلها، وتعامل معهم بقسوة، فأخذ يقتل الذكور ويُبقي الإناث، استناداً منه إلى نبوءة أُخبر بها بأنَّ ذكراً من بني إسرائيل هو الذي سيزيل ملكه، وقد وصفه القرآن الكريم بأنَّه من المفسدين، وبعد بيان هذه الصفات لفرعون، عطف القرآن الكريم على ذلك الآية محل البحث، وبعدها رجع للحديث عن فرعون وهامان، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الميزان: ج٦، ص٦.

(١١٦)

إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٤-٧).
والمدَّعى:
إنَّ وقوع آية المستضعفين في وسط سياق يتحدَّث عن بني إسرائيل لا يعني اختصاصها بهم، وإنَّما ذُكرت الآية في هذا السياق لبيان أنَّ ما جرى على بني إسرائيل، وما منَّ الله تعالى به عليهم، هو تطبيق من تطبيقات هذه الآية العامة الشاملة لهم ولغيرهم.
ومن هنا، يتَّجه البحث في بيان الأدلة أو الوجوه والقرائن التي تُعمِّم مفاد الآية لغير سياق تتابُعها، وسنذكر مجموعة من تلك الوجوه، إن لم يكن أحدها مقنعاً، فإنَّها بمجموعها تمثِّل قرينة قطعية على المدَّعى.
ومن تلك الوجوه:
الوجه الأوَّل: الوجه التعبُّدي:
المقصود من هذا الوجه: هو أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد ذكروا تطبيقاً آخر لهذه الآية، غير بني إسرائيل، وهذا يكفي في الخروج عن تقييد السياق لها بخصوص بني إسرائيل، وتعميمها لموارد أخرى يدلّ عليها الدليل الخاص.
والطوائف في هذا متعدِّدة، كلّها تشترك في إيجاد تطبيق آخر لهذه الآية غير بني إسرائيل، وتشترك أيضاً في أنَّ هذا التطبيق الثاني هم أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خصوصاً، وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما دلَّ على انطباق الآية على كل أهل البيت (عليهم السلام):
فإنَّ هذا اللسان واضح في أنَّ (أهل البيت (عليهم السلام)) تطبيق آخر للمستضعفين الذين سيمنّ الله تعالى عليهم ويجعلهم الوارثين.

(١١٧)

ومما يدل على هذا اللسان روايات كثيرة، نذكر منها:
ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا»، وتَلَا عَقِيبَ ذَلِكَ: «﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]»(٥).
وما روي عن أبي الصادق، قال: قال لي علي (عليه السلام): «هي لنا أو فينا هذه الآية ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾»(٦).
وما وروي عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ، قَالَ: نَظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَمْشِي فَقَالَ: «تَرَى هَذَا؟ هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾»(٧).
وما روي عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
«إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نظر إلى علي والحسن والحسين (عليهم السلام) فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي»، قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: «معناه أنَّكم الأئمة بعدي، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة»(٨).
وفي البحار:
وروي أنَّه تلي بحضرته [الإمام الصادق] (عليه السلام): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الآية، فهملتا عيناه (عليه السلام) وقال: «نحن والله المستضعفون»(٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) نهج البلاغة رقم الحكمة: ٢٠٩.
(٦) الأمالي للشيخ الصدوق: ص٥٦٦، ح٧٦٨ / ٢٦.
(٧) الكافي للكليني: ج١، ص٣٠٦، بَابُ الإِشَارَةِ والنَّصِّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليه السلام)، ح١.
(٨) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص٧٩.
(٩) بحار الأنوار: ج٥١، ص٦٤.

(١١٨)

وفي تفسير فرات الكوفي: عن زيد بن سلام الجعفي، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: أصلحك الله، إنَّ خيثمة الجعفي حدَّثني عنك أنَّه سألك عن قول الله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، وأنَّك حدَّثته أنَّكم الأئمة وأنَّكم الوارثون قال: «صدق والله خيثمة، لهكذا حدَّثته...»(١٠).
وفي بعض النصوص أنَّ الأئمة (عليهم السلام) تطبيق لهذه الآية في الرجعة، فقد روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال لسلمان: «والله يا سلمان ليحضرنَّ إبليس وجنوده وكلّ من محض الكفر محضاً حتَّى يؤخذ بالقصاص والأوتاد والتراث ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] ونحن تأويل هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥-٦]»(١١).
وعن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، قال: «ما بعث الله نبياً من ولد آدم (عليه السلام) إلَّا ويرجع إلى الدنيا فينصر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ يعني برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومثله كثير مما وعد الله تبارك وتعالى الأئمة (عليهم السلام) من الرجعة والنصر، فقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥]، وهذا إنَّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا، وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) تفسير فرات الكوفي: ص٣١٥.
(١١) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام): ص٦٦؛ ودلائل الإمامة للطبري: ص٤٤٩.

(١١٩)

اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ [القصص: ٥-٦]، فهذا كلّه مما يكون في الرجعة»(١٢).
وفي تفسير علي بن إبراهيم: وذلك أنَّ الله أخبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وبشَّره بالحسين (عليه السلام) قبل حمله وأنَّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ثم أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ثم عوضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنَّه يقتل ثم يردّه إلى الدنيا وينصره حتَّى يقتل أعداءه ويملكه الأرض وهو قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ﴾ الآية»(١٣).
الطائفة الثانية: ما دلَّ على انطباقها على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
وهذه الطائفة جاءت بلسانين:
اللسان الأوَّل: نُطْقُ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بها عند ولادته:
من ذلك ما جاء في رواية حكيمة: ... قالت حكيمة: فلمَّا كان في اليوم السابع جئت فسلَّمت وجلست فقال: «هلُمِّي إليَّ ابني»، فجئت بسيدي (عليه السلام) وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنَّه يغذيه لبناً أو عسلاً، ثم قال: «تكلَّم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله»، وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) حتَّى وقف على أبيه (عليه السلام)، ثم تلا هذه الآية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾...»(١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) مختصر البصائر: ص٤٢.
(١٣) تفسير القمي: ج٢، ص٢٩٧.
(١٤) كمال الدين: ص٤٢٥، ب٤٢، ح١.

(١٢٠)

وفي نصٍّ آخر في الغيبة للطوسي...: فإذا أنا بولي الله (صلوات الله عليه) متلقياً الأرض بمساجده، فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمد (عليه السلام): «يا عمَّة هلُمِّي فآتيني بابني»، فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها، ثم أدخله في فيه فحنكه ثم [أدخله] في أذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى ولي الله جالساً، فمسح يده على رأسه وقال له: «يا بني أنطق بقدرة الله»، فاستعاذ ولي الله (عليه السلام) من الشيطان الرجيم واستفتح: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾»، وصلَّى على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعلى أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) واحداً واحداً، حتَّى انتهى إلى أبيه...(١٥)، مما يعني انطباق الآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
اللسان الثاني: تطبيق المعصوم للآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ومن ذلك ما روي عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، قال: «هم آل محمد، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم، فيعزهم ويذل عدوهم»(١٦).
والحاصل: أنَّ هذه الروايات واضحة في أنَّ الآية تنطبق على غير بني إسرائيل، ومن ثم فهي تُخرج الآية عن قيد سياق التتابع، وتُعمِّمه لغيره، فلو فُرض عدم تمامية أي وجه من وجوه تعميم الآية، فإنَّ هذا الوجه التعبُّدي كافٍ للخروج عن سياق التتابُع، فإنَّ بيان المعصوم حجة في هذا المجال، خصوصاً أنَّ الروايات متكثِّرة، مما يولِّد استفاضة فيها على الأقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) الغيبة للطوسي: ص٢٣٦، ح٢٠٤.
(١٦) الغيبة للطوسي: ص١٨٤، ح١٤٣.

(١٢١)

الوجه الثاني: التعميم باعتبار الاعتبار:
من المعلوم أنَّ القرآن الكريم ليس كتاب قصص للتسلية، وإنَّما يذكر القصص من أجل الاعتبار، وإلى هذا المعنى تشير العديد من الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٥-١٧٦).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (يوسف: ١١١).
من جهة أخرى، فإنَّ الاعتبار يعني: النظر في الحادثة التي يذكرها القرآن الكريم، ومتابعة ظروفها المحيطة، وما جرى فيها، وما فعله الله تعالى بها، ومن ثَمّ، فلو وقع ما يشبه تلك الحادثة التي ذكرها القرآن الكريم فيما بعد، فلا وجه للغرابة أو التنكُّر لها، ومن هنا وجدنا العديد من النصوص التي صرَّحت بوقوع سُنن الأنبياء في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإنَّ ذلك وجه من وجوه الاعتبار بالقصص القرآني وعدم استغراب وقوعه في المستقبل.
ولربما يُشير إلى هذا المعنى ما ورد من نصوص متعدِّدة من أنَّ كل ما وقع في الأُمم السابقة سيقع في أُمَّة الإسلام، من قبيل ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «يكون في هذه الأُمَّة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و[حذو] القذة بالقذة»(١٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج١، ص٢٠٣، ح٦٠٩.

(١٢٢)

وعنه (صلَّى الله عليه وآله): «لتركبنَّ أُمَّتي سُنَّة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وباعاً بباع»(١٨).
بل يُمكن استفادة ضرورة الوقوع من قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ١٩)، المفسَّرة بأنَّه يقع في أُمَّة النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ما وقع في الأُمم السابقة، فقد روي عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ‏: «لِأَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) أَبَى إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ سُنَنُ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) فِي غَيْبَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ يَا سَدِيرُ مِنِ اسْتِيفَاءِ مَدَدِ غَيْبَاتِهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أَيْ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ‏»(١٩).
ومن هنا أيضاً نجد أنَّ القرآن الكريم يذكِّر الكافرين بالاتِّعاظ بما جرى على الأُمم السابقة، وعدم تكرار نفس خطئهم الذي أوقعهم في استحقاق العقوبة، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩).
فالآية تخاطب الأقوام اللاحقة بأنَّ عليهم أن يعتبروا بالأقوام السابقة وكيف أنَّ العذاب نزل عليهم، وكأنَّ الآية توحي أنَّ أحد عوامل نزول العقوبة التي نزلت على الأقوام أنَّها جرس إنذار للأقوام اللاحقين ليكون عبرة لهم، وبطريقة: أنَّ التاريخ يعيد نفسه، حذو القذة بالقذة.
وعلى منوالها: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الاحتجاج للطبرسي: ج١، ص١١٣.
(١٩) كمال الدين: ص٤٨٠، ب٤٤، ح٦؛ ورواه المصنِّف (رحمه الله) في علل الشرائع: ج١، ص٢٤٥، باب ١٧٩، ح٧.

(١٢٣)

وكذا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ (الزخرف: ٥٥-٥٦).
ولعلَّه من أجل ذلك تجد أنَّ القرآن لم يذكر كل قصص الماضين، بل اختار بعضاً منها بالذكر، وبعضها بتكرار الذكر - كما فيما نحن فيه -، مما يعني أنَّ اختياره لم يكن اعتباطياً، وإنَّما من أجل أخذ العبرة منه عندما يتكرَّر وقوعه.
ومعه نقول:
إنَّ الآية محل البحث، وردت في سياق قصص قرآني، ذكرت فيه ظروف المنَّة الإلهية على بني إسرائيل، وأنَّ فرعون عندما أسرف في القتل، وتجرأ على السماء، ووصل به الحال إلى أن يقضي على القائم على المشروع الإلهي - النبي موسى (عليه السلام) -، ولم يكن هناك مهرب منه حسب الظروف العادية، - إذ البحر كان أمام بني إسرائيل، وفرعون وجنوده من خلفهم -، حينها، تدخَّلت اليد الغيبية بأسلوب إعجازي، وأنقذت المشروع والقائم عليه وأنصاره.
فآية المستضعفين تريد الإشارة إلى أنَّ هذه القصة - بما فيها من تدخل غيبي بالنصر والتوريث -، يُمكن أن تتكرَّر في أُمَّة لاحقة، إذا تكرَّرت الظروف ذاتها.
فلا مانع من تعميم الآية إلى غير بني إسرائيل وفق هذا الوجه.
وحينها، ستكون الروايات العديدة - التي ذكرناها في الوجه الأوَّل - مؤيِّدة لهذا المعنى، ومثبتة للتعميم، أي إنَّ الوجهين يتعاونان لإثبات التعميم والخروج عن مقتضى سياق الآية.
الوجه الثالث: التعميم باعتبار سُنَّة الله تعالى:
يصرِّح القرآن الكريم بأنَّ لله تعالى سُنناً في الحياة لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، والمقصود من السُنَّة هو ما يشبه القاعدة التي لو توفَّرت ظروفها لوقعت،

(١٢٤)

هي أشبه بمعادلة كيميائية تتحقَّق عند توفر العناصر الرئيسة والمساعدة وبنسب معيَّنة، فالسُنَّة تعني القاعدة المطَّردة، ويكون تحقُّقها مطَّرداً كلَّما تحقَّق موضوعها، وذلك هو مقتضى كونها سُنَّة، مع تصريح القرآن الكريم بذلك: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: ٤٣).
وإلى هذا المعنى أشار العلامة المجلسي بقوله: (سُنَّة الله تعالى طريقته وعادته الجارية المستمرة، وهي جارية في الآخرين كما جرت في الأولين في المصالح المشتركة التي لا تتبدل بتبدل الأزمان)(٢٠).
وإليه أشار الشيخ الطوسي بقوله: (﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي فهل ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ من نزول العقاب بهم وحلول النقمة عليهم جزاء على كفرهم، فإن كانوا ينتظرون ذلك ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمد، والمراد به الكفار ﴿لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي لا يغيِّر الله عادته من عقوبة من جحد ربوبيته ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ ولا يبدلها بغيرها...)(٢١).
ويُستفاد أيضاً، أنَّ هذه السُنن الثابتة وغير المتبدلة، لا يكون خروج عن مقتضاها إلَّا باستثناء خاص من الله تعالى، كما في قوم يونس (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨)، و﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣).
أمَّا كيف نعرف أنَّ هذه الآية جاءت بطريقة السُنَّة العامة أو الحادثة الخاصة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) بحار الأنوار: ج٢٨، ص٢.
(٢١) التبيان في تفسير القرآن: ج٨، ص٤٣٨.

(١٢٥)

قد يكون واحداً من أساليب معرفة ذلك هو عرض القرآن لها بطريقة القضية الحقيقية، لا الخارجية، حتّى لو وردت الآية في سياق خاص.
بمعنى: أنَّه لو وردت آية في سياق، يكون معناها بلحاظ السياق خاصاً، ولكن قطعها عن السياق وأخذها مفردة يُعطي معنى كاملاً لا نقص فيه، مما يعني أنَّ الآية جاءت بطريقة القضية الحقيقية، لا الخارجية المقيَّدة بحدود الحادثة والسياق التي وردت فيه، حينها، يُمكن أن نعد تلك الآية سُنَّة عامة، وقضية حقيقية، تنطبق على موارد متعدِّدة، بشرط تكرُّر الظروف، وواحد من تطبيقاتها هو ما ورد في سياقها.
وآيتنا - محل البحث - من هذا القبيل، فإنَّها وإن وردت في سياق الحديث عن بني إسرائيل، إلَّا أنَّها - في حدِّ نفسها - قضية تامة المدلول واضحة المعنى، فلا مبرِّر لتقييد مضمونها بخصوص قضية النبي موسى (عليه السلام) وقومه المستضعفين، إنَّما سياقها موردٌ من مواردها، ويمكن أن تنطبق على موارد أخرى، كما فسَّرته النصوص الخاصة، التي تقدَّمت.
وإلى هذا المعنى أشار علي بن إبراهيم في التفسير المنسوب إليه بقوله في ذيل الآية: (... وإنَّما ضرب الله هذا المثل لهم في موسى وبني إسرائيل وفي أعدائهم بفرعون وهامان وجنودهما فقال: إنَّ فرعون قتل بني إسرائيل وظلم من ظلمهم فأظفر الله موسى بفرعون وأصحابه حتّى أهلكهم الله وكذلك أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أصابهم من أعدائهم القتل والغصب ثم يردهم الله ويرد أعداءهم إلى الدنيا حتّى يقتلوهم)(٢٢).
ويمكن بيان هذا الوجه ببيان آخر، حاصله:
هناك آيات عديدة تصرِّح بأنَّ الله تعالى قد جعل نصر المستضعفين سُنَّة عامة، كما في قوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) تفسير القمي: ج٢، ص١٣٣.

(١٢٦)

لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨)، فإنَّها آية عامة في حدِّ نفسها، فتعبير: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا يختص ببني إسرائيل، فتكون قاعدة عامة في أنَّ العاقبة للمتَّقين وإن كانوا مستضعفين.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٦).
فإنَّها أيضاً تفيد أنَّ الله تعالى ينصر عباده المستضعفين الذين وصلوا إلى مرحلة عالية من الخوف بحيث إنَّهم يخافون أن يتخطَّفهم الناس...
وأمثالها من الآيات الدالة على أنَّ الله تعالى ينصر عباده ويدافع عنهم ويورثهم الأرض...
وهذا يعني: أنَّ القاعدة العامة هي: أنَّ الله تعالى ينصر عباده ولو كانوا مستضعفين، ومنهم (بنو إسرائيل) أيَّام فرعون، فتكون الآية -محل البحث- تطبيقاً من تطبيقات هذا النصر الإلهي العام، فلا موجب لتخصيصها ببني إسرائيل، وإن كانوا مصداقاً لها.
الوجه الرابع: التعميم الأدبي:
المقصود من هذا الوجه هو: أنَّ القرآن الكريم حيث جاء بلغة العرب واستعمل أساليب العقلاء في بيان مراداته - كما تقدَّمت الإشارة إليه -، فلو كان موضوع الآية محل البحث هو نفس موضوع السياق، لكانت الضمائر الموجودة فيها راجعة على الموضوع ذاته، ولكانت الأفعال المستعملة فيها متناسبة مع سياق التتابع المذكور، وهذا ما لم نجده في الآية محل البحث.
فلو كانت الآية - محل البحث - خاصة ببني إسرائيل، لكان المناسب أن يعبّر عنه بالفعل الماضي (ومننَّا... وجعلناهم... ومكّنّا لهم...) أو يقول:

(١٢٧)

(ونريد أن نمنَّ على مستضعفي بني إسرائيل)... ليكون الربط بهم واضحاً لا لبس فيه، خصوصاً أنَّ الحادثة وقعت في الزمن الماضي بالنسبة لنزول القرآن الكريم، فكان المناسب التعبير بالفعل الدال على الماضي، أمَّا وقد استعمل فعلاً مضارعاً يدل على التجدُّد والاستمرار، ومن دون ضمير يرجع على بني إسرائيل ولا تصريح بذلك، فهو يدل - وعلى الأقل - ينسجم مع كون الآية لبيان سُنَّة عامة، وأنَّ بني إسرائيل أحد تطبيقاتها.
وإلى هذا المعنى أشار علي بن إبراهيم في التفسير المنسوب إليه بقوله: (فأخبر الله نبيَّه بما لقي موسى وأصحابه من فرعون من القتل والظلم ليكون تعزية له فيما يصيبه في أهل بيته من أمته ثم بشره بعد تعزيته أنَّه يتفضَّل عليهم بعد ذلك ويجعلهم خلفاء في الأرض وأئمة على أُمَّته ويردهم إلى الدنيا مع أعدائهم حتّى ينتصفوا منهم فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما﴾ وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من آل محمد ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي من القتل والعذاب، ولو كانت هذه الآية نزلت في موسى وفرعون لقال: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون) أي من موسى ولم يقل ﴿مِنْهُمْ﴾، فلمَّا تقدَّم قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ علمنا أنَّ المخاطبة للنبي (صلَّى الله عليه وآله) وما وعد الله به رسوله فإنَّما يكون بعده والأئمة يكونون من ولده...)(٢٣).
ونظير هذا المعنى ما يُذكر في آية التطهير، فإنَّ الضمائر الواردة فيها كلها للمذكر، ولو كانت خاصة بنساء النبي (صلَّى الله عليه وآله) بمقتضى السياق، لكان المناسب - بل الصحيح - التعبير بضمائر المؤنثة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) تفسير القمي: ج٢، ص١٣٣.

(١٢٨)

فتحصَّل من كل ما تقدَّم:
إنَّ السياق لا يمثِّل - وحده - قرينة على تخصيص كل ما ورد فيه بموضوع واحد، ما لم تساعده على ذلك قرينة متمِّمة له، وأنَّ آية المستضعفين الواردة في سياق الحديث عن بني إسرائيل ليست خاصة بهم، ولا دليل على اختصاصها بهم، سوى السياق، وهو ليس بقرينة، ولو سُلِّم كونه قرينة، فهناك قرائن عدَّة تُخرج الآية منه وتجعل مفادها عاماً، كما تقدَّم.

(١٢٩)

 

المهدوية والخلاص في الفكر الهندوسي
قراءة نقدية استراتيجية
 

 

مجتبى السادة

 

مقدمة تمهيدية:
يعدّ مفهوم الخلاص تصوراً فكرياً يعكس رغبة إنسانية ماسة لإعادة تنظيم الواقع وتجاوز تحدياته الراهنة ضمن أفق أخلاقي وتاريخي أوسع.. وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية الإسلامية (المهدوية) بوصفها وعداً إلهياً بظهور مصلح يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، غير أنَّ هذه الرؤية السماوية ليست استثناءً معزولاً في جغرافيا الفكر البشري.
بيد أنَّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في سياق الحوار الحضاري المعاصر هو: كيف تعاملت الحضارات غير الإبراهيمية - وفي مقدِّمتها الحضارة الهندية العريقة - مع هذا التوق الإنساني العميق نحو الخلاص؟ وهل يمتلك نموذجها الخاص رؤية محددة عن مفهومي (المخلص) و(الخلاص)، وإن غلِّفت بسياق فلسفي أو عقائدي مغاير تماماً لما ألفناه؟
المحور الأوَّل: ينطلق هذا البحث من تساؤل مركزي حول كيفية تصوُّر الفكر الهندوسي لمفهومي (الخلاص) و(المخلص)؟ وإلى أيِّ مدى يمكن اعتبار رؤيته متقاطعة أو متباينة مع (المهدوية) الإسلامية في بعدها الاستراتيجي؟ ويتفرَّع عن هذا التساؤل جملة من المباحث التمهيدية:

(١٣١)

- لماذا (الفكر الهندوسي) وليس (الفكر الهندي)؟
إنَّ استخدام مصطلح (الفكر الهندوسي) يأتي لضبط النطاق المعرفي للبحث؛ فالهندوسية التي يعتنقها قرابة (٨٠%)(١) من سكان الهند (ما يزيد على مليار إنسان)، ونحو (١.٢ مليار) إنسان عالمياً، تُمثّل إطاراً عقائدياً وفلسفياً محدّداً وركناً أساسياً في الهوية الهندية، لكنَّها لا تستوعب كامل التنوع الفكري الذي يضم الإسلام والمسيحية والسيخية والبوذية. لذا، فنحن بصدد دراسة نسق اعتقادي خاص(٢) لا فكر جغرافي عام.
- كيف تؤثِّر الرؤية الهندوسية للزمان والتاريخ (الدائرية) على تصوُّر مفهوم الخلاص؟ والتي تختلف جوهرياً عن رؤية النموذج الخطي السائد في الأديان الإبراهيمية.
- كيف تتبدى رؤية الهندوسية للخلاص بأنواعه: سواء على الصعيد الشخصي أو صعيد البشرية بأسرها؟
- ما هي الجذور الفكرية والفلسفية التأسيسية لهذه الرؤى الخلاصية؟
نبحث في كيفية تبلور هذه الرؤى في نصوص (الفيدا والأوبانيشاد والبورانا)(٣)، وكيف تطورت عبر التاريخ لتصوغ نموذجاً فريداً يمزج بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) طبقاً لإحصائيات عام ٢٠١١ يمكن تحديد الديانات الرئيسية في الهند بالشكل التالي: الهندوس ٧٩.٨% والمسلمون ١٤.٢% والمسيحيون ٢.٣% والسيخ ١.٧% والبوذية ٠.٧% والجاينية ٠.٤% والآخرون ٠.٩% من المجموع.. المصدر:

 https://www.pewresearch.org/short-reads/2021/09/21/key-findings-about-the-religious-composition-of-india

(٢) إنَّ معظم المصطلحات والمسميات الواردة في هذا البحث هي مسميات غير عربية / هندية، لكنَّها تمثل المفاهيم الأكثر شهرة وتداولاً في الثقافة الهندوسية، ويُشار إليها غالباً في الدراسات الهندية والإنجليزية.
(٣) نصوص الفيدا والأوبانيشاد والبورانا: تمثل المراجع الأساسية للتراث الديني والفلسفي الهندوسي.
     - الفيدا هي أقدم النصوص وتحتوي على تراتيل وطقوس وتعليمات دينية.
     - الأوبانيشاد هي نصوص لاحقة تركز على الفلسفة والبحث الروحي العميق حول طبيعة الذات والكون.
    - البورانا هي موسوعات أسطورية شعبية تحتوي على قصص الآلهة والأبطال وتفاصيل الخلق والنبوءات الكونية.

(١٣٢)

النزعة التحررية الروحية الفردية وبين النبوءات الكونية؟
المحور الثاني: تكمن أهمية البحث في كونه يفتح نافذة على نسق فلسفي ضارب في القدم، مستقل في بنائه ومنطلقاته، حيث يعالج الخلاص باعتباره عملية خاصة ومركبة، وما يميز هذه الرؤية هو فردية منهجها وتعقيدها الذي يغاير النماذج الخلاصية المألوفة، مما يعد مدخلاً لتعزيز المبدأ القرآني(٤) للتعارف بين الشعوب، وتأصيل مشروع تعريف المهدوية للحضارات الأخرى.
يسعى البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تعميق الفهم المقارن: مقابلة الرؤية الإسلامية لمفهوم الخلاص مع نموذج مغاير تماماً ، مما يؤكد واقعية الأطروحة المهدوية وتفوقها الفكري والحضاري في قدرتها على الجمع بين الغيب والواقع، وبين الفرد والمجتمع.
- الكشف عن المشترك الإنساني: البحث عن الدلالات الإنسانية الكبرى التي تدفع الحضارات المتباعدة زمنياً وجغرافياً إلى تخيل (المخلص) كضرورة حتمية لمواجهة اليأس الوجودي.
- رصد التحولات التاريخية والواقعية: تتبع كيفية توظيف مفهوم (المخلص الموعود) في تشكيل الثقافة الهندوسية، ومدى تأثيره في حركات الإصلاح الديني واليقظة الوطنية الهندية.
وعليه، فإنَّ الغاية الأساسية من هذا البحث تتمثل في الكشف عن مدى تغلغل رؤية الخلاص في الوعي والثقافة الهندوسية، وفحص مدى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) قال تعالى: ﴿يا أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣).

(١٣٣)

تماسكهما الداخلي وعلاقتهما بالنسق الكلي للرؤية المستقبلية وتأثيرها على الفرد والمجتمع الهندي، كما يسعى إلى إجراء مقارنة نقدية جادة مع الرؤية المهدوية الإسلامية، بغية بلوغ فهم أعمق بخصوصية وتميز كل نموذج، وذلك من خلال تتبع مسارات التشابه والاختلاف في التصوُّرات المتعلِّقة بالخلاص الفردي للإنسان أو الكلِّي للبشرية كافة.
وجوهر المسألة: أن فهم الخلاص في الفكر الهندوسي يضعنا أمام خريطة فكرية مختلفة، مما يجعل دراستها إثراءً لا غنى عنه لأيِّ حوار حضاري جاد حول مستقبل الإنسانية ومآلاتها الأخلاقية.
مفهوم الخلاص في الفكر الهندوسي:
يتأسَّس مفهوم الخلاص في الفكر الهندوسي(٥) على ثنائية(٦) تجمع بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) المصادر والمراجع الرئيسية: تستند مفاهيم الخلاص في الفكر الهندوسي إلى تراث ديني وفلسفي هائل، تبرز أهم ملامحه في النصوص التالية:
     أ- نصوص الأوبانيشاد (The Upanishads): تعد المصدر التأسيسي الأوَّل لمفهوم الخلاص الفردي (موكشا)، حيث وضعت الأُسس الفلسفية للتحرر من دورة التناسخ عبر المعرفة والوعي بالذات.
     ب- نصوص البورانا (The Puranas): وهي المصدر الرئيس الذي فصّل مفهوم الخلاص الكوني وشخصية (كالكي)، وقدمت وصفاً دقيقاً لعصور الزمان الأربعة (اليوغات)، متنبئة بظهور المخلص )كالكي( في نهاية هذا العصر.
     ج- نصوص الباغافاد غيتا (Bhagavad Gita): من أهم المصادر التي شرحت سبل الوصول إلى الموكشا، وأسست لمبدأ )التجسدات الإلهية( (الأفاتار) كضرورة لإصلاح الخلل الكوني، وهو ما يمهد لفكرة ظهور (كالكي) كخاتم لهذه التجسدات.
     د- نصوص كالكِي بورانا (Kalki Purana): مخصّص بالكامل لسيرة المخلص الموعود؛ يستعرض ظروف ظهوره، ومهامه في محاربة الظلام وقوى الشر، وتأسيسه لدورة زمنية جديدة.
     المصدر: كيم نوت، الهندوسية، ترجمة: أميرة الصادق، ص٢٩.
(٦) انظر إلى كتاب: مقدمة في تاريخ الأديان، تمام الأيوبي وزياد السلامين، ص٢٥٥ - ٢٥٦.

(١٣٤)

الخلاص الفردي (الموكشا)(٧) والخلاص الكوني الجماعي (كالكي)(٨)؛ وهما يمثِّلان معاً أطروحتين مختلفتين من جهات، حيث يمثِّل كل منهما بُعداً مختلفاً من رحلة الإنسان والكون نحو النجاة الشخصية والتحرُّر من دائرة الألم والشر.
أوَّلاً: الخلاص الفردي (التحرر الداخلي):
يُدرك الخلاص على المستوى الشخصي(٩) (الموكشا) بوصفه الغاية الحتمية التي تختم دورة الحياة والموت والمعاناة المتكرِّرة، والمعروفة بـ(السامسارا)(١٠) أو التناسخ، ولا يتأتَّى هذا التحرُّر(١١) إلَّا بالانعتاق من القيود والنزعات المادية والمعنوية، فيبلغ الإنسان حالة الروح المطلقة متى أدرك حقيقة وحدته مع الوجود الأسمى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الموكشا (Moksha): تعني النجاة أو التحرر النهائي، وهي الغاية الأسمى للوجود البشري في الفلسفة الهندوسية؛ إذ تشير إلى انعتاق الروح من قيود دورة (السمسارا) (التناسخ) ومن كل أشكال المعاناة المادية والروحية، ويتحقَّق هذا الخلاص بالاتِّحاد التام مع الحقيقة المطلقة (البراهمان)، مما ينهي رحلة الروح في عالم الفناء والولادات المتكررة. المصدر: موسوعة تاريخ الأديان، فراس السواح، ص٨٤.
(٨) كالكي (Kalki): هو (الأفاتار) العاشر والأخير (المستقبلي) للإله فيشنو، الذي تتنبأ النصوص بظهوره في نهاية عصر (كالي يوغا) لتطهير العالم من الظلم والفساد. يمثِّل (كالكي) شخصية المخلص الموعود الذي سيضع حداً لآلام البشرية ويفتتح حقبة جديدة من السلام والطهارة.
(٩) للاطِّلاع بإيجاز على أهم مظاهر الثنائية في عقيدة المنقذ في الديانة الهندوسية، يُنظر: نور ناجح حسين، المنقذ في الأديان، ص١٦٢ - ١٦٧.
(١٠) السمسارا: (Samsara) هي دورة (التناسخ) أو (التقمص) التي تمر بها الروح عبر ولادات متكررة، ويشير هذا المفهوم إلى أن الروح لا تنتهي بموت الجسد، بل تنتقل لتتجسَّد من جديد في كائن آخر ضمن سلسلة مستمرة من الولادة والموت. تظل الروح حبيسة هذه الدورة، ويتحدَّد مسارها ومستواها في الحياة التالية بناءً على قانون (الكارما) (نتائج أفعال الإنسان وسلوكه)، المصدر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، جفري بارندر، ص١٢٤.
(١١) إيمان علي محمد الغنانيم، الألوهية في الديانة الهندوسية، ص٢٢٣.

(١٣٥)

وهذا الإدراك المباشر لوحدة الروح الفردية (الآتمان) مع الروح الكونية (البراهمان) متاح في أي لحظة، إذ إنَّ الخلاص في جوهره ليس سوى تحرّر من الوهم (مايا)(١٢) ومن الجذر الأعمق للجهل الأساسي (أفيديا)(١٣) الذي يوهم الفرد بأنَّه كيان منفصل عن أصل الوجود، فبالتأمُّل العميق والمعرفة اليقينية تذوب النفس في الحقيقة العليا، فتزول معاناة التعلُّق بالعالم المادي المتقلب، وبذلك يكتمل تحقيق هذا الخلاص الذاتي.
ثانياً: الخلاص الكوني (التدخل الإلهي):
يرتبط هذا البعد بظهور شخصية مستقبلية موعودة تدعى (كالكي)، وهو تجسيد إلهي (الأفاتار)(١٤) ينتظر ظهوره في نهاية الزمن الحالي (كالي يوغا)(١٥) عصر الظلام، وتمثل هذه الشخصية رمزاً للتدخل الإلهي في اللحظات الحاسمة لتصحيح مسار تاريخ البشرية؛ إذ يُرتقب قدومه عندما تصل القيم الإنسانية إلى ذروة انحدارها، وانتشار الظلم والفساد، وتتمثَّل مهمة هذا المخلِّص في تطهير العالم من قوى الشر، ونقل البشرية إلى مرحلة جديدة يسودها العدل والسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) مايا (Maya): هي الحالة التي تجعلنا نرى العالم المادي المتقلب وكأنَّه الحقيقة الوحيدة والنهائية، بينما هو في الواقع مجرَّد (ستار) أو (مظاهر زائلة) تخفي خلفها الجوهر الثابت للوجود (البراهمان).
(١٣) أفيديا (Avidya): تُعرف بـ(الجهل الجوهري) أو الوهم الروحي، وهي حالة من عدم الإدراك تمنع الإنسان من معرفة طبيعته الحقيقية ووحدته مع الأصل الكلي للكون (البراهمان). يعتبر هذا الجهل هو السبب الجذري لاستمرار المعاناة وبقاء الروح أسيرة لدورة التناسخ، وبدون تبديد هذا الوهم لا يمكن للإنسان بلوغ مرحلة التحرر (الموكشا).
(١٤) الأفاتار:(Avatar)  مصطلح يعني حرفياً (النزول)، ويقصد به التجسد المادي للإله (غالباً الإله فيشنو) في هذا العالم، يظهر الأفاتار في شكل مادي (بشري أو حيواني) لتحقيق غاية إلهية محددة، تتمثل غالباً في استعادة النظام الكوني وإرساء قيم الفضيلة (الدارما).
(١٥) كالي يوغا (Kali Yuga): هو العصر الرابع والأخير ضمن الدورة الزمنية الكبرى للكون، ويعرف بـ(عصر الظلام) أو زمن النزاع والجهل والانحطاط الأخلاقي. ووفقاً للمعتقد الهندوسي، فإننا نعيش حالياً في هذا العصر الذي سينتهي بظهور المخلص (كالكي)، لتبدأ بعده دورة زمنية جديدة يسودها النقاء.

(١٣٦)

يعبر هذا التصوُّر عن أمل الوعي الجماعي باستعادة التوازن المفقود، مما يمنح الوجدان الهندوسي رؤية تفاؤلية عن نهاية دورات الزمن المظلمة، وتمهيداً لبدء عصر جديد من النقاء والفضيلة.
بهذا، يجمع مفهوم الخلاص في الهندوسية بين سعي داخلي للتحرر الشخصي، وانتظار خارجي لتدخل إلهي يصلح شؤون العالم، في رؤية تربط بين مصير الفرد ومسار الوجود البشري كله ضمن حركة زمن دائرية تهدف إلى استعادة النظام الكوني الأصيل.
ثالثاً: الخصوصية الفلسفية والتاريخية(١٦):
يمثِّل مفهوم الخلاص في الفكر الهندوسي نسيجاً فلسفياً فريداً، تشكل عبر منظومة من التصوُّرات اللاهوتية التي تبلورت على مدى آلاف السنين (نحو ٤٠٠٠ سنة)(١٧)، ويختلف هذا المفهوم جوهرياً عن النماذج الإبراهيمية القائمة على (الخلاص من الخطيئة) أو (النجاة في الآخرة) أو (القضاء على الظلم ونشر التوحيد والعدل)، فهو لا يرتبط بحدث نهائي في آخر الزمن -حسب الرؤية الخطية- بل يرتبط بنظرة دائرية تعيد صياغة الحياة من جديد.
بشكل عام ينظر الفكر الهندوسي إلى الكون ككل موحِّد، والإنسان كجزء لا ينفصل عنه، ولذا يفهم الخلاص على أنَّه تحرر (موكشا) من قيود التناسخ، ومن ثم اندماج الروح الفردية (الآتمان)(١٨) في الوجود الكلي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) للتوسع أكثر في أهم المعتقدات والطقوس، يُنظر: عصمت نصار، نظرات في مقارنة الأديان، ص١٠٩-١١٣.
(١٧) حماد د. إبراهيم زيدان، الخلاص في الديانات الوضعية الهندية، ص٤٩١.
(١٨) الآتمان (Atman): يمثل الذات الجوهرية أو الروح الخالدة الكامنة في كل كائن. وفي الفلسفة الهندوسية، يُعتبر (الآتمان) جوهر الوجود الفردي النقي والمستمر، وهو الحقيقة التي تتمايز عن الهوية الشخصية المكتسبة أو الجسد المادي المؤقت.

(١٣٧)

المطلق (البراهمان)(١٩)، وهذا التحرُّر هو ذروة المسيرة الروحية وغايتها النهائية والخلاص الذي تنشده.
رابعاً: الخلاص متاح للجميع وذو مسالك متعدِّدة:
يتميَّز التصوُّر الهندوسي بالمرونة والشمول، إذ يقدِّم نموذجاً إنسانياً ترى الخلاص استحقاقاً متاحاً لكلِّ كائنٍ ينشدها، متجاوزاً حواجز الهوية الدينية والجغرافية، فالإنسان هنا ليس خاطئاً يحتاج إلى غفران، بل جاهلٌ يحتاج إلى وعي يستكشف من الداخل لا يفرض من الخارج، ولأنَّ الطباع البشرية تتباين بتباين الأمزجة، قدَّمت الفلسفة الهندوسية مسالك (مارغا) متنوِّعة(٢٠) تُناسب كل استعداد، وأهمّها(٢١):
- طريق المعرفة للمفكرين، ويتحقَّق بدراسة نصوص (الفيدا، الأوبانيشاد)(٢٢) والتأمُّل في الذات والكون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) البراهمان (Brahman): هو اسم الله في اللغة السنسكريتية، وهو الحقيقة المطلقة والوجود الكلي النهائي الذي يستوعب الكون بأسره. يُنظر إليه بصفته المصدر الأزلي وغير المحدود لكل ما في الوجود، متجاوزاً بذلك كل الأوصاف المادية والتعدديات الظاهرية. يوجد (البراهمان) في عمق كل كائن حي، ويُعد المبدأ الأوَّل للكون والنفس الإنسانية، وتنبثق عنه كافة التجليات والقوى الإلهية الكبرى، مثل (فيشنو) و(شيفا). المصدر: مقدمة في تاريخ الأديان، الأيوبي والسلامين، ص٢٤٧.
(٢٠) للتوسُّع أكثر في مسالك تحقيق الغاية، وطرقه الأربعة، يُنظر: هوستن سميث، أديان العالم، ص٥٤-٨٩.
(٢١) السواح، د.فراس، موسوعة تاريخ الأديان، ج ٤، ص٨٤-١٠٤.
(٢٢) الفيدا: مجموعة النصوص الدينية الكبرى التي تشكل أقدم طبقات الأدب السنسكريتي وأقدس نصوص الهندوسية. تضم أربعة فيدا: (الريج، الياجو، السام، والأتور)، ولكل فيدا أربعة أقسام فرعية: (السامهيتا، البراهمة، الأرانياكا، والأوبانيشاد) والفرع الأخير -أوبانيشاد- عبارة عن: نصوص تناقش التأمل والفلسفة والمعرفة الروحية. المصدر: فصول في أديان الهند، د. محمد ضياء، ص٢٠-٢٩؛ كولر جون، الفكر الشرقي القديم، ص٣٥؛ ديورانت، قصة الحضارة، ج٣ من م١، ص٣٨؛ عصمت نصار، نظرات في مقارنة الأديان، ص١٠٥-١٠٧.

(١٣٨)

- طريق العمل للناشطين، ويقوم على أداء الواجب بتجرُّد تام ودون انتظار للنتائج أو الثواب، وهو ما يُعرف بـ(الفعل غير الأناني) كما ورد في (البهاغافاد غيتا).
- طريق التقوى والإخلاص (بهاكتي) لأصحاب النزعة العاطفية، ويقوم على الحب والتسليم المطلق لإله شخصي (مثل فيشنو(٢٣) أو شيفا(٢٤))، وهو المسلك الأكثر شيوعاً، وتُعد (البهاغافاتا بورانا) من مراجعه الأساسية.
- طريق التأمُّل للروحانيين، ويعتمد على نظام دقيق لتركيز العقل وضبط الجسد، والتحكم بالنفس، للوصول إلى حالة الاتِّحاد الكلي مع المطلق، وقد أُسِّس في (يوجا سوترا لباتانجالي).
إنَّ هذا التعدُّد يكرس مبدأ الجهد الفردي لتحرّر النفس من الجهل، مؤكِّداً أنَّ الحقيقة واحدة وإن تعدَّدت سبل الوصول إليها، في تقارب عملي يتناغم مع بعض التصوُّرات الصوفية عند المسلمين أو الرهبانية في المسيحية.
بعض النصوص الهندوسية الاستشهادية عن المخلص كالكي:
تقدّم النصوص الدينية الهندوسية، عبر مراحل تدوينها(٢٥) المختلفة، رؤى تتحدَّث بشكل مباشر أو ضمني عن مفهوم الخلاص عبر ظهور المخلِّص (كالكي) أو عبر مبدأ التجسيد الإلهي (أفاتار) الذي ترتكز عليه فكرة الخلاص الكوني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) فيشنو: يعني حرفياً (المنتشر)، وهو الرب الذي يتولى حفظ الكون وحمايته في الثالوث الهندوسي، ويعتبر في بعض المذاهب الأعلى الواحد. المصدر: مقدمة في تاريخ الأديان، الأيوبي والسلامين، ص٢٤٦.
(٢٤) شيفا: يعني حرفيا (المبارك)، والمعروف أيضاً باسم (مهاديفا) وهو أحد الآلهة الكبرى، ويمثل قوة (التدمير) الضروري الذي يمهد الطريق لإعادة خلق الكون في نهاية الدورات الزمنية البعيدة جداً. المصدر: مقدمة في تاريخ الأديان، ص٢٤٦.
(٢٥) للتوسُّع أكثر في التعريف بالكتب المقدسة لدى الهندوس، يُنظر: د. أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ص٧٣-٩٢.

(١٣٩)

وفيما يلي نماذج(٢٦) استشهادية مركزة:
١ - النص الوارد في البهاغافاد غيتا (الفصل ٤، الذكر ٧-٨)(٢٧): (يَا بْهَارَاتَا؛ كُلَّمَا انْحَطَّ الدَّارْمَا (الفضيلة)، وَارْتَفَعَ الأَدْهَارْمَا (الرذيلة)، أُظْهِرُ نَفْسِي فِي هَذَا الْعَالَمِ. أُظْهِرُ نَفْسِي مِنْ حِينٍ لِآخَرَ لِحِمَايَةِ الصَّالِحِينَ، وَلِتَدْمِيرِ الشِّرِّ، وَلِإِرْسَاءِ الْفَضِيلَةِ فِي المُجْتَمَعِ...).
الدلالة: يُعد هذا النص الأساس المركزي لمبدأ التجسيد الإلهي الدوري، فهو يعلن أنَّ تدخل الإله (فيشنو) في التاريخ البشري هو استجابة حتمية لانحدار الفضيلة وانتشار الظلم، مما يمهد فلسفياً لفكرة ظهور مخلّص نهائي (كالكي) عندما يبلغ الانحدار ذروته.
٢ - النص الوارد في كالكي بورانا (الفصل ١، القسم ٢، النص ٥)(٢٨): (فِي نِهَايَةِ عَصْرِ الْجَهْلِ (كالي يوغا)، سَيُولَدُ كَالْكِي، ابْنِ فِيشْيُو هَايَسَا، فِي قَرْيَةِ شَمْبَهَالا. سَيَكُونُ حَكِيماً، وَقَائِداً عَسْكَرِيّاً، مُحَطِّماً لِلشِّرِّ وَالْجَبَابِرَةِ...).
الدلالة: يقدم هذا النص التفصيل النبوئي التأسيسي لشخصية كالكي، مؤكداً على طبيعته المزدوجة: الروحية (الحكيم) والعسكرية (المحارب)، كما يحدّد نسبه الأسطوري وموطنه الرمزي، ويصوغ مهمته المركزية في الإطاحة بالقوى الفاسدة.
٣ - النص الوارد في الفيشنو بورانا (الكتاب ٤، الفصل ٢٤)(٢٩): (عِنْدَمَا تَتَنَاكَرُ الْقِيَمُ، وَيَتَحَوَّلُ الْقَاضِي إِلَى لِصٍّ، وَيَخْتَلِطُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْإِلَهَ فِيشْنُو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) ونقتصر في هذا المقام على خمسة نصوص استشهادية فحسب، مراعاة لضوابط الإيجاز في الورقة البحثية، وهي نصوص كفيلة بكشف تجلّيات شخصية (كالكي) بوصفه المخلّص المنتظر في المتن التراثي الهندوسي.

(٢٧) The Bhagavad Gita, Chapter ٤, Verses ٧-٨, Compiled by Dr: Giridhar Boray, p.١١٨.
(٢٨) Kalika Purana, Chapter ١, Section ٢, Text ٥, translated by B.N.Shastri.
(٢٩) Vishnu Purana, Book ٤, Chapter ٢٤, translated by H.H.Wilson, P.٤٩٦.

(١٤٠)

سَيَتَجَسَّدُ فِي صُورَةِ كَالْكِي لِيَسْتَعِيدَ النِّظَامَ الْإِلَهِيَّ (العادل) عَلَى الْأَرْضِ...).
الدلالة: يبرز هذا النص العلاقة السببية بين التدهور الأخلاقي الملموس وظهور المخلّص، فهو لا يصف حدثاً غيبياً مجرداً، بل يجعل من تجسد كالكي استجابة عن أزمة قيم كبرى تعصف بالبشرية، ويؤكِّد على دوره التطهيري بصفته مستعيداً للتوازن الكوني (الدارما) بعد اختلاله.
٤ - النص الوارد في أغني بورانا (الفصل ١٦، النصوص ٨-١٠)(٣٠): (سَيَظْهَرُ كَالْكِي فِي نِهَايَةِ كَالْي يُوغَا، مُتَسَلِّحًا بِقُوَّةِ النُّورِ، لِيَقُودَ الْبَشَرِيَّةَ إِلَى النَّقَاءِ - سَيَرْكَبُ حِصَاناً أَبْيَضَ سَرِيعاً كَالْفِكْرِ، وَيَحْمِلُ سَيْفاً نَارِيّاً، لِيُطَهِّرَ الأَرْضَ مِنَ الظُّلْمِ، وَيَبْدَأَ عَصْرَ الحَقِيقَةِ مِنْ جَدِيدٍ...).
الدلالة: يرسخ هذا النص الصورة الرمزية والبطولية الأكثر شيوعاً لـ(كالكي) في الخيال الشعبي، فالحصان الأبيض والسيف المشتعل يرمزان إلى النقاء الإلهي والحكم القاطع. وتؤكد هذه الصورة على طبيعته بصفته محارباً وقاضياً إلهياً، وليس معلماً روحياً تقليدياً، حيث تُجسِّد مهمته الحسم الميداني - وفق الرؤية الأسطورية - لتطهير الأرض وتمهيد الطريق لعصر جديد، كما يشير مصطلح (قوة النور) إلى البعد الروحي المتجذر في شخصيته.
٥ - النص الوارد في فيشنو بورانا (الكتاب الرابع، الفصل ٢٤)(٣١): (عِنْدَمَا تَقْتَرِبُ مُمَارَسَاتُ الفِيدَا وَنُظُمُ القَانُونِ مِنَ الزَّوَالِ، وَيُدْنُو نِهَايَةُ عَصْرِ كَالِي، يَنْزِلُ جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الكَائِنِ الإِلَهِيِّ (فيشنو)، المُتَأَصِّلِ فِي طَبِيعَتِهِ الرُّوحِيَّةِ، إِلَى الأَرْضِ. سَيُولَدُ فِي عَائِلَةِ فِيشْنُو يَاسَاسَ البَرَاهِمِيَّةِ البَارِزَةِ مِنْ قَرْيَةِ سَامْبَالَا، بِاسْمِ كَالْكِي، مُتَّصِفاً بِالقُدُرَاتِ الثَّمَانِيَةِ الخَارِقَةِ. بِقُوَّتِهِ الْجَبَّارَةِ، سَيُهْلِكُ جَمِيعَ الأَشْرَارِ وَاللُّصُوصِ وَكُلَّ مَنِ انْغَمَسَ فِي الإِثْمِ. ثُمَّ يُعِيدُ إِرْسَاءَ العَدْلِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) Agni Purana, Chapter ١٦, Verses ٨-٩, translated by M.N.Dutt.
(٣١) Vishnu Purana, Book ٤, Chapter ٢٤, translated by H.H.Wilson, P.٤٩٨.

(١٤١)

عَلَى الأَرْضِ، فَتُوقَظُ عُقُولُ مَنْ يَعِيشُونَ فِي نِهَايَةِ عَصْرِ كَالِي، وَتَكُونُ صَافِيَةً كَالْبِلَّوْرِ...).
الدلالة: يقدم هذا النص الوصف الأكثر تفصيلاً لظهور كالكي، جامعاً بين الأبعاد التالية:
- البُعد الغيبي: كتجسيد لجزء من الكائن الإلهي الأزلي.
- البُعد الاجتماعي: تحديد ميلاده في عائلة براهمنية مرموقة وموطنه (سامبالا).
- البُعد الإعجازي: اتصافه بالقدرات الخارقة.
- البُعد القتالي: مهمته الإهلاكية للتخلص من الفاسدين.
- البُعد الإصلاحي: هدفه النهائي هو إعادة إرساء العدل وإنقاذ البشرية، والانتقال إلى عصر الحقيقة.
ملاحظة تحليلية: تقدم هذه النصوص الهندوسية ملامح رؤية متكاملة للمخلّص المنتظر، بوصفه تجلياً إلهياً (كالكي) ينهي زمن الظلم ويؤسِّس لعهد العدالة، مشكلاً بذلك نموذجاً خلاصياً كونياً يتقاطع مع الثقافة الدينية الإنسانية عبر مختلف الحضارات.
ومع ذلك، يظل هذا النموذج رهين طابعه الأسطوري المرتبط بالزمن الكوني الدوري (نهاية عصر الظلمة والجهل)، مما يجعله مفهوماً مؤجّلاً ومجرَّداً.
وهذا ما يميِّزه لافتقاده إلى أي إطار تشريعي أو عملي يوجّه سلوك المجتمع الهندوسي تمهيداً لذلك الظهور.
وبناءً عليه، لا نجد إمكانية لتحويل هذه الأطروحة أو النموذج الخلاصي إلى برنامج عملي ملموس في الحاضر، بخلاف النماذج الخلاصية ذات الزمن

(١٤٢)

الخطي والغائي، كالمهدوية الإسلامية التي تربط الانتظار بضرورة الاستعداد الأخلاقي والفاعلية الحركية.
التمييز الجوهري بين رؤى الخلاص: مقارنة استراتيجية:
تمثِّل مفاهيم الخلاص في الأديان الكبرى(٣٢) تعبيراً عن رؤيتها للوجود والإنسان وغايته، ورغم اشتراكها في السعي لانتشال الإنسان من المعاناة، فإنَّها تختلف في تشخيص أصل المشكلة ومنهج الحل، يتميَّز الخلاص الهندوسي بأنَّه وجودي وفردي في جوهره، قائم على المعرفة الداخلية والتحرُّر من الجهل (أفيديا)، لا على الغفران أو نشر التوحيد والعدل.
فالرؤية الهندوسية ترى العالم مساراً للتعلم لا ساحة صراع بين الخير والشر، وذلك ضمن زمن دائري متكرِّر لا مكان فيه لـ(معركة فاصلة) أو (قيامة عامة) بالمعنى السماوي الشامل.
محدَّدات الخلاص الهندوسي في البنية والفاعلية:
١ - خلاص هروب لا إنجاز: يهدف إلى التحرُّر من العالم (السمسارا)، وليس الإصلاح فيه، مما يولد نزعة اعتزالية لدى الفرد.
٢ - المشكلة إدراكية لا أخلاقية: سبب المعاناة هو الجهل بالذات الحقيقية، لا الخطيئة، والحل يكون بالوعي لا بالغفران والتوبة.
٣ - غائية فردية محضة: الخلاص النهائي (موكشا) إنجاز فردي بحت، وحتَّى المخلص كالكي لا يمنحه للأفراد، بل يقتصر دوره على استعادة التوازن الكوني العام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) الأكبر من حيث عدد الأتباع في العالم: أوَّلاً: المسيحية حوالي ٢.٤ مليار نسمة (٣١%)، ثانياً: الإسلام حوالي ٢ مليار نسمة (٢٥%)، ثالثاً: الهندوسية حوالي ١.٢ مليار نسمة (١٥%). المصدر: تقديرات ديموغرافية استناداً إلى تقارير: مركز بيو للأبحاث الأمريكي، وموسوعة بريتانيكا البريطانية.

(١٤٣)

٤ - الزمن الدائري المضعف للفعل: الدورات الزمنية اللانهائية تفقد الإصلاح الاجتماعي إلحاحه، حيث يترك الحل لانتهاء العصر وظهور (كالكي).
٥ - غياب المشروع الحضاري الفاعل: يؤدِّي التركيز على الخلاص الفردي ومفهوم الزمن الدائري إلى ضعف الفاعلية الجماعية التغييرية، مما يبقي فكرة كالكي رمزاً مثالياً غير قادر على تحريك عجلة التاريخ.
المنطلقات الفكرية والجذور الفلسفية للرؤية الهندوسية للخلاص:
لا يمكن الإحاطة بمفهوم الخلاص في الفكر الهندوسي دون استيعاب القاعدة الفلسفية الكلية التي ينبثق منها، فهي بنية تراكمية ومتشعبة تشكَّلت عبر آلاف السنين، وتقدَّم رؤية للوجود والخلاص تختلف جوهرياً عن رؤى الأديان السماوية، وتجدر الإشارة إلى أنَّ الرؤية الهندوسية تقوم على ثلاثة أركان مركزية، تحدّد معاً غاية الوجود البشري وطريق خلاصه، سواء على المستوى الفردي أو الكوني.
الركن الأوَّل: مفهوم المطلق - الوحدة التي تتجاوز الثنائية:
في صميم الفكر الهندوسي(٣٣) يقف مفهوم (براهمان)(٣٤) الحقيقة المطلقة، والوجود الكلِّي، والمبدأ الأسمى الذي لا يتغيَّر، والذي منه ينبثق كل شيء وإليه يعود، البراهمان ليس إلهاً شخصياً بالمعنى الإبراهيمي الذي يُصلَّى له ويُتَوسَّل إليه لطلب المغفرة (رغم وجود هذا الجانب في التيار الشعبي (البهاكتي))، بل هو الواقع النهائي غير المتجزئ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) هوستن سميث، أديان العالم، ص٤٧.
(٣٤) براهمان: (كلمة سنسكريتية يقصد بها: الاسم الذي أطلقه معلمو وحكماء الأوبانيشاد على الموجود الأسمى، وهم يجسدونه في الإله الخالق براهما، ويضعونه طرفا في ثالوث مقدس يتألق من براهما (الخالق) وفشنو (الحافظ) وشيفا (المدمر))، جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص٣١.

(١٤٤)

إنَّه الوجود الخالص، والوعي الخالص، والنعيم الخالص (سات-تشيت-أناندا).
العالم المتعدِّد الذي نراه بحواسنا - بكل ثنائياته: من خير وشر، وجود وعدم، ذات وموضوع - هو تعبير أو ظهور لهذه الوحدة الكامنة، بعبارة أخرى، (الكل واحد في الجوهر)(٣٥).
هذه الوحدة الوجودية وإدراكها تشكِّل الأساس الذي يُبنى عليه تعريف كل من الإنسان والخلاص.
الركن الثاني: جوهر الإنسان - الذات الخالدة(٣٦) وسجن الجهل:
يرى الفكر الهندوسي أنَّ الجوهر الحقيقي للإنسان - بل لكلِّ كائن حي - هو (آتمان)، الروح الفردية الخالدة، وهي غير النفس المتغيِّرة (التي تتأثَّر بالعواطف والأفكار)، ولا الجسد الفاني (الذي يتأثَّر بالجوع والمرض)، بل هي الشرارة الإلهية(٣٧) -الذات النقية- والتي حقيقتها واحدة مع (براهمان).
العبارة الشهيرة من الأوبانيشاد - (أنت ذاك)(٣٨) - تختزل هذه المقولة:
أنت (كآتمان) لست منفصلاً عن ذاك (البراهمان).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) النص في الكتاب الديني الهندوسي (بهاغافاد غيتا): (أن الرب نفسه، الذي لا تشوبه شائبة، والمليء بالصفات المباركة التي لا تحصى، يسكن داخليا في كل إنسان {٦-٩}. المصدر: The Bhagavad Gita: الفصل ٦ ، النص ٩، ص١٦٨.
(٣٦) هوستن سميث، أديان العالم، ص٤٦.
(٣٧) للتوسع أكثر في روح الانسان والاتحاد مع المطلق، يُنظر: د. أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ص٦١-٦٦.
(٣٨) (أنت ذاك): عبارة محورية في فلسفة الفيدا تعني أنَّ جوهر الفرد هو نفسه جوهر الكون، فالإنسان مظهر مؤقت للوجود المطلق وليس مخلوقاً مستقلاً من العدم.

(١٤٥)

من هذا المنطلق(٣٩)، تعرف المشكلة الوجودية الأساسية للإنسان لا على أنَّها (الخطيئة) كما في المسيحية، ولا على أنَّها انحراف عن (الفطرة) السليمة التي تحتاج تذكيراً وتنظيفاً كما في الإسلام، المشكلة الجوهرية في الرؤية الهندوسية هي الجهل (أفيديا).
الهدف الأسمى للحياة الإنسانية في نظر الهندوسية، هو (تحرير الإنسان من هذا الجهل)، وهو تحرُّر يتحقَّق عبر (الوعي والإدراك الحقيقي) والمعرفة المباشرة (جنانا)، وليس عبر الطاعة أو الغفران فحسب، فعندما يدرك الإنسان - ليس عقلياً، بل روحياً ووجودياً - أنَّه واحد مع الكل، يسقط الوهم، وتتحرَّر الروح من عبودية التناسخ والتقمص، هذه الحالة من التحرُّر والاتِّحاد تسمَّى (موكشا)، وهي الخلاص الفردي النهائي(٤٠)..
حيث النتيجة: ذوبان الهوية الفردية في المطلق الكلِّي، فيتحقَّق الخلاص والسلام النهائي، وتزول الرغبة، والخوف، والأنانية.
الركن الثالث: الزمن - الدائرة اللانهائية والعصور الأربعة:
يؤثِّر مفهوم الزمن في الهندوسية تأثيراً جذرياً على فكرة الخلاص(٤١)، فبدلاً من الخط المستقيم المستمر عبر التاريخ (بداية - تاريخ - قيامة) السائد في الديانات السماوية، الزمن هنا (دائري ودوري)، الكون يمر عبر دورات لا نهائية من الخلق والبقاء والانحلال، والتي تُعرف بـ(كالبا)(٤٢)، وفي كل دورة تمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) جون كولر في كتاب (الفكر الشرقي القديم) يقول: (إن القوة العظمى (براهمان) التي تمنح الكون طاقته، والطاقة الروحية للذات (آتمان) هما شيء واحد. وهذه الرؤية التي توحد بين الذات والحقيقة النهائية تقدم الأساس لمناهج التحرير)، ص٢٨.
(٤٠) للتوسُّع أكثر في التحرُّر الفردي أو بمعنى الخلاص والابتعاد عن العالم المادي، يُنظر: هالة أبو الفتوح، مفهوم الخلاص في الفكر الهندي، ص٢٠١-٢٠٥.
(٤١) للتوسع في العلاقة بين الزمن الدائري والتناسخ والخلاص، يُنظر: ديورانت، قصة الحضارة - الهند وجيرانها، ص٢١٣-٢٢٠.
(٤٢) الكالبا (Kalpa): تمثل الدورة الزمنية الكونية الكبرى (وليست دورة خاصة بالأفراد)، وهي دورة وجودية كاملة تشمل مراحل خلق الكون وحفظه ثم فنائه. تُعادل (الكالبا) يوماً كاملاً في حياة الخالق (براهما)، وتُقدّر في الفلسفة الهندوسية بآلاف الملايين من السنين البشرية.

(١٤٦)

الإنسانية عبر أربعة عصور(٤٣) (يوغا) متتالية تتدهور فيها الفضيلة تدريجياً:
١. عصر الحقيقة (Satya Yuga): تسود فيه الفضيلة الكاملة، والبشر أقرب إلى المطلق، وهو العصر المثالي.
٢. عصر انحسار الفضيلة (Treta Yuga): يظهر فيه بعض الانقسام والفساد الطفيف.
٣. عصر الفساد (Dvapara Yuga): تزداد فيه الانقسامات الإنسانية والرغبات المادية، وتتقلص فيه الفضيلة والنقاء.
٤. عصر الظلام والجهل (Kali Yuga): وهو العصر الحالي(٤٤)؛ عصر الصراع والمادية والانحطاط الأخلاقي، وهو أقصر العصور وأكثرها ظلمة، حيث تطغى المظاهر على الجوهر والرغبة على الحكمة والأنانية على الذات الكلية.
هذه العصور(٤٥) عبارة عن دورة كونية واحدة من مليارات الدورات، هذا المسار الدائري يجعل فكرة (نهاية العالم) أو (آخر الزمان) بالمفهوم الإبراهيمي النهائي بلا معنى، ولذا يفهم الخلاص في الفلسفة الهندوسية على أنَّه ليس مجرَّد حدث مستقبلي يُنتظر في نهاية التاريخ، بل هو خروج من الزمن الدائري برمته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) المصدر: ويكيبيديا، الموسوعة الإنجليزية، مادة (Yuga cycle) ، المتاحة على الرابط:

https://en.wikipedia.org/wiki/Yuga_cycle

(٤٤) وفق الاعتقاد الهندوسي: نحن نعيش في نهايته، فإن نهاية عصر (كالي يوغا) تشهد ظهور المخلص المنتظر (كالكي) لتطهير العالم وإعادة تأسيس قيم عصر الحقيقة، تمهيداً لبدء دورة كونية جديدة.
(٤٥) تفاصيل العصور الأربعة والمدة الزمنية لكل عصر، يُنظر: فراس السواح، دين الإنسان، ص٢٥٦-٢٥٧.

(١٤٧)

تجلِّيات الخلاص:
١. الخلاص الفردي (التحرُّر): هو الهدف النهائي للحياة، وقد يتحقَّق في أيِّ لحظة (حتَّى في العصر الحالي) عندما يدرك فيها السالك حقيقة وحدته مع البراهمان.
إنَّه انكشاف للحقيقة الأزلية، وإدراك أنَّ الذات (آتمان) كانت دوماً حرة وخالدة، ولم تكن أبداً مقيَّدة بواقع مادي إلَّا بوهمها، هذا الخلاص هو تحرُّر من الجهل(٤٦)، وليس بالضرورة التخلُّص من (الشر) كقوة منفصلة، لأنَّ الشر في النهاية جزء من لعبة الوهم التي يجب تجاوزها، إنَّ الخلاص النهائي هو إدراك وحدة الوجود وانصهار النفس الفردية في المطلق، حيث (آتمان = براهمان).
٢. الخلاص الكوني (الترميمي والإصلاحي): على مستوى البشرية، لا يوجد (خلاص نهائي) للكون، لأنَّ دوراته مستمرة، لكن داخل كل دورة، هناك آليات لتصحيح الانحراف الشديد والحفاظ على النظام (دارما).
أهم هذه الآليات هو ظهور (الأفاتار) التجسُّد الإلهي، ففي كلِّ مرة يختل فيها التوازن الكوني بسبب الظلم والفوضى والفساد، يتجسَّد الإله فيشنو (حافظ الكون) بشكل ما ليدمر الشر ويعيد النظام.
المخلِّص المنتظر (كالكي):
(كالكي) هو التجسيد العاشر للإله فيشنو(٤٧) وفق النصوص البورانية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) حسب النص في الكتاب الديني الهندوسي (بهاغافاد غيتا): (من يدرك عظمة جلالي وسيادتي إدراكاً صحيحاً، سيبلغ الكمال في التأمل الثابت. لا ينبغي أن يكون هناك شك في ذلك [٧-١٠]. في هذا النص يعلن أن من يفهم عظمته وسيادته فهماً صحيحاً، سينمي القدرة على التأمل المركز فيه، والذي يؤدي في النهاية إلى التحرر- المصدر: The Bhagavad Gita: الفصل ١٠، النص ٧، ص٢٤٨.
(٤٧) في الرؤية الهندوسية: الإله فيشنو تجسد في ٩ صور (Avatars) عبر العصور السابقة لحماية القانون الكوني وإعادة التوازن. ويمكننا قراءة التجسيد الهندوسي بالفعل على أنَّه تمثيل بدائي للمقياس الصاعد للخلق الإلهي، من أدنى مستويات الحياة عبر الأسماك والسلحفاة والخنزير إلى كمال البشرية، وهذا بالضبط هو نظرية التطور الحديثة. ومن أبرز تجلياته الشهيرة:
     ١ - ماتسيا (- Matsya السمكة): ترمز لبداية الخلق وحماية المعرفة من الفناء.
     ٢ - كورما (- Kurma السلحفاة): ترمز للدعم الخفي والثبات في عملية الخلق.
     ٣ - فاراها (- Varaha الخنزير البري): يرمز لانتشال الوجود من غياهب الفوضى.
     ٤ - ناراسيمها (- Narasimha الإنسان الأسد): يرمز لانتصار الحق والقوة الإلهية على الطغيان.
     ٥ - فامانا (- Vamana القزم): يرمز لتواضع الذكاء الإلهي في مواجهة غطرسة الأنا.
     ٦ - باراشوراما (- Parashurama الناسك المحارب): يرمز لتطهير العالم من الفساد والظلم.
     ٧ - راما (- Rama الأمير المثالي): يمثل النموذج الأسمى للفضيلة والنظام الاجتماعي.
     ٨ - كريشنا (- Krishna المعلم الإلهي): يرمز للحكمة المتجسدة والمحبة الشاملة.
     ٩ - بوذا (- Buddha الحكيم المستنير): يرمز للزهد والرحمة وإعادة التوازن. ويُعتبر في التقاليد (الفايشنافية) أنَّ بوذا كان تجسداً إلهياً.
     ١٠ - كالكي (- Kalki المخلص المنتظر): يرمز للخلاص الكوني، وختام دورة زمنية وبداية أخرى.
     للتوسع ارجع للمصادر التالية:

- Avatar and Incarnation, By: Geoffrey Parrinder, Publisher: Oxford University Press (UK), ١٩٩٧.

     - كولر جون، الفكر الشرقي القديم، ص١٤٥-١٤٧؛ ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، باللغة الإنجليزية:

https://en.wikipedia.org/wiki/Dashavatara#cite_note-FOOTNOTEVaswani201712-14-9

(١٤٨)

الهندوسية(٤٨)، وهو الحافظ والمنقذ للكون، والمنتظر ظهوره في نهاية العصر الحالي، سيظهر راكباً حصاناً أبيض وحاملاً سيفاً مشتعلاً، ليقوم بدور المحارب والقاضي، وتتمثَّل مهمته في تطهير العالم من الفساد، وإبادة قوى الشر، وإعادة تأسيس قيم (عصر الحقيقة) تمهيداً لبدء دورة كونية جديدة.
وهنا تبرز ثنائية فلسفية جوهرية: (كالكي) هو مصلح اجتماعي وأخلاقي يعيد التوازن الكوني في إطار الزمن الدوري، لكنه لا يمنح الخلاص النهائي (الموكشا) للأفراد، إذ يظل الخلاص إنجازاً فردياً داخلياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) للتوسع أكثر في فيشنو وتجسيداته العشرة، يُنظر: بارندر جفري، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص١٤١-١٤٣.

(١٤٩)

إذاً (المخلِّص) يهيئ البيئة الخارجية المناسبة لازدهار الروحانية، لكن التحرُّر النهائي يبقى رهناً بوعي الإنسان وسعيه الذاتي.
أُفق الخلاص: تقاطعات (كالكي) و(المهدوية) رؤية نقدية مقارنة:
بينما ظلَّ الخلاص الفردي جوهر المسار التقليدي في الهندوسية، أفرزت نصوص (البورانا) المتأخِّرة عقيدة (المخلِّص) (كالكي)، لتمثِّل تحوُّلاً من الانعتاق الذاتي إلى التطلُّع لترميم العدالة الكونية، هذه الثنائية (فردي/جماعي) تضعنا أمام منطقة مختلفة مع (المهدوية) في الفكر الإسلامي.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن بناء مقارنة استراتيجية مع الرؤية الإسلامية وفق المحاور الآتية:
١. طبيعة المشكلة والخلاص:
- الهندوسية: المشكلة هي جهل ووهم وجودي (أفيديا)، والخلاص هو كشف للحقيقة الأزلية (الوحدة مع المطلق).
- الإسلام (المهدوية): المشكلة هي انحراف عن شريعة الله، والخلاص هو إصلاح واقعي وتحقيق للعدل الإلهي في مرحلة تاريخية فاصلة (آخر الزمان).
٢. دور المخلص:
- كالكي: تجلٍّ إلهي ينهي دورة زمنية لتبدأ غيرها، تركيزه ينصبُّ على التطهير المادي والقصاص في نهاية الدورة (العصر الحالي)، وخلاصه مؤقت ودوري.
- المهدي (عجَّل الله فرجه): إنسان معصوم يبعثه الله في آخر الزمان (التاريخ الخطي) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويقود البشرية نحو غايتها الكبرى بنشر التوحيد والعدل الشامل، وخلاصه نهائي وغائي في مسار التاريخ.

(١٥٠)

٣. الزمن والغاية:
- الهندوسية: زمن دائري بلا غاية نهائية للتاريخ، والخلاص الفردي هو انفصال عن الزمن.
- الإسلام: زمن خطي يتَّجه نحو غاية (القيامة)، والخلاص الجماعي هو ذروة المسار البشري بتطبيق الاستخلاف والعدل على الأرض، تمهيداً لتحقيق العبودية الكاملة لله.
٤. البعد الاستراتيجي:
- ينتج النموذج الهندوسي رؤية سلبية تجاه التغيير الاجتماعي، لكون العالم وهماً وزائلاً، والشر جزء من الجهل، والدورة ستكرّر نفسها حتماً، والتركيز على الخلاص الفردي يضعف الدافع نحو التغيير الجذري.
- ينتج النموذج المهدوي رؤية تاريخية فاعلة، تحفِّز على الإصلاح والعمل استباقاً لتحقيق الوعد الإلهي، فهو مشروع لتغيير العالم لا الهروب منه.
النتيجة الفكرية: يقدم النموذج الهندوسي خلاصاً عبر (المعرفة الداخلية)، بينما يقدّم النموذج الإسلامي خلاصاً عبر (العمل والانتظار الإيجابي)، إنَّ الفهم الشامل لكلا النموذجين لا يثري الحوار والتعارف بين الحضارات فحسب، بل يكشف عن تنوع الإجابات البشرية الأساسية عن الأسئلة الكبرى: الوجود والمعاناة والخلاص والمستقبل والمصير.

(١٥١)

مراحل التطوُّر التاريخي لفكرة الخلاص الهندوسية(٤٩): من الطقوسية إلى المخلِّص الكوني:
يمكن تتبُّع تطوُّر مفهوم الخلاص(٥٠) في الفكر الهندوسي، الذي خضع لتحوُّلات جذرية عبر القرون، في أربع مراحل(٥١) تاريخية كبرى، تعكس هذه المراحل تحولاً تدريجياً وتراكمياً، من خلاص جماعي طقوسي يهدف للرفاه الدنيوي، إلى خلاص فردي وجودي، وصولاً إلى فكرة المخلِّص الكوني الحتمي، برزت خلالها تعديلات وتغيرات دينية وفلسفية واجتماعية كبيرة.
وفيما يلي تفصيل منهجي لهذه المراحل:
المرحلة الأولى(٥٢): الخلاص عبر الطقوس والتضحية (عصر نصوص الفيدا)، حوالي ١٥٠٠ - ٨٠٠ قبل الميلاد(٥٣).
- الطبيعة: طقسية، جماعية، مادية، حيث كان التركيز على علاقة تبادلية مع الآلهة (مثل إندرا وأغني).
- الخلاص: يكتسب عبر القرابين(٥٤) والأداء الطقسي الكامل لإرضاء الآلهة واستجلاب بركاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) A history of Indian Philosophy, Volume ١ & ٢, Author: Dasgupta, Surendranath, (١٨٨٥-١٩٥٢).

(٥٠) للتوسع أكثر في أثر الأحداث السياسية في الفكر الديني والفلسفي، يُنظر: هالة أبو الفتوح، مفهوم الخلاص في الفكر الهندي، ص٣٧-٤٥.
(٥١) انظر كتاب: مقدمة في تاريخ الأديان، من ص٢٤٧-٢٥١؛ للمزيد حول الخط الزمني للهندوسية، أنظر كتاب: الهندوسية، كيم نوت، ص١٢٥- ١٢٨.
(٥٢) الجدول التاريخي الزمني للتطورات الفكرية في هذه المرحلة، يُنظر: سو هاميلتون، الفلسفة الهندية، ص٦٤.
(٥٣) للتوسع أكثر في مراحل الفكر الهندي وخصائصه الفلسفية، يُنظر: هالة أبو الفتوح، مفهوم الخلاص في الفكر الهندي، ص٥١-٥٢.
(٥٤) سو هاميلتون، الفلسفة الهندية، ص٣٠-٣٥.

(١٥٢)

- الهدف: تحقيق الرفاهية الدنيوية (الغنى، النصر، الذرية)، وضمان مكان في (عالم الأسلاف)(٥٥) بعد الموت.
- الطابع العام: خلاص موجه عبر الكهنة (البراهمة)، خارجي ومشروط بالأداء الطقسي الصحيح.
- ملاحظة نقدية: في هذه الحقبة، لم يكن المفهوم الفلسفي العميق للتحرر قد تبلور بعد، فلم يظهر مصطلح (الموكشا) بوضوح، بل كان الهاجس هو البقاء والاستقرار المادي.
المرحلة الثانية(٥٦): الانقلاب الفلسفي والخلاص الفردي (عصر نصوص الأوبانيشاد)، حوالي ٨٠٠-٢٠٠ قبل الميلاد.
- الطبيعة: فلسفية، وجودية، فردية، إذ حدث تحول جذري من الخارج (الطقوس) إلى الداخل (المعرفة).
- الخلاص: يكتسب عبر المعرفة والإدراك الحدسي للوحدة بين الذات (آتمان) والمطلق (براهمان).
- الهدف: التحرُّر الفردي النهائي (موكشا) من دورة التناسخ والمعاناة (سمسارا).
- السمة البارزة: خلاص نخبوي فردي يعتمد على الزهد والتأمُّل واعتزال المجتمع ورفض التاريخ.
- التحوُّل المفاهيمي: أصبح الخلاص انعتاقاً فردياً يعتمد على الزهد، وصار الخلود في (الجنة المؤقتة) يُعد فخاً يمنع الوصول إلى الحقيقة المطلقة، ولادة الخطوط المركزية للهندوسية الفلسفية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) للتوسع أكثر في رابطة مع الأسلاف، يُنظر: بارندر جفري، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص١١٢-١١٣.
(٥٦) الجدول التاريخي الزمني للتطورات الفكرية في هذه المرحلة، يُنظر: سو هاميلتون، الفلسفة الهندية، ص٧٦.

(١٥٣)

المرحلة الثالثة(٥٧): التوليف والشمولية (عصر نصوص الملاحم والغيتا)، حوالي ٢٠٠ قبل الميلاد - ٥٠٠ ميلادي.
- الطبيعة: توليفية، جماهيرية، وعملية، تهدف للتوفيق بين الفلسفة العالية والاحتياجات العامة للبشر، واستيعاب التحديات الفكرية (كالبوذية).
- الخلاص: يكتسب عبر ثلاثة مسالك: المعرفة، والعمل النزيه، والإخلاص القلبي (بهاكتي).
- الهدف: التركيز على أداء الواجب الدنيوي بتجرد كطريق للخلاص، مع الحفاظ على النظام الكوني (دارما).
- الطابع العام: ظهور فكرة المخلّص (الأفاتار) كتدخل إلهي دوري لإعادة التوازن للكون.
- الأثر الاجتماعي: أصبح الخلاص متاحاً لكلِّ الطبقات عبر أداء الواجب الاجتماعي بتجرُّد، ولم يعد حكراً على النساك.
المرحلة الرابعة(٥٨): تبلور الخلاص الكوني والانتظار (عصر نصوص البورانا)، من حوالي ٥٠٠ ميلادي فصاعداً.
- الطبيعة: غيبيّة، أسطورية، وجماعية، حيث تبلورت فكرة (النهاية) في فترات الاضطرابات التاريخية الكبرى.
- الخلاص: معلّق بحدث مستقبلي خارجي، متمثِّل في مجيء المخلِّص الكوني (كالكي).
- الهدف: إنهاء عصر الظلام (الحالي)، والتطهير الكوني الشامل على يد كالكي، ولكن ليس خلاص الأفراد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) الجدول التاريخي الزمني للتطورات الفكرية في هذه المرحلة، يُنظر: سو هاميلتون، الفلسفة الهندية، ص٩٠-٩١.
(٥٨) الجدول التاريخي الزمني للتطورات الفكرية في هذه المرحلة، يُنظر: سو هاميلتون، الفلسفة الهندية، ص١٢٣.

(١٥٤)

- التحوُّل الاستراتيجي: اكتملت الثنائية بين الخلاص الفردي الداخلي (موكشا)، والخلاص الجماعي الخارجي (كالكي).
- النتيجة الواقعية: عززت الفكرة حالة من القبول القدري، حيث ينظر إلى فساد الواقع كقدر محتوم لا يرفعه إلَّا المخلص الإلهي المنتظر، دون وجود مشروع تمهيدي فاعل.
الهندوسية ومسألة انتظار المخلّص: قراءة استراتيجية في ضوء المهدوية:
تتمثَّل فكرة انتظار المخلِّص المستقبلي (كالكي)، رغم طابعها الأسطوري والغيبي، بأنَّها تحمل في طيَّاتها أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة، تستحق التحليل والقراءة النقدية، خاصة عند مقارنتها بالرؤية المهدوية الإسلامية.
أوَّلاً: المخلِّص (كالكي) في الثقافة الهندوسية:
لفهم مسألة انتظار المخلِّص في الهندوسية، يجب إدراك أنَّ التركيز الفلسفي قائم في الأساس على الخلاص الفردي (موكشا) كهدف أسمى، مما يجعل فكرة المخلص الكوني المستقبلي ضعيفة التأثير وهامشية في الممارسة الدينية اليومية، ولا تظهر إلَّا في فترات الأزمات الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ نصوص كالكي في البورانا تقرأ كجزء من التراث الأسطوري والملحمي، وليس كعقيدة حركية تشكل الهوية وتوجه السلوك اليومي.
فالانتظار الهندوسي تأمُّلي وبعيد المدى، وغير مرتبط بعلامات زمنية محدَّدة أو استعداد عملي ملموس، مما يوضِّح طبيعته الصامتة والمؤجّلة.
ثانياً: التأثير على الفرد الهندوسي:
- الشعور بالانفصال عن الزمن الواقعي: لأنَّ الخلاص مؤجَّل لأمد غير مسمَّى، لا يشعر الفرد بأنَّ خَلاصه مرتبط بعمل جماعي أو إصلاحي عاجل.

(١٥٥)

- نزعة الانكفاء الداخلي والسلبية(٥٩) تجاه قضايا الأُمَّة والعالم: التركيز على الخلاص الفردي (موكشا)، يضعف دافعية الفرد نحو التغيير الاجتماعي والسياسي.
- التسليم بالقدر الكوني: يعزِّز المفهوم القناعة بأنَّ الظلم والفساد حتمية كونية في هذا العصر، مما يحول الانتظار إلى مبرّر لتقبُّل الواقع السلبي.
ثالثاً: التأثير على المجتمع الهندوسي:
- ضعف الحراك الاجتماعي والسياسي المرتبط بالخلاص: لا توجد حركات تغييرية فاعلة تخلق برنامجاً عملياً لتمهيد مجيء (كالكي).
- الاستخدام السياسي النادر: تاريخياً، استُدعيت صورة كالكي في لحظات استثنائية (كالاحتلال البريطاني) كرمز لمقاومة الظلم، لكنها بقيت استعارات مؤقتة لا أساساً لعقيدة انتظار دائمة.
- تعزيز النموذج الدائري للزمن: النظرة الدائرية تضفي شرعية على النظام القائم (حتَّى إن كان جائراً) بوصفه جزءاً من مرحلة كونية حتمية، مما يبطئ من وتيرة الإصلاحات الهيكلية.
- التأثير الإيجابي المحتمل: يوفر المفهوم نوعاً من الاستقرار النفسي الجماعي في مواجهة الفساد، بوعد ضمني بأنَّ (القيم المثلى) ستعود، حيث يُرى الواقع الحالي كمرحلة طبيعية من دورة كونية ستصلح ذاتياً في الزمن الإلهي الطويل.
وعند المقاربة مع النموذج الإسلامي نجد أنَّ الانتظار مفهوم مركزي وفعال، يخلق ديناميكية إيجابية من العمل والإصلاح والتحفيز للتغيير، وله أبعاد اجتماعية وسياسية واضحة ساهمت في تشكيل حركات مقاومة كبرى، بينما بقيت فكرة كالكي في الهندوسية، رغم رمزيتها، أسيرة الإطار الأسطوري دون أن تتحوَّل إلى قوة تاريخية فاعلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) للتوسع أكثر ووضع الهندوسية في الميزان، يُنظر: د. أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ص١٠١-١٠٢.

(١٥٦)

ما الأسباب الاستراتيجية الكامنة وراء فشل فكرة انتظار (كالكي) في التحوُّل إلى قوة حضارية فاعلة في الهندوسية؟
يعود هذا العجز إلى عدَّة أسباب جوهرية جعلت الفكرة حبيسة النص والأساطير، وأبرزها:
- الهيمنة الفلسفية للنموذج الفردي: طغيان هدف (الموكشا) (الخلاص الفردي) على أي مشروع خلاص جماعي.
- اللامركزية المفرطة: غياب سلطة دينية مركزية تبلور العقيدة وتوجه الطاقة الجماعية نحو هدف انتظاري موحد.
- اللاغاية للتاريخ: مما يفقد فكرة (التمهيد للمخلّص) أي إلحاح أو أهمية قصوى.
- الطابع غير السياسي للدين: الهندوسية التقليدية لا تقدّم نموذجاً تشريعياً لنظام حكم ديني يُنتظر، فـ(كالكي) يصور كـ(تجلٍ إلهي) ومصلح أخلاقي أكثر منه مؤسِّس دولة.
بالمقابل، نجح النموذج المهدوي الإسلامي في التحوُّل إلى قوة تاريخية محركة لأنَّه:
- عقيدة مركزية: مرتبطة بمبدأ الإمامة في الشريعة الإسلامية.
- زمني خطي وغائي: يعطي التاريخ معنى والانتظار هدفاً مُلحاً.
- الاستناد لفقه عملي: يواكب المراحل الانتقالية المختلفة (كالغيبة، والسفارة، والنيابة العامة، والاجتهاد) محولاً الانتظار إلى مشروع عمل، لا حالة سلبية.
وهكذا، بينما تقدّم الهندوسية نموذجاً تأمُّلياً يريح الفرد من عبء التاريخ، فإنَّها تدفع الثمن في ضعف الطاقة الجماعية التغييرية المرتبطة بثقافة الانتظار، وهذا يفسِّر من منظور استراتيجي، لماذا بقيت فكرة كالكي (أسطورة

(١٥٧)

جميلة) في الخلفية الثقافية فقط، ولم تتحوَّل أبداً إلى برنامج حياة أو مشروع نهضوي.
التجليات الشعبية: تجسيد فكرة (كالكي) في السياق الهندوسي عبر التاريخ:
في السياق الهندوسي، يلاحظ ندرة البروز الصريح بلقب (كالكي) بشكل مباشر وموسع، وذلك لأنَّ العقيدة التقليدية ترى ظهوره تجلياً إلهياً وحدثاً مستقبلياً محتوماً، ومع ذلك، شهد التاريخ الهندوسي عبر عصوره المختلفة ظهور شخصيات عديدة ادَّعت أو نسبت إليها صفات كالكي أو تم تفسير أفعالها في إطار هذه النبوءة، وغالباً ما حدث ذلك في فترات الأزمات الاجتماعية والسياسية الكبرى، وقد استندت هذه الادِّعاءات إلى تأويلات لنصوص التراث الديني، ومحاولات لربط الرمز الأسطوري بالواقع المعاش.
وفيما يلي استعراض لأبرز هذه الحالات التاريخية(٦٠):
أوَّلاً: العصور القديمة:
لا توجد سجلات تاريخية واضحة عن مدَّعين بارزين في فترة العصور الفيدية أو ما قبل الميلاد، حيث إنَّ مفهوم (كالكي) كان لا يزال في طور التبلور ضمن النصوص البورانية التي كتبت تقريباً بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين، ولم يتحول بعد إلى رمز خلاصي شعبي يمكن الادِّعاء به.
ولذا لم تعرف هذه الحقبة شخصيات بعينها ادَّعت هذا الدور، بل كان الهاجس الشعبي آنذاك منصباً على البقاء والاستقرار المادي.
ثانياً: العصور الوسطى (القرن ١٠-١٧م):
ظهرت بعض الإشارات خلال بداية الوجود الإسلامي لشبه القارة، حيث يشير بعض المؤرِّخين إلى شخصيات مثل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) Modern Religious Movement in India, By: J.N.Farquhar, (NY - USA).

(١٥٨)

- سري تشايتانيا (١٤٨٦-١٥٣٤م): مؤسس حركة (غوديا فايشنافا)، لم يدَّع صراحة أنَّه (كالكي)، لكن بعض أتباعه رأوا فيه لاحقاً تجسيداً للإله فيشنو، وقد قادت ظروف ظهوره في خضم التحوُّلات الاجتماعية إلى تفسيرات ربطته بفكرة المنقذ، وإن لم يكن ذلك شائعاً بشكل رسمي.
- أنصار حركة بهاكتي: في هذه المرحلة، بدأ ينظر لبعض الزهاد والمصلحين على أنَّهم تجليات لروح كالكي، دون الادِّعاء الصريح بذلك، لكنَّهم شكلوا نماذج روحية استلهمت صورة المخلِّص لتجاوز الجمود الطبقي.
ثالثاً: فترة الاستعمار (القرن ١٨ - منتصف القرن ٢٠):
شهدت هذه الفترة تصاعداً في الحركات الخلاصية الهندوسية، في إطار مقاومة الاحتلال البريطاني، ومن أبرز الحالات(٦١):
- كالاكي كريشنا (بين ١٨٧٠-١٨٨٠م): في ولاية تاميل نادو، زعم أنَّه تجسد لـ(كالكي) جاء ليطهّر الهندوسية من الفساد والطبقية، ودعا إلى البساطة الدينية ورفض السلطة الكهنوتية، ورغم محدودية تأثير حركته، إلَّا أنَّها مثَّلت صرخة احتجاجية مبكرة.
- ديانند ساراسواتي (١٨٢٤-١٨٨٣م): مؤسِّس حركة (آريا سماج)، لم يدَّع أنَّه كالكي، لكنَّه طرح في كتاباته أنَّ ظهور المخلص سيكون وشيكاً، وربطه بضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي.
- ساي بابا من شيردي(٦٢) (١٨٣٨-١٩١٨م): رغم عدم إعلانه الصريح، إلَّا أنَّ أتباعه في القرن العشرين نسبوا إليه خصائص المخلص بوصفه (مظهراً إلهياً)، وبعد وفاته، عدَّه كثيرون (كالكي الرمزي)، ولا يزال له تأثير واسع جداً بين الطبقات الشعبية، ويقدَّر أتباعه بالملايين حالياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) A History of Modern India, By: Ishita Banerjee-Dube, U K.
(٦٢) The Life and Teachings of Sai Baba of Shirdi, By: Antonio Rigopoulos, USA.

(١٥٩)

- تمرد السانياسي والفلاحين (أواخر القرن ١٨ - أوائل القرن ١٩): خلال المقاومة ضد شركة الهند الشرقية البريطانية، انتشرت نبوءات عن قرب ظهور (المنقذ) الذي سيطرد الأجانب، وادَّعى بعض القادة، مثل (موندرا كازاري) -قبض عليه البريطانيون عام ١٨٩٣م- أنَّه تجسيد لـ(كالكي) القادم لتحرير الهند من الحكم الأجنبي.
- سوامي فيفي كاناندا (١٨٦٣-١٩٠٢ م): رغم عدم ادِّعائه ذلك، إلَّا أنَّ خطابه الوطني القوي قاد بعض المريدين المتحمسين إلى عدِّه (تمهيداً) للمنقذ المنتظر.
- سوامي داياناند (أواخر القرن ١٩): عدَّه أتباعه أنَّ دعوته لإحياء تعاليم الفيدا ومحاربة الخرافات هي تمهيد لظهور (كالكي)، أو أنَّه التجسيد الرمزي له في العصر الحديث.
رابعاً: الهند والعالم المعاصر (القرن ٢٠-٢١):
ظهرت شخصيات معاصرة نسبت إليها صفة (كالكي) في سياقات مختلفة، أبرزها:
- سري ساتيا ساي بابا(٦٣) (١٩٢٦-٢٠١١ م): روج أتباعه لفكرة أنَّ سلسلة تجسيداته (ساي بابا الأقدم، ساتيا ساي بابا، وبرينافا ساي بابا) تتوافق مع الأفاتارات العشرة لفيشنو، وأنَّه التجسيد النهائي (كالكي)، رغم رفض التيارات الدينية التقليدية لهذا الربط.
- سري كاليك بهاجوان (مولود ١٩٤٩): مؤسِّس حركة (أمّا باغافان)، يلقبه أتباعه بـ(كالكي) ويؤمنون أنَّه جاء ليقود البشرية نحو عصر جديد من الوعي الروحي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) In the Presence of Sai Baba: Body, City, and Memory in a Global Religious Movement, by: Smriti Srinivas.

(١٦٠)

- جماعات العصر الجديد: تبنَّت جاليات هندوسية في بعض الدول الأوربية (مثل: ألمانيا والنمسا وبريطانيا والولايات المتحدة) صورة (كالكي) كرمز للمخلِّص القادم من الشرق، وانتشرت عبر وسائل التواصل مزاعم هامشية حول ولادته السرية في (الهيمالايا)، وقرب إعلانه عن نفسه.
في إطار الشارع الهندوسي:
يبيِّن هذا الاستعراض التاريخي كيف أنَّ فكرة المخلِّص الموعود (كالكي) تم تفعيلها في الثقافة الهندوسية بشكل محدود كرمز احتجاجي أو أمل خلاصي في لحظات الاضطهاد والأزمات الوطنية (خاصة خلال الاستعمار)، لكنها نادراً ما تحوَّلت إلى حركات جماهيرية منظَّمة أو ادِّعاءات مؤسسية راسخة.
مما يؤكِّد أنَّ الفطرة الإنسانية المتشوِّقة للخلاص والمخلِّص موجودة في الوجدان الهندي، وتشكِّل جزءاً من الثقافة الشعبية، لكن التعبير عنها عبر (كالكي) ظلَّ ثانوياً، بسبب هيمنة النموذج الفلسفي للخلاص الفردي (موكشا)، والطبيعة المؤجَّلة والبُعد الأسطوري للنبوءة في الثقافة الدينية السائدة.
الأسباب والدوافع الكامنة وراء ادِّعاء (كالكي):
١- الاضطراب الاجتماعي والديني: يحدث الادِّعاء غالباً في فترات الانحلال الأخلاقي أو التخلخل الديني، حين يشعر الناس بأنَّ المنظومة القيمية قد انهارت، وأنَّ القوى الشريرة باتت تهيمن على المشهد العام، في مثل هذه السياقات، يبرز (كالكي) كرمز للأمل والتطهير الشامل والعودة إلى (عصر الحقيقة)، مما يفسح المجال لمدَّعين يزعمون أنَّهم التجسيد الأرضي لهذه النبوءة لملء الفراغ الروحي.

(١٦١)

٢- مقاومة الاحتلال والاستعمار: خلال الحقبة الاستعمارية (خصوصاً البريطانية ما بين القرن ١٨ ومنتصف القرن ٢٠)(٦٤)، استخدم مفهوم (كالكي) كأداة في الخطاب المقاوم، حيث تمرَّدت بعض الحركات على البريطانيين مدَّعية أنَّ (كالكي) قد ظهر فعلياً، وأنَّ أوان (دحر الظلم) قد حان بظهور المخلِّص، مما جعل من العقيدة الدينية وقوداً لاستعادة السيادة الوطنية والكرامة المسلوبة.
٣- الصراع الطبقي(٦٥) والاجتماعي: دفعت التراتبية الطبقية المتجذرة في المجتمع الهندوسي بعض القادة من الطبقات الدنيا أو المهمشة إلى ادِّعاء صفة (كالكي)، وذلك لتبرير ثورتهم على الطبقة (البراهمية) المتحكِّمة في الشأن الديني والمكانة الاجتماعية، فـ(كالكي) باعتباره المطهِّر للأرض، يصبح أداة رمزية لإعادة توزيع السلطة الروحية والاجتماعية وإنصاف المظلومين.
٤- السمات الشخصية والاضطرابات النفسية: بعض الأفراد الذين امتلكوا كاريزما دينية وشعبية، أو مرّوا بتجارب روحية غامضة، صدقوا -أو أقنعوا أتباعهم- بأنَّهم تجلٍّ إلهي، وفي حالات أخرى، يشير بعض الباحثين إلى ارتباط هذه الادِّعاءات باضطرابات نرجسية أو أوهام العظمة، التي تجد بيئة خصبة في الأوساط الأكثر حاجة للأمل.
رد الفعل التقليدي والمؤسَّسي:
- الرفض من قِبل الكهنة (البراهمة) والسلطات الدينية: دائماً ما تعدّ المؤسسة الدينية الرسمية هذه الادِّعاءات هرطقة أو خروجاً عن الثوابت، وذلك لأنَّ النصوص المقدَّسة تؤكِّد أنَّ (كالكي) سيعلن عن نفسه بآيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) للتوسُّع أكثر في حضارة الهند وبريطانيا، يُنظر: ج. ت. جارات، تراث الهند، ص٢٨٣-٢٩٩.
(٦٥) للتوسع أكثر في نظام الطبقات الشهير في الهندوسية، يُنظر: هوستن سميث، أديان العالم، ص٩٦-١٠٣.

(١٦٢)

كونية وقوة إلهية قاهرة لا تقبل اللبس، ولن يحتاج إلى وساطة بشرية أو تبشير دعائي للتعريف به.
- ضعف الاستمرارية: تفتقر معظم هذه الحركات إلى التنظيم الهيكلي والديمومة، إذ غالباً ما تخبو جذوتها بوفاة المدَّعي أو نتيجة الضغوط السياسية والدينية، مما يحول دون تحولها إلى مؤسسة دينية عابرة للأجيال.
- الاستثناء النسبي: نجحت بعض الشخصيات مثل (ساي بابا) في الحفاظ على أثرها لأنَّها لم تعلن صراحة عن كونها (كالكي)، بل تركت مساحة من الغموض وباب التفسير مفتوحاً أمام مريديها، مما جنَّبها الصِدام المباشر مع المؤسسة الدينية التقليدية.
واستناداً إلى ما سبق: تظل ظاهرة ادِّعاء لقب (كالكي) في التاريخ الهندوسي ظاهرة هامشية، تعكس لحظات يأس واحتقان اجتماعي أكثر مما تعبر عن تيار فكري أو ديني راسخ، إنَّ غياب الإطار العقائدي المنظّم لاستيعاب فكرة (المخلص المعاصر)، بالإضافة إلى الطبيعة الفلسفية للخلاص الهندوسي، جعلت هذه الظاهرة أقل تأثيراً وحضوراً بكثير من نظيراتها في الأديان الإبراهيمية.
أثر مفهوم الخلاص الكوني (كالكي) في بنية الأُمَّة والمجتمع الهندي:
يبرز (كالكي)، المخلِّص المنتظر في الوجدان الهندوسي كرمز لخلاص يتأسَّس على (القطيعة الشاملة) مع الواقع، لا على الإصلاح البشري التدريجي، وهذا التصوُّر له آثار بعيدة المدى تتجاوز الإطار الديني لتطال البنى الاجتماعية والسياسية ومسار الحضارة الهندية برمَّتها.

(١٦٣)

يمكن إجمال التأثير لهذه الرؤية في النتائج المفصلية التالية:
١ - تعطيل الفعل الإصلاحي الجذري لانتظار الحل الخارجي.
٢ - إضفاء الشرعية الرمزية على اللامساواة الاجتماعية القائمة.
٣ - إضعاف الفكر السياسي المؤسَّسي المبني على مفاهيم العدالة الإنسانية والمسؤولية الجماعية.
بناءً على ما تقدَّم، فإنَّ (كالكي) بوصفه خلاصاً كونياً، قد سلب من المجتمع الهندي روح المبادرة التاريخية لفترات طويلة.
ومن ثم، فإنَّ التحدِّي الأكبر أمام الهند المعاصرة ليس في الإيمان به أو نفيه، بل في إعادة صياغة مفهوم الخلاص بما يتناسب مع متطلَّبات الحياة الحديثة، أي الانتقال من (نهاية كونية مغلقة) إلى (أُفق أخلاقي مفتوح) يعيد للإنسان فاعليته وللمجتمع مسؤولية التغيير، بما يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث.
قيمة فكرة الخلاص الهندوسي في ميزان الحضارة:
تكشف هذه القراءة النقدية أنَّ الخلاص ليس فكرة دينية مجرَّدة، بل قاعدة فكرية عميقة تنظّم علاقة الإنسان بالتاريخ والمجتمع والمستقبل، وأنَّ الفرق الجوهري عند المقارنة بين (كالكي) والمهدي (عجَّل الله فرجه) لا يكمن في (هوية من سيظهر)، بل في طبيعة الفعل الذي ينتجه هذا الإيمان وأثره الراهن.
فعندما يتحوَّل مفهوم الخلاص إلى انتظار سلبي (الكالكية)، يخبو التاريخ ويُقبل الواقع الفاسد كقدر محتوم، وعندما يتحوَّل الانتظار إلى مسؤولية إيجابية (المهدوية)، يُصنع المستقبل وتقوى دوافع الإصلاح.
إنَّ القيمة الحضارية العليا لأيِّ نموذج خلاصي لا تقاس بوعد النهاية المنتظرة، بل بقدرته على إحياء الضمير الإنساني وتنظيم الحياة الواقعية قبل تحقق الوعد.

(١٦٤)

وهذا بالضبط ما يجعل التعرُّف على الرؤية المهدوية الإسلامية درساً استراتيجياً ثميناً: فالخلاص الناجح هو الذي يرفض تبرير الظلم ولا يعفي الإنسان من كتابة تاريخه بيده.
المهدوية كأُفق إنساني للخلاص: واقعية المشروع الحضاري ومأزق الأسطورة:
تتصدَّر العقيدة المهدوية المشهد الفكري العالمي كمشروع خلاصي فريد يجمع بين (كرامة الإنسان، والعدالة المطلقة، وفلسفة التاريخ، وخلافة الأرض) في نسق بنيوي واحد، ولا يكاد يوجد لها نظير في تماسكه الفكري وعمقه الغيبي وارتباطه الوثيق بالواقع التاريخي، فهي لا تكتفي بمعالجة القلق الوجودي للفرد (كما في بعض المذاهب الروحانية الانعزالية)، بل تقدّم رؤية استراتيجية شاملة لإعادة صياغة الحضارة الإنسانية على أُسس (التوحيد والعدل).
إنَّ الربط الوثيق بين التوحيد والعدل في المهدوية ليس ربطاً أخلاقياً مجرَّداً، بل هو ربط واقعي، فالعدل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي هو التجسُّد العملي لحقيقة التوحيد في حياة الناس.
بهذا المعنى، تكتسب المهدوية بُعداً إنسانياً عالمياً، فهي ليست مجرَّد فكرة مستقبلية تُنتَظر، بل هي (منهج حياة) ونسق قيمي يمنح للتاريخ معناه، ويطرح نفسه كبديل حضاري عملي للأزمات التي تعصف بالإنسانية المعاصرة.
تتميَّز المهدوية عن غيرها من النماذج الخلاصية بأنَّ الإنسان فيها (فاعل وشريك) في صناعة التاريخ ومعادلة الخلاص، وليس مجرَّد متفرِّج ينتظر المعجزة.
فالظهور المقدَّس للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا يقع خارج سياق السُنن، ولا يفرض على الواقع بلا مقدّمات، بل يأتي تتويجاً منطقياً لمسار طويل من

(١٦٥)

الصراع بين الحقِّ والباطل، وتراكم الوعي البشري بضرورة المصلح، وهذه الواقعية هي ما تجعل المهدوية تنسجم ببراعة مع:
١ - وجدان الفطرة: التي ترفض الظلم والجور رفضاً مطلقاً.
٢ - برهان العقل: الذي يحكم بضرورة انتصار العدالة النهائية.
٣ - فلسفة التاريخ: التي تفترض أنَّ للمسيرة البشرية غاية وهدفاً نهائياً.
٤ - الإرشاد السماوي: الذي يربط المصير البشري بالسلوك والعمل.
المهدوية كضرورة حضارية وحتمية تاريخية:
انطلاقاً من المقاربات التحليلية، تبرز المهدوية الإسلامية كنموذج حضاري(٦٦) متكامل ومستقبل واعد للإنسانية.
إنَّ الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) يُحدث تحوُّلاً جوهرياً على مستويين:
- على الصعيد الفردي: يمنح الإنسان توازناً نفسياً وأملاً محفزاً للعمل الجاد، محولاً الانتظار من مجرَّد تمنٍّ إلى دافع للإتقان.
- على الصعيد المجتمعي: يبني (النسق الحضاري المقاوم) الذي يرفض الخضوع للظلم بكلِّ أشكاله، ويؤسِّس لوعي مجتمعي يرفض الهزيمة التاريخية.
إنَّ المهدوية كرؤية خلاصية شاملة تتفوَّق لأنَّها النسق الوحيد الذي يجمع بين (الغيب الراسخ) و(الواقعية الإنسانية)، فالمهدي في العقيدة الإسلامية (الإمامية) ليس رمزاً أسطورياً، ولا مجازاً تعبيراً عن الخير، بل هو (حقيقة تاريخية)، وإنسان كامل، ومشروع قائد دولة عالمية.
بينما يقدّم الخيال الديني في حضارات أخرى خلاصاً منفصلاً عن الواقع، فعلى سبيل المثال، يقدّم الخيال الهندوسي صورة خلاص كوني يرتبط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) للتوسع في موضوع المهدوية برؤية حضارية، يُنظر: مجتبى السادة، تعريف المهدوية للحضارات الأخرى، الفصل الرابع.

(١٦٦)

بتجسُّد إلهي خيالي يطهر الأرض من الشرور دون مشروع عملي للتمهيد، هذه الرؤية -رغم رمزيتها- تفصل الإنسان عن مسؤوليته الزمنية والتاريخية، وتدعوه للانفصال عن الواقع باسم الكونية والأسطورة؛ فلا توجد آليات عملية للتمهيد، ولا حركة جماعية فاعلة تنتظر ظهور (كالكي).

(١٦٧)

 

عدم تنافي الغيبة مع الغرض الإلهي من نصب الإمام (عليه السلام)
 

السيد علي الموسوي المشعشعي

 

إنَّ مما يثار قديماً وحديثاً قول العامة: إنَّ غيبة الإمام الثاني عشر تناقض الغرض الإلهي من نصبه، ووفقاً لرأي الإمامية، فإنَّ الإمامة تُعدّ لطفاً واجباً على الله (عزَّ وجلَّ).
لذا، إذا كان الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) مستتراً، كان الله تعالى مخلاً - حسب زعمهم - بالواجب وناقضاً للغرض من نصبه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وللجواب عن ذلك لابدَّ من التطرُّق لعدَّة جهات نذكرها إجمالاً:
الجهة الأولى: تقرير قاعدة اللطف الإلهي:
إنَّ اللطف الإلهي، في اصطلاح متكلِّمي الإمامية، هو كلّ ما يدعو المكلَّف إلى فعل الطاعة وترك المعصية بحيث يجعله أقرب إلى امتثال الأوامر وأبعد عن النواهي، دون إجبار أو إكراه، ويشمل التوفيق، الهداية، إرسال الحجج، من الأنبياء والأوصياء في صنع التدبير لحفظ المصالح وتجنُّب المفاسد وقد قُسم إلى قسمين:
اللُّطف المحصِّل: هو القيام بالمبادئ والمقدّمات التي يتوقَّف عليها تحقُّق غرض الخلقة، وصونها عن العبث واللغو، بحيث لولا القيام بهذه المبادئ

(١٦٩)

والمقدّمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغاً عن الغاية لعدم تمكُّن العبد من الطاعة من دون هذا اللطف، وناقَضَ حكمته التي تستلزم التحرُّز عن العبث، وذلك كبيان تكاليف الإنسان، وإعطائه القدرة على امتثالها.
اللُّطف المقرِّب: هو القيام بما يكون محصلاً لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه وذلك كالوعد، والوعيد، والترغيب والترهيب، التي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، وبعده عن المعصية(١).
أي أنَّ العبد يتمكَّن من الطاعة لكن اللُّطف المقرب يزيد من فرصها ويسهل الأمر لها.
وقد ذكر السيِّد المرتضى: (إنَّ علَّة الحاجة إلى الإمام هي أنْ يكون لطفاً للرعيَّة في الامتناع من القبيح وفعل الواجب)(٢).
وقال العلامة الحلّي: (اللطف هو ما يكون المكلَّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية، ولم يكن له حظّ في التمكين ولم يبلغ حدِّ الإلجاء، واحترزنا بقولنا: ولم يكن له حظّ في التمكين، عن الآلة، فإنَّ لها حظًّا في التمكين وليست لطفاً، وقولنا: ولم يبلغ حدِّ الإلجاء؛ لأنَّ الإلجاء ينافي التكليف، واللطف لا ينافيه، هذا اللطف‏ المقرِّب)(٣).
فأصل نصب الإمام هو من اللطف، وحتَّى يتم، لابدَّ من أمرين:
١ - تعيينه ونصبه من قبل الله (عزَّ وجلَّ) وقد تمَّ ذلك.
٢ - انقياد الرعية له بالامتثال لأوامره ولم يحصل فكان عدم تمامه منّا، على ما سيأتي بيان تفصيل ذلك إن شاء الله (عزَّ وجلَّ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الإلهيات ٣: ٥١-٥٣؛ بحوث في الملل والنحل: ٣: ٥٠٥-٥٠٨.
(٢) المقنع في الغيبة: ص٣٦.
(٣) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٤٤٤.

(١٧٠)

الجهة الثانية: أنحاء اللطف في النصوص وأقوال العلماء:
١ - نفس وجود الإمام لطف أصلي به قوام نظام الكون:
إنَّ وجود الإمام بنفسه يغذِّي ديمومة بقاء المجتمع البشري لبقائه على صلاحه ومن دونه تسيخ الأرض بأهلها على ما قرَّره فخر المحققين الخواجة نصير الدين الطوسي بقوله: (وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا)(٤)، أي إنَّ أصل وجوده لطف به قوام نظام الكون وهو أمانٌ لأهل الأرض كما تم الإشارة له في الآثار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) نذكر بعضاً منها:
١ - ما رواه الصدوق في (العلل) بالإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): لأي شيء يحتاج إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) والإمام؟ فقال: «لبقاء العالم على صلاحه وذلك أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام، قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال النبي (صلَّى الله عليه وآله): النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون، يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن الله (عزَّ وجلَّ) طاعتهم بطاعته، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وهم المعصومون المطهرون الذين لا يذنبون ولا يعصون وهم المؤيَّدون الموفقون المسددون، بهم يرزق الله عباده، وبهم تعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) تجريد الاعتقاد: ص٢٨٥.

(١٧١)

روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم صلوات الله عليهم أجمعين»(٥).
٢ - وما رواه الكليني بالإسناد عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال (عليه السلام): «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»(٦).
٣ - وما رواه الكليني والصدوق بالإسناد عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أنَّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله»(٧).
٤ - وما رواه أبو سعيد العصفري عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لو بقيت الأرض يوماً بلا إمامٍ منَّا لساخت بأهلها ولعذَّبهم الله بأشدِّ عذابه، إنَّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجة في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثم لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثم يفعل الله ما شاء وأحب»(٨).
٢ - تصرف الإمام لطف كمالي:
إنَّ تصرف الإمام لطف كمالي، فلو مُنع الإمام من القيام بمهام الولاية فلا ينتفي أصل الغرض من نصبه كما أشار إليه فخر المحققين الشيخ نصير الدين الطوسي قائلاً: (وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا)(٩)، أي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) علل الشرائع: ج١، ص١٢٤.
(٦) الكافي: ج١، ص١٧٩.
(٧) الكافي: ج١، ص١٧٩؛ كمال الدين: ص٢٠٢.
(٨) الأصول الستة عشر: ص١٤٠.
(٩) تجريد الاعتقاد: ص٢٨٥.

(١٧٢)

إنَّ قيادته للأُمة لطف آخر، لذا لما منع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من القيام بمهام الولاية فلم ينتفِ اللطف الإلهي، فكان عدم هذا اللطف وانقطاعه منّا لا من الله (عزَّ وجلَّ) ولا من الإمام، كما أشار إلى ذلك العلامة الحلي قائلاً: (ما يجب على الرعية، وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام)(١٠).
الجهة الثالثة: الغيبة لا تؤدِّي لخلو الأرض من الحجة:
إنَّ غيبة الإمام لا تؤدِّي لخلو الأرض من الحجة لله (عزَّ وجلَّ)، كما تمَّ الإشارة إليه في الحديث المعروف لدى كلا الفريقين: «لا تخلو الأرض من حجة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته»، وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو الأرض ‌من ‌قائم ‌لله ‌بحجة إمَّا ظاهر مشهور وإمَّا خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته فيكم»(١١).
الجهة الرابعة: الغيبة جناية بشرية:
إنَّ الغيبة ليست مخطّطاً سماوياً وإنَّما هي جناية بشرية والعمل البشري لا يكون نقضاً للغرض السماوي، ولها سببان:
السبب الأوَّل: منع أئمة الجور:
إنَّ المانع من تصرفه هو ظلم الطغاة الذي كان سبباً لاختفائه، لكن، لا يمكن اعتبار الجريمة البشرية نقضاً للهدف السماوي كما أشار إليه الشريف المرتضى قائلاً: (إذا لم يظهر لإخافة الظالمين له ولأنَّهم أحوجوه إلى الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) كشف المراد: ص١٨٥.
(١١) أمالي الصدوق: ص٢٥٣؛ كمال الدين: ص٢٨٩-٢٩٤؛ حلية الأولياء: ج١، ص٧٩؛ تاريخ دمشق: ج٥٠، ص٢٥٤.

(١٧٣)

والاستتار، كانت الحجة في فوت المصلحة به عليهم، فكانوا هم المانعين أنفسهم من الانتفاع به، وإذا عدمت عين الإمام ففات المكلّفين الانتفاع به كانت الحجة في ذلك على من فوتهم النفع به)(١٢).
وقد دلَّت الآثار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أنَّ من أسباب الغيبة هو الخوف من قتل أئمة الجور كما رواه الكُليني بالإسناد عن زُرارة، قالَ: سمعتُ أبا عبدِ الله (عليه السلام) يقولُ: «إنَّ للقائمِ غيبةً قبلَ أن يقوم، إنَّه يخافُ - وأومأ بيدِه إلى بطنِه يعني - القتل»(١٣).
ورواه الصدوقُ بسندِه عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) قالَ: قالَ رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): «لابدَّ للغُلامِ مِن غيبةٍ، فقيلَ له: ولمَ يا رسولَ الله؟ قالَ: يخافُ القتل»(١٤).
ومن الأمثلة على ذلك أنَّ الهدف من نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة هو إقامة دولة العادل الإلهي، هذا هو المخطَّط السماوي، لكن الطغاة اغتصبوا حقَّه ومنعوه من قيامه بمهام الخلافة، حتَّى وصل الحال إلى قتله، فكذلك نصب الحجة المهدي (عجَّل الله فرجه) إماماً بعد أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) لم يكن الغرض منه أن يغيب هذه الغيبة، بل كان مخطَّطاً أن يبقى حاضراً بين الناس ويقوم بتحقيق أهداف الإمامة، ولكن الطغاة هجموا عليه لقتله فاستتر.
والسبب الآخر: تخاذل الأُمَّة عن نصرته:
إنَّ عدم قيام الأُمَّة بنصرته والدفاع عنه، كان سبباً لغيبته، فكان منع اللُّطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الشافي في الإمامة: ج١، ص١٤٦.
(١٣) الكافي: ج١، ص٣٤٠.
(١٤) عِللُ الشرائِع: ج١، ص٢٤٣.
(١٥) كشف المراد: ص١٨٥.

(١٧٤)

فغيبة الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه) نتيجة جناية بشرية وتقصير من الأُمَّة الإسلامية، وليست الغيبة مخطَّطاً سماوياً ليقال: إنَّ هذه الغيبة نقض للغرض من نصب الإمامة.
جواب إشكالية تغلُّب مشيئة البشر على المشيئة الإلهية:
أقول: وبعد أنْ بينَّا أنَّ سبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) عمل بشري لا سماوي، فلابدَّ من إزالة المشكل القائل إنَّ هذا القول يترتَّب عليه تغلُّب مشيئة البشر على المشيئة الإلهية، فنقول: إنَّ المشيئة البشرية عند الشيعة لا يمكن أن تتغلَّب على المشيئة الإلهية، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ المشيئة الإلهية هي التي تعطي الاقتضاء لمشيئة الإنسان، فإذا شاء شئنا، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠؛ التكوير: ٢٩]، هذا يعني أنَّ مشيئتنا البشرية هي جزء من النظام الكلي الذي أراده الله وقدَّره، ولا يمكن أن تتغلَّب على المشيئة الإلهية أو تخرج عن نطاقها.
والآخر: أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يأمر العبد ويريد منه أن يتبع أوامره، فعندما يلتزم بتلك الأوامر، فإنَّه سَمَحَ له، ورضي به، ووعده بالجنة أو النعيم، وإذا لم يتبع أوامره فهو (عزَّ وجلَّ) سَمَحَ له، ولم يرْضَ به، ووعده بالنار أو العذاب كما أُشير له في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، روى الكليني بسنده: عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: «نجد الخير والشر»(١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) الكافي: ج١، ص١٦٣.

(١٧٥)

باختصار، الغيبة هي نتيجة لتفاعل بين حكمة الله (عزَّ وجلَّ) ومشيئته من جهة، وبين تقصير البشر وظلمهم من جهة أخرى، وهذا لا يعني أبداً أنَّ المشيئة البشرية قد تغلَّبت على المشيئة الإلهية، بل هي جزء من التدبير والحكمة الإلهية، وترتبط أيضاً بأفعال البشر وظلمهم.
الجهة الخامسة: وظائف الإمام (عليه السلام) حال غيبته:
إنَّ وجه الانتفاع بالإمام في غيبته من جهات كثيرة، منها - على سبيل المثال -:
١ - الإمام شاهد على الخلق:
من وظائفه أن يكون شهيداً على أعمال الخلائق كما أُشير له في الآية: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]، فقد روى الكليني والصفار بالإسناد عن بريد العجلي أنَّه سئل مولانا الباقر والصادق (عليهما السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قالا (عليهما السلام): «نحن الأُمَّة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه»(١٧).
٢ - الإمام هادٍ بأمر الله تعالى:
إنَّ الإمام (عليه السلام) من خلال ولايته التكوينية على النفوس يمتلك القدرة على إيصال نور الهداية إلى القلوب بطريقة غيبية ملكوتية، وهو ما يُعرف بالهداية الأمرية كما أُشير له في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) الكافي: ج١، ص١٩٠؛ بصائر الدرجات: ص٨٤.

(١٧٦)

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤]، فقد روى الخزاز القمي بسنده: عن زيد بن علي (عليه السلام)، قال: كنت عند أبي علي بن الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فبينما هو يحدِّثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال: ادبر فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ما اسمك يا غلام؟ قال: «محمد»، قال: ابن من؟ قال: «ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»، قال: أنت إذاً الباقر، قال: فانكبَّ عليه وقبَّل رأسه ويديه، ثم قال: يا محمد إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقرئك السلام، قال: «على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام»، ثم عاد إلى مصلاه، فأقبل يحدِّث أبي ويقول: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال لي يوماً: «يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام، فإنَّه سميي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثم تلا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]»(١٨).
٣ - الإمام حافظ للدين:
من وظائف الإمام حفظ الدين من التحريف الكامل؛ وحفظ الدين له أسبابه، ومن أسباب حفظ الدين وجود المعصوم القادر على حفظه من أن تدنَّس أيدي التلاعب والتزوير والتحريف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) كفاية الأثر: ص٣٠٣.

(١٧٧)

أقول: بعد أنْ أوضحنا بعض وظائف الإمام في غيبته يتَّضح أنَّ عدم العلم بآثاره لا ينقض الغرض، إذ ليس هو علماً بالعدم أي وجه الانتفاع به في غيبته هو كالشمس إذا جلَّلها السحاب كما أُشير إلى ذلك في الأخبار نذكر بعضاً منها:
١ - روى الصدوق والخزاز بالإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السلام): «إي والذي بعثني بالنبوة، إنَّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلَّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرِّ الله، ومخزون علمه، فاكتمه إلَّا عن أهله»(١٩).
٢ - روى الصدوق بسنده عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «... نحن أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها»، ثم قال: «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله»، قال: سليمان، فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(٢٠).
٣ - روى الصدوق بسنده عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) كمال الدين: ص٢٥٣؛ كفاية الأثر: ص٥٥.
(٢٠) كمال الدين: ص٢٠٧؛ أمالي الصدوق: ص٢٥٣.

(١٧٨)

عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «... وأمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنِّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء»(٢١).
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق محمد وعلى آله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) كمال الدين: ص٤٨٥.

(١٧٩)

 

هنري كوربان وقراءته الفلسفية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
دراسة تحليلية نقدية في ضوء كتاباته عن التشيع والإمامة
 

حسن هادي سلمان النجفي

 

المقدمة:
تمثِّل العقيدة المهدوية أحد أبرز أركان الإيمان في المذهب الشيعي الإمامي، حيث تُعد من المسائل الاعتقادية الجوهرية التي يقوم عليها مفهوما (الانتظار) و(الفرج).
وقد استندت هذه العقيدة إلى نصوص متواترة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
على الرغم من جذورها الراسخة في التراث الإسلامي، لم تسلم العقيدة المهدوية من محاولات التشكيك والتفكيك التي قام بها عدد من المستشرقين الغربيين، الذين تعاملوا معها بمناهج متباينة تراوحت بين الإنكار الصريح والتأويل التاريخاني والنظر إليها كظاهرة سياسية اجتماعية بحتة.
غير أنَّ ثمة تياراً استثنائياً في الاستشراق، مثّله المستشرق الفرنسي هنري كوربان (Henry Corbin, ١٩٠٣-١٩٧٨)، لم يكتف بدراسة العقيدة المهدوية من الخارج، بل حاول فهمها من الداخل، معتبراً إيَّاها (الأساس البنيوي للتشيع والتصوف الشيعي).

(١٨١)

يأتي هذا البحث ليقدِّم دراسة تحليلية نقدية لقراءة هنري كوربان للإمام المهدي والعقيدة المهدوية، من خلال تحليل كتاباته الرئيسة، خاصة موسوعته (الإسلام الإيراني En Islam Iranien) وكتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية) (History of Islamic Philosophy) وسنركِّز بشكل خاص على رؤيته الفلسفية للإمامة والغيبة، وتفسيره لمفهوم (الانتظار) و(الفرج)، ونقاط القوة والضعف في منهجه الظاهراتي.
تكتسب دراسة موقف كوربان من العقيدة المهدوية أهمية خاصة لعدَّة أسباب:
أوَّلاً: إنَّه يمثل حالة فريدة بين المستشرقين، حيث عرَّف نفسه بأنَّه (مسيحي، لكنه مع ذلك شيعي روحاني)(١).
ثانياً: إنَّه استطاع أن يقدم قراءة فلسفية عميقة للعقيدة المهدوية، بعيداً عن الاختزال السياسي أو التاريخاني الذي ساد في المدارس الاستشراقية الأخرى.
ثالثاً: إنَّ كتاباته أسَّست لتيار كامل في الدراسات الغربية عن التشيع، وأثرت في أجيال من الباحثين.
رابعاً: لأنَّ قراءته للعقيدة المهدوية تتيح لنا فرصة فريدة لتحليل كيفية تعامل المستشرق مع قضية عقائدية مركزية من منظور تأويلي فلسفي.
هيكل البحث:
ينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسة، تتوزع على النحو التالي:
المبحث الأوَّل: في عدَّة نقاط:
١ - السيرة الذاتية والفكرية (١٩٠٣-١٩٧٨):
وُلد هنري كوربان في ١٤ أبريل ١٩٠٣ في باريس، لعائلة بروتستانتية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) “Imamate and Mahdism in Shi‘ism”, Sireh Pajouhi Journal, ٢٠٢٤.

(١٨٢)

تلقى تعليمه في المدرسة العليا للدراسات العملية (École Pratique des Hautes Études) في باريس، حيث درس الفلسفة والعربية والفارسية(٢).
تأثر في بداياته بالفلاسفة الألمان، خاصة مارتن هيدغر، الذي ترجم بعض أعماله إلى الفرنسية في عام ١٩٢٨، اكتشف أعمال السهروردي المقتول (ت ٥٨٧هـ/١١٩١م) من خلال محاضرات المستشرق لويس ماسينيون، الذي كان له تأثير حاسم في توجهه الفكري(٣).
من عام ١٩٣٩ إلى ١٩٤٥، عمل كوربان ملحقاً بالمعهد الفرنسي في إسطنبول، حيث تعمَّق في دراسة التصوُّف والفلسفة الإسلامية.
ثم انتقل إلى طهران عام ١٩٤٥، حيث أسَّس قسم الإيرانيولوجيا (علم الإيرانيات) في المعهد الفرنسي، وأصدر سلسلة (المكتبة الإيرانية Bibliothèque Iranienne) التي نشر فيها أهم أعماله.
ظلَّ في إيران حتَّى عام ١٩٥٤، حيث درس الفلسفة الإسلامية والتصوُّف الشيعي، وأقام علاقات وثيقة مع كبار العلماء الإيرانيين(٤).
عاد كوربان إلى باريس عام ١٩٥٤، حيث تولى منصب مدير الدراسات في قسم الدراسات الإسلامية في المدرسة العليا للدراسات العملية، وتفرغ للكتابة والتدريس حتَّى وفاته في ٧ أكتوبر ١٩٧٨(٥).
٢ - التأثيرات الفكرية - ماسينيون، هيدغر، السهروردي:
تشكَّل فكر كوربان من خلال ثلاثة مصادر رئيسة متداخلة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) Nasr, “Henry Corbin”, p. ١٠٧.
(٣) Ibid., p. ١٠٨.
(٤) Ibid., pp. ١٠٩-١١٢
(٥) Ibid., p. ١١٥.

(١٨٣)

أوَّلاً: لويس ماسينيون (Louis Massignon, ١٨٨٣-١٩٦٢) - كان ماسينيون أستاذ كوربان والمؤثّر الأوَّل في توجهه نحو الدراسات الإسلامية.
ماسينيون، المستشرق الفرنسي الكاثوليكي، تميز بمنهج (التعاطف الاستبطاني sympathetic introspection) الذي حاول من خلاله فهم الإسلام من الداخل(٦).
اهتمَّ ماسينيون بشخصية الحلاج، وألَّف عنه دراسة موسعة، كما اهتمَّ بالتصوُّف الشيعي والفلسفة الإشراقية.
وقد نقل هذا الاهتمام إلى تلميذه كوربان، الذي قال عنه: (كان ماسينيون هو من كشف لي عن الثيوصوفيا الشرقية للسهروردي)(٧).
ثانياً: مارتن هيدغر (Martin Heidegger, ١٨٨٩-١٩٧٦) - تأثر كوربان بفلسفة هيدغر الوجودية، خاصة مفهوم (الوجود Dasein) ونقد الميتافيزيقا الغربية.
ترجم كوربان محاضرات هيدغر إلى الفرنسية، وساهم في تعريف الأوساط الفرنسية بفلسفته(٨).
وقد أسهم هذا التأثير في تشكيل منهجه الظاهراتي، حيث سعى إلى فهم الظواهر الدينية من خلال تجربتها الذاتية لا من خلال تحليلها الموضوعي.
ثالثاً: شهاب الدين السهروردي (ت ٥٨٧ هـ / ١١٩١ م) - يعتبر كوربان أنَّ السهروردي هو المؤسِّس الحقيقي للفلسفة الإسلامية بعد ابن سينا. فقد خصص له جزءاً كبيراً من كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية)، ورأى أنَّ فلسفته (الإشراقية) تمثّل منعطفاً حاسماً في تطوُّر الفكر الإسلامي(٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) Massignon, La Passion de Hallaj.
(٧) Corbin, History of Islamic Philosophy, p. xv.
(٨) Nasr, “Henry Corbin”, p. ١١٠.
(٩) Corbin, History of Islamic Philosophy, pp. ٢٠١-٢٢٤.

(١٨٤)

من خلال السهروردي، اكتشف كوربان عالم المثال (mundus imaginalis) الذي أصبح مفهوماً مركزياً في فلسفته.
٣ - منهج كوربان - الظاهراتية والتأويل الباطني:
تميز منهج كوربان بميزتين رئيستين:
أوَّلاً: المنهج الظاهراتي (Phenomenological Approach) - سعى كوربان إلى فهم الظواهر الدينية من خلال تجربتها الذاتية، وليس من خلال تحليلها الخارجي، تأثر في ذلك بهيدغر وبالمنهج الظاهراتي لهوسرل.
يرى كوربان أنَّ فهم العقيدة المهدوية يتطلَّب الدخول إلى عالمها الداخلي، والانفتاح على بُعدها الروحي، وليس مجرَّد تحليلها كظاهرة تاريخية أو اجتماعية(١٠).
ثانياً: التأويل الباطني (Esoteric Hermeneutics) - اعتمد كوربان على منهج التأويل الباطني الذي يرتكز على فكرة أنَّ النصوص الدينية تحمل معانٍ باطنية تتجاوز معانيها الظاهرية.
وقد وجد في التفسير الإشراقي والتأويل الشيعي نموذجاً لهذا المنهج، يكتب كوربان في مقدمة كتابه (الإسلام الإيراني): (إن التأويل الباطني هو المفتاح الذي يفتح أبواب المعنى الخفي للنصوص المقدسة)(١١).
هذا المزيج من الظاهراتية والتأويل الباطني جعل من كوربان حالة استثنائية في الاستشراق، حيث حاول فهم التشيع من الداخل، واعترف بأنَّه يتعاطف مع رموزه ومفاهيمه الفلسفية، وقد عرَّف نفسه بأنَّه (مسيحي، لكنَّه مع ذلك شيعي روحاني)(١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) Ibid., p. xiii-xiv.
(١١) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xviii.
(١٢) “Imamate and Mahdism in Shi‘ism”, Sireh Pajouhi Journal, ٢٠٢٤.

(١٨٥)

المبحث الثاني: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في فلسفة كوربان، في نقاط:
١ - الإمامة كـ(ولاية Walayah) - المبدأ الباطني للتشيع:
يرى كوربان أنَّ مفهوم (الولاية Walayah) هو المبدأ الباطني الذي يقوم عليه التشيع، وهو الذي يعطي معنى للإمامة والمهدوية.
في كتابه (الإسلام الإيراني)، يخصّص كوربان فصولاً مطولة لتحليل مفهوم الولاية، معتبراً إياه (السر الباطني للإسلام الشيعي)(١٣).
يعرِّف كوربان الولاية بأنَّها (البُعد الباطني للرسالة النبوية، الذي يتجلى في شخصية الإمام بعد وفاة النبي).
ويرى أنَّ الولاية ليست مجرَّد سلطة سياسية، بل هي (حقيقة روحية متَّصلة بالوجود الإلهي)(١٤).
يكتب كوربان: (الولاية هي الخيط الباطني الذي يربط بين عوالم الوجود، وهي التي تمنح للإنسان القدرة على الارتقاء من عالم الشهادة إلى عالم الغيب)(١٥).
ويرى أنَّ هذا المفهوم - الولاية - هو الذي يفسر لماذا يحتاج المسلمون إلى وجود إمام في كلِّ زمان، ولماذا لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله.
٢ - المهدي والغيبة - تفسير (الاختفاء عن الأنظار):
يقدِّم كوربان تفسيراً فلسفياً عميقاً للغيبة، يختلف جوهرياً عن التفسيرات التاريخية أو السياسية التي قدَّمها بعض المستشرقين الآخرين، يرى كوربان أنَّ الغيبة ليست مجرَّد غياب مادي، بل هي (حضور في مستوى آخر من الوجود).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٢, p. ٤٥.
(١٤) Ibid., p. ٥٠.
(١٥) Ibid., p. ٥٢.

(١٨٦)

يكتب كوربان في كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية):
(إنَّ معنى [الاختفاء عن الأنظار] لا يعني أنَّ الإمام غير موجود، بل يعني أنَّ البشرية مغطاة بحجب تمنعها من إدراكه.
ورغم غيابه الظاهري، فإنَّ الإمام يستمر في إشعاع الهداية إلى قلوب المؤمنين الذين يتَّصلون به عبر الولاية الباطنية)(١٦).
٣ - مفهوم (الانتظار) و(الفرج) - بين اللامكان والزمان:
يحلِّل كوربان مفهومي (الانتظار) و(الفرج) كأبعاد وجودية للتجربة الشيعية.
يرى أنَّ الانتظار ليس مجرَّد انتظار سلبي، بل هو (نوع من الحضور الفاعل في الزمن المقدّس).
يكتب كوربان: (الانتظار هو موقف وجودي يمنح المؤمن القدرة على العيش في الحاضر مع استشراف المستقبل، إنَّه يخلق نوعاً من التوتر الإيجابي بين الواقع الحالي والوعد المستقبلي، وهذا التوتر هو مصدر الإبداع والتحوُّل في الحياة الشيعية)(١٧).
أمَّا مفهوم (الفرج)، فيراه كوربان تجسيداً للأمل في انكشاف الحقيقة وإزالة الحجب التي تخفي الإمام عن الأنظار.
يربط كوربان بين الفرج ومفهوم (الرؤية) في الفلسفة الإشراقية، حيث يرى أنَّ الخلاص النهائي هو (رؤية النور الإلهي في صورته الكاملة)(١٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) Corbin, History of Islamic Philosophy, p. ٣٠٥.
(١٧) Ibid., p. ١١٢.
(١٨) Corbin, History of Islamic Philosophy, p. ٣١٠.

(١٨٧)

٤ - ألقاب المهدي عند كوربان:
يستخدم كوربان عدَّة ألقاب للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في كتاباته، ويعطي لكلِّ لقب دلالة فلسفية خاصة:
أوَّلاً: القائم: يرى كوربان أنَّ لقب (القائم) يشير إلى (الذي يقوم في الحق)(١٩).
وهو عنده تعبير عن مفهوم (القيام بالحق) الذي يمثِّل الوجود الحقيقي للإنسان(٢٠).
ثانياً: المهدي: يفسر كوربان لقب (المهدي) بمعنى (الذي يهدي)(٢١)، ويرى أنَّه يشير إلى وظيفة الإمام كمرشد روحي للإنساني(٢٢).
ثالثاً: المنتظر: يعتبر كوربان أنَّ لقب (المنتظر) يعبر عن الانتظار كحالة وجودية، وليس فقط عن انتظار حدث مستقبلي(٢٣).
رابعاً: الحجة: يرى كوربان أنَّ لقب (الحجة) يشير إلى (البرهان الإلهي)(٢٤) الذي لا يمكن أن تخلو الأرض منه، وهو تجسيد للمعرفة اليقينية التي يفتقدها البشر في زمن الغيبة(٢٥).
خامساً: الإمام الغائب: يفسّر كوربان هذا اللقب في ضوء فلسفته عن (الوجود في الخفاء)(٢٦)، حيث الوجود لا يعني بالضرورة الظهور المادي(٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) qui se lève en vérité.
(٢٠) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢٠٥.
(٢١) celui qui guide.
(٢٢) Ibid., p. ٢٠٨.
(٢٣) Ibid., p. ٢١٠.
(٢٤) la preuve divine.
(٢٥) Ibid. p. ٢١٢.
(٢٦) l’être en occultation.
(٢٧) Ibid., p. ٢١٥.

(١٨٨)

المبحث الثالث: تحليل نقدي لخطاب كوربان حول المهدوية، في عدَّة نقاط:
١ - نقاط القوة - الفهم من الداخل، المنهج الفلسفي:
لا يمكن إنكار أنَّ كوربان أسهم في إيصال الفكرة بشكلها الصحيح إلى الغرب.
يمكن تحديد نقاط القوة التالية في منهجه:
أوَّلاً: الفهم من الداخل:
نجح كوربان في تجاوز النظرة الاستعلائية التي سادت الاستشراق الكلاسيكي، وحاول فهم التشيع من داخله.
لم يتعامل مع الشيعة كـ(موضوع) للدراسة فقط، بل حاول الدخول إلى عالمهم الروحي والفلسفي(٢٨).
ثانياً: الاهتمام بالبُعد الفلسفي:
كان كوربان من أوائل المستشرقين الذين أدركوا أهمية البعد الفلسفي في التشيع.
فقد سلَّط الضوء على مفاهيم مثل (الإمامة) و(الولاية) و(الغيبة) من منظور فلسفي، مما أثرى الفهم الغربي للتشيع(٢٩).
ثالثاً: استعادة التراث الفلسفي الشيعي:
ساهم كوربان في تعريف الغرب بالفلاسفة الشيعة مثل السهروردي وصدر الدين الشيرازي، كما ساهم في نشر نصوص فلسفية شيعية كانت مهمشة في الأوساط الأكاديمية الغربية(٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٠.
(٢٩) المصدر نفسه، ص ٥٨٢.
(٣٠) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٢٨.

(١٨٩)

رابعاً: المنهج الظاهراتي:
قدم كوربان نموذجاً لدراسة الظواهر الدينية من خلال تجربتها الذاتية، وهو منهج لا يزال ذا قيمة في الدراسات الدينية المعاصرة(٣١).
٢ - نقاط الضعف - الإسقاطات الفلسفية، إهمال البُعد التاريخي:
لكن هذه الإسهامات لا يمكن أن تخفي نقاط الضعف الكبيرة التي شابت قراءة كوربان:
أوَّلاً: الإسقاطات الفلسفية الغربية:
أسقط كوربان مفاهيم فلسفية غربية (كفلسفة هيدغر) على التراث الشيعي، مما أدَّى إلى قراءة مشوّهة في بعض الأحيان.
يكتب الباحث عبد الحسين فخاري منتقداً كوربان: (كان يقرأ الفلسفة الإسلامية من خلال عدسة فلسفة هيدغر، مما جعله يغفل عن خصوصية التجربة الإسلامية)(٣٢).
ثانياً: إهمال البعد التاريخي:
ركَّز كوربان على البُعد الفلسفي للتشيع، وأهمل البُعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، هذا الإهمال جعل قراءته ناقصة، لأنَّ التشيُّع ظاهرة تاريخية قبل أن تكون فلسفية، كما لاحظ الباحث محمد علي أمير معزي أنَّ كوربان (اهتم بالتشيع المثالي (ideal Shi'ism أكثر من اهتمامه بالتشيُّع التاريخي(٣٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) حكيميان وآخرون، (آراء المستشرقين في المهدوية)، ص ٥٥.
(٣٢) حكيميان وآخرون، (آراء المستشرقين في المهدوية)، ص ٥٥.

(٣٣) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.

(١٩٠)

ثالثاً: التهميش المصادري:
اعتمد كوربان بشكل كبير على مصادر فلسفية متأخِّرة، وأهمل المصادر التاريخية والحديثية المبكرة التي تشكل أساس العقيدة المهدوية، هذا جعله يغفل عن الجذور النصية للعقيدة(٣٤).
رابعاً: المثالية المفرطة:
قدَّم كوربان صورة مثالية عن التشيُّع، تخلو من التناقضات والصراعات التي شهدتها المجتمعات الشيعية عبر التاريخ.
هذا الجانب جعله أقرب إلى (الروحاني) منه إلى (العالم الموضوعي)(٣٥).
٣ - نقد كوربان من منظور إسلامي معاصر:
تجاوز النقد الموجه لكوربان حدود الوسط الأكاديمي الغربي ليشمل نقاداً من المفكرين والعلماء المسلمين الذين رأوا في فلسفته إشكاليات منهجية وعقائدية.
يمكن إجمال أبرز هذه الانتقادات في النقاط التالية:
أ - نقد السيد محمد باقر الصدر (١٩٣٥-١٩٨٠):
في كتابه (فلسفتنا) (١٩٥٩)، لم يتعرَّض الصدر لكوربان مباشرة، لكنَّه نقد المنهج الفلسفي الذي يعزل العقيدة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.
يرى الصدر أنَّ فهم العقيدة المهدوية يتطلَّب النظر إلى جذورها في النص القرآني والحديثي، وليس فقط إلى تجلياتها الفلسفية المتأخِّرة(٣٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) موسوي گيلاني، المهدوية، ص ٥٨.
(٣٥) الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٥.
(٣٦) راجع: الصدر، فلسفتنا، ص ٢١٥-٢٢٠.

(١٩١)

ب - نقد الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (١٩٣٤-٢٠٢١):
تناول مصباح اليزدي في بعض كتاباته المنهج الظاهراتي في دراسة الدين، وأشار إلى أنَّ هذا المنهج قد يؤدِّي إلى (تسامح معرفي) يضع الوحي الباطني في مرتبة الوحي الظاهر.
في قراءة نقدية لأفكار كوربان، يرى مصباح اليزدي أنَّ الاعتماد المفرط على التأويل الباطني قد يؤدِّي إلى تفريغ العقيدة من محتواها التاريخي والحقيقي(٣٧).
ج - نقد الدكتور عبد الحسين فخاري:
في كتابه (الذهنية الاستشراقية - ٢٠٠٦)، يقدِّم فخاري نقداً منهجياً لكوربان من منظور إسلامي.
يرى فخاري أنَّ كوربان (واقع في فخ الإسقاطات الفلسفية الغربية) و(أهمل الجذور النصية للعقيدة المهدوية)(٣٨).
كما ينتقد فخاري اعتماد كوربان على (خطبة البيان) كمصدر أساسي لفهم حقيقة الإمام، مشيراً إلى أنَّ هذه الخطبة مثار جدل كبير بين العلماء(٣٩).
د - نقد الدكتور محمد علي أمير معزي:
في دراساته عن التشيُّع في موسوعة إيرانيكا، ينتقد أمير معزي منهج كوربان في (المثالية المفرطة)، مشيراً إلى أنَّه (قدم صورة للتشيُّع تخلو من تناقضاته التاريخية والسياسية)(٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) راجع: مصباح اليزدي، المدرسة الفلسفية في قم، ص ١٤٥.
(٣٨) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٣٢
(٣٩) المصدر نفسه، ص ١٤٥.

(٤٠) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.

(١٩٢)

ويرى أمير معزي أنَّ كوربان (اهتمَّ بالتشيُّع المثالي ideal Shi'ism) أكثر من اهتمامه بالتشيُّع التاريخي (historical Shi'ism).
هـ - نقد الدراسات المعاصرة:
أشارت دراسة حديثة (٢٠٢٤) إلى أنَّ أفكار كوربان حول المهدوية تحمل نقاط قوة ونقاط ضعف.
من نقاط الضعف: إهماله لبُعد إقامة العدل في رسالة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإغفاله لمسؤوليات المنتظر في سياق رسالة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتأثُّره بنظرية (هورقليا Hurqolya) في وصف زمان ومكان حياة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واعتماده المفرط على (خطبة البيان) في مناقشة الإنسان الكامل(٤١).
هذه الانتقادات مجتمعة تكشف أنَّ قراءة كوربان للعقيدة المهدوية، رغم عمقها الفلسفي، تعاني من إشكاليات منهجية وعقائدية تضعف قيمتها كتفسير شامل للعقيدة.
فهي تظل قراءة فلسفية باطنية تهمل البُعد التاريخي والاجتماعي والسياسي للتشيُّع، كما تهمل الجذور النصية للعقيدة في القرآن والحديث(٤٢).
٤ - التناقضات الداخلية في خطاب كوربان:
لا يخلو خطاب كوربان من تناقضات داخلية تكشف عن هشاشته المنهجية:
أوَّلاً: التناقض بين الدفاع عن التشيُّع والإسقاط الغربي:
يدَّعي كوربان أنَّه يقدِّم قراءة من داخل التشيع، لكنَّه في الواقع يقرأ التشيُّع من خلال مفاهيم فلسفية غربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) Khoubbin Khoshnazr & Fazeli, “Critique of Henry Corbin’s Messianic Thought”, ٢٠٢٤.

(٤٢) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٥-٥٩٠.

(١٩٣)

هذا التناقض يضعف ادِّعاءاته بالانتماء الروحي للتشيع(٤٣).
ثانياً: التناقض بين الباطنية والتاريخانية:
يرفض كوربان القراءة التاريخانية للتشيع، لكنَّه في الوقت نفسه يقدِّم قراءة تاريخانية أخرى تقوم على تقسيم التاريخ الإسلامي إلى (عصور ذهبية) و(عصور انحطاط).
هذا التناقض يعكس إشكالية منهجية عميقة(٤٤).
٥ - كوربان والمصادر الشيعية - دراسة في النقل والانتقاء:
اعتمد كوربان في دراساته على مصادر شيعية متنوِّعة، لكن تعامله معها كان انتقائياً:
أوَّلاً: الاعتماد على مصادر فلسفية متأخِّرة:
اعتمد كوربان بشكل أساسي على مصادر فلسفية من القرنين السابع والثامن الهجريين (مثل صدر الدين الشيرازي)، وأهمل المصادر الحديثية والتاريخية المبكرة.
هذا جعله يقدِّم صورة مشوَّهة - بنحوٍ من الأنحاء - للتشيُّع، حيث ركَّز على الجانب الفلسفي على حساب الجانب الحديثي والفقهي(٤٥).
ثانياً: تجاهل الاختلافات داخل التشيع:
تعامل كوربان مع التشيُّع ككتلة واحدة، وتجاهل الاختلافات الكبيرة بين المدارس الشيعية (كالأصولية والإخبارية والفلسفية).
هذا التجاهل جعل قراءته أحادية الجانب(٤٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٣٥.
(٤٤) المصدر نفسه، ص ١٣٨.
(٤٥) الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٨.
(٤٦) المصدر نفسه، ص ٥٩٠.

(١٩٤)

ثالثاً: الاجتراء الانتقائي للنصوص:
اختار كوربان من النصوص الشيعية ما يخدم رؤيته الفلسفية، وتجاهل النصوص التي لا تتَّفق معها.
هذا الاجتراء الانتقائي يضعف القيمة العلمية لدراساته(٤٧).
المبحث الرابع: مقارنة كوربان ببعض المستشرقين، في نقاط:
١ - كوربان ومرجليوث - قراءتان متقابلتان للعقيدة المهدوية:
تكشف مقارنة منهج هنري كوربان مع منهج ديفيد صموئيل مرجليوث (D.S. Margoliouth) عن التباين الكبير في المقاربات الاستشراقية للعقيدة المهدوية.
فبينما يمثل كوربان الاتِّجاه الفلسفي الظاهراتي الذي يحاول فهم العقيدة من الداخل، يمثِّل مرجليوث الاتِّجاه التاريخاني النقدي الذي ينظر إلى العقيدة من الخارج.
أوَّلاً: المنهج:
كوربان: يعتمد المنهج الظاهراتي والتأويل الباطني، ويحاول الدخول إلى عالم العقيدة المهدوية من خلال مفاهيمها الفلسفية.
يرى أنَّ فهم المهدوية يتطلَّب تبنِّي منظورها الداخلي، وليس تحليلها كظاهرة خارجية(٤٨).
مرجليوث: يعتمد المنهج التاريخي النقدي، وينظر إلى العقيدة المهدوية كظاهرة تاريخية يمكن تحليلها من خلال المصادر الخارجية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٢.

(٤٨) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xviii.

(١٩٥)

في مقالته الشهيرة On Mahdis and Mahdiism (١٩١٥)، يتتبَّع مرجليوث ظهور الحركات المهدوية في التاريخ الإسلامي، ويحاول تفسيرها في ضوء الظروف السياسية والاجتماعية(٤٩).
ثانياً: الموقف من المصادر:
كوربان: يعتمد على المصادر الفلسفية الشيعية (كصدر الدين الشيرازي، وروزبهان البقلي)، ويهتم بالجانب الباطني من النصوص(٥٠).
مرجليوث: يعتمد على المصادر التاريخية السنية بشكل أساسي، ويتعامل مع المصادر الشيعية بحذر.
يميل إلى تفسير الروايات المهدوية في ضوء السياق السياسي لظهورها(٥١).
ثالثاً: الموقف من أصل العقيدة:
كوربان: يرى أنَّ العقيدة المهدوية أصلية في التشيُّع، وتمثِّل جوهره الباطني.
يعتبرها (الأساس البنيوي للتشيُّع)(٥٢).
مرجليوث: يتبنَّى موقفاً أكثر تشكُّكاً، ويميل إلى رؤية العقيدة المهدوية كنتاج لظروف تاريخية واجتماعية معينة، متأثِّرة بالأفكار المسيحية والإيرانية(٥٣).
رابعاً: النقد:
يمكن القول: إنَّ كلا المنهجين يعاني من قصور:
قصور كوربان: إهمال البُعد التاريخي والسياسي للعقيدة، والمثالية المفرطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) Margoliouth, “On Mahdis and Mahdiism”, p. ٢١٣.
(٥٠) Corbin, History of Islamic Philosophy, pp. ٣٠٠-٣١٥.
(٥١) Margoliouth, “On Mahdis and Mahdiism”, p. ٢٢٠.
(٥٢) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xv.
(٥٣) Margoliouth, “On Mahdis and Mahdiism”, p. ٢٢٨.

(١٩٦)

قصور مرجليوث: اختزال العقيدة إلى ظاهرة سياسية بحتة، وإهمال أبعادها الروحية والفلسفية(٥٤).
هذه المقارنة تظهر أنَّ المستشرقين ليسوا كتلة واحدة، بل تنوَّعت مناهجهم بحسب خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم المذهبية(٥٥).
٢ - كوربان وهاينز هالم - المثالية الفلسفية مقابل الأنثروبولوجيا التاريخية:
يعد المستشرق الألماني هاينز هالم (Heinz Halm - ١٩٤٢) من أبرز المتخصِّصين المعاصرين في الدراسات الشيعية، ويمثِّل اتِّجاهاً منهجياً مغايراً لكوربان.
فبينما يمثِّل كوربان الاتِّجاه الفلسفي الظاهراتي، يمثِّل هالم الاتِّجاه التاريخي الأنثروبولوجي، يمكن تحديد الفروق الرئيسية بينهما على النحو التالي:
أوَّلاً: المنهج:
كوربان: يعتمد المنهج الظاهراتي والتأويل الباطني، ويركز على البعد الفلسفي والروحي للتشيع، يحاول فهم العقيدة من الداخل عبر مفاهيمها الفلسفية(٥٦).
هالم: يعتمد المنهج التاريخي الأنثروبولوجي، ويركِّز على البُعد الاجتماعي والسياسي للتشيُّع، يدرس التشيُّع من خلال تطوّره التاريخي وطقوسه ومؤسساته(٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٥-٥٨٨.
(٥٥) راجع: فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٥-١٤٨.

(٥٦) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xviii.
(٥٧) Halm, The Shi‘ites: A Short History, p. ١-٥.

(١٩٧)

ثانياً: الموقف من المهدي:
كوربان: يرى المهدي (عجَّل الله فرجه) كحقيقة وجودية فلسفية، مركزاً على دوره كـ(إمام الزمان) الذي يمنح الزمن معناه، يهتم بالجوانب الباطنية والفلسفية للعقيدة(٥٨).
هالم: يرى المهدي (عجَّل الله فرجه) في سياقه التاريخي والاجتماعي، يخصِّص فصلاً كاملاً بعنوان (عودة المهدي The Return of the Mahdi) في كتابه (تاريخ الشيعة)، حيث يتتبَّع تطوُّر العقيدة المهدوية عبر العصور، ويربطها بالحركات السياسية والطقوس الشيعية(٥٩).

ثالثاً: الموقف من المصادر:
كوربان: يعتمد على المصادر الفلسفية المتأخِّرة، على ما تقدَّم مكرّراً(٦٠).
هالم: يعتمد على مصادر متنوِّعة تشمل المصادر التاريخية (كالطبري والمسعودي)، والمصادر الحديثية، والمصادر الجغرافية، والدراسات الأنثروبولوجية الميدانية، يهتم بشكل خاص بالطقوس والشعائر المهدوية في العصر الحديث(٦١).
رابعاً: الموقف من التشيُّع المعاصر:
كوربان: يقدِّم صورة مثالية عن التشيُّع، على ما تقدَّم(٦٢).
هالم: يهتم بالتشيُّع المعاصر وطقوسه ومؤسساته، يخصِّص فصولاً للحديث عن المراجع الدينية، والحوزات العلمية، والشعائر الحسينية، والسياسة الشيعية في إيران والعراق(٦٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢٠٥.
(٥٩) Halm, The Shi‘ites, pp. ١١٠-١٢٥.

(٦٠) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٢.

(٦١) Halm, The Shi‘ites, pp. ١١٠-١٢٥.
(٦٢) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.
(٦٣) Halm, The Shi‘ites, pp. ١٥٠-١٨٠.

(١٩٨)

خامساً: التقييم:
يمكن القول: إنَّ كوربان وهالم يمثِّلان تيارين متكاملين أكثر منهما متناقضين:
كوربان: يقدم الفهم الفلسفي للعقيدة، ويكشف عن أبعادها الروحية والباطنية.
هالم: يقدِّم الفهم التاريخي والاجتماعي للعقيدة، ويكشف عن تطوّرها عبر الزمن وتجلياتها في الواقع المعاش.
الدراسة المتكاملة للعقيدة المهدوية تحتاج إلى الجمع بين المنهجين: الفلسفي لفهم عمق العقيدة، والتاريخي الأنثروبولوجي لفهم تطورها وتجلياتها(٦٤).
الدروس المستفادة:
تقدِّم دراسة حالة كوربان دروساً مهمة للباحثين في مجال الدراسات الإسلامية:
١ - أهمية الفهم من الداخل:
يبيِّن نموذج كوربان أنَّ محاولة فهم الظواهر الدينية من الداخل يمكن أن تنتج قراءات أعمق وأكثر إنصافاً، لكنَّها تتطلَّب توخِّي الحذر من الإسقاطات الذاتية.
٢ - ضرورة التوازن بين الفلسفة والتاريخ:
يظهر نموذج كوربان أهمية التوازن بين المنهج الفلسفي والمنهج التاريخي، فالإفراط في أحدهما على حساب الآخر يؤدِّي إلى قراءة ناقصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٩٠-٥٩٢.

(١٩٩)

٣ - أهمية تنويع المصادر:
يظهر نموذج كوربان كيف أنَّ الاعتماد على مصادر محدودة (فلسفية متأخِّرة) يمكن أن يؤدِّي إلى قراءة مشوَّهة، التنويع بين المصادر التاريخية والحديثية والفلسفية ضروري للوصول إلى صورة متكاملة.
٤ - الوعي بالانحيازات:
يذكرنا نموذج كوربان بأهمية الوعي بالانحيازات الشخصية والثقافية في العمل الأكاديمي، وضرورة التمييز بين التعاطف والموضوعية.
كلمة أخيرة:
يبقى درس كوربان الأهم هو: أنَّ محاولة فهم الآخر من الداخل يمكن أن تنتج معرفة عميقة ومتعاطفة، لكنَّها تظل محكومة بإطارها الثقافي والفلسفي الخاص.
إنَّ دراسة هذا النموذج تساعدنا على فهم آليات التفاعل بين الثقافات، وتذكرنا بأنَّ الحوار الحقيقي لا يتحقَّق بالهيمنة أو الانغلاق، بل بالانفتاح على الآخر مع الوعي بالاختلاف.
كما تذكرنا هذه الدراسة بأهمية النقد المنهجي والمصادري في التعامل مع التراث الفلسفي الإسلامي، وضرورة موازنة المناهج المختلفة للوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً وإنصافاً للعقيدة المهدوية، فالتاريخ الفلسفي ليس ملكاً لفريق دون آخر، ولا يمكن اختزاله في قراءة واحدة، مهما بدت مقنعة أو عميقة.
نأمل أن يكون هذا البحث قد أضاف جديداً إلى المكتبة العربية في مجال النقد الاستشراقي، وأن يفتح الباب أمام دراسات مماثلة عن مستشرقين آخرين تناولوا العقيدة المهدوية، تسهم في تفكيك آليات التحيُّز وبناء جسور أفضل للفهم المتبادل بين الثقافات.

(٢٠٠)

ملحق: نصوص مختارة من كتابات كوربان عن الإمام المهدي (عليه السلام) (ترجمة وتحليل):
النص الأوَّل: معنى الغيبة كحضور في عالم الخيال:
النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من En Islam Iranien, Vol. ٤ :)

"L'occultation de l'Imam ne signifie pas son absence pure et simple, mais plutôt son existence dans un mode de réalité que l'homme ordinaire ne peut percevoir en raison des voiles qui recouvrent son cœur. L'Imam continue d'être présent dans le monde imaginal (mundus imaginalis), ce monde intermédiaire où les réalités spirituelles se manifestent sous des formes sensibles. C'est là que le croyant peut le rencontrer, dans ses rêves et ses visions spirituelles."(٦٥)

الترجمة:
(غيبة الإمام لا تعني غيابه المطلق، بل تعني وجوده في نمط من الواقع لا يستطيع الإنسان العادي إدراكه بسبب الحجب التي تغطي قلبه. الإمام يستمر في الحضور في عالم المثال (mundus imaginalis)، ذلك العالم الوسيط حيث تتجلَّى الحقائق الروحية في صور محسوسة. هناك يمكن للمؤمن أن يلتقيه، في أحلامه ورؤاه الروحية).
التحليل:
يكشف هذا النص عن جوهر فلسفة كوربان في تفسير الغيبة، فهو لا ينظر إلى الغيبة كغياب أو انقطاع، بل كتحوُّل في نمط الوجود، مفهوم (عالم المثال -(mundus imaginalis  المستمد من فلسفة السهروردي هو المفتاح لفهم هذه الرؤية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٧٨.

(٢٠١)

فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس غائباً بالمعنى المادي، بل هو حاضر في بُعد آخر من الوجود يمكن للمؤمن أن يتَّصل به عبر التجربة الروحية.
هذا التفسير يختلف جوهرياً عن القراءات التاريخانية التي تختزل الغيبة في حدث سياسي(٦٦).
النص الثاني: الانتظار كحالة وجودية فاعلة:
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien, Vol. ٤

"L'attente (intizâr) n'est pas une simple passivité. C'est une attitude existentielle qui crée une tension positive entre le présent et l'avenir. Celui qui attend est déjà en chemin vers la délivrance (faraj). L'attente est une manière d'être qui transforme le temps vécu en temps sacré."(٦٧)

الترجمة:
(الانتظار (intizâr) ليس مجرد سلبية. إنه موقف وجودي يخلق توتراً إيجابياً بين الحاضر والمستقبل. الذي ينتظر هو بالفعل في طريقه إلى الفرج. الانتظار هو طريقة في الوجود تحوّل الزمن المعاش إلى زمن مقدَّس.
التحليل:
يقدِّم كوربان هنا قراءة وجودية لمفهوم (الانتظار) تتجاوز الفهم السائد له كمجرد انتظار سلبي لحدث مستقبلي.
الانتظار عنده هو موقف إيجابي فاعل، يخلق ديناميكية تحويلية في حياة المؤمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) راجع: Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, pp. ٧٨-٨٥.
(٦٧) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ١١٢.

(٢٠٢)

هذا الفهم ينسجم مع التفسير الشيعي التقليدي للانتظار كفعل إيجابي يتضمَّن الإعداد والتهيؤ.
كما أنَّه يعكس تأثير فلسفة هيدغر الوجودية في فكر كوربان، خاصة مفهوم (الوجود نحو الموت) الذي يحول الزمن العادي إلى زمن وجودي(٦٨).
النص الثالث: الإمام المهدي (عليه السلام) كـ(إمام الزمان):
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien,Vol. ٤

"Le douzième Imam est appelé l'Imam du Temps (Imam al-zamân). Cette désignation signifie qu'il est le maître du temps, celui qui donne son sens au temps. Sans lui, le temps serait vide, dépourvu de direction. Sa présence occulte donne au temps historique sa signification ultime."(٦٩)

الترجمة:
(الإمام الثاني عشر يُدعى إمام الزمان، هذه التسمية تعني أنَّه سيد الزمان، الذي يعطي الزمان معناه، من دونه، سيكون الزمان خالياً، خالياً من الاتِّجاه، إنَّ حضوره الخفي يعطي للزمان التاريخي معناه الأسمى).
التحليل:
يُظهر هذا النص كيف يقرأ كوربان مفهوم (إمام الزمان) كحقيقة ميتافيزيقية تمنح الزمن التاريخي معناه. هذا التفسير يختلف عن القراءات التاريخانية التي ترى في الإمام شخصية تاريخية اختفت في ظروف سياسية معيَّنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) راجع:  Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, pp. ١١٠-١٢٠.
(٦٩) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢٠٥.

(٢٠٣)

عند كوربان، الإمام ليس مجرَّد شخصية تاريخية، بل هو مبدأ وجودي يمنح الزمن اتِّجاهه ومعناه. هذه الرؤية تعكس تأثُّر كوربان بفلسفة السهروردي وعلم الحضور(٧٠).
النص الرابع: العلاقة بين الإمام المهدي والمسيح (عليهما السلام):
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien, Vol. ٤

"La venue du douzième Imam coïncidera avec la seconde venue du Christ. Tous deux se manifesteront ensemble pour accomplir la promesse divine. Le Christ priera derrière l'Imam, reconnaissant ainsi la primauté de l'Imamat sur la prophétie dans l'ordre de la guidance spirituelle."(٧١)

الترجمة:
(مجيء الإمام الثاني عشر سيتزامن مع المجيء الثاني للمسيح. سيتجلَّى كلاهما معاً لإتمام الوعد الإلهي. سيصلي المسيح خلف الإمام، معترفاً بذلك بسيادة الإمامة على النبوة في مرتبة الهداية الروحية).
التحليل:
هذا النص يعكس رؤية كوربان للعلاقة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والمسيح (عليه السلام)، وهي رؤية تستند إلى الروايات الإسلامية التي تتحدَّث عن نزول المسيح في آخر الزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) راجع:  Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, pp. ٢٠٠-٢١٥.
(٧١) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢١٥.

(٢٠٤)

عند كوربان، المسيح يعترف بسيادة الإمام، مما يعكس فكرة أنَّ الإمامة هي الوجه الباطني للنبوة.
هذا التفسير ينسجم مع منهجه الباطني في فهم العلاقة بين النبوة والإمامة(٧٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) راجع:  Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, pp. ٢١٠-٢٢٠.

(٢٠٥)

 

دراسة في دعاء الفرج (اللَّهمَّ كن لوليّك...)
(سنداً - متناً - دلالة)
 

حميد أحمدي جلفائي
ترجمة: السيد جلال الموسوي (رحمه الله)

 

«اللَّهُمَّ كنْ لِوَلُيك الحجّة بن الحسن، صَلَوَاتُك عَلَيهِ وعَلى آبَائِهِ، فِي هذِهِ السَّاعَةِ وفِي كلِّ سَاعَة، وَلِياً وحَافِظاً، وقَائِداً ونَاصِراً، ودَليلاً وعَيناً، حتَّى تُسْكنَهُ أَرْضَك طَوْعاً، وتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً».
مصادر وطرق دعاء الفرج:

ورد دعاء الفرج لإمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) - والمذكور في مصادر عدَّة بتفاوت بسيط - بأربعة طرق هي:
١ - الكافي؛ عن محمد بن عيسى عن الصالحين (المعصومين): ويبدو أنَّ بين الكليني (رحمه الله) وبين محمد بن عيسى عدَّة رواة قد حذفوا بدليل القرائن، وهم: أحمد بن محمد، وأبو الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، وأبو جعفر محمد بن عيسى اليقطيني.
٢ - الإقبال: السيد ابن طاووس عن جماعة من أصحابه، منهم ابن أبي قرّة، وهو بإسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، وهو عن محمد بن عيسى بن عبيد، والأخير بإسناده عن المعصومين (عليهم السلام).
٣ - الكفعمي في المصباح وفي البلد الأمين، بدون أن يسنده.

(٢٠٧)

٤ - الكفعمي في البلد الأمين تحت عنوان (دعاء كنز العرش)، ذكره مرسلاً عن النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).
وبملاحظة هذه الطرق نجد أنَّ الطريقين الأوَّل والثاني يمكن تمشية حالهما ببعض الاعتبارات في الجملة، وأمَّا الطريقان الأخيران، فمع أنَّ الدعاء المذكور ورد ضمن دعاء طويل آخر، لابدَّ من القول بأنَّه، وعلى الرغم من عدم ذكر السند، فإنَّ وثاقة واعتبار المؤلف يؤثِّران في اعتبار وقبول الرواية.
ومن الواضح، أنَّ من جملة وظائف الشيعة في عصر الغيبة والانتظار، الدعاء لتعجيل فرج وظهور المولى صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه) وسلامته.
وبطبيعة الحال، فإنَّ الدعاء في هذا الصدد، وكما في الموارد الأخرى، مقبولٌ عند الله (تعالى شأنه)، بأي لغةٍ وبيانٍ كان، فالمهمُّ في الدعاء هو روحه وشرائطه الكيفية، والتي ورد التأكيد عليها كثيراً في المصادر الروائية والدينية في تراثنا، ولكن لا يخفى على أحدٍ أهمية وقيمة الأدعية المأثورة (الأدعية التي وردت على لسان أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)) ليُمن وبركة الأنفاس القدسية لأنوار المعصومين الأطهار (عليهم السلام).
وبُغيتنا في هذا المقال المختصر، دراسة الاعتبار السندي للطرق المختلفة لنقل أحد أشهر أدعية زمن الغيبة، أي الدعاء لسلامة إمام العصر (عجَّل الله فرجه)، مضافاً إلي بيانٍ مختصرٍ في شرح وتوضيح محتوى هذا الدعاء.
دراسة المتن الوارد في الكافي:
مُحَمَّدٌ بْنُ عيسى، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّالِحِينَ(١)، قَال: تُكرِّرُ فِي لَيلَةِ ثَلاثَ وعِشْرينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذا الدُّعَاء سَاجِداً وقَائِماً وقَاعِداً وعَلَى كلِّ حَالٍ وفِي الشَّهْرِ كلِّهِ، وكيفَ أمْكنَك ومَتَى حَضَرَك مِنْ دَهْرِك، تَقُولُ بَعْدَ تَحْمِيدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) في التهذيب، كلمة (الصادقين) بدل (الصالحين).

(٢٠٨)

اللهِ(٢) (تَبَارَك وتَعَالَى) والصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «اللَّهُمَّ كنْ لِوَلِيك - فُلَانِ بْنِ فُلَان(٣) - فِي هذِهِ السَّاعَةِ(٤) وفِي كلِّ سَاعَة، وَلِيًّا وحَافِظاً، (وَنَاصِراً ودَلِيلاً، وقَائِداً وعَوْناً وعَيناً)(٥)، حتَّى تُسْكنَهُ أَرْضَك طَوْعاً وتُمَتِّعَهُ(٦) فِيهَا طَوِيلاً».
والملاحظ فإنَّ بعض الاختلاف موجودٌ بين هذه العبارات وبين ما هو متداول عند عموم الداعين (كما أشرنا إلى ذلك في الهوامش).

بيان الاختلاف في المتون:

وعمدة الاختلافات الموجودة هي:
١ - في هذا المتن ورد في المتن عبارة (فلان بن فلان) بدلاً عن (الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه) المتداولة في المتن المشهور على ألسنة الداعين، فلم يذكر اسم الإمام (عجَّل الله فرجه) صراحة في هذا الطريق.
ولكن، وبملاحظة متن هذا الخبر يتَّضح بأنَّ المراد من عبارة (فلان بن فلان) هو الاسم الشريف لحضرة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وعدم ذكر الاسم صريحاً لا يوجب خللاً في اعتبار هذا الطريق.
وقد تكرَّر مثل ذلك كثيراً في عدَّة أخبار وروايات حيث يستبدل اسم المعصوم (عليه السلام)، أو أسماء بعض أعدائهم بعبارات مموَّهة مثل فلان وغيرها، وقد يكون الاستبدال من الراوي للخبر، رعاية لبعض المصالح، كالتقية وأمثالها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) في التهذيب ومصباح المتهجّد والمزار: تمجيد الله، وفي البلد الأمين: تمجيده.
(٣) في مصباح الكفعمي: (محمد بن الحسن المهدي) بدل (فلان بن فلان).
(٤) في المزار: (الليلة) بدل (الساعة).
(٥) في التهذيب، مصباح المتهجّد، مختصر البصائر، المزار، فلاح السائل، المصباح، البلد الأمين: (وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً) بدل العبارة التي بين المعقوفتين. وفي أكثر النسخ الخطية لكتاب الكافي وكذا في المستدرك لم ترد عبارة (وعوناً).
(٦) في التهذيب: (وتمكنّه) بدل (وتمتعّه).

(٢٠٩)

أضف إلى ذلك أنَّ المرحوم الكفعمي والمرحوم السيد ابن طاووس (رحمهما الله) - الذين ذكرا اسم صاحب الزمان بالكناية في هذا الطريق - كانا قد ذكرا اسم الإمام وألقابه صراحةً في الطريق الثاني والذي سيأتي ذكره لاحقاً إن شاء الله.
٢ - عبارة (وعوناً) الواردة في هذا الخبر، والتي لم يرد ذكرها في المتن المشهور.
وهذا الاختلاف لا يعبأ به، نظراً لعدم وروده في أكثر النسخ الخطية لكتاب الكافي والمصادر الأخرى لهذا الخبر، ومن أجل هذا الترديد يمكن غضَّ الطرف عنه.
٣ - التفاوت الآخر هو في عبارة (وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً) والتي ورد بدلاً عنها في هذا الخبر عبارة (وناصراً ودليلاً وقائداً وعوناً وعيناً). وهذا الاختلاف ليس مهمّاً كثيراً، لأنَّه اختلاف في ترتيب هذه الكلمات وتقدّمها وتأخّرها، ماعدا زيادة كلمة (وعوناً) التي عالجناها في الاختلاف الثاني، مضافاً إلى أنَّ أكثر المصادر التي جاءت بعد الكافي كالتهذيب، مصباح المتهجد، مختصر بصائر الدرجات، المزار، المصباح، البلد الأمين وفلاح السائل، لم يرد فيها مثل هذا الاختلاف. لذا، فالاختلاف الموجود في الكتاب عن المتن المشهور هو مجرَّد تقدم وتأخر هذه الكلمات.
الأحوال السندية للطريق:
إنَّ السند المذكور في كتاب (الكافي) لهذا الخبر هو:
محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين. والملاحظ بدواً على هذا السند هو: أنَّ من المسلَّم عند أهل الفنِّ أنَّ المرحوم الكليني صاحب كتاب (الكافي) لا يمكنه أن ينقل مباشرة ومن دون واسطة عن محمد بن عيسى، ولذا فأمثال هذه الأسانيد قد تُعلَّق على سند الحديث أو الأحاديث السابقة عليه.

(٢١٠)

وفي خصوص هذا الحديث، يعلق سنده على سند الحديث السابق عليه والذي ورد عن أحمد بن محمد عن علي بن الحسن، وهو الحديث الثاني في نفس الباب، وتكون النتيجة على النحو التالي: أحمد بن محمد عن عليّ بن الحسن بن عيسى بإسناده عن المعصومين الصالحين.
ومما يؤيده أنَّ هذا الخبر، وفي الطريق اللاحق، قد ورد عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن محمد بن عيسى.
وتفصيل الأسناد: أمّا أحمد بن محمد:
فقد ورد اسمُه في صدر أحاديث كثيرة في كتاب (الكافي) للمرحوم الكليني، وبنحوين مختلفين.
فقد ورد اسمه في بعض الموارد بإضافة اسم جدِّه إليه - وحينئذٍ تكون شخصيتُهُ معلومة بلا غموض - وفي بعض الموارد - وهي ليست قليلة - ورد اسمه واسم أبيه فقط، أي: أحمد بن محمد.
وفي الصورة الثانية يدور البحث حول تحديد هوية هذا الشخص، فأيُّ أحمد بن محمد هو المقصود، إذ إنَّ هنا احتمالات سبعة لوجود سبعة أشخاص بهذا الاسم وكلُّهم من مشايخ المرحوم الكليني أو من الذين روى عنهم الكليني (قدّس سرّه)(٧)، وهم:
١ - أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي.
٢ - أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمان الهمداني (ابن عقدة).
٣ - أبو جعفر، أحمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القميّ.
٤ - أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
٥ - أحمد بن محمد بن عبد الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) راجع: مقدمة كتاب الكافي، الأستاذ محفوظ؛ دفاع عن الكافي - ثامر العميدي: ج١، ص٤٠.

(٢١١)

٦ - أحمد بن محمد بن علي.
٧ - أحمد بن محمد الكوفي.
وبالأخذ بنظر الاعتبار، أنَّ الكليني (رحمه الله) لا يروي عن الأربعة الأواخر إلَّا بواسطة أو أكثر من واسطة، وكذلك أنَّ هؤلاء الأربعة لا يروون عن شخص علي بن الحسن أو محمد بن عيسى عادةً، لذا فإنَّ وجود هؤلاء ينتفي بالكامل ويخرجون عن المحتملات.
فينحصر الأمر في الثلاثة الأوائل، وقد روى الكليني (رحمه الله) في كتاب الكافي عن الراوي الأوَّل (أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي) ما يقارب (١٤٥ رواية)، وعن أحمد بن محمد بن سعيد ما يقارب (الأربعة روايات) وعن أحمد بن محمد بن عيسى ما يقارب (٣٤ رواية)، ومن دون واسطة.
ومن جهة أُخرى، فإنَّ من بين هؤلاء الثلاثة، وبحسب أسانيد الكافي، لم ينقل عن محمد بن عيسى بلا واسطة إلَّا أحمد بن محمد بن عيسى، حيث روى عنه ما يقارب (١٨٢ رواية)، فيكون هذا الراوي هو الأقوى من بين المحتملات الثلاث.
نعم، إنَّ أغلب المحقِّقين في هذا المجال، قالوا بانصراف أحمد بن محمد إلى أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي، ولكنَّ ذلك لا يغير في الأمر شيئاً، إذ إنَّ هؤلاء الثلاثة موثَّقون من قبل علماء الرجال ومعتبرون عندهم، ولم يرد في حقِّ أيِّ منهم جرحٌ أو قدح.
وهنا نذكر آراء بعض الرجاليين المشهورين في حقِّ هؤلاء الثلاثة بنحو الاختصار.
الشخص الأوَّل: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي الكوفي، قال المرحوم النجاشي (الرجالي المشهور) في وصفه: ثقةٌ في الحديث، سالمٌ، خيرٌ؛ له كتب(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) في رجال النجاشي: ص٩٣.

(٢١٢)

وقال عنه العلّامة (رحمه الله) وابن داود (رحمه الله): ثقةٌ في الحديث، سالم الجنبة(٩).
الشخص الثاني: أبو العباس، أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمداني (ابن عقدة)، ومدحه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله بقوله: جليل القدر، عظيم المنزلة، له تصانيف كثيرة ذكرناها في كتاب الفهرست وكان حفظة(١٠).
وقال عنه النجاشي (رحمه الله): هذا رجل جليل في أصحاب الحديث مشهور بالحفظ والثقة، له كتب...(١١).
كما قال في وصفه العلّامة (رحمه الله): جليل القدر، عظيم المنزلة وكان حفظة، له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير...(١٢).
وقال عنه ابن داود: أمره في الجلالة أشهر من أن يذكر(١٣).
وقال عنه الشيخ الحر العاملي (رحمه الله) في خاتمة كتابه (وسائل الشيعة): وثَّقهُ النعماني في الغيبة، ووثَّقهُ ابن شهرآشوب.
الشخص الثالث: أبو جعفر محمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القميِّ.
قال عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله): ثقة له كتاب(١٤).
وقال عنه النجاشي: شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافَعٌ، لقي أبا الحسن الرضا (عليه السلام) وأبا الحسن العسكري (عليه السلام)، له كتب...(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) في رجال العلّامة: ص١٦؛ وفي رجال ابن داود: ص٣٨.
(١٠) في رجال الطوسي: ص٤٠٩.
(١١) في رجال النجاشي: ص٩٤.
(١٢) في رجال العلّامة: ص٢٠٣.
(١٣) في رجال ابن داود: ص٣٨٥ و٤٢٢.
(١٤) في رجال الطوسي: ص٣٥١.
(١٥) في رجال النجاشي: ص٨٢.

(٢١٣)

وقال العلّامة (رحمه الله) في وصفه: لقي أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، وأبا الحسن العسكري (عليه السلام) وكان ثقة وله كتب ذكرناها في كتابنا الكبير(١٦).
الراوي الثاني: أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال (الفياض الكوفي):
لقد روى هذا الشخص (١٦ خبراً) عن محمد بن عيسى في الكتب الأربعة.
قال عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله: فطحيّ المذهب، ثقة، كوفي، كثير العلم، واسع الأخبار، جيد التصانيف، غير معاند، وكان قريب الأمر إلى أصحابنا الإمامية القائلين بالاثني عشر، له كتب...(١٧).
وقال النجاشي عنه: كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه، سُمع منه شيءٌ كثيرٌ، لم يعثر على زلّةٍ فيه، ولا ما يشينه، وقلَّ ما روى عن ضعيف وكان فطحياً(١٨).
وأضاف العلّامة على ذلك قائلاً: وأنا أعتمد على روايته وإنْ كان مذهبه فاسداً(١٩).
وعليه، فلا إشكال في وثاقة أبي الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال.
الراوي الثالث: أبو جعفر محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين العبيدي اليقطيني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) في رجال العلّامة: ص١٤.
(١٧) في رجال الطوسي: ص٢٧٢.
(١٨) في رجال النجاشي: ص٢٥٨.
(١٩) في رجال العلّامة: ص٩٣.

(٢١٤)

ضعَّفه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله، وقال في وجه تضعيفه: إنَّ ابن بابويه (رحمه الله) لم يذكر اسمه في (نوادر الحكمة) ونسب إليه الغلّو.
وقال الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله) في خاتمة كتاب الوسائل، جواباً عن تضعيف الشيخ الطوسي له: ولا يلزم منه الضعف، فلا توقُّف في توثيقه، ولا معارض له، ونقل الكشّي عن الفضل أنَّه كان يحبُّ العبيدي ويثني عليه ويميل إليه، ويقول: ليس في أقرانه مثله(٢٠).
ويبدو لنا أنَّ عدم المعارضة إنَّما يصح فيما لو كان ابن بابويه قد اقتصر على عدم ذكر اسمه في كتاب النوادر، وأمّا إذا كان قد صرَّح بنسبته إلى الغلو، فالمعارضة متحقِّقة بلا إشكال.
وبعد الشيخ الطوسي (رحمه الله)، أطبق علماء الرجال تقريباً على توثيق محمد بن عيسى، فقد قال عنه النجاشي (رحمه الله): جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف(٢١).
وقال العلّامة (رحمه الله) في حقِّه: والقويّ عندي قبول روايته(٢٢).
وقال المرحوم الشيخ الحرّ: هذا فوق التوثيق، وهو يبطل نسبة الغلو فيه(٢٣).
وهكذا فقد رأينا أنَّ جميع الرواة الموجودين في سند هذا الطريق موثّقون.
مضافاً إلى اعتبار نفس كتاب الكافي ومؤلفه عند عموم العلماء - خاصة أولئك الذين قبلوا قاعدة اعتبار الكتب - وهو ما يضاعف اعتبار هذا الخبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) وسائل الشيعة (الإسلامية) - الحر العاملي: ج٢٠، ص٣٣٩، ح١٠٩٧.
(٢١) في رجال النجاشي: ص٣٣٣ و٣٤٨.
(٢٢) في رجال العلّامة: ص٩٣.
(٢٣) في رجال الطوسي: ص٣٩١ و٤٠٢.

(٢١٥)

دراسة الرواية في الإقبال: قال: فصل فيما نذكره ممّا يختم به كلُّ ليلة من شهر الصيام:
ومتن الخبر في هذا الكتاب هو:
(ما ذكره جماعة من أصحابنا، وقد اخترنا ما ذكره ابن أبي قرّة في كتابه، فقال بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناده عن الصالحين)، قال: (وكرِّر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، قائماً وقاعداً وعلى كلِّ حال، والشهر كلّه وكيف أمكنك ومتى حضرت في دهرك تقول بعد تمجيد الله تعالى والصلاة على النّبي وآله: «اللَّهمّ كن لوليك القائم بأمرك الحجّة(٢٤)، محمد بن الحسن المهدي - عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام - في هذه الساعة، وفي كلّ ساعة، ولياً وحافظاً، وقاعداً(٢٥) وناصراً، ودليلاً ومؤيداً، حتَّى تُسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طولاً وعرضاً، وتجعله وذرّيته من الأئمّة الوارثين. اللَّهم انصره وانتصر به و...» إلى آخر الدعاء وهو طويل.
وهنا اختلافان هما:
الأوَّل: عدم التصريح باسم الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وقد ذكرنا الوجه فيه فيما تقدَّم.
التفاوت الثاني: في قائداً؛ حيث وردت في هذا الطريق بحرف العين - قاعداً - خلافاً لكلِّ مصادر الطريق السابق والطرق اللاحقة، وكذا خلافاً لما ورد في الكتابين اللذين ورد فيهما هذا الطريق نقلاً عن (الإقبال) (أي بحار الأنوار ومستدرك بحار الأنوار)، ولم تذكر هذه الكلمة بحرف العين إلّا في كتاب الإقبال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) بحار الأنوار: بأمرك محمد بن.
(٢٥) بحار الأنوار والمستدرك: وقائداً.

(٢١٦)

وهذه الكلمة وإن كانت لا تخلو من وجه، كما سنذكر معناها في آخر هذه المقالة، ولكنَّ هذا الوجه بعيدٌ، ويبدو لنا أنَّ الأمر لا يعدو كونه خطأً في الطباعة، فلابدَّ في مراجعة النسخ الخطية لكتاب (الإقبال)، كما يمكن أن يكون ذلك من سهو قلم النسّاخ والكُتّاب، حيث كتبوا الكلمة بالعين بدلاً عن الهمزة.
دراسة سند هذا الحديث في كتاب الإقبال:
أبو القاسم، السيد رضيّ الدين، عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس الحلّي (المتوفي سنة ٦٦٤ق)، كاتب كتاب (الإقبال) الشريف، وهو من العلماء والمحدّثين جليلي القدر الشيعة، وشهرته ووثاقته لا غبار عليها أبداً.
قال فيه العلّامة الحرّ العاملي في كتابه (أمل الآمل): حاله في العلم والفضل والزهد والعبادة والثقة والفقه والجلالة والورع أشهر من أن يذكر(٢٦).
وقال في وصفه العلّامة التستري:
السيد السند المعظَّم المعتمد العالم العابد الزاهد الطيب الطاهر، مالك أزمَّة المناقب والمفاخر، صاحب الدعوات والمقامات والمكاشفات والكرامات، مظهر الفيض السني واللطف الخفيّ والجليّ(٢٧).
ابن أبي قرّة: هو أبو الفرج محمد بن أبي قرّة قال عنه الشيخ النجاشي...: محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرّة، أبو الفرج القنائي، الكاتب، كان ثقة وسمع كثيراً، وكان يورق لأصحابنا ومعنا في المجالس، له كتب منها: عمل يوم الجمعة، كتاب عمل الشهور، كتاب معجم رجال أبي المفضَّل، كتاب التهجُّد، أخبرني وأجازني جميع كتبه(٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) أمل الآمال: ج٢، ص٨٢.
(٢٧) المقابس: ص١٦.
(٢٨) رجال النجاشي: ص١٥٦، ٣٦٦ و٣٩٨.

(٢١٧)

وأمَّا بقية الأشخاص الذين ورد اسمهم في سند هذا الطريق، فهم نفس الأشخاص الواردين في سند الطريق السابق وقد تمَّ بيان أحوالهم.
دراسة سند الحديث في كتاب المصباح والبلد الأمين، والمتن الوارد في هذين الكتابين هو(٢٩):
الساعة الثانية عشر: من اصفرار الشمس إلى غروبها، للخلف الحجَّة (عجَّل الله فرجه): «يا من توحَّدَ بنفسه عن خلقه، يا من هو غنيٌّ عن خلقه بصنعه، يا من عرَّف نفسه خلقه بلطفه، يا من سلك بأهل طاعته مرضاته، يا من أعان أهل محبّته على شكره، يا منْ مَنَّ عليهم بدينه ولطف لهم بنائله، أسألك بحقّ وليك الخلف الصالح، بقيتك في أرضك، المنتقم لك من أعدائك وأعداء رسولك، وبقية آبائه الصالحين، محمد بن الحسن، وأتضرَّع إليك به، وأقدمه بين يدي حوائجي ورغبتي إليك، أن تصلِّي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي (كذا وكذا) وأن تداركني به، وأن تنجيني ممّا أخافه وأحذره، وألبسني به عافيتك وعفوك في الدنيا والآخرة، وكن له ولياً وحافظاً، وناصراً وقائداً، وكالياً وساتراً، حتَّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العلي العظيم، فسيكفيكهم الله وهو السَّميع العليم، اللّهمَّ...».
ولابدَّ من التذكير بأنَّ الشيخ الطوسي فسَّره في كتاب (مصباح المتهجّد)، وكذا آخرون، قد ذكروا هذا الدعاء للساعة الثانية عشرة من اليوم وختموه بعبارة (كذا وكذا) ولم يذكروا بقية الدعاء وخاصة تلك العبارات التي هي مورد نظرنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) المصباح: ص١٤٦؛ البلد الأمين: ص١٤٥.

(٢١٨)

وقد لا يبدو لبعضٍ، أنَّ هذا الطريق - والطريق اللاحق له - هما من طرق نقل هذا الدعاء، وذلك لأنَّ عبارات الدعاء المذكور بعينها قد وردت في ضمن دعاء طويل باختلاف بسيط جدّاً.
ولكنَّنا نرى بأنَّ ذكر مثل هذه الموارد له دخلٌ كبير في اعتبار متن الدعاء، وأنَّ لذكرها ثمرة واضحة.
شهرة واعتبار الكفعمي وكتابي (المصباح) و(البلد الأمين):
إنَّ شهرة المرحوم تقيّ الدين، إبراهيم بن عليّ الجبعيّ الكفعمي (المتوفي سنة ٩٠٥ق) صاحب كتابي (المصباح) و(البلد الأمين) المشهورين، وكذا شهرة كتبه الأخرى، غنيةٌ عن التعريف، وسنذكر بعض أقوال كبار العلماء والأجلّاء، في هذا الصدد:
قال المرحوم السيد حسن الصدر في كتاب (تكملة أمل الآمل) بعد أن نقل كلام المرحوم صاحب الرياض في مدح ووصف الكفعميّ: العالم الكامل الفقيه، المعروف بالكفعمي من أجلّاء علماء الأصحاب(٣٠).
وقال المرحوم الشيخ عباس القميّ في وصفه: كان ثقةً فاضلاً أديباً شاعراً عابداً زاهداً ورعاً له كتب...(٣١).
وأخيراً، ما قاله المرحوم آية الله العظمى السيد الخوئي في معجم رجاله حول الكفعمي، قال: الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح العامليّ الكفعميِّ مولداً، الويزي محتداً الجبعي أباً، التقي لقباً كان ثقة فاضلاً أديباً شاعراً عابداً زاهداً ورعاً له كتب منها...(٣٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) تكملة أمل الآمال: ص٧٥.
(٣١) الكنى والألقاب: ج٣، ص١١٦.
(٣٢) معجم رجال الحديث: ج١، ص٢٣٧.

(٢١٩)

أمّا وأين كتاب البلد الأمين - دعاء كنز العرش، ص٣٦٠ -، ومتن الدعاء فيه هو:
ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلَّا الله الحليم الكريم... اللّهمّ وكن لوليك في أرضك، وحجّتك على عبادك، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتَّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، وعجّل فرجه، واجعلنا من شيعته وأوليائه وأعوانه وأنصاره ومحبّيه وأتباعه، اللّهمّ...».
ولا يخفى أنَّ دعاء (كنز العرش) لم يرد إلَّا في هذا المصدر من بين كل المصادر الشيعية والسنية، طبقاً لرواية نقلها المرحوم العلّامة النوري في كتابه (مستدرك الوسائل).
هذا وقد وردت روايات كثيرة في المصادر السنية شبيهةٌ بهذا الخبر، يمكن للقارئ المحترم مراجعتها(٣٣).
شرح مختصر لدعاء سلامة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه):
يبدو لنا أنَّ فقرات هذا الدعاء هي عبارات تبيِّن إيمان وإخلاص الشيعة المنتظرين إمامهم المغيَّب، وتظهر حرقتهم وجزعهم من ألم فراقه.
وسنحاول في هذا المقطع من المقالة أن نقدِّم توضيحاً مختصراً حول كلِّ فقرة من فقرات الدعاء الشريف، آملين بذلك المساهمة في نشر وخدمة الدين.
«اللّهمّ كن لوليك الحجّة بن الحسن - صلواتك عليه وعلى آبائه - في هذه الساعة وفي كلِّ ساعة»:
الحجّة في اللغة بمعنى الدليل والبرهان، وقال بعضهم: الأصل في معنى هذه العبارة هو كلُّ شيء يعين الإنسان على الغلبة على عدوِّه، ولما كان الدليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) المستدرك: ج٤، ص٢٦؛ كتاب الدعاء - الطبراني: ص٤٦٦؛ فيض القدير: ج١، ص٧٢٠؛ سبل الهدى والرشاد: ج١٠، ص٢٦٩و ٢٩٨.

(٢٢٠)

والبرهان له مثل هذه الماهية في النزاعات اللفظية مع الآخرين، سُمِّيا بالحجّة أيضاً(٣٤).
وأمَّا الحجّة في الاصطلاح الديني والعقدي عند المسلمين فهي عبارة عن كلِّ شيء أخذه الله تعالى في مقام الاحتجاج على عباده ورتَّب عليه ثواباً وعقاباً.
وبعبارة أُخرى: كلُّ ما يكون بإقامته - في عالم التشريع أو التكوين - سدُّ كل باب للاعتذار والاحتجاج من قبل العبد على مولاه.
وهذا النوع من الحجّة في الأدبيات الدينية الشيعية والسنية - كما يظهر في الأخبار الكثيرة صراحة - على نوعين:
الأوَّل: الحجّة الباطنة، وهي نعمة العقل.
الثاني: الحجّة الظاهرة، وهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
يقول تعالى في هذا الصدد: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥).
وقد ورد في الروايات الكثيرة الواردة من الشيعة والسُنَّة، أنَّ الله تعالى لا يخلي الأرض من حجّة ظاهرة (نبياً أو إماماً معصوماً) وإن كان الإمام غائباً عن أنظار الناس، حتَّى أنَّه ورد في الخبر: أنَّ الأرض لو كان فيها شخصان فقط لكان أحدهما إماماً للآخر(٣٥).
الحجّة بن الحسن: قد أشير في الدعاء إلى هذه الحقيقة، وهي أنَّ خاتم الحجج هو المهدي (عجَّل الله فرجه) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه آخر حجّة معصوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) العين: ج٣، ص١٠؛ لسان العرب: ج٢، ص٢٢٨ (الحجج).
(٣٥) الكافي: ج١، ص١٦٨-١٨٠.

(٢٢١)

ولياً: الولي في اللغة، تعني القيِّم والمتولّي، فوليُّ اليتيم هو من يقوم بأمر اليتيم ويتعهده ويدير أُموره وشؤونه المختلفة.
وقد يطلق (الوليّ) على الصديق في مقابل العدو وضدَّه.
وقد يطلق (الوليّ) على الناصر، وهو من أسماء الله تعالى ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨)(٣٦).
وعلى أيِّ حالٍ، فالقدر المشترك في معنى (الولي) هو النصرة والقيومية وكفاية الأمور.
وحافظاً:
وهي واضحة المعنى، ويراد بها طلب ورجاء حفظ الإمام (عجَّل الله فرجه)، من كلِّ البلايا والآفات السماوية والأرضية.
وقائداً:
القائد في اللغة، مأخوذ من القود، بمعنى الهداية والدلالة، والسوق لجهة معينة. والمراد من العبارة هنا هداية الإمام (عجَّل الله فرجه) وتسديده من قبل الله تعالى.
تنبيه:
جاء في كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس لفظ (قاعداً) بدلاً عن لفظة (قائداً).
وكما أشرنا آنفاً، فإنَّ ذلك إذا لم يكن من سهو النسّاخ أو الكتّاب أو المصحِّحين أو الناشرين، فإنَّ له وجهاً وتخريجاً ما.
ويحتمل فيه احتمالات:
الأوَّل: القُرب، فيقال: فلان أقعد من فلان، بمعنى قرُب منه. وتقول العرب: هو أقعدهم، أي أقربهم إلى الجدِّ الأكبر، وفي مقابل ذلك يقال: هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) العين: ج٨، ص٣٦٥؛ لسان العرب: ج١٥، ص٤٠٧؛ مجمع البحرين: ج١، ص٤٥٥ (ولي).

(٢٢٢)

أطرفهم أو أسلفهم، أي أبعدهم منه. وعليه، فكلمة (قاعداً) في الخبر يراد منها اِجعله في مقام القرب منك يا ربّ.
الثاني: ويحتمل أن يكون (قاعداً) بمعنى الأساس والوتد، فيكون حينئذٍ كناية عن المأمن والمسند الذي يسند إليه.
ولعلَّ هذا الوجه أوجه من الوجه الأوَّل(٣٧).
الثالث: جاء في اللغة (قعيد) بمعنى (أب)، فقد ورد في أشعار الفرزدق: (قعيدكم الله الذي أنتما له)، فيكون المراد من (قاعداً) في الدعاء، الكناية عن الحصانة والحفظ والحماية الإلهية لإمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه).
الرابع: جاء في التفاسير، في ذيل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (ق: ١٧)، أنَّ قعيد بمعنى الحافظ.
ومن المحتمل أن تكون كلمة (قاعداً) في الدعاء بهذا المعنى.
وناصراً: مأخوذة من مادّة نَصَر، وقد ورد في بعض المصادر (وعوناً) بدلاً عن (وناصراً) وهي بنفس المعنى.
ودليلاً:
الدليل في هذا المقام بمعنى الهادي والدالّ على الصلاح. وهي إشارة إلى هداية الله تعالى، وهي عامّة لكلِّ المخلوقات وخاصّة لأولياء الله وخاصّته.
وعيناً:
إنَّ المعنى العامّ والكامل للهداية مذكور في عبارة (وعيناً) ومتبلور فيها، فالداعي يطلب من الله تعالى أن يكون عيناً للإمام في حياته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) لسان العرب: ج٣، ص٣٦١؛ مجمع البحرين: ج٣، ص١٢٩.

(٢٢٣)

وهو نظير ما ورد في الحديث المشهور في فضل النوافل، فقد جاء في هذا الحديث: «لا زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أكون عينه التي ينظر بها ولسانه الذي ينطق به وأذنه التي يسمع بها».
ومن ثمَّ جاء في بعض الروايات أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (عين الله) و(أذن الله) وأمثال ذلك.
هذا وقد جاء في الطريق الرابع - كما تقدَّم - عبارة (وكالئاً وساتراً) أيضاً.
وكلمة (كالئاً) مشتقَّة من (كلأ، يكلأ) وهي بمعنى الحراسة والحفظ(٣٨).
وكلمة (ساتراً) مشتقة من (ستر) بمعنى الإخفاء والحَجْبْ وهي كناية عن طلب الحراسة وحفظ الإمام (عجَّل الله فرجه) ورعايته.
حتَّى تسكنه أرضك طوعاً:
هذا المقطع، يعدُّ لبَّ الدعاء، فالمنتظرون له (عجَّل الله فرجه) يطلبون من الله تعالى ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، وشروق شمس الحقيقة وانشقاق ظلمة الهجران والفراق.
وكلمة (طوعاً)، قد تكون من المطاوعة، بمعنى الانقياد والطاعة، وحينئذٍ تشير إلى أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) قد ظهر من أجل إطاعة الأمر الإلهي، وإجراء الأحكام الإلهية.
وقد تكون كلمة (طوعاً) بمعنى الاختيارية والرغبة القلبية في مقابل الكره وإيجاب الإجبار.
وحينئذٍ يحتمل فيها احتمالان:
الأوَّل: يا ربّ أسْكنْ مولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) الأرض فهو المسلِّم لأمرك ومشيئتك بكلِّ شوق ورغبة واختيار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) العين: ج٥، ص٤٠٧؛ لسان العرب: ج١، ص١٤٦.

(٢٢٤)

الثاني: يا ربّ أسكن حجّتك أرضك بمقتضى مشيئتك وإرادتك، وهو يفعل ما يشاء، كيف يشاء، ومتى يشاء وبأي سبب يشاء.
وأخيراً، قد تكون كلمة (طوعاً) مأخوذة من التطوُّع، بمعنى التبرُّع والإحسان والابتداء.
وحينئذٍ يكون معنى العبارة: يا ربّ أسكن مولانا الحجّة (عجَّل الله فرجه) الأرض بفضلك وكرمك وتتميماً لإحسانك في حقِّ أوليائك(٣٩).
وتمتعه فيها طويلاً:
وهذه العبارة تنمُّ عن رجاء إطالة عمره فهو آخر الحجج الإلهيين والموعود الكوني.
هذا كما ورد في الطريق الرابع - كما أسلفنا - عبارة (طولاً وعرضاً).
وهذه العبارة - على فرض صحّة الورود - تدلّ على عالمية حكومة المهدي (عجَّل الله فرجه) وشموليتها لطول الكرة الأرضية وعرضها، فهو رجاءٌ لتطهير كلِّ الأرض من الظلم والجور والفساد والرذائل، ونشر العدل والصلاح فيها.
نسأل الله تعالى خالق الكرم والفضل أن يمنَّ علينا أيضاً بالحضور والتشرُّف أيَّام الحكومة الرضوانية، وأن يجعلنا وجميع المنتظرين من أنصار وأعوان مولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

*  *  *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) لسان العرب: ج٨، ص٢٤٣.

(٢٢٥)

 

التصفية المعرفية
وأثرها على فهم القضية المهدوية وطرق العلاج الواعي
 

الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي

 

مقدمة(١):
يشهد العالم المعاصر واحدة من أعقد التحوُّلات المعرفية في التاريخ البشري إلى الآن، إذ تتدفَّق المعلومات بلا حدود، وتختلط الحقائق بالروايات المصطنعة، وتتنازع العقول موجات متلاحقة من التأويلات، والخطابات التي لا تستند إلى معيار يقيني وحجَّة معتبرة في كثير من الأحيان.
ومع تزايد هذا الاضطراب، بدا واضحاً أنَّ الأزمة التي يعيشها الإنسان ليست أزمة أخلاقية محضة، ولا سياسية أو مالية أو نفسية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة معرفية، أو قل أزمة في طبيعة إدراك الحقائق، وفي معايير التمييز، وفي فاعلية أدوات الفهم التي يعتمد عليها العقل البشري.
في هذا السياق المضطرب، تذكر العقيدة المهدوية بوصفها أحد أهم الميادين التي تتعرَّض لهذا الخطر المعرفي، سواء عبر المعلومة المضطربة، أو التهويل المعاكس والمناوئ، أو التأويل الضيِّق، أو الاستغلال النفسي، أو القراءة العاطفية غير المنضبطة للنصوص، أو غير ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) ما سنذكره ليس استحداثاً، بل جملة منه واقع في أزمنة سابقة، ما يميزه الآن هو السرعة الهائلة في تحصيل المعلومة وسرعة تلوّثها وتحريفها.

(٢٢٧)

ولم يعد الخطر مقتصراً على الروايات التي لا يُعلم مصدرها، أو الفهم السطحي، أو الاستغلال السيء أو السرديات الجماهيرية والشعبوية، بل تجاوزه إلى تحوُّلات عميقة في بنية الوعي نفسه، بحيث أصبح الإنسان رهيناً لمنصّات - تعتمد على الذكاء الاصطناعي - تصنع قناعاته تدرجاً دون شعور بها، وتوجّه انتباهه، وتعيد تشكيل نظرته إلى العالم، وإلى نظرته لسيادة العدل ومفاهيم القسط ورعاية الحقوق وطرق انتزاعها.
وهنا تبرز الحاجة لطرحٍ مِنْ شأنه محاولة استيعاب هذا الواقع - المفروض - المعقد، ويفسِّر موقع (المعرفة) في مشروع الغيبة، والانتظار والقيام المهدوي المرتقب.
ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث الذي يقترح أنَّ (الغربلة المعرفية قبل الظهور) معضلة البشرية في العصر الراهن من جهة، ومحاولة لبناء إطار معرفي يفسر طبيعة الابتلاءات الفكرية والفتن الثقافية والاضطرابات الإدراكية التي تعصف بالبشرية في زمن الغيبة من جهة ثانية، بما يعني أنَّ الامتحان الحقيقي قبيل الظهور ليس امتحاناً أخلاقياً وعملياً فحسب، بل امتحان معرفي بالدرجة الأولى.
فالغيبة ليست فقط مرحلة لابتلاء الولاء والإيمان، بل هي مرحلة لإعادة غربلة منظومات المعرفة البشرية، وتنقية الوعي من الزيف، ورفع مستوى التمييز.
فتسعى هذه الدراسة إلى تحليل جذور هذا الاضطراب المعرفي، وتحديد مصادر التلوُّث الفكري، وبيان أثر التلقي من الأدوات الرقمية - والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، دون غربلة - في تشويه أو توجيه الوعي المهدوي،

(٢٢٨)

 واستكشاف كيف تحوَّلت جملة من الابتلاءات إلى امتحان لكفاءة الإنسان المعرفية، وكيف أصبح العالم - قد - يقترب تدريجياً من مرحلة الانسداد المعرفي التي تعجز فيها القدرات البشرية عن التمييز بين الحقِّ وما هو حجَّة، وبين الزيف والباطل.
كما يحاول البحث بناء إطار نظري لفهم البصيرة بوصفها آلة معرفية تمنح الإنسان قدرة على النجاة في زمن الفوضى، وتعيد رسم مفهوم (النقاء المعرفي) كقانون للثبات قبل الظهور.
إنَّ هذا البحث لا يكتفي بتشخيص الواقع المعرفي، بل يسعى - قدر المستطاع - إلى تقديم قراءة منهجية لعلاقة ما قبل الظهور بإعادة ضبط المعرفة البشرية، ومنع التأثيرات الجارفة للمفاهيم المغلوطة والمصنوعة في منصَّات الذكاء الاصطناعي على الرصيد المعرفي النقي المتوارث.
وبناءً على ذلك، يهدف هذا العمل إلى بيان معايير التصفية، ويحلل آليات الانحراف، ويكشف علاقة الوعي بالمهدوية، فهو يسعى إلى بيان: التحوُّلات الحضارية، الانهيار المعرفي، الحاجة إلى البصيرة، تهيؤ الوعي لتقبل المهدوية، وإعادة بناء الإنسان في ضوء القيادة الإلهية.
فنحن سنتعامل مع (المعرفة) لا بوصفها وعاءً للنصوص فحسب، بل بوصفها ساحة الامتحان في زمن الغيبة، ومفتاح العبور نحو فهم واعي في زمن تشابك معلوماتي عنيف.
ويجري عرض الموضوع في ستة محاور، تتناول المحاور الأربعة الأولى مظاهر التلوُّث المعرفي وسبل معالجته، ويأتي المحور الخامس في نماذج تطبيقية توضح ذلك، ثم نعرض أصل الفكرة للنقد وندافع عنها في المحور السادس.

(٢٢٩)

المحور الأوَّل: مفاهيم المعرفة المهدوية ومستوياتها وخصائصها وأساليب التوظيف:
الإنسان اليوم لا يبتلى فقط في أخلاقه، بل في وعيه، وكيف يفهم ويميِّز، وكيف يزن الأخبار التي يسمعها من وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الذكاء الاصطناعي، وبعيداً عن المتخصِّص، وهذا ما يجعل دراسة العقيدة المهدوية ضرورة لا غنى عنها، بوصفها أهم أجزاء العقيدة التي تؤمِّن الارتباط الصحيح والسليم مع السماء.
والكلام في هذا المحور في عدَّة نقاط:
١ - تعريف المعرفة المهدوية:
هي منظومة مفاهيمية تستند في بناء مفاهيمها إلى النص القرآني والروائي عن العترة الطاهرة (عليهم السلام)، وكذا إلى العقل، وعناصر قراءة النص على يد المتخصِّص، وتتناول فهم وجود الحجة الإلهية (عليه السلام) في زمن الغيبة، وأثر هذا الوجود على الإنسان بل والكون، حيث تسعى المعرفة بالمهدوية لبناء الرؤية المستقبلية عن القضية المهدوية، وهندسة الوعي، وفهم الامتحان الإلهي، ووظيفة الإنسان زمن الغيبة، وضبط العلاقة بين المعرفة والبصيرة.
٢ - مستويات المعرفة المهدوية:
ويمكن تصنيفها إلى أربع دوائر:
أ - دائرة المصادر المعتبرة: وتتمثَّل في الآيات الكريمة، الروايات الشريفة، الأحاديث المنقولة عن العلماء وأفهامهم المستقاة عن الحجج العقلية والعقلائية.

(٢٣٠)

ب - دائرة الاستظهارات والتحليل العقلي والعقلائي: وتتمثَّل في تحليل المفاهيم الكبرى في هذه القضية: كمفهوم الحجية، والولاية، والحاكمية، والغيبة، والانتظار، النصرة، والعدالة، وسُنن التاريخ.
ج - الدائرة التاريخية: وتتمثَّل في تجارب الأُمم، الحركات المهدوية المنحرفة، أثر الأحداث الكبرى، دور العلماء في ضبط المسار الواعي للمهدوية.
د - الدائرة المعاصرة: وتتمثَّل في قراءة العالم المعاصر، من: الاقتصاد، الحروب، التكنولوجيا، الإعلام، تحوُّلات الوعي العالمي، ومقدار تأثيرها على العقيدة المهدوية، وهذه الدوائر الأربع لا يمكن فهمها دون نظرية معرفية متكاملة.
٣ - خصائص المعرفة المهدوية:
وتتمثَّل في بعدين:
أ - إنَّها معرفة - في الغالب - مستقبلية: تتعامل مع أحداث لم تقع بعد، وفي ذات الوقت فيها قابلية عالية للتأويل والانحراف.
ب - إنَّها معرفة غيبية - في بعض جوانبها -: فهي خارج نطاق الإدراك الحسي، لذلك تحتاج طريقة محدَّدة لفهم نصوصها، رغم اختلاف أفهام المجتمع باختلاف الآليات وتطوُّرها، وأنَّها معرفة مرتبطة بالقيادة المعصومة، ومصدرها الأعلى غائب، كما وأنَّها من بين أشدّ المعارف عرضة للتشويه، بسبب غيبيتها وغياب قائدها وارتباط عدد من مفاهيمها بالمستقبل.
٤ - تحدِّيات دور العقل المعرفي وصيرورته كجزء من الامتحان:
في زمن حضور المعصوم (عليه السلام)، الأُمَّة تستند إلى يقين مباشر، ولكن في زمن الغيبة يتعاظم دور العقل والعقلاء، حيث يكون العقل جزءاً من الامتحان، مع أنَّه هو أداة التمييز، وهو الذي يمنع الانزلاق نحو الخرافة أو الاندفاع اللاواعي.

(٢٣١)

نعم، العقل في الغيبة ليس بديلاً عن الحُجة، بل آلية مهمة في الفهم، حيث يقوم بفرز الروايات، وتمييز الصحيح من الضعيف، وضبط التأويل المنفلت، وعدم تحميل النص فوق ما يحتمل، وقراءة الواقع بوعي، وكشف التوظيف السياسي والمالي والنفسي والمصالحي، ومنع استغلال المهدوية من قبل الحركات المغالية والأنظمة والإعلام والمدَّعين، ومقاومة الفتن المعرفية باستخدام أدوات التحليل المنطقي بدلاً عن الانجرار الانفعالي اللاواعي العام، أو الناشئ عن وسائل التواصل الاجتماعي أو المُعدّ في برامج الذكاء الاصطناعي.
فالتحديات التي يواجهها العقل اليوم عديدة، منها: التضخم المعلوماتي، حيث يتعامل العقل مع ملايين البيانات يومياً، التي تشتمل على التزييف العميق، حيث يمكن تزوير الواقع نفسه، فلم يعد الصدق معياراً وحسب، بل التأثير.
ولم يعد هناك مصدر موثوق عند الجمهور البعيد عن المتخصصين، حيث تتشكَّل صناعة الوعي الزائف - عادة - على يد المؤثِّرين من أصحاب الخوارزميات وأصحاب منصَّات التواصل الاجتماعي وبرامج الذكاء الاصطناعي، في تشكيل قناعات الجمهور.
هذه التحديات تجعل العقل مرهقاً وهشًّا أمام الزيف الهائل.
٥ - قراءة فاحصة ودقيقة:
لأنَّ المعرفة المهدوية ليست بسيطة، فالعلامات قابلة للقراءات المتناقضة، والإشاعة أخطر من أي زمن مضى، والتكنولوجيا تُضاعف سرعة انتشار الزيف، والجماهير تستسلم للمعلومات الجاهزة، والمعرفة الملوَّثة تمنع رؤية الحق، إذن فالمهدوية بحاجة إلى جهد خاص، وقراءة فاحصة من متخصِّص يواكب الحدث ويستثمر في الأدوات المتاحة، بل ويطور عمل الأدوات.

(٢٣٢)

المحور الثاني: التلوُّث المعرفي، مصادره، أشكاله، أثره:
إذا كانت العقيدة المهدوية تعتمد على وعي نقي وبصيرة نافذة، ولا زالت فيما لو قدر لها أن تؤخذ من الأيادي الأمينة والمتخصِّصة، ولكن نجد وفي خصوص هذا الزمان أنَّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس الانحراف الأخلاقي فحسب، بل انحراف المعرفة، فالامتحان الحقيقي في آخر الزمان يقع كذلك في العقل قبل السلوك، وفي الوعي قبل الفعل، وفي تمييز الحقائق قبل تطبيقها، وهذا ما يجعل (التلوُّث المعرفي) مدخلاً أساسياً لفهم الفتن السائدة، والغلوّ، والإشاعات، والادِّعاءات الكاذبة، وسقوط الناس في موجات الزيف.
في هذا المحور نعمد إلى تحليل هذا التلوُّث عبر ثلاثة مباحث: مصادره، أشكاله النفسية والمعرفية، أثره على المهدوية في العصر الراهن.
والكلام في عدَّة مباحث:
المبحث الأوَّل: مصادر التلوُّث المعرفي قبل الظهور، في نقاط:
١ - الإشاعة بوصفها أخطر مصادر التلوُّث:
فهي ليست نقل خبر خاطئ فحسب، بل عملية إعادة تشكيل للوعي، حيث تكمن خطورتها لأنَّها في المجال المهدوي تتضاعف لعدَّة أسباب مضافاً لما تقدَّم: من ارتباطها بالعاطفة الدينية، وكثرة النصوص المؤوَّلة، ورغبة الناس في ربط الأحداث بالظهور، وهشاشة وقلة الوعي أمام قضايا الغيب والمجهول.
وعليه، الإشاعة المهدوية تؤدِّي إلى: تثبيت توقُّعات غير واقعية، انحراف القراءة لدى عامة المتلقين ممن لا يرتبطون بالمتخصص، انهيار الثقة بالمرجعية العلمية الدينية والأخلاقية للقضية المهدوية، بما يسهم في تمهيد الأرض للمدَّعين الكاذبين، والنفعيين المتسلقين، والأعداء المتربصين.

(٢٣٣)

٢ - الروايات المختلة والنصوص المبتورة والتفسيرات المبالغ فيها:
حيث تشكِّل الروايات المبتورة والخارجة عن سياقاتها والمقطعة لغرض التزييف والتعمية على الجمهور المتلقي، أدوات لإنتاج واقع معرفي زائف، ومداخل أولية تبني عليها الجماهير تصورها للمهدوية، حيث تصير وسيلة بيد الجماعات المنحرفة لصناعة شرعية كاذبة عبر وسائل التواصل المختلفة ومنصات الذكاء الاصطناعي، وتكمن خطورتها في تشابهها مع النصوص الصحيحة، وتداولها في المجتمع دون تمحيص، ودخولها في الوعي الشعبي كمسلَّمات، ومع توسُّع الفضاء الرقمي، أصبح انتشارها أسرع من قدرة العلماء على الرد.
٣ - الإعلام الموجه وصناعة السرديات(٢):
الإعلام لا يقدِّم خبراً فقط، بل يصنع: مزاجاً عاماً، ورؤى مستقبلية، وثقافة شعبية، وشعوراً طاغياً بالأزمة أو الانفراج، وفي جانب القضية المهدوية، يمكن للإعلام أن يصنع تصوُّرات سياسية للظهور، ويربط الظهور بأحداث مختلقة، وكذا يمكنه صناعة أبطال وهميين في الوعي العام، وبذلك ينتقل الإنسان المؤمن من المهدوية الحقة إلى مهدوية إعلامية.
٤ - من المعلومات إلى الوهم:
العصر الرقمي يضاعف تلوُّث الوعي عبر الخوارزميات(٣) التي تعزِّز قناعات المستخدم، والفقاعات المعلوماتية التي تمنع رؤية الفكرة المخالفة، والفيديوهات المفبركة التي تحاكي الواقع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) مصطلح متداول يقصد به بناء قراءة يفهم من خلالها بعض المفاهيم أو إعطاء معاني لقضايا بعيداً عن واقعها أو موروثها في العادة.
(٣) أسلوب بني على خطوات مترابطة ومحدّدة تؤدِّي إلى نتيجة معيَّنة ومعلومة مسبقاً، نسبة إلى الخوارزمي.

(٢٣٤)

فإنَّ الذكاء الاصطناعي الذي يصنع روايات بلا مصدر، مع وجود الجماهير الرقمية التي تمنح الوهم سلطة وصوتاً، هذه الظواهر تصنع ذكاءً جمعياً ملوّثاً يقود ملايين الناس بلا وعي.
٥ - البنية النفسية لتقبل الزيف:
الإنسان - في العادة - يميل بطبيعته إلى تصديق ما يوافق رغباته، من خلال البحث عن قصص مثيرة لا حقائق، وعن ربط الأحداث دائماً بالمجهول، والانحياز للجماعة بدل العقل، وهذه الانحيازات تمثِّل بيئة خصبة للتزييف فيما يرتبط بالمهدوية، فالمهدوية مجال جاذب لأنَّها تحمل طابعاً غيبياً يرتبط بالخلاص، ويلامس أعمق احتياجات الإنسان النفسية، لذلك يميل الإنسان إلى تضخيم أي خبر يوحي بقرب الظهور، دون تحليل أو تحقيق.
المبحث الثاني: أشكال التزييف المهدوي المعاصر، في نقاط:
١ - المهدوية الرقمية:
ظاهرة جديدة بالكامل، تتمثَّل في صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تمتلك سيولاً من المعلومات يصعب إلى حدٍّ كبير السيطرة عليها، وكذا في مؤثِّرين، وقنوات، ومحتوى مرئي جذاب، وبث مباشر للأخبار المزعومة، هذه الظاهرة تصنع متلقِّين سطحيين، وعواطف متضخمة، جمهوراً يرفض النصوص إذا لم توافق توقعاته.
٢ - المهدوية النفعية:
توظيف مفاهيم الغيبة والظهور لتحقيق شرعية، ولإثارة الجماهير، ولتبرير صراع معيَّن، ولبناء جماعة مهدوية مزيفة، وهو أخطر أشكال التزييف لأنَّه: يستخدم الدين للمصلحة الخاصة، حيث يمتلك أدوات السلطة، فيحول المهدوية إلى سلاح أيديولوجي.

(٢٣٥)

٣ - ظاهرة المدَّعين:
حيث يكثر - خصوصاً قبل الظهور -: المدَّعون، وأصحاب الرؤى والمنامات، والمتحدِّثون باسم السماء، والمكلَّفون من الإمام (عجَّل الله فرجه)، وأصحاب الرسائل المزعومة، وكلّهم يستغلون تشتُّت المعرفة، وضعف النقد العلمي، وعياً شعبياً هشاً يستقي معلومته من حيث لا مصدر سوى الفضاء الافتراضي.
٤ - بحث الوهمية حول العلامات:
حيث يحصل الربط لأيِّ حدث بآخر الزمان، وتحويل التحليلات السياسية إلى علامات، بل واختلاق علامات جديدة، من خلال تحميل النصوص ما لا تحتمل، والمبالغة في تفسير الصوت من السماء، وتأويل الخسف في البيداء، وإخراج الرايات عن سياقها، هذه السرديات تبني: خوفاً جمعياً، وتوتراً دائماً، ورؤية سوداوية للعالم، وتصوراً غير واقعي عن الظهور.
المبحث الثالث: أثر التلوُّث المعرفي على الهوية الروحية للإنسان:
عندما تفسد المعرفة يفسد الإدراك، ويختل الميزان، ويضعف الإيمان، ويضيع مفهوم الانتظار الحق، عند ذاك يحصل تآكل الثقة بالمصادر الصحيحة بسبب الوعي الملوَّث، حيث لا يوثق بـ(المرجعية الدينية الناصحة)، ولا العلماء الأُمناء، ولا المنهج العلمي الرصين، ولا النقد القويم البناء، ولا التحقيق والتدقيق، فيتَّجه الناس نحو: المحتوى العاطفي، والمؤثِّرين، والإشاعة، والخطابات غير العلمية.
يترتَّب على هذا تشوُّه صورة المهدوية، حيث يتحوَّل الاعتقاد بالمهدوية من مشروع إصلاحي عالمي على يد إمام معصوم (عليه السلام) إلى الاعتقاد برمز سياسي، أو أسطورة، أو مادة إعلامية تتمثَّل في منقذ سينمائي وهذا من أخطر أشكال التلوُّث.

(٢٣٦)

يظهر من هذا المحور أنَّ التلوُّث المعرفي ليس مجرَّد أخطاء في فهم النصوص، بل بنية تزييف كاملة، وهذه التراكمات قد تؤدِّي إلى انسداد معرفي، يجعل الناس بشكل عام عاجزين عن التمييز.
المحور الثالث: الامتحان المعرفي في عصر الغيبة:
من المعروف أنَّ الغيبة مرحلة امتحان، وأنَّها ليست محصورة في البُعد الأخلاقي أو العاطفي أو العملي، حيث تكشف القراءة الواعية للنصوص وسُنن التاريخ أنَّ الامتحان قبل الظهور هو امتحان العقل، والبصيرة، والتمييز، والمعرفة أيضاً، وأنَّ هذا الامتحان ليس طارئاً، بل جزء من الهندسة الإلهية لمرحلة الغيبة، حيث تختبر البشرية وهي في مواجهة وفرة معلومات، والضجيج الإعلامي، وتزييف الحقائق الرقمي، والسؤال: من هو الذي يمتلك وعياً نقياً قادراً على النجاة من الفتن، وكيف؟
هذا المحور يحلِّل هذه الظاهرة عبر ثلاثة مباحث:
١ - الفتن بوصفها اختباراً معرفياً لا عملياً أو أخلاقياً فحسب.
٢ - فكرة الانسداد المعرفي.
٣ - التصفية المعرفية كقانون ونتيجة.
والكلام في هذا المحور في عدَّة مباحث:
المبحث الأوَّل: الفتن بوصفها اختباراً معرفياً، في نقاط:
١ - المعرفة ساحة امتحان:
ما يظهر من ملاحظة الواقع الفعلي وما طرأ عليه أنَّ الابتلاء سيمس الرؤية والإدراك وقوة التمييز وثبات البصيرة، فلا يُمتحَن الناس في قدرتهم على فعل الخير والثبات على العمل الصالح فقط، بل في قدرتهم على معرفة الخير

(٢٣٧)

والحق، فالفتنة ليست في انحراف السلوك البشري، بل في انحراف فهمهم، وكذا ليست الفتنة في الظلم الاجتماعي فقط، بل في ظلم قراءة البشرية للأحداث والدين.
ولذا نقرأ في الدعاء: «اللَّهم أرنا الحقَّ حقًّا ووفِّقنا لاتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً ووفِّقنا لاجتنابه».
سؤال: لماذا يصبح الامتحان معرفياً، أكثر منه عملياً وسلوكياً؟
لأنَّ طبيعة الغيبة من جهة، وطبيعة البشرية المادية من جهة ثانية، وما طرأ من تحوُّلات هائلة في طرق تحصيل المعلومات من جهة ثالثة، كلّها تستدعي التوسع في مساحة الظنون بضم الاعتماد على وسائل غير واعية ولا منضبطة في تحصيل المعلومة والاعتماد عليها، حيث ينفتح باب الاجتهاد لغير المؤهَّلين، وتُجعل النصوص محط تأويل متناقض، فيترك الناس أمام تعدُّد مصادر المعرفة إذا لم يرجعوا إلى ركن وثيق، وحيث تضع العقل أمام معلومات متضاربة، هذه العناصر تجعل الامتحان يدور حول منطق جديد للإنسان في التفكير والاستنتاج، وفي قراءته للأحداث وفهمه للنصوص، وفي مقاومته للزيف، يترك لوحده بلا ناصر له ولا معين.
٢ - طبيعة الفتنة المعرفية:
الفتنة الحاصلة ليست في اختلاط الحلال والحرام فقط، بل اختلاط الصدق والكذب، واختلاط الحقائق بالأباطيل، واختلاط علم ووهم وإشاعة، حيث تظهر الفتنة على أربعة مستويات:
أ - فتنة النص: من اختلاط الروايات الصحيحة بالسقيمة، وتضخيم الروايات الضعيفة والمبتورة والمشوَّهة.
ب - فتنة الواقع: من أحداث مختلفة تشبه العلامات دون أن تكون منها.

(٢٣٨)

ج - فتنة التأويل والتطبيق: من تطبيق العلامات على الواقع بلا معايير، والخلط بين الوعد الإلهي والتحليل غير المحكم والرصين.
د - فتنة الأشخاص: من مدَّعين ومؤثِّرين ومن جماعات تستغل الغيبة لتحقيق نفوذ معيَّن.
٣ - أثر الفتن على العقل:
الفتن تضغط على عقل الإنسان وتستنزف قدرته على التمييز، حيث تدفعه إلى الانفعال وتجعله بحاجة دائمة لإجابات جاهزة، وفيما بعد تدفعه للتسليم بأي مقولة تشبه توقُّعاته، هذه الحالة من الاضطراب الإدراكي هي صميم الامتحان.
المبحث الثاني: الانسداد المعرفي قبل الظهور، في نقاط:
١ - معنى الانسداد المعرفي:
هو مرحلة تصل فيها البشرية إلى العجز - أو ما يشبهه - عن الوصول إلى حقائق واضحة، وحدوث اختلاط لا يمكن تجاوزه بوسائل معتادة، وفقدان المعايير، وانهيار الثقة بكلِّ المصادر، وتشويش كبير يمنع رؤية الحق، أنَّها حالة يصبح فيها الوعي البشري غير قادر على إنتاج ما يوثق به بشكل مؤثِّر، وليس كما كان معهوداً في أزمان سبقت حالة الانتشار المعلوماتي المعاصر.
كل هذا يحصل بسبب التراكم المعلوماتي الموجب لتضخم البيانات، بحيث يجعل الدماغ عاجزاً عن معالجة الحقائق، فيسبب التشتُّت الإدراكي، بحيث يعجز الإنسان عن ربط المعلومات بشكل منطقي، وينتج الاستسلام للسرديات الشعبية، بحيث تصبح الرواية العاطفية أقوى من البرهان.
ويسبب فقدان البوصلة، وغياب معايير الثقة: لا نعرف من نصدق؟
من نتَّبع؟

(٢٣٩)

ما هو الصحيح؟
هذه الحالة التي يصح أن نعبِّر عنها بالتبدُّل المعرفي، حيث تصبح الحقيقة نفسها موضع شك، وتفقد الكلمات معناها.
نعم، هذا التبدل - عند البعض - بشارة وليس خسارة، فهو يؤدِّي إلى تهيئة بشرية للقبول بالمعصوم (عليه السلام)، لأنَّ العقل بعد التبدُّل والانسداد يدرك محدوديته، ويطلب اليقين من المطلق، فحين تصبح البشرية عاجزة عن صنع المعنى، بل عن فهمه، وعن فهم التاريخ، وعن تفسير الأحداث، وعن إدراك الحقيقة، تظهر الحاجة جلية إلى الإمام (عليه السلام).
٢ - علاقة الانسداد بسنن التاريخ:
ذلك لأنَّ التحوُّلات الكبرى غالباً ما يصاحبها تبدل معرفي، وسقوط فلسفات، وأفول منظومات، كما حدث حين ظهور أصحاب الشرائع من الأنبياء، أو سقوط الإمبراطوريات، أو نشوء الحضارات الجديدة، فكذا يحتمل أنَّ الظهور أيضاً يأتي بعد انسداد معرفي كما أشار إليه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إنَّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، طوبي للغرباء»(٤)، وكذلك ما نقله سلمان عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حديث طويل جاء فيه: «يا سلمان إن عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً»(٥).
المبحث الثالث: التصفية المعرفية كقانون سُنني، في نقاط:
١ - معنى التصفية المعرفية:
التصفية المرادة هنا ليست إزالة الجاهلين، بل إزالة المعرفة الملوَّثة، وليست غربلة أشخاص فقط، بل غربلة أفكار ومفاهيم، فالتصفية المعرفية هي: عملية لإعادة تشكيل الوعي البشري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) عوالي اللئالئ لابن أبي جمهور الإحسائي: ج١، ص١٠١، ح٢٧.
(٥) تفسير القمي - لعلي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص٣٠٤.

(٢٤٠)

٢ - مستويات التصفية:
أ - تصفية الفكر: لتصفية الخرافات، والمبالغات، وربط كل حدث بالظهور.
ب - تصفية النص: لكشف الروايات الموضوعة، وتصحيح المفاهيم، ووضع أدوات الفهم في سياقها.
ج - تصفية الواقع: لكشف زيف الحركات المهدوية الكاذبة، وجماعات وأفراد المتاجرة بالمهدوية.
٣ - هدف التصفية:
يكمن الهدف في تهيئة عقل نقي، وبصيرة راسخة، وإنسان منتظر، ومجتمع قادر على استقبال الظهور، فالتصفية رحمة، لأنَّها تنقية الوعي لئلا يسقط الناس عند أوَّل امتحان بعد الظهور.
يظهر من هذا المحور أنَّ الامتحان المعرفي هو المحور المركزي في زمن الغيبة، وأنَّ الفتن ليست حالات سياسية أو اجتماعية فحسب، بل حالات معرفية عميقة تهدف إلى كشف من يمتلك عقلاً قادراً على النجاة،
فالإنسان قبل الظهور - يحتمل أنَّه - سيواجه انسداداً معرفياً عالمياً، يجعل العقل البشري عاجزاً عن الوصول لليقين بنفسه، فتأتي التصفية المعرفية لإعادة بناء وعي البشرية، وتهيئة العالم لقيادة معصومة تعيد ضبط الحقيقة.
المحور الرابع: البصيرة بوصفها أداة معرفية:
بعد أن تناولت المحاور السابقة طبيعة المعرفة المهدوية، وآليات التلوُّث، والامتحان المعرفي، يركز هذا المحور على ما بعد التصفية: ما الذي ينتج من هذه التصفية؟

(٢٤١)

إنَّ التصفية المعرفية ليست عملية تهدف إلى كشف الضعف وإسقاط الأدعياء فقط، بل هي عملية بناء وتنقية وصياغة جيل يتمتَّع بقدرة معرفية واعية عالية تؤهِّله للتمحيص، ولذلك فإنَّ نتائج هذه التصفية تنعكس على مستوى تقوية وتنشيط البصيرة كأداة معرفية.
والكلام في عدَّة نقاط:
١ - مفهوم البصيرة:
أداة معرفية تمتلك القدرة على النفوذ داخل هذه الفوضى المعلوماتية غير المنضبطة، ورؤية الحقيقة في وسط المعلومات المتشابكة، فهي ليست حالة روحانية وفقط، وهي لا تكتفي بمعالجة المعلومات معرفياً، وحسب، بل تقوم بالبحث عن التفاصيل بوعي وتخصص، هي أوسع منْ ما يمتلكه العقل من مؤهِّلات، فهي تقوم بدمج المعرفة، ورؤية المآلات، والتقاط الإشارات الخفية، والسعي لإيجاد الانسجام مع سُنن الله (عزَّ وجلَّ) في التاريخ.
وبعبارة محكمة:
البصيرة حالة معرفية راسخة تقوم على التمييز بين الحقِّ والباطل.
فهي أوَّلاً: انكشاف للحق نتيجة اجتماع العلم والتقوى، إذ يربط القرآن الكريم زيادة الهداية بالعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدى﴾ (محمد (صلَّى الله عليه وآله): ١٧)، مما يدل على أنَّ البصيرة ثمرة لمنهج موضوعي يقوم على طلب الحق والاستقامة.
وهي ثانياً: إدراك يجاوز ظاهر الأحداث إلى معناها، فالقرآن يقرِّر أنَّ العمى الحقيقي هو عمى القلب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦)، فيشير إلى نوع من الإدراك التحليلي العميق الذي يقرأ الأحداث.

(٢٤٢)

وهي ثالثاً: قدرة على ربط الجزئيات بسُنن الله تبارك وتعالى في التاريخ، لأنَّ القرآن الكريم يطلب النظر في السُنن بمنهج استقرائي، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ﴾ (آل عمران: ١٣٧)، مما يجعل البصيرة وعياً بقوانين الابتلاء والتمييز التي تحكم حركة الأُمم.
ثم هي رابعاً: تغذى بالتمييز الدقيق بين الهدى والضلال الذي يؤكِّد عليه القرآن في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ﴾ (الجاثية: ٢٠)، أي دلائل وبيِّنات تكشف الطريق لمن أراد أن يستقيم، فتغدو البصيرة بناءً معرفياً يقوم على الدليل القرآني، والنظر العقلي، والالتزام العملي.
وأخيراً: اتِّحاد المعرفة بالنظر والعمل، فالدعوة إلى بصيرة تعني امتلاك دليل وبرهان، قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف: ١٠٨)، أي على حُجَّة واضحة وفهم متماسك، لا على مجرَّد ظن أو انفعال.
٢ - البصيرة بوصفها نتاج التصفية المعرفية:
كل امتحان معرفي يترك خلفه شكلين من الناس: من تبع السرديات، ومن امتلك بصيرة نقيّة، وهذا التمييز هو جوهر الغربلة قبل الظهور، فالبصيرة تنتج مقاومة الإشاعة، وتجاوز الانحيازات والانفكاك من التوظيف السياسي والتحرُّر من الفوضى الرقمية وصيانة العقل من التلوُّث وممارسة النقد الواعي والبناء وضبط العاطفة الدينية ضمن موازين القرآن الكريم وروايات العترة الطاهرة (عليهم السلام)، والتثبُّت.
٣ - أنواع البصيرة:
تُمثِّل البصيرة ملكة معرفية مركبة تقوم على إحكام الدليل، واستقامة

(٢٤٣)

المنهج، وقدرة على قراءة النص والواقع والتاريخ والإنسان ضمن منطق السُنن الإلهية، لا ضمن الانطباعات أو الصور الذهنية المسبقة، وهي على أنواع:
أوَّلاً: البصيرة النصيّة:
وهي القدرة على فهم خطابات الوحي وفق مناهج الاستدلال التي اعتمدها المتكلِّمون والمفسِّرون، وتقوم على قواعد اللغة بوصفها الوعاء الحامل للمعنى، ومباني العقل والعقلاء، والجمع بين الروايات وردِّ المتشابه إلى المحكم وفق منهج الأئمة (عليهم السلام)، في إطار السياق التاريخي الذي نزلت فيه الآيات وصدرت فيه الأخبار، لتمييز موضوعاتها وحدودها، وهي - القدرة على فهم الخطاب - تخضع إلى السُنن الإلهية التي تشكِّل البنية العليا لفهم حركة النص في الواقع، لقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾.
ثانياً: البصيرة الواقعية:
وهي القدرة على تشخيص الواقع كما هو، لا كما يصاغ في الإعلام أو الخطابات المنفلتة والمنفعلة، بل وفق منهج يقوم على التثبُّت القرآني، قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦)، هذه البصيرة تميِّز بين ظاهر الحدث وباطن علله، وتمنع من الانخداع بالمشهد الذي يراد رسمه، على يد عقل الذكاء الاصطناعي دون موازين أو وعي مرجعي رصين.
ثالثاً: البصيرة الأخلاقية:
وهي إدراك الدوافع البشرية العميقة كما يشرحها القرآن الكريم في علل الانحراف، من الهوى والطمع والخوف والاستكبار وشهوة السلطة، هذه البصيرة تمنح المتحلِّي بها القدرة على تفسير السلوك السياسي والاجتماعي، وتكشف ما تخفيه الدوافع وإن تستَّرت بالشعارات.

(٢٤٤)

رابعاً: البصيرة المستقبلية:
وهي القدرة على قراءة الاتِّجاهات الكبرى في حركة التاريخ وتوقع المآلات بالاستناد إلى السُنن الإلهية، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾، فهي ليست توقُّعاً غيبياً وحسب، بل استقراء عقلي ونصي يستند إلى قواعد التغيير، وتوازن القوى، ومسار قيام الحُجَّة واندحار الباطل.
تشير الروايات إلى أنَّ عدداً كبيراً من الناس يسقطون عند الظهور مع أنَّهم من المنتظرين، ولعلَّ علَّة هذا السقوط تعود إلى افتقاد البصيرة بأنواعها المتقدِّمة، إذ يسقطون لأنَّهم بنوا صورة ذهنية خاطئة عن الإمام (عليه السلام) لا تمت بصلة لصورة الوحي والروايات الشريفة، أو انتظروا سيناريو معيَّناً فأنكروا ما خالف توقُّعاتهم، أو لم يحتملوا فجوة الواقع بين ما تصوَّروه وما تقتضيه السُنن في حركة التمحيص، أو صدموا - عندما يقرأون - بحجم التغيير الذي سيجريه الإمام (عليه السلام) في البنى الدينية والاجتماعية والسياسية، وغيرها.
والنتيجة أنَّ البصيرة - كما يؤكِّد القرآن في قوله تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ﴾ (الجاثية: ٢٠) - هي سلاح النجاة عند المفاجأة الكبرى، لأنَّها تجعل المؤمن مستعداً لقراءة أفعال الإمام (عليه السلام) وفق منهج الوعي والإحكام والتخصُّص والحق، لا وفق صورة الهوى أو ضغط الجماعة أو منشورات الصفحات والعقول الاصطناعية، حيث تعيش المعرفة البشرية اليوم حالة من التشتُّت والاضطراب، فالعلوم نسبية، والفلسفات متناقضة، والإعلام يعيد تشكيل الوعي وفق ما يملك من قوة لا وفق ما يملك من برهان، وهكذا تحوَّلت الحقيقة إلى مجال للانطباعات المتقابلة، لا ميزان لها إلَّا منطق القوى المسيطرة.

(٢٤٥)

غير أنَّ الروايات تكشف أنَّ هذا العصر ليس سوى مقدمة لمرحلة أخرى تتوحَّد فيها المعرفة، ويزول فيها التشويش، ويظهر اليقين الموضوعي بعد طول احتجاب، لأنَّ الظهور يمثِّل النهاية الطبيعية لعصر الضجيج المعرفي وبداية حضور الميزان الواعي المحكم الذي يضع الأشياء في مواقعها.
وعندما يظهر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تتأسَّس مرحلة جديدة من إعادة بناء العلوم، إذ يفتح القرآن على معانيه الحقيقية، ويكشف عن مستويات الفهم التي حجبت لطول العهد وكثرة الاختلاف، فيميِّز الصحيح من الدخيل، ويعيد ضبط مباني الفقه بعد أن كانت الاجتهادات محكومة بغياب المعصوم (عليه السلام)، وتنهار الكثير من البنى الفلسفية التي شيدت على الظن والتحليل البشري المحدود، ويعاد تعريف الأخلاق والسياسة والاجتماع ضمن منظومة معرفية موصولة بالوحي، لا تخضع لمزاج العصر ولا لتقلُّبات الإنسان.
ولهذا ورد في الروايات الشريفة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنَّه قال: «... والله لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد...»(٦)، لا بمعنى كتاب آخر، بل بمعنى المنهج الجديد والفهم الجديد والرؤية التي تعيد وصل العلم بمصدره الأوَّل.
وفي هذه اللحظة التاريخية تسقط الفرضيات العالمية التي شكَّلت وعي العصر الحديث، من الليبرالية والمادية والقومية والحداثية والرقمية، وجميع ما هو بديل، والتي حاولت تفسير الإنسان والكون بلا وحي، تتهاوى عندما توضع أمام معيار اليقين الإلهي.
فهذه المقولات مهما بلغت من القوة تبقى عاجزة عن تقديم معنى حقيقي لحياة الإنسان، وستفشل عند لحظة الاختبار التي يكشف فيها الإمام (عجَّل الله فرجه) زيف الأُسس التي قامت عليها، ورخاوة المقولات التي سوقتها، ومن هنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) غيبة النعماني: ص٢٠٠، باب١١، ح١.

(٢٤٦)

سيصبح الظهور ليس حدثاً سياسياً فقط، بل حدثاً معرفياً كونياً يعيد صياغة العقل الإنساني وحدود معرفته.
ولما كان الظهور مشروعاً إلهياً يحتاج إلى حاضنة مستعدة، فلا يمكن أن يتحقَّق في وسط ملوَّث بالجهل والفوضى المعلوماتية والانغلاق العقلي بسبب العقول الصناعية، فالمجتمع الذي يستقبل الظهور يجب أن يكون قد مرَّ بمرحلة (التصفية المعرفية) التي تغربل الوعي، وتختبر القناعات، وتظهر القلوب الصافية من بين طبقات التشويش، هذه التصفية تخلق مستوى خاصاً من الوعي، ووجوداً بشرياً صافياً، وتخلق يقظة فكرية، وبصيرة جماعية، وهي شروط لا تتكوَّن دفعة واحدة، بل تنضج عبر الفتن التي تمتحن العقول وتستخرج جوهر الإنسان الحقيقي.
والإنسان الذي اجتاز هذه التصفية يتحوَّل إلى كائن قادر على التمييز والنقد، ثابت الوعي، محرَّر من الفوضى الإعلامية، ممتلك لصفاء داخلي يمكنه من استقبال المعرفة الإلهية بلا تشويش، ومتمكِّن من فهم النصوص بعمق لا يختلط بالعاطفة المنفلتة ولا بالانبهار الحضاري.
ومن هذا الإنسان تتشكَّل الجماعة الحافظة للوعي، وهي ليست الكثرة العددية، بل الصفوة التي تمثِّل الجسد الحقيقي للأُمَّة، والقاعدة الشعبية للمشروع الإلهي، والجبهة التي تبقى ثابتة حين تتساقط الانتماءات الانفعالية، وهي الفئة القادرة على حمل الدولة الإلهية بعد قيامها لأنَّها تمتلك صفاءً ونقاءً وثباتاً يليق بزمن الحق.
هذه الفئة لا تنشأ اعتباطاً، بل عبر استعداد طويل لقبول التغيير الجذري، وفهم طبيعة الحكم الإلهي، وتحمُّل القرارات الصعبة، واليقين بالحكمة العليا، والثبات أمام المفاجآت المعرفية الكبرى التي يكشفها الظهور، لأنَّ القيادة المعصومة ليست تغييراً في السلطة، بل تغييراً في بنية الوعي نفسه،

(٢٤٧)

وعندما يتشكَّل هذا الأساس يصبح التحوُّل الحضاري ممكناً، إذ تنشأ بنى معرفية جديدة، ويعاد تشكيل الوعي العالمي في ضوء معيار جديد.
وعندها يبدأ العالم مرحلة لا يمكن أن تقوم إلَّا على العقول النقية، والمفاهيم المصححة، والوعي المعاد تشكيله.
فالتصفية المعرفية ليست مجرَّد مقدمة، بل هي الهيكل الذي سيقوم عليه التحوُّل الحضاري بعد الظهور، وهي النفق الذي بدونه يصعب للعالم أن يدخل في زمن الحقيقة الواضحة والمعرفة الموصولة بأصلها.
المحور الخامس: التصفية المعرفية وشواهد الواقع الرقمي المعاصر:
تستند نظرية التصفية المعرفية قبل الظهور(٧) إلى قراءة سُننية تقرِّر أنَّ الابتلاء الإلهي في عصر الغيبة لا يقتصر على السلوك، بل يمتد إلى البنية الإدراكية للإنسان، لأنَّه من دون وعي نقي لا يمكن للإنسان أن يميِّز الحق أو يثبت عليه، ولأجل تدعيم هذه الفكرة وإخراجها من التجريد إلى المصداق الواقعي، يمكن استحضار قاعدة أصولية تتمثَّل بـ(حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد).
فإذا ثبت الحكم في مثال من جنس معيَّن، جاز حمل ما يماثله عليه، لأنَّ وحدة العلة تستلزم وحدة الحكم.
وبناءً على هذا، فإذا كانت السُنن الإلهية تظهر أنَّ الفتن والابتلاءات ينكشف زيفها غالباً بعد تشويه الحقيقة من خلال قدرة الإنسان على التمييز وذلك لا يتم إلَّا بعد التصفية المعرفية، فإنَّ ما نشهده اليوم من انفجار في التزييف الرقمي وتلاعب بالوعي يدخل في الجنس نفسه الذي تحدَّثت عنه الروايات، وتساق عليه أحكامها وفق القاعدة المذكورة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) هي وإن كانت سنة إلهية عامة لجميع العصور والأزمان، إلَّا أنَّ الحديث مختص بما قبل زمان الظهور، لذلك صار مصباً للبحث، فاقتضى التنويه.

(٢٤٨)

ولذلك، فإنَّ الشواهد الحديثة ليست حالات منفصلة عن المنطق الغيبي، بل هي أمثلة تماثل ما ورد في النصوص عن الفتن، فيحمل حكم الثانية على حكم الأولى تبعاً لوحدة الجنس ووحدة العلَّة.
إنَّ ما يجري اليوم في العالم الرقمي يقدم عشرات الأمثلة الميدانية التي تكشف أنَّ العقل البشري لم يعد يواجه (الشبهة) بمعناها القديم، بل يواجه تزييفاً حقيقياً للواقع نفسه، وهذا يكشف أنَّ الامتحان هو امتحان إدراك وتمييز قبل أن يكون امتحان نية وسلوك.
وإليك عدَّة شواهد:
١ - حملات كاملة تفبرك أخباراً كاذبة عن أشخاص أو جماعات، تنتشر انتشار النار في الهشيم، ثم لا يكفي التكذيب لإزالتها، والأثر المتبقي يكشف هشاشة الوعي أمام الكذب الممنهج.
٢ - فيديوهات يصور فيها شخص يُقوَّل ما لم يقل، وينسب إليه ما لم يفعل، ورغم كشف التزييف لاحقاً، تبقى الصدمة الأولى أعمق من التصحيح، وهذا يمثِّل امتحاناً معرفياً صريحاً، يتمثل في أنَّه: هل يستطيع العقل مقاومة الانطباع الأوَّل؟
٣ - ينشر تسجيل صوتي مزيّف لزعيم أو مسؤول، فيتغيَّر اتِّجاه الرأي العام فوراً، قبل أن يصدر أي نفي أو تدقيق، وهذا الانخداع السريع (بما يشبه الحقيقة) هو جوهر ما تحتاجه من التصفية المعرفية.
٤ - في الساعات الأولى من أي نزاع، تنتشر آلاف المواد الكاذبة، ويصنع الإعلام واقعاً معرفياً بديلاً لا يمت للحقيقة بصلة، ثم تأتي التحقيقات بعد فوات الأوان.

(٢٤٩)

٥ - يعاد نشر فيديو قديم على أنَّه حادثة جديدة، فيحرِّك الجماهير ويصنع رأياً عاماً مبنياً على تاريخ مزيَّف، ثمَّ حتَّى بعد كشف الحقيقة، يبقى الأثر النفسي، فضلاً عن غيره.
٦ - منصَّات التواصل تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر صدقاً، فتتحدَّد حقيقة الناس بالذي تفضِّله الخوارزمية لا الواقع، وهذا يدل على أنَّ (مصادر الحقيقة) أصبحت خارج سيطرة الإنسان.
٧ - يؤخذ مقطع صحيح، ثم يقتطع من سياقه، ويعاد تأويله، فيتحوَّل الحق إلى باطل والباطل إلى حق، وهذا أخطر من الكذب المباشر.
٨ - مئات الدراسات العلمية المنشورة بأرقام وإحصاءات مخدوشة، لكنَّها مقنعة شكلياً، فتغش القارئ باسم العلم، وهذا تزييف للسلطة المعرفية نفسها.
٩ - حسابات وهمية تُنشِئ رأياً عاماً وتدخل في النقاشات وتعبِّر عن مواقف وكأنَّها بشر حقيقيون، وهذا مثال صارخ على خلق (وعي جماعي قائم على أوهام).
١٠ - يغير منشئ المحتوى تاريخ أحد المنشورات أو يحذف ما يناقضه فيبدو وكأنَّه تنبأ بالحادثة، وهذا دليل على قدرة العصر الرقمي على إعادة كتابة الماضي نفسه.
ووجه الشاهد في محل بحثنا، أنَّ هذه الشواهد:
أ - تثبت أنَّ العقل أصبح هدفاً للامتحان لا مجرَّد كاشف له وشاهد عليه، فالمعرفة اليوم ليست مرآة صادقة للواقع، بل ساحة صراع تحكمها الخوارزميات والسرعة والعاطفة.
ب - أنَّها تكشف أنَّ الحقيقة لم تعد تأتي إلى الإنسان بسهولة، بل تتطلَّب جهداً مضاعفاً، وهذا الجهد نفسه جزء من التصفية.

(٢٥٠)

ج - أنَّها تُظهر أنَّ الزيف أقرب إلى القبول من الحق، وهو ما يتطابق مع وصف الروايات لمرحلة ما قبل الظهور: «يا سلمان إن عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً»(٨).
خ - أنَّها تدل على أنَّ الانطباع الأوَّل أصبح أقوى من الدليل اللاحق، وهذا يوضح أنَّ البشر يختبرون في صمود بصيرتهم لا في قدرتهم على تلقي التصحيح.
ح - أنَّها تجعل من البصيرة أمراً لا غنى عنه، إذ دون بصيرة حادة، لا يمكن للإنسان النجاة من هذا الطوفان المعرفي.
المحور السادس: خلاصة النظرية، الإشكال عليها، رد الإشكال:
تقوم نظرية (التصفية المعرفية قبل الظهور) على فرضية مؤدَّاها أنَّ الامتحان الإلهي في عصر الغيبة ليس أخلاقيًّا فحسب، بل معرفيًّا في جوهره.
فالمسألة ليست فقط: هل يلتزم الإنسان بالحلال والحرام؟
بل كيف يعرف أصلاً الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والهدى من الضلال؟
حيث تنطلق النظرية من ملاحظة أنَّ عصر الغيبة يتَّسم بتكاثر هائل للمعلومات، وتزاحم في الخطابات، وتضارب في القراءات، وانهيار تدريجي لأنماط الثقة التقليدية، تسببت فيه وسائل تحصيل المعلومات الحديثة كالذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تقرأ الفتن والشبهات بوصفها آليات (غربلة) لقدرة العقل البشري على التمييز، لا مجرَّد ابتلاءات لسلوك الفرد، وتعتبر أنَّ كثيراً من الظواهر المهدوية المنحرفة - من المدَّعين إلى أتباع الخرافة إلى المهدويات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) تفسير القمي - لعلي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص٣٠٤.

(٢٥١)

السياسية - تجليات عملية لهذا التلوُّث المعرفي، وترى أنَّ الامتحان الحقيقي للإنسان في آخر الزمان هو امتحان لوعيه وأدوات معرفته، قبل أن يكون امتحاناً لسلوكه الظاهري، فتقبل الإشاعة، والانبهار بالغرائبيات، والانقياد وراء الخطابات الشعبوية، كلها مظاهر لفشل معرفي يكشف عن عدم الجدارة بنصرة الحق عند ظهوره.
كما تفترض أنَّ التاريخ يسير تدريجياً نحو حالة أشبه بالانسداد المعرفي، حيث تتكاثر الفوضويات إلى حدٍّ يفقد العقل العادي القدرة على تمييز أيُّها أقرب إلى الحقيقة.
في هذه النقطة الحرجة، تصبح البشرية مهيّأة موضوعيًّا للاحتياج إلى وجود المعصوم (عليه السلام)، حيث يعيد توحيد مصادر الحقيقة.
هذا الفهم يجعل الظهور حدثاً معرفيًّا اجتماعياً، إذ يعيد بناء العلوم، ويصحح مناهج الفهم، ويكشف الزيف الراسخ في بنى الإدراك.
وتؤكِّد النظرية أنَّ نتاج هذه التصفية هو تشكل (جماعة واعية ممَهِّدة) نجت من التلوُّث المعرفي، واستطاعت المحافظة على بصيرتها في خضم الفتن المتراكمة، هذه الجماعة هي التي تكون قادرة على فهم مشروع الظهور الإلهي، وعلى تحمل مستوى العدل والحق الذي يحمله الإمام (عجَّل الله فرجه).
في المقابل، تقصي عملية التصفية تلك العقول التي رضيت بالسطحية، أو أغرقت في الزيف، أو استسلمت لتفسيرات مريحة وإنْ كانت بعيدة عن الحق.
غير أنَّ هذه النظرية، أُثير حولها عدَّة اعتراضات، منها:
١ - إنَّ مصطلح (التصفية المعرفية) بمعناه المصطلح غير وارد نصًّا في القرآن ولا في الروايات، مما يجعلها - ظاهرياً - بلا مستند مباشر، صحيح

(٢٥٢)

أنَّ النصوص تتحدَّث عن تمحيص وغربلة وفتن، لكنَّها لا تقدِّم - بشكل صريح - نموذجاً ابستمولوجيًّا(٩) يُحوِّل هذه الفتن إلى (قانون معرفي مُمنهج)، من هنا قد يُتَّهم أصحاب النظرية بأنَّهم ينتقلون من أخبار الغيب إلى تأويل زائد يسقط مفاهيم حديثة على نصوص قديمة.
والجواب عنه:
بالتأكيد على أنَّ غياب المصطلح لا يعني غياب المضمون، فالكثير من المفاهيم الكلامية والأصولية وغيرهما، لم ترد بأسمائها في النصوص، لكنها تم استخراجها واستنتاجها من مجموع النصوص والأدلة، كالنصوص التي تتحدَّث عن تمحيص القلوب، وتكاثر الفتن، وضياع الحق بين الرايات، وتشتُّت الناس، وعليه فإنَّ الانتقال من (التمحيص الإيماني) إلى (التصفية المعرفية) ليس قفزة مجانبة للواقع والصواب، بل توسعة تفسيرية منسجمة مع طبيعة الابتلاء.
هذا وأصحاب النظرية لا ينفون الأسباب الطبيعية، بل يوظفونها ضمن سياق سُنني أوسع، فالصراع الإعلامي، مثلاً، يعمل بأدوات بشرية، لكنَّه يمكن أن يكون - في الوقت نفسه - ساحة امتحان لسلامة البصيرة.
وكذلك الفوضى الرقمية ليست قدراً غيبيًّا مباشراً، لكنَّها - في نتيجتها - تعري هشاشة الأدوات المعرفية غير المنتجة عند البعض، وهذا ما تلتقطه النظرية بوصفه جزءاً من التصفية.
٢ - إنَّ تصنيف العصر الراهن باعتباره يشبه عصر (انسداد معرفي) فكرة تحتاج إلى استقراء دقيق، وليست بديهية كما تطرح، فالعالم يشهد في الوقت نفسه أعلى درجات التنظيم العلمي، والتراكم البحثي، وتطوُّر أدوات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) أي نظرية المعرفة.

(٢٥٣)

التحقُّق، ومن الخطأ إلغاء هذا كلّه لصالح صورة سوداء واحدة، قد يكون الوصف الأدق أنَّنا نعيش (تضخماً معرفيًّا) لا (انسداداً معرفيًّا)، والفرق بينهما جوهري من حيث التقييم ومن حيث النتائج.
وكذلك أنَّ اختزال الانحرافات المهدوية المعاصرة في جذور معرفية فقط يهمل أبعاداً أخرى، فليس كل انحراف قراءة خاطئة للنص، بل بعضه تعبير عن رغبات سلطوية، أو أزمات نفسية، أو صراعات طبقية وتاريخية معقَّدة.
والجواب عنه:
إنَّ الانحرافات ذات جذور معرفية مهما اختلفت مظاهرها، فالخيار السياسي الخاطئ يرتبط بتصوّر خاطئ عن الحق، ورؤية ناقصة للحُجَّة، وقراءة مغلوطة للنص.
وهكذا، فإنَّ ردّ جذور الانحراف إلى الخلل المعرفي لا ينفي باقي العوامل، بل يضعها في سياق السبب الأعمق الذي يغذيها.
حيث يعالج إشكال (اللاقابلية للاختبار) عبر اقتراح معايير عملية لقياس مظاهر التصفية المعرفية، ومن هذه المعايير: رصد تحوُّل المعرفة من الخبر المتثبِّت والموثوق به إلى الإشاعة، ومن البرهان إلى الخطابة وحسب، ومن القراءة العميقة إلى الاستهلاك السريع للمحتوى، وكذلك تتبع ظاهرة انهيار الثقة بالمرجعيات العلمية والدينية الواعية والحريصة على الجمهور مقابل صعود الأصوات الشعبوية والمؤثِّرة غير المتخصِّصة.
وإحصاء حالات التوظيف الانتهازي للرمزية المهدوية في مشاريع سياسية أو تجارية أو إعلامية، باعتبارها مؤشِّراً صارخاً على تلوُّث الوعي.

(٢٥٤)

ومع أنَّ هذه المؤشِّرات لا تمنح يقيناً رياضياً، فإنَّها تشكِّل قاعدة بحث يمكن أن تجعل النظرية قابلة للاختبار ضمن العلوم الإنسانية، من زاوية أخرى، هذه النظرية لا تكتفي بتوصيف الأزمة، بل تدعو إلى بناء (وعي مجابه) للتلوُّث المعرفي، هذا الوعي يتأسَّس على التثبُّت، والتحقُّق، والنقد، ومراجعة المصادر، والتمييز بين العلم والجهل والتجهيل، وبين البرهان والانفعال.
وكيف كان فهي خطوة في طريق أطول عنوانه: (كيف نبني وعياً مهدويًّا نقيًّا، قادراً على النجاة في الغيبة، في ظلِّ هذه المتغيِّرات السريعة).

(٢٥٥)