بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

(١٣٤٥) ما معنى الأبدال وما هو دورهم؟

كثيراً ما أسمع عن الأبدال، فما معناهم، وما هو دورهم؟


بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفيروزآبادي: (بدل الشيء: الخَلَف منه) [القاموس المحيط: ج٣، ص٣٣٣].
جاء اصطلاح الأبدال (من دون إضافة ولا متعلَّق) في نصوص متعدِّدة، قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله): (الحكاية السادسة والعشرون: في (الصراط المستقيم) للشيخ زين الدِّين عليِّ بن يونس العاملي البياضي: قال مؤلِّف هذا الكتاب عليُّ بن محمّد بن يونس: خرجت مع جماعة تزيد على أربعين رجلاً إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم (عليه السلام)، فكنَّا عن حضرته نحو ميل من الأرض، فرأينا فارساً معترضاً، فظننَّاه يريد أخذ ما معنا، فخبَّينا ما خفنا عليه، فلمَّا وصلنا رأينا آثار فرسه ولم نرَه، فنظرنا ما حول القبلة فلم نرَ أحداً، فتعجَّبنا من ذلك مع استواء الأرض، وحضور الشمس، وعدم المانع، فلا يمتنع أنْ يكون هو الإمام (عليه السلام) أو أحد الأبدال) [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٣، ص٢٥٦، عن الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي: ج٢، ص٢٦٣].
ونقل العلَّامة المجلسي (رحمه الله) عن الكفعمي، فقال: (وقال الشيخ الكفعمي (رحمه الله) في هامش جنَّته عند ذكر دعاء أُمِّ داود: قيل: إنَّ الأرض لا يخلو من القطب، وأربعة أوتاد، وأربعين أبدالاً، وسبعين نجيباً، وثلاثمائة وستِّين صالحاً، فالقطب هو المهدي (عليه السلام)، ولا يكون الأوتاد أقلّ من أربعة، لأنَّ الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الأربعة أطنابها، وقد يكون الأوتاد أكثر من أربعة، والأبدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين، والصلحاء أكثر من ثلاث مائة وستِّين، والظاهر أنَّ الخضر وإلياس من الأوتاد، فهما ملاصقان لدائرة القطب.
وأمَّا صفة الأوتاد، فهم قوم لا يغفلون عن ربِّهم طرفة عين، ولا يجمعون من الدنيا إلَّا البلاغ، ولا تصدر منهم هفوات الشرِّ، ولا يُشترَط فيهم العصمة من السهو والنسيان، بل من فعل القبيح، ويُشترَط ذلك في القطب.
وأمَّا الأبدال فدون هؤلاء في المراقبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكُّر، ولا يتعمَّدون ذنباً.
وأمَّا النجباء فهم دون الأبدال...) [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٣، ص٣٠١].
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) بعد نقله لإحدى حكايات اللقاء: (وفيه إشارة إلى أنَّ مَنْ ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه (عليه السلام)، وهو من الأوتاد أو من الأبدال، في الكلام المتقدِّم عن الكفعمي (رحمه الله)) [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٣، ص٣٢١].
وروى المجلسي (رحمه الله) مناجاة للإمام السجَّاد (عليه السلام)، قال فيها: مناجاة له أُخرى (صلَّى الله عليه) تُعرَف بالصغرى، وهي مناجاة طويلة ورد فيها: «... وَاِجْعَلْنَا بِخِدْمَتِكَ لِلْعِبَادِ وَاَلْأَبْدَالِ فِي أَقْطَارِهَا طُلَّاباً، وَلِلْخَاصَّةِ مِنْ أَصْفِيَائِكَ أَصْحَاباً، وَلِلْمُرِيدِينَ اَلمُتَعَلِّقِينَ بِبَابِكَ أَحْبَاباً...» [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٩١، ص١٢٤ - ١٢٨].
وفي دعاء أُمِّ داود: «اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى اَلْأَبْدَالِ وَاَلْأَوْتَادِ وَاَلسُّيَّاحِ وَاَلْعُبَّادِ وَاَلمُخْلِصِينَ وَاَلزُّهَّادِ وَأَهْلِ اَلْجِدِّ وَاَلْاِجْتِهَادِ، وَاُخْصُصْ مُحَمَّداً وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِأَفْضَلِ صَلَوَاتِكَ» [مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: ص٨٠٩].
وقال ابن أبي الحديد في شرح واحدة من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام): (فالشيعة الإماميَّة تزعم أنَّ المراد به المهدي المنتظَر عندهم، والصوفيَّة يزعمون أنَّه يعني به وليّ الله في الأرض، وعندهم أنَّ الدنيا لا تخلو عن الأبدال، وهم أربعون...) [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١٠، ص٩٦].
من هذا يُعلَم أنَّ مصطلح الأبدال متعارف عند العلماء، وأنَّه يُراد به مجموعة من المؤمنين الذين ترفَّعوا عن الذنوب والأسواء، وطهَّروا نفوسهم بالعبادة والطاعة.
وهذا المعنى قد يُستفاد من بعض النصوص الخاصَّة، من ذلك ما روي أنَّ هناك ثلاثين رجلاً يرافقون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته، وأنَّهم بهم تُرَدُّ الوحشة عنه (عجَّل الله فرجه)، فقد روي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ طَيْبَةُ، ومَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ» [الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٤٠، باب في الغيبة، ح١٦].
إذ يمكن القول: إنَّ هؤلاء الثلاثين هم الأبدال أنفسهم، كلَّما مات أحدهم أبدله الله تعالى بغيره ليكون رفيقاً له (عجَّل الله فرجه) زمن غيبته.
وفسَّره بعضٌ بأنَّ المقصود هو أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في عمر الثلاثين، ومَنْ كان كذلك فلا يستوحش، حيث قال المولى محمّد صالح المازندراني (رحمه الله): (وقيل: يحتمل أنْ يكون المراد أنَّه (عليه السلام) على هيأة مَنْ سنُّه ثلاثون سنة أبداً، وما في هذا السنِّ من وحشة) [شرح أصول الكافي لمولى محمد صالح المازندراني: ج٦، ص٢٦٥].
بينما علَّق العلَّامة المجلسي (رحمه الله) على هذه الرواية بقوله: (أي هو (عليه السلام) مع ثلاثين من مواليه وخواصِّه، وليس لهم وحشة لاستيناس بعضهم ببعض، أو هو (عليه السلام) داخل في العدد فلا يستوحش هو أيضاً، أو الباء بمعنى مع أي لا يستوحش (عليه السلام) لكونه مع ثلاثين، وقيل: هو مخصوص بالغيبة الصغرى، وما قيل: من أنَّ المراد أنَّه (عليه السلام) في هيأة مَنْ هو في سنِّ ثلاثين سنة ومَنْ كان كذلك لا يستوحش فهو في غاية البُعد) [مرآة العقول للعلامة المجلسي: ج٤، ص٥٠ و٥١].
وفي البحار في توجيه رواية (وما بثلاثين من وحشة) قال: وظاهر الخبر كما صرح به شراح الأحاديث أنه (عليه السلام) يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، وقيل: إن المراد أنه على هيئة من سنه ثلاثون أبداً وما في هذا السن وحشة وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة، وهذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام (عليه السلام) في غيبته لابدَّ أن يتبادلوا في كل قرن إذ لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم (عليه السلام)، ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً ولياً يتشرفون بلقائه [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٣، ص٣٢٠].
وفي روايات العامَّة أنَّ عددهم يتراوح بين الثلاثين والأربعين أو أكثر - حسب اختلاف النصوص -، كلَّما مات أحدهم أبدله الله تعالى بغيره، وهؤلاء يكونون من أسباب رزق الله تعالى أهل الأرض الغيث، ونصر الله تعالى على الأعداء.
فقد روى أحمد بسنده عَنْ شُرَيْحٍ يَعْنِي اِبْنَ عُبَيْدٍ، قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ اَلشَّامِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)] وَهُوَ بِاَلْعِرَاقِ، فَقَالُوا: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «لَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله [(صلَّى الله عليه وآله)] يَقُولُ: «اَلْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِاَلشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلاً، يُسْقَى بِهِمُ اَلْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى اَلْأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ اَلشَّامِ بِهِمِ اَلْعَذَابُ» [مسند أحمد: ج٢، ص٢٣١، ح ٨٩٦].
والرواية مع ضعف سندها يُشَمُّ منها رائحة الوضع، وإرادة مدح أهل الشام على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأمارات الوضع الأُموي فيها واضحة بارزة.
بعض نصوص العامَّة ذكرت أنَّهم أربعون رجلاً من الشام، وثلاثون من سائر الأرض، وبعضها ذكرت (أنَّ الأبدال بالشام في حمص خمسة وعشرون رجلاً، وفي دمشق ثلاثة عشر، وببيسان اثنان).
وبعضها ذكرت أنَّ (بدمشق من الأبدال سبعة عشر نفساً، وببيسان أربعة).
وبعض آخر ذكر: (الأبدال سبعون، فستُّون بالشام، وعشرة بسائر الأرضين) [تاريخ مدينة دمشق: ج١، ص٢٩٩].
وبعضها احتمل وجود نساء أيضاً من الأبدال.
وقال ابن أبي الحديد في شرحه لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «اَللَّهُمَّ بَلَى، لَا تَخْلُو اَلْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ بِحُجَّةِ الله تَعَالَى»: (كيلا يخلو الزمان ممَّن هو مهيمن لله تعالى على عباده، ومسيطر عليهم، وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإماميَّة، إلَّا أنَّ أصحابنا يحملونه على أنَّ المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبويَّة عنهم أنَّهم في الأرض سائحون، فمنهم مَنْ يُعرَف، ومنهم مَنْ لا يُعرَف، وأنَّهم لا يموتون حتَّى يودعوا السرَّ، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم) [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١٨، ص٣٥١].
نعم، نحن نتحفَّظ على أنَّ الأبدال بهذه الصفات هم من الشام فقط، على أنَّ الوارد في رواياتنا الخاصَّة أنَّ الله تعالى يحفظ الأرض ويرزق أهلها بأهل البيت (عليهم السلام)، من قبيل ما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: «بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ اَلسَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَبِكُمْ يُنَفِّسُ اَلْهَمَّ وَيَكْشِفُ اَلضُّرَّ...» [من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج٢، ص٦١٥، ح٣٢١٣].
وما روي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ اَلْأَعْمَشِ، عَنِ اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ (عليهم السلام)، قَالَ: «نَحْنُ أَئِمَّةُ اَلمُسْلِمِينَ، وَحُجَجُ الله عَلَى اَلْعَالَمِينَ، وَسَادَةُ اَلمُؤْمِنِينَ، وَقَادَةُ اَلْغُرِّ اَلمُحَجَّلِينَ، وَمَوَالِي اَلمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ، وَنَحْنُ اَلَّذِينَ بِنَا يُمْسِكُ اللهُ اَلسَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَبِنَا يُمْسِكُ اَلْأَرْضَ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، وَبِنَا يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ، وَتُنْشَرُ اَلرَّحْمَةُ، وَتَخْرُجُ بَرَكَاتُ اَلْأَرْضِ، وَلَوْ لَا مَا فِي اَلْأَرْضِ مِنَّا لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا»، ثُمَّ قَالَ: «وَلَمْ تَخْلُ اَلْأَرْضُ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا ظَاهِرٍ مَشْهُورٍ أَوْ غَائِبٍ مَسْتُورٍ، وَلَا تَخْلُو إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يُعْبَدِ اللهُ»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقُلْتُ لِلصَّادِقِ (عليه السلام): فَكَيْفَ يَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِالْحُجَّةِ اَلْغَائِبِ اَلمَسْتُورِ؟ قَالَ: «كَمَا يَنْتَفِعُونَ بِالشَّمْسِ إِذَا سَتَرَهَا اَلسَّحَابُ» [كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٢٠٧، ب٢١، ح٢٢].
ودمتم برعاية المولى صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه)

أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) : ٢٠٢٦/١٠/١٤ : ١٤ : ٠
: أبو سجاد : مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
التعليقات:
لا توجد تعليقات.