بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

معالم القضية المهدوية في القرآن

 

معالِمُ القضيَّةِ المهدويَّةِ في القرآنِ
 

السيد محمد حسين العميدي
 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

المقدّمةُ:.....................١١
الأمرُ الأوَّلُ: موضوعُ البحثِ:.....................١١
الأمرُ الثَّاني: تعيينُ المجالِ الخاصِّ بالبحثِ في القضيَّةِ المهدويَّةِ:.....................١٣
الأمرُ الثَّالثُ: موقعُ القضيَّةِ المهدويَّةِ في أُصولِ القرآنِ:.....................١٤
الأمر الرابع: في ترتيبِ الأُصولِ ووظيفةِ التهيئةِ:.....................١٥
الأمر الخامس: في خصوصية الغَيبة:.....................١٦
خلاصة:.....................١٧
الفصلُ الأوَّل: القضيَّةُ المهدويَّةُ في القرآنِ:.....................١٧
تمهيد:.....................١٧
أحوال القضية المهدوية:.....................١٩
الفصل الثاني: آيات الوعد الإلهي:.....................٢٥
الآية الأولى:.....................٢٥
الآية الثانية:.....................٢٥
الآية الثالثة:.....................٢٧
الآية الرابعة:.....................٢٨
الآية الخامسة:.....................٢٨
الآية السادسة:.....................٢٨
الآية السابعة:.....................٢٨
خلاصة قرآنية حول الوعد الإلهي:.....................٢٩
الفصل الثالث: الآيات التي تتعلَّق بأحواله (عليه السلام) ووجه الحكمة فيها:.....................٣٠
تَمهيداتٌ قُرآنيَّةٌ لِأحوالِ الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه):.....................٣٤
١. خفاء الولادة وما يكتنفها من ظروف:.....................٣٤
٢. نيل الإمامة وهو صغير السن:.....................٣٥
٣. الخوف والتحفّظ والغيبة الوقائية:.....................٣٥
٤. طول العمر كابتلاءٍ واختبار، لا خرقٍ للسنن:.....................٣٥
٥. الحضور مع الجهالة، وتأجيل التعرف لحكمة ربانية:.....................٣٦
٦. رجوعه من غيبته بعد أنْ ظنَّ الناسُ أنَّه قد هلك:.....................٣٦
٧. ظهور أمره بعد غيبة واستضعاف:.....................٣٧
٨. قيام أمره بالقتل والانتقام:.....................٣٧
٩. سعة الملك وبسط اليد على الأرض:.....................٣٧
الختام:.....................٣٨

↑صفحة ٠↑

يتكوَّن هذا البحثُ من مقدّمةٍ وثلاثةِ فُصولٍ:
المقدّمةُ:
نستعرضُ فيها جملةً من مُحدّداتِ البحثِ، وهي على النحو الآتي:
الأمرُ الأوَّلُ: موضوعُ البحثِ:
يتناولُ هذا البحثُ القضيَّةَ المهدويَّةَ التي ينبغي التمييزُ بينها وبين قضيَّةِ الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه)، فالقضيَّةُ المهدويَّةُ تدورُ حول ظهورِ شخصيَّةٍ من وُلدِ فاطمةَ (عليها السلام)، يُواطِئُ اسمُها اسمَ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، ولقبُها (المهديُّ)، في آخرِ الزمانِ، لتملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً.
أمَّا قضيَّةُ الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه) فهي ترتبطُ بشخصهِ تحديداً، وتشخّصُهُ كابنٍ للإمامِ الحسنِ العسكريِّ (عليهما السلام)، وتدخلُ فيها مسألةُ الغيبةِ والولادةِ، وفيها رأيان معروفان:
الرأيُ الأوَّلُ: وهو رأيُ أئمّةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) وأتباعِهم، أنَّ المهديَّ (عليه السلام) وُلدَ بالفعل، وله غيبةٌ قبلَ ظهورهِ، وهو الوصيُّ الثاني عشر للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله).

↑صفحة ١١↑

الرأيُ الثاني: وهو المنتشرُ بين جمهورِ المسلمين، ويرى أنَّه سيظهرُ في آخرِ الزمانِ دون الخوضِ في مسألةِ ولادتِهِ وغيبتهِ، ممّا يُفهمُ منهُ أنّه يُولَدُ في زمنِ ظهورهِ، إذ لا يُحتملُ عندهم امتدادُ عمرهِ من زمنِ ولادتِهِ إلى وقتِ ظهورهِ.
وعليهِ، فرؤيةُ الإمامية (أعزَّهم اللهُ تعالى) أخصُّ نطاقاً من حيثُ التفصيل، لكنَّها أعمقُ من الرؤيةِ العامّةِ، ولا تعارضَ بينهما؛ لأنَّ المقيَّد لا يُنافي المطلق.
نعم، وردَ في بعضِ رواياتِ الجمهورِ ما يُفهَمُ منه أنَّ اسمَ والدِ المهديِّ يُواطِئُ اسمَ والدِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، وهذه الزيادةُ غيرُ ثابتةٍ، وقد ناقشها كثيرٌ من باحثي مدرسةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، ولا غرض لنا في التعرَّض لها هنا.
وإذاً، تتفرّعُ عن هذه القضيَّة ثلاثُ مسائلَ رئيسة:
١. الأولى مسألة الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه): وهي الخاصَّةُ بتشخيصِ شخصيَّته، بوصفِه الحُجّةَ ابنَ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (عليهما السلام)، وهذه المسألة تستند إلى مسألة أعمّ منها فتتفرَّع عنها، هي مسألة الإمامة العامَّة، ويعتمد فيها على ما روي عن المعصومين (عليهم السلام) من أنَّ إمامتهم تمتد إلى اثني عشر إماماً، تكمل عدَّتهم بهم.
٢. المسألة الثانية: هي مسألة الغيبةِ والولادةِ، والمظاهر الخاصَّة بشخصه الشريف، ويستند فيها إلى المسألة الأولى أوَّلاً، وإلى ما روي في ولادة الإمام، وبعض أخباره التي رويت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وعن الأئمة (عليهم السلام)، لا سيما ما روي عن والده (عليهما السلام)، ثم ما روي عن وكلائه الثقات المأمونين.
٣. المسألة الثالثة: المهدويّةُ حسبَ الرؤيةِ العامّةِ: تتناولُ جوانبَ الظهورِ وإقامةِ العدلِ دون التعرُّضِ إلى الخصوصيّاتِ المرتبطةِ بهويّةِ المهديِّ كثيراً.
وسيُركِّز البحثُ على القضيّةِ المهدويّةِ العامّةِ في القرآنِ الكريمِ، والتي يمكنُ أنْ تكون مدخلاً شرعياً للوصول إلى المعالمِ الخاصَّةِ بشخصيّةِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه)، مع

↑صفحة ١٢↑

الإشارةِ إلى أنَّ جوهرَ الفرقِ بين الرؤيتَين - العامة والخاصة - يتمثَّلُ في مسألةِ الغيبةِ بعدَ الولادةِ، وهي ممّا تُثبِته الرواياتُ وإنْ لم يُصرِّحْ بها ظاهرُ القرآنِ.
فإذا تَمَّ بيانُ شأن المهدويّةِ في النصِّ القرآنيِّ، أمكنَ أن يُمهِّدَ ذلك للكشفِ عن شخصيَّةِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه) فيه، ولكنْ على نحوٍ غيرِ مباشرٍ، من خلال العناوينِ العامّةِ التي تبيِّن صفاته، ويُتركُ تحديدُ هويّتِهِ الكاملةِ للنصوصِ الروائيّةِ، التي وردَ فيها اسمُهُ ولقبُهُ ونسبُهُ، بل وذُكرَت بعضُ ملامحِه البدنيّةِ أيضاً.
الأمرُ الثَّاني: تعيينُ المجالِ الخاصِّ بالبحثِ في القضيَّةِ المهدويَّةِ:
لا شكَّ في أنَّ القضيَّةَ المهدويَّةَ تُعَدُّ من مسائلِ علمِ الكلامِ، فهي إمَّا فرعٌ من مسألةِ الإمامةِ، من حيثُ إنَّها تتعلَّقُ بالإمامِ الثاني عشرَ (عليه السلام)، أو هي قضيَّةٌ مستقلَّةٌ تُعَدُّ من مباحثِ المعادِ بالمعنى الأوسع، باعتبارِ أنَّ للساعةِ أشراطاً، كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (محمد: ١٨)، وهي - أي القضية المهدوية - من أشراطها.
كما يمكنُ إدراجُها ضمنَ عنوانِ الإيمانِ بما ثبتَ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، فتكون من تطبيقاتِ مسألةِ النبوّةِ في فرعِ وجوبِ طاعةِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله).
وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ مستندَ هذه المسألةِ هو نفسُ مستنداتِ سائرِ مسائلِ علمِ الكلامِ، وهي: العقلُ، والقرآن، والسنّةُ، والإجماع.
وبعد تواترِ الأحاديثِ المرتبطةِ بالقضيّةِ المهدويّةِ العامّةِ، تحققَ إجماعُ الأُمّةِ الإسلاميّةِ عليها، فلا موجبَ بعد ذلكَ لإطالةِ الكلامِ في إثباتِ أصلِ هذه المسألةِ من تلك الجهةِ، بل إنَّ موضعَ الكلامِ هو في الخصوصيّةِ الزائدةِ على القضيّةِ العامّةِ، وتلك الزيادةُ ليست سوى غيبةِ الإمامِ بعدَ ولادتِهِ، وسبب تلك الغيبة، وجعله إماماً على صغر سنه، وما شابه ذلك.

↑صفحة ١٣↑

وبناءً عليه، فإنَّ موقعَ النصوصِ القرآنيّةِ بالنسبةِ إلى القضيّةِ العامّةِ هو موقعُ التأييدِ وعدمِ التنافي، ولا يلزمُ - من جهةِ الحجّيّةِ - أن يتضمَّنَ القرآنُ ما يفوقُ ذلكَ لإثباتِ أصلِ القضيّةِ، إذ تكفي فيها ثبوتُ السُنَّةِ المتواترةِ، ووجوبُ طاعةِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، كما في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: ٥٩)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
والشاهدُ على ذلك هو إجماعُ الأُمَّةِ على القضيّةِ المهدويّةِ العامّةِ، وعدمُ توقّفِهم في الإيمانِ بها على وجودِ نصٍّ قرآنيٍّ صريحٍ في تشخيص شخصه (عجَّل الله فرجه).
الأمرُ الثَّالثُ: موقعُ القضيَّةِ المهدويَّةِ في أُصولِ القرآنِ:
قد يُقالُ: إنَّ هذه القضيَّةَ إذا لم يكنْ مستندُها هو القرآن، وكانَ هوَ السُّنَّة، فما الوجهُ في التَّعرُّضِ لهذه القضيَّةِ من حيثُ البحث القرآنيّ؟
والجوابُ: إنَّنا لم نقل: إنَّ أصلها ليس قرآنياً، بل قلنا: إنَّ تشخيص شخصية المهدي (عجَّل الله فرجه) إنَّما يكون عن طريق السُنَّة، أمَّا أصلها فهو موجود في القرآن بالوعد الإلهي الخاص بالمؤمنين، والدليل العقلي على أنَّ ذلك لا يتم إلَّا على يد المعصوم، كما سيأتي بيان ذلك.
أمَّا أغراض القرآنِ فهي لا تقفُ عندَ إثباتِ ما يجبُ الإيمانُ بهِ فقط، بل إنَّ الكشفَ عن فلسفةِ الأصولِ التي يجبُ الإيمانُ بها يُعدُّ من أهمِّ أغراضه، ولو كانَ غرضُه هو إثبات الأُصولِ والأمر بالإيمانِ بها فقط، لم يعرض مسألةَ التوحيدِ بهذا الشكلِ الواسعِ والمتنوِّعِ، ولاكتفى بالأمر به فقط، ومن أغراضِ القرآنِ أيضاً تهيئة النفوسِ لتقبُّلِ الإيمانِ بما أوجبَهُ الإيمانُ به.

↑صفحة ١٤↑

الأمر الرابع: في ترتيبِ الأُصولِ ووظيفةِ التهيئةِ:
لقد جاءَ القرآنُ الكريمُ بأُصولٍ إيمانيّةٍ ذات ترتيبٍ معيَّنٍ، يتوقَّفُ المتأخّرُ منها على المتقدِّم، ومن أهمِّ تلك الأُصولِ: التوحيدُ، والنبوّةُ، والإمامةُ، والمعادُ.
وبحسب ما تقدَّمَ من موضعِ القضيّةِ المهدويّةِ من هذه الأُصولِ الإماميّةِ، فإنَّها تقعُ في الترتيبِ ضمنَ مسألةِ الإمامةِ، وأمّا موقعُها التاريخيُّ، فهي تقعُ في أواخرِ الحياةِ الدنيا.
وكان من الطبيعيِّ أن يتعاطى القرآنُ مع هذه القضيّةِ وفقَ موقعِها من أُصولِه، وموقعِها من الأحداثِ.
ولا تردّد في أنَّ القرآنَ في زمنِ نزولِه كان يُولي ما كانَ يعيشه المجتمعُ من تخلفٍ دينيٍّ رعايةً أكثرَ مما يُولي ما يأتي بعد ذلك في الترتيبِ الأُصوليِّ أو الزمانيِّ، فهذا هو المناسبُ للحكمة، ولكنَّه مع ذلك لم يغفل عن إعطاءِ مساحةٍ لا بأسَ بها في تهيئةِ النفوسِ لما هو قادمٌ.
وقد حصل هذا على مستويين:
الأوَّلُ: تعزيزُ الرابطِ بينَ الأمّةِ والرسولِ (صلّى الله عليه وآله)، عن طريقِ التَّركيزِ على موقعِ الرسولِ (صلّى الله عليه وآله) منها، لجعلِها طيّعةً فيما يأمرُها به وينهاها عنه، وليكونَ ذلك هو السبيل لإتمامِ المسارِ الإلهيِّ الذي يتعلّقُ بإرادةِ اللهِ تعالى من هذه الأُمَّة، بل من الناسِ جميعاً.
الثاني: تحفيزُ الأُمَّةِ للتطلّعِ إلى ما ستؤولُ إليه الأحداثُ المستقبليةُ، والتنبيه على وجودِ محطّةٍ خاصّةٍ في الحياةِ الدنيا يتعزّزُ بها موقعُ المؤمنين والصالحين قبل يومِ القيامةِ.
وكان الغرضُ من ذلك إعلام الناسِ بأنَّ اللهَ تعالى لن يُرجئ نصرَ المؤمنين إلى يومِ القيامةِ، ونفي توهُّم أنَّ شأن المؤمنين سيقتصرُ على مثوبتهم في الآخرة فقط.

↑صفحة ١٥↑

وكان لهذا الخطابِ تأثيرٌ في أكثر من جهةٍ من الواقعِ الحياتيّ للمسلمين وخصومهم، فإنّ مثلَ هذا الوعدِ عندما يأتي مع تلك الظروفِ التي كان يعيشها المؤمنون، أو سيعيشونها بعد حينٍ، أي: بعد رحيلِ الرسولِ (صلّى الله عليه وآله) عنهم، له تأثيرٌ نفسيٌّ عظيمٌ.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ ربطَ الأحداثِ التي كان عليها المسلمون، أو سيكونون عليها بعد حينٍ، بالأحداثِ التي جرت على من سبقهم من الأُممِ المؤمنةِ المستضعفة، سيُعزّزُ ثقةَ هذه الأُمَّةِ بما هي عليه من الإيمان، وعظم ما هم عليه، من أنَّه هو شأنُ البشرية منذ يوم أن خلقها الله تعالى، ويجعلها تتطلّعُ إلى تحقّقِ هذا الوعد، بل والتطلُّعِ إلى اليدِ التي سيتحقّقُ هذا الوعدُ عليها، أعني: مسألة الإمامة العامّة، أو بتعبيرٍ أدقّ، مسألة وجودِ المهدي.
وهذا هو الذي مهّدَ للأُمَّة أن تتقبّلَ الأحاديثَ التي أخبرَ الرسولُ الناسَ بها عن ظهورِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه)، وبهذه الصياغةِ الفنيّة - غيرِ المباشرة - أرشدَ القرآنُ الناسَ إلى القضيّةِ المهدويّةِ.
الأمر الخامس: في خصوصية الغَيبة:
وهنا قد يُطرح تساؤلٌ عن علّةِ عدمِ ذكرِ تفاصيل القضية المهدوية بوضوحٍ تامّ، مما قد يسهّل الالتفافَ الشعبيَّ حولها.
والجوابُ: أنَّ الخصوصيةَ الفارقة بين القضية المهدوية العامّة والخاصّة هي قضية الغَيبة، وهي وإن لم تكن داخلةً في أصلِ القضية، فإنَّها نشأت نتيجةً لما آل إليه حالُ الناس تجاه الإمامة، وقد أثبتت الأحداثُ المتعاقبة أنَّ هذا الموقفَ كان من أبرز العواملِ التي أدَّت إلى وقوع الغَيبة واستمرارها، فلو أطاع الناسُ أوامرَ اللهِ في طاعة الرسولِ، وأوامرَ الرسولِ في طاعة الوصيّ، لما كانت الحاجةُ إلى الغَيبة قائمة، ولا اقتضت الحكمةُ امتدادَها.
وعند صرف النظر عن تفاصيل الغَيبة، يمكن القول: إنَّ القرآنَ الكريمَ مهَّد للقضية المهدوية بما ينسجم مع زمن نزوله، وواقع المجتمع الذي خوطب

↑صفحة ١٦↑

به، دون التصريح بتلك الخصوصيات، بل عبر ترسيخ أصولٍ إيمانيةٍ ونفسيّةٍ تسمح بتقبّلها لاحقاً عندما تُعرض في السُنَّة الموثوقة.
بل إنَّ القرآنَ - رغم عدم ذكر الغَيبة صراحةً - قد وضع لها أرضيةً تمهيديةً، بما يتوافق مع علمِ اللهِ تعالى بما سيكون من حال الناس، لا بما يُحتمل فقط، فكان تنزيلُ الهدايةِ بمقدار ما تقتضيه الحكمةُ في البيانِ وترتيبِ المراحل.
خلاصة:
إنَّ التعاليم الإلهية في القرآنِ تتدرّجُ مع درجةِ نضوج الأُمَّة، وتُراعي قابليّتها لتحمّل المسؤوليات العقديّة، وكانت وظيفةُ القرآنِ حفظَ الصلة بين اللهِ وعباده عبر تعزيز موقع الرسولِ بينهم، وتنصيب من يمدّ تلك الصلة بعده.
فإذا اكتمل وعي المؤمنين، أُنيطَ بهم إقامةُ أمر اللهِ على يد إمامهم (عليه السلام)، فيتحقّقُ للدينِ ما شاء الله أن يتحقّق، ويبلغُ مرضاة الله تعالى.
وقد حفظَ القرآنُ هذا الامتداد، ورسَّخه في وجدان الأُمَّة، ليُؤدّى كلُّ طورٍ في ظرفه المناسب، ومهّدَ لختامِ الأمر بصيغةِ وعدٍ موثوقٍ، ليظلّ حيّاً في نفوس المؤمنين، يُقابَل بطولِ الأمل لا بالكلل، وبالتطلّع لا بالملل.
وبعد ما تقدم فهنا فصول:
الفصلُ الأوَّل: القضيَّةُ المهدويَّةُ في القرآنِ:
تمهيد:
إنَّ البحثَ في القضيَّةِ المهدويَّةِ ضمنَ القرآنِ الكريمِ ينقسمُ إلى موردينِ:
الموردُ الأوَّل: ما يرتبطُ بظهورِ الإمامِ المهديِّ المباركِ، وخروجهِ في آخرِ الزمانِ، لنشرِ دينِ اللهِ تعالى وإظهارهِ في الأرضِ.
الموردُ الثاني: ما يتعلَّقُ بشخصِ الإمامِ وشخصيَّتهِ (عليه السلام).

↑صفحة ١٧↑

وبناءً عليه تُصنّفُ الآياتُ الواردةُ في القرآنِ الكريمِ والمتعلّقةُ بهذهِ القضيّةِ إلى صنفينِ:
الصنفُ الأوَّل:
الآياتُ التي يمكنُ استظهارُ إشاراتٍ إلى القضيّةِ المهدويّةِ من خلالها، دونَ أن يتوقّفَ هذا الاستظهارُ على الرجوعِ إلى الرواياتِ الشريفةِ الواردةِ في تفسيرِها، أو تأويلِها.
الصنفُ الثاني:
الآياتُ التي يتوقّفُ استظهارُ دلالتِها على الرجوعِ إلى الرواياتِ، سواءٌ كانت مرويّةً عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) أو عن أوصيائهِ (عليهم السلام).
ومن الناحيةِ الفنيّةِ، فإنَّ بحثَ الصنفِ الأوَّلِ يُعدّ من مجالِ التفسيرِ القرآنيِّ المحضِ، أي الذي تقتصرُ مادّتُهُ وشواهدهُ على الآياتِ الكريمةِ، دونَ الاعتمادِ على نصٍّ روائيٍّ، وبذلكَ تكونُ دلالاتُ هذا الصنفِ حجّةً أوليّةً على جميعِ المسلمينَ، باعتبارِ أنَّ القرآنَ الكريمَ حجّةٌ مشتركةٌ بينهم.
أمّا الصنفُ الثاني من الآياتِ، فإنَّ حجّيَّتهُ تتوقّفُ على حجّيّةِ الرواياتِ المفسّرةِ له، ولذا فإنَّهُ يرجعُ منهجيّاً إلى مجالِ الحديثِ والسيرةِ، وإن أمكنَ إلحاقُهُ ببحوثِ التفسيرِ بعد ضمِّ الروايةِ إليه وإثباتِ صحّةِ سندِها، فإنَّ التفسيرَ الروائيَّ معتمدٌ في علمِ التفسيرِ بلا خلافٍ، بشرطِ ثبوتِ صحّةِ النقلِ.
وقد يُستندُ في تفسيرِ هذهِ الآياتِ إلى رواياتٍ مرويّةٍ عن المسلمينَ عامّةً وخاصّةً، فتكونُ حجّةً عليهم جميعاً، أو إلى ما رُويَ عن أئمّةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) خاصّةً، فتكونُ حجّةً على من يُقرُّ بحجّيّةِ أقوالِهم، إمَّا من جهةِ العصمةِ أو من جهةِ العلمِ والعدالةِ والوثاقةِ التي اعترفَ بها كثيرٌ من أعلامِ الأُمَّة.
نعم، إنَّ التردّدَ - عند غيرِ الشيعةِ - لا يقعُ غالباً في مضامينِ تلك الرواياتِ، بل في الوسائطِ التي نقلتها، مع أنَّ عدداً كبيراً من هؤلاءِ الرواةِ قد

↑صفحة ١٨↑

وردت أسماؤُهم في أسانيدِ الأحاديثِ التي صحّحها الجمهورُ أنفسُهم، وقد ذكر السيِّدُ عبد الحسينِ شرفُ الدينِ (رحمه الله) طائفةً منهم في المراجعات، فليرجع إليه من أرادَ التوسّعَ.
ونحنُ في هذا البحثِ نقتصرُ على مضمونِ الصنفِ الأوَّلِ من الآياتِ الكريمةِ، إذ إنَّ قضيّةَ الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه) بجميعِ متعلّقاتِها ثابتةٌ عند الإماميّةِ (أعزّهم الله تعالى) من طريقِ رواياتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، وعلى ضوءِ تلك الرواياتِ يمكنُ تفسيرُ عددٍ من الآياتِ بما يدلُّ عليها، إلَّا أنَّ المقصودَ هنا هو الاقتصارُ على التحليلِ القرآنيِّ المحضِ، بوصفِهِ تأكيداً لمضامينِ تلك الرواياتِ واستظهاراً لإشاراتِها، لا استقلالاً عنها في كلِّ تفصيلاتها.
إذا تبيَّن هذا التمهيد، ندخل في صلب الفصل الأول، فنقول:
إنَّ قضية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نالت اهتماماً خاصّاً، وذلك لأنَّها تتميّز عن قضايا الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) بأحوالٍ ثلاثة:
أحوال القضية المهدوية:
الحال الأوَّل: أنَّ ظهوره وتمكّنه من الأمر سيكون في عموم الأرض، وليس في بقعةٍ خاصّةٍ منها.
إذ لا خلاف في أنَّ الأنبياء جميعاً لم يحصل لهم أن بسطوا حكمهم وأمرهم على جميع الأرض، ولم يظهر الدين في زمن أيٍّ منهم على الدين كلّه، بل لطالما واجههم الناس بالتكذيب والخذلان، ولم يخلُ زمان من أزمنتهم من كافرٍ، أو منافقٍ، أو جاهلٍ بأمرهم، أو غافلٍ.
وإذا قيل: إنَّ ذلك البسط على جميع الأرض قد حصل في زمن نوحٍ (عليه السلام) بعد الطوفان؛ إذ لم يبقَ في الأرض إلَّا من آمن بنوح، وأمّا من كفر به فقد أُهلك.

↑صفحة ١٩↑

فالجواب عن ذلك: أنَّ دعوة نوحٍ (عليه السلام) لم تكن عامّةً في جميع الأرض، فإنَّ من المعلوم أنَّ التنقّل بين القارات المسكونة في الكرة الأرضيّة لم يكن ميسّراً في ذلك الزمان؛ وقد قال الله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (هود: ٢٥)، وهذا يشير إلى أنَّه (عليه السلام) قد أُرسل إلى قومه خاصّة، وليس إلى جميع الناس.
ومن ثَمَّ، فإنَّ الطوفان الذي حدث في ذلك الزمان كان يشمل البقعة الجغرافيّة التي كانت تسكنها الأُمَّة التي بُعث نوحٌ فيها، وشمل الأراضي المحيطة به إلى حين رسوّ السفينة بسلامٍ في بقعةٍ ما؛ فلم يطغَ الماء على الأرض جميعاً، فشأن الطوفان شأن العذاب الذي نزل على الأُمم التي حكى القرآن قصصها، فإنَّ العذاب الذي نزل فيها جميعاً كان مختصّاً بتلك الأُمم وفي بقعٍ جغرافيّةٍ معيّنة.
وقد حظيتْ قضية الطوفان باهتمام الحضارات القديمة بوصفها حدثاً مميّزاً، فذُكرت فيما حفظته الوثائق الموثَّقة على الرُقم والأحجار، كما نالت عناية الكتب السماويّة عندما تحدّثت عمّا جرى على الأُمم السابقة، ولم يظهر في أيٍّ من هذه المصادر الموثوقة ما يدلّ على أنَّ الطوفان شمل جميع الأرض، وهذا ما يرجّح أنَّه حصل في بقعةٍ جغرافيّةٍ محدودة، لا في الكرة الأرضيّة بأكملها.
نعم، إذا فُرض أنَّ البشريّة لم تكن قد توسّعت بعد في سكنى الأرض، وكانت تسكن في الديار التي بُعث فيها نوحٌ (عليه السلام)، يمكن أن يكون حدث الهلاك شاملاً للكافرين، ولم يبقَ على الأرض بعد الطوفان إلَّا من آمن بنوحٍ (عليه السلام).
وهذه الفرضيّة، وإن كانت ممكنة من حيث المبدأ، فإنَّها لا تخلو من نظرٍ، إذ إنَّها تخالف ما استقرّ عليه العلم من قِدَم وجود الإنسان على الأرض، مع إمكان التوفيق بين ما دلَّت عليه النصوص من كون آدم (عليه السلام) أوَّل كائنٍ بشري، وبين ما رجّحه العلم في هذا الباب، لكن ليس هنا موضع تفصيل ذلك.

↑صفحة ٢٠↑

ومن الإشكالات التي تتوجه إلى القول بالطوفان العامّ صعوبة جمع جميع أنواع الوحوش البريّة المعروفة في سفينةٍ واحدة، مهما بلغ حجمها؛ فإنَّ الأمر لا يخلو من كلفةٍ وتقديرٍ هائلين، وأن لا موجب لطغيان الطوفان على جميع بقاع الكرة الأرضية إذا كان المقصود بذلك أُمَّة من الناس خذلوا نبيهم وجحدوا دعوته.
وليس في النصّ ما يدلّ على أنَّ المعجزة قد حضرتْ في جمع الكائنات البرية جميعا، بل الظاهر أنَّ نوحاً (عليه السلام) حمل معه من الدوابّ ما كان يأنس به الإنسان، أو ما كان قريباً من متناوله، أو من الموجود في منطقة الطوفان، لا ما كان في أطراف الأرض البعيدة من أجناس الحيوان البريّ، فضلاً عما في أرضه من حشرات وآفات لا حصر لها، وقد قال تعالى في كيفية حمل ما حمله معه: ﴿حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠).
ومع فَرْض أنَّ ذلك الطوفان قد شمل جميع الأرض، فإنَّ المؤمنين الذين بقوا بعد الطوفان وكانوا قد ورثوا الأرض، لم تدم وراثتهم للأرض طويلاً؛ إذ سرعان ما فشا الشرك والكفر في ذريّاتهم، ولم يبقَ الدين ظاهراً على الأرض، قال تعالى في سورة هود: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: ٤٨)، وقال في سورة مريم بعد أن قصّ ما جرى على الأنبياء السابقين مع أممهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩).
وعلى فرض أنَّ أولئك الذين كانوا مع نوحٍ قد ورثوا الأرض، فإنَّ تلك الوراثة كانت محدودةً وقصيرة، ولا مانع أن تكون - مثلاً -، تمهيداً لوراثة المؤمنين للأرض بشكلٍ مطلقٍ وتامٍّ في آخر الزمان.

↑صفحة ٢١↑

ثمّ إنَّ بحثنا إنَّما هو عن الآيات التي ذكرها القرآن، وجاء فيها الوعد بأن يرث المؤمنون الأرض، وهذا الوعد إنَّما يكون في الزمن المستقبل بالنسبة إلى تلك الآيات، لا بالنسبة إلى الزمن الذي سبق ومضى قبل نزولها، فكلّ وراثةٍ للأرض كانت قد حدثت وسبقت ذلك، لن تكون مصداقاً لتلك الآيات التي جاء فيها ذلك الوعد.
والذي يحسم الأمر في هذه المسألة: أنَّ القرآن الكريم قد وعد بظهور الدين الإسلامي على الدين كلّه فيما يُعدّ مستقبلاً بالنسبة إلى نزول الآية، لا متقدّماً عليه، وأنّ معنى الوراثة الحقيقيّة يكون في آخر المطاف لحياة الدنيا، وأنَّ كلّ وراثةٍ قبلها فإنَّما هي وراثةٌ نسبيّة، فتنبّه.
الحال الثاني: أنَّ ظهور أمرِ المهدي (عليه السلام) يكون في آخر الزمان، ولا يكون بين ظهوره ويوم القيامة إلَّا أحداثٌ متعاقبةٌ تتبع ظهورَه المبارك، وتمضي في مسارٍ واحدٍ ينتهي بإرهاصات يوم القيامة.
وهذا الحالُ خاصٌّ بالإمام المهدي (عليه السلام)؛ إذ من المعلوم أنَّ ظهورَ حُكمِ أحدِ الأنبياء السابقين لم يستمر إلى يوم القيامة، بل ما من أُمّةٍ إلَّا وأصابها شيءٌ من الانحراف عن هدي نبيّها، وإن تفاوتتْ في ذلك زماناً وشدّةً، وسرعانَ ما يطغى التمرُّدُ في أجيالها المتعاقبة، فتتراجع عن مسيرته، وهذا معلومٌ مشهودٌ من أخبار الأنبياء والأُمم السابقين.
وهذا يشمل حكمَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ويكفي لبيانِ ذلك النظرُ إلى حال هذه الأُمّة في العصور التي تلت رحيلَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولا أقلَّ من الاطّلاع على حالِها في هذا الزمان، فالكثير من الأحكامِ معطّلةٌ، والمخالفات الشرعيّة منتشرةٌ، والابتعادُ عن أحكامِ الدين ظاهرٌ.
وإذا كانت السمةُ البارزةُ للوعد الإلهي هي ظهورَ الدينِ الإسلامي على الدينِ كلّه، فلا يبقى مجالٌ لأن يكون ذلك الوعدُ متحقّقاً في أيّ مرحلةٍ من

↑صفحة ٢٢↑

مراحل التاريخ السابقة، بل لابدّ أن يكون ذلك في ختام الدنيا، فإنَّ الدنيا إذا كانت دارَ التكليفِ والبلاءِ والابتلاءِ، وقد انتهى الأمرُ إلى أنَّ الدينَ قد ظهرَ في الأرض، وآمنَ به جميعُ أهلها، فلا شيء بعد ذلك إلَّا أن يمدَّ اللهُ تعالى ملكَهم وحكمَهم ما شاء اللهُ في الأرض، ليكون في ذلك حُجّةً على جميع الأُمم التي سكنت فيها، ويُختم أمرُ الدنيا بذلك، ومن هنا سُمّي ذلك الزمانُ بآخر الزمان.
الحال الثالث: أنَّ ظهورَ الإمامِ المهدي (عليه السلام) يكون مقروناً بالعملِ بالأمور الواقعيّة، لا الظاهريّة.
وبناءً على ذلك، لا يُقبَل إيمانُ أحدٍ إلَّا إذا كان فعلاً قد آمنَ بقلبه، ولا يُحكَم بكفرِ أحدٍ إلَّا إذا كان كافراً فعلاً؛ فلا يكون بين الناسِ إلَّا مؤمنٌ أو كافرٌ، فلا فرصةَ لبقاء منافقٍ، أو جاهلٍ، أو غافلٍ، أو من لا يعنيه الأمر، وهذا لم يكن قد حدثَ طوالَ عمرِ البشريّة بالنسبة إلى علاقتها بالدين، ولا يكونُ إلَّا بعدَ الظهور المباركِ للإمام (عليه السلام).
وهذا الاختفاءُ التامُّ للنفاقِ والكفرِ إمّا أن يكون نابعاً من استقامةِ نفوسِ الناسِ في ذلك الزمان، بحيث يكونون من صفوةِ البشريّة الذين صقلهم تاريخٌ طويلٌ من التمحيص، وإمّا نتيجةً لظهور العلمِ الإلهيِّ الذي يمدُّ الله به وليَّه، فيحكم بين الناسِ بما في واقعهم، لا بما يظهرُ منهم؛ فيُجري الأحكامَ على وفقِ ما يعلمُه الله من سرائرهم، فتُصفّى الساحةُ من كلِّ باطنٍ خبيث، ويتميّز فيها أهلُ الإيمانِ من غيرهم، ويمكن الجمع بين هذين الأمرين.
وإذا كان الله تعالى قد أظهر مثلَ ذلك في زمنِ موسى (عليه السلام) على يدِ العبدِ الصالح الذي كان يعمل وفقَ الواقع؛ إذ خرقَ السفينة، وقتلَ الغلام، وأقامَ الجدارَ على ضوءِ ما كان يستدعيه الواقع، فإنَّ ذلك كان إظهاراً لأمرِ الله، وليَعلَم موسى (عليه السلام)، ويعلَمَ الناسُ من بعده، أنَّ لله تعالى أحكاماً واقعيّةً، وأحكاماً ظاهريّةً.

↑صفحة ٢٣↑

وإذا كان موسى (عليه السلام) يعمل بحسبِ الظاهر، فإنَّ لله تعالى أن يأمر بعضَ عبادِه وجنودِه أن يعملوا ببعضِ الأحكامِ الواقعيّة، بحسبِ ما في علمِ الله تعالى من حِكمٍ ومصالح.
وبناءً على لحظِ تلك الأحوالِ الثلاثة، يمكن اكتشافُ المعلمِ الأوَّل من معالمِ القرآن بالنسبة إلى القضيّةِ المهدويّة؛ فإنَّ ما جاء في القرآن، وكان الحديثُ فيه عن حالِ الدينِ وحالِ المؤمنين، ولم يكن ينطبق على زمنٍ من الأزمنة الماضية، فلا مجالَ - مع الإيمانِ بصدقِ القرآن، وصدقِ وعدِ الله تعالى - إلَّا للإيمان بوقوعِ ذلك في مستقبلِ الأيام.
وإذا كان الله تعالى قد أظهر بعضَ ملامحِ ذلك الزمانِ في أُممٍ قد مضت، فإنَّما هو ليكونَ فيها مثالاً يُضرَب لحالِ المؤمنين في آخرِ الزمان، فإنَّ الله تعالى يضربُ الأمثالَ ليكونَ فيها للناسِ آية، ولا يستوحشون ممّا قد يسمعونه، أو يرونه من أحوالِ آخرِ الزمان.
لكنّ تلك الملامحَ التي يضربها الله مثلاً، لن تكونَ إلَّا في نطاقٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ ضيّق؛ إذ لا يُراد بها إلَّا التمثيل، ولا يكون ذلك مبسوطاً في المكانِ والزمانِ إلَّا في آخرِ الزمان.
ولكن هذا الكلام لا يتمُّ إلَّا إذا قرنَّاه بفكرة أن أمر الله تعالى لا يقوم إلَّا بجعل وتعيين من يقوم به، من أول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، مروراً بقوله: ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)، وقوله: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ (الأنبياء: ٧٣)، وقوله: ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ﴾ (ص: ٢٦).

↑صفحة ٢٤↑

فهذا الارتكاز المتحقق من الآيات التي تقدم ذكرها بخصوص ظهور الدين على الدين كله، والآيات الكثيرة التي أناطت الهدى بأشخاص مؤهلين له، هو الذي مهد للنبي (صلّى الله عليه وآله) أن يخبر الناس بوعد الله تعالى بظهور المهدي (عليه السلام).
الفصل الثاني: آيات الوعد الإلهي:
إذا تبيَّنتِ الأحوالُ التي تكون حافّةً بظهور المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، وفق ما يعتقده المسلمون عامةً، فإنَّ هناك جملةً من الآيات لا تنطبق إلَّا على الوعد الإلهي بذلك الظهور، ومن تلك الآيات:
الآية الأولى:
في سورة الصف، ومثلها في سورة التوبة، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣؛ الصف: ٩).
فإنَّ هذا الظهور - أي: ظهور الدين الذي جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على الدين كلّه - لم يتحقّق إلى اليوم، ولابدّ من تحقّقه في مستقبل الأيام، ولن يكون ذلك إلَّا في آخر الزمان، أي الزمان المتّصل بيوم القيامة، كما بيّنّاه فيما تقدّم.
الآية الثانية:
في سورة النور، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).

↑صفحة ٢٥↑

وهذه الآيةُ لم تتحقّق بعد أيضاً، فإنَّ المؤمنين لم يُستخلفوا في الأرض، ولم يتمكّنوا من دينهم الذي ارتضاه اللهُ تعالى لهم، ولم يُستبدل خوفُهم بالأمن، ويظهر ذلك عند ملاحظة واقع المؤمنين في الأرض في كلّ المراحل التاريخيّة الماضية إلى يومنا الحاضر.
وإذا قيل: إنَّ هذه الآية تشير إلى جماعة معيَّنة في زمنٍ معينٍ سابق، فيمكن الجواب عن ذلك بأنَّ في الآية بياناً لسنة الاستخلاف والتمكين، كما في قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ولا يظهر أنَّ هذه السُنَّة قد وقفت عند أُمَّة وانتهت، فإنَّ هذا لا ينسجم مع السنن الإلهية التي لها دوافع باقية، فإنَّ خوف المؤمنين وعدم تمكّنهم من أمرهم لم ينتهِ، لينتفي بذلك الحاجة إلى مثل هذا الوعد.
وإذا قيل: إنَّ الله تعالى قد جعل المؤمنين خلفاء في الأرض، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ (الأنعام: ١٦٥).
فإنَّه يقال: إنَّ هذا يدلّ على تحقّق الاستخلاف في سياق الابتلاء العام للإنسان، وليس في سياق التمكين الديني والعبوديّة الآمنة التي تضمّنها الوعد.
أمَّا الوعد الذي جاء في الآية المتقدّمة، فلا يكون مجدياً إلَّا إذا تضمّن حياة دائمةً من التمكين والأمن، والذي يشهد على أنَّ هذا الوعد ليس مؤقّتاً بحيث يزول بتمكّن الكافرين، ما دلَّت عليه الآية الأخرى في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرضِ﴾ (النمل: ٦٢).
فإنَّ هذه الآية، وإن جاءت في سياق الاستفهام الإنكاري الموجَّه للمشركين، فإنَّها تتضمَّن بياناً لقدرة الله تعالى على أن يستخلف عباده الصالحين

↑صفحة ٢٦↑

في الأرض، وتشير صيغة المضارعة ﴿يَجْعَلُكُمْ﴾ إلى إمكان استمرار هذا الجعل ودوامه فيمن استجاب لله، فتكون بشارة ضمنيّة بحالٍ من الاستخلاف التامّ لا يزول، يتحقّق في مستقبل الزمان.
الآية الثالثة:
في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
وهذه الوراثةُ لم تتحقّق كذلك، ولعمري، فإنَّ ذلك واضحٌ لا يعاند فيه ولا يغالط إلَّا مكابر.
وينبغي التنبيه هنا إلى أنَّ إشارة القرآن إلى وجود مثل تلك البشارة في الزبور، تكشف عن أنَّ الله تعالى قد حفظ ذلك النصّ عن التحريف - ولو في الجملة - لتبقى هذه الإشارة القرآنية محفوظة، ويمكن الرجوع إليها، والاستشهاد بها، لتكون حجّة على المسلمين، وعلى أهل الكتاب.
وإذا راجعنا الزبور، الذي هو كتاب داود (عليه السلام)، ويُسمّى بالمزامير، نجد أن المزمور ٣٧ يتحدّث عن ذلك، ومما جاء فيه:
(كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَاتْرُكِ السَّخَطَ، وَلاَ تَغرْ لِفِعْلِ الشَّرِّ؛ لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ، تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلاَ يَكُونُ. أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ... الرَّبُّ عَارِفٌ أَيَّامَ الْكُمَّلِ، وَمِيرَاثُهُمْ إِلَى الأَبَدِ يَكُونُ... لأَنَّ المُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُونَ الأَرْضَ، وَالمَلْعُونِينَ مِنْهُ يُقْطَعُونَ).
فالنصّ ظاهرٌ في الحديث عن وراثة الأرض، وأهلُ الوراثة فيه هم المتّصفون بالإيمان والانتظار والصلاح، دون الأشقياء والمفسدين.

↑صفحة ٢٧↑

الآية الرابعة:
في سورة الأنفال: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال: ٧-٨).
وهذا الوعدُ لم يتحقّق بعد أيضاً؛ فإنَّ دابرَ الكافرين لم يُقطع بعد، ولم يُبطل الله تعالى الباطل كلَّه إلى الآن، رغم ما نشهده من تكرار المواجهة بين الحقّ والباطل، وتداول الانتصار الظاهري بين أطراف الصراع.
الآية الخامسة:
في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (الصف: ٨).
وهذه الآية تُبرز المواجهة الدائمة بين أهل الباطل ونور الله الذي يتمثَّل في دينه الحقّ، وقد وعد الله بإتمام نوره رغم محاولة الكافرين إطفاءه، وهو ما لم يتحقّق بعد في صورةٍ نهائيّة شاملة.
الآية السادسة:
في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ (يونس: ٢٠).
وهي تشير إلى الانتظار المرتبط بالغيبيّات الإلهيّة التي لم تقع بعد، ومنها الوعد بالظهور؛ فالنصّ يُعزّز ثقافة الانتظار القرآنيّة التي ترتبط بتحقّق أمر الله المستقبلي.
الآية السابعة:
في سورة النحل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: ١).

↑صفحة ٢٨↑

وهي تحمل الوعيد والتحذير من الاستعجال في أمرٍ قضى الله بوقوعه، لكنه لمّا يتحقّق، وفي ذلك إشارة إلى أمرٍ موعودٍ قادم لا ريب فيه، ومنه الظهور المبارك.
خلاصة قرآنية حول الوعد الإلهي:
هذا ما جاء من الآيات التي تحدَّثت عمّا يرتبط بالقضيّة المهدويّة، والتي تُبرز أنَّ الله تعالى وعد بأن يُظهر أمره ودينه في آخر الزمان، ويستخلف المؤمنين في الأرض، ويُبطل الباطل، ويتمّ نوره، ويُحقّ الحقّ، ويقطع دابر الكافرين، ويورث عباده الصالحين الأرض.
وما دام هذا الوعد لم يتحقّق بعدُ، ولأنَّ وعد الله تعالى لابدّ أن يتحقّق - إذ لا يُخلف الله الميعاد - فلا محيص من وقوعه في زمانٍ لاحق، هو آخر الزمان، الزمان الذي يسبق يوم القيامة، ويكون خاتمةً لمسيرة التكليف والامتحان الإنساني في الأرض.
وإذا قيل: إنَّ هذا يقتضي استمرارَ نزولِ الوحي، وعدمَ انقطاعِ النبوّة، والحقُّ أنَّ الوحيَ والنبوّةَ قد انقطعا برحيلِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فهو خاتمُ النبيّين.
فالجواب: إنَّ الملائكةَ لا تتنزّلُ بالوحيِ النبويّ فقط، ولم تقلِ الآيةُ إنَّها تنزلُ بالوحي في ليلةِ القدر، بل قالتْ: إنَّ الملائكةَ تنزلُ بالأمر، وهذا لا يقتضي أن يكونَ من تنزلَ عليه نبيّاً. فإنَّ لفظَ (الأمر) في القرآن لا يختصّ بالتبليغِ التشريعي، بل يشمل التدبيرَ الإلهيَّ لأمورِ العبادِ والبلاد، كما في قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرضِ﴾ (السجدة: ٥)، وهو ما يجعل المتلقّي لهذا الأمرِ في مقامٍ من الخطورةِ والاختصاص، لا يليقُ إلَّا بمن كان حجّةً لله على خلقه، محيطاً بالحكمة، معصوماً عن الزلل.
وفي هذا السياق، يجدر الإلفات إلى أنَّ الوحيَ في القرآنِ ليسَ على قسمٍ واحدٍ، بل هو على قسمين: وحيٌ نبويٌّ خاصٌ بتبليغِ الرسالة، ووحيٌ غيرُ

↑صفحة ٢٩↑

نبويّ لا يقتضي نبوّةً ولا تشريعاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ (القصص: ٧)، و﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (النحل: ٦٨)، وليس الغرض هنا بيانَ أقسامِ الوحي تفصيلاً، بل الإشارةُ إلى هذا التنويع من باب الردّ على دعوى انحصار التنزّل بالأنبياء وحدهم.
ثمّ إنَّ الملائكةَ إذا كانتْ تتنزّلُ في ليلةِ القدرِ من كلِّ سنة، ولا تنزلُ على الإمام، فهي إمّا أن تنزلَ على فردٍ من الناس، أو على من يشاءُ اللهُ من عمومِ الناس، أو على جميعِ الناس. فإنْ كان نزولُها يُعدّ وحياً بالمعنى العام، ومن تنزلَ عليه يُعدّ نبيّاً أو مكلّفاً بتبليغِ أمرِ الله، فهذا نفسُه يردُ على المعترض، إذ يُثبتُ استمرارَ النبوّة، وهو خلافُ ما سلّمَ به المعترضُ أو أرادَ الدفاعَ عنه. وإنْ لم يكنْ نزولُها على أحد، فقد عُطّلَ ظاهرُ الآية، وهو غيرُ جائز؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤) ظاهرٌ في استمرارِ التنزّل.
ومع استبعادِ أن تتنزّلَ الملائكةُ على كلِّ فاسقٍ وكافرٍ وفاجرٍ في الأرض، بل وعلى من لا يملكُ مقامَ الطهارةِ الكاملةِ والولايةِ الشرعيّة، يكونُ تنزّلُها على الإمامِ المعصوم، وصيِّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أولى، بل أليقُ وأحرى؛ لما يقتضيه المقامُ من اختصاصٍ وعنايةٍ واصطفاءٍ إلهيٍّ.
الفصل الثالث: الآيات التي تتعلَّق بأحواله (عليه السلام) ووجه الحكمة فيها:
إذا كان القرآن لم يشخص الإمام المهدي (عليه السلام) بهويةٍ شخصيّة خاصة، فلم يذكره باسمه ونسبه وسماته الخاصّة، فهو بلا شك لحكمةٍ إلهيةٍ مقصودة، ومن وجوه تلك الحكمة ما يلي:
الوجه الأوَّل: وهو وجهٌ يعمُّ سائر الأئمة (عليهم السلام)، بلْ يشاركهم فيه عددٌ من الأنبياء، وهو الخوف عليهم من التتبّع والاستئصال من قبل أعداء الدين، والساعين إلى تقويضه في الأرض، فإنَّ ما جرى على الأنبياء السابقين

↑صفحة ٣٠↑

من ملاحقةٍ وتنكيلٍ يدلّ على أنَّ الإعلان عن الشخصيّة الإلهية المنتظَرة كان محفوفاً بالخطر، ولذلك اقتضت الحكمة أن لا يُفصَح عنها تفصيلاً، بل يُكتفى بالإشارة والتلميح.
ومن شواهد ذلك ما وقع في زمان موسى (عليه السلام): فإنَّ الله تعالى لم يصرّح بهويّته عند بني إسرائيل، بلْ أوحى إلى أُمِّه بأن تُلقيه في اليمّ إذا خافت عليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص: ٧)، ومع أنَّ فرعون كان قد بلغه خبرٌ عن منقذٍ سيولد في بني إسرائيل، فإنَّ غموضَ هويّته جعله يعمد إلى قتل كلِّ مولودٍ مَخافةَ ذلك الخطر، دون أن يظفر به.
ويشبه هذا ما جرى في زمان إبراهيم (عليه السلام)، كما يُفهم من سيرته، وعلى هذا المنوال.
قد يُقال: إنَّ القرآن قد صرَّح بأنَّ اسمَ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) كان مذكوراً ومعلوماً في الكتبِ السماوية التي نزلت، قال تعالى على لسان عيسى (عليه السلام): ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦)، وقال تعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأنعام: ١٥٧)، وقال: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة: ٨٩)، وقال أيضاً: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦)، على وجهٍ من وجوه تفسيرها.
إذاً، فإنَّ ذكرَ اسمِ مَن سيأتي ويكون حجَّةً على الناس في الكتبِ السماوية ليس أمراً بعيداً.
والجواب: إنَّ هذا يرجع إلى خصوصيةٍ في النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، إذ هو مركزُ الاحتجاجِ الإلهي؛ فهو الحُجَّة التي بها تثبتُ حُجَجُ الأنبياءِ السابقين؛ لأنَّ

↑صفحة ٣١↑

القرآنَ حُجّةٌ خالدةٌ، بخلاف معاجزهم التي لم تكن خالدة، وهو أيضاً الحُجّةُ التي بها تُثبَتُ كلُّ حُجّةٍ تأتي بعده (صلّى الله عليه وآله)، فإنَّ إثباتَ إمامة أوصيائه إنَّما كان عن طريقه، ولخصوصيّة هذه المركزية التي تحفظُ الحُجَج الماضية وتُثبِتُ الحُجَج اللاحقة، جرى التصريحُ باسمِه، والتبشيرُ بمبعثه.
ولذا تكفَّل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بتعريف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الناس، حيث قال عنه: «اسمُه يواطئ اسمي»، في إشارةٍ إلى القدرِ المتيقَّن من الحديث، وهو مطابقةُ الاسمِ الشخصيّ، لا الاسمِ المركّب أو الكامل.
وعليه، فإنَّ خفاء اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في النصّ القرآني لا يقدح في وجوده، ولا يضعف الدلالة على شخصيّته، إذا ثبتت له الصفات التي يُشار بها إلى حجّة الله في الأرض، ويكون المقصود من خفاء الاسم هو صونه من بطش الظالمين، لا رفع ذكره أو إنكار أمره، كما هو الشأن في نظر أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم.
الوجه الثَّاني: إنَّ التعريفَ بالإمامِ المهدي (عجَّل الله فرجه) يتوقَّفُ على التعريفِ بسلسلةِ الأئمةِ الذين سبقوه، وبهذا يكونُ الإيمانُ بشخصيّةِ الإمامِ المهدي (عجَّل الله فرجه) إيماناً خاصّاً، وما لم يؤمن الإنسانُ بالسلسلةِ التي سبقته، لا يسعه أنْ يؤمنَ به.
والإيمانُ بالسلسلةِ التي سبقته مشروطٌ بالإيمانِ بكلِّ واحدٍ من أفرادِها، وهذا بدوره لا يتحقّقُ إلَّا بالإيمانِ برأسها وأوّلها، وهو أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، الذي رفعَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) يدَه يومَ الغدير وقال: «من كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه».
ومثلُ هذا الإيمانِ الخاصّ لا يكونُ جديراً به إلَّا من قدَّم من نفسِه الطاعةَ والاستسلامَ لأمرِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيما أمره قبله، ومن جحدَ ذلك حُجبَ عنه ما يتلوه، وحُرمَ منه؛ فلا يكونُ مهيّئاً لتلقّيه، ولا مستعدّاً لقبولِه.

↑صفحة ٣٢↑

وعليه: فإنَّ من لا يؤمنُ برأسِ هذه السلسلة، وأوّلها، لا تتجلّى الحكمةُ في أنْ يُخبَرَ باسمِ تاليها وآخرها، بلْ قد يكونُ إخبارُه بذلك ذريعةً يُحتَجُّ بها لردّ سائرِ السلسلة، بحجّة أنَّه لو كانَ هؤلاء أئمّةً لذُكروا في القرآن كما ذُكر المهديُّ فيه.
وإذا ذُكروا جميعاً وفقَ الترتيبِ الخاصّ بهم، فإنَّ هذا الذكرَ يستدعي تعقّبَهم، والتنكيلَ بهم، واستئصالَهم من قبلِ أعداءِ الدينِ وخطّ الحقّ الإلهي، كما تقدم في الوجه الأوَّل.
وقد يُقال: إنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على حمايتِهم، وحفظِهم، إلى أنْ يقوموا بدورِهم.
فالجواب: إنَّ اللهَ تعالى إنَّما أجرى سننهُ في الأرض، وفي أنبيائهِ وأوصيائه، على وفقِ النمطِ الطبيعي الذي يحفظُ للإنسانِ اختيارَه، ولا يقهرُه على الإيمان، وإلَّا لما سمحَ بأنْ يُقتلَ الأنبياءُ السابقون، وقتلُ الأنبياءِ السابقين واقع، قال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩١).
الوجه الثَّالث: إنَّ ذكرَ المهدي (عجَّل الله فرجه) في القرآنِ باسمه، لن يكونَ مانعاً من انتحالِ اسمِه وصفته، وقد تكرّر هذا المشهد في كلِّ عصرٍ وزمان، سواء بالنسبة إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، أو بالنسبة إلى من له شأنٌ معه بالظهورِ والأمر.
فقد انتحلت شخصيّاتٌ كثيرةٌ أسماءً وصفاتٍ منسوبةً إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كـ(المنصور)، و(المنتصر)، و(المهدي)، و(المستهدي)، و(الرشيد)، وما شابهها، بلْ إنَّ الانتحالَ بلغ أسماءً تعلّقت بمن لهم موقعٌ في القضيّةِ المهدويّة، كـ(ذي النفس الزكيّة).

↑صفحة ٣٣↑

وهذا الأمرُ لم يخلُ منه حتَّى ما يخصُّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام)، فقد انتحلت جملةٌ من ألقابِه وصفاتِه، كـ(الصدّيق)، و(الفاروق)، ونحوِهما.
فإذا ذُكرَ الاسمُ في القرآن من غيرِ قيدٍ، قد يكونُ ذلك تدعيماً لدعوى المُدّعين، وتسهيلاً لحالِ المنتحلين.
وعليه، فقد اقتصرَ القرآنُ على ذكرِ الآياتِ التي تمهّدُ لتفهّمِ أحوالِ الإمام المهدي (عليه السلام)، وتُهيّئُ النفوسَ لتقبّلِ ما سيكونُ من شأنِه وأمرِه، وهذا ما سيأتي ذكرُه تحتَ العنوانِ الآتي إنْ شاءَ الله تعالى.
تَمهيداتٌ قُرآنيَّةٌ لِأحوالِ الإمامِ المهديِّ (عجَّل الله فرجه):
إنَّ مما يُزيل وحشة الاستغراب في أمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أنَّه لم يخرج عن سنن الله في عباده السابقين، بل سبقت في القرآن نماذج من أحوال بعض الأنبياء والأولياء، تشبه في صورها أو مقاصدها تلك الأحوال التي تميّز شخصيّة الإمام، وتهيّئ النفوس لتقبّلها دون نفرة، ولا إنكار، ومن أبرز تلك السنن التي قصّها الله في كتابه:
١. خفاء الولادة وما يكتنفها من ظروف:
حالة ولادة الإمام المهديّ (عجَّل الله فرجه) وقعت في ظرفٍ خفيٍّ، استوجب الإخفاء والستر، وهو أمر قد تستغربه العقول لولا أنَّ الله قصَّ نظيره في ولادة موسى (عليه السلام) التي اكتنفتها حالٌ من الخوف والتحفّظ، إذ قال تعالى:
﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص: ٧)، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (طه: ٣٩).
فكان الخفاء في الولادة من مقتضيات الحفظ الإلهي، لا من علامات ضعف الشخصية، بل هو تمهيد لرعاية خاصة وعناية ربانية.

↑صفحة ٣٤↑

٢. نيل الإمامة وهو صغير السن:
إنَّ من خصائص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أنَّه نال عهد الإمامة وهو في سنٍّ لم تبلُغ الرشد الظاهري، وهذا أيضاً مهَّد له القرآن فيما قصَّ عن حال يحيى (عليه السلام) إذ قال تعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
فبيَّن أنَّ الكمال العقلي والروحي لا يتوقّف على السنّ، بل على الفيض الربّاني إن شاء الله تعالى أن يُنزل على عبده حكماً في صِغَر سنِّه.
٣. الخوف والتحفّظ والغيبة الوقائية:
غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليست خروجاً عن المألوف، بل هي سُنَّة سبق إليها نبيّ الله موسى (عليه السلام) حين خرج من المدينة خائفاً يترقَّب، حفاظاً على نفسه من بطش الظالمين، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢١).
وهكذا تكون الغيبة مرحلة وقائية تسبق الظهور الإلهي، لا انقطاعاً عن المهمّة، بل تهيئة لما بعد الانكشاف والعودة.
٤. طول العمر كابتلاءٍ واختبار، لا خرقٍ للسنن:
قال تعالى في شأن نوح (عليه السلام): ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾ (العنكبوت: ١٤).
وليس هذا التحديد العددي إلَّا بياناً لحكمة الله في مقادير الأعمار، وإشارة إلى أنَّ في كل مدةٍ حكمةً، وأنَّ طول العمر قد يكون من أعظم ميادين الامتحان، يُقاس بالصبر لا بالأيام.
وقد يُنبّه على أنَّ من عمد إلى اقتباس هذا الرقم لتحديد عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أو توقيت ظهوره، فقد غفل عن الأصل المقصود، وهو أنَّ لله في

↑صفحة ٣٥↑

الأعمار تقديراً خاصّاً، لا يصحّ إسقاطه بالقياس، ولا يُعرف وجهه إلَّا لمن شاء الله له علماً من لدنه، فإنَّ التحديد الوارد في الآية لم يُذكر ليُؤخذ قاعدة، بل ليُظهِر حكمة الله في تفصيل الأزمان والأدوار.
٥. الحضور مع الجهالة، وتأجيل التعرف لحكمة ربانية:
جاء في سورة يوسف (عليه السلام) أنَّ إخوته دخلوا عليه وهو عزيز مصر، فلم يعرفوه، قال تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (يوسف: ٥٨).
وهم كانوا إخوته الذين ربّوه، وعاشوا معه في طفولته، ولكنّهم لم يعرفوه لما تغيّر المقام، وتبدّلت الصورة، وكان ذلك حكمة ربّانية عظيمة، إذ لم يُبادِر يوسف بإرسال رسول إلى أبيه وهو في موقع السلطان، مع ما في قلبه من الشوق، بل اختار الانتظار، واتَّبع في ذلك مساراً محكماً فصلته السورة الكريمة تفصيلاً، ليقع التعرف في وقت معيّن شاءه الله تعالى.
فكذلك الإمام المهديّ (عجَّل الله فرجه) يكون حاضراً بين الناس، يراهم ويرونه، ولكن لا يُعرَف إلَّا في وقتٍ يُريده الله، فليست الحكمة في الإخفاء فقط، بل في تأجيل الظهور والتعريف لحكمةٍ تتعلّق بالنظام الكوني، لا يعرفها إلَّا المقرّبون من باب العلم الإلهي.
٦. رجوعه من غيبته بعد أنْ ظنَّ الناسُ أنَّه قد هلك:
وقد مهَّد الله تعالى لذلك بقصّة يونس (عليه السلام)، فقد غاب عن قومه، ومنهم من علم أنَّه أُلقي في البحر، فلم يتوقع نجاته، ومن انقطعت عنه أخباره توهّم هلاكه، ثم عاد إليهم فجأة وهو حيٌّ يُرزق، غير أنَّ بين الغيبتين فرقاً جوهريّاً: فغيبة يونس (عليه السلام) على استعجاله ومفارقته قومه قبل أن يُؤمر، كما قال تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء: ٨٧)، بينما غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) إنَّما هي - على الأرجح - عقوبة للأُمَّة التي لم تحفظ مقامه، أو أنكرت حقّه، فحُرِمتْ من ظهوره، كما دلَّت عليه بعض الروايات الشريفة،

↑صفحة ٣٦↑

وهذا الفرق يوجب التفطّن إلى أنَّ غيبته (عليه السلام) في ذاتها ليست نقيصة، بل هي مظهرٌ من مظاهر الرحمة الإلهية من جهة، والتمحيص من جهة أخرى.
٧. ظهور أمره بعد غيبة واستضعاف:
وقد مهَّد الله تعالى لذلك بما جرى لموسى (عليه السلام)، فبعد أن غاب مدّة من الزمان، وكان مطارَداً خائفاً يترقَّب، عاد فدخل على فرعون في عقر داره، وسط سطوته وسلطانه، وأثبت الله أمره، وأيَّده بالآيات، حتَّى أهلك فرعون، ونجّى بني إسرائيل بقيادة موسى (عليه السلام)، فالمطارَد صار هو القائد الغالب، والمستضعف أصبح هو المستخلف.
٨. قيام أمره بالقتل والانتقام:
وقد مهَّد الله تعالى لذلك بما أمر به نبيّه محمداً (صلّى الله عليه وآله) بعد أن قويت شوكته، وأذن الله له بالمواجهة، وبُيِّنت له حدود القتال، فنفّذ ذلك حتى فُتحت مكّة، وطُهّرت الأرض الحرام من الشرك، وأُرغمت أنوف أعداء الدين، فكان هذا التحوّل في موقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المسالِمة إلى المقارعة شاهداً على أنَّ المهدي (عليه السلام) إذا قام، فإنَّه قائم بالسيف، لا مداهنة معه، ولا هوادة في أمره، إذ لا يُناط ظهوره بالدعوة فقط، بل هو الذي يُقيم دعائم الحقّ بالسنان بعد أن أُقصيت عن موضعها.
٩. سعة الملك وبسط اليد على الأرض:
وقد مهَّد الله تعالى لذلك بما حكاه عن ملك سليمان (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ* فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (ص: ٣٥-٤٠).

↑صفحة ٣٧↑

وربَّما يُفهم من ظاهر قوله: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أنَّ مثل هذا الملك لا يُعطى لأحد بعده.
والجواب على ذلك: أنَّ الآيات لا يوجد فيه تصريح باستجابة الله تعالى لهذه الدعاء، كما أجيبت دعوة موسى وهارون (عليهما السلام) كما في قوله تعالى: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ (يونس: ٨٩)، أو قوله: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (القصص: ١٦)، وأمثال ذلك، بل انتقلت الآية إلى بيان ما وُهب إليه من الملك.
وعلى القول بأنَّ دعاء سليمان (عليه السلام) قد أجيب فهو كان مقصوراً على أهل زمانه، أي: أن لا يشاركه أحد في ذلك الملك في زمن نبوَّته، ليكون علامةً على صدقه، ومعجزة تؤيد دعوته، والشاهد على ذلك أنَّه جعل ذلك الملك آية في دعوته لملكة سبأ، فأتى بعرشها، وأظهر بذلك سلطانه، فكان ذلك سبباً في إسلامها وإيمان مملكتها؛ فالمقام مقام إعجاز لا حظرٍ أبدي، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين ما جاء في هذه الآية وما روي عن أخبار آخر الزمان وما يظهر فيه من إمكانات وقدرات على يد الإمام (عليه السلام) وعلى يد المؤمنين الذين هم معه، فيكون ما جاء في الآية شاهداً على إمكان تحقق ذلك في الحياة الدنيا، ويكون نموذجاً لما سيكون في آخر الزمان، شأن ذلك شأن الآيات التي تقدم ذكرها جميعاً في أنَّها نماذج قرآنية قُدِّمت لئلا يستبعد المؤمن ما سيُخبَر به عن آخر الزمان، والله العالم.
الختام:
لقد تبيَّن من خلال هذا البحث الموجز أنَّ القرآن الكريم، وإن لم يصرّح باسم الإمام المهدي (عليه السلام) وصفاته وهويته الخاصة لحكمة ما في ذلك، فقد مهَّد لظهوره المبارك تمهيداً نفسيّاً وعقَديّاً، وبيَّن سمات المرحلة التي سيُبعث فيها،

↑صفحة ٣٨↑

من خلال جملة من الآيات الكريمة التي بشَّرت بظهور الدين على الدين كلّه، واستخلاف المؤمنين في الأرض، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإتمام النور، ووراثة الصالحين، وكلها لم تتحقّق بعد، ما يدلّ على أنَّها وعدٌ مستقبليٌّ لا يتحقق إلَّا في زمان خاصّ قبيل يوم القيامة.
وقد تمّ عرض شواهد قرآنية على خصوصيات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من قبيل الغيبة، وطول العمر، والخفاء الوقائي، والظهور بعد الاستضعاف، ونيل الإمامة في صغره، وكلها سننٌ قد ثبت نظائرها في قصص الأنبياء وأولياء الله السابقين، فلا وجه لاستبعادها أو التعجّب منها.
إنَّ القضية المهدوية ليست غريبة عن منطق القرآن، بل هي امتدادٌ طبيعيٌّ لمسيرة الدين الإلهي، وخاتمةٌ لعهد الاستخلاف على الأرض قبل يوم الفصل، وهي لذلك تستند إلى وعدٍ ربانيٍّ لا يمكن أن يُخلف، ويُمهّد لقيام دولة العدل الكبرى على يد بقية الله في أرضه، الحجة بن الحسن (عجَّل الله فرجه).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

↑صفحة ٣٩↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ٥ : ٠
: السيد محمد حسين العميدي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.